Category Archives: رعائيات

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

د. كريسانثيس لاثيرا (طبيبة أطفال)

نقلتها إلى العربية ينال إبراهيم

السؤال الوارد في عنوان مقالتنا يحيّر كل الأهل الراغبين بالصوم هذه الأيام ولكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع أطفالهم أو حتى إذا كان يجب أن يصوم الطفل. في المقالة العلمية التالية سوف يتمّ إعلامكم عمّا إذا كان الطفل قادراً أو إذا كان ينبغي به أن يصوم، من وجهة نظر طبية، من أي عمر؟ وما هي المخاطر؟ وفي النهاية، سوف تقرؤون عن فوائد الصوم لجسم الأطفال.

نحن في أيام الصوم الكبير، والعديد من العائلات (اليونانية) صائمة، حيث أنهم يمتنعون عن اللحوم وكل ما هو من منتجات الحيوان. عندما أُسأل إذا كان بإمكان الأطفال أن يصوموا، وإذا كانت هذه العادة قد تسبب لهم مشاكل صحية، أجيب بالإيجاب لأن الأولاد يتبعون صوم أهلهم خاصةً في عمر المدرسة أي بعد الخامسة أو السادسة من أعمارهم.

الصوم هو فرصة ممتازة لاتّباع نظام غذائي نباتي حتى لو لبضعة أيام، وهو يتضمّن البقوليات (مصادر غنية بالبروتينات ذات القيم البيولوجية العالية) والخضراوات (مصدر للألياف تساعد في سير وأداء الأمعاء)، زيت الزيتون بدلاً عن الدهون الحيوانية، المكسرات النيئة والفواكه المجففة، ثمار البحر الغنية بالبروتينات والمعادن، والكثير من الثمار التي تشكّل مصدراً للفيتامينات ومضادات الأكسدة. وبالإضافة إلى الفوائد الغذائية للصوم يمكن للطفل أيضاً أن يتدرّب على ضبط النفس ووضع حدود لرغباته.

قد يتساءل بعض الأهل إذا كان ابنهم يحصل على كفايته من البروتين والكالسيوم خلال الصوم. اللحوم، البيضاء أو الحمراء، هي المصدر الأكثر وفرة للبروتين من المواد الغذائية، ولكن يمكن استبدالها خلال الصوم بالبقوليات (كالعدس) أو الحبوب (مثل الرز أو الكينوا) والتي تؤدي ايضاً إلى زيادة في امتصاص الحديد. والأطعمة الغنية بالبروتين هي المكسرات والحبوب مثل: الشوفان والجادوار ومنتجات فول الصويا. يمكن الحصول على الكالسيوم من المأكولات البحرية، اللوز، بذور السمسم، الطحينة، والحلاوة.

بعد الصوم تأتي احتفالات الفصح حيث يستهلك الأطفال الكثير من البيض واللحوم والحلويات احتفالاً بالعيد. هذا التغيّر المفاجئ في النظام الغذائي من الصوم إلى الاستهلاك غير المنضبط في وجبات عيد الفصح يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي عند الأطفال كما عند البالغين. لذلك يجب أن يتم تعديل الأطعمة بعد الصوم بتأنٍّ. لا ينبغي على الأطفال ولا على الكبار أن يأكلوا في يوم واحد كل ما امتنعوا عنه خلال الصوم، مع الانتباه خصوصاً للأطفال الذين يعانون من مرض السكري أو زيادة الوزن….

باختصار ينبغي أن يتم الانتقال من الصيام إلى النظام الغذائي الاحتفالي باعتدال وبكميات صغيرة وإلا فإنه سوف يسبب الانزعاج الهضمي مثل القيء والإسهال وكذلك الحساسية الغذائية وزيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي مثل ارتفاع سكر الدم والكولسترول والدهون.

عادات الأهل الغذائية قدوة للأبناء لذلك من المفيد للأهل أن يعلّموا أولادهم الكميات والنوعيات الغذائية المناسبة ليصبحوا بالغين أصحاء.

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

الأب أنطوان ملكي

شهر كانون الثاني 2017 ليس كغيره من الأشهر في عمر كنيسة أنطاكية الحديثة. إنه شهر السياسة بامتياز. فبدايته سياسة ونهايته سياسة. في أوله مفتٍ متفوّه يخطب في كنيسةٍ بحضور بطريرك، على خلاف تقليد الأرثوذكسية القاضي بألا يتكلّم في الكنيسة إلا المُسامون لذلك، وعلى خلاف التقاليد الإسلامية التي تقضي بألا يخطب الإمام إلا في محرابه. وفي نهاية الشهر رئيس متميّز يقلّد مطراناً وساماً على خلاف تقليد الكنيسة القاضي بعدم تكريم الأحياء، وعلى خلاف تقاليد رئاسة الجمهورية القاضي بتقليد الأوسمة للراحلين فقط، أي للموتى أو للسفراء الذين يتركون لبنان أو الموظفين الذين يتقاعدون أو ما شابه من الحالات.

لم يكن كل الأرثوذكس الأنطاكيون معترضين على أن يخطب المفتي في الكنيسة. الأغلبية صمتت. البعض صمتوا لأنهم رأوا أن الحَدَث سياسي ولا داعِ لأن يوضَع في إطار كنسي، خاصةً في الوضع الذي تمرّ فيه سوريا حيث الحاجة إلى إظهار اللحمة الشعبية الاجتماعية كبيرة. فقد أدت هذه الخطبة شيئاً من هذا الموضوع. البعض الآخر صمتوا لأنهم خشوا أن يؤخَذ اعتراضهم وكأنه على البطريرك الذي سمح بحصول ما حصل. بعض المعترضين القلائل وضع هذا العمل في الخط المسكوني وبعضهم الآخر اكتفى بالتمتمة والتأفف.

الواقع، بغضّ النظر عن التصنيف والتقييم، إن ما قبل الأول من كانون الثاني 2017 ليس كما بعده لأن ما جرى في هذا اليوم هو سابقة، بالمعنى القانوني للكلمة، وما يُبنى على السابقة قد يكون أخطر منها. أحد الأمثلة التي لم تتأخر جاء على لسان أحد الكهنة الغارقين في المسكونية الشعبوية التي لا تخدم وحدة ولا تعكس إيماناً، إذ قال: لن أرضى أن ينتقدني أحد على الصلوات المشتركة التي أنظمها فيما البطريرك يدعو المفتي إلى الخطابة من الباب الملوكي.

في أخبار غزو الإسلام لبلادنا أن أهل القدس لم يرضوا تسليمها إلا للخليفة عمر بنفسه. فلما أتى عمر واستقبله البطريرك القديس صوفرونيوس وسلّمه المدينة، وحان وقت صلاة عمر صلّى خارجاً شارحاً بأنه إن صلّى في الداخل سوف يأتي أتباعه ويعتبروا أنه قد صار لهم حصة. عرف عمر قوة السابقةفي أيامه، ورؤساء الكنيسة الأرثوذكسية اليوم لا يقيمون لها حساباً، وفي هذا إحباط للغيورين من المؤمنين وتضليل للمترددين منهم وتثبيت للمبتدعين في ابتداعهم.

أما الحدث السياسي الآخر أي منح رئيس الجمهورية وساماً رفيعاً للمطران جورج خضر، فقد هلل له الكثيرون حتّى أن بعضهم تعاطى معه وكأنه إعلان قداسة. جملة أسئلة ترِد هنا. منذ متى يأتي إعلان القداسة من الرؤساء؟ مطلوب بعض الواقعية. رئيس جمهورية لبنان لم يحكِ لا عن قداسة ولا عن كنيسة حتّى، كان واضحاً أنّه يكرّم قامة مشرقية أممية عملاقةمساوياً بين اللاهوتي الكبير والمفكّر الفيلسوف والمصلح الاجتماعي. كلام الرئيس عن الخبزات لا يصنع لاهوتاً ولا شهادة لاهوتية، غير مطلوبة من الرئيس بالأصل. من هنا، ينبغي إبقاء مبادرة الرئيس نحو المطران في إطارها الوطني، كجزء من سعي الرئيس إلى تثبيت المسيحيين واستعادة دورهم، والمطران جورج، كما يتفق الجميع، هو ألمع مسيحيي هذه البلاد في محاورة الإسلام والمسلمين. من هنا أن النظرة المتروية تظهِر أن حدث تكريم المطران هو حدث سياسي. الأب د. جورج مسّوح هلل لهذا التكريم وبلغت حماسته بأن يقرأ وقوع هذا الحدث بعد يوم من عيد الأقمار الثلاثة بأنه تدبير إلهي قرأ فيه أن المطران جورج هو القمر الرابع. شرح أن اللقب الرسميّ للمطران جورج خضر هو المطران جورج اللبنانيّ“. هذا كلام حماسة لا يقوم في الكنيسة. ففي الكنيسة هو الكلي الطهر والجزيل الاحترام المقام من الله مطراناً على جبيل والبترون وما يليهما المتقدم في الكرامة والمتصدر في الرئاسة على كل جبل لبنان“. لكن المشكلة الحقيقية ليست في كلام الحماسة بل في هذا الخلط بين السياسة واللاهوت في مقال واحد وزجّ مفاهيم غير أرثوذكسية لا صفة لها إلا السياسة كالقول بأن الكنيسة تضمّ كلّ الأبرار والصالحين إلى أيّ إيمان انتموا“. الكنيسة لا تضمّ إلا الذين آمنوا واعتمدوا.

كلام القديس يوحنا الذهبي الفمّ عن أَساقفة الذَهب وصلبان الخشب يعيدنا إلى أن الأوسمة والأوشحة لا تغني الكنيسة ولا الكلمة فيها. لم تكن السياسة يوماً قائمة إلا على المصالح التي لا مكان لها في الكنيسة الحيّة. نحن نميت الكنيسة حين نزجّها في السياسة. الكنيسة هي الأرضي الثابت الوحيد منذ ألفي عام، لأنها ليست من الأرض ولا تعود إليها، أما السياسة والسياسيون مهما عظموا فمكانهم الأرض وحدودهم الأرض ومداهم الأرض.

إن تداخل المسكونية بوجهها الدهري الحالي بالسياسة خطير جداً على الكنيسة وعلى المؤمنين، خاصة في بلاد لا ينظر رؤساؤها، العالميون منهم والروحيون أحياناً، إلى الجماعات إلا كأقليات وأكثريات. لا ينبغي أن تنعكس نظرة السياسيين إلى المسيحيين جميعاً على أنهم كتلة واحدة على الكنيسة. نتائج هذه النظرة كارثية على الكنيسة الأرثوذكسية. فالكنائس المشتركة في سوريا والصلوات المشتركة والتعييد المشترك تقف وراءها السياسة والنظرة الدهرية التي لا يهمها الإيمان، ولا تعترف به، بل همها هو كتلة الناس الذين يتداولون هذا الإيمان. التمييز شرط ضروري ولكنه صعب في هذا الزمان المتفلّت المشحون. يبقى الحل الأكثر أماناً هو في أن يُعطَى ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ولا نخلط بين الاثنين.

الأعداد في الكنيسة

الأعداد في الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

تخبرنا الأرقام أشياء كثيرة كدرجات الحرارة، وعلامات المدرسة، وأسعار الأشياء، والوحدات الحرارية التي صارت هوس الكثيرين، وسرعة السيارة التي صارت أحد أوائل المخاطر التي تهدد حياة شبابنا، والوقت، والتاريخ، والعمر، و أموراً كثيرة غيرها. لقد بتنا نلجأ إلى الأرقام تقريباً في كل شيء: لنميّز بين الناجح والراسب، بين الرابح والخاسر، بين المقبول والمرفوض، بين الغالي والرخيص. وبلغ الأمر بالبعض أن يستعملوا الأرقام لتحديد أشياء ذات طبيعة يصعب قياسها، كالصداقة على شبكات التواصل الاجتماعي، والجمال في مسابقات الجمال، والرحمة في برامج التبرعات التي تملأ التلفزيونات خاصةً في فترة الأعيادصارت الدنيا كلها أرقاماً بأرقام.

هل الكنيسة بمنأى عن ذلك؟ طبعاً لا. والمقصود هنا ليس الميزانيات والموازنات وشؤون الإدارة. المقصود هو الممارسات. فمن جهة، يتزايد الاهتمام بالإحصائيات، فتُطرَح أسئلة من نوع: مساحة الكنيسة، عدد العائلات في الرعية، عدد المرتلين، ومعدل الحضور في القداس، عدد المعتمدين، عدد القداديسما الفكرة التي تعطينا إياها هذه الأرقام؟ هل يُقاس نجاح الرعية بالأرقام، كمثل عدد الحضور في القداس يوم الأحد؟إذا أخذنا أحد الشعانين نموذجاً، فالحضور يملأ الكنيسة وما حولها. لكن بماذا ينشغل الحضور؟ أليس بالتصوير والأحاديث والأشواق والتهاني؟ هل يمكن اعتبار هذا الحشد دليل نجاح؟ هل يمكن اعتباره دليلاً على قوة الإيمان؟ ما لا يمكن إنكاره أن الحشد في أيام الأعياد يفرِح لأن الحاضرين هم نظرياً من الجماعة، لكن ماذا عن الأحد الذي يلي أياً من الأعياد؟ في الكنيسة، أغلب الإحصائيات لا تقدم إلا الإحباط، لأن الأرقام ليست مقياساً للنجاح.

نجد في الكتاب المقدس أن الرب لم يعطِ الأرقام الأهمية التي لها اليوم. ففي متى 20:18، يكتفي الرب بالقليل ليحضر: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ“. بالنسبة للرب، المطلوب هو وجود الجماعة لا حجمها. وفي لوقا 17:17-18 “أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟هنا يريد الرب أن يثبت لنا أن الأرقام ليست دليلاً على النجاح ولا على قوة الإيمان.

إذاً، من أين أتى الاهتمام بالأعداد في الكنيسة؟ من عقلية مجتمع الاستهلاك الذي يريد أن يحصي كل شيء. في مجتمع الاستهلاك، للأرقام الكلمة الفصل، فهي تحدد الضرورات والمنافع والأرباح والمردود والأحجام. ومن أهم مبادئ هذه العقلية هي تحوّل الناس إلى زبائن يطلبون الخدمات التي تعرضها الكنيسة، والزبون دائماً على حق وعلينا إرضاؤه لكي يعود إلينا مرة أخرى لأن مقياس النجاح هو كثرة الزبائن. هذه العقلية، للأسف، تسرّبت إلى الكنيسة. بعض الكنائس صارت عندها تسعيرات في الأعراس والمآتم والعمادات، فللكاهن تعرفة وللمرتل تعرفة ولكل خدمة من الخدمات تعرفة. وينسحب الأمر على كل ما تبقّى. فتوقيت العرس، وما يجري في الكنيسة من زينة وتصوير وغيره، يحدده الزبون أي العريسان. وإن لم يجدا طلبهما عند هذا الكاهن أو هذه الكنيسة ينتقلان إلى كاهن آخر أو كنيسة أخرى. بهذا تحوّل الكاهن إلى نفدةفي العرس مثل الفيديو والكوكتيل والزفّة. وفي الجناز صار الزبون، أي أهل الميت، يحدد عدد الكهنة. وفي العمادات أيضاً لا يجوز إغضاب الزبون، أي الأهل والعراب. حتّى أوقات القداديس والأعياد أُخضعَت للأرقام فصارَت تُنقَل بحجة إتاحة الحضور لعدد أكبر من المؤمنين.

وصية السيّد الأخيرة كانت اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (متى 19:28). المهمّ في هذه الوصية ليس الكمية جميع الأممبل التلمذةتَلْمِذُوا“. فالرب رضي بأن يحضر في أي مكان يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه لكنه حدد الكون حدوداً للبشارة. قد نستطيع ملء الكنائس بالشعب، كأجساد وأرقام، لكن الأهم أن يكونوا تلاميذاً ليسوع. وجود الكثرة في الكنيسة مفرِح لأن الإخوة معاً. لكن الكثرة في المناسبات فقط تطرح السؤال حول فعالية التلمذة وحول جديّة الاستجابة للدعوة. الكلّ مدعوون، لكن المشكلة هي أولاً في الرسل الذين شكّوا في قدرة الرب على إطعام خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، وثانياً في عقلية الحاضرين.

إن الحضور الفعلي في الكنيسة لا تحدده الأرقام بل وجود التلاميذ الثابتين الذين يسمعون تعليم الكنيسة ويعملون به ويلتجئون إليها كأبناء يعرفون أن طلبهم هو الخلاص الموجود في كنيستهم وهو دائماً معروض بالثمن نفسه الذي دفعه المسيح بغض النظر عن عدد الطالبين.

* عن نشرة الكرمة

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

رئيس الدير غريغوريوس زاينيس

بعد آخر مشاركة تلقيت بعض المراسلات الشخصية من بعض الأصدقاء وفيها شيء من النقد. لقد اعتبروا أنّ ما تمّ نشره قاسٍ تجاه علم النفس، كما كان لدى بعضهم قلق من أن هذا قد يعيق البعض عن تلقّي العلاج. هذا كان حافزاً لي للإدلاء ببعض الملاحظات وإعطاء بعض المعلومات الأساسية.

لقد قدّمت في المقالة الماضية كلمات الأب صوفروني وحرصت على ألّا أقول شيئاً من نفسي. لقد فكّرت: “مَن أنا لأنقد تعليق الأب صوفروني؟ عليّ تركه وحده يتكلّم“. لقد كان هذا خطأً لأن الاقتباسات تقدّم صورة جزئية تفتقر إلى الخلفية. هذه الاقتباسات منشورة أصلا عند الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس. ويبدو بشكل مؤكد أنها مقتطفات من محادثات شخصية مع الشيخ عندما كان هو نفسه راهباً وكاهناً شاباً. عندما نشرها الميتروبوليت في كتابه، أخرِجَت من سياقها الأصلي مرة، وعندما أعدتُ نشرها من جديد، أُبعِدَت خطوة أخرى عن هذا السياق الأصلي. لهذا اسمحوا لي الآن أن أقدّم بعض المعلومات الأساسية، والتوسع في تعليقاتي الموجزة السابقة في هذا الموضوع.

إنه لأمر محزن أن نرى تزايد الثقة بعلم النفس في الكنيسة. بحكم التفاعلات ضمن الكنيسة يبدو واضحاً تماماً أن لدى عدد كبير من الكهنة عندنا، علم النفس هو المصدر الرئيسي للإرشاد الرعائي في حين أن التقليد النسكي الكنيسة ثانوي، ولدى البعض يمكن تجاهله. إحدى المواد التي تدرس في مدارسنا هي اللاهوت الرعائي. ومع ذلك، من المؤهلات المرغوبة في مَن يدرّس هذا الموضوع هي درجة البكالوريوس في علم النفس. وليس خافياً أن في المستقبل سوف يأتي عالم نفس غير إكليريكي لتدريس اللاهوت الرعائي للكهنة.

يمكن للشفاء الذي يقدمه علم النفس أن يساعد الناس غير الطبيعيين ليأخذوا دوراً في هذا العالم. إنهم يحققون النجاح في ذلك.لكن عالمنا غير طبيعي لكونه ساقطاً، ونحن ننتظر الخلاص. ومع ذلك، في التقليد النسكي الأرثوذكسي، شفاء النفس هو أكثر من ذلك بكثير، وهو يفوق هذا الأمر عظمة. إنه يرتبط بالحياة الأبدية وهو عملية التألّه أي الاتحاد مع الله.

بما أن الأب صوفروني حكى عن اختلاف الأنثروبولوجيا بين هذين النظامين، فأريد أن أعلّق أيضاً على هذا الأمر. في كتابه الحياة الروحية الأرثوذكسية بحسب القديس سلوان الأثوسي، يكتب هاري بوساليس بشكل بشيط و وواضح عن الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية. هذا ما يفسر أيضاً المفهوم الأرثوذكسي للتألّه والشفاء: “تعلّم الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية أنّ اﻹنسان مخلوق ليشترك في حياة الله. هذا هو المعنى الأساسي لقصة خلق اﻹنسان الكتابية. <وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا…»… فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ> (تكوين 26:1-27)”.

في الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية، يختلف معنى كلمة صورةعن معنى كلمة شبه“. يمكن أن نرى في الصورةإمكانات التقديس الكامنة في الإنسان، بينما يشير الشبهإلى كماله. بتعبير آخر، يمكن القول بأنّ الصورةتشير إلى اﻹمكانيةبينما الشبهتشير إلى الواقع“. هنا يضيف هاري حاشية: يشير الأب صوفروني إلى هذا الاختلاف بين الصورة والشبه، عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً” (القديس سلوان الأثوسي، ص. 184).

لم يُخلَق اﻹنسان أصلاً بحالة من الكمال الناجز، بل كان موهوباً بالحرية الفريدة ليختار إمّا أن يحيا مطارداً إنجاز ما هو كامن فيه، أو الانحراف تجاه تدنيس وتشويه كرامته الحقيقية كإنسان. فقط من خلال الاستعمال الموافق للحرية المعطاة له من الله يستطيع اﻹنسان أن يتعاون مع النعمة الإلهية لاستعادة صورة الله في داخله وبلوغ شبه الله الذي من أجله خُلق.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، القداسة – التي يُشار إليها أيضاً بالكمال والتألّه – لا تُفهَم كحالة جامدة، فيها يحتفظ اﻹنسان بدرجة عالية من الفضائل الروحية. اﻹنسان مدعو إلى أن ينمو بلا توقف ويتقدّم بشكل مستمر إلى شبه الله. وهكذا، ليس للكمال حدود. إنه دائم التقدّم، ليس فقط على الأرض، بل أيضاً في الحياة الآتية.

إذاً، في اﻷرثوذكسية، ما من فصل بين الأنثروبولوجيا وشفاء النفس والتألّه. عن اقتباسي في المقال السابق عن اﻷب صوفروني قوله إن الطريق بالنسبة له هي مباشرة إلى الأمام، فهو يتحدّث عن الجهاد النسكي الذي يقود إلى ما ورد أعلاه في حاشية هاري: عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً“. عندما يتحقق هذا، تشفى النفس بطريق تتخطى كل ما لدى علم النفس لتقديمه من الحسنات.

لقد حاولت أن أظهر بعض الخلفية للمقال السابق. أرجو أن هذا يجعل ملاحظات اﻷب صوفروني أكثر وضوحاً وقبولاً.

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

الأب أندريه شيزانكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نتذكر كلمات الكاتب المسرحي الروسي ألكسندر سرغيفيتش غريبويادوف (1795-1829)،في مسرحية <الويل من العقل>: “لا تدندن مثل القندلفت. اقرأ بتفكير! بإحساس! بتشديد صحيح!”. ولعدة قرون، أثار هذا القول المشهور تهكّم المثقفين الروس من القراءة الكنيسة أو أقله حرّك ابتسامتهم الساخرة. ومع ذلك، إنها سخرية غير عادلة وتتعارض مع قواعد القراءة الكنسية القديمة التي تعود إلى ألفي سنة. فالناس الذين يطلبون عاطفة من القندلفت يظهرون جهلَهم للحياة الليتورجية ومبادئ قراءة نصوصها.

الأنماط (Genres) مهمة جداً في الفن ولا ينبغي الخلط بينها. بتعبير أكثر بساطة، النمط هو أسلوب معين في تأليف عمل ما وهو يتميز بهدف معين وبالوسائل لتحقيق هذا الهدف. في الفن، هناك دائماً ثلاثة أهداف (بمعنى بدائي جداً): جعل الناس يضحكون، إخافتهم، أو جعلهم يبكون. وفقاً لهذه المبادئ، يتمّ اختيار العواطف التعبيرية الفنية لتحقيق هذه الأهداف. جنباً إلى جنب مع موهبة المؤلف وذكائه وجهده، هذه جميعها تشكّل العمل الفنيّ، وتتألّف في نمط أو في آخر. وهذا ينطبق على فن الخطاب أيضاً.

يختلف الأمر تماماً في القراءة الكنيسة. لا تحاول الكنيسة جعل الناس يضحكون أو يبكون، ولا تريد تخويفهم. هدف الكنيسة هو تسهيل الطريق إلى الله قدر الإمكان: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».” (لوقا 4:3-6).

لهذا السبب يجب التعبير عن كلمة الله بنقاء الصوت ووضوح التعبير والنطق بكل مقطع. لا ينبغي بالقارئ في الكنيسة أن يفرض عواطفه الشخصية على المصلّين. يُتوَقَّع من القارئ أن يصير مجرد طبلة ومرنّم يؤدّي الألحان الإلهية. أيّ مسرحة في الكنيسة، سواء كانت في القراءة أو في الترتيل، تضرب آذان الناس وتصرفنا عن الأمر الرئيسي الذي هو الإصغاء بتواضع وإخلاص لكلمة الله. إن مَن سوف يجعل السرّ يعمل في النفس البشرية، ويطهّر قلوبنا، هو كلمة الله وليس نحن.

في خلال فترة العهد القديم، تمّ تطوير شكل وسطي بين القراءة والإنشاد في ممارسة العبادة اليهودية. الاسم الأكاديمي لهذا الشكل هو طعميم” (“cantillation” باللاتينية ومعناه <أنا أنشد بصوت منخفض، بصوت ضعيف>). سبب إنشاء هذا الشكل هو ما ذكرناه أعلاه. ميخائيل نيكولايفيتش سكاباللانوفيتش (1871-1931)، وهو أستاذ في أكاديمية كييف اللاهوتية، وكاتب شرح التيبيكون، يذكر في كتابه هذا حول الطعميم“: “تمّ إدخال الطعميم إلى المعابد (synagogues)، وهو بين القراءة والترتيل حيث يكون الصوت منخفضاً ويتمّ إطالة بعض المقاطع اللفظية“. هذه الخبرة العملية للكنيسة حققت بعض التجانس بمعنى التوافق بين الوضوح، صفاء الصوت، اللاعاطفية، وسحر الأذن. وما تزال الكنيسة تستعمل هذا الشكل من الخدمة [في ترتيل المزامير خاصةً، كما أن هذا النمط معروف كثيراً في جبل أثوس والأديار اليونانية – المترجم].

طبعاً، هذا لا يلغي ضرورة أن يكمّل القارئ نفسه ويطوّر مهاراته. أولاً، عليه أن يسلك شخصياً في حياة التقوى المسيحية ويتعاطى مع النصوص المقدسة بمحبة وتوقير. ثانياً، عليه أن يعمّق بشكل مستمر ثقافته في الليتورجيا وتاريخ الكنيسة لأن في كتاب المزامير وغيره وفرة من هذه الحقائق. ثالثاً، على القارئ أن يدرس اللغة بدأب حتّى يفهم ما يقرأ [هنا يتحدّث النص الأصلي عن اللغة السلافونية لكن فعلياً هذا ينطبق على كل اللغات بما فيها العربية، حيث أن عدداً من الأخطاء اللغوية التي تُسمَع في كنائسنا تدلّ على عدم فهم النص بقدر ما تدلّ على ضعف في الصرف والنحوالمترجم]. رابعاً، يُنصَح القارئ ببعض التمارين للسانه وعضلات وجهه وفمه قبل الخدمة حتّى يأتي صوته واضحاً وكلماته مفصّلة وسهلة على الفهم.

وبشكل طبيعي، من الضروري احترام القانون الذهبي في ما يتعلّق بسرعة الخدمة، وهذا يتوقّف بشكل كبير على الكاهن والشماس والمرتل الأول والجوقة. من جهة، لا ينبغي بنا أن نقرأ أو نرتّل ببطء أو بشكل ممل، حتى لا تصير الخدمة باهتة وثقيلة على جماعة المؤمنين، ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه ألا نقوم بها بعجلة، فتختلط الكلمات والترتيل في طنين رتيب من الأصوات لا يمكن فهمه.

كل قارئ، مرتّل في جوقة، قائد جوقة، مرتل متقدّم، شماس أو كاهن، عليه أن يعيش وفقاً لكلام الصلاة نفسه. عليه أن يسلك في حياة روحية كيما سهام الصلاة التي تُسدّد من قلبه تصل إلى قلوب كل واحد من الآخرين. من المهم عدم إيصال عواطفنا إلى الآخرين، بل بمعونة الله اكتشاف حياة هذه الكلمات المقدسة في دواخلنا، وهي كلمات توحّد الإنسان مع الله بشكل سريّ في النفس البشرية.

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

فيلاريت ميتروبوليت أميركا الشرقية ونيويورك

نقلتها إلى العربية علا مقصود

إن عواطف القلب البشري والكثير من العواطف الأخرى مهمّة للمسيحي، مثال على ذلك الأحاسيس بالتعاطف والكراهية والرحمة والشفقةإلخ، كلها يجب أن تتطور في قلب المسيحي الأورثوذكسي منذ سنواته الأولى إن أمكن.

للأسف في العديد من العائلات المسيحية الأورثوذكسية تسير الحياة بطريقة تجعل الأهل يتقصدون فيها منع أولادهم من الاحتكاك مع الاحتياجات البشرية والأسى والصعوبات والتجارب.إن هذه الحماية المفرطة للأولاد من الواقع الطبيعي تجلب لهم نتائج سلبية فقط. إنّ الأطفال الذين نموا في ظروف حياة مشابهة للبيوت الزجاجية ينفصلون عن الحياة ويكبرون ليّنين، أهشاء، ومفسَدين، ولن يتكيفوا بشكل جيد مع الحياة. وفي أغلب الأحيان يكونون غليظي الطباع وأنانيين، معتادين على الطلب والأخذ ولا يعرفون كيف يعطون أو كيف يكونون مفيدين للآخرين. لذا، فإن الحياة يمكن أن تكسرهم بقسوة وفي بعض الأحيان تعاقبهم بضراوة، وذلك منذ سنيهم الأولى في المدرسة. لذلك من الضروري لمن يحبون أولادهم أن يعاملوهم باعتدال وفوق كل هذا يجب أن يضع الأهل والأولاد هدفاً أمامهم: الأطفال كمثل نموهم الجسدي يجب أن ينموّا روحياً، وبذلك يصبحون أفضل، ألطف، أتقياء ومتعاطفين.

لتحقيق ذلك من المهم أن نسمح للأطفال بأن يحتكوا باحتياجات ومتطلبات الناس وأن نعطيهم فرصة للمساعدة. ومن ثم فإن الأطفال بأنفسهم سيسعون للصلاح والحق ولكل شيء طاهر لإن الصلاح والنور هما قرب روح الطفل غير المفسد.

هذه العواطف التي تحدثنا عنها، بما فيها اﻷسمى بينها كالرحمة والشفقة، موجودة داخل كل إنسان. بالحديث عن الأحاسيس المسيحية الصافية، سنتوقف عند الرجاء المسيحي. يمكن تعريف الرجاء المسيحي بأنه التذكّر المخلص والحي لله, بشكل غير منفصل عن الثقة بمحبته وعونه السماويين .الإنسان الذي لديه هذا الرجاء يشعر دائماً وفي كل مكان بحماية الله الآب له وكأنه يرى دائماً وفي كل مكان قبة السماء اللامتناهية تغطيه. لذا فإن المسيحي الأورثوذكسي الذي يملك رجاءً بالله لن يشعر باليأس ولا بالوحدة التي لا رجاء فيها. وحده غير المؤمن يمكن أن يجد أن موقفاً ما ميؤس منه أما المؤمن الذي له رجاء بالله يعلم قربه من القلب الإنساني الحزين فيجد الراحة والعون والشجاعة من الله.

بالطبع، إن ذروة الرجاء المسيحي وتاجه هما في المستقبل .نحن كمسيحيين أورثوذكسيين نعلم أن قانون إيماننا الذي جُمعَت فيه كل حقائق اﻹيمان الأساسية ينتهي ب أترجّى (أي أتوقع وأتطلّع إلى) قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي آمين“.

إذاً، الإدراك الكامل للرجاء المسيحي سيتمّ عندما تنتصر الحياة على الموت والحق الإلهي على الباطل الأرضي. عندها كل محنة ستزول ﻷن الله سَيَمْسَحُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ“(رؤ 4:21) “وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ“(إش 10:35).

هذه هي الذروة، التتويج والإدراك الكامل للرجاء المسيحي الأرثوذكسي، والنصر لهؤلاء الذين اضطهدوا، ظلموا، ونفيوا في هذه الحياة الأرضية من أجل حقيقة المسيح.

من ارتدادات اجتماع كريت

من ارتدادات اجتماع كريت

تتوالى ردود الفعل والنتائج للقاء كريت الذي انعقد في حزيران 2016، ويأخذ البعض منها شكل انشقاقات في الكنيسة الأرثوذكسية ككل، أو في عدد من الكنائس المحلية. وهذا المنحى يشير إلى ضرورة توقّع المزيد من الاختلاف حول تقييم هذا اللقاء وتقبّله في الكنيسة. هذا ويًلاحَظ أن بعض الكنائس تتعاطى مع هذا الحدث وكأنه لم يكن، فلا مَن يؤيّد ولا من يدين وأصلاً لا مَن يحلل، إلا بعض الأفراد هنا أو هناك. هذه البرودة ليست دليل صحة، فالنأي بالنفس ليس مبدأ كنسياً.

من جهة أخرى، وبغضّ النظر عن صحة المواقف أو خطئها، إن مجرّد ظهور هذا التنوع والنقاش الذي ينتج عنه، أو المواقف التي تُتخَذ وقساوتها، فهذه كلها تدلّ على أن في هذه الكنائس حياة وأن الدم يجري في عروقها وليست متاحف، لا تشكّل فيها العقيدة وصحة الإيمان أيّ همّ أو اهتمام.

كنيسة اليونان

قامت مجموعة من رؤساء الأديار وأساتذة اللاهوت بزيارة إلى كنائس جورجيا وبلغاريا ومولدوفيا. وبحسب الأخبار فإن منسّق هذه المجموعة هو المتقدّم في الكهنة ثيوذور ذيسيس، أستاذ (فخري) آبائيات. وقد شاركت هذه المجموعة حيث حلّت بنشاطات جميعها مناهضة للقاء كريت وخاصةً لتوجهاته المسكونية، كما وجّهت انتقادات مباشرة وواضحة للبطريرك المسكوني ومواقفه، بلغ بعضها الدعوة إلى عدم ذكره على الذبيحة.

كتب عدد من المطارنة في اليونان كتب دراسات أو رسائل إلى رعيته أو إلى المجمع اليوناني وكلها في الخط المناهض للقاء كريت وروحيته.

من جهته، أرسل البطريرك المسكوني رسالة إلى رئيس أساقفة اليونان ومجمعها، في 18 تشرين الثاني 2016، يطلب فيها تجريد الأب ثيودور ذيسيس ورفقته، كما يطلب محاكمة وتجريد كل من سارافيم مطران بيريه وأمبروسيوس مطران كالافريتا وذلك لاعتبارهما مشجعَين على الانشقاق في الكنيسة، بسبب تصريحهما بأن لقاء كريت ابتداع وغير أرثوذكسي. ويحذّر البطريرك المسكوني بأنّه في حال تخلّف كنيسة اليونان عن ذلك، فإنه ومجمعه سوف يقطعون الشركة الكنسية والأسرارية مع هؤلاء المطارنة.

من المثير للانتباه في رسالة البطريرك المسكوني إشارته إلى عدد من القوانين الكنسية، وارتكازه إلى قول للقديس يوحنا الذهبي الفم بـأنّ ما من شيء يغضب الله مثل الانقسامات في الكنيسة“. علماً بأن رسالته هي سابقة في تدخل كنيسة بأخرى، كما أن قطع القسطنطينية للشركة مع أفراد محددين من كنيسة اليونان هو أيضاً سابقة. لكن كل هذا يدل على المأزق الذي أوقع فيه البطريرك المسكوني الكنيسة وما يزال مصراً على عدم الخروج منه إلا بما كان يعد نفسه به من ظهوره كبابا للأرثوذكس الموزعين على سبعة عشرة كنيسة.

كنيسة بلغاريا

عقد مجمع كنيسة بلغاريا جلسة في 15 تشرين الثاني 2016، راجع خلالها نص وثيقة علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بالباقي من العالم المسيحي، وأورد ما يوازي حجمها من التعليقات ما أدى إلى رفضها. إلى هذا ختم المجمع رسالته بأنّ نظام المجامع المسكونية أو الجامعة لا يضمن تلقائياً أو بصورة ميكانيكية صحّة الإيمان المعلَن فيها. وبالتحديد، لقاء كريت ليس كبيراً ولا مقدساً ولا جامعاً لكل الأرثوذكس، وذلك لعدد من الأسباب منها عدد الكنائس التي لم تشارك، عدم دقة كل الوثائق التي تمّ تبنيها وعدم مطابقتها لتقليد الكنيسة العقائدي أو القانوني.

كنيسة رومانيا (إعداد أندريه إبراهيم)

دير روماني بطريركي في بحيرة فروموس يقطع الشركة مع بطريركية رومانيا الارثوذكسية:

أرسل برصنوفيوس الأسقف السابق للدير ورئيس أساقفة رمينكو رسالة يلي نصها. وهذا الدير هو الدير البطريركي الثاني الذي يقطع الشركة مع البطريركية؛ الأول كان محج الأويتوز كاكاو في يوليو 2016.

صاحب الغبطة،

كنتيجة للأحداث الأخيرة في الكنيسة الأرثوذكسية، والمختصة بمجمع كريت، نحن أخوية دير بحيرة فروموس، في ابرشية فيلتشا، نعلمكم الآتي:

إن ترتيب المجمع المذكور، بكل محاوره، ينحرف تماما عن تقليد المجامع المسكونية والمحلية الأرثوذكسية، بل يعطي بداية تأسيس للعصمة الباباوية في داخل الكنيسة الأرثوذكسية.

إن وثيقة العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وباقي العالم المسيحيتمثل الهوية أو بطاقة العمل الخاصة بهرطقة المسكونية.

أيضا في هذه الوثيقة، نقرأ في المقطع الثاني والعشرين، أن الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي يتم فقط من خلال النظام المجمعيوأن هذا النظام المجمعي هو السلطة الأعلى في الكنيسة من الجهة العقائدية الإيمانية والأحكام القانونية“. بالرغم من أن السلطة الأعلى في الكنيسة في الأمور العقائدية هي ضمير ووعي الكنيسة. ولذلك نجد في التاريخ أن بعض المجامع تسمى مجامع مستقيمة قانونيةوأخرى تدعى مجامع لصوصية“.

أما في وثيقة سر الزواج وعوائقهوفي المقطع الثاني منه، والمعنوَن تحت في عوائق الزواج وتطبيق التدبيرنجد هناك سماحاً للزواج بين المؤمنين الأرثوذكس وغير الأرثوذكس! بينما القانون الثاني والسبعون من مجمع ترللو (بنثكتي الخامسسادس) يمنع بشكل واضح مثل هذا النوع من الزيجات.

في الرسالة التي تم إرسالها في 20-7-2016، نجد من غبطتكم تجنباً لمعرفة رأيكم الرسمي بخصوص مجمع كريت. وحتى الآن لم تمارسوا حق الفيتو على هذا المجمع.

وعليه، وبحسب القانون الخامس عشر من المجمع المنعقد في القسطنطينية (الأولالثاني) في 861، والذي يشير إلى قطع الشركة مع الهراطقة، فإن أخوية دير بحيرة فروموس قررت الكفّ عن ذكر اسم غبطتكم في الذبتيخا.

أخوية دير بحيرة فروموس:الأب الرئيس غريغوريوس، الراهب كرياكوس، الراهب أثناسيوس، الأخ فاليتريكا.”

عدم كفاية المعرفة العلمية والتحليل النفسي في الحياة الروحية، بحسب الشيخ صوفورني

عدم كفاية المعرفة العلمية والتحليل النفسي في الحياة الروحية، بحسب الشيخ صوفورني

د. نيكولا كويوس

بالنسبة للأشخاص الروحيين الذين يكافحون للحصول على معرفة الله والإبقاء عليها، باعتبارها مدخلاً إلى طاقة الخلود الإلهي، ليس التعلم العلمي الفكري كافياً، بغض النظر عن الصفة التجريبية التي قد يتمتّع بها وعن مدى صعوبة ضحدها. يوفر العلم الإنساني وسيلة للتعبير عن تجربة المعرفة الوجودية، ولكنه يعجز عن نقل هذه المعرفة بطريقة أصيلة دون مشاركة النعمة في العمل. لو لم يكن الأمر على هذا المنوال، لكان صعودنانحو مجالات الوجود الإلهي، وجود الحق، يعتمد على التربية الدهرية والقدرة الفكرية وحسب. ولكن اﻷمر ليس على هذه الحال. عند هذه النقطة يصبح من الواضح أن الشيخ صوفروني يدور ضمن حدود تيار الفكر الآبائي الأرثوذكسي، الذي يرفض إمكانية فهم الكائن الإلهي من خلال التصنيفات المنطقية.

مع ذلك، يقبل الشيخ إمكانية الشعور بعدم إمكانية إدراك اﻷلوهة من خلال عملية التفكّر الفلسفي الطبيعية. فالفكر يبلغ حالة الوقوع في الصمت“. وهذه الحالة هي دون المعرفة اﻷصيلة لله بكثير. يمكن إيجاد هذه العملية في كتب النسك عند متصوفي الكثلكة. ومن دون التقليل من قيمتها أو رفضها، لم يصنّفها الشيخ صوفروني بين الدرجات الروحية اﻷعلى، حيث لا يصمت الفكر بل يمتلئ باستنارة القوى اﻹلهية ويشترك في حياة الله. إن صمت الفكرالذي يُصادَف ك ظلاموليليبرهن أن الفكر دخل في المعاينة الحقيقية، لكن قطعاً من دون الافتراق عن القلب الذي هو مركز الشخص البشري.

في ما يتعلّق بمشاركة العلم في المعرفة الوجودية لله، فإن للشيخ وجهة نظر لاذعة حول استخدام التحليل النفسي كتفسير للخبرات الممنوحة من فوق. يحاول التحليل النفسي العلمي إقناعنا بعدم إعطاء مصداقية لتجاربنا. ولكن عندما نتحدث عن ظهور شخصي لله لشخص ما، حيث ما من مكان لأي شك في هذا الظهور، لأنه هو المبدأ الحقيقي لكل ما هو موجود، فإنّ أي محاولة للتحليل النفسي تكون مضللة، ﻷنّه حيث يعمل الله يصير إطناباً. يضع التحليل النفسي العلاقةَ التجريبية بين الناس والله على مستوى الخيال. ببساطة، هذا غير صحيح لأن حقيقة معرفة الله التجريبية، وهو ما يسمى معاينةفي الفكر الآبائي، تذهب إلى ما هو أبعد من إمكانيات الخيال البشري. يتوصّل الشيخ إلى نفس النتيجة في تعامله مع الخوف الإلهي. فما من شيء مشترك بين خوف الله كنتيجة للاستنارة الروحية والغريزة الحيوانية المقابلة. لذا تكمن طبيعتها خارج نطاق علم النفس.

Nikolaos Koios. Θεολογία και Εμπειρία κατά τον Γέροντα Σωφρόνιο. H.G.M. of Vatopaidi, the Holy Mountain, 2007.

مؤتمر كل اﻷرثوذكس حول الهرطقات وأشباه الدين في اليونان

مؤتمر كل اﻷرثوذكس حول الهرطقات وأشباه الدين في اليونان

انعقد المؤتمر الثامن والعشرون لممثلي كل الكنائس اﻷرثوذكسية [ما عدا الكرسي الأنطاكيالمترجم] حول الهرطقات وأشباه الدين (para-religions) في أغرينيو اليونان ما بين الحادي والثلاثين من تشرين الأول والثاني من تشرين الثاني 2016. موضوع الاجتماع كان الأفكار الهرطوقية والسرية (Occult) حول الكائن البشري وحقوق الإنسان“. نظّمت المؤتمر اللجنة المجمعية للهرطقات، وهي إحدى لجان مجمع كنيسة اليونان. كان المؤتمر برعاية صاحب الغبطة ييرونيموس رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان، وترأسه الميتروبوليت أغناطيوس مطران لاريسا وتيرنافا الذي يرأس اللجنة المجمعية المذكورة. شارك في المؤتمر عدد كبير من أساقفة اليونان والقسطنطينية والإسكندرية وأورشليم وبلغاريا، من بينهم قوزما أسقف إيتوليا أكارنينا وايرينيوس رئيس أساقفة كريت، كما شارك عدد من المسؤولين المدنيين المهتمين بهذه القضايا، وكان باستقبال المجتمعين عمدة أغرينيو جورج باباناستاسيو.

إلى جانب الممثلين الرسميين لكنائس القسطنطينية، الاسكندرية، أورشليم، روسيا، صربيا، رومانيا، بلغاريا، قبرص، بولندا واليونان، شارك ما يزيد عن مئة ممثل ﻷبرشيات اليونان، بالإضافة إلى أساتذة من جامعات أثينا وتسالونيكي وصوفيا. مثّل الكنيسة الروسية الأرشمندريت ثيوفان لوكيانوف، رئيس مكتب البروتوكول في دائرة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو.

الأوراق التي قُدِّمَت في المؤتمر دارت حول المواضيع التالية: “تعليم الكنيسة اﻷرثوذكسية حول الإنسان، التقمّص: نظرة نقدية على ضوء الأرثوذكسية، كونوا كالآلهة: التعاليم الوثنية عن الإنسان، المفاهيم اﻷنثروبولوجية الخاطئة لدى شهود يهوه، والمفاهيم الخاطئة اﻷنثروبولوجية لدى المورمون“.

في اليوم الختامي استمع الحاضرون لتقارير من ممثلي كنيسة اليونان حول المشاكل التي تواجهها اﻷبرشيات مع البدع والهرطقات.

تمّ تلخيص أعمال المؤتمر في وثيقة ختامية* بعنوان توصيات إلى المجامع المقدسة للكنائس الأرثوذكسية المحلية، ومن أهم ما ورد فيها:

تحذير من أنّ التعليم الأنثروبولوجي الهرطوقي في بعض البدع السرية الوثنية ذات المقاربات والممارسات المختلفة (كطرق التلاعب بالوعي مثلاً) هو انتهاك لحقوق الإنسان بشكل صارخ.

إن أنثربولوجيا التيارات الهرطوقية الحديثة وشبه المسيحية غالباً ما ترتكز إلى تفسيرات خاطئة ومنحرفة للكتاب المقدس، وفي بعض اﻷحيان خلال رؤى غير كتابية حديثة ظاهرياً (كمثل رؤى المورمون والعلم المسيحي (Christian Science)، وغيرهما). لهذا فإن قناعات هذه الجماعات هي على تضادٍ مطلق مع ما يرد في الإعلان الإلهي عن المسيح في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

تعطي تعاليم الأنثربولوجيا لدى التيارات الهرطوقية الحديثة وشبه المسيحية، للتعابير المسيحية الأساسية (كالسقوط والخطيئة والخلاص وغيرها) معانٍ مختلفة جذرياً عن المعاني المسيحية، وهي معانٍ مرفوضة من الكنيسة الأرثوذكسية كما من كل العالم المسيحي بشكل عام.

إن التعليم الهرطوقي عن الإنسان يحمل عناصر خطرة على الحياة البشرية، كمثل رفض شهود يهوه لنقل الدم الذي يحاولون تصويره على أنه تعليم كتابي.

إن الانحرافات الأنثربولوجية عن التعليم الأرثوذكسي في الكثير من التيارات الهرطوقية تقود إلى نتائج سلبية على الأفراد الذين يؤمنون بها كما على كل المجتمعات البشرية.

* سوف يتمّ نقل هذه الوثيقة بالكامل إلى العربية ونشرها في عدد لاحق.