Category Archives: لاهوت

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

الصوم الكبير يتمثّل بصوم المسيح

سيرجي بولغاكوف

نقلتها إلى العربية أمل قرّة

إن التقليد بهدف التعليم لصوم المسيح خلال الفترة السابقة للأيام التي نذكر فيها آلام المسيح وموته وقيامته المجيدة، يعطي للصوم الأربعيني المقدس معنى خاص وقيمة بالنسبة لنا. إن آلام المخلص وقيامته تهبنا كلنا الرجاء أيضاً بقيامتنا إلى الحياة الأبدية. لكن لنحقق هذا الرجاء بتلقي حياة أبدية مباركة، نحتاج لأن نقلّد المسيح بالطهارة وقداسة الحياة، نحم بحاجة لأن نسلك بنفس سبيل الحياة، كما فعل المخلص أيضاً: سبيل التخلي عن النفس ونكران الذات، وإلى جانب ذلك سبيل الجهاد ضد شهوات طبيعتنا وميلها إلى الخطيئة.

يعتبر الصوم الأربعيني المقدس بمثابة المثال الأكثر ملائمة لاتباع هذه الطريقة. “إن نحن عايناها بإمعان، تدلّ الأيام الأربعين على حياتنا الحاضرة، كما كانت أيام الفصح أيضاً دلالة على حياة النعيم الأبديبحسب المغبوط أوغسطينوس. في الصوم الأربعيني لدينا التوبة، وفي الفصح لدينا الفرح. وفي الحياة الحاضرة علينا أن نكون تائبين حتى نصل في الحياة الثانية للفرح السرمدي. لذلك، كل شخص خلال حياته الأرضية عليه أن يتحسّر على خطاياه، يذرف دموعه، ويقوم بأعمال الشكر. ولكن إن كانت عقبات العالم غالباً تشوّشنا في هذا، عندها، وبِطاقة أكبر، علينا أن نملأ قلوبنا من عذوبة ناموس الرب خلال الأربعين يوماً المقدّسة.

خلال موسم الحصاد يُجمَع الطعام للجسد، لذلك خلال موسم الحصاد الروحي علينا أن نجمع غذاءً للروح، غذاءً يُؤكل للحياة الأبدية. إن كنا مهملين ولم نُعِدَّ شيئاً في موسمه فالعام كله سيقاسي المجاعة. بالتالي إن من يهمل الصوم، وقراءة الكتب المقدسة، والصلاة خلال هذه الفترة يفشل في جمع القمح الروحي والغذاء السماوي للروح. وسيجني العطش الأبدي والضيقات الثقيلة. حتى الكنيسة المقدسة تعبّر عن فكرة مشابهة عندما تصلي لله من أجلنا ليرشدنا في هذه الأيام الأكثر تكريماًمن الأربعين يوماً المقدسة، لشفاء النفوس والأجساد، للترفع عن الأهواء، ولرجاء القيامة، وليعطينا القوة من خلال الجهاد النسكي للسعي إلى الخير وإكمال شوط الصيام، ولحفظ الإيمان غير المنثلم، ونحطّم رؤوس التنانين غير المنظورة، ونظهر غالبين الخطيئة“. وبهذه الطريقة فالأيام الأربعين المقدسة تبعاً لمفهومها ومعناها بالنسبة لنا، تُعتبر نموذجا لحياتنا كما يجب أن تكون. وبشكل أوضح: الحياة ليست للجسد ولا لهذا العالم، وإنما للسماء والأبدية.

حبل التريودي المشدود

حبل التريودي المشدود

للمتقدم في الكهنة الأب توماس فامفينيس

نقلتها إلى العربية شيم حموي

زمن التريودي هو الحبل المشدود بين الإفراط والحاجة، وبين السلوك الاجتماعي والجوهر الداخلي، وبين التحرر والطاعة. عن طريق ترانيم التريودي وكلمات الآباء القديسين تشجب الكنيسة الإفراط في الطعام دون حدود ولكنها في نفس الوقت تحذر من الإفراط في الصوم لاسيما على سبيل الكبرياء. أنها لا تهدف إلى تعذيب الجسد بل إلى تغيير التفكير من الداخل، والتشجيع على تحويل الأهواء، وجعل الدماغ هو المسيطر على الغضب والشهوة، حاثة على الصمت والصلاة بنفس القدر الذي تحث فيه على أفعال الرحمة. والكنيسة تلهم الطاعة لإرادة الله في المسيح ولكل الخليقة لأن هذه هي حرية المحبة.

إن تقدم الحياة الروحية والطاعة تحت الشروط التي وضعها آباء الكنيسة والانعتاق مما هو ليس لله تأتي جنباً إلى جنب مع تطور العلاقات الاجتماعية وازدهار السلوك الاجتماعي وليسا متضادين. كما أن معيار صحة حياتنا الروحية هو بالحقيقة نجاح علاقاتنا الاجتماعية، واختبار صحة علاقاتنا الاجتماعية هو تجسيد سلام قوانا الروحية المترافقة باستنارة عيون قلوبنا الذهنية والتواضع في أفكارنا والتحرر من عبودية الأفكار بحسب كلمات الصلاة التي نقرأها بعد كل مناولة إلهية.

إلى هذا، الطاعة الحقيقية لنظام الكنيسة وقوانينها التي وضعت بوحي من الروح القدس هو التنسيق بين وجودنا وحرية كوننا أبناء الله. ومع ذلك يوجد في مجتمع المؤمنين حركات تغيير استقلالية حديثة تدمر جامعية طريقة الحياة الكنسية. وبالتالي الحركات التحررية التي هي سلسلة من التغييرات في روح الشعب والإيمان وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية الكنسي والليتورجي. وهكذا تتطابق الحياة الداخلية مع التراخي والكسل ويُستَخَفّ بها وتُستبدَل بالنشاطات الاجتماعية. وعلى العكس، إن الخدمة والأعمال الاجتماعية تأتي في مرتبة أدنى من الحياة الهدوئية وتعد تعبيراً عن حالة روحية مزيفة. أمّا الطاعة فتعتبر انضباطاً والتفلت يعتبر تمرداً.

يرتبط الإيمان في الكنيسة الأرثوذكسية بالعبادة التي تفترض الحياة النسكية والطاعة لرئاسات الكنيسة. فالرؤساء في الكنيسة هم أولئك الذين يعلمون الحياة في المسيح لشعب الله. هكذا فإن الحياة الاجتماعية والحياة الروحية، الطاعة والحرية في الحياة وتعاليم كنيستنا ليست حصرياً تبادلية ولا مربكة ولا تقصي الواحدة منها الأخرى بل على العكس من ذلك الواحدة منها تفترض الثانية.

لهذا هم يسمون الحياة الروحية تدميراً للأعمال الخارجية، ما يدفع بالنوس إلى التحرر من كل شيء مخلوق في الرحلة إلى صلاته المستدامة باحثاً عنها من خلال الأعمال المادية والمحدودة الخاضعة لقوانين الفساد وأحكام الدولة. إنهم ينسون أن المسيح قد تجسد طوعاً خاضعاً ليس للأب السماوي وحسب بل أيضاً لقوانين قابلية الفساد وضرائب الدولة.

أخيراً فإن رجل الكنيسة ليس ببساطة من ينسحب من العالم ولا من يختار العمل في العالم ولا هو مَن يتغير بأدوات محيطه التقنية وليس مَن يرفض وسائل الراحة الحديثة، إنما هو مَن يحوّل قلبه وتجاربه بقوة نعمة الله ويعيش الخليقة بأكملها كهيكل لله. هو ذاك الذي يجعل من نفسه هيكلاً حياً لله من خلال الطاعة المطلقة والطوعية للكنيسة ويساعد من خلال حياته وسلوكه الآخرين ليصيروا هم أيضاً بدورهم هياكل حية لله القدوس.

في هذا العمل العظيم نجعل أنفسنا والخليقة من حولنا كنيسة. ونجد مساعدة فعالة في فترة التريودي بشكل أساسي في الصوم عن الطعام. لكن الصوم غير محدود بالأكل فقط، بل هو يعرض طريقة حياتنا ويعلمنا بتحديد أكثر كيف يتوجب على الناس أن يبحثوا عن الله قبل القيامة العامة. هذا ما يفسر ضرورة أن نجاهد الجهاد الحسن في الصوم وخوض ميدان الفضائل عن طريق الصوم الكبير، لا بسيف الصوم الذي يجتث الشرور من القلب وحسب، بل إلى جانبه كل أسلحة الإيمان الأخرى كالصلاة والصدقة. والصوم عن الطعام لا يعتبر مقبولاً إذا لم يترافق بصراع أقوى ضد الأهواء كما نقرأ في صلاة السحرية في أسبوع البياض.

يا نفس إذا صمتِ عن الأغذية ولم تتنقي من الآلام فباطلاً تفرحين بترك الأكل لأن الصيام إن لم يصر علة لتقويمك فإنك تمقتين من الله ككاذبة وتضاهين الشياطين الأردياء الذين لا يأكلون بالكلية…”

إلى هذا فإن مضمون الصوم الكنسي الأرثوذكسي يحمل عمقاً واتساعاً يعبر عنه القديس يوحنا السينائي في (السلم) بقول يقرأ عادة في الأديار الأرثوذكسية خلال الصوم الكبير وهو يعطي تعريفاً شاملاً للصوم حيث يكتب:

الصوم هو اقتسار الطبيعة وإقصاء لكل ما يستلذه الحلق وبتر لالتهاب الشهوة وقطع للأفكار السيئة وتحرر من الأحلام الليلية وتنقية للصلاة ونور للنفس ويقظة للذهن وجلاء لقساوة القلب وباب خشوع وتنهد منسحق وتحسر فرح وتهدئة للثرثرة وسبيل للسكينة وحارس للطاعة وخفة للنوم وعافية للجسد ووسيط للاهوى وغفران الخطايا وباب للفردوس ونعيمه“.

بهذه الكلمات المختصرة الموجزة ليوحنا السلمي نجد المعنى الكامل للصوم الأرثوذكسي. لن أشرح النص ولكنني أريد أن ألفت الانتباه إلى العنف ضد طبيعة الإنسان الساقطة. إن النسك يخضع الجسد للذهن المتحرر من الأفكار الرديئة ويصلي بنقاء.

هذا المقياس الداخلي للصوم يرتبط بالتوبة والتنهد المتواضع والتوبة وندامة القلب التي لا تغرقه باليأس والحزن بل تعطي فرح الأمل بأن الخطايا سوف تغفر وأن باب الفردوس سيكون مفتوحاً للتائبين، وهناك شيء مهم في الصوم هو السكينة وسط الثرثرة وأداة للصمت وحارس للطاعة.

لا تغتذي الكنيسة بالكلمات الكثيرة لا سيما الغامضة والمربكة منها إنما بكلمات الكلمة. نحن وجميع الناس من حولنا نحتاج إلى كلمات قليلة وهذه يجب أن تخرج عن صمت القلب الذي يطيع في عمق اعماقه إرادة الله الصانعة السلام.

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

عدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس

الأب جورج فلوروفسكي

نقله إلى العربية وعلّق عليه الأب أنطوان ملكي

ما هو بالتحديد ما شدّ الروس إلى الكنيسة؟ العقائد الأرثوذكسية أم التعليم الأرثوذكسي؟.. هذا كان في الماضي، خاصةً لدى الروم البيزنطيين، لكن ليس في روسيا. في زمان ما كان الناس مهتمين بالأسئلة الإيمانية، حتّى العلمانيين منهم. لكن الروس، ما عدا مجموعة من المتعلمين لاهوتياً منهم، لم يبلغوا إلى نقطة الاهتمام بمسائل الفكر اللاهوتي المجرد، وبالحقيقة لم يكونوا مهتمّين بكل المسائل اللاهوتية. قد يكون السبب أن الكنيسة فشلت في تنمية الاهتمام باللاهوت بين المؤمنين. لكن السبب الحقيقي في انعدام هذا الاهتمام هو أن الروس لم يهتمّوا ولا فهموا الوجه النظري لتحقيق أو تجسيد المُثُل العليا التي للكنيسة في حياة البشر. إلى هذا، إنهم يهتّمون بالوجه الطقسي للدين، جمالية الخِدَم، الأيقونات، الألحان وما شابهإن للطقوس قيمة عاطفية وتربوية، لكن قلّة الذين يفهمونها جيداً، والأغلبية لا يعرفون الحقيقة التي تشهد عليها أو ترمز إليها هذه الطقوس. خاصةً أن الطقوس بحد ذاتها تؤثّر وتحرّك وترفع وتوحي بغض النظر عن معناها.

ما إذا كان هذا الوصف دقيقاً لمقاربة الروس للمسيحية هو أمر غير مبتوت. لكن الموقف نموذجي بالنسبة لبعض مكوّنات الكنيسة الروسيّة. العديد من الكتّاب يؤكّدون أن الأرثوذكسيين يتعلّمون المسيحية لا من الكتاب المقدّس بل من حياة القديسين. كما أنهم يؤكّدون أن الأرثوذكسية بشكل عام ليست عقيدة بل حياة. الأرثوذكس لا ينشغلون بالنظم العقائدية بل بالحياة. إنهم لا يفهمون الحقيقة من خلال الفهم العقلي، بل من خلال القلب بطريقة جمالية. على المرء أن ينظر إلى التعليم الأرثوذكسي لا من خلال النظم، بل من خلال الصوَر، أي الطقوس والأيقونات. حتّى أن البعض يؤكّدون أنّ في الشرق الأرثوذكسي لا توجد نظرية المسيحيةبل بالمقابل يوجد قديسون وأيقونات وقصائد وغيره.

ما من أرثوذكسي أو كاثوليكي ينكر الأهمية الأساسية للطقوس وحياة القداسة. لكن المربِك في الصياغات التي أشرنا إليها هي اقتصاريتها (exclusiveness)، وتركيزها على النفي والاستلحاق لابل“. يتساءل المرء لماذا تُقيَّد النظم العقائدية والفهم العقلي ويُزدَرى بها ويُقضى عليها تقريباً. يبدو الميزان مكسوراً. في مطلق الأحوال، هذا التشديد الزائد على الوجه الفنّي للطقس لا يتّفق مع التقليد الحقيقي للفن الأرثوذكسي. وإذا كان ممكناً أن يتعلّم المرء من الترتيل والأيقونات الأرثوذكسية فهو بالتحديد لأن نظريةً مسيحيةً محددة مجسّدة ويعبّر عنها هناك. النظرية تعني قبل أي شيء التأمّل، إنها تبصّر ورؤيا، تبصّر شعري ورؤيا عقلية. بحسب التقليدي الروحي الأرثوذكسي، النوس هو القوة الحاكمة في الحياة الداخلية. الترتيل الأرثوذكسي الشرقي التقليدي الذي ورثه الروس عن اليونان ليس مجرّد كلمات، ولا هو معلَّم بالعاطفة بل بالرزانة. إنه شعر سامٍ لكنه بالحقيقة شعر ميتافيزيكي أو بالأحرى شعر لاهوتي ولا يتردد باستعمال مصطلحات لاهوتية محددة. بالواقع، إن بعض أهمّ الترانيم في الكنيسة الشرقية هي ببساطة إعادة صياغة للتحديدات العقائدية:ابناً متجسداً بغير أب هو المولود من الآب قبل الدهور بغير أمٍّ ولم يَنَلهُ تغيير أو انعجان أو انقسام، بل حفظ خاصّةَ كلّ من الجوهرين سالمةً(ثيوطوكيون باللحن الثالث). هذا هو تحديد مجمع خلقيدونيا وهو يتطلّب فهماً لاهوتياً. لقد قيل بحق أن الأيقونات الأرثوذكسية هي تحف عقائدية” (بولوتوف) لأنها تشهد للحقيقة نفسها التي تحددها العقائد، وبحسب المجمع المسكوني السابع، يجب ضبط الأيقونات بعقيدة صحيحة.

بالطبع، العقائد ينبغي عيشها وليس تقييمها بالتفكير المجرّد وحسب، ولهذا السبب بالذات يصير الإلحاح على الحياة لا العقيدة أمراً مضللاً. عادة الانقسام والانفصال تشوّه الحياة نفسها. لا يمكن فصل الروحانية عن اللاهوت عند القديس يوحنا الدمشقي أو القديس غريغوريوس النزينزي. قد لا يصل المرء إلى لبّ روحانية القديس يوحنا كرونشتادت عندما يستخرجها عمداً من رؤيته اللاهوتية. القداسة في التقليد الأرثوذكسي تُفسَّر دائماً لاهوتياً، وليس من خلال فئات العاطفة الجمالية أو التمجيد، بل من خلال تصنيفات الرزانة الروحية بالأمانة للحقيقة.

من المحرج بالحقيقة أن الاهتمام بالنظم العقائدية قليل، على غرار الاهتمام بعقيدة الكنيسة، في مختلف دوائر المجتمع الأرثوذكسي وأماكنه في أيامنا، وأن التقوىغالباً ما تكون منفصلة بالقوة عن الإيمان“. هناك الكثير من الاهتمام بالأوعية والقليل منه بالكنز الذي وحده يجعل الأوعية ثمينة. الرموز والطقوس هي مركَبات للحقيقة، إذا فشلت في إيصالها تفقد وظيفتها. للأسف كثيراً ما نسمع أن الاهتمام بالعقائدهو أمر بالغالب قديم ويعكس موقفاً يونانياً أكثر منه روسي. لا يوجد إلا تقليد إيمان أرثوذكسي واحد وهو يسمو فوق كل الحواجز القومية. عيد الأرثوذكسية الذي ما زلنا نحتفل به في الأحد الأول من الصوم هو عيد لاهوتي بشكل فائق الدقّة. إن تراث الآباء هو محور تقليدنا الأرثوذكسي وهو تراث لاهوتي. تعليم الآباء العقائدي هو ربيع الأرثوذكسية في الحياة. يستطيع المرء أن يؤكّد أن التشوّش القائم اليوم في الحياة سببه المباشر هو الإهمال المعاصر للتعليم السليم والافتقار للتعلّم السليم في شؤون الإيمان.

تَثْبُت الأرثوذكسية بأمانتها للمجامع المسكونية السبعة. في أغلب الأحيان، يُنسى أن ما شغل المجامع هو بالتحديد صياغة العقيدة المسيحية وتفصيل النظم العقائدية. أهي خطوة نحو الأمام أننا اليوم لا يحركنا ولا يثير إعجابنا هذا التعليم العقائدي الذي وضعه هؤلاء الرجال العظماء الذين قدّموا حياتهم بكاملها لتثبيت الأرثوذكسية، الإيمان الصحيح؟ نحن نمتدح الأقمار الثلاثة قبل كل شيء كمعلمين للمسكونة، لكننا وبشكل غريب لا نبالي لمساهمتهم الدائمة في حياة الكنيسة: أي بالتحديد تعليمهم ولاهوتهم وتفسيرهم للحقيقة المسيحية بكلمات العقل. ألا نحتاج، كأولوية، أن تستنير عقولنا بنور المنطق في هذه الأيام التي يسيطر فيها التشوش العقلي؟ من دون توجيه رزين ومن دون عاملِ العقيدة الصحيحة الراسخ لا تستطيع مشاعرُنا إلا أن تخطئ وقلوبُنا إلا أن تعمى.

علينا أن نقبل إحياء الدين ويقظة القلب الحاليين كعطية من النعمة وعلامة للرحمة الإلهية، لكنهما أيضاً استدعاء جذري ودعوة للدرس والفهم، إلى معرفة الحق الذي يحتضن حياتنا الأبدية. يوجد تحامل بائس من مصادر غير أرثوذكسية مفاده أن العقائد مجرّدة واللاهوت هو نشاط فكري (intellectualism). ربّنا ومخلصنا هو الكلمة (the Logos) وهو ينير كل الناس، والروح القدس معطي الحياة هو روح الحق. العواطف هي أمزجة بشرية بينما الحق إلهي. فلنزيّن الأوعية من دون أن ننسى أنها خزفية لكن فيها يختبئ كنز أبدي هو كلمة الحياة.

النص أعلاه كتبه الأب جورج فلوروفسكي في الثلاثينيات من القرن الماضي وعنوانه الكامل انتقاد لعدم الاهتمام بالعقيدة بين المؤمنين الأرثوذكس الروس”[1].

مذهلة مطابقة وصف فلوروفسكي للوضع الروسي في حينه والوضع الأنطاكي اليوم. دراسة علاقة اللاهوت بالحياة أمر كان وما زال ضرورة للحياة نفسها في كل مكان. ينتقد الأب فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنينبالعقيدة، وفي هذا الانتقاد يقدّم تعليماً متكاملاً حول علاقة اللاهوت بالحياة ودوره فيها. ماذا تراه يقول عن أنطاكية اليوم، أي بعد ثمانين سنة تقريباً من كتابة هذا المقال، وهي المدة نفسها منذ انتشار العمل النهضوي في أنطاكية على المستوى الشعبي، مع نشوء حركة الشبيبة الأرثوذكسية بشكل أساسي، وما تبعها ونتج عنها لاحقاً من إنعاش للحياة الليتورجية وإحياء للحياة الديرية؟ ينتقد فلوروفسكي عدم اهتمام المؤمنين بالعقيدة، فماذا تراه يقول لو قرأ محاضر المجمع الأنطاكي، أو اجتماعات كهنة الأبرشيات (حيث تُعقَد)، حيث يرِد كل شيء إلا اللاهوت أو المناقشة اللاهوتية؟ في أنطاكية، لا مكان للاهوت خارج معهد القديس يوحنا الدمشقي، إذا تواجد هناك، إذ لا يستطيع فكر أن يستمر ما لم يجد تصريفاً له. لو كان فلوروفسكي، أو أي لاهوتي آخر يسلك طريقه، في أنطاكية لكانت تعاملت معه الإدارة الكنسية كعبء من الحلال إقالته وإسكاته ونفيه.

إن انتقاد فلوروفسكي لروسيا في الأربعينيات، وما شابهه من المساهمات الغيورة، هي التي سهّلت وقوف الروسيا على قدميها بعد سبع عقود من القمع. وغياب الفكر اللاهوتي هو بالتحديد أول مانع لأنطاكية من الوقوف على قدميها. “تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤيا 21:20).

[1] “A Criticism of the Lack of Concern for Doctrine Among Russian Orthodox Believers”. From The Collected Works of Georges Florovsky, ed. Richard S. Haugh (Belmont, MA: Nordland), Vol. XIII, Ecumenism I: A Doctrinal Approach, pp. 168-170.

الحديث عن الشيطان

الحديث عن الشيطان

توماس شو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

قبل عقدين من الزمن، وكنت أرثوذكسياً يافعاً، تسنّى لي أن أستمع للأب ألكسندر شميمن. أنا لا أتذكّّر بوضوح موضوع حديثه، لكن جملة واحدة ما زالت ترنّ في أذنيّ: “ما يفاجئني في الحركة المسكونية هي أنه في ما هم يناقشون مشروع توحيد الكنائس العظيم، لا يزال الأرثوذكس يتحدّثون عن الشيطان“.

ما زالت الأرثوذكسية تتحدّث عن الشيطان لأننا ما زلنا نرى تأثيره على الحضارة حولنا وما زلنا نختبر حربه على الكنيسة. ولأننا منخرطون في هذه الحرب غير المنظورة، فإن اللاهوت الأرثوذكسي هو دوماً ديناميكي (مفعَم بالحيوية). على كل جيل أن يكتشف حقائق التقليد المقدس من جديد، وفي سياق عملية الاكتشاف هذه يوجد فهم مختلف لفحوى التقليد. هذه الديناميكية لطالما أظهرت في الكنيسة لاهوتيين مثيرين للجدل، هو أولئك الذين يتخطون الصياغات الآمنة ويحاولون إعادة صياغة التقليد مستعملين علامات إرشادية (guideposts) غير مألوفة.

أحد هؤلاء اللاهوتيين هو الأب يوحنا رومانيدس. على عكس العمل الاختصاصي الصغير المنتشر اليوم، فإن عمله يقدّم أطروحة موحّدة بقوة يطبقها على مساحات واسعة من الزمان والمكان. البعض يرفضون جرأته معتبرين إياها تبسيطية وعقائدية بشكل مفرط…

بنظر الكثيرين، الأب رومانيدس هو الأستاذ الشارد. كنيته في كلية الصليب المقدس كانت نصف الليل، لأنه ينسى ما حوله عندما تبدأ المحاضرة. كل محاضراته تبدأ بالطريقة نفسها، جالساً متكلماً بصوت ناعم بالكاد يُسمَع، غالباً ما يبدأ بالفكرة من وسطها وكأن المحاضرة كانت قد بدأت في رأسه قبل الصف، ومع ارتفاع حرارة موضوعه يزداد علو صوته ولمعان عينيه. قد يهدأ في بعض الأوقات ويبدو كأنه نكس رأسه لفترات قصيرة. قاعات محاضراته كانت دوماً مكتظة لأنه دائماً كان لديه ما يقدمه. قد يبدو غريباً أن محاضراته بدت دوماً وكأنها في التاريخ مع أن اختصاصه كان العقائد. تفاصيل مجريات الأمور في القرنين التاسع والعاشر في أيطاليا وفرنسا، أو حيثيات فرنسا وروسيا في القرن الثامن عشر، لطالما كانت موجودة في المحاضرات. كثيرون انتقدوه لهذا السبب، لكنه في النهاية لم يكن عالم تاريخ متمرّساً، بل ﻻهوتياً في الآبائيات، علّم أن من غير الممكن فهم الآباء من دون فهم تاريخهم.

أطروحة الأب رومانيدس شاملة: هدف الكنيسة هو شفاء الإنسان من المرض الروحي الذي جلبه السقوط وتأهيله لمعرفة الله. يتميّز مرض الإنسان بالسعي إلى السعادة. الأطروحة الثانوية هي أن المجادلات العقائدية عِبر التاريخ سببها أولئك الذين لا يفهمون عمل الكنيسة كمشفى روحي. وعليه، فإن الفرق الحقيقي عن الغرب هو أنه خسر هذا الفهم لأن المؤسسات الكنسية الغربية اُخضِعَت للسلطات السياسية وتحوّلت إلى مؤسسات سياسية هدفا سعادة الإنسان بدلاً من تمجيده، وغفران الخطايا بدلاً من التطهر.

هذه هي الأطروحة المثيرة للجدل. من المقبول في الدوائر المسكونية أن يُفَسَّر الانشقاق بين الشرق والغرب بأنه ثقافي. بحسب هذا المفهوم، فإن كنيسة الغرب الرومانية، المتكلّمة باللاتينية، وكنيسة الشرق البيزنطية المتكلّمة باليونانية، تغرّبتا بسبب عوامل ثقافية وسياسية. أمّا العناصر الأساسية للكنيسة غير المنقسمةفقد بقيت نفسها في الشرق والغرب معاً. وعليه فإن مهمة اللاهوت المسكوني هي استعادة هذا الفهم المشترك.

تهاجم اطروحة رومانيدس هذه المفاهيم. لم يكن هناك يوماً امبراطورية بيزنطيةبل هذه كانت اختراعاً من عمل مؤرخي الغرب في القرن الثامن عشر. المؤسسات الرومية السياسية بقيت سليمة منذ إنشاء روما الجديدة أي القسطنطينية في القرن الرابع إلى سقوطها في القرن الرابع عشر. لهذا، يخبر رومانيدس قصة مختلفة، غير قصة الشرق اليوناني والغرب اللاتيني، بل قصة الروم والفرنج. ليست قصته هي عن شعب ينفصل بل عن الروم في جهادهم لتثبيت حقائق الأرثوذكسية حتّى عند مواجهتهم لمعارضة مستحيلة. يفهم رومانيدس القرون العصيبة التي قادت إلى الانشقاق والحملات الصليبية على أنها إخضاع للشعب الرومي في الغرب للأسياد الفرنج الذين بالنتيجة استطاعوا أن يُخضِعوا حتّى البابوية نفسها لمشروعهم الإقطاعي.

إن حقيقة هذه الأطروحة موجودة في اللغة الإنكليزية. من الأمثلة “franchise” التي تعني أن يكون الإنسان قادراً على الانتخاب، هي في الأصل أن يكون له حقوق الإفرنجي. “villain” تعني الإنسان الشرير، وفي الأصل هي ساكن المدينة الروماني. ليست الامبراطورية الرومية في الشرق هي مَن تغرَّبَت عن جذورها وتقاليدها، بل الامبراطورية الرومانية في الشرق التي تمّ استبدالها بالإقطاعية. وعليه، فيما يناقش اللاهوتيون الآخرون مشروع توحيد الكنائس يستمر رومانيدس في الكلام عن الشيطان.

أطروحة رومانيدس هي قصة هذه الحرب المنظورة وغير المنظورة. إنها قصة الأسر البابلي للكنيسة في الغرب والتهديد لنا كأرثوذكسيين بأننا إن لم نفهم تاريخنا وتراثنا وتقليدنا المقدس بالشكل الصحيح. إذا سمحنا بأن تكون الكنيسة الأرثوذكسية ببساطة مجرد مؤسسة ثقافية أخرى بكل طقوسها وممارساتها المتميزة، فنحن نلعب لعبة الشيطان ونخضِع أنفسنا لأسيادنا مستسلمين.

بسبب الجدال حول أطروحته الثانية يفقد الكثيرون مسار أطروحته الأولى. فبتعبيره هو: “نحن ملزمون بأن يكون عندنا صورة واضحة عن الإطار الذي فيه رأت الكنيسة والدولة مساهمةَ الممجدين في شفاء مرض الدين الذي يشوّه الشخصية الإنسانية عن طريق بحثها عن السعادة في هذه الحياة وبعد موت الجسد. إن الامبراطورية الرومانية دمجت الكنيسة الأرثوذكسية في بنيتها الإدارية من خلال هذا الإطار. لا الكنيسة ولا الدولة رأت أن مهمة الكنيسة هي غفران خطايا المؤمنين وحسب، لكي يدخلوا إلى الملكوت في الحياة الثانية… كلا الكنيسة والدولة عرفتا جيداً أن غفران الخطايا كان بداية الشفاء من مرض السعي إلى السعادة الذي تعانيه البشرية. يبدأ الشفاء بتطهير القلب، ويصل إلى استعادة القلب لحالته الطبيعية من الاستنارة، ويبدأ الشخص كلّه بأن يكون كاملاً متخطياً قدراته الطبيعية بتمجيد جسده بمجد الله غير المخلوق. إن ثمرة هذا الشفاء والكمال لم تكن التهيئة المناسبة للحياة بعد موت الجسد، بل أيضاً تحول المجتمع الآن وهنا من تراكم أفراد أنانيين متمحورين حول ذواتهم إلى مجتمع من الأشخاص الذين عندهم المحبة التي تنكر الذات ولا تطلب شيئاً لذاتها“.

الدور النبوي لجبل أثوس في العالم الحاضر

الدور النبوي لجبل أثوس في العالم الحاضر*

جان كلود لارشيه

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الرهبنة بشكل أساسي هي عيش الحياة المسيحية في التزام كامل بإنكار العالم وتكريس الذات لله. من وجهة النظر هذه، الرهبنة هي نفسها في كل مكان، وكل دير أو إسقيط أو منسك هو مكان متميّز، مركز مرجعي للحياة الرهبانية وطريقة الحياة المسيحية. إلى حد كبير، ما يُقال عن الرهبنة يمكن قوله عن جبل أثوس، وما يمكن قوله عن الجبل المقدس يمكن قوله عن الرهبنة.

لكن جبل أثوس لطالما كان مكاناً فاتناً، يشدّ انتباه ليس فقط الأرثوذكسيين، بل أيضاً الناس الذين ينتمون إلى أديان أخرى وحتّى غير المؤمنين. هذا يتمّ برهانه من عدد الكتب والمقالات عن جبل أثوس، كما من السيل الذي لا ينقطع من الحجاج والزوار من حول العالم. هذا الافتتان ليس جديداً، بل على الأكيد هو أعظم في أيامنا منه في السابق وذلك لعدة أسباب.

1) السبب الأول هو أن جبل أثوس هو جمهورية مستقلّة، وعليه هو بمثابة وطن، يقطنه رهبان فقط ومكرّس بالكليّة للحياة الرهبانية. بالرغم من أن في كل بلد أرثوذكسي منطقة فيها عدة أديار، ما من بلد يجمع هذا العدد الكبير من الأديار والأساقيط والمناسك، وهو منطقة يحكمها الرهبان، مع حدود حقيقية تفصله عن البلدان والمناطق المجاورة له. إنه منطقة محمية لا فقط سياسياً، إدارياً وجغرافياً (كونه شبه جزيرة)، لكن أيضاً روحياً كون جبل أثوس يسمّى حديقة والدة الإلهوهو يُعتَبَر مكاناً يخصّها وهي موجودة فيه بشكل خاص. بهذا، هو بلد يقطنه رهبان بكامله، لا يسمح بحرية تنقّل الأفرادالتي تطلبها القوانين الأوروبية، لا يسمح بتدفق السوّاح، ولا يقبل بدخول النساء، بل يمدّ النسيج الرهباني إلى مدى حدوده الطبيعية والجغرافية. إن جبل أثوس هو أرض ليست كغيرها.

2) ثانياً، إن جبل أثوس هو شهادة لملكوت الله الموجود في ما بيننا الآن.

إن جبل أثوس يأوي أكبر عدد من رفات العالم الأرثوذكسي وأكثرها أهمية. هذه الرفات تجعل كل القديسين المسيحيين تقريباً حاضرين وفاعلين بمعجزاتهم.

جبل أثوس هو نقطة تتركّز فيها الحياة الرهبانية ومكانٌ مؤاتٍ للقداسة. بعضهم هم معاصرونا ومعروفون في كل العالم، كالقديس سلوان الأثوسي، يوسف الهدوئي وأبنائه الروحيين، أو القديس باييسيوس. من خلال قديسيه الكثيرين في الماضي والحاضر، يبدو جبل أثوس، بحسب تعبير كاتب المزامير، الجبل المثمر، الجبل الخصِب“ “الجبل حيث يرضى الرب أن يحياوحيث
حيث يعيش الى الأبد” (مزمور 16:67-17).

3) ثالثاُ، جبل أثوس هو مذكِّر بالملكوت وإعلان له.

ليس فقط من خلال قديسيه، لكن أيضاً كمكانٍ مبارك ومؤسسة مقدسة، يظهِر جبل أثوس بشكل نبوي عالماً آخراً يعطي معنى للعالم الحاضر. فأثوس المدعو أيضاً الجبل المقدس وحديقة العذراء هو صورة للفردوس، ومذكّر بالفردوس الذي فقده أبوانا الأولان، وتصوير رمزي للفردوس الموعود به الأبرار.

أ) يقدّم جبل أثوس صورة للطبيعة الفردوسية لأن في تنوّع المناظر الطبيعية التي تمتد من مستوى البحر إلى علو ألفي متر، حيث قمة أثوس، يعيش الكثير من النباتات وأنواع الحيوانات مشكِّلَة عالماً صغيراً يلخّص العالم. سبب آخر هو أن الطبيعة تبقى غير ملموسة ومحمية من الاستغلال الاقتصادي والتلوث الصناعي. إن وجوده في العالم المعاصر هو ذو قيمة نموذجية. إنه نموذج لعلم البيئة الروحية التي تبرهن تكاملية الخليقة التي أوكلها الله للإنسان في اﻷصل لاستعماله وسدّ حاجاته، فيما هي في الوقت عينه وسيلة للتأمّل والشكر.

ب)إن مدى جبل اثوس يعكس المدى السماوي أيضاً، و يشير إلى مدى مملكة السماوات. على خلاف مساحات كل البلدان في العالم، المنقسمة بين المقدس والدنِس وأحياناً هي دنسة بالكامل، تبدو مساحة جبل أثوس مقدسة بالكلية، ليس فقط بوجود عدد كبير من الأديار والأساقيط والمناسك والكنائس والمزارات، بل أيضاً ﻷنها تقدست كلها بالقديسين الذين مرّوا بكل هذه الأماكن وملؤوها بأصوات صلواتهم وبثوا في كل نقطة فيها القوة الإلهية التي تشعّ. في كلّ مرّة نسير على ممرٍ في جبل أثوس، نكون واثقين بأننا نضع أرجلنا على خطى قديسين سبقونا هناك. الكثير من الأماكن في الطبيعة تحتفظ بذكرى ظهور المسيح ووالدة الإله أو القديسين. ما من دير هنا أو منسك أو مزار أو نبع ماء أو ساقية لا يمكن تفسير وجودها برؤيا سماوية أو معجزة.

ج) ينبغي قول بعض الكلمات أيضاً عن المعنى النبوي للزمان اﻷثوسي. أحد الأمور ذات التأثير الملموس على زوار جبل أثوس، والتي تثير الحيرة إلى حد ما، هي تغيّر الزمان. أغلب الأديار تتبع التوقيت البيزنطي، الذي لم يعد يشير لأي توقيت آخر في أي بقعة من الأرض.يسمي الرهبان توقيتنا الساعة العالمية (kosmiki ora)”. التوقيت البيزنطي ليس مجرد رفات من العصور القديمة، إنه يظهر نمطاً آخراً للوقت، وقتاً روحياً، مقدساً لأنه مكرَّس بالكلية لله، مقسماً ومرتباً ليلبّي مشيئته. إنه يذكّرنا بشكل رمزي بالتوقيت السماوي ويعلن زمن الملكوت.

4) نقطة مهمة رابعة هي حياة الجماعة كما هي مرتبة عبر الجبل ككل وفي كل دير على حدة، هي دعوة للوحدة بين البشر، وشهادة بأن هذه الوحدة ممكنة في المسيح. في عالم ممزق بالحروب والعصبيات الوطنية، والصراعات الإثنية والتعصب فإن هذه الشهادة وهذه الدعوة هما بالفعل نبويتان.

إن جبل أثوس بأكمله يشهد ولأجيال كثيرة على العلاقات الحسنة بين الجماعات الآتية من خلفيات إثنية مختلفة التي لا تتعايش بسلام وحسب، بل تعيش بتناغم في رباط المحبة.

في رباط المحبة تحكم الحكومة المقدسة جبل أثوس، وهي مؤلفة من ممثلي الأديار الرئيسية، لا بحسب المبادئ الديموقراطية العالمية بل بروح المجمعية المسيحية. كل دير يقدّم شهادة تشبه الأخرى، وهو يديره مجلس شيوخ يرأسه رئيس الدير وينتخبه الرهبان.

5) كنقطة خامسة، تنبغي الإشارة إلى الأدوار الرئيسية التي لعبها جبل أثوس في تاريخ الأرثوذكسية، والتي لها اليوم أهمية عظمى: الحفاظ على التقليد والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. هذا دور نبوي لأن في التقليد أن النبي هو مَن يذكّر الناس بإخلاصهم لله، وهو مدافع عن الإيمان في وجه كلّ ما يسعى إلى تبديله أو حرفِه.

في عالم خاضع للتغير بسرعة متزايدة، يعطي جبل أثوس مثالاً عن استقرار صورة العالم الإلهي وديمومتها. إن رهبان أثوس محفوظون من العطش إلى التغيير والحركة التي تسبب الدوار اللذين يشغلان الناس السالكين في العالم، وهم مصونون من الضغط الاجتماعي الذي يفرض الالتزام بمختلف الأوجه لنمط حياة المجتمعات الحديثة، وهكذا يحفظون بدقة القوانين الكنسية، والممارسة الليتورجية ونمط الحياة النسكي الذي سلّمه إلينا آباؤنا القديسون من جيل إلى جيل.

إن الصيانة الدقيقة حتّى لأصغر التقاليد كانت الشرط للحفاظ المثالي على التقليد الأرثوذكسي لأكثر من ألف عام. لقد ساهم الرهبان اﻷثوسيون بشكل كبير في الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي في كل اللحظات الصعبة في التاريخ حين كان يُهدَّد الإيمان، وما زالوا يقومون بذلك إلى اليوم. ولهذا هم يتمتعون بهيبة خاصة وسلطة كبيرة.

إن الدور النبوي، كالساهر والمنارة، الذي يلعبه جبل آثوس عادة في العالم الأرثوذكسي بإشارته إلى الانحرافات عن التقليد وتذكير الناس بما هو الإيمان الحقيقي، هو دور ذو أهمية خاصة في عصرنا الحالي، حيث يمكننا أن نلاحظ الوهن الكبير في الوعي العقائدي.

6) النقطة السادسة والأخيرة، إن جبل أثوس يساهم بطريقة أساسية في الحفاظ على الروحانية الأرثوذكسية في حالة ثابتة ونابضة بالحياة. هذه الروحانية فصّلها رهبان فلسطين وسوريا وسيناء والستوديون في القسطنطينية، لكن الآباء الأثوسيين صاروا منذ القرن الثالث عشر الورثة الرئيسيين والحفظة لهذه الروحانية. لقد صار جبل أثوس نموذجاً ذهبياً للنسك والروحانية، وجذب الكثير من الرهبان من كل البلدان. عند زيارتهم أو عودتهم لبلادهم يساهم هؤلاء الرهبان بشكل كبير في نشر هذه الروحانية. لطالما كان جبل أثوس، بشكل خاص، مركزاً لممارسة صلاة يسوع والروحانية الهدوئية. ودوماً تجد هذه الممارسة مركزها في جبل أثوس.

إن لدى آباء جبل أثوس مهمة إيصال هذا التقليد القديم إلى شعوب اليوم وعليهم مسؤولية تسليمه إلى الأجيال القادمة. في هذا أيضاً يكمن دور الرهبنة اﻷثوسية النبوي والأخروي.

* ورقة مقدّمة في المؤتمر الدولي الروس – الجبل المقدس أثوس: ألف سنة من الوحدة الروحية والثقافية” (موسكو، 21-24 أيلول 2016).

The Prophetic Role of Mount Athos in the Contemporary World, http://www.pravoslavie.ru/english/99644.htm

علم اللاهوت ومعاينة الله

علم اللاهوت ومعاينة الله

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية بتصرف اﻷب أنطوان ملكي

كان برلعام فيلسوفاً إنساني النزعة أصرّ على أن اكتساب معرفة الله هو نتاج العمليات العقلية. لقد اعتبر أن الفلاسفة أعلى من الأنبياء، وبالتالي كان لاهوته ذهنياً، عقلياً، حدسياً، وتجريدياً بالتمام. لقد شكّل ذلك خطراً شديداً على الكنيسة إذ كان من الممكن أن يقودها نحو الدهرية. وهذا الخطر نفسُه يكمن اليوم في العديد من الدوائر اللاهوتية حيث يؤمن الناس، أو على الأقل يتظاهرون بالإيمان، بأن علم اللاهوت هو فرع من المعرفة الأكاديمية وأنه نتاج لعمليات الفكر المنطقية وللمراجع الكتابية.

يستطيع القديس غريغوريوس بالاماس الرد على هذا الموقف كما رد على تعليم برلعام. أولاً، يؤكّد القديس أنّ علم اللاهوت النقيّ ليس موهبةً طبيعية ولكنه عطية النعمة الإلهية. إنه يستخدم أمثلة متعددة لكي يثبت هذه الحقيقة. فاللذة الجسدية في الزواج الشرعي بغرض التناسل لا يمكن تسميتها عطية إلهيةعلى الرغم من أن الله ذاته هو الذي خلق الطبيعة، لأنها عطية جسدية طبيعية، وليست عطية للنعمة“.

ينطبق الشيء نفسه بالضبط على المعرفة المتولدة من الدراسة العالمية. حتى لو استعملها المرء استعمالاً صالحاً، إلا أنها تبقى عطية طبيعية وليست عطية من النعمة“. تعليم العالم (الفلسفة) هو عطية طبيعية وليس عطية النعمة، يستطيع المرء أن يكتسبها بمجرد الدراسة والقراءة. إلا أن حكمتنا الإلهيةليست عطية طبيعية، ولكنها عطية يمنحها الله للذين طهروا قلوبهم. عندما أتت هذه العطية للصيادين جعلتهم أبناء الرعد وكارزين للعالم كله، وعندما أتت لجباة الضرائب خلقت منهم تجاراً للنفوس“.

النقطة القديس التالية هي أن علم اللاهوت الأرثوذكسي ليس فلسفة، ولكنه قبل كل شيء معاينة الله. الفرق كبير بين اللاهوتيينمن نوعية برلعام وبين الذين يعاينون الله. الفرق واضح بين هذا النوع من علم اللاهوتوبين معاينة الله. كان القديس غريغوريوس بالاماس قادراً في بعض الظروف أن يدعو حتى برلعام لاهوتياً لأنه كان يتكلم عن الله (كفيلسوف أساساً)، ولكنه لم يستطع أن يدعوه معايناً الله.

يختلف علم اللاهوت الفكري عن معاينة الله حيث أن معرفة الشيء تختلف عن امتلاكه“. الكلام عن الله يختلف تماماً عن الالتقاء به والشركة معه. فالأول متاح لأي أحد يمتلك عقلاً ومهارة ويعرف آليات الجدل المنطقي، حتى لو كانت حياته ونفسه غير متطهرة.

إلا أنه من المستحيل أن يتّحد المرء بالله ويكتسب معرفة روحية عنه ما لم يكن بالإضافة للتطهر بالفضيلة، قد خرج خارجاً، أو بالأحرى، تجاوز ذاته تاركاً وراءه كلّ شيء مدركٍ بقدرته على الإدراك، مرتفعاً فوق الأفكار والمنطق والمعرفة المكتسبة من خلالهما، مسلماً نفسه بالتمام لقوة الصلاة القلبية غير المادية. بهذه الطريقة يصل المرء لهذه اللامعرفة التي تفوق المعرفة، والمملوءة بالنور الفائق الذي للفرح الروحي…”.

هذا النص معبر جداً لأنه يظهر قيمة علم اللاهوت الحقيقي السديد. لا يستطيع أحد أن يصل للشركة مع الله ما لم يتطهر أولاً، ويترك وراءه الحواس بكل مدركاتها، ويرتفع فوق العقل والأفكار، ويكتسب اللامعرفة التي تفوق المعرفة، التي هي ثمرة الصلاة القلبية. علم اللاهوت الحقيقي ينبع إذاً من التطهّر ومن معاينة الله.

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو، بحسب تعليم القديس غريغوريوس بالاماس، معاينة الله. فقط أولئك الذين وجدوا مستحقين لمعاينة النور غير المخلوق هم القادرون على اكتساب المعرفة الحقيقية عن الله. إنه يعلن بوضوح: “معرفة الله والعقائد الخاصة به والتي نسمّيها علم اللاهوت هي أيضاً معاينة الله“. ويكتب في موضع آخر قائلاً: ” معاينة الله تختلف عن علم اللاهوت، بمعنى أنه من الممكن أن يتكلم المرء عن اللاهوت من خلال خياله وفكره، ولكن علم اللاهوت الحقيقي هو معاينة الله. هكذا تختلف معاينة الله عن شبه علم اللاهوت العقلي الفلسفي، إذ أن الكلام عن الله بثقةهو ثمرة الثايوريا أي معاينة الله.

ليست معاينة الله هذه، وبالتالي علم اللاهوت الحقيقي، تجريدية مبنية على الحدس والتخيل، بل هي قبل كل شيء رؤية تفوق قوة بصر الإنسان. ليس الآباء القديسون مثل أولئك الذين يتحدثون عن الله بطريقة تجريدية. إنهم يعرفون من خلال رؤية ما يفوق البصر. إنهم يمرّون بنوع من الإخلاء دون أن يدركوا ذلك“. أولئك الذين وُهبوا هذه الرؤية السماوية يعرفون ما يفوق العقل، إذ يرون هذه القوة المانحة التأليه في الروح القدس، وليس عن طريق النفي“. معاينة النور هي حالة إيجابية، وبالتالي فإن علم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو معاينة النور الإلهي، إيجابي.

إذا علّم شخص ما عديم المعرفة أو الخبرة بأمور الإيمان عن هذه اﻷمور بحسب أفكاره الخاصة محاولاً أن يظهر بطريقة منطقية الصلاح الفائق للمنطق، فإنه بلا شك غارق في جنون مطلق…”. ولكونه عديم الحس، فإنه سيُحسَب كعدو لله“. توجد أيضاً حالات لأناس ليست لهم أية أعمال صالحة ولم يتطهروا، التقوا برجال قديسين واستمعوا لهم، ولكنهم إذ اتبعوا أفكارهم الشخصيةرفضوا أولئك الرجال القديسين وضلوا بكبرياء.

تظهر كل هذه الأمور أن علم اللاهوت هو بصورة رئيسية نتيجة لشفاء الإنسان، وهو ليس علماً عقلياً. فقط ذاك الذي تطهّر، أو الذي هو على الأقل في مسيرة التطهّر، يستطيع الدخول في الأسرار الأبدية والحقائق العظمى وتلقّي الإعلان وبالتالي نقله للناس. ينبغي أن يسبق الشفاءُ علمَ اللاهوت، وعندئذ يستطيع اللاهوتي أن يعطي الشفاء للآخرين. هكذا، في التقليد الآبائي الأرثوذكسي، يكون اللاهوتي هو نفسه الأب الروحي. الأب الروحي هو لاهوتي بامتياز اختبر الأمور الإلهية، ويستطيع بالتالي إرشاد أولاده الروحيين بدون خطأ.

* بتصرّف من كتاب العلم الروحي“.

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

كيف توصلتُ لاستنتاج أن للأرثوذكسية طابع علاجي قوي؟ توجد ست عوامل أود أن أذكرها.

العامل الأول هو أنني عندما كنت طالباً كنت أعمل على كتابات نقدية لأعمال القديس غريغوريوس بالاماس كان يعدها البروفيسور بانايوتي خريستو ومعاونوه. كانت مهمتي تحديد المراجع للاقتباسات من القديس غريغوريوس اللاهوتي التي يستعملها القديس غريغوريوس بالاماس. ولما قرأت اكتشفت أن القديس غريغوريوس اللاهوتي كانت له بعض الآراء التي لم تكن تخصه هو فقط، بل تخص تعليم آباء الكنيسة القديسين.

بحسب هذه الآراء، لا وجود للجحيم والفردوس من منظور الله ولكن من وجهة نظر الإنسان فقط. فالله لم يخلق الجحيم، لأنه لم يفعل أي شيء رديء كما يقول القديس باسيليوس الكبير. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أنه عند المجيء الثاني، سوف يحبّ الله كل الناس. وتماماً كما تشرق الشمس الآن على الأبرار والأشرار، هكذا عندئذ سوف يرسل نعمته للكل، للخطأة كما للأبرار. لكن حيث أن الأشرار لم يكتسبوا النور الروحي، فهم سوف يشعرون بالخاصية الحارقة للنور الذي سوف يحرقهم. هذا سيكون جحيمهم. فهم سوف يدركون الله كنار، وهذا سيكون الجحيم، في حين أن الأبرار، إذ تطهروا داخلياً، سوف يرون الله كنور، وهذا سيكون الفردوس. هذا بعينه ما يقوله القديس غريغوريوس النيصي، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس بالاماس، وآخرون كثيرون. في الواقع، يقول القديس غريغوريوس بالاماس، أن هذا يحدث في الإفخارستيا الإلهية. فالذين تطهروا يستقبلون جسد ودم المسيح كنور وحياة، أما الذين لم يتطهروا تكون المناولة المقدسة ناراً بالنسبة لهم. سيحدث نفس الأمر عند المجيء الثاني. هذا هو السبب الذي لأجله نرى في أيقونات المجيء الثاني الأرثوذكسية أن النور الذي ينير الأبرار يأتي من عرش الله، وهكذا أيضاً نهر النار الذي يحرق الخطأة.

المشكلة التي تواجهنا هي ليست إن كنا سنرى الله في المجيء الثاني، بل كيف نراه: أسيكون بالنسبة لنا نوراً أم ناراً. فبحسب التعليم الأرثوذكسي، لا يقوم الكاهن بقطع تذاكر للملكوت، ولكنه يعطي الشفاء للناس من خلال الأسرار ومن خلال كل تقليد الكنيسة، بحيث أنهم عندما يرون الله يكون بالنسبة لهم نوراً وفردوساً. لقد اتضح لي أن عمل الكهنة هو علاجي بصورة رئيسية. يستطيع الكهنة أيضاً أن يقوموا بعمل اجتماعي ومهام أخرى كثيرة داخل الكنيسة، ولكن كل هذا العمل يجب أن يدمج داخل الطريقة العلاجية التي يُقاد بواسطتها الناس للاتحاد بالله.

العامل الثاني الذي قادني لهذه الاستنتاجات هو أنني كنت كاهناً لحوالي سبعة عشر عاماً. وكأب روحي سمعت العديد من الاعترافات، واكتشفت أنه يوجد الكثير من الناس الذين، على الرغم من اعترافهم فإنهم يفعلون نفس الأشياء بعد أيام قليلة. أرى أن الكثيرين ينتمون للكنيسة، ويحضرون الخدم الكنسية ويقولون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم عندما يواجهون مشكلة يلجئون للذين يمارسون السحر. إنهم مسيحيون ظاهرياً، ولكنهم جوهرياً لم يحصلوا على الشفاء.

لقد كنت مهتماً بهذا الأمر، وكنت أريد أن أعرف ما الخطب. لماذا يعترف الناس ثم يرتكبون نفس الخطايا ثانية؟ إذ درست كتابات الآباء، وجدت أن مشكلة الإنسان الجوهرية ليست السرقة، والكذب، وما إلى ذلك، بل مرض نوسه.

يقول القديس يوحنا الدمشقي أن نوس الإنسان هو عين النفس. ويقول أيضاً أنه عندما خلق الله الإنسان خلقه عاقلاً نوسياً. بحسب تعاليم آباء الكنيسة، يكون العقل والنوس قوتين للنفس متوازيتين. يجعل الكتاب المقدس النوس والقلب واحداً. وبالتالي قال الرب: “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت8:5). وفي بشارة القديس لوقا يقول:” حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب“(لو45:24). النوس هو جوهر وجود الإنسان. إنه مكان استعلان الله، حيث يعبر العقل عن خبرة النوس. نستطيع على سبيل المثال أن نقول أن العقل هو جهاز الكمبيوتر وأن القلب أو النوس هو الشخص الذي يستخدمه. هذا يعطي فكرة عامة جداً.

هكذا أدركت أن الناس يخطئون ويكررون نفس الأهواء لأن نوسهم مريض. يظلم النوس أولاً، ثم يخطئون. على غرار القديس مكسيموس المعترف، يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن النوس المبتعد عن الله يكون إما مثل الشيطان أو مثل الحيوان. فهو يصبح شيطانياً من خلال الكبرياء، وحيوانياً من خلال قوى الشهوة وجوانب النفس الحسية. بمجرد أن يشفى النوس، يكف الشخص عن فعل أمور تسبب المشكلات، بما فيها المشاكل الاجتماعية. كما يقول القديس بولس الرسول: “اسلكوا بالروح ولا تكملوا شهوة الجسد” (غل16:5). عندما يكون الروح القدس موجوداً في قلوبنا لا توجد مشاكل مع الشهوات الجسدية، ولا مع أي من الحالات الأخرى التي تدل على الإنسان الجسداني الذي يعيش بدون عمل الروح القدس الكلي القداسة. إننا نرى بوضوح في تعليم الآباء القديسين أنه عندما تعمل نعمة الله في إنسان ما، ويُحسَب مستحقاً لرؤية النور غير المخلوق، فحتى قوى جسده تُعطَل. لا تتعطل قوى النفس، بل قوى الجسد. مكث موسى أربعين يوماً وأربعين ليلة على جبل سيناء ولم يكن محتاجاً لا للطعام ولا للشراب ولا للنوم.

العامل الثالث الذي ساعدني هو كتاب القديس مكسيموس المعترف مائة قول في المحبة“. لقد قرأت هذه النصوص لكي أرى ما هي المحبة بالضبط لأن الكثير يقال عنها في هذه الأيام. لقد ظننت أنني سأجد أن المحبة هي مجرد مسألة وصايا أخلاقية. بالتأكيد، وجدت مثل هذه التعبيرات هناك، إلا أنني اندهشت كثيراً إذ اكتشفت أن كتاب القديس مكسيموس وضع تعليماً عن أن المحبة الحقيقية هي ثمرة اللاهوى. يفحص القديس مكسيموس ماهية الأهواء وكيفية تكونها. لقد أظهر حقيقة أن الأهواء تنتج من إظلام النوس وتتولد عنه، وبالتالي حلل ماهية النوس، وكيفية إظلامه، وكيفية شفائه. إنه يتكلم عن النوس، والأهواء واللاهوى أكثر من الكلام عن المحبة نفسها، لأنه أدرك بوضوح أن المحبة الحقيقية تنبع من النوس المستنير ومن اللاهوى، بملء المعنى النسكي والأرثوذكسي الذي للكلمة. لقد أدركت أن القديس مكسيموس المعترف، الذي هو أحد لاهوتيي الكنيسة العظام، لا يتكلم فلسفياً ولكنه يمارس منهجاً للشفاء، حيث أنه يؤمن أن هذه هي مهمة الكنيسة الرئيسية.

السبب الرابع لتوصلي لهذا الاستنتاج هو أنني قضيت العديد من السنين في دراسة عقائد الكنيسة. يوجد انطباع شائع أن عقائد الكنيسة هي فلسفة صاغها الآباء القديسون، أو أنها حتى حقائق خارجية نظرية ينبغي على المسيحيين قبولها عقلياً. على كل حال، العقائد هي تعبير عن حياة الكنيسة. لقد شُفي الآباء القديسون، واشتركوا في الله، واكتشفوا علم اللاهوت الحقيقي. ثم إذ وُجد هراطقة هاجموا علم اللاهوت هذا، أظهره الآباء القديسون في صورة تعريفات حتى يحافظوا عليه، وبالأخص لكي يحافظوا على شفاء الإنسان.

تكون العقائد بالتالي تعبيراً عن الشفاء، وتعليماً عن كيفية الشفاء. تماماً مثلما تفترض مسبقاً تعليمات الطبيب وجود صحة جيدة وتساعد المريض على الوصول لهذه الحالة، وتماماً مثلما تشفي العقاقير الموصوفة من قِبَل الطبيب المريض، هكذا تشفي العقائد الناس.

لقد حارب الآباء القديسون بشدة لكي يحافظوا على الحقيقة، إذ عندما تتشوّه الحقيقة يكفّ الشفاء أيضاً. يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه لو لم يكن المسيح هو الكلمة غير المخلوق، أي الله، لما استطاع تخليصنا. يقول الآباء أيضاً أنه لو لم تتحد الطبيعتان أقنومياً في المسيح بغير اختلاط ولا امتزاج ولا انفصال ولا تغيير، ولو لم يتخذ المسيح كل الطبيعة البشرية، لبقينا بدون شفاء. كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي، ويكرر القديس يوحنا الدمشقي: “ما لا يُتَخَذ لا يُشفى“. ترتكز كل العقائد على الشفاء، وعلى مراحل الكمال الروحي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله. يدعم المجمع الذي انعقد في زمن القديس غريغوريوس بالاماس، والذي تكلم عن الهدوئية، كل المجامع المسكونية.

لقد وصف الآباء القديسون الطريق الذي ينبغي علينا إتباعه لكي نصل للقداسة، وأظهروه لنا. يقودنا هذا الطريق خلال المراحل الثلاثة للكمال الروحي: تطهير القلب، واستنارة النوس، واتحاد الإنسان بالله. إننا نرى هذه المراحل في الكتاب المقدس، وفي تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، والقديس مكسيموس المعترف، والقديس غريغوريوس النيصي، والقديس غريغوريوس بالاماس، والقديس سمعان اللاهوتي الجديد الحديث، وآباء آخرين؛ كما نراها أيضاً في تقليد الكنيسة الليتورجي. لقد طهر الموعوظون قلوبهم من خلال التعليم، خصوصاً عن طريق الوعظ. ثم من خلال المعمودية المقدسة والميرون وجدوا مركز الروح، الذي هو النوس. لقد تلقوا الروح القدس واستنار نوسهم، وهذا هو السبب الذي جعل المقتربين من العماد يوصفون بالمستعدين للاستنارة“. يستنير النوس من خلال المعمودية المقدسة والميرون، مما يعني أن القلب يبدأ الصلاة بطريقة نوسية. بعد ذلك، تقدموا للمذبح المقدس واشتركوا في جسد ودم المسيح.

النقطة الخامسة، والناتجة عن النقطة السابقة، هي أنني عندما درست الطوائف المسيحية المتنوعة رأيت أنه من المؤكد وجود اختلافات عقائدية، ولكنها مجرد الرأس المرئي من جبل الجليد. لقد اكتشفت أن الفرق الجوهري موجود في الطريقة التي يتحقق بها الشفاء. ليس لدى البروتستانت أي منهج علاجي بالمرة، لأنهم يظنون أنه عندما يؤمن شخص ما بالله فإنه يولد ثانية ويخلص بطريقة آلية. لدى الكاثوليك منهج علاجي، لكنه خارجي جداً. فعلى المرء أن يعمل أعمالاً، ويزور الأراضي المقدسة، ويعطي أموال للفقراء والكنيسة، ويمارس التأمل وما إلى ذلك. يمارس رهبان الكاثوليك الطاعة، ولكن هذه الطاعة تشبه كثيراً الانضباط، مثل طاعة الجنود لقائدهم في الجيش. لا يعرف لا الكاثوليك ولا البروتستانت تقليد الكنيسة النسكي اليقظ.

إلا أنه في الكنيسة الأرثوذكسية، يوجد منهج علاجي كامل. تعرف الكنيسة الأرثوذكسية بالضبط ما هي الصحة الجيدة؛ فالصحة تعني الوصول للاتحاد بالله. إنها تعرف بالضبط ما هو المرض الذي هو إظلام النوس. كما أنها أيضاً واعية جداً لكيفية قيادة الناس من المرض إلى الصحة، التي هي الاتحاد بالله. يتعجب اليوم الكثيرون عندما يدرسون التعليم الأرثوذكسي، لأنهم لم يتخيلوا قط أن مثل هذا التعليم موجود في كتابات الآباء القديسين. لقد سادت تعاليم فرويد ويونج وآخرين في الغرب، لأن منهج الآباء العلاجي الكامل ذلك لم يكن موجوداً هناك. إلا أنه في الشرق، يعرف الرهبان جيداً كيفية الشفاء داخليا، وكيفية شفاء الآخرين.

العامل السادس الذي قاد لهذا الاستنتاج هو اتصالي الحميم مع النساك القديسين في الجبل المقدس (آثوس)، وأيضاً مع آخرين من خارج الجبل المقدس الذين يجاهدون لكي يحيوا بحسب التقليد الأرثوذكسي. إنني أفكر على الأخص في الأرشمندريت صوفرونيوس ساخاروف الذي عاش في إنجلترا، والذي اختبر وعبّر عن الحياة السكونية الهدوئية التي هي أعمق جوهر لتقليدنا. لقد التقيت بالعديد من هؤلاء الناس، ورأيت معنى الأرثوذكسية في عمقها. هذا المنهج العلاجي الذي للآباء القديسين تمت المحافظة عليه في الجبل المقدس.

ينبغي عليّ أيضاً أن أضيف أن تعاليم البروفيسور الأب يزحنا رومانيدس ساعدتني كثيراً. لقد كنت عائشاً في هذا النوع من الأجواء، وعندما قرأت العديد من كتابات رومانيدس اكتشفت أنها تتماشى مع حياة الرهبان وأنها تعبر عن التقليد الأرثوذكسي. لقد أدركت أن رومانيدس التقط بطريقة ممتازة الرسالة الرئيسية للآباء القديسين، وفهم جيداً الكنيسة الأرثوذكسية. إنني مدين بالعرفان الكبير لهذا المعلّم الذي أُجِّله وأوقره بطريقة خاصة، وأعترف أنه كان له الأثر الكبير على تفكيري.

ينبغي أن أضيف لكل هذه العوامل دراستي لكتابات الآباء القديسين، خصوصاً ما يسمى آباء الكنيسة الصحويين (neptic). لقد ساعدني بالأكثر القديس غريغوريوس بالاماس الذي ابتهجت بتعليمه منذ أن كنت طالباً، والفضل في ذلك للبروفيسور بانايوتي خريستو، كما ابتهجت أيضاً بالقديس نيقوديموس الكاتب الذي جمع كل الحكمة الآبائية في كتبه. أستطيع أن أقول بدون تحفظ أني أعتبرها بركة خاصة من الله أنني وُجدت مستحقاً لمعرفة لاهوتي الكنيسة العظيم القديس غريغوريوس بالاماس، والمعلم الأرثوذكسي الأكثر لطفاً القديس نيقوديموس الكاتب. لقد رأيت في كتاباتهما أن الحياة الهدوئية تشكل أساس التقليد الأرثوذكسي. لو فحصنا الحياة الهدوئية بأكثر دقة لوجدنا أنها منهج علاجي، فهي المنهج الأرثوذكسي للشفاء، والطريق للتقدس. للأسف يتكلم كل واحد اليوم عن الآباء ويقرأ كتاباتهم دون أن يكون واعياً للطرق التي يتقدس من خلالها الإنسان ويصل للكلام عن الله. هذه الطرق هي الهدوئية، التي لا تنفصل عن منهج الكنيسة العلاجي والذي يُعبَر عنها من خلاله. أردت أن ألفت الانتباه لهذا المدخل المستعمل من قِبَل كل القديسين، مما يعني التقدم خلال مراحل الكمال الروحي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله.

كوكب الصبح

كوكب الصبح

الخورية سميرة عوض ملكي

بدأت الكنيسة مسيرة الصوم الميلادية، لكي يتهيأ المؤمنون لتقبّل الأحداث والمفاهيم اللاهوتية التي تتحدّث عن أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصية. من هنا فإن هذه المسيرة لا تحتاج إلى الصوم فقط وإنما إلى المشاركة أيضاً في الصلوات التي تُقام والتمعّن بمعانيها من أجل فهم أفضل وعيشٍ أعمق لكل أسرارها. فالله نفسه تكلّم مع كل إنسان باللغة التي يفهمها، فللرعاة أرسل ملائكة وللمجوس نجماً ولنا نحن كوكب الصبح.

يقول سفر الرؤيا في الإصحاح الثاني الآية 28 “وأعطيه كوكب الصبح“. كوكب الصبح المذكور هنا هو نجم داود الذي يشير إلى المسيح، كما قيل بوحي الله الآب للعرّاف بلعام بن بعور: “ويبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عدد 17:24). وهذه الآية تُتلى في قراءات صلاة غروب عيد الميلاد تأكيداً على أن المسيح هو نجم إسرائيل وهذا ما يؤكّده هو بدوره عن نفسه في رؤيا 16:22: “أنا أصل وذريّة داود كوكب الصبح المنير“.

وهنا تظهر محبة الربّ إذ هو مستعدّ أن يعطي كوكب الصبح أي أن يعطي نفسه، لكن لمَن من الناس؟ على هذا السؤال يجيب الربّ بقوله: “ومَن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديدوأعطيه كوكب الصبح” (رؤيا 26:2-28). ثمّ يتابع في الإصحاح الثالث من السفر عينه مخاطباً ملاك الكنيسة التي في ساردس: “أنا عارف أعمالك إن لك اسماً أنك حي وأنت ميّت“. وهنا يشير الربّ إلى أنه يعرف ويراقب كل أعمال جماعة هذه الكنيسة غير المرضية له. لذا هم يبدون أمام الناس كنيسة حية بينما هم أمام الله أموات، لأن مقياس الحكم هو الناس وليس الله، وهذا حال جماعات كثيرة ومنها في كنيستنا. فقوله هذا يشير أيضاً إلى أنّ هذه الجماعة وإن تكُن مهتمّة بأمور كثيرة إلا أنها بعيدة كل البعد عن رسالة الكنيسة التي هي مؤتَمَنة عليها ألا وهي فرح أبنائها بالربّ يسوع.

ويغوص المسيح أكثر فأكثر في الآية التالية (رؤيا 2:3) رابطاً كلامه بحديثه عن السهر: “كًنْ ساهراً وشَدِّد ما بقي الذي هو عتيد أن يموت لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله“. يقصد الربّ بالسهر حفظَ الإيمان الذي يجعل الأعمال مقبولة أمام الله. وهو بهذا يطلب منهم أن يفيقوا ولا يكونوا نياماً، لأنّ النوم هو أصل خطيئتهم التي هي اهتمامهم بحكم الناس عليهم أكثر من حكم الله. فعدم الاهتمام بما يرضي الله جعلهم يهملون بقية شعب الكنيسة وينسوا القلّة التي بينهم. لأن مَن لا يكون ساهراً على نفسه، كيف له أن يشدد مَن في الكنيسة من المؤمنين الذين يحفظون أمانتهم للمسيح ولا يحتجّ عن إهماله لهم بحجّة قلة عددهم. فهذه البقية المقدّسة يمكن أن تخلّص الكنيسة كلّها مع أنها هي في الخطر بحسب وصف المسيح لحالِها بقوله: “الذي هو عتيد أن يموت“. وهذا الموت قد يكون معنوياً نتيجة الإهمال أو موتاً روحياً بالانسياق وراء الذين يشكّلون الأكثرية غير الأمينة بأفعالها، ويحسبوا مثلهم أحياءً وهم أموات.

أخيراً، هناك ارتباط بين الأعمال التي ترضي الله وتُقاس بحكم الله عليها لا البشر من جهة، والحصول من المسيح على كوكب الصبح أي عليه بذاته من جهة أخرى. إن الإفشين الذي يُقرأ في نهاية الساعة الأولى من خدمة السواعي الكبير لميلاد المسيح يجسّد هذا الارتباط: “أيها المسيح الضوء الحقيقي، الذي ينير كلّ إنسان وارِدٍ إلى العالم، ليرتسم علينا نور وجهك، لكي ننظر به النور الذي لا يُدنى منه، وسهّل خطواتنا إلى العمل بوصاياك“. أمّا اختبار هذا الارتباط فيعود لكل واحد منّا، إكليريكيين وعلمانيين، مؤمنين وغير مؤمنين.

فلنَدَع هذا الكوكب يسطع نورُه وليكن بهاؤه فينا فنهيء له مسكناً في مغارة قلوبنا، فنستحقّه بثباتنا على الكلمة بحسب قول الرسول بطرس: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ” (2بطرس 19:1).

ليست الكنيسة ما نفتكر

ليست الكنيسة ما نفتكر

اﻷرشمندريت باسيليوس رئيس دير إيفيرون

الكنيسة ليس ما نفكّر به. لقد أخذوا أطفالنا الرضع عن ثدي والدتهم الكنيسة الأرثوذكسية. عّلمونا أشياء أخرى. أعطونا حليباً اصطناعياً للشرب. قطعونا من جذورنا. فصلونا عن التقليد. أبعدونا عن وطننا. جعلونا غرباء في بلادنا. صمموا على أن ننسى لغتنا الأم، لغةاﻷرثوذكسية واللغة الأم للبشرية.

مَن؟ أولئك الذين أرادوا أن يخلّصونا بالقوة: التنويريون، الدعائيون، البافاريون، الماسون. جنباً إلى جنب معهم كلّ مَن يرى أن أضواءهم نورٌ وثقافتهم تقدّمٌ. وهكذا على نحو أعمى، من دون تمييز روحي، أخذنا كل شيء منهم، على أنه متفوّق وأفضل وأكثر تحضراً، في الفن والقانون وتنظيم الحياة والهندسة المعمارية والموسيقى، وما إلى ذلك. لقد عذّبوا كائننا. رفضوا تنظيمنا وزرعوا ضمنه أعضاء غريبة. من ثم ازدرعوا قسراً أعضاء جديدة، ومع السلوك الشخصي يتجلى الطابع الأساسي للعملية الموجَّهة إلى شعبنا.

ليست الكنيسة ما نعتقد أنها عليه. ليست ما نهاجم ولا ما ننوي هدمه. ليس للأرثوذكسية أي علاقة بالقرون وسطية (medievalism) ولا بالباطنية (mysticism) ولا بالكهنوتية (clericalism) ولا بالسكولاستيكية كما نسمع. إن الذين تربوا في الغرب يعتقدون أن للعبارات المعاني نفسها في الشرق كما في الغرب. إنهم يحاولون تحريرنا من مرض لم نكن مصابين به يوماً. باﻷحرى إنهم يسقموننا بعلاجاتهم. وهم يعقّدون اﻷمور بحلولهم.

نحن لا ننكر وجود ضعفات بشرية. لقد كان في الماضي ولم يزل هناك أشخاص ضعفاء ساقطون ومرتدّون. هذا ما يجعل اﻷرثوذكسية أكثر جدارة بالمحبة ويظهر رحابة صدرها المحِبّة وحقيقة رسالتها.

اﻷمر الأهم هو معرفة الكنيسة اﻷرثوذكسية التي نجهلها. أن نعرف قلبها الواحد غير الملوّث غير الفاسد والطاهر. وأنه كياننا اﻷكثر عمقاً واﻷكثر حقيقية، وأن علاقتنا بها أكبر مما نظن، وأن علينا أن نعرفها بعمق حتى من دون أن نفهمها، وأننا نجد أنفسنا ننكرها عن غير وعي ﻷننا لا نعرف حقيقتها وبشريتها اﻹلهية ومجد تواضعها.

كل ما هو ذو قيمة ويسعى إليه الساعون الحقيقيون موجود في اﻷرثوذكسية، لا كفتات جزئي أو وهمي، بل كامل بالعمل والحق. إنها تناسب الأطفال، كما السيدات العجائز، كما الباحثين اﻷكثر تطلباً الذين يريدون أن يروا الله على قدر قدرتهم، ولكن كما هو الله.

اﻷرثوذكسية لاهوت يصل إلى حد اﻹنكار، إنكار لا يتخطّى حيث يستطيع اﻹنسان العبور. إن نعمتها غير مخلوقة وغير مرئية وغير قابلة للفهم، تأتي إلى اﻹنسان في الخلق مجددة ومؤلّهة. اللاهوت ليس السكولاستيكية، والحياة الروحية ليست التزمّت. بمعرفتنا اﻷرثوذكسية وما هي عليه حقاً، نصير في حالة اتّزان، يمكننا أن نرى الجميع بمودّة، نقبل المساعدة من أي كان وبنعمة الرب نساعد أياً كان. أن تصير أرثوذكسياً لا يعني أن تصير منغلقاً بأي شكل، بل فاتحاً نفسك بطريقة ما، بالغاً إلى علو صليب المحبة.

لو كان اللاهوت ما يظن الكثيرون أنه هو أو ما يتمّ تدريسه في الجامعات الرسمية، أو لو كان تقوى خارجية أو كما يتمّ تعريفه على أنه تقوى عقيمة، فأعترف بأنه لم يكن عندي ما أقوله، ولَمَا كان عندنا رجاء وربما لا مسؤولية. ما أقوله لكم اﻵن معزٍّ وصعب في آن:

إن موقعنا متميّز وخطير. لقد حدّده الذين ولدونا ولا يمكننا أن نتصرف بحسب النزوات. نحن كأرثوذكسيين لا يمكننا أن نتصرّف كمفلتين من العقاب كاﻷطفال، متّكلين على بعض اﻷعذار، أو ما هو أسوأ لا يمكننا أن نكون متغطرسين. ما دام الذين سبقونا قد عاشوا ودُفنوا في هذه اﻷرض مرتجلين بحماس، فعلينا أن نتابع في ارتجالهم. إذا كانوا قد عاشوا بشكل مختلف وقرروا الموت وإذا كانت طريقة حياتهم قائمة على قرار الموت، إذا كان خلقهم وأخلاقهم ومنطقهم وأعمالهم وشكلهم وحركاتهم، المرئية وغير المرئية، كلها مولودة من الموت، للتضحية بأي شيء لكي يُولَد ما هو أفضل، طبيعة أخرى وتركيبة أخرى، للآخرين ولنا جميعاً، إذا لا نستطيع اﻹرتجال وكأن لا محاسبة ولا أن نكرر اللعب بالنار.

لو لم تُبنَ اﻷيّا صوفيا بالشكل الذي هي عليه لتَسَع كل الناس. لو لم يوجَد الجبل المقدس بالشكل الي كان عليه ليخلص كل البشر ويسلكون بأخوّة. لو لم يعلّم القديس غريغوريوس بالاماس بالشكل الذي علّم به، ملخِّصاً خبرة اﻷرثوذكسية وحياتها ومبيداً عطش معاصريه الكعذّبين، لو لم يجاهد الكثيرون ممن لا نعرفهم ويبكوا ويصبروا ويضحّوا على الجبال والجزر وافي المدن، لو لم تكن البشرية التي تذبحكم في موسيقاهم، لم لم يعملوا على إعادة بناء الرومية كالقديسين قوزما وماكريانيس، لو لم يكن كل هذا في دمنا، لكنا قبلنا وعملنا كل ما يصل إلينا.

لكن اﻵن اﻷمر مختلف. اليوم نحن في مكان وزمان مقدسَين، لا نستطيع أن نكون تافهين. نحن لا ننتمي لذواتنا، بل للذين ولدونا وللعالم كله. نحن مدينون إلى إرث روحي. ما من عذر ينقذنا. حتّى ولو تعلّمنا كل شيء في مدارسنا، القديم والجديد والمقدس والموقّر، لا يمكننا أن نعذر أيّاً كان لتخلّيه عن دَيننا أو نسيانه له. لا يمكننا أن قدّم أي عذر.

سوف يكون علينا أن نواجه الذين سبقونا والذين سوف يتبعونا. سوف يلقون سلوكنا الزائف في أوجهنا، ﻷن الشباب سوف يستيقظون يوماً وسوف يصرخون لا للكذب لا للاصطناع والتزييف والتزوير والخيانة المفروضة والمصبوبة بشكل إجرامي في البرامج التربوية ووسائل القراءة المساعِدة والبث المتعدد الوسائط.

إن الذين سوف يصرخون لاسوف يمتلكون طاقات غير محددة تتخطاهم. أرواح الماضي واﻷطفال الجائعون في كل العالم سوف يكونون معهم. الموجود هنا يخصّ الجميع. ما نكتسبه يحدد سلوكنا.

إن الحق الذي تجسّد من الكلية الطهارة الدائمة البتولية مريم ومات وقام من بين اﻷموات ويقيم العالم والكنيسة كجسد للمسيح. إن النعمة تقدّس كيان البشرية بأكمله. الكنيسة تعمّد كل الشعوب في أعماق سر اﻵب والابن والروح القدس الذي لا يسبَر غوره، تقدّس كل الحواس.

هذه النعمة دخلت في نخاع شعبنا المؤمن، التي تحيك حياتنا وتجعلها محاكة فوق بكل مكونات المادة. إن جسد حياتنا الروحي بأكمله عنده رسائل تخصّ كل واحد، وهي كلها تنتظر إلى نهاية اﻷرض. ونحن مديونون للجميع إذ قد وُضِعنا بالضرورة من قبَل الذين ولدونا بحسب الجسد والروح على مستوى محدد. لا يمكننا أن ننكس العلم أو نرتاح في مكان آخر أو بطريقة أخرى، ما عدا التضحية على الصليب.

هل يملك القديسون معرفةً لا تخطئ في الأمور العلمية

هل يملك القديسون معرفةً لا تخطئ في الأمور العلمية

الأب جون رومانيذس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

عندما يستنير النوس بالروح القدس، يحتفظ بذكر الله في ربّ المجد الذي هو المسيح المتجسّد. إنها مرحلة التحرّر من التأثيرات الشيطانية، والاتحاد بالمسيح، حيث يكون الشخص مصونًا بكليّته، جسدًا روحًا، من الخطأ، وممنوحًا الوحي والحكمة، فيميّز بين قوى الله وقوى المخلوقات، بخاصّة قوى الشيطان.

ذلك لا يعني أنّ الإنسان يقتني عندها معرفةً لا تخطئ فيما يخصّ الحقائق المخلوقة بتفاصيلها العلمية، إنما فقط فيما يرتبط بصلتها بالحقيقة غير المخلوقة، والتي هي مجد ناسوت المسيح في شركته مع القديسين.

الإنسان الذي يكون في حالة المعاينة، وبالتالي ملهَمًا، لا يصبح عالمًا أو باحثًا لا يخطئ، بل لاهوتيًّا لا يضلّ. هو لا يخطئ عند الكلام عن الله وما يتعلّق به، لكنّ هذا لا يجعله عالمًا أو مؤرّخًا.

وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم عصمة الكتاب المقدس، والآباء، ومجامع الآباء.

يكتب الميتروبوليت يروثيوس (فلاخوس) مطران نافباكتوس معلّقًا على ما تقدّم:

عندما نقول إنّ القدّيس يصبح ملهَمًا من الله لا يَضلّ، لا نقصد بالطبع أنّه وصل إلى العصمة فيما يختصّ بكلّ موضوعٍ وارد، العلوم وغيرها، لا بل يُحتمل أن يُظهر ضعفًا معيّنًا بتأثيرٍ من الشيطان. إلاّ أنه، فيما يرتبط بالأمور العقائدية، معصومًا وملهَمًا من الله في آنٍ واحد، إذ إنّه تسلّم التقليد من الروح القدس“.