Category Archives: مختارات آبائية

كلمات آبائية للإنسان المعاصر

كلمات آبائية للإنسان المعاصر

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول، قبرص

ليس خطأ أحدٍ سواي

كل الأمور تسير حسناً لدى الناس حين التواصل عبر الإنترنت، إرسال بريد إلكتروني، كتابة رسائل قصيرة للآخرين بخلال ثوانٍ معدودة… لكنهم أحياناً عاجزون عن التواصل مع زوجاتهم وأولادهم. لقد أتلفنا بيوتنا. عندما نجد التحدّث مع الآخرين صعباً علينا أن نعي أن سبب المشكلة لا يكمن في الناس بل فينا. إنه خطؤنا، لأننا لا نستطيع أن نجد النقطة التي نستطيع أن نلتقي فيها مع الآخرين ونحادثهم.

القديس لوقا الجرّاح

الحكمة والحكمة

لا تحصروا تعليم أولادكم وتربيتهم بالحكمة المدنية، حكمة هذا العالم. ينبغي بهم، في الوقت عينه، أن يتعلّموا الحكمة التي من فوق وأسمى أشكال الحقيقة. يجب أن يتعلّموا ناموس الله ووصايا المسيح. يجب أن يتعلّموا كل التوقير الواجب والذكر الدائم لله والطريق المسيحية الصحيحة. حينئذ فقط لن يضيع أولادكم على طرقات الحكمة البشرية، وعندها فقط يتمسّكون بالحكمة الإلهية فوق كل شيء وبمعرفة الله. هكذا ينبغي أن نربّي أولادنا.

الشيخ أفرام الفاتوبيذي

ما هي المحبة؟

في هذه الأيام، يصوّرون المحبة على أنها علاقة اجتماعية أو فضيلة اجتماعية. هذا خطأ. ليست المحبة فضيلة للمجتمع. المحبة هي ثمرة الروح القدس وهي تتحقق بقدر ما نحب الله. ونحن نتواصل بالشكل الملائم والصحيح مع الناس الآخرين فقط عندما نتواصل بشكل جيد مع الله.

الشيخ أبيفانيوس ثيودوروبولوس

عالم اليوم

نحن، مسيحيو هذه الأيام، علينا أن ندرك أننا نعيش في عالم وثني ملحد، وعلينا أن نكون ممتنين لأنهم لم يبدؤوا بعد برجمنا أو صلبنا. هذه هي الحقيقة المرّة.

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

إنها خيانتهم

إن الناس الطموحين، الذين يحبون الجسد والمال، لا يتحمّلون أي تهديد أو هزء أو ازدراء من طرف الناس الآخرين، ولا أي حرمان أو خسارة مادية. لهذا السبب هم يخونون ما هو سماوي وأبدي من أجل الأرضي والوقتي. من أجل العابر يخسرون الدائم. من أجل الأسياء التي لا قيمة لها يخسرون خلاصهم.

الشيخ ييرونيموس من أجينا

ممكن أن يخلصوا أو يتأذوا

يحاول الشيطان بكل الطرق أن يؤذي الكهنة، لأن الآلاف يمكن أن يستفيدوا ويخلصوا بكاهن قديس واحد، كما أن آلافاً يمكن أن يتأذّوا ويُدَمّروا بكاهن واحد متراخٍ.

القديس لوقا الجرّاح

لا تستمعوا لهم

لا تتركوا الصدمة تصيبكم عندما تسمعون ما يقولون عن الإيمان، لأن أولئك المتكلّمين لا يفهمون ما هو بالحقيقة. تذكّروا دائماً المبدأ الأساسي بأن المسيحيين الأوائل كانوا عارفين، فاعتبروا أن الناس يكونون تعساء إذا عرفوا كلّ العلوم ولم يعرفوا الله. بالمقابل، اعتبروا أن الناس الذين يعرفون الله ولا يعرفون أيّ شيء عن المشاغل البشرية مباركون. احفظوا هذه الحقيقة في قلوبكم كأعظم الكنوز وتابعوا طريقكم من دون أن تلتفتوا يميناً أو يساراً. لا نضيّعنّ طريقنا بسبب ما يقوله الآخرون عن الدين.

قوة الصلاة والصوم

قوة الصلاة والصوم

القديس نيكولا فيليميروفيتش

نقلته إلى العربية وعد مخول

هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم” (مرقس 29:9).

هذه هي الوصفة الطبية المنقذة لأعظم طبيب للنفوس البشرية. هذا هو العلاج المجرَّب والمثبت. ما من علاج آخر للجنون. أيّ نوع من المرض هو؟ إنه حضور وهيمنة الروح الشرير في الإنسان، روح شرير خطر يجاهد لتحطيم جسد وروح ذلك الإنسان في النهاية. الصبي الذي حرّره إلهنا من الروح الشرير، ألقاه هذا الروح الشرير مرة في النار، 0ومرة في الماء من أجل تدميره.

طالما أن الإنسان يكتفي بالفلسفة عن الله يبقى ضعيفاً وعاجزاً تماماً أمام الروح الشرير الذي يهزأ من سفسطائية العالم الضعيفة. لكن، ما أن يبدأ الإنسان بالصوم والصلاة، يمتلئ الروح الشرير بخوف لا يوصف، فلن تستطيع الروح الشريرة أن تتحمل رائحة الصوم والصلاة بأي شكل. إن عطر هذه الرائحة الحلوة يخنقها ويضعفها لتجهد تماماً. إن في داخل الإنسان الذي يتفلسف عن الإيمان وحَسبْ مكان واسع للشياطين. لكن مع الذي يبدأ الصلاة والصوم بصدق وصبر ورجاء، يصبح الشيطان ضعيفاً ومحاصراً وعليه الهرب من مثل هذا الانسان. بعض الأمراض الجسدية ليس لها إلا دواء واحد. ضد مرض الروح العظيم هذا، وهو الشيطانية، هناك نوعان من العلاج، اللذان يجب أن يُستخدما معاً وفي نفس الوقت: الصوم والصلاة. الرسل والقديسون صاموا وصلوا الى الله. هذا هو السبب الذي جعلهم أقوياء لمواجهة الروح الشريرة.

يا يسوع المنعِم، الطبيب والمساعد في كل المآسي، ثبتنا بقوة روحك القدوس لنكون قادرين على الالتزام بتعاليمك عن الصوم والصلاة من أجل خلاصنا وخلاص قريبنا. أمين.

الصوم وصية من الله

الصوم وصية من الله

الشيخ يعقوب تساليكيس

نقلتها إلى العربية راما مخول

كان الشيخ يعقوب من جزيرة إيفيا اليونانية من محبّي الصوم حيث اختبر بتجربةٍ فوائده الجسدية والروحية. ففي أوقات المحاربات الروحية لم يكن يأكل أي شيء على الإطلاق، إلا القليل من القربان المقدس. كما كان يفعل شفيعه ومثَله الأعلى القديس داوود لسنوات عديدة. حيث كان يأكل وجبة بسيطة فقط يوم السبت عند الظهيرة – ولكن ليس دائماً – ويوم الأحد. فالرب وحده يعلم كيف كان يحتمل هذا النظام الصارم من الصوم بالإضافة للكثير من الأعمال اليدوية.

الصوم وصية من الرب، ولذلك يا أبنائي، ينبغي علينا أن نصوم أيضاً. فأنا لم أهمل الصوم طوال سنوات حياتي السبعين، لأن والدتي علّمتني أن أصوم منذ الطفولة. كما أنني لا أتظاهر بذلك عندما أصوم، لكنني أقوم بما علّماني إياه والداي وحافظت عليه حتى يومنا هذا، يا أبنائي. فالصوم لم يعرضني للمرض أبداً.

يقول الأطباء والأساقفة أن الصوم المقتصد مفيد جداً للإنسان. ذات مرة، قال لي طبيب: “أبانا، لا تأكل أي شيء لمدة خمسة أيام ولا تشرب حتى قطرة ماء، لأننا سوف نقوم باختبار لتحرّي ما سيجري في جسمك“. ولذلك صمت خمسة أيام. فكان لهذا الاختبار أثر عظيم عليّ، فكم بالحريّ تكون الفائدة أكبر لأرواحنا عندما نصوم! فلأن داخل جسدنا تسكن روح أبدية، دعونا نعتني بروحنا التي هي حقاً خالدة.

دعونا نصوم يا أبنائي الأحباء، ولا تستمعوا لهؤلاء الذين يستنكرون وجود الصوم ويقولون إنه بدعة من عند الرهبان. لا يا أبنائي، إنه ليس بدعة من عند الرهبان، اغفروا لي، الله يقول لنا أن نصوم. وصية الله الأولى هي الصوم، كما أن المسيح أيضاً صام.

نستطيع القول أننا نصوم مع أننا نأكل كثيراً. إذاً ما هو الصوم الذي نقوم به، يا أبنائي؟ عندما تكون الأغذية التي نتناولها بدون زيت، اغفروا لي، حتى لو كنا نتناول الكثير منها. فذلك كافٍ للإنسان ليحافظ على صحته ويبقى لديه رغبة بالصوم.

يوما ما جاءني أحدهم وقال لي: “أخبرَني الكاهن أن الصوم غير موجود، فأجبته: “ومَن أخبرك أن الصوم غير موجود؟ اذهب وأخبر الكاهن أن يفتح الكتاب المقدس ويرى الآيات التي تتحدث عن الصوم: “إلا بالصلاة والصوم” (متى 21:17، مرقس 29:9)، التي قالها المسيح، وآيات أخرى. فالشياطين والأمراض والشهوات لا تخرج إلا بالصوم. كما أن الأب المتقدّم المقدس ماذا كان يأكل في الصحراء؟ وداوود المبجَّل ماذا كان يأكل؟ كان يمضي طوال الأسبوع، مع القربان المقدس، في قلايته متعبداً“.

لماذا نصوم عن اللحم فقط في أسبوع مرفع الجبن؟

لماذا نصوم عن اللحم فقط في أسبوع مرفع الجبن؟

الشيخ أبيفانيوس ثيوذوروبولوس

نقلتها إلى العربية علا مقصود

اكتسب أحد مرفع الجبن تسميته لأنه في الأسبوع السابق له لم نأكل اللحم، بل فقط منتجات الألبان مثل الحليب، الجبن، الخ وكذلك البيض والسمك أيضاً. يجد البعض هذا القانون الكنسي غير مبرّر، قائلين: “كيف يكون حليب الحَمَل مسموحاً بينما لحمه ممنوع طالما الحليب ينتج منه أيضاً، كيف يسمح بالبيض وليس بالدجاجة طالما الأولى تنتج الثانية؟ …”.

بالطبع، لربما هناك وجهة نظر في حديث هؤلاء لو أنه كان هناك تحريم لأكل لحم الخروف أو الدجاج ولهذا السبب لا نأكلهم لذلك لا نأكل ما ينتج منهم لأنها أيضاً ستصبح محرّمة، لكن في كنيستنا ما من طعام محرّم، وهذا ما علّمه القديس بولس في رسالته إلى تيموثاوس (4:3-5). في الواقع وزّعت الكنيسة الأطعمة إلى استهلاك أكبر أو أقلّ ولضبط النفس هي تسمح بالبعض وتمنع البعض الآخر في أوقات محددة.

الرد الدقيق لهؤلاء الأشخاص الذين قالوا ما سبق تم الإجابة عليه من قبل أثناسيوس من باريوس وهو معلم وحكيم مهم في الكنيسة، عندما كتب لأحد الأطباء أنت تدين صديقاً لأنه في أسبوع مرفع الجبن يأكل البيض ولكن ليس الدجاج الذي يعطي البيض الحياة، لكن ما هو وجه الشبه بين البيض غير الحيّ والدجاج الحيّ؟ البيضة أدنى بكثير من الدجاج وكإثبات سأحتكم إلى رأيك الذي هو رأي طبيب، هل تنصح مريضاً بدأ يتماثل للشفاء بفروج صغير أو بديك كبير كغذاء ولماذا تفعل هذا؟

فكما تقول أنت إن الأغذية الدسمة والدهنية ستؤذي صحته التي بدأت بالتعافي من مرضها، طالما أن معدته ليس لديها القوة لتتحمل وتهضم هذا الطعام. إذاً هناك فرق بين الفروج الصغير والدجاجة الكبيرة. إن الفروج كغذاء أقل قوة من الدجاجة. لذا ليس أحد من الأطباء يقول إن البيضة أو الدجاجة هي نفسها وهي مناسبة للمريض. أليس من غير الواضح أنهم وبدون سبب ينتقدوننا لأكل البيض وليس الدجاج؟ ينتقدوننا أننا نأكل الزيتون ولكن ليس زيت الزيتون على الرغم من أنه داخل الزيتون يوجد الزيت لكن داخل العنب يوجد الخمر. على كل حال، كل العنب الذي نأكله لا يجعلنا نسكر. على الأكثر سيجعل معدتنا متخمة.

إلى جانب ذلك إنه من المعروف أنه مع زيت الزيتون يمكن طهي عدد غير منته من الطعام اللذيذ، على الرغم من أن الزيتون يعتبر طعاماً صيامياً. الصوم هو عدم أكل الطعام المطبوخ بل غير المطبوخ مثل الخبز والزيتون والثمار الجافة وغيرها.

ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو كان في عصرنا؟

ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو كان في عصرنا؟*

القديس باييسيوس الآثوسي

نقلتها إلى العربية راما مخول

إنه لمن المهم جداً بالنسبة للمبتدئين طالبي الرهبنة، وهم لا يزالون في العالم، إيجاد أب روحيّ نصير للحياة الرهبانية، لأن معظم الآباء الروحيين في عصرنا مقاومون للرهبان ويحاربون الحياة الرهبانية بطرق عديدة ومختلفة، حتى أنهم يستعينون في شن حربهم بذكر آباء الكنيسة الذين شاركوا بالخدمات الاجتماعية المهمة، كمثل القديس باسيليوس لكبير ومجمع فاسيلياذا vasileiada الذي أنشأه**.

لا أود أن أشير إلى حياة القديس باسيليوس الكبير قبل إنشائه مجمع فاسيلياذا، ولكن ببساطة أريد أن أعبّر عن فكرتي: ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو أنه كان في عصرنا؟ إنني أؤكد على رأي أنه كان ليعود مرة أخرى إلى مغارته مع مسبحة صلاته مراقباً شعلة المحبة (النابعة من الخدمات الاجتماعية التي يقدمها الآباء القديسون الآخرون) تنتشر في كل مكان، ليس فقط للمؤمنين وحتى لغير المؤمنين، الذين تشملهم جميعهم العناية الاجتماعية، التي تعتني أيضاً بأعضاء الجمعية الخيرية الروحية (على الرغم من أنها بموجب تسليم شهادة موثّقة بالعوز).

بعبارة أخرى، الخدمات الاجتماعية تصرخ كل يوم: “أيها الآباء القديسون في عصرنا، اتركوا لنا القيام بالأعمال الخيرية، نحن العلمانيين، الذين لسنا في وضع يسمح لنا بفعل شيء آخر، واهتموا لأنفسكم بالأشياء الأكثر روحانية“.

لكن للأسف، إن بعض الكهنة ليس فقط لا يتبعون هذه الوصية، وحتى لا يفهمونها، ولكنهم أيضاً يمنعون أولئك الذين يفهمونها ويريدون تكريس أنفسهم بشكل كامل للمسيح، ويشعرون برغبة قوية للابتعاد عن هذا العالم. وبمعنى آخر: كما لو أنه لا يكفي لمبتدئ يجب أن يسمع هذا من عامة الناس، فعليه أن يسمع الكثير من الكهنة أيضاً، الذين يقدمون مطالب غير منطقية كأن يترك الرهبان الحياة النسكية ويعودوا إلى العالم لتولّي القيام بالخدمات الاجتماعية والخيرية.

* من الوصية الأولى للمبتدئين في طلب الرهبنة

** يشير إلى مجمع أنشأه القديس باسيليوس الكبير في أسقفيته وهو يركز على الخدمات الاجتماعية والخيرية

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية: مثال أم القديس إكليمندس الأنقري

القديس نيقولا فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية أمل قرة

في أيامنا هذه، كثيراً ما تسمع من الأهل هذه الكلمات: “نريد أن نضمن حياة أولادناهذا ما يجعلهم يعملون بجدية لجمع الثروات، غالباً وبطريقة غير عادلة، لتعليم أبنائهم ما يدعى مهنةتحقق لهم أفضل أشكال الضمانة الجسدية والدخل المادي. يحدث هذا عند من يُدعَون مسيحيين! وذلك لأن مفهومهم عن الحياة الحقيقية والضمانة الحقيقية هو مفهوم خاطئ. هنا نرى كيف تُعد الأم المسيحية الحقيقية ابنها للحياة الحقيقية، فتقول المباركة آفروسيني لابنها إكليمندس الأنقري في ساعة وفاتها (٢٣ كانون الثاني):

شرّفني يا بنيّ وناصر المسيح بشجاعة، واعترف به بثبات ومن دون تردد. أتمنى في قلبي أن يزهر إكليل الشهادة على رأسك لفخري ولخلاص كثيرين. لا تخف من التهديدات، ولا السيوف، ولا الآلام، ولا الجروح، ولا النار. لا تدع شيء يفصلك عن المسيح، إنما تطلّع إلى السماء ومن هناك توقّع مكافأتك العظيمة والثمينة والأبدية من الله. اخشَ عظمة الله، خفْ من حكمه الرهيب، وارتعش أمام عينه الناظرة الكل، ﻷن أولئك الذين ينكرونه سيلقون عذاب النار الأبدية والدود الذي لا ينام.

فلتكن هذه مكافأتي منك، يا ابني الحبيب، بعد ألمي في ولادتك وتعبي في تعليمك: أن تجوز تسميتي أم شهيد. لا تبخل بالدماء التي أخذتها مني. بل اسفكها كذلك، فمنها أنا أيضاً أنال الشرف. قدم جسدك للعذابات فبها أنا أيضاً قد أفرح أمام ربنا كما لو أني أنا نفسي عانيت من أجله“.

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007

أسئلة روحية

أسئلة روحية

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

ما هي معاينة الله؟

إن معاينة الله لا تنتمي إلى عالم العواطف، ولا لحاسة البصر، وإنما هي وحدة وجودية واتصال المخلوق مع الكائنغير المخلوق، ليس مع جوهره أو مادته،بل مع قواه الإلهية، وفقاً لقياس الشخص المعايِن. عندما طلب موسى أن يرى الله، ﻷنه كان يتصور أن ذلك مستطاع لديه، سمع منه أن هذا مستحيل ولن يكون له إلا الظهر، أي قواه الإلهية أو صفاته. من يتسنّى له معاينة الله، يشهد بأنه لا يوجد أي تشابه بين العالم المخلوق والكائن غير المخلوق وأنه من المستحيل تفسير الله، والأكثر استحالة هو أن نفهمه(القديس غريغوريوس اللاهوتي).

ما هي السمات المميّزة والقوى للنفس البشرية؟

بحسب الكتاب المقدس، أهمّ سمَة للنفس البشرية هي شبهها بالكائن الإلهي. يشير هذا المفهوم بأن الطبيعة البشرية بُنيَت على صورة ومثالالله، إلى أن القيمة الكبيرة المعطاة إلى اﻹنسان ليست ﻷي كائن آخر مخلوق من الله.

لم يحدث الله الخالق أعرب عن ارتياحه في أي مرحلة من مراحل الخلق ما عدا عند خلقه الإنسان، حيث الغريب أن هذا الخلق لم يحدث باﻷمر كمثل خلق الكائنات الأخرى التي قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ” (مزمور 9:33). وحتى مسكن اﻹنسان لم يأتِ باﻷمر وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ” (تكوين 8:2). لهذا، السمة الأكثر أهمية للنفس البشرية هي نَفَس الله، أي شبهها بخالقها. وهذا يعني أن الروح قادرة على استيعاب الصفات الإلهية. وهذا ما قاله الإله الكلمة بعد تجسده من خلال تسميتنا أَصدقاء وإخوةوَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ“. أي شيء أعظم أو أكثر قيمة من أن نصبح وجودياً أقرباء الله؟ لقد منحنا الرب هدايا بحسب بطرس تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا” (1بطرس 12:1).

وفقا لتعاليم آبائنا حاملي فكر الله، فإن قوى الروح هي أربعة: التعقّل، الحكمة، الشجاعة والعدل. هذه تعمل من خلال ما يسمى النفس المثلّثة اﻷجزاء“. أي العقلاني والعاطفي والجزء الذي له علاقة بالرغبات (επιθυμητικό). إن وظيفة التعقّل هي حثّ الجزء العاطفي. أما وظيفة الحكمة أو الانضباط الذاتي فهي حثّ الجزء العقلاني نحو اليقظة والحكم السليم، ووظيفة العدالة هي دفع الجزء الرغائبي نحو الفضيلة، ووظيفة الشجاعة هي تنظيم الحواس الخمس للأداء بعقلانية.

شذرات روحية

شذرات روحية

القديس مكسيموس اﻷوبتيني

معرفة الله

إذا كنّا نعمل حقاً لتطهير قلوبنا من اﻷهواء، فبقدر ما نطهر ذواتنا، تفتح النعمة اﻹلهية أعيننا روحياً على رؤية النور الحقيقي. إذ كما هو مكتوب طوبى ﻷنقياء القلوب ﻷنهم لله يعاينون” (متى 8:5). هذا لا يتحقق إلا بالاتّضاع، إذ في الاتضاع تتكشف اﻷسرار اﻹلهية.

المرض

تزورنا اﻷمراض واﻷحزان. إنها إشارة إلى رحمة الله علينا، ﻷنّ الذي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ” (عبرانيين 6:12)، ومن اللائق بنا أن نشكر الربّ لتدبيره اﻷبوي نحونا. تعلّمنا اﻷحزان وتجعلنا ماهرين في عملنا، وعلى المنوال نفسه، إلى جانب المرض، تطهرنا من الخطايا. نحن لا نعلم حكم الله، لكنه يعمل كل شيء لمنفعتنا. نحن مرتبطون بالبركات اﻷرضيةـ لكنه يرغب في أن يعطينا البركات اﻵتية من خلال اﻷمراض القصيرة على هذه اﻷرض.

الإنعاش الروحي

إن حياتنا هي حرب روحية مع اﻷرواح الشريرة غير المنظورة. إنهم يثيروننا عبر ضعفاتنا وأهوائنا. إنهم يشدوننا إلى أن نعصي أوامر الله. عندما ننظر بتمييز، سوف نجد أن لكل هوى دواء، وهو وصية معاكسة. لهذا يحاول أعداء الجنس البشري أن يحرمونا هذا الدواء المخلّص.

إن الجهاد لعدم القنية لا مفر منه ﻷن ظلمة هذا الهوى وغمّه يعتّم رؤيتنا الروحية، حتّى لا نرى شمس البرّ أي يسوع. إن الجهاد ضد اﻷهواء، الحرب ضدها كما ضد اﻷعداء غير المنظورين، هي بلا هوادة، رهيبة وعنيفة. إن التواضع هو مَن يغلبها.

الفهم الروحي

ينبغي أن لا ننشدّ إلى ذواتنا، مفتكرين أننا أفضل من الباقين، بل علينا أن نعتبر أننا آخر الكلّ. في هذا يكمن الفهم الروحي والتربية الروحية.

تقدّموا بتدرّج، لا تثقوا بذواتكم، لا تتكلوا على فهمكم الذاتي، انبذوا إرادتكم، والرب يهبكم الفهم الحقيقي. للأسف، في كل مكان اليوم يتكلّمون ويكتبون عن الدين بحرية كبيرة، لا تعليمياً، بل لزرع الشكوك. لقد تملّكت الشهوانية واﻷجيال اﻷكثر شباباً هي اﻷكثر ميلاً نحو الحرية وعدم ضبط الحواس، وهم يعطون تفكيرهم سلطاناً حراً بالرغم من أنه معتم. بالتواضع يصير الفكر مرضياً لله، لكن بالكبرياء يصير مرفوضاً منه.

سؤالان روحيان

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

لماذا لم يمنع الله سقطة آدم مع أنه رآها مسبقاً؟

لو أن الله منع سقطة آدم، لكان بتدخّله هذا أبطل حرية اﻹنسان التي منحه إياها كَهِبَة.لو انتزع حرية اﻹنسان لكان سلوكه وخلاصه أيضاً إلزاميين، ولكان اﻹنسان خسر شخصيته وصار خليقة من دون إرادة. لقد فضّل الله أن يغيّر مخططه حول اﻹنسان على أن يأخذ أهمّ ما في شخصيته أي حريته.

لقد أضاف الله عنصراً آخراً نافعاً للإنسان: عدالته ضد حقد الشيطان وكراهيته. لقد اعتقد الشيطان أنه بتضليله للإنسان سوف يبطِل مخطط الله ويحطّم شبه اﻹنسان به. وهكذا اعتقد أن بإمكانه أن ينتقم من الله وأن يحرم الإنسان من قيمته. لكن الله لم يمنع الشرير من تنفيذ خطته الشريرة لكي يسحقه بالكامل عندما يتّخذ الطبيعة البشرية، بتجسده المقبِل. بهذا، يستطيع الإنسان، الذي هو ضحية للخبث الشيطاني، أن يقوم فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا” (أفسس 21:1). إذاً لو أن الله منع سقوط الإنسان لكن حرمه من مجده الذي ورثه باتحاده الأساسي مع الله نفسه، من خلال تجسده.

ما كان سبب سقوط الإنسان؟

السقوط كان نتيجة عدم خبرة الإنسان المخلوق وقلة اهتمامه. هذان اﻷمران جعلاه يهمل، وعملياً يخون، اتحاده الشخصي وشركته مع الله الآب، معتقداً أن باستطاعته أن ينمو من ذاته.

لهذا، يُنظَر إلى السقوط ويُسمّى على أنه انفصال وانسحاب كل من الكائنات المخلوقة، وجميعها معاً، عن علّة الخلق اﻷولى أي الله. الكون، بحسب الإعلان اﻹلهي، له علته ولم يوجد من ذاته، لكنه موجود ﻷنه يشارك في القوة والتدبير الإلهيين. وعليه، إذا انقطع المخلوق عن قوة الله التي تؤمّن تماسكه، يفسد ويموت.

إن ارتداد الكائنات عن الله أدّى إلى كارثتين متساويتي القوة. الأولى هي التواقح على الخالق الضابط والارتداد عنه. الثانية هي الانفصال عن مصدر الحياة اﻷبدية، أي الله، الذي هو السبب الوحيد للوجود والتماسك.

هذه الجنحة نفسها سببت النكبة في الطبيعتين البشرية والملائكية. الملائكة، بسبب غطرستهم الأنانية، تخيّلوا أنهم يستطيعون الاستقلال عن الله. لم يفقدوا أهميتهم وحسب بل حالتهم واستنارتهم، وتحوّلوا من أكثر المخلوقات جمالاً إلى أكثر الوحوش رعباً وصاروا مثيرين للرعب والإرهاب، من دون أي نية للتوبة أو العودة.

حتى الإنسان الذي صار ضحية للخبث الشيطاني خسر حالة شبهه بالله ونُفي إلى هنا، إلى وادي الدموع، لكنه لم يخسر إمكانية التوبة التي تحضّه على العودة.

Γέροντος Ιωσήφ Βατοπαιδινού, Συζητήσεις στον Άθωνα, Ψυχοφελή Βατοπαιδινά 13, Ιερά Μεγίστη Μονή Βατοπαιδίου, Έκδοσις Α’ 2003