Category Archives: رعائيات

بأنّ علينا ألا نتجاهل المحتاجين

بأنّ علينا ألا نتجاهل المحتاجين

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية منيرة فرح

لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أن تفعله” (أمثال 27:3)

الربّ لا ينكر احتياجك، ولذا فعليك ألا تنكر أخاك الإنسان الذي أرسله الله ليختبر قلبك. فإذا في إحدى المرّات مدّ فقيرٌ أو محتاجٌ يدهُ إليك طالباً المساعدة فأعطِه ولا ترفض. تذكّر لِكَم من السنين في حياتك، ولِكَم من الساعات في نهارك، ولِكَم من الدقائق في الساعة كما في كل دقيقةٍ ولآلافٍ من الأيام أنت تبسط يدَكَ إلى الله، والله يعطيك ولا يرفض طلبك. تذكّر رحمة الربِّ، وافتقارك لهذه الرحمة سيحرقك كجمر حيّ وهذا لن يمنحك أيّ سلام حتى تتوب وتليّن قلبك

لا تقل أبداً: “هؤلاء المتسوّلون يزعجونني، لأن هناك ملايين من الناس يعيشون على الأرض وكلهم متسوّلون أمام الله. الأباطرة مثل العمال، وأصحاب الثروة مثل الخدّام. الكلُّ متسولون أمام السيد، والله لا يقول أبداً هؤلاء المتسوّلون يزعجونني“.

أيّها الإنسان قدّم شكرك إلى الله لأن أحدهم يطلب منك شيئاً صالحاً، مادياً كان أو معنوياً! هذا يعني أنك إنسانٌ حائز ثقة الله: فهو ائتمنك على بعض خيراته لأنه هو يملك كلّ خير. أظهر استحقاقك لهذه الثقة في القليل لتُؤتمنَ على الكثير.

أيها الربُّ العظيم الغنى، حنّن قلوبنا وأنر فهمنا لكي نكون رحماء فيما ائتمنتنا عليه، يا كليَّ الرحمة وحدك، لأنَّ لك المجد والشكر إلى الأبد. آمين

الرهبنة العلمانية

الرهبنة العلمانية

الأب تريفن، رئيس دير المخلّص الجزيل الرحمة

لا أستطيع أن أحصي عدد العلمانيين الذين عبّروا عن اهتمامهم بالرهبنة خلال الخمس والثلاثين سنة الماضية. الكثيرون أخبروني، لو أنهم صاروا أرثوذكسيين في سن مبكرة لكانوا استغنوا عن الزواج من أجل الحياة الرهبانية. هؤلاء لم يكونوا أشخاصاً تنقصهم السعادة مع زوجاتهم أو في زيجاتهم، لكنهم ببساطة وجدوا أنفسهم مشدودين نحو إيقاعات الصمت، الليتورجيا، الدراسة، الصلاة والعمل.

صحيح أنه لدى الكثيرين من المسيحيين الأتقياء انشداد رومنسي نحو نمط حياة يبدو سلامياً وخالياً من الاهتمامات. إنهم يحنّون إلى ما يرون أنه حياة هادئة وبالتالي محمية حيث تُعزَل ضغوطات الحياة. إنهم ينظرون إلى الصمت والسلام اللذين يسودان على الإيقاع الديري اليومي ويشعرون بشيء من الحسد. يحنّ الكثيرون إلى صمت صعب المنال وعمق روحي ويعتبرون أن من المستحيل للمؤمن العلماني العادي أن يحصد أوقاتاً من الصلاة العميقة غير المشوشة. فمع التنقّل والوظائف والفواتير والعشاء والأولاد لم يعد هناك ببساطة مكان للحياة الداخلية كما هي موجودة في الأديار.

ولكن إذا تفحصنا فعلياً سرعة الحياة اليومية، يمكننا أن نجد الكثير من الوقت المهدور الذي يمكن استعماله في ذلك المسعى الغامض للصمت والصلاة. خلال التنقل اليومي، إذا حسبنا الدقائق الضائعة على الدردشات على الخليوي، أو الاستماع إلى الأخبار، أو في النقل العام، قراءة الجريدة، نجد أن هناك وقتاً مقدساً قد أُهدِر. وقت التنقّل، إذا أُحسِن استعماله، ممكن أن يصير وقتكم المقدّس.

سواء كنتم تتنقلون بالسيارة أو القطار أو الدراجة، فالتنقل يعطيكم قلاية رهبانية، مكاناً منقطعاً عن متطلبات العالم وضجيجه. لا يجد الراهب لحظات التأمّل فقط في العزلة، أو أثناء الخدم في الكنيسة، لأن الراهب يصلّي حتّى أثناء قيامه بأعمال طاعته. الراهب يكون في الصلاة حتّى أثناء استقبال زوّار الدير، أو العمل مع الرهبان الآخرين في الحقل أو معمل النجارة.

بإمكانكم أن تحوّلوا تنقلّكم إلى مكان مقدّس، وسيارتكم أو قطاركم إلى دير. بدل الاستسلام إلى الموسيقى أو نشرات الأخبار، بإمكانكم استعمال وقت تنقلكم لتشديد إيمانكم. إن جهازاً نقالاً محمّلاً [يحدد هنا الأب ipod ] بتسجيلات من الراديو الكنسي [Ancient Faith Radio] يمكن أن يكون طريقتكم لتعميق فهمكم للاهوت الكنيسة السريّ، أو لتعلّم فنّ الصلاة، على يد لاهوتي أرثوذكسي معروف. بإمكانكم الاشتراك في صلاة السحرية والغروب مع الرهبان الذي سجّلوا هذه الصلوات على أقراص مدمّجة. بإمكانكم الاستماع إلى الكتاب المقدّس وشروحاته ودراسته أثناء تنقّلكم. إن تسجيلات الموسيقى الكنسية التي لا تعد ولا تحصى الموجودة على أقراص مدمّجة أو ممكن تحميلها على جهازكم المحمول بإمكانها أن تحوّل تنقلكم إلى حدث منهِض. يمكن للموسيقى الكنسية أن تنقلكم إلى عالم يلتقي فيه السعادة والجمال ويختفي فيه استعجال التنقّل وضجيجه وضغطه.

إن صلاة يسوع صلاة ممتازة أثناء التنقل ﻷنها ترشدكم إلى الدخول إلى شكل عميق من الصلاة، شكل من السلام والسعادة يفتح قلوبكم واسعة ليسوع. لطالما نصحت بصلاة يسوع للمتنقلين الذين يعانون من توتر الطريق، وقد حوّلت الصلاة قيادتهم إلى تنقّل سلامي برفقة يسوع.

تأتي أيام حين تصير أفضل مقاربة لتحويل تنقلكم إلى قلاية رهبانية، هي في إطفاء كل المحرّكات الخارجية والدخول في الصمت. ليس بالضرورة أن يكون عندنا دائماً محفزات من خارج حياتنا، والصمت يتيح للحظة التي فيها نبدأ بسماع صوت الرب. قد يكون الأمر مرعباً بالبداية لأننا اعتدنا كثيراً على الضجة والموسيقى والكلام حتى صار الصمت يفقدنا أعصابنا. لكن بالرغم من هذا، ففي الصمت يمكن أن ندخل إلى قلب الله يرشدنا سلام المسيح الذي يحوّل قلبنا ويعطينا السلام.

المثلية بين الرعاية والقانون المدني

المثلية بين الرعاية والقانون المدني

الأب أنطوان ملكي

إن قوة الناموس هي الخطيئة. هذا ما يعلّم به الرسول بولس. أما معنى هذا الكلام فهو أن الخطيئة هي التي تستدعي وجود القانون. لو كان كل الناس صالحين أبراراً لما كان من داعٍ للقوانين. أقلّه هذا ما تعتقد به الأديان التي ترى أن لا مكان للقوانين في الحياة السماوية. لكننا على الأرض. من هنا أن القوانين التي تحمل صفة معاقبة المخطئين تحمل في شكل أهم محاولة إصلاحهم والتخفيف من وطأة الخطأ على المجتمع الذي يسعى القانون إلى تنظيمه. ولهذا، هناك فرق بين أن يستند الدستور، أي القانون الأعلى في البلاد، إلى الأديان السماوية أو أن يحترمها وحسب. فإذا استند إليها وجب اعتباره للخطايا جرائم، وهذا موقف صار مرفوضاً منذ عصر النهضة، حيث صار واضحاً الفصل بين نشاط الفكر الإنساني والفكر الديني، مهما تقاربا، وعدم جواز إخضاع أي منهما للآخر. وعليه تمّ الانتقال من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية، التي تحترم الأديان وتستوحيها ولا تعاديها.

يستند الحكم في الدولة المدنية إلى العقل بالدرجة الأولى. وهذه العلاقة أنتجت الغطاء الشرعي للحرية العلمية التي أتاحت للعلم ولوج أبواب كانت محرّمة. وهنا ظهر موقفان متضاربان عند العلماء، أولهما موقف رزين يستند إلى أن الكون هو عالم مخلوق ومحكوم بأمور تمّت ترجمتها في رزمة من المبادئ وأخلاقيات العلوم، وموقف آخر انتشى بما حققه العقل فصار متفلّتاً يرى في الدين والأخلاق طاغية يريد كسره.

سبب هذه المقدمة الحديث المفتوح اليوم في لبنان عن المثلية، والمبادرات الفردية لدى بعض القضاة لنقلها من حالة الجرم ووضعها في خانة الحرية الشخصية. بدايةً، ينبغي الفصل بين الموقف المسيحي الواضح في تحريم المثلية، حيث أن الرسول بولس يسمّي المثلية في رأس الخطايا، وبين الموقف المتوقّع من القانون اللبناني أو غيره من القوانين. فالكنيسة لا تستند إلى قانون الدولة لتطبيق تعليمها ولا تحكم على الدول من باب مطابقة قوانينها للإنجيل أو عدمه. قوانين الدول، في أفضل الحالات، تهدف إلى تنظيم المجتمع أما قوانين الكنيسة فتهدف إلى شفائه من مرضه الروحي وتقديسه.

فموقف الكنيسة من المثلية مستند إلى نظرتها بأن المثلية هي تجلٍ لمرض في روح المثلي على الكنيسة معالجته وحمل صاحبه إلى التوبة والعودة عن خطئه. من هنا أن تبنّي بعض مجموعات المسيحيين لزواج المثليين يناقض تماماً الوصايا الإنجيلية وقد صار سبباً إضافياً للانقسام في العالم المسيحي.

بتاريخ 2014/1/28، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن ناجي الدحداح حكماً برّأ فيه إنساناً قد تحوّل جنسياً من تهمة الجنس بخلاف الطبيعة. يظهِر المنطق العلمي هنا فجوة في القانون اللبناني. فقبل السؤال عن قانونية قرار القاضي ينبغي السؤال عن قانونية التحوّل الجنسي. هل يسمح القانون اللبناني به وتحت أي ظروف؟ مَن الجهة الطبية – العلمية – الأخلاقية التي تأذن أو تمنع؟ هنا قد يقوم مَن يقول بأن التصرّف بجسد الإنسان هو من حقوقه، وهنا باتّباع المنطق عينه، يكون الانتحار حقاً للإنسان. هل تقبل الدولة بهذا؟

ومؤخّراً أصدر القاضي ربيع معلوف حكماً بإبطال تعقّبات مستندة إلى المادة 534 من قانون العقوبات بحقّ مثليين ومتحوّلين جنسياً. وقد استند إلى موقف منظمة الصحة العالمية التي تعتبر أن المثليّة الجنسيّة ليست اضطراباً ولا مرضاً ولا تتطلب علاجاً. بهذا ضربت هذه المنظمة كل المدرسة الطبية القائمة لعلاجات إصلاح المثليين والمتحولين جنسياً والمنتشرة في كافة الدول. لذا، من وجهة نظر أكاديمية، يحق لنا التساؤل عن صحة استناد القاضي إلى هذه المنظمة بمقابل تقليد أكاديمي يعود إلى البروز مجدداً وبقوّة.

ليس الهدف مناقشة مقاربة القانون اللبناني ولا تحليل الأحكام التي تصدر عن قضاة منفردين، بل تسليط الضوء على ضحالة السند العلمي في الأحكام. فالنص الذي يورده القاضي معلوف تعليلاً لحكمه مفعَم بالعواطف ولا يحمل أي سند علمي. ما يمكن استنتاجه من القرارين المذكورين أعلاه، هو غياب عمق البحث العلمي لإسناد القرار، أو اكتفاء القضاة بالاستناد إلى بعض المواد أو التقارير الصادرة عن مراجع يغلب عليها التسييس في أغلب الأحوال.

في الفترة الزمنية الممتدّة ما بين سبعينيات القرن الماضي ونهايته، كان في الأبحاث العلمية المنشورة تركيز على دور الدين في رفض المثلية. قليلة هي الأبحاث التي لاحظت أن المسيحية ترفض المثلية لا المثليين. في موازاة هذه الأبحاث في حقل العلوم الاجتماعية، صُرف الكثير من المال على أبحاث في علوم الحياة والطب، هدفها الأول كان إيجاد هرمون ما أو تشوّه خلقي ما يؤدّي إلى المثلية أو التحوّل الجنسي. وبموازاة هذا أيضاً، كان هناك العديد من الأبحاث على مستوى الطب النفسي، لتحديد أسباب هذا التحوّل، الذي وجد العلم أنه يعود بالدرجة الأولى إلى خلفيات تربوية واجتماعية. ما لم يستطع العلم إثباته هو أن المثلية مفروضة على معتنقيها. وخلال هذا الزمن كله، شكّلت الجمعيات المدافعة عن حقوق المثليين عامل ضغط وترهيب على الباحثين والجامعات وحتّى السياسيين فتمّ ضمّ المثليين إلى مجموعات الأقليات، حتّى أنّهم صاروا واجهة الأقليات على حساب الإثنيات والطوائف والقبائل الأصلية وغيرها.

هنا نذكر تصريح المرشح الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية بن كارسون، وهو جراح أعصاب متقاعد وباحث متميّز، حيث قال أن المثلية هي خيار بالمطلَق. وقد دفع من رصيده السياسي الكثير ثمن هذا التصريح [1]. وهنا نذكر أيضاً آخر الأبحاث الصادرة في أواخر 2016 عن جامعة جون هوبكينز بعنوان الجنسانية والجنس، نتائج من العلوم البيولوجية والنفسية والاجتماعية، وفيه يثبت الباحثون وهم من المرجعيات في حقولهم أن ما من شيء يثبت أن الإنسان يُولَد كمثلي أو متحول جنسياً. ففي خاتمة التقرير الوارد في 116 صفحة، يستنتج الباحثون أن: “بعض وجهات النظر المنتشرة على نطاق واسع حول التوجه الجنسي، كمثل فرضية المولود على هذا الشكل، هي ببساطة غير قابلة للاعتماد علمياً. تصف الأبحاث المنشورة في هذا المجال عدداً صغيراً من الاختلافات البيولوجية بين ذوي الميول المثلية وأصحاب الميول الطبيعية، ولكن هذه الاختلافات البيولوجية ليست كافية للتنبؤ بالتوجه الجنسي“. هذا التقرير عرّض الجامعة للتهديد من قبل حملة حقوق الإنسانالتي هددت بتخفيض تصنيف الجامعة على مؤشر المساواة في الرعاية الصحية “Healthcare Equality Index” إذا لم تبادر الجامعة إلى رفض التقرير وسحبه، لكن إدارتها دافعت عن الباحثين ونشرهم من باب التزامها بالحرية الأكاديمية.

من جهتها، جمعية مشروع التوعية الجينية (Genetic Literacy Project) أكّدت أن الاستناد إلى اكتشاف الباحث دايفد جيفن، من جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس (UCLA)، عن تعرّض بعض الهرمونات للمثيلة (methylation) للقول بأن المثلية تأتي كنتيجة ممكنة لهذه العملية هو تبسيط وسوء قراءة لنتائج هذا البحث، كونه لم يقل ذلك [3]. الواقع أن الكثير من العيوب تشوب الاستشهاد ببعض الدراسات التي يستند إليها القائلون بأن أصل المثلية هرموني أو أن عيوباً أخرى تشوب الدراسات نفسها [4].

إن فَصل مسألة المثلية عن صحة العائلة والمجتمع خطأ كبير يسرّع بانفراط المجتمع. من هنا، أن الاهتمام بوضع مسألة المثلية في مكانها الصحيح لا ينبغي أن يكون همّ المتدينين وحدهم، إذ أصلاً العائلات غير الملتزمة دينياً هي، نظرياً، الأكثر تعرّضاً لأن ينحرف أبناؤها عمّا هو تقليدي. يكفي قراءة الشعارات التي يرفعها الناشطون خلال التحركات الداعمة للمثلية، في لبنان أو غيره، ليظهر واضحاً أن المهدد فعلياً هو المجتمع برمتّه وأن ما يحرّك هذه الفعاليات ليس مجرد دفاع عن رغبة أو حرية مجموعة من الناس بل هو التفلّت من النظام الذي يتبنّاه المجتمع. من هنا ينبغي أن يتعاطى القضاء مع هذا الموضوع من باب مسؤوليته في حماية المجتمع لا من باب النقاش المتقلّب حول حقوق الإنسان فلا تكون قراراته بتسرّع أو تحت ضغط مجموعات الدفاع عن المثليين. بالمقابل على المؤسسات الدينية والمجتمعية السعي إلى استيعاب مَن تظهر عليه الميول المثلية ورفع الوعي في محيطه لكي يلعب دوراً تربوياً ملطفاً لهذا الانحراف، لا دوراً إدانياً منفّراً.

[1] http://www.livescience.com/50058-being-gay-not-a-choice.html

[2] http://www.breitbart.com/big-government/2016/10/20/lgbt-group-threatens-johns-hopkins-report-homosexuality-transgender/

[3]https://www.geneticliteracyproject.org/2015/10/12/despite-what-you-may-have-read-theres-no-gay-gene/

[4] Rebecca Jordan-Young’s Brain Storm: The Flaws in the Science of Sex Differences (Harvard University Press, 2011).

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

هل يجب أن يصوم الأطفال؟

د. كريسانثيس لاثيرا (طبيبة أطفال)

نقلتها إلى العربية ينال إبراهيم

السؤال الوارد في عنوان مقالتنا يحيّر كل الأهل الراغبين بالصوم هذه الأيام ولكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع أطفالهم أو حتى إذا كان يجب أن يصوم الطفل. في المقالة العلمية التالية سوف يتمّ إعلامكم عمّا إذا كان الطفل قادراً أو إذا كان ينبغي به أن يصوم، من وجهة نظر طبية، من أي عمر؟ وما هي المخاطر؟ وفي النهاية، سوف تقرؤون عن فوائد الصوم لجسم الأطفال.

نحن في أيام الصوم الكبير، والعديد من العائلات (اليونانية) صائمة، حيث أنهم يمتنعون عن اللحوم وكل ما هو من منتجات الحيوان. عندما أُسأل إذا كان بإمكان الأطفال أن يصوموا، وإذا كانت هذه العادة قد تسبب لهم مشاكل صحية، أجيب بالإيجاب لأن الأولاد يتبعون صوم أهلهم خاصةً في عمر المدرسة أي بعد الخامسة أو السادسة من أعمارهم.

الصوم هو فرصة ممتازة لاتّباع نظام غذائي نباتي حتى لو لبضعة أيام، وهو يتضمّن البقوليات (مصادر غنية بالبروتينات ذات القيم البيولوجية العالية) والخضراوات (مصدر للألياف تساعد في سير وأداء الأمعاء)، زيت الزيتون بدلاً عن الدهون الحيوانية، المكسرات النيئة والفواكه المجففة، ثمار البحر الغنية بالبروتينات والمعادن، والكثير من الثمار التي تشكّل مصدراً للفيتامينات ومضادات الأكسدة. وبالإضافة إلى الفوائد الغذائية للصوم يمكن للطفل أيضاً أن يتدرّب على ضبط النفس ووضع حدود لرغباته.

قد يتساءل بعض الأهل إذا كان ابنهم يحصل على كفايته من البروتين والكالسيوم خلال الصوم. اللحوم، البيضاء أو الحمراء، هي المصدر الأكثر وفرة للبروتين من المواد الغذائية، ولكن يمكن استبدالها خلال الصوم بالبقوليات (كالعدس) أو الحبوب (مثل الرز أو الكينوا) والتي تؤدي ايضاً إلى زيادة في امتصاص الحديد. والأطعمة الغنية بالبروتين هي المكسرات والحبوب مثل: الشوفان والجادوار ومنتجات فول الصويا. يمكن الحصول على الكالسيوم من المأكولات البحرية، اللوز، بذور السمسم، الطحينة، والحلاوة.

بعد الصوم تأتي احتفالات الفصح حيث يستهلك الأطفال الكثير من البيض واللحوم والحلويات احتفالاً بالعيد. هذا التغيّر المفاجئ في النظام الغذائي من الصوم إلى الاستهلاك غير المنضبط في وجبات عيد الفصح يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي عند الأطفال كما عند البالغين. لذلك يجب أن يتم تعديل الأطعمة بعد الصوم بتأنٍّ. لا ينبغي على الأطفال ولا على الكبار أن يأكلوا في يوم واحد كل ما امتنعوا عنه خلال الصوم، مع الانتباه خصوصاً للأطفال الذين يعانون من مرض السكري أو زيادة الوزن….

باختصار ينبغي أن يتم الانتقال من الصيام إلى النظام الغذائي الاحتفالي باعتدال وبكميات صغيرة وإلا فإنه سوف يسبب الانزعاج الهضمي مثل القيء والإسهال وكذلك الحساسية الغذائية وزيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي مثل ارتفاع سكر الدم والكولسترول والدهون.

عادات الأهل الغذائية قدوة للأبناء لذلك من المفيد للأهل أن يعلّموا أولادهم الكميات والنوعيات الغذائية المناسبة ليصبحوا بالغين أصحاء.

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

ما لله لله وما لقيصر لقيصر

الأب أنطوان ملكي

شهر كانون الثاني 2017 ليس كغيره من الأشهر في عمر كنيسة أنطاكية الحديثة. إنه شهر السياسة بامتياز. فبدايته سياسة ونهايته سياسة. في أوله مفتٍ متفوّه يخطب في كنيسةٍ بحضور بطريرك، على خلاف تقليد الأرثوذكسية القاضي بألا يتكلّم في الكنيسة إلا المُسامون لذلك، وعلى خلاف التقاليد الإسلامية التي تقضي بألا يخطب الإمام إلا في محرابه. وفي نهاية الشهر رئيس متميّز يقلّد مطراناً وساماً على خلاف تقليد الكنيسة القاضي بعدم تكريم الأحياء، وعلى خلاف تقاليد رئاسة الجمهورية القاضي بتقليد الأوسمة للراحلين فقط، أي للموتى أو للسفراء الذين يتركون لبنان أو الموظفين الذين يتقاعدون أو ما شابه من الحالات.

لم يكن كل الأرثوذكس الأنطاكيون معترضين على أن يخطب المفتي في الكنيسة. الأغلبية صمتت. البعض صمتوا لأنهم رأوا أن الحَدَث سياسي ولا داعِ لأن يوضَع في إطار كنسي، خاصةً في الوضع الذي تمرّ فيه سوريا حيث الحاجة إلى إظهار اللحمة الشعبية الاجتماعية كبيرة. فقد أدت هذه الخطبة شيئاً من هذا الموضوع. البعض الآخر صمتوا لأنهم خشوا أن يؤخَذ اعتراضهم وكأنه على البطريرك الذي سمح بحصول ما حصل. بعض المعترضين القلائل وضع هذا العمل في الخط المسكوني وبعضهم الآخر اكتفى بالتمتمة والتأفف.

الواقع، بغضّ النظر عن التصنيف والتقييم، إن ما قبل الأول من كانون الثاني 2017 ليس كما بعده لأن ما جرى في هذا اليوم هو سابقة، بالمعنى القانوني للكلمة، وما يُبنى على السابقة قد يكون أخطر منها. أحد الأمثلة التي لم تتأخر جاء على لسان أحد الكهنة الغارقين في المسكونية الشعبوية التي لا تخدم وحدة ولا تعكس إيماناً، إذ قال: لن أرضى أن ينتقدني أحد على الصلوات المشتركة التي أنظمها فيما البطريرك يدعو المفتي إلى الخطابة من الباب الملوكي.

في أخبار غزو الإسلام لبلادنا أن أهل القدس لم يرضوا تسليمها إلا للخليفة عمر بنفسه. فلما أتى عمر واستقبله البطريرك القديس صوفرونيوس وسلّمه المدينة، وحان وقت صلاة عمر صلّى خارجاً شارحاً بأنه إن صلّى في الداخل سوف يأتي أتباعه ويعتبروا أنه قد صار لهم حصة. عرف عمر قوة السابقةفي أيامه، ورؤساء الكنيسة الأرثوذكسية اليوم لا يقيمون لها حساباً، وفي هذا إحباط للغيورين من المؤمنين وتضليل للمترددين منهم وتثبيت للمبتدعين في ابتداعهم.

أما الحدث السياسي الآخر أي منح رئيس الجمهورية وساماً رفيعاً للمطران جورج خضر، فقد هلل له الكثيرون حتّى أن بعضهم تعاطى معه وكأنه إعلان قداسة. جملة أسئلة ترِد هنا. منذ متى يأتي إعلان القداسة من الرؤساء؟ مطلوب بعض الواقعية. رئيس جمهورية لبنان لم يحكِ لا عن قداسة ولا عن كنيسة حتّى، كان واضحاً أنّه يكرّم قامة مشرقية أممية عملاقةمساوياً بين اللاهوتي الكبير والمفكّر الفيلسوف والمصلح الاجتماعي. كلام الرئيس عن الخبزات لا يصنع لاهوتاً ولا شهادة لاهوتية، غير مطلوبة من الرئيس بالأصل. من هنا، ينبغي إبقاء مبادرة الرئيس نحو المطران في إطارها الوطني، كجزء من سعي الرئيس إلى تثبيت المسيحيين واستعادة دورهم، والمطران جورج، كما يتفق الجميع، هو ألمع مسيحيي هذه البلاد في محاورة الإسلام والمسلمين. من هنا أن النظرة المتروية تظهِر أن حدث تكريم المطران هو حدث سياسي. الأب د. جورج مسّوح هلل لهذا التكريم وبلغت حماسته بأن يقرأ وقوع هذا الحدث بعد يوم من عيد الأقمار الثلاثة بأنه تدبير إلهي قرأ فيه أن المطران جورج هو القمر الرابع. شرح أن اللقب الرسميّ للمطران جورج خضر هو المطران جورج اللبنانيّ“. هذا كلام حماسة لا يقوم في الكنيسة. ففي الكنيسة هو الكلي الطهر والجزيل الاحترام المقام من الله مطراناً على جبيل والبترون وما يليهما المتقدم في الكرامة والمتصدر في الرئاسة على كل جبل لبنان“. لكن المشكلة الحقيقية ليست في كلام الحماسة بل في هذا الخلط بين السياسة واللاهوت في مقال واحد وزجّ مفاهيم غير أرثوذكسية لا صفة لها إلا السياسة كالقول بأن الكنيسة تضمّ كلّ الأبرار والصالحين إلى أيّ إيمان انتموا“. الكنيسة لا تضمّ إلا الذين آمنوا واعتمدوا.

كلام القديس يوحنا الذهبي الفمّ عن أَساقفة الذَهب وصلبان الخشب يعيدنا إلى أن الأوسمة والأوشحة لا تغني الكنيسة ولا الكلمة فيها. لم تكن السياسة يوماً قائمة إلا على المصالح التي لا مكان لها في الكنيسة الحيّة. نحن نميت الكنيسة حين نزجّها في السياسة. الكنيسة هي الأرضي الثابت الوحيد منذ ألفي عام، لأنها ليست من الأرض ولا تعود إليها، أما السياسة والسياسيون مهما عظموا فمكانهم الأرض وحدودهم الأرض ومداهم الأرض.

إن تداخل المسكونية بوجهها الدهري الحالي بالسياسة خطير جداً على الكنيسة وعلى المؤمنين، خاصة في بلاد لا ينظر رؤساؤها، العالميون منهم والروحيون أحياناً، إلى الجماعات إلا كأقليات وأكثريات. لا ينبغي أن تنعكس نظرة السياسيين إلى المسيحيين جميعاً على أنهم كتلة واحدة على الكنيسة. نتائج هذه النظرة كارثية على الكنيسة الأرثوذكسية. فالكنائس المشتركة في سوريا والصلوات المشتركة والتعييد المشترك تقف وراءها السياسة والنظرة الدهرية التي لا يهمها الإيمان، ولا تعترف به، بل همها هو كتلة الناس الذين يتداولون هذا الإيمان. التمييز شرط ضروري ولكنه صعب في هذا الزمان المتفلّت المشحون. يبقى الحل الأكثر أماناً هو في أن يُعطَى ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ولا نخلط بين الاثنين.

الأعداد في الكنيسة

الأعداد في الكنيسة

الأب أنطوان ملكي

تخبرنا الأرقام أشياء كثيرة كدرجات الحرارة، وعلامات المدرسة، وأسعار الأشياء، والوحدات الحرارية التي صارت هوس الكثيرين، وسرعة السيارة التي صارت أحد أوائل المخاطر التي تهدد حياة شبابنا، والوقت، والتاريخ، والعمر، و أموراً كثيرة غيرها. لقد بتنا نلجأ إلى الأرقام تقريباً في كل شيء: لنميّز بين الناجح والراسب، بين الرابح والخاسر، بين المقبول والمرفوض، بين الغالي والرخيص. وبلغ الأمر بالبعض أن يستعملوا الأرقام لتحديد أشياء ذات طبيعة يصعب قياسها، كالصداقة على شبكات التواصل الاجتماعي، والجمال في مسابقات الجمال، والرحمة في برامج التبرعات التي تملأ التلفزيونات خاصةً في فترة الأعيادصارت الدنيا كلها أرقاماً بأرقام.

هل الكنيسة بمنأى عن ذلك؟ طبعاً لا. والمقصود هنا ليس الميزانيات والموازنات وشؤون الإدارة. المقصود هو الممارسات. فمن جهة، يتزايد الاهتمام بالإحصائيات، فتُطرَح أسئلة من نوع: مساحة الكنيسة، عدد العائلات في الرعية، عدد المرتلين، ومعدل الحضور في القداس، عدد المعتمدين، عدد القداديسما الفكرة التي تعطينا إياها هذه الأرقام؟ هل يُقاس نجاح الرعية بالأرقام، كمثل عدد الحضور في القداس يوم الأحد؟إذا أخذنا أحد الشعانين نموذجاً، فالحضور يملأ الكنيسة وما حولها. لكن بماذا ينشغل الحضور؟ أليس بالتصوير والأحاديث والأشواق والتهاني؟ هل يمكن اعتبار هذا الحشد دليل نجاح؟ هل يمكن اعتباره دليلاً على قوة الإيمان؟ ما لا يمكن إنكاره أن الحشد في أيام الأعياد يفرِح لأن الحاضرين هم نظرياً من الجماعة، لكن ماذا عن الأحد الذي يلي أياً من الأعياد؟ في الكنيسة، أغلب الإحصائيات لا تقدم إلا الإحباط، لأن الأرقام ليست مقياساً للنجاح.

نجد في الكتاب المقدس أن الرب لم يعطِ الأرقام الأهمية التي لها اليوم. ففي متى 20:18، يكتفي الرب بالقليل ليحضر: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ“. بالنسبة للرب، المطلوب هو وجود الجماعة لا حجمها. وفي لوقا 17:17-18 “أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟هنا يريد الرب أن يثبت لنا أن الأرقام ليست دليلاً على النجاح ولا على قوة الإيمان.

إذاً، من أين أتى الاهتمام بالأعداد في الكنيسة؟ من عقلية مجتمع الاستهلاك الذي يريد أن يحصي كل شيء. في مجتمع الاستهلاك، للأرقام الكلمة الفصل، فهي تحدد الضرورات والمنافع والأرباح والمردود والأحجام. ومن أهم مبادئ هذه العقلية هي تحوّل الناس إلى زبائن يطلبون الخدمات التي تعرضها الكنيسة، والزبون دائماً على حق وعلينا إرضاؤه لكي يعود إلينا مرة أخرى لأن مقياس النجاح هو كثرة الزبائن. هذه العقلية، للأسف، تسرّبت إلى الكنيسة. بعض الكنائس صارت عندها تسعيرات في الأعراس والمآتم والعمادات، فللكاهن تعرفة وللمرتل تعرفة ولكل خدمة من الخدمات تعرفة. وينسحب الأمر على كل ما تبقّى. فتوقيت العرس، وما يجري في الكنيسة من زينة وتصوير وغيره، يحدده الزبون أي العريسان. وإن لم يجدا طلبهما عند هذا الكاهن أو هذه الكنيسة ينتقلان إلى كاهن آخر أو كنيسة أخرى. بهذا تحوّل الكاهن إلى نفدةفي العرس مثل الفيديو والكوكتيل والزفّة. وفي الجناز صار الزبون، أي أهل الميت، يحدد عدد الكهنة. وفي العمادات أيضاً لا يجوز إغضاب الزبون، أي الأهل والعراب. حتّى أوقات القداديس والأعياد أُخضعَت للأرقام فصارَت تُنقَل بحجة إتاحة الحضور لعدد أكبر من المؤمنين.

وصية السيّد الأخيرة كانت اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (متى 19:28). المهمّ في هذه الوصية ليس الكمية جميع الأممبل التلمذةتَلْمِذُوا“. فالرب رضي بأن يحضر في أي مكان يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه لكنه حدد الكون حدوداً للبشارة. قد نستطيع ملء الكنائس بالشعب، كأجساد وأرقام، لكن الأهم أن يكونوا تلاميذاً ليسوع. وجود الكثرة في الكنيسة مفرِح لأن الإخوة معاً. لكن الكثرة في المناسبات فقط تطرح السؤال حول فعالية التلمذة وحول جديّة الاستجابة للدعوة. الكلّ مدعوون، لكن المشكلة هي أولاً في الرسل الذين شكّوا في قدرة الرب على إطعام خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، وثانياً في عقلية الحاضرين.

إن الحضور الفعلي في الكنيسة لا تحدده الأرقام بل وجود التلاميذ الثابتين الذين يسمعون تعليم الكنيسة ويعملون به ويلتجئون إليها كأبناء يعرفون أن طلبهم هو الخلاص الموجود في كنيستهم وهو دائماً معروض بالثمن نفسه الذي دفعه المسيح بغض النظر عن عدد الطالبين.

* عن نشرة الكرمة

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

الأرشمندريت صوفروني حول علم النفس: الخلفية

رئيس الدير غريغوريوس زاينيس

بعد آخر مشاركة تلقيت بعض المراسلات الشخصية من بعض الأصدقاء وفيها شيء من النقد. لقد اعتبروا أنّ ما تمّ نشره قاسٍ تجاه علم النفس، كما كان لدى بعضهم قلق من أن هذا قد يعيق البعض عن تلقّي العلاج. هذا كان حافزاً لي للإدلاء ببعض الملاحظات وإعطاء بعض المعلومات الأساسية.

لقد قدّمت في المقالة الماضية كلمات الأب صوفروني وحرصت على ألّا أقول شيئاً من نفسي. لقد فكّرت: “مَن أنا لأنقد تعليق الأب صوفروني؟ عليّ تركه وحده يتكلّم“. لقد كان هذا خطأً لأن الاقتباسات تقدّم صورة جزئية تفتقر إلى الخلفية. هذه الاقتباسات منشورة أصلا عند الميتروبوليت ييروثيوس مطران نافباكتوس. ويبدو بشكل مؤكد أنها مقتطفات من محادثات شخصية مع الشيخ عندما كان هو نفسه راهباً وكاهناً شاباً. عندما نشرها الميتروبوليت في كتابه، أخرِجَت من سياقها الأصلي مرة، وعندما أعدتُ نشرها من جديد، أُبعِدَت خطوة أخرى عن هذا السياق الأصلي. لهذا اسمحوا لي الآن أن أقدّم بعض المعلومات الأساسية، والتوسع في تعليقاتي الموجزة السابقة في هذا الموضوع.

إنه لأمر محزن أن نرى تزايد الثقة بعلم النفس في الكنيسة. بحكم التفاعلات ضمن الكنيسة يبدو واضحاً تماماً أن لدى عدد كبير من الكهنة عندنا، علم النفس هو المصدر الرئيسي للإرشاد الرعائي في حين أن التقليد النسكي الكنيسة ثانوي، ولدى البعض يمكن تجاهله. إحدى المواد التي تدرس في مدارسنا هي اللاهوت الرعائي. ومع ذلك، من المؤهلات المرغوبة في مَن يدرّس هذا الموضوع هي درجة البكالوريوس في علم النفس. وليس خافياً أن في المستقبل سوف يأتي عالم نفس غير إكليريكي لتدريس اللاهوت الرعائي للكهنة.

يمكن للشفاء الذي يقدمه علم النفس أن يساعد الناس غير الطبيعيين ليأخذوا دوراً في هذا العالم. إنهم يحققون النجاح في ذلك.لكن عالمنا غير طبيعي لكونه ساقطاً، ونحن ننتظر الخلاص. ومع ذلك، في التقليد النسكي الأرثوذكسي، شفاء النفس هو أكثر من ذلك بكثير، وهو يفوق هذا الأمر عظمة. إنه يرتبط بالحياة الأبدية وهو عملية التألّه أي الاتحاد مع الله.

بما أن الأب صوفروني حكى عن اختلاف الأنثروبولوجيا بين هذين النظامين، فأريد أن أعلّق أيضاً على هذا الأمر. في كتابه الحياة الروحية الأرثوذكسية بحسب القديس سلوان الأثوسي، يكتب هاري بوساليس بشكل بشيط و وواضح عن الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية. هذا ما يفسر أيضاً المفهوم الأرثوذكسي للتألّه والشفاء: “تعلّم الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية أنّ اﻹنسان مخلوق ليشترك في حياة الله. هذا هو المعنى الأساسي لقصة خلق اﻹنسان الكتابية. <وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا…»… فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ> (تكوين 26:1-27)”.

في الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية، يختلف معنى كلمة صورةعن معنى كلمة شبه“. يمكن أن نرى في الصورةإمكانات التقديس الكامنة في الإنسان، بينما يشير الشبهإلى كماله. بتعبير آخر، يمكن القول بأنّ الصورةتشير إلى اﻹمكانيةبينما الشبهتشير إلى الواقع“. هنا يضيف هاري حاشية: يشير الأب صوفروني إلى هذا الاختلاف بين الصورة والشبه، عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً” (القديس سلوان الأثوسي، ص. 184).

لم يُخلَق اﻹنسان أصلاً بحالة من الكمال الناجز، بل كان موهوباً بالحرية الفريدة ليختار إمّا أن يحيا مطارداً إنجاز ما هو كامن فيه، أو الانحراف تجاه تدنيس وتشويه كرامته الحقيقية كإنسان. فقط من خلال الاستعمال الموافق للحرية المعطاة له من الله يستطيع اﻹنسان أن يتعاون مع النعمة الإلهية لاستعادة صورة الله في داخله وبلوغ شبه الله الذي من أجله خُلق.

بحسب التعليم الأرثوذكسي، القداسة – التي يُشار إليها أيضاً بالكمال والتألّه – لا تُفهَم كحالة جامدة، فيها يحتفظ اﻹنسان بدرجة عالية من الفضائل الروحية. اﻹنسان مدعو إلى أن ينمو بلا توقف ويتقدّم بشكل مستمر إلى شبه الله. وهكذا، ليس للكمال حدود. إنه دائم التقدّم، ليس فقط على الأرض، بل أيضاً في الحياة الآتية.

إذاً، في اﻷرثوذكسية، ما من فصل بين الأنثروبولوجيا وشفاء النفس والتألّه. عن اقتباسي في المقال السابق عن اﻷب صوفروني قوله إن الطريق بالنسبة له هي مباشرة إلى الأمام، فهو يتحدّث عن الجهاد النسكي الذي يقود إلى ما ورد أعلاه في حاشية هاري: عندما تكون رغبة الله الصالحة الاتحاد بالكائن البشري، يدرك اﻹنسان في داخله عمل القوة اﻹلهية التي تجلّيه فلا يبقى مماثلاً لله، أي على صورته، باﻹمكانية وحسب، بل بالشبه أيضاً“. عندما يتحقق هذا، تشفى النفس بطريق تتخطى كل ما لدى علم النفس لتقديمه من الحسنات.

لقد حاولت أن أظهر بعض الخلفية للمقال السابق. أرجو أن هذا يجعل ملاحظات اﻷب صوفروني أكثر وضوحاً وقبولاً.

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

لمَ ينبغي أن لا تكون القراءة في الكنيسة عاطفية؟

الأب أندريه شيزانكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نتذكر كلمات الكاتب المسرحي الروسي ألكسندر سرغيفيتش غريبويادوف (1795-1829)،في مسرحية <الويل من العقل>: “لا تدندن مثل القندلفت. اقرأ بتفكير! بإحساس! بتشديد صحيح!”. ولعدة قرون، أثار هذا القول المشهور تهكّم المثقفين الروس من القراءة الكنيسة أو أقله حرّك ابتسامتهم الساخرة. ومع ذلك، إنها سخرية غير عادلة وتتعارض مع قواعد القراءة الكنسية القديمة التي تعود إلى ألفي سنة. فالناس الذين يطلبون عاطفة من القندلفت يظهرون جهلَهم للحياة الليتورجية ومبادئ قراءة نصوصها.

الأنماط (Genres) مهمة جداً في الفن ولا ينبغي الخلط بينها. بتعبير أكثر بساطة، النمط هو أسلوب معين في تأليف عمل ما وهو يتميز بهدف معين وبالوسائل لتحقيق هذا الهدف. في الفن، هناك دائماً ثلاثة أهداف (بمعنى بدائي جداً): جعل الناس يضحكون، إخافتهم، أو جعلهم يبكون. وفقاً لهذه المبادئ، يتمّ اختيار العواطف التعبيرية الفنية لتحقيق هذه الأهداف. جنباً إلى جنب مع موهبة المؤلف وذكائه وجهده، هذه جميعها تشكّل العمل الفنيّ، وتتألّف في نمط أو في آخر. وهذا ينطبق على فن الخطاب أيضاً.

يختلف الأمر تماماً في القراءة الكنيسة. لا تحاول الكنيسة جعل الناس يضحكون أو يبكون، ولا تريد تخويفهم. هدف الكنيسة هو تسهيل الطريق إلى الله قدر الإمكان: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ أقْوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً، وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ».” (لوقا 4:3-6).

لهذا السبب يجب التعبير عن كلمة الله بنقاء الصوت ووضوح التعبير والنطق بكل مقطع. لا ينبغي بالقارئ في الكنيسة أن يفرض عواطفه الشخصية على المصلّين. يُتوَقَّع من القارئ أن يصير مجرد طبلة ومرنّم يؤدّي الألحان الإلهية. أيّ مسرحة في الكنيسة، سواء كانت في القراءة أو في الترتيل، تضرب آذان الناس وتصرفنا عن الأمر الرئيسي الذي هو الإصغاء بتواضع وإخلاص لكلمة الله. إن مَن سوف يجعل السرّ يعمل في النفس البشرية، ويطهّر قلوبنا، هو كلمة الله وليس نحن.

في خلال فترة العهد القديم، تمّ تطوير شكل وسطي بين القراءة والإنشاد في ممارسة العبادة اليهودية. الاسم الأكاديمي لهذا الشكل هو طعميم” (“cantillation” باللاتينية ومعناه <أنا أنشد بصوت منخفض، بصوت ضعيف>). سبب إنشاء هذا الشكل هو ما ذكرناه أعلاه. ميخائيل نيكولايفيتش سكاباللانوفيتش (1871-1931)، وهو أستاذ في أكاديمية كييف اللاهوتية، وكاتب شرح التيبيكون، يذكر في كتابه هذا حول الطعميم“: “تمّ إدخال الطعميم إلى المعابد (synagogues)، وهو بين القراءة والترتيل حيث يكون الصوت منخفضاً ويتمّ إطالة بعض المقاطع اللفظية“. هذه الخبرة العملية للكنيسة حققت بعض التجانس بمعنى التوافق بين الوضوح، صفاء الصوت، اللاعاطفية، وسحر الأذن. وما تزال الكنيسة تستعمل هذا الشكل من الخدمة [في ترتيل المزامير خاصةً، كما أن هذا النمط معروف كثيراً في جبل أثوس والأديار اليونانية – المترجم].

طبعاً، هذا لا يلغي ضرورة أن يكمّل القارئ نفسه ويطوّر مهاراته. أولاً، عليه أن يسلك شخصياً في حياة التقوى المسيحية ويتعاطى مع النصوص المقدسة بمحبة وتوقير. ثانياً، عليه أن يعمّق بشكل مستمر ثقافته في الليتورجيا وتاريخ الكنيسة لأن في كتاب المزامير وغيره وفرة من هذه الحقائق. ثالثاً، على القارئ أن يدرس اللغة بدأب حتّى يفهم ما يقرأ [هنا يتحدّث النص الأصلي عن اللغة السلافونية لكن فعلياً هذا ينطبق على كل اللغات بما فيها العربية، حيث أن عدداً من الأخطاء اللغوية التي تُسمَع في كنائسنا تدلّ على عدم فهم النص بقدر ما تدلّ على ضعف في الصرف والنحوالمترجم]. رابعاً، يُنصَح القارئ ببعض التمارين للسانه وعضلات وجهه وفمه قبل الخدمة حتّى يأتي صوته واضحاً وكلماته مفصّلة وسهلة على الفهم.

وبشكل طبيعي، من الضروري احترام القانون الذهبي في ما يتعلّق بسرعة الخدمة، وهذا يتوقّف بشكل كبير على الكاهن والشماس والمرتل الأول والجوقة. من جهة، لا ينبغي بنا أن نقرأ أو نرتّل ببطء أو بشكل ممل، حتى لا تصير الخدمة باهتة وثقيلة على جماعة المؤمنين، ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه ألا نقوم بها بعجلة، فتختلط الكلمات والترتيل في طنين رتيب من الأصوات لا يمكن فهمه.

كل قارئ، مرتّل في جوقة، قائد جوقة، مرتل متقدّم، شماس أو كاهن، عليه أن يعيش وفقاً لكلام الصلاة نفسه. عليه أن يسلك في حياة روحية كيما سهام الصلاة التي تُسدّد من قلبه تصل إلى قلوب كل واحد من الآخرين. من المهم عدم إيصال عواطفنا إلى الآخرين، بل بمعونة الله اكتشاف حياة هذه الكلمات المقدسة في دواخلنا، وهي كلمات توحّد الإنسان مع الله بشكل سريّ في النفس البشرية.

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

نمو الأطفال العاطفي وعلى الرجاء المسيحي

فيلاريت ميتروبوليت أميركا الشرقية ونيويورك

نقلتها إلى العربية علا مقصود

إن عواطف القلب البشري والكثير من العواطف الأخرى مهمّة للمسيحي، مثال على ذلك الأحاسيس بالتعاطف والكراهية والرحمة والشفقةإلخ، كلها يجب أن تتطور في قلب المسيحي الأورثوذكسي منذ سنواته الأولى إن أمكن.

للأسف في العديد من العائلات المسيحية الأورثوذكسية تسير الحياة بطريقة تجعل الأهل يتقصدون فيها منع أولادهم من الاحتكاك مع الاحتياجات البشرية والأسى والصعوبات والتجارب.إن هذه الحماية المفرطة للأولاد من الواقع الطبيعي تجلب لهم نتائج سلبية فقط. إنّ الأطفال الذين نموا في ظروف حياة مشابهة للبيوت الزجاجية ينفصلون عن الحياة ويكبرون ليّنين، أهشاء، ومفسَدين، ولن يتكيفوا بشكل جيد مع الحياة. وفي أغلب الأحيان يكونون غليظي الطباع وأنانيين، معتادين على الطلب والأخذ ولا يعرفون كيف يعطون أو كيف يكونون مفيدين للآخرين. لذا، فإن الحياة يمكن أن تكسرهم بقسوة وفي بعض الأحيان تعاقبهم بضراوة، وذلك منذ سنيهم الأولى في المدرسة. لذلك من الضروري لمن يحبون أولادهم أن يعاملوهم باعتدال وفوق كل هذا يجب أن يضع الأهل والأولاد هدفاً أمامهم: الأطفال كمثل نموهم الجسدي يجب أن ينموّا روحياً، وبذلك يصبحون أفضل، ألطف، أتقياء ومتعاطفين.

لتحقيق ذلك من المهم أن نسمح للأطفال بأن يحتكوا باحتياجات ومتطلبات الناس وأن نعطيهم فرصة للمساعدة. ومن ثم فإن الأطفال بأنفسهم سيسعون للصلاح والحق ولكل شيء طاهر لإن الصلاح والنور هما قرب روح الطفل غير المفسد.

هذه العواطف التي تحدثنا عنها، بما فيها اﻷسمى بينها كالرحمة والشفقة، موجودة داخل كل إنسان. بالحديث عن الأحاسيس المسيحية الصافية، سنتوقف عند الرجاء المسيحي. يمكن تعريف الرجاء المسيحي بأنه التذكّر المخلص والحي لله, بشكل غير منفصل عن الثقة بمحبته وعونه السماويين .الإنسان الذي لديه هذا الرجاء يشعر دائماً وفي كل مكان بحماية الله الآب له وكأنه يرى دائماً وفي كل مكان قبة السماء اللامتناهية تغطيه. لذا فإن المسيحي الأورثوذكسي الذي يملك رجاءً بالله لن يشعر باليأس ولا بالوحدة التي لا رجاء فيها. وحده غير المؤمن يمكن أن يجد أن موقفاً ما ميؤس منه أما المؤمن الذي له رجاء بالله يعلم قربه من القلب الإنساني الحزين فيجد الراحة والعون والشجاعة من الله.

بالطبع، إن ذروة الرجاء المسيحي وتاجه هما في المستقبل .نحن كمسيحيين أورثوذكسيين نعلم أن قانون إيماننا الذي جُمعَت فيه كل حقائق اﻹيمان الأساسية ينتهي ب أترجّى (أي أتوقع وأتطلّع إلى) قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي آمين“.

إذاً، الإدراك الكامل للرجاء المسيحي سيتمّ عندما تنتصر الحياة على الموت والحق الإلهي على الباطل الأرضي. عندها كل محنة ستزول ﻷن الله سَيَمْسَحُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ“(رؤ 4:21) “وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ“(إش 10:35).

هذه هي الذروة، التتويج والإدراك الكامل للرجاء المسيحي الأرثوذكسي، والنصر لهؤلاء الذين اضطهدوا، ظلموا، ونفيوا في هذه الحياة الأرضية من أجل حقيقة المسيح.