Category Archives: حياة روحية

لماذا نبارك البيوت بالماء المقدس في عيد الظهور الإلهي؟

لماذا نبارك البيوت بالماء المقدس في عيد الظهور الإلهي؟

الأب دايفد موزر

نقلها إلى العربية كمال كدر

منذ عدة سنوات، حين كنتُ شماساً، قمتُ بزيارة مع بعض الأصدقاء غير الأرثوذكسيين الذين كانوا يتعرّفون على الأرثوذكسية، إلا أنّهم، وللأسف، لم يستمروا في اهتمامهم هذا ونقضوا وعدهم بأن ينضموا إليها. وقد كنا نناقش موضوع تكريس منزلهم. أنا أرى الأمر على هذا المنوال.

إن هذا العالم وهذه الخليقة واقعان في العبودية؛ العدو يقبض على الأرض. الشرير الذي استعبد كل الخليقة في السقوط يمطالب بكل ركنٍ وزاوية من الأرض. وللحظة بدا وكأنه قادر على القبض عليها والاحتفاظ بها. بعدها وصل بعيداً في محاولته أن يستعبد سيّد الكلّوأن يقيّد الحياة بسلاسل الموت، لكن قوته كُسرتْ. إلا أن الخليقة لا زالت في حالة السقوط، لا زالت أرض نزاعٍ في المعركة الروحية.

ونحن كمسيحيين منخرطون في هذا الصراع من أجل إعادة الطبيعة الساقطة إلى ملكوت الله. كثيراً ما نتكلم عن هذا من ناحية خلاصنا الشخصيّ. لكن الكنيسة، مخاطبةً الخليقة جمعاء بطريقة شاملة، تمدّ يدها وتُصلح القليل هنا والقليل هناك من الخليقة بشكل عام.

ونحن نفعل ذلك من أجل استعادة فائدة الخليقة لإنجاز خلاصنا الشخصيّ. من هنا نحن نبارك أي شيء قد يساعد في خلاصنا، وبمباركتنا إياه نعيده لملكوت الله.

إن الأمور التي تتفوق على بيوتنا في الأهمية بالنسبة لحياتنا هي قليلة جداً. ففي بيوتنا نصلّي، نعمل، نتحدث مع الآخرين، ننظّم حياتنا، ونحافظ على زواجنا فأي مكان هو أكثر أهمية للعمل على استعادة ملكوت الله من البيت وهل من الأفضل أن نستمر بالعيش في مكان يحتلّه العدو؟ يجب علينا، من أجل إنجاز أفضل لخلاصنا طرح العدو خارج بيوتنا وإبقاءه خارجاً من خلال صلواتنا وتقديس حياتنا، ومن خلال الرشّ السنوي بالماء المقدس في عيد الظهور الإلهي.

From a post on the Orthodox mailing list of the St Seraphim of Sarov Orthodox Church, April 30, 1996

عصاب العِطَل

عصاب العِطَل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلتها إلى العربية ينال ابراهيم

اليوم وقد مر الاثنا عشر يوماً، أي أيام عيدي الميلاد والظهور الإلهي، علينا تذكّر وجهة نظر الطبيب النفسي الشهير فيكتور فرانكل، وهي مثيرة للاهتمام وترتبط بأنواع مختلفة من العصاب وخاصة العصاب النوولوجي (noögenic)[1].

يميز الطبيب الكبير في أعماله بين العصابات ذات المنشأ النفسي والتي تقع في ميدان علم النفس، وبين العصابات ذات المنشأ النووسي [2] والتي ترتبط بالبعد النوولوجي (الذهني) للوجود الإنساني أو ما يسمّى اكتساب معنى للحياة. إنه يستعرض حقيقة أن الناس اليوم يعانون بشكل أساسي لأنهم يفتقدون معنى حياتهم وهذا يتجلى بنواحٍ عدة.

ويحكي فرانكل عن عدة أنواع من العصابات ومن بينها عصاب الأحد، وهو عندما يدرك الشخص فراغه الوجودي، تحديداً عندماينتهي عبء الأسبوع المزدحم بالأشغال بيوم الأحد، ويطهر الفراغ فجأة في داخله“. أي عندما يحاول الإنسان طوال الأسبوع تناسي هذا الفراغ الوجودي بالانشغال والعمل باستمرار، متناسياً أن حياته بلا معنى. وهكذا عندما يتوقف هذا النشاط، يغمره الكآبة والألم مع عواقب رهيبة.

بإمكاننا تعزيز هذا الجانب لدى فرنكل بالقول أننا نلاحظ مرات كثيرة الناس من حولنا واقعين في عصاب العطَل. وما قد تمّ التحقق منه في أيام الأحد، يمكن تبيانه خلال العطل الرئيسية عند المسيحيين كعطل الميلاد والفصح وغيرها.

وبصرف النظر عما يتحدّث عنه الدكتور فرانكل على أنه يحدث في أيام الآحاد والعطل الكبرى، فإننا نلاحظ الحالات نفسها. فالناس (وخاصة هنا في اليونان) يتجهّزون للأعياد الكبرى كالميلاد والفصح. إنهم يعتقدون أنهم سيجدون ما يشبع جوعهم وعطشهم الوجوديين.لكنهم لا يبحثون عنه في أعماق قلوبهم ولا يقاربون المعنى الحقيقي والأكثر عمقاً لأحداث هذه العطلة، كالتوبة والتواضع والاستعداد الفكري، والاعتراف والمناولة. بالمقابل، إنهم يركّزون على الأوجه الخارجية كشراء السلع المختلفة والرحلات والزيارات ومائدة العيد. بالطبع إن هذه الأعمال النموذجية الخارجية لا تفي بحاجة الحالة الروحية عند الأشخاص، وبالتالي يبقى الخواء الوجودي والفراغ.

لذلك وبينما يتوقع المرء أن تجيب العطلة على أسئلته الوجودية حول شؤون الحياة والموت، لا يتحقق ذلك لأنه يبقى على السطح ولا يغوص في عمق الأحداث. هذا يقوده فقط إلى الاكتئاب واليأس والفراغ. وقد لاحظ كثيرون أنّ خلال مواسم الأعياد تقع المشاحنات ضمن العائلات، وتزداد جرائم القتل، وتنمو الصدمات النفسية. وكل هذا يتّضح ضمن هذا المنظور، لأن الإنسان يفشل في هذه الأيام المهمّة بإعطاء السكينة لروحه، رغم بحثه وحنينه المتّقدين.

أحدى الطرق لتجنّب ألم عصاب العطَل هي في اتّباع تعليم الكنيسة عن هذه الأعياد مع أيام التهيئة الأربعين، وبالطبع بالاشتراك قدر المستطاع في الخدم الكنسية.

[1] العصاب النوولوجي noögenic: هو أحد أشكال العصاب التي تبدأ على شكل إحباط وجودي (existential frustration) يتبع فترة العطلة أو الراحة. لم نجد مرادفاً لكلمة النوولوجي في اللغة العربية فارتأينا ترك الكلمة كما هي. أول من حدد هذا العصاب هو فيكتور فرانكل في كلامه عن العلاج باللوغو (logothérapie) وهو علاج نفسي قوامه تمكين الفرد لتحديد معنى حياته حيث يستخدم فيكتور فرانكل نهجاً شمولياً للفرد لجعله يدرك معنى الحياة. العلاج باللوغو يختلف جذرياً مع التحليل النفسي في عدم اعتبار الجنس أساساً مسبباً للعصابات كما على مسألة الدين، حيث يرى أن للإيمان دور أساسي في شفاء الإنسان.

[2] إن التحليل الأتيمولوجي (المتعلّق بدراسة أصل الكلمات) للكلمة فعلى الأرجح أن يعيدها إلى كلمة نوس (νους – nous) اليونانية، والتي تُترجم بالذهن أو العقل خارج الإطار اللاهوتي الآبائي لاستعمال هذه العبارة. وبالتالي كلمة noögenic هي صفة مشتقة من Noogenesis.

أول مَن أشار إلى كلمة (Noogenesis) هو بيار تيار دو شاردان في كتابه ظاهرة الإنسان (The Phenomenon of Man) الذي نشره سنة 1955 من دون أن يحدد بالضبط معنى الكلمة، ما فتح باب التأويل أمام دارسيه. لكن يبقى أن التفسير الأكثر انتشاراً هو المستند إلى ملام لدو شاردان بأن Noogenesis هي نشوء العقل، الذي تبع نشوء الأرض (geogenesis) ونشوء الكائنات (biogenesis) ونشوء الإنسان (anthropogenesis).

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

الأب أندريه شيزانكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نتذكر كلمات الكاتب المسرحي الروسي ألكسندر سرغيفيتش غريبويادوف (1795-1829)،في مسرحية <الويل من العقل>: “لا تدندن مثل القندلفت. اقرأ بتفكير! بإحساس! بتشديد صحيح!”. ولعدة قرون، أثار هذا القول المشهور تهكّم المثقفين الروس من القراءة الكنيسة أو أقله حرّك ابتسامتهم الساخرة. ومع ذلك، إنها سخرية غير عادلة وتتعارض مع قواعد القراءة الكنسية القديمة التي تعود إلى ألفي سنة. فالناس الذين يطلبون عاطفة من القندلفت يظهرون جهلَهم للحياة الليتورجية ومبادئ قراءة نصوصها.

الأنماط (Genres) مهمة جداً في الفن ولا ينبغي الخلط بينها. بتعبير أكثر بساطة، النمط هو أسلوب معين في تأليف عمل ما وهو يتميز بهدف معين وبالوسائل لتحقيق هذا الهدف. في الفن، هناك دائماً ثلاثة أهداف (بمعنى بدائي جداً): جعل الناس يضحكون، إخافتهم، أو جعلهم يبكون. وفقاً لهذه المبادئ، يتمّ اختيار العواطف التعبيرية الفنية لتحقيق هذه الأهداف. جنباً إلى جنب مع موهبة المؤلف وذكائه وجهده، هذه جميعها تشكّل العمل الفنيّ، وتتألّف في نمط أو في آخر. وهذا ينطبق على فن الخطاب أيضاً.

يختلف الأمر تماماً في القراءة الكنيسة. لا تحاول الكنيسة جعل الناس يضحكون أو يبكون، ولا تريد تخويفهم. هدف الكنيسة هو تسهيل الطريق إلى الله قدر الإمكان: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».” (لوقا 4:3-6).

لهذا السبب يجب التعبير عن كلمة الله بنقاء الصوت ووضوح التعبير والنطق بكل مقطع. لا ينبغي بالقارئ في الكنيسة أن يفرض عواطفه الشخصية على المصلّين. يُتوَقَّع من القارئ أن يصير مجرد طبلة ومرنّم يؤدّي الألحان الإلهية. أيّ مسرحة في الكنيسة، سواء كانت في القراءة أو في الترتيل، تضرب آذان الناس وتصرفنا عن الأمر الرئيسي الذي هو الإصغاء بتواضع وإخلاص لكلمة الله. إن مَن سوف يجعل السرّ يعمل في النفس البشرية، ويطهّر قلوبنا، هو كلمة الله وليس نحن.

في خلال فترة العهد القديم، تمّ تطوير شكل وسطي بين القراءة والإنشاد في ممارسة العبادة اليهودية. الاسم الأكاديمي لهذا الشكل هو طعميم” (“cantillation” باللاتينية ومعناه <أنا أنشد بصوت منخفض، بصوت ضعيف>). سبب إنشاء هذا الشكل هو ما ذكرناه أعلاه. ميخائيل نيكولايفيتش سكاباللانوفيتش (1871-1931)، وهو أستاذ في أكاديمية كييف اللاهوتية، وكاتب شرح التيبيكون، يذكر في كتابه هذا حول الطعميم“: “تمّ إدخال الطعميم إلى المعابد (synagogues)، وهو بين القراءة والترتيل حيث يكون الصوت منخفضاً ويتمّ إطالة بعض المقاطع اللفظية“. هذه الخبرة العملية للكنيسة حققت بعض التجانس بمعنى التوافق بين الوضوح، صفاء الصوت، اللاعاطفية، وسحر الأذن. وما تزال الكنيسة تستعمل هذا الشكل من الخدمة [في ترتيل المزامير خاصةً، كما أن هذا النمط معروف كثيراً في جبل أثوس والأديار اليونانية – المترجم].

طبعاً، هذا لا يلغي ضرورة أن يكمّل القارئ نفسه ويطوّر مهاراته. أولاً، عليه أن يسلك شخصياً في حياة التقوى المسيحية ويتعاطى مع النصوص المقدسة بمحبة وتوقير. ثانياً، عليه أن يعمّق بشكل مستمر ثقافته في الليتورجيا وتاريخ الكنيسة لأن في كتاب المزامير وغيره وفرة من هذه الحقائق. ثالثاً، على القارئ أن يدرس اللغة بدأب حتّى يفهم ما يقرأ [هنا يتحدّث النص الأصلي عن اللغة السلافونية لكن فعلياً هذا ينطبق على كل اللغات بما فيها العربية، حيث أن عدداً من الأخطاء اللغوية التي تُسمَع في كنائسنا تدلّ على عدم فهم النص بقدر ما تدلّ على ضعف في الصرف والنحوالمترجم]. رابعاً، يُنصَح القارئ ببعض التمارين للسانه وعضلات وجهه وفمه قبل الخدمة حتّى يأتي صوته واضحاً وكلماته مفصّلة وسهلة على الفهم.

وبشكل طبيعي، من الضروري احترام القانون الذهبي في ما يتعلّق بسرعة الخدمة، وهذا يتوقّف بشكل كبير على الكاهن والشماس والمرتل الأول والجوقة. من جهة، لا ينبغي بنا أن نقرأ أو نرتّل ببطء أو بشكل ممل، حتى لا تصير الخدمة باهتة وثقيلة على جماعة المؤمنين، ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه ألا نقوم بها بعجلة، فتختلط الكلمات والترتيل في طنين رتيب من الأصوات لا يمكن فهمه.

كل قارئ، مرتّل في جوقة، قائد جوقة، مرتل متقدّم، شماس أو كاهن، عليه أن يعيش وفقاً لكلام الصلاة نفسه. عليه أن يسلك في حياة روحية كيما سهام الصلاة التي تُسدّد من قلبه تصل إلى قلوب كل واحد من الآخرين. من المهم عدم إيصال عواطفنا إلى الآخرين، بل بمعونة الله اكتشاف حياة هذه الكلمات المقدسة في دواخلنا، وهي كلمات توحّد الإنسان مع الله بشكل سريّ في النفس البشرية.

ما هو الحق؟

ما هو الحق؟

المتقدّم في الكهنة بانايوتيس باباجورجيو

في كثير من الأحيان، تتركنا مناقشة القضايا الأخلاقية على شاشة التلفزيون في حيرة. فالجميع يدّعي أنه يسعى حقاً إلى الحقيقة، وأنه يدعو إلى السلوك البشري اللائق.

بين الحين والآخر أشاهد مناقشات بين مثقفينوغيرهم من الخبراءحول القضايا المعاصرة كالزواج والطلاق، والسلاح والجريمة، وعقوبة الإعدام أو الإجهاض، قرارات الحياة والموت، المثلية أو الامتناع عن الجنس وكثيراً ما أبتعد شاعراً بالارتباك. يمكنني أن أتصوّر أن هذا يحدث لكم أيضاً.

إذا تسنّى للمرء أن يستمع بعناية لهؤلاء الخبراء فقد يستنتج أن الحقيقةهي مفهوم شخصي جداً وعابر. ومع ذلك، يبدو لي أننا فقدنا قدرتنا على تحديد الأشياء بشكل واضح بما فيه الكفاية من أجل مصلحتنا.

وبسرعة قد يسأل شخص مهتمٌّ: “لماذا؟ما الذي حدث فجعل اتخاذ القرارات حول القضايا الأخلاقية والمعنوية صعباً جداً بالنسبة لنا؟ ما الذي تغيّر في حياة الإنسان فجعلنا منقسمين إلى هذا الحدّ ومجزّئين في نظرتنا إلى العالم.

أود أن أقترح جوابين أساسيين على هذا السؤال.

أولاً، لقد أخرجْنا الله وإعلانَه للحكمة من المعادلة.

ثانيا، لقد جعلنا أنفسنا مركز كلّ شيء أصبحنا متمحورين حول ذواتنا. ينبغي بكلّ شيء أن يخدم الفرد. ونتيجة لذلك، فقد تبنيّنا فكرة التمكين الذاتي(self empowerment)، حيث يتمسّك كل فرد بالحقيقة التي عنده.

بعبارة أخرى، إذا كان أحد يعتقد بشيء، يكون هذا حقيقته طالما أنه يشعر بصدق أن هذا الشيء صحيح. ومع ذلك، هذا يخلق مشكلة كبيرة هي تعدد الحقائق، والتي بدورها تثير سؤالاً خطيراً: “ما هي الحقيقة؟وبالنسبة لشخص مثلي، وأظن أنه بالنسبة لكم أيضاً، هذا سؤال صعب جداً أن نتعايش معه.

يبلغ عدد سكان الأرض اليوم نحو ستة مليارات ونصف نسمة. إذا تمسّك كلّ واحد منّا بحقيقته، ففي الواقع لن يكون هناك أيّ حقيقة. خوفي هو أن هذا النوع من التفكير سوف يؤدي في النهاية بالإنسانية إلى حالة من الفوضى واليأس.

لقد استندت قوانيننا في الأصل، حتى منذ اليونان القديمة، على فكرة أن هناك بعض الحقائق الأساسية التي تؤمّن حسن سير المجتمع البشري، كواجب اﻹنسان نحو بلده، قدسية حياة الإنسان، احترام ممتلكات الآخرين، أهمية حرية الإنسان، مركزية البعد الروحي للشعب ورغبتهم في عبادة الله، أهمية مؤسسة الزواج والأسرة باعتبارها نواة المجتمع، وأخيرا تربية الأطفال كمسؤولية مقدسة.

من حين وضع أول القوانين دُعي البشر جميعاً لقبول هذه الحقائق، إذا كانوا يرغبون في عضوية المجتمع البشري. ولكن عندما ينظر المرء إلى عالمنا اليوم، وخاصة أوروبا وأمريكا الشمالية [فعلياً كل العالم: المترجم]، يجد أدلة على أن التأثير اﻷكبر على مجتمعنا هو للمقاربة الفردية الأنانية الحقيقة.

دعونا نبدأ بتربية الأطفال وهي آخر تلك الحقائق التي لا تزال القوانين تحميها. في الولايات المتحدة وحدها، يوجد اليوم أكثر من 60 مليون شخص ممن عانوا الاعتداء الجنسي كأطفال. بحسب مسح أجرَتْه وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، فإن الأطفال الذين أسيئت معاملتهم وإهمالهم في الولايات المتحدة تضاعف تقريباً خلال السنوات السبع بين 1986 و 1993. وقدّر التقرير أن عدد الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والإهمال ارتفع من 1.4 مليون في عام 1986، إلى أكثر من 2.8 مليون في عام 1993، في حين تضاعف أربع مرات عدد الأطفال الذين أصيبوا بجروح خطيرة من حوالي 143،000 إلى ما يقرب من 570،000. ومعظم هؤلاء الضحايا ينمون وهم يعانون من مجموعة متنوعة من الأمراض النفسية.

هذا أمر غير مسبوق في أي مجتمع متحضر. لقد فشلنا في خلق أشخاص أصحاء قادرين على نشر حضارتنا. ماذا يمكن أن تكون أسباب هذا الفشل العظيم؟ أعتقد ما يلي: (أ) تخفيض قيمة الزواج ووحدة الأسرة لصالح تحقيق المزيد من الممتلكات المادية. (ب) اﻷخذ بفكرة أنّ النجاح يُقاس بقيمة الممتلكات. في هذه الاستهلاكية لتحويل رياح النجاح إلى مصلحتنا، أصبحنا على استعداد، مثل أغاممنون القديم، للتضحية حتى ببناتنا وأبنائنا، لكن للأسف ما من إلهةتأتي لنجدتهم. (ج) في جهادنا من أجل الصعود الاجتماعي والإشباع الفردي نحن نضحّي أيضا بقيَم احترام النفس وكرامة الأسرة الأساسية فيما نصير مشبوكين في العلاقات الإنسانية التي تؤدي إلى الدمار. إن مطاردة الوجود الأناني القائم على المتعة يجعل البعض على استعداد حتّى لاستخدام المخدرات والكحول من أجل الهروب من الواقع المرير الذي يخلقونه لنفوسهم.

تغلق الحلقة المفرغة عندما يؤدي شرٌّ إلى آخر: زيجات متصدعة ودمار مالي. الضحايا اﻷكثر تضرراً هي أسرنا وأطفالنا. الزواج يتطلب الالتزام. الأطفال وتربيتهم يحتاجون التضحية. اعتبر الإغريق القدامى أنّ أعلى مراتب الشرف هي الموت عن معابدهم (أي إيمانهم) وعائلاتهم“. اليوم، معظمنا هم أنانيون غير مستعدين للموت حتى لأنفسهم، فكيف عن الآخرين.

السؤال الذي في ذهني هو: إذا انهارت مؤسسات الزواج والأسرة وتربية الأطفال في المجتمع المعاصر، حتى ولو كانت القوانين لا تزال في مكانها كمحاولة لتقديم الدعم لهذه المؤسسات، وحتى بالرغم من اتّفاق معظم الناس حول قيمتها، ماذا سوف ينتج عن طريقتنا في الحياة والتفكير في ما يتعلّق بالأشياء الأخرى حيث لا يوجد توافق آراء بيننا؟

فيما نحن نبحث عن حلول، يجب أن نأخذ أيضاً بالاعتبار تلك التي ورثناها من الأجيال السابقة. علينا أن ننظر إلى حكمة أولئك الذين سبقونا. ما من عالِم أو مهندس يبدأ ببناء أي شيء من دون دراسة ما فعل الآخرون من قبله في هذا المجال. لن يقف بناؤنا إن تجاهلنا خبرات الأجيال السابقة وحكمتها. إذا نظرنا إلى الوراء، إلى جذور الحضارة الغربية، فإن لدينا أكثر من ثلاثة آلاف سنة من حكمة أجدادنا للاستفادة منها. لدينا كل من الحكمة المعطاة للفلاسفة اليونان، كما لدينا تجربة شعب إسرائيل في علاقته مع الرب. لدينا الوصايا العشر وكتابات الأنبياء، ولكن قبل كل شيء لدينا ملء الوحي اﻹلهي في شخص يسوع المسيح، في تعليمه ومعجزاته، في حياته وموته، وأخيراً في قيامته. لدينا أيضاً ألفا سنة من التطبيق العملي لهذه التعاليم من قبل شعب الله، إسرائيل الجديد، الكنيسة المسيحية.

إذا كنّا نتلهف للعودة إلى الإغريق والرومان لمعرفة المزيد عن الفن والرياضيات والهندسة، ألا ينبغي أن نكون أيضاً حريصين على أن نتعلم منهم عن الحياة؟ إذا كان بإمكانهم أن يعلّمونا كيفية بناء جسر أو مبنى ليبقى عدة قرون، ألا يمكنهم ربما أن يعلّمونا أيضاً كيفية جعل عائلاتنا ومجتمعنا أكثر قوة؟ ففي النهاية، الإمبراطورية الرومانية المسيحية (أو كما هو تُعرَف عموماً بالإمبراطورية البيزنطية) استمرت وازدهرت لأكثر من ألف سنة. أيمكن أن عندهم صيغة النجاح أو مكوناته السرية التي نحتاج؟

إذا تعلّمنا بتواضع من ينبوع المعرفة والحكمة هذا لا يبقى أي احتمال للخطأ. إذا طلبنا إرشاد الله وعنايته فما من إمكانية للفشل. إذا توجهنا إليه وهو الذي خلقنا وشكّلنا فسوف نحصل على ملء التفاهم وملء الحق والحياة. فهو قد قال: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 6) إن الذين يتبعونه سوف يعرفون الحق، والحق سوف يحررهم (يوحنا 08:32) لأنه لا يوجد إلا حقيقة واحدة، وهو كلمة الله المتجسّد، ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح.

اﻷبوة الروحية وعلم النفس الحديث: أفكار للتأمّل

اﻷبوة الروحية وعلم النفس الحديث: أفكار للتأمّل

رئيس الدير غريغوريوس (زايانس)

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

أكتب عن هذا الموضوع بخوف وشفقة: الخوف بسبب عدم أهليتي لإجراء تحليل معقّد، لكن معرفتي بتزايد الاعتماد على هذا الحقل ضمن الكنيسة تثير في نفسي القلق على المؤمنين الأرثوذكسيين. لست أقدم تحليلاً معقداً، بل أشارك ببعض اﻷفكار لتدقيق النظر في الموضوع، وأغلبها اقتباسات. يجب أن أشير في كل اﻷحوال، أن المقصود بالخلاصة النهائية هو كلام عام وليس مطلقاً لكل اﻷشخاص.

يعلّم اﻷرشمندريت صوفروني أن خلال ترتيل الشيروبيكون في القداس اﻹلهي، يصلّي الكاهن ليس أحدٌ… أهلاً ﻷن يتقدّم إليك أو يدنو منك أو يخدمك يا ملك المجد، أي ليس أحد مستحقاً أن يقيم القداس اﻹلهي، وعلى المنوال نفسه ما من أحد مستحقاً أن يكون أباً روحياً. من ثمّ يشرح أن سبب هذا هو أن اﻷب الروحي يشارك الله العمل على خلق آلهة غير قابلة للموت. هذا يعني، بالطبع، دعوتنا إلى التألّه. هو، وغيره ممَن كانت لي فرصة التحدث إليهم حول هذا الموضوع، يشددون على حقيقة وجوب أن يكون اﻷب الروحي رجل صلاة. بالرغم من ضرورة اﻹلفة مع تقليد الكنيسة النسكي، وكل ما يخطر ببال اﻹنسان مما قرأه، فوق كل شيء ينبغي أن يسعى اﻷب الروحي للحصول على المعونة اﻹلهية من خلال الصلاة. فاﻵن، اسمحوا لي أن أن أشارك بعض اﻷفكار للاعتبار:

***طرحتُ السؤال التالي على أبٍ من جبل أثوس رغب بأن يبقى مجهولاً (وهو كان طبيباً قبل أن صار راهباً): “لقد التقيت كهنةً في الكنيسة يتّكلون كثيراً على علم النفس الحديث في إرشادهم. أبإمكاننا اللجوء إلى علم النفس؟فكان جوابه: “تعود تعاليم آباؤنا القديسون إلى القرن الرابع، بينما لا تعود جذور علم النفس إلى ما قبل القرن السادس عشر أو السابع عشر في الغرب غير اﻷرثوذكسي. في علم النفس، يكتشفون بعض اﻷمور المفيدة التي عرفها آباؤنا قبل ما يزيد عن اﻷلف سنة. هناك مشكلة في الغرب: إنهم يؤمنون بأن اﻷفكار والفكر شيء واحد بينما، بحسب تعليم الكنيسة اﻷرثوذكسية، الفكر مختلف عن اﻷفكار، ليسا واحداً بل اثنين، وباستمرار ينبغي تنظيف الفكر من اﻷفكار الخاطئة التي تمرّ فيه“.

يمكن ردّ تطور علم النفس إلى مشاكل في المسيحية الغربية تتعلّق بالخلاص. في الكثلكة، الخلاص هو تقيّد نظامي بالقوانين وممارسة اﻷعمال الحسنة. هذا موجود لكي يأخذ كل إنسان ما يستحقه لخلاص نفسه. في البروتستانتية، الخلاص هو مجرد اعتراف باﻹيمان، حيث يصير اسمك مكتوباً في سفر الحياة. لكن في اﻷرثوذكسية، الخلاص هو منهج العمل لتطهير اﻹنسان الداخلي. في هذا المنهج هناك مراحل للنعمة: اﻷولى هذ التطهّر، الثانية هي الاستنارة والثالثة هي الكمال، وهي نادرة. علينا أن نتوب ونتطهر من أفكارنا الخاطئة وخطايانا، ومن ثمّ يصير الفكر مستنيراً بتلقيه أفكار الله.

تطوّر علم النفس في الغرب ﻷن المسيحيين هناك لا يفهمون الحاجة إلى تطهير اﻷفكار. فاﻷفكار الت تعبر في ذهن اﻹنسان يمكن أن تقوده إلى حالة من المرض العقلي، وهكذا يحاول علم النفس أن يحفظ الفكر مشغولاً بأمور أخرى لكي يتلافى هذه الحالة. لهذا، يمكن أن يكون علماء النفس نافعين أحياناً في حفظ اﻹنسان من التقدّم نحو المرض العقلي، لكن علم النفس يعجز فعلياً عن شفاء النفس.

في اﻹشارة إلى هذا، أورد قولاً ﻷحد المبتدئين في ديري السابق نقلاً عن أحد أقربائه الذي يعمل معالجاً نفسياً وله كتب في هذا المضمار: “نحن علماء النفس مثل اﻹسفنجة. نحن نمتصّ مشاكل الناس لكننا نعجز عن شفائهم“.

عندما كنت شمّاساً، حصل أحد الشبان الذين كانوا يترددون على ديرنا شهادة في علم النفس. سألته: “أهي فكرة جيدة أن أدرس شيئاً من علم النفس من أجل خدمتي كأب روحي؟، فأجاب: “لا، فأنتَ لن تتعلّم شيئاً جديداً لخدمتك الروحية، بل سوف يساعدك هذا الدرس في مساعدتهم على تصحيح أخطائهم“.

أخبرني أحد الكهنة عن صديق له اقترح عليه قراءة كتاب عن علم النفس، وقال له أنه على الرغم من عدم كون كل ما في الكتاب تعليماً صحيحاً، فهناك بعض النقاط الجيدة. قال الكاهن أن هذا الرجل كان متّسماً بالتبصّر في ما رأى. مع ذلك، لقد لاحظ تغيّراً في تفكير الرجل بعد قراءة اﻷخير للكتاب. لقد صار أكثر ارتياباً وصار يسعى إلى إيجاد براهين وشروحات منظومة ﻷمور اﻹيمان. لقد صار يطلب أن يحلل أسرار اﻹيمان ويعطيها تفسيرات عقلانية فيما هي لا تحتمل هذا. وكنتيجة لذلك تأذّى إيمانه البسيط.

أعرف كاهناً سابقاً كان في وقت ما متحمساً جداً نحو أحد أبناء رعيته الذي كان عالم نفس اختصاصه العلاج الجماعي. لقد أدخل هذه الممارسة إلى رعيته وراح يقرأ كتب علم النفس. لقد كان عنده شيء من النزاع في زواجه وبنتيجة قراءاته قرر أنه بحاجة إلى علاقة حقيقية مع امرأة طيّبة“. فانتهى متخلياً عن الكهنوت وعن زوجته، وتزوّج ثانيةً.

في محادثة مع اﻷسقف باسيل رودزيانكو، الذي يشغل فصلاً كبيراً من الكتاب الرائج قديسو كل يوم (Everyday Saints)، قال معلّقاً: “كِلا الكنيسة وعلم النفس توافقان بأن الشعور بالذنب يدفع اﻹنسان إلى الجنون. في الكنيسة نتعاطى مع هذا اﻷمر من خلال التوبة، لكن في علم النفس يجرّبون أو يستعملون طرقاً أخرى“.

أحد اﻷشخاص الذين أعرفهم وقد قضى بعض الوقت في دير التجلي اﻹلهي في آلوود سيتي بنسلفانيا، أخبرني ما يلي: “كنت أعاني بعض الصعوبة مع الغضب، وكان كاهننا اﻷب رومانوس مسافراً. فأخبرت الكاهن الزائر عن جهادي. فقال لي بأني بحاجة للعودة إلى الماضي ﻷشفي الطفل الداخلي. لقد اعتقد الكاهن أن العلاج يساعد. عندما عاد اﻷب رومانوس سألته إن كان عليّ أن أفعل ذلك فأجاب: “لا، وإلا سوف تقدّم أدوات للشياطين“. أظن أن ما أثار همّ اﻷب رومانوس هو عودة اﻷهواء القديمة ونتء الجراح التي ما زالت مفتوحة. لقد تعلّمت من أحد علماء النفس أن هدفهم في هذا هو إزالة عقبات الماضي التي قد تسبب سلوكاً غير طبيعي. هذا يطرح السؤال: “أي مقاربة هي اﻷفضل؟ما يلي هو بعض الخواطر ويُترَك للقارئ أن يقرر.

إن الكلام عن استرجاع الماضي يذكّر برسالة للأب يوحنا وهو شيخ من القرن العشرين في دير بلعام، حيث يكتب: “المخيّلة والذاكرة هما حاسة داخلية واحدة. في بعض اﻷحيان يضربنا تذكّر بعض اﻷحداث السابقة على رأسنا كالمطرقة. الحاجة في هذا الوقت هي للصلاة المركّزة، والصبر أيضاً. يجب أن تمتلئ ذاكرتنا من قراءة الكتاب المقدّس وكتابات اﻵباء القديسين. بتعبير آخر، لا ينبغي أن يكون الفكر عاطلاً عن العمل. ينبغي استبدال اﻷحداث السابقة بأفكار أخرى، وتدريجياً تُطرَد الذكريات السابقة وتعبر الكآبة. لا يمكن أن يعيش سيدان معاً في قلبٍ واحد“.

أحد المعارف اﻵخرين أخبرني شيئاً على علاقة بهذا: “عندما زرتُ دير القديس يوحنا المعمدان في بريطانيا، كانت لي بركة التحدّث إلى اﻷب صوفروني. لقد كان عندي أسئلة مكتوبة قرأها له رئيس الدير اﻷب كيرللس. عندما جلسنا لنتحدّث سألني اﻷب صوفروني: “أين درستَ علم النفس؟لقد انذهلت من سماعه يقول هذا، ﻷني كنت قد سبق ودرست علم النفس لمدة فصل في الكلية وقد كان اهتمامي بهذا العلم نهماً. لقد أحسّ بأني أفرِط في تفحص نفسي وتحليلها، فقال: “هناك البعض ممن قاموا بذلك وصاروا قديسين” (أظن أنه كان يفكّر بالقديس يوحنا السلّمي الذي تفحص اﻷهواء في السلم إلى الله وحكى عن عمل الفضيلة بالتفصيل)، ومن ثمّ تابع: “لم تكن هذه الطريق بالنسبة للقديس سلوان، ولا هي طريقنا. الطريق بالنسبة لي هي مباشرة إلى الأمام”.

اسمحوا لي أن أعلق على الكلمات: “الطريق بالنسبة لي هي مباشرة إلى الأمام”. قال القديس سارافيم أن هدف الحياة المسيحية هو اكتساب نعمة الروح القدس. نحن بحاجة ﻷن ندرك أخطاءنا ونعترف بها. وبدلاً من أن نحاول تفحص وإصلاح كل ما يبدو أنه خطأ معنا، علينا أن نتقدّم مباشرة ونطلب اكتساب نعمة الروح القدس. فيما ننمو في نعمة الله تتراخى قبضة اﻷهواء علينا. كل ضعفات نفسنا وأمراضها يصير حملها أيسر. كلمات الشيخ يوحنا البلعامي تنطبق هنا إذا استبدلنا كلمة ذاكرةبـ نفسوكآبةبـ أهواء“…

يجب أن تمتلئ ذاكرتنا (أو نفسنا) من قراءة الكتاب المقدس وكتابات اﻵباء القديسين. بتعبير آخر، لا ينبغي أن يكون الفكر عاطلاً عن العمل. ينبغي استبدال اﻷحداث السابقة بأفكار أخرى، وتدريجياً تُطرَد الذكريات السابقة وتعبر الكآبة (أو اﻷهواء). لا يمكن أن يعيش سيدان معاً في قلبٍ واحد“.

إن مقاربة علم النفس مختلفة. يعلّق أحد اﻵباء الرهبان الذين درسوا في معهد القديس تيخن قائلاً: “علم النفس هو شكل علماني من الديانة الشرقية. يحاول علماء النفس سحب كل اﻷجزاء في المكان الصحيح“. حتّى أنهم قد يظهرون وكأنهم يكمّلون ما هو على صورة الله في النفس. لكن اﻷب صوفروني يعلّق على الذين يختبرون حالة الكمال في الديانة الشرقية بأن إله الكلّ ليس في هذا“.

في الخلاصة، أختم بملاحظة للأرشمندريت صوفروني: “علم النفس ليس نافعاً للذين في الكنيسة. اﻷب الروحي يساعد الذين يأتون إليه ﻷنّه مرّ بجهادات مماثلة وتعلّم من معاناته“.

علم الطب الروحي

علم الطب الروحي

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

يوجد فرق مهم بين الكنيسة الأرثوذكسية والاعترافات في الكنيسة الغربية، وهذا الفرق هو أن أساس التقليد الأرثوذكسي علاجي. هذا يعني أنه على حين ترى المسيحية الغربية الخطية من منظور قانوني وأخلاقي وصياغة عبارات، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تنظر للخطية من منظور طبي كما هو معَبَر عنه في الكتاب المقدس وتقليد الآباء. بتعبير آخر، هي تنظر للخطية على أنها مرض الإنسان بعد انفصاله عن الله، وبالتالي يتطلب الأمر شفاءً.

بالتالي لم يكن الغرض من تجسد المسيح هو استرضاء العدل الإلهي، كما يفترض علم اللاهوت الغربي، ولكن شفاء الكيان الإنساني بحيث يتحول حب الذات إلى حب عديم الأنانية (حب لله وللآخرين). ليس الله المدعي العام الروحي، ولكنه طبيب يشفي الإنسان. إننا نجد ذلك ليس فقط في الكتاب المقدس وكتابات الآباء القديسين، ولكن في كل نصوص الكنيسة الليتورجية أيضاً. يوجد تعليم للقديس غريغوريوس اللاهوتي معروف جيداً عن أن المسيح من خلال تجسده اتخذ الطبيعة البشرية بجملتها لكي يشفيها لأن ما لا يُتَخَذ لا يُشفى“.

توجد عبارة معبرة تظهر مهمة الكنيسة العلاجية بجملتها، واستعملناها كعنوان لهذا الفصل وهي: “علم الطب الروحي“. هذه العبارة موجودة في القانون رقم 102 من المجمع المسكوني الخامسالسادس. إنها تظهر أن كل الحياة داخل الكنيسة، وكل جهادنا لكي نتبع المسيح ولكي نتحد به هي نوع من الطبولكنه طب روحيمختلف عن الطب التقليدي العضوي، وهو يعمل بصورة رئيسية داخل النفس من خلال عمل الروح القدس. وحيث أن هذا الطب الروحي يُمَارَس بطريقة جادة، ومسئولة، وبقواعد روحية فإنه يُدعَى علماً“.

 

أحبكَ لأنكَ لستَ أنا

أحبكَ لأنكَ لستَ أنا

المتروبوليت بولس أسقف سيسانيو وسياستا

نقلتها إلى العربية راما مخول

أحبك لأنك أنت، هل سبق لنا أن تساءلنا عن الرسالة التي تتضمنها هذه العبارة؟ أحبك ويمكن لي أن أحبك حتى لو لم تكن مثلي، هذا هو التفسير الأول. لأنه في الحقيقة، إن أردتُ لك أن تكون مثلي، فأنا لا أحبك.

في المحبة، الفرادة الخاصة بكل شخص هي التي تخلق الغنى المستمر في العلاقة. ولكن بخلاف ذلك وكما يقولون في المجتمع: “العمر أو العلاقات والزواج“. وهي صحيحة بقدر ما نسمح نحن لها بأن تكون صحيحة.

فإذا كنا لا نؤمن بقدرة الإنسان على الوصول إلى القداسة ومشاركة الله في مجده ونعمته أكثر فأكثر، هذا يعني أننا لن نحصل أبداً على شخص جديد.

لكن نحن نعمل على تصحيح أعمال الله، معتقدين بأننا نعلم كيف تسير هذه الأمور بشكل أفضل، هكذا سنرى حتى مأساة هذه القضية عندما نحصل على علاقة أخرى يومية وأساسية للغاية.

علاقة الآباء والأمهات بأطفالهم، وكذلك علاقة الأطفال بآبائهم وأمهاتهم، هي علاقة صعبة، ففي كثير من الأحيان تكون خالية من الحرية تحت مسمى المحبّة، وأغلبها يحل فيها كبرياؤنا مكان المحبّة، وبذلك يسهل دخولنا في صراع.

في الواقع، عندما نربي أطفالنا، كيف تكون رؤيتنا لحياتنا؟ هل نربي أطفالنا ليعيشوا بحرية ويتعلموا كيف يعتمدون على أنفسهم، أو أننا نكافئهملأنهم يستمعون إلينا؟

إذا كنا نفرح لأن أطفالنا يستمعون إلينا في كل شيء نحن بذلك نعترف ونوضح لأنفسنا أننا معصومون عن الخطأ وأننا دائماً على صواب وفرحنا هذا لأنهم يستمعون إلينا. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نقلق إذا كانوا دائما ً يستمعون إلينا، وخاصة في مرحلة البلوغ، هذا الوقت الذي يبذل فيه طفل صغير جهداً للحصول على الحرية.

أنهم بحاجة إلى محبتنا لكن ليس على حساب حريتهم، كما أنه ليست هناك حرية دون مسؤولية، ونحن اختبرنا ذلك عن تجربة.

هل من حياة روحية وقداسة اليوم؟

هل من حياة روحية وقداسة اليوم؟

اﻷرشمندريت كيرللس، رئيس دير آسكس

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

جوابي الفوري على جزئي هذا السؤال هو نعمشديدة. الله لا يتغير. يسوع المسيح هو نفسه، أمس واليوم وإلى الأبد. وطبيعة البشر لم تتغير هي أيضاً. منذ آدم، البشر مشرَّفون بالسلطة على مصيرهم، حتّى أنهم قادرون، إلى حد كبير، على أن يديروا ظهورهم إلى الله، إلى الحياة الروحية، إلى السعي نحو القداسة. ولكن إلى نهاية العالم، سوف يكون هناك دائماً أناس، حتى ولو أقليّة، يستدعون نعمة الله على الأرض وعلى إخوتهم البشر. إن استمرار العالم هو دليل على وجود القداسة اليوم. يقول القديس سلوان: “أقول لكم أنه عندما لا يعود هناك رجال صلاة على الأرض، يأتي العالم إلى نهايته“.

بعبارة أخرى، الحياة الروحية والقداسة التي هي ثمرتها ليست حصراً في الماضي. يمكننا أن نرى القداسة في أسلافنا ونتعلم منهم، ولكننا لا ندرس الحياة الروحية كما في معرض أو في متحف تاريخي. إنها واقع حي ونحن مدعوون إليها جميعاً. لكل إنسان بعد روحي. الله ليس منحازاً: إنه يدعو كل واحد إلى حيز الوجود بمحبة شخصية، ويمنح كل إنسان إمكانية مشاركة حياته الخاصة. قال الرسول بطرس مستخدماً مصطلحات زمانه أننا مدعوون إلى أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية “[2 بطرس 1: 4]. وهذه هي القداسة: “كونوا قديسين لأني أنا قدوس، وأنا أوصي بأن يكون عندكم كل ما لي، من دون تحفظ“. هذه هي دعوة الله لنا جميعاً، أياً كان مكاننا في المجتمع، أو رتبتنا في الكنيسة : علمانيين أو كهنة. يكتب القديس سلوان: “كل شخص في هذا العالم لديه مهمة للقيام بها، سواء كان ملكاً أو بطريركاً، طباخاً، حداداً أو معلماً، ولكن الرب الذي تمتد محبته إلى كل واحد منا سيعطي أكبر مكافأة لمَن محبته لله هي الأكبر“. ومرة أخرى:” لا يمكن لأي شخص أن يكون إمبراطوراً أو أميراً، ولا يمكن لأي شخص أن يكون بطريركاً أو رئيس دير، أو زعيماً. ولكن في كل مناحي الحياة نستطيع أن نحب الله ونكون مرضين له، وهذا فقط هو المهم”.

الحياة الروحية هي الحياة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي للإنسان. ليس العمل على علاقتنا مع الله هوايةً لفئة معينة من الأشخاص، كما يقول البعض هو أو هي من النوع المتديّن“. هذه العلاقة ليست خياراً إضافياً. إنها ما يجعل حياتنا إنسانية حقاً. عندما يستبعد علم الأحياء وعلم النفس المساهمة الإلهية في تكوين الإنسان إنما يعطيان صورة غير كاملة. الرجل الدهري هو مجرد حيوان متفوق، وفعلياً دون البشر. من دون جهد روحي لا ننمي روحنا. لا يمكن طمسها، ولكن يمكن خنقها وضمرها، تجاهلها أو إنكارها. لا نكون ملء ذواتنا ولا أشخاص مكتملين إلا إذا كنا نعيش حياة روحية. تشمل الحياة الروحية الجوانب المادية والنفسية فينا. ما أفكّر به وأعمله على كل مستوى من مستويات وجودي يؤثر على نفسي. وعندما تلمس نعمةُ الله روحي وتفكيري وشعوري وجسدي أيضاً تتبارك جميعها.

كثيرون من الناس تخلّوا عن المسيحية وخاصة في الدول الغربية. المؤلف الإنجليزي تشيسترتون قال بحكمة أنه عند تخلّي الناس عن الاعتقاد بالحقيقة، لا ينتقلون إلى الاعتقاد بلا شيء بل إلى الاعتقاد بأي شيء. وهكذا قد يبقى الاعتقاد بالله عندما يتمّ التخلي عن المسيح، لهذا يمكن أن يجد اﻹنسان في كل بلد من البلدان جميع أنواع الروحانيات. هذا ليس مفاجئاً، لأنهليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، والجوع الروحي موجود حتى حيث تختلط الأفكار حول الكائن المطلق. إلى هذا، تتقاسم الكثير من الطرق الروحية المختلفة بصفات مشتركة. الفروقات الجذرية بين الأديان لا تظهر دوماً في بداية الطريق: فقط عندما يتقدم اﻹنسان تصير الاختلافات واضحة. بعض معاصرينا يعلّمون أنّه بقدر ما تتقدّم في أي من اﻷديان، تتقارب الطرقات، بينما العكس هو الصحيح. فعلى الساعين أن يسعوا إلى الحق، ويجدوا الطريق القائم على الدين الصحيح والرؤية الصحيحة لله كما كشف ذاته لنا هو نفسه. من ثمّ يؤكّد لنا حسُّنا الداخلي أن بالفعل يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة. يمكن بلوغ ملء الحياة في الله فقط بالإلهاﻹنسان أي بالواحد الذي يشترك معنا بالطبيعة البشرية فيما يحتفظ بالطبيعة اﻹلهية كواحد من الثالوث القدوس. تقدّم لنا الكنيسة اﻷرثوذكسية نموذجاً حقيقياً: يمكننا أن نرى ونسمع ونلمس ونتذوّق الكائن المطلَق. يمكننا أن نختبر عطر كيان الله الفعلي. هكذا يمكننا أن نمضي إلى نهاية طريق الكنيسة بثقة. ما من طريق آخر، مهما سمت ممارسته وأخلاقياته وإيحاءاته، يمكن أن يوصل بسلام إلى النهاية. مع أنه ما من أحد معدوم بالكليّة من النعمة، فإن ملء القداسة يتطلّب العقيدة المستقيمة. إن تعليمنا لا يمكن التفوق عليه، وهو ليس عتيقاً من خارج الزمن. لقد أثمر في أجيال كثيرة وظروف عديدة وحضارات متعددة. اﻷرثوذكسية هي للجميع. يمكننا أن نفهم سبب قول ترتليان بأن كل نفس هي بالفطرة مسيحية“.

إذاً، الحياة الروحية يمكن تحديدها بأنها الحياة في المسيح. فلنتداول بهذا للحظة. هذه العبارة استعملها القديس نيكولا كاباسيلاس كعنوان لكتابه حول اﻷسرار. وكصدى له، أعطى القديس يوحنا كرونشتادت، صانع العجائب العظيم الذي كان كاهناً متزوجاً في روسيا ورقد سنة 1905، عنواناً مماثلاً إلى يوميات روحيةعندما طُلب منه نشرها. أحد الكتاب المعاصرين عنون أحد كتبه التي يشارك فيه رؤاه الروحية حياته حياتي” (His Life is Mine) أي حياة المسيح حياتي. أن يكون اﻹنسان في المسيح يعني أن يكون مدموجاً في جسده الحقيقي وممسوحاً بروحه، كلمة المسيح تعني الممسوح، ومُتَخَذاً ابناً لأبيه السماوي. ليس اﻹيمان المسيحي مجرد قول نعملدستور اﻹيمان. إنه لبس المسيح (غلاطية 27:3). كيف؟ بالمعمودية التي بالتحديد يسبقها اعتراف الإيمان. نحن بسهولة نأخذ هذه الهبة العظيمة على أنها مفروغ منها، لكن الذين يتحوّلون من جراء التبشير أو بعد بلوغهم سن الرشد يمكنهم أن يخبرونا عن خبرتهم التي هي عبور من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة. نحن ننسى أحياناً أن الكاهن يقول لنا في المعمودية: “لقد تطهرت، لقد تقدّست، لقد تبررت باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا“. هذه الكلمات الرائعة، المستعارة من رسالة الرسول بولس إلى الكورنثيين، يمكن أن تظهر كمجرد عبارة طقوسية إذا أهملنا تفعيل عطية النعمة اﻹلهية في حياتنا. إن بذار الحياة الروحية قد زُرِع فينا. نحن متقدسون بالمسيح يسوع، ومدعوون إلى أن نكون قديسين” (1كورنثوس 2:1). هذه هي مهمتنا.

إذا كنا أكيدين أننا وجدنا اﻹيمان الحقيقيفليس لدينا ما نخشاه من كثرة الطرق الروحية حولنا، حتى ولو بدا اﻷمر مشوِّشاً. “لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ” (2تيموثاوس 7:1). إذا بقينا مخلصين نُغني باستمرار خبرتنا ومعرفتنا بحياة الكنيسة وتعليمها، ونكون أكثر ملاءمة لمساعدة معاصرينا. السؤال اﻷساسي هو دوماً: ماذا تعتقد بالمسيح؟ ذكّر الرسول يوحنا مراسليه بأن بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ” (1يوحنا، 2:4).

بالطبع، إعلاننا لما نعتقد بالسيد سوف يكون متواضعاً، من دون صلف وثقة بالنفس، مملؤاً محبة وامتنان. يقول القديس سلوان الله محبة وبالتالي يجب أن يكون تعليم كلمته نابعاً دائماً من المحبة. عندها يستفيد المعلّم والمستمع معاً. ولكن إن كنت لا تفعل إلا اﻹدانة فإن نفس الشعب لن تهتم لك، ولن ينتج أي خير عن ذلك“. بالطبع، ليس الجميع مدعوين إلى أن يكونوا مبشرين متفرغين، لكن كل مَن يشهد للمسيح يكون متحدثاً عن الذي أوجد اﻹمكانية لكلّ البشر ليكونوا أشخاصاً حقيقيين. الحياة الروحية هي، بحسب العقيدة اﻷرثوذكسية، تعاون بين إرادتنا الحرّة وإرادة الله. إن أفضل سفراء المسيح هم أولئك الذين هيّأتهم حياتهم الروحية فيه ليتّحدثوا صلاتياً، حتى يطلب اﻵخرون منهم أن يشرحوا إيمانهم. “قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1بطرس 15:3).

إذا التزمنا بالطريق التي عليها فقط يمكننا اكتساب ما يسمّيه الرسول بولس فكر المسيح، لا يعني أن شخصيتنا تضيع. إن إلهنا هو واحد في الطبيعة وثلاثة في اﻷقنوم. يعلمنا آباؤنا أننا لا نقسّم الطبيعة ولا نخلط بين اﻷقانيم. وهذا يقوم في أن تكون البشرية واحدة كما أن الله واحد. إذا سلك العالم في المسيح، فإن وصاياه تكون الهدف اﻷول لكل شخص: محبة الله ومحبة اﻵخر. وعليه فإن أحداً لا يذوب بل يتثبّت ويكتمل في علاقات المحبة.

من المفيد كثيراً أن نقرأ عن اﻷناس القديسين، الذين أعلنوا قديسين أو غيرهم، كمثل شيوخ القرن العشرين يعقوب (تساليكيس)، برفيريوس (القديس)، وغيرهم كثيرون. أذكر أولئك من القرن اﻷخير ﻷنه تقريباً اليوم، وهو قرن اﻵﻻم العظيمة. في رأسي رجال ونساء قديسون تعرّفت إليهم ﻷن القديسين لا يلبسون ملصقاً إعلاناً عن ذاتهم: “أنظروا إليّ أنا قديس“. إن طريق المسيح هي التواضع، والبعض شُرِّفوا كقديسين فيما هم على اﻷرض، والبعض اﻵخر لا. إن كنيستنا، بحكمة، لا تمنح الاعتراف الرسمي بأحد حتى يعبر بوابات الموت، وحتى عندها ليس بسرعة. لذا من المبكر جداً الكلام عن قديسين في القرن الحادي والعشرين. ولكن إن نظرنا فقط إلى القرن العشرين، فهناك تنوع من الشخصيات والمستويات العلمية ودرجات التقوى في الشباب والخلفيات الدينية وغيرها. من ثم هناك العديد من السبل في الحياة التي أدّت إلى القداسة. لقد أعطى جبل أثوس للعالم العديد من القديسين العظماء كالقديس سلوان الذي رقد سنة 1938، ولكن ليس كل قديسي القرن العشرين كانوا في اﻷديار. هناك الملايين من الشهداء والمعترفين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، من الاتحاد السوفياتي. هناك كاهن رعية القديس نيكولاس بلاناس. هناك القديس نكتاريوس حيث أن معجزاته الباهرة تظهر أن الله هو إله حي يعمل إلى اﻵن. هناك الكثيرون ممن تحمّلوا العذابات بإيمان، حتّى ولو لم يشتهروا، فهم اﻵن يحصّلون مكافأتهم ويصلون من أجل العالم. كل هؤلاء القديسين شاركونا في نفس الخدم وقبلوا دستور اﻹيمان نفسه. لكنهم مثل حديقة ذات أنواع مختلفة من اﻷزهار. إنهم يقدّمون لنا البرهان على أن الله معنا ومُتاح لنا جميعاً هنا واﻵن.

يعرف الذين تلقّوا تدريباً علمياً أن البراهين تأتي بالدرجة اﻷولى عبر التجربة. إن أفضل الطرق لدينا للإجابة على السؤال الذي طرحه علينا صاحب الغبطة اليوم (هل من قداسة وقديسين اليوم؟) هي في أن نختبر بأنفسنا إن عشتم بحسب الجسد تموتون، ولكن إن أمتم بالروح أعمال الجسد تحيون“. الجسد وأعمال الجسد هنا هي القوى الخاطئة كالكراهية والكبرياء والشهوة وغيرها من اﻷهواء التي تسبب التحلل وتغلق الباب دون روح الله. الحياة الروحية تتضمن بعض اﻹماتات“. من اﻷمثال هو اﻷصوام التي نلتزم بها معاً في فترات محددة من السنة الكنسية، وذلك بالضبط لكي تساعدنا على الصلاة وتطهير قلوبنا من اﻷهواء الخاطئة. يتابع الرسول بولس قائلاً: “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُيَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ.” (رومية 14:8-16). عندما رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّعَلَيْنا (1بطرس 14:4)، يصير واضحاً أن هناك حياة روحية وقداسة في أيامنا.

الفرق بين الأب الروحي والشيخ

الفرق بين الأب الروحي والشيخ

 الأرشمندريت بولس باباذوبولوس

نقلها إلى العربية كمال كدر

مرات عديدة نفقد المسيح عندما نتحدث عنه. فبينما نتكلم عن الصليب نتجنّب صليبنا الشخصي رافضين رفعه واتّباع المسيح. وعندما نذهب إلى الأب الروحي لنتصالح مع الله من خلال سر الاعتراف فإذ بنا نتعلق بشخص أبينا الروحي واضعين شخص المسيح على هامش هذه العلاقة، وهذا خطأ فادح.

إن عمل الأب الروحي هو أن يقود التائب إلى المسيح وإلى استعادة العلاقة بينهما وليس لجعله تابعاً له، وهذا الأمر ملاحظ للأسف. وغالباً لا يقوم الأب الروحي بذلك عمداً، لكن قد يحدث ذلك من دون قصد. وأعتقد أنّ ما يحصل هو التالي: يتكلم الأب الروحي بشكل جميل، ويعلّم، ويعرّف. والناس الذين عرفوا الألم من جرّاء خطاياهم يجدون العزاء والسلام في قلوبهم من خلال كلماته، فيصلون إلى درجة الاتكال والاعتماد عليه. لكن هذا الاعتماد هو مرض لأنه غير مناسب للعلاقة بين الأب الروحي والتائب.

فالشخص الذي يغذي هكذا احترام ومحبة لأبيه الروحي قد يصل إلى درجة أن يسأله عن لون السيارة المزمع أن يشتريها، أو إذا كان صحيحاً شراء سيارة أصلاً، أو كيف ينبغي أن يطلي منزله، أو ماذا يجب أن يدرس في الجامعة.

إذا كان الأب الروحي يقبل مثل تلك الأسئلة فعليه أن يفهم على الفور بأن علاقته مع أبنائه الروحيين قد ذهبت بعيداً جداً. يجب أن يفهم الأب الروحي أن أبناءه الروحيين، الذين يحترمونه كشخص، قد يسألون عن أمور تنتمي فقط إلى الرهبان في الأديار الذين ينالون بركة من رئيس الدير أو الشيخ لفعل شيء ما. لكن شخصاً عادياً يعيش في العالم ولديه التزامات، لا يستطيع أن يسأل الأب الروحي عن كيفية تسيير شؤونه في مكان العمل أو عن فعل شيء ما دون الرجوع لزوجه. إن الأب الروحي في العالم شيء والشيخ أو الرئيس في الدير شيء آخر.

في الرعاية، نحن نتعامل مع أناسٍ يعيشون في العالم، ولديهم عائلات ولذلك لا يمكن للأب الروحي أن يطلب طاعةً في القضايا التي تسبب مشاكل بين أفراد العائلة. الأب الروحي ينصح التائب فيما يخص القضايا الروحية، والأهم من ذلك كيف ومتى يجب عليه أن يتقدّم لتناول جسد ودم الرب.

أما في الدير، من ناحية أخرى، فإننا نتعامل مع أناسٍ يخضعون بملء حريتهم واختيارهم لمشيئة شيوخهم أو رؤسائهم في الدير، وتصبح إرادتهم هي إرادة الرئيس أو الشيخ. لقد تركوا ذواتهم، ليس تخاذلاً بل طوعاً واعياً ومباركاً. فالرهبان مدعوون ليكونوا مطيعين لأصغر أمر يطلبه رؤساؤهم وشيوخهم حتى لا يكونوا مضطربين ومشوشين بأي اهتمام، ولذلك يكون لديهم عقول هادئة غير مشوشة أثناء الصلاة.

وهكذا فإن الاعتراف والارشاد الروحي في العالم أمر بينما الطاعة الرهبانية في الدير أمر آخر.

يجب على الأب الروحي الذي يرى ميلاً عند الابن الروحي للاعتماد المطلق على كلماته أن يوضّح بتمييزٍ أن العلاقة بين الأب الروحي والتائب مختلفة عن العلاقة بين الشيخ والراهب. وبالطبع فالشخص الذي لديه عطش روحي للطاعة يستطيع أن يذهب إلى الدير ويعيش هناك كمطيع.

الإنسان الدهريّ والإنسان المسيحيّ

الإنسان الدهريّ والإنسان المسيحيّ

الأب ستيفن فريمان

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لقد شكّل الإنسان الدهريّ تهديدًا كبيرًا على الإيمان المسيحي منذ قرنين أو أكثر. فهو يتستّر بتصرّفاتٍ عاديّةبينما يعيش في عالمٍ بلا إله، حيث يتمّ تحفيز الآخرين على أن يحيوا كما لو أنّه لا وجود لإله. بحسب بردياييف، إذا لم يكن الله موجودًا، فالإنسان ليس موجودًا“. وأودّ أن أضيف إلى ذلك أنّ الإله الكائن يجب أن يكون حاضرًا في كلّ شيء ومالئًا إياه، وإلاّ فهو ليس إلهًا وإلهٌ مزيّف. فلنرفض الإلحاد اللطيفالذي ينتهجه الإنسان الدهريّ ونحيا لله دائمًا وفي كلّ مكان.

لقد تكلّم العديد من الكتّاب الأرثوذكسيين حول طبيعة العالم الدهريّ الذي يشكّل الهيئة المحدّدة للحداثة. أغتنم الفرصة هنا لأجري مقارنةً صغيرةً بين الإنسانين الدهريّ والمسيحيّ.

الإنسان الدهريّ يؤمن بوجود إلهٍ، لكنه يؤمن أيضًا أنّ وضع العالم وصيرورته يرتبطان بأفعال البشر. أمّا الإنسان المسيحيّ، فيؤمن بوجود إلهٍ، وبأنّ كلّ شيء بين يديه.

يؤمن الدهريّ بالتطوّر، أي أنّ الحياة تتغيّر وتتحوّل، بواسطة السلوك الصحيح للإنسان، نحو الأفضل. كلّ اكتشافٍ جديدٍ يتّكئ على كتفي اكتشافٍ سبقه، وهكذا تتحسّن الحياة نحو الأفضل. أمّا المسيحيّ، فيؤمن أنّ عمل الإنسان يمكن أن يبدّل ظروفه لكنّه لا يغيّر الإنسان. الإنسان الحديث ليس أعلى شأنًا من الذين سبقوه، والخير ليس نتيجةً للتطوّر.

يؤمن الدهريّ بقدرة البشر، وبأنّ استعمال العقل بمنطقٍ في أيّ ظرفٍ سيؤول إلى نتيجةٍ أفضل. أمّا المسيحيّ، فيؤمن بالله، لكنّه يشكّك بصلاح الإنسان، فحلول الإنسان دومًا ما تكون محلّ تساؤل ومعرّضة للفشل.

بالمطلَق، يؤمن الدهريّ بسبيل التطوّر السهل. وحتى لو اعترته بعض العوائق، يعتقد أنّ السلوك فيه سيؤدي في النهاية إلى عالمٍ أفضل، وحتى إلى عالمٍ كاملٍ تقريبًا. إلاّ أنّ المسيحي، إذ يؤمن بالله، يثق بأنّ حصيلة التاريخ ملكُ الله لا الإنسان. إذًا، حتى الصلاح الذي يصنعه الإنسان يدينه إلهٌ صالحٌ هدفه دومًا أبعد ممّا يمكن أن نطلب أو نفكّر.

الدهريّ، ورغم الإخفاقات المتنوّعة، يعتقد باستمرارٍ أنّ مجرّد خطةٍ بديلةٍ كفيلةٌ بتحسين الوضع، فالمشاكل كلّها تُحلّ بالتسوية والمفاوضة والرغبة بالتغيير. أمّا المسيحيّ، فيدرك ميل البشرية نحو الخطيئة، ويعرف أنّ الأمور ستفشل وتتبدّد من دون الله، وأنّ وضع البشر يمكن أن يتحسّن فقط بواسطة الثقة بالله والطاعة له، وهذا التحسّن يأتي دومًا كمعجزة من الله.

لا يؤمن الإنسان الدهريّ بعدم معصوميّته، ولا يتعلّم من التاريخ، بل يطمح مرارًا وتكرارًا إلى نجاحٍ لم يصل إليه أحدٌ قبله. ونجاحه (مثلاً في معالجة المرض…) يُترجم سياسيًّا بشكلٍ تلقائيّ، والخطأ من وجهة نظر السياسة يُستأصل بالسهولة التي يُستأصل بها الملاريا. أمّا المسيحيّ فيعلم أنّ المشاكل لا تكمن في العالم بقدر ما تكمن فيه. وإذا لم يتغيّر الإنسان بواسطة إلهٍ صالحٍ، سيكون الصلاح في العالم ضئيلاً. الدهريّ يعلم كيف يعالج الملاريا، لكنّه لا يستطيع أن يشارك هذا الخير مع العالم. إنّ العالم (العالم الثالث) يموت، وقد كان يموت دومًا، والدهريّ عاجزٌ لأنه يفتقد إلى الصلاح الحقيقيّ.

 إنّ المسيحيّ مهمّش بشدّة في عالمنا الحديث، يعتبرونه قطعةً أثريةً من الماضي. إلاّ أنه ليس قطعةً دينية، فالحقيقة التي يعرفها أبديّة تنطبق على أسواء العالم بقدر ما ينطبق أيّ جزء من حقيقة الله.

على هذا الجيل أن يفهم ما يعنيه أن يكون الإنسان مسيحيًّا وأن لا يساوم مع الإنسان الدهري. الله صالحٌ ويريد الخير للناس أجمعين. هو ليس نفعيًّا يتمنى الخير الأعظم للعدد الأكبر، بل يريد الخير لكلّ نفس.

عسى أن يكون المسيحيّون منظورين وأمينين لملكوت الله في كلّ مكان.