Category Archives: مختارات آبائية

ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو كان في عصرنا؟

ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو كان في عصرنا؟*

القديس باييسيوس الآثوسي

نقلتها إلى العربية راما مخول

إنه لمن المهم جداً بالنسبة للمبتدئين طالبي الرهبنة، وهم لا يزالون في العالم، إيجاد أب روحيّ نصير للحياة الرهبانية، لأن معظم الآباء الروحيين في عصرنا مقاومون للرهبان ويحاربون الحياة الرهبانية بطرق عديدة ومختلفة، حتى أنهم يستعينون في شن حربهم بذكر آباء الكنيسة الذين شاركوا بالخدمات الاجتماعية المهمة، كمثل القديس باسيليوس لكبير ومجمع فاسيلياذا vasileiada الذي أنشأه**.

لا أود أن أشير إلى حياة القديس باسيليوس الكبير قبل إنشائه مجمع فاسيلياذا، ولكن ببساطة أريد أن أعبّر عن فكرتي: ماذا كان ليفعل القديس باسيليوس الكبير لو أنه كان في عصرنا؟ إنني أؤكد على رأي أنه كان ليعود مرة أخرى إلى مغارته مع مسبحة صلاته مراقباً شعلة المحبة (النابعة من الخدمات الاجتماعية التي يقدمها الآباء القديسون الآخرون) تنتشر في كل مكان، ليس فقط للمؤمنين وحتى لغير المؤمنين، الذين تشملهم جميعهم العناية الاجتماعية، التي تعتني أيضاً بأعضاء الجمعية الخيرية الروحية (على الرغم من أنها بموجب تسليم شهادة موثّقة بالعوز).

بعبارة أخرى، الخدمات الاجتماعية تصرخ كل يوم: “أيها الآباء القديسون في عصرنا، اتركوا لنا القيام بالأعمال الخيرية، نحن العلمانيين، الذين لسنا في وضع يسمح لنا بفعل شيء آخر، واهتموا لأنفسكم بالأشياء الأكثر روحانية“.

لكن للأسف، إن بعض الكهنة ليس فقط لا يتبعون هذه الوصية، وحتى لا يفهمونها، ولكنهم أيضاً يمنعون أولئك الذين يفهمونها ويريدون تكريس أنفسهم بشكل كامل للمسيح، ويشعرون برغبة قوية للابتعاد عن هذا العالم. وبمعنى آخر: كما لو أنه لا يكفي لمبتدئ يجب أن يسمع هذا من عامة الناس، فعليه أن يسمع الكثير من الكهنة أيضاً، الذين يقدمون مطالب غير منطقية كأن يترك الرهبان الحياة النسكية ويعودوا إلى العالم لتولّي القيام بالخدمات الاجتماعية والخيرية.

* من الوصية الأولى للمبتدئين في طلب الرهبنة

** يشير إلى مجمع أنشأه القديس باسيليوس الكبير في أسقفيته وهو يركز على الخدمات الاجتماعية والخيرية

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية

ينبغي تربية الأولاد ليبقوا مخلِصين إلى النهاية: مثال أم القديس إكليمندس الأنقري

القديس نيقولا فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية أمل قرة

في أيامنا هذه، كثيراً ما تسمع من الأهل هذه الكلمات: “نريد أن نضمن حياة أولادناهذا ما يجعلهم يعملون بجدية لجمع الثروات، غالباً وبطريقة غير عادلة، لتعليم أبنائهم ما يدعى مهنةتحقق لهم أفضل أشكال الضمانة الجسدية والدخل المادي. يحدث هذا عند من يُدعَون مسيحيين! وذلك لأن مفهومهم عن الحياة الحقيقية والضمانة الحقيقية هو مفهوم خاطئ. هنا نرى كيف تُعد الأم المسيحية الحقيقية ابنها للحياة الحقيقية، فتقول المباركة آفروسيني لابنها إكليمندس الأنقري في ساعة وفاتها (٢٣ كانون الثاني):

شرّفني يا بنيّ وناصر المسيح بشجاعة، واعترف به بثبات ومن دون تردد. أتمنى في قلبي أن يزهر إكليل الشهادة على رأسك لفخري ولخلاص كثيرين. لا تخف من التهديدات، ولا السيوف، ولا الآلام، ولا الجروح، ولا النار. لا تدع شيء يفصلك عن المسيح، إنما تطلّع إلى السماء ومن هناك توقّع مكافأتك العظيمة والثمينة والأبدية من الله. اخشَ عظمة الله، خفْ من حكمه الرهيب، وارتعش أمام عينه الناظرة الكل، ﻷن أولئك الذين ينكرونه سيلقون عذاب النار الأبدية والدود الذي لا ينام.

فلتكن هذه مكافأتي منك، يا ابني الحبيب، بعد ألمي في ولادتك وتعبي في تعليمك: أن تجوز تسميتي أم شهيد. لا تبخل بالدماء التي أخذتها مني. بل اسفكها كذلك، فمنها أنا أيضاً أنال الشرف. قدم جسدك للعذابات فبها أنا أيضاً قد أفرح أمام ربنا كما لو أني أنا نفسي عانيت من أجله“.

رسالة الميلاد

رسالة الميلاد

خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان *

أبنائي المحبوبون

اليوم ولد لكم مخلص. هذه العبارة التي قالها الملاك لرعاة بيت لحم في ليلة الميلاد، أخشى أننا سمعناها مرّات كثيرة حتّى لم يعد لها وقع علينا. مع هذا، لا تتعب الكنيسة من تكرارها وهي تدعونا اليوم، نحن شعوب القرن الحادي والعشرين، لتقبّل مخلّصنا، هناك في مذود بيت لحم، الله المتجسّد بسبب المحبة، في قلوبنا وبيوتنا ومدننا وأممنا. في كل مكان.

بالطبع، تتوجّه هذه العبارة إلى الشعوب المتعجرفة والمغرورة بالإنجازات التكنولوجية، المتربيّة في القرن العشرين والمتوكّلة على الحادي والعشرين. إلى الشعوب ذات الموارد الوافرة، والنجاحات العلمية، ولكن أيضاً صاحبة الضمور الروحي، والفراغ الداخلي، ونقص الخبرة الجماعية التي هي الأساس المطلوب منطقياً في مسائل الإيمان. الناس اليوم متحجرون كما لو أنهم هيكل عظمي في الإلهام وفي الأمل، تسيطر عليهم انتصاراتهم، فإذ بهم ضحايا تقدمِهم يحيطون مستقبلهم بآفاق يائسة.

وكصوت البوق نسمع مرة أخرى اليوم على لسان الملاك، كما لو أنه يدعو ناس القرن الحادي والعشرين إلى أن يستيقظوا من سبات المادية النفعية واﻹقلاع عن بلازما الاكتفاء الذاتي. “استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” يتحدّانا المخلص لكنه يدعو كل واحد منا إلى مراجعة مسيرتنا، استعادة حريتنا، لنرى مرة أخرى نطاق حياتنا من ضمن الضوء الساطع من حقيقته.

استيقظوا يا شعوب القرن الحادي والعشرين!” لقد جعلتكم انجازاتكم تهجعون إذ ظننتم أنكم غلبتم العالم. لقد تفّهتم ما هو مقدّس وإلهي معتبرين إياه خرافات وأساطير تغذّي مخيّلة الأطفال، من دون أي مردود على كائنكم الداخلي. لكن انظروا من حولكم: الحروب بين الإخوة، جوع الضعفاء ومرضهم، سحق الكرامة البشرية، الفساد، الفضائح، شقّ وحدة الجنس البشري، غياب المحبة، وهيمنة المصالح. لقد هيأتم لأبنائكم عالماً على هذا الشكل، حيث الطبيعة تئن وتتشكّى من سوء استغلالكم. لكن جزر الأمل ليست مفقودة، بل قليلة وغير كافية بشكل مأساوي.

الميلاد موجّه بشكل أساسي إلى نفوسنا. الإيمان بالمخلص يخلّص ويعطي معنى لحياتنا. إنه يقودنا إلى لقاء تجريبي يفسّر لنا الحَدَث. بالتواضع كما بالحرية تتوالى النتائج: الرجاء، النور، الصراع، البشرية. إن المسيح المخلص يتحدّانا ويلهمنا لأن نكون بشراً ومتحررين من التزاماتنا نحو دنيويتنا وتغرّبنا.

* آخر رسائل (الشهيد) خريستوذولوس رئيس أساقفة اليونان في كانون الأول 2007

أسئلة روحية

أسئلة روحية

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

ما هي معاينة الله؟

إن معاينة الله لا تنتمي إلى عالم العواطف، ولا لحاسة البصر، وإنما هي وحدة وجودية واتصال المخلوق مع الكائنغير المخلوق، ليس مع جوهره أو مادته،بل مع قواه الإلهية، وفقاً لقياس الشخص المعايِن. عندما طلب موسى أن يرى الله، ﻷنه كان يتصور أن ذلك مستطاع لديه، سمع منه أن هذا مستحيل ولن يكون له إلا الظهر، أي قواه الإلهية أو صفاته. من يتسنّى له معاينة الله، يشهد بأنه لا يوجد أي تشابه بين العالم المخلوق والكائن غير المخلوق وأنه من المستحيل تفسير الله، والأكثر استحالة هو أن نفهمه(القديس غريغوريوس اللاهوتي).

ما هي السمات المميّزة والقوى للنفس البشرية؟

بحسب الكتاب المقدس، أهمّ سمَة للنفس البشرية هي شبهها بالكائن الإلهي. يشير هذا المفهوم بأن الطبيعة البشرية بُنيَت على صورة ومثالالله، إلى أن القيمة الكبيرة المعطاة إلى اﻹنسان ليست ﻷي كائن آخر مخلوق من الله.

لم يحدث الله الخالق أعرب عن ارتياحه في أي مرحلة من مراحل الخلق ما عدا عند خلقه الإنسان، حيث الغريب أن هذا الخلق لم يحدث باﻷمر كمثل خلق الكائنات الأخرى التي قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ” (مزمور 9:33). وحتى مسكن اﻹنسان لم يأتِ باﻷمر وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ” (تكوين 8:2). لهذا، السمة الأكثر أهمية للنفس البشرية هي نَفَس الله، أي شبهها بخالقها. وهذا يعني أن الروح قادرة على استيعاب الصفات الإلهية. وهذا ما قاله الإله الكلمة بعد تجسده من خلال تسميتنا أَصدقاء وإخوةوَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ“. أي شيء أعظم أو أكثر قيمة من أن نصبح وجودياً أقرباء الله؟ لقد منحنا الرب هدايا بحسب بطرس تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا” (1بطرس 12:1).

وفقا لتعاليم آبائنا حاملي فكر الله، فإن قوى الروح هي أربعة: التعقّل، الحكمة، الشجاعة والعدل. هذه تعمل من خلال ما يسمى النفس المثلّثة اﻷجزاء“. أي العقلاني والعاطفي والجزء الذي له علاقة بالرغبات (επιθυμητικό). إن وظيفة التعقّل هي حثّ الجزء العاطفي. أما وظيفة الحكمة أو الانضباط الذاتي فهي حثّ الجزء العقلاني نحو اليقظة والحكم السليم، ووظيفة العدالة هي دفع الجزء الرغائبي نحو الفضيلة، ووظيفة الشجاعة هي تنظيم الحواس الخمس للأداء بعقلانية.

شذرات روحية

شذرات روحية

القديس مكسيموس اﻷوبتيني

معرفة الله

إذا كنّا نعمل حقاً لتطهير قلوبنا من اﻷهواء، فبقدر ما نطهر ذواتنا، تفتح النعمة اﻹلهية أعيننا روحياً على رؤية النور الحقيقي. إذ كما هو مكتوب طوبى ﻷنقياء القلوب ﻷنهم لله يعاينون” (متى 8:5). هذا لا يتحقق إلا بالاتّضاع، إذ في الاتضاع تتكشف اﻷسرار اﻹلهية.

المرض

تزورنا اﻷمراض واﻷحزان. إنها إشارة إلى رحمة الله علينا، ﻷنّ الذي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ” (عبرانيين 6:12)، ومن اللائق بنا أن نشكر الربّ لتدبيره اﻷبوي نحونا. تعلّمنا اﻷحزان وتجعلنا ماهرين في عملنا، وعلى المنوال نفسه، إلى جانب المرض، تطهرنا من الخطايا. نحن لا نعلم حكم الله، لكنه يعمل كل شيء لمنفعتنا. نحن مرتبطون بالبركات اﻷرضيةـ لكنه يرغب في أن يعطينا البركات اﻵتية من خلال اﻷمراض القصيرة على هذه اﻷرض.

الإنعاش الروحي

إن حياتنا هي حرب روحية مع اﻷرواح الشريرة غير المنظورة. إنهم يثيروننا عبر ضعفاتنا وأهوائنا. إنهم يشدوننا إلى أن نعصي أوامر الله. عندما ننظر بتمييز، سوف نجد أن لكل هوى دواء، وهو وصية معاكسة. لهذا يحاول أعداء الجنس البشري أن يحرمونا هذا الدواء المخلّص.

إن الجهاد لعدم القنية لا مفر منه ﻷن ظلمة هذا الهوى وغمّه يعتّم رؤيتنا الروحية، حتّى لا نرى شمس البرّ أي يسوع. إن الجهاد ضد اﻷهواء، الحرب ضدها كما ضد اﻷعداء غير المنظورين، هي بلا هوادة، رهيبة وعنيفة. إن التواضع هو مَن يغلبها.

الفهم الروحي

ينبغي أن لا ننشدّ إلى ذواتنا، مفتكرين أننا أفضل من الباقين، بل علينا أن نعتبر أننا آخر الكلّ. في هذا يكمن الفهم الروحي والتربية الروحية.

تقدّموا بتدرّج، لا تثقوا بذواتكم، لا تتكلوا على فهمكم الذاتي، انبذوا إرادتكم، والرب يهبكم الفهم الحقيقي. للأسف، في كل مكان اليوم يتكلّمون ويكتبون عن الدين بحرية كبيرة، لا تعليمياً، بل لزرع الشكوك. لقد تملّكت الشهوانية واﻷجيال اﻷكثر شباباً هي اﻷكثر ميلاً نحو الحرية وعدم ضبط الحواس، وهم يعطون تفكيرهم سلطاناً حراً بالرغم من أنه معتم. بالتواضع يصير الفكر مرضياً لله، لكن بالكبرياء يصير مرفوضاً منه.

سؤالان روحيان

سؤالان روحيان

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

لماذا لم يمنع الله سقطة آدم مع أنه رآها مسبقاً؟

لو أن الله منع سقطة آدم، لكان بتدخّله هذا أبطل حرية اﻹنسان التي منحه إياها كَهِبَة.لو انتزع حرية اﻹنسان لكان سلوكه وخلاصه أيضاً إلزاميين، ولكان اﻹنسان خسر شخصيته وصار خليقة من دون إرادة. لقد فضّل الله أن يغيّر مخططه حول اﻹنسان على أن يأخذ أهمّ ما في شخصيته أي حريته.

لقد أضاف الله عنصراً آخراً نافعاً للإنسان: عدالته ضد حقد الشيطان وكراهيته. لقد اعتقد الشيطان أنه بتضليله للإنسان سوف يبطِل مخطط الله ويحطّم شبه اﻹنسان به. وهكذا اعتقد أن بإمكانه أن ينتقم من الله وأن يحرم الإنسان من قيمته. لكن الله لم يمنع الشرير من تنفيذ خطته الشريرة لكي يسحقه بالكامل عندما يتّخذ الطبيعة البشرية، بتجسده المقبِل. بهذا، يستطيع الإنسان، الذي هو ضحية للخبث الشيطاني، أن يقوم فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا” (أفسس 21:1). إذاً لو أن الله منع سقوط الإنسان لكن حرمه من مجده الذي ورثه باتحاده الأساسي مع الله نفسه، من خلال تجسده.

ما كان سبب سقوط الإنسان؟

السقوط كان نتيجة عدم خبرة الإنسان المخلوق وقلة اهتمامه. هذان اﻷمران جعلاه يهمل، وعملياً يخون، اتحاده الشخصي وشركته مع الله الآب، معتقداً أن باستطاعته أن ينمو من ذاته.

لهذا، يُنظَر إلى السقوط ويُسمّى على أنه انفصال وانسحاب كل من الكائنات المخلوقة، وجميعها معاً، عن علّة الخلق اﻷولى أي الله. الكون، بحسب الإعلان اﻹلهي، له علته ولم يوجد من ذاته، لكنه موجود ﻷنه يشارك في القوة والتدبير الإلهيين. وعليه، إذا انقطع المخلوق عن قوة الله التي تؤمّن تماسكه، يفسد ويموت.

إن ارتداد الكائنات عن الله أدّى إلى كارثتين متساويتي القوة. الأولى هي التواقح على الخالق الضابط والارتداد عنه. الثانية هي الانفصال عن مصدر الحياة اﻷبدية، أي الله، الذي هو السبب الوحيد للوجود والتماسك.

هذه الجنحة نفسها سببت النكبة في الطبيعتين البشرية والملائكية. الملائكة، بسبب غطرستهم الأنانية، تخيّلوا أنهم يستطيعون الاستقلال عن الله. لم يفقدوا أهميتهم وحسب بل حالتهم واستنارتهم، وتحوّلوا من أكثر المخلوقات جمالاً إلى أكثر الوحوش رعباً وصاروا مثيرين للرعب والإرهاب، من دون أي نية للتوبة أو العودة.

حتى الإنسان الذي صار ضحية للخبث الشيطاني خسر حالة شبهه بالله ونُفي إلى هنا، إلى وادي الدموع، لكنه لم يخسر إمكانية التوبة التي تحضّه على العودة.

Γέροντος Ιωσήφ Βατοπαιδινού, Συζητήσεις στον Άθωνα, Ψυχοφελή Βατοπαιδινά 13, Ιερά Μεγίστη Μονή Βατοπαιδίου, Έκδοσις Α’ 2003

الأطفال والصلاة

الأطفال والصلاة

الشيخ ثيوذوسيوس من أوبتينا

نقلتها إلى العربية علا مقصود

انحفرت واحدة من حلقات حياتنا في أتراسكا في ذاكرتي بشكل خاص، وتركت أثراً في كل حياتي. هذه الحلقة مرتبطة بزيارة سيادة الاسقف يعقوب، أسقف سارتوف ومن ثم رئيس أساقفة نافوغورود.

قام الأسقف بزيارة أتراسك خلال الجولة في أبرشيته. وأقام خدمة القداس الإلهي في الكاتدرائية. كان متعلماً تعليماً عالياً وكان دائماً يقدم عظته ارتجالياً بدون أوراق ملاحظات، لذلك لم يترك أثراً في تاريخ الوعظ الكنسي.

أحبه الناس واستمعوا لعظاته بالكثير من التقديس.

البساطة والدفء النابع من القلب في عظاته كانا استثنائيين، وقريبين من قلوب الناس، لذلك اخترق قلوبهم بعمق. حتى أنا، الصبي الصغير في الحادية عشرة من عمري احفظ في ذاكرتي واحدة منها. أتمنى الآن أن اسجلها في مذكراتي.

اعتبره الناس قديساً وهكذا كان هذا الرجل المقدس. بعد الاحتفال بالقداس الإلهي في كاتدرائية أتراسكا صعد إلى المنبر، ونظر إلى الناس بنظرته الثاقبة. فرأى في وسطهم أطفالاً وكنت أنا من بينهم، فقال أيها الأولاد تعالوا بقربي.

تقدّم العديد إليه ووقفوا أمامه. كنت أنا واقفاً مواجهاً له تمامًا فعندما بدأ يتحدث بدا وكأنه يوجه الحديث لي أنا شخصياً.

أريد أن أحدثكم أيها الأولاد عن الصلاة. هل تعرفون كيف تدربون أنفسكم على الصلاة؟ أولاً عليكم بالصلاة قليلاً لكن بشكل متكرر قدر الإمكان. الصلاة مثل الشعلة مع الوقت من الممكن أن تتحول إلى لهب عظيم. لكن لإشعال هذا اللهب يجب أن يكون لدينا مثابرة وحماسة وأيضاً وقت ومهارة. دعونا نأخذ مثالاً قطعتين من الفحم. الأولى مشتعلة جداً وحمراء. والأخرى ما تزال مطفأة. حاولوا أن تشعلوا القطعة المطفأة من القطعة الأخرى. ماذا عليكم أن تفعلوا؟ عليكم أن تضعوا الباردة قرب المشتعلة لكن وضعهما بجانب بعضهما لا يشعل القطعة الباردة بهذه البساطة، إلا إذا نفختم برقة وباستمرار عليهما، إذا نفختم بشدة ستزداد الشعلة. لكن قطعة الفحم الباردة لن تشتعل، وجهدكم سيكون هباء، لكن إذا نفختم قطعة الفحم المشتعلة باستمرار وبرِقّة، فقريباً ستشتعل قطعة الفحم كلها. من ثم ليس فقط هاتان القطعتان ستشتعلان، فإذا أبعدنا بينهما بمسافة معينة فكل ما يُوضَع بينهما سيشتعل. وبعد ذلك سينتشر وكأنه بحر من اللهب.

لكن فكروا معي. كم من الوقت يلزم شعال مدفأة بواسطة قطعة حطب رطبة أو اشعال قطعة فحم مبللة. كم يتطلب هذا جهداً ووقتاً وصبراً وأكثر مواظبة، وهكذا أريد أن أقول لكم يا أولادي: الصلاة نار، وأكثر من هذا هي جمرة محترقة، إذا كانت قلوبنا جمرة مطفأة، علينا أن نصلي في كل يوم، هذا يشبه تماماً أن نضع جمرة قلوبنا المطفأة بجانب الجمرة المحترقة للصلاة وأن ننفخ فيها قليلاً قليلاً مع الوقت. صدقوني يا أولاد إذا استمعتم إليّ وصليتم قليلاً كل يوم لكن بثبات فقلوبكم ستصبح مشتعلة من لهب الحب الإلهي، وتذكروا أيضاً بعد هذه الانفجارات سيأتي كسل لكن ليس بهذه الشعلة ستشعلون قلوبكم.

ابدأوا هكذا: أولاً قوموا بثلاث سجدات مع هذه الكلمات (يا رب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطىء)، ومجدداً سجدة (يا جميع القديسين تشفعوا بي أنا الخاطىء) ومجدداً سجدة. وسيكون هذا كافياً لكم: وفي اليوم التالي كرروها بدون كلل وهكذا يوماً بعد يوم ومن ثم يا أولاد ستلاحظون أن الملل يبدأ وكأن هذه الصلاة أصبحت عبئاً ثقيلاً عليكم، لكن إذا أصررتم وقمتم بهذه السجدات الثلاث ستلاحظون أنكم بدلاً من ثلاث سجدات فقط سترغبون بالمزيد. ومن ثم الصلاة ستطلب الزيادة لنفسها وهذا سيعني أن قطعة الفحم الباردة في القلب تبدأ بالاشتعال بحب الله. والمثابرة بجهودكم تبدأ تعطي ثمارها ومنها سينتج العطش لمزيد من الصلاة.

اختبروا أقوالي أيها الأولاد ستعرفون بأنفسكم أنه تماماً مثلما أخبرتكم. اجروا إلى الرب كما إلى أمهاتكم. هو طيب ويعرف الجميع. يحبنا كما الأم تحب أبناءها. وإذا طلبتم منه فهو يسمعكم ويحقق طلباتكم، إذا لم تتعارض مع إرادته المقدسة، فهو قال (اسألوا تعطوا)، ولذا اركضوا إليه بإصرار مع كل احتياجاتكم: عند الذهاب إلى المدرسة اركعوا على ركبكم لكن في مكان لا يراكم فيه سوى الله، واطلبوا منه أن ينير عقولكم وذاكرتكم وسترون أنكم ستكونون قادرين على تعلم الدروس بشكل أسرع وأسهل من الآخرين وحتى أسرع من أنفسكم عندما لم تكونوا تعودون إلى الله في هذا الموضوع. افعلوا هذا قبل البدء بأي شيء آخر.

صلوا يا أولاد صلوا بشكل متكرر، سامحوا هؤلاء الذين آذوكم، والله إله السلام سيكون معكم، في كل نهار وليلة. توبوا أمام الله عن كل خطيئة اقترفتموها، والتمسوا طيبته. حاولوا ألا تخطئوا بهذا مرة أخرى. وإذا وقعتم مجدداً بالخطيئة بطريقة ما فمجدداً ومباشرة توبوا وقولوا يا رب أنا أخطأت، لتكن رحمتك علينا، ساعدني كي أصحح طرقي فسيسامحكم الله ويساعدكم على التغير، صلوا بشكل متكرر لله يا أولاد وهو يحفظكم.

هذا الدرس طُبع في ذاكرتي وعلى الرغم من مرور العديد من السنوات ما أزال احتفظ به وكأنني أقرأ من كتاب. عندما أنهى الأسقف العظة، أخذت بركته، ومن ليلة ذلك اليوم المذكور بدأت يومياً أقوم بثلاث سجدات للرب يسوع المسيح، لوالدة الإله ولجميع القديسين.

دواء الشغف بالأوليّة

دواء الشغف بالأوليّة

الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

مَن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن للكلّ خادماً“.

آخر مرة ذهب المسيح إلى أورشليم كانت مثيرة، ليس فقط بالنسبة له، بل أيضاً لأولئك الذين كانوا يتبعونه. “وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ.” (مرقس 32:10). ومع تزايد توافد الحشود إليه، كان يزيد من المزيد الحديث إلى تلاميذه عن هذا وعن موته. تحدّث عن كأس الموت ومعمودية الدم. وأوضح لهم بأن طريقهم سوف تشبه في نواحٍ كثيرة ما سوف تنتهي به حياته. كان التلاميذ خائفين. حتى ذلك الحين لم يكونوا بعد قد وُضِعوا تحت أي اختبار. في هذه اللحظات الدرامية، جاء اثنان من تلاميذه وطلبا أن يُعطى لهما مكان الصدارة، الأمر الذي اضطر المسيح لأن يقول لهم أن كلّ من يريد أن يكون أولا يجب أن يكون خادماً وعبداً لجميع الآخرين.

كونه ملك القوات السماوية، رضي المسيح أن يولد طفلاً في مذود في مغارة، وأن يتربّىعلى نحو بسيط في بيت نجار ووالدته ، كما يقول القديس باسيليوس الكبير. كما أنّه وافق أيضاً على أن يعتمد على يد واحد من مخلوقاته، ويُصلَب، ويخضع لأفظع الميتات. لا شيء من ذلك حرّك التلاميذ. وكان هذا لأن الطموح والرغبة في الأوليّة كانا المشاعر الطاغية التي تزعج الكثير من الناس، حتى في سنوات المتأخّرة. السيد المسيح كلّمهم عن آﻻمه فيما كانوا يحلمون بالشرف والمجد. لقد كانوا تلاميذ المسيح، لكنهم لم يكونوا قد نموا، وربّما كانوا تحت تأثير عاطفة ما أو غيرها. نحن نرتفع إلى أعلى المناصب، ولكن عواطفنا تبقى حيّة في داخلنا. ويقول آباء الكنيسة أن الرغبة الوحيدة للخطأة، إذا تابوا، هو التخلص من كل عواطفهم، وبعبارة أخرى، أهوائهم الشخصية، وسلوك حياة مواهب الروح القدس. يثبت الناموس الروحي أن الذين يرغبون بأن يسودوا على غيرهم من الناس وجعلهم تابعين، فسوف يصيرون الأكثر خزياً، والأكثر حقارة وكرهاً من الجميع. على سبيل المثال، أراد الشيطان أن يصبح أولاً وانتهى به الأمر أخيراً. الناس الذين يستحقون المجد ليسوا أولئك الذين يسعون إليه، بل أولئك الذين يزدرون به. المجد هو مثل ظلّ الشخص: بقدر ما تطارده، يذهب بعيداً.

لقد وضع المسيح مرهم التواضع على جرح الطموح والرغبة في التسلّط.

إذا كان رسول الرأي العظيم، أي المسيح، قد تواضع هكذا، فعلينا نحن أيضاً، أن نكون مستعدين لاتّباع نفس المسار. “وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ(فيليبي 8:2) كما يذكر الرسول بولس بشكل قاطع. بقدر ما يرتفع الناس يجب عليهم أن يواضعوا أنفسهم لا أن يفتخروا. السلطة تُعطى للناس لا ليستبدّوا بل لخدمة الآخرين. يقول القديس يوحنا السلمي: “ليس فقط لتخفيف جراح الآخرين ولكن أيضاً لرعايتها. فقط من خلال التواضع يكتسب القادة الوضع الطبيعي للسلوك تجاه الآخرين. لقد وقّعنا اتفاقاً مع الله ينطوي على التوبة، وليس على السلطة “.

سلوك الرؤساء اليوم

اليوم، قادة الدول وكلّ مَن عندهم شيء من السلطة هم في خطر الوقوع في خطيئة طلب الصدارة والهيمنة على الآخرين. نحن جميعاً نريد أن نسود على غيرنا من الناس. القادة العسكريون والرجال والنساء ورجال الدين والعلمانيين والقادة السياسيون وكلّ من بيده شكل من أشكال السلطة هو في خطر من أن يصبح طاغية تجاه الآخرين. القادة الحقيقيون لا يفتحون الجروح بل يداوون الإصابة. يجب ان تمارَس السلطة بتواضع حتى تكون فعّالة. إن مثالَنا هو المسيح، الذي تواضع إلى حد كبير، لكي يتسنى لنا أن نرتفع إلى السماء. إنه هو الطريق اﻷكيد للسلطة. والتواضع هو دواء الاندفاع نحو الأوليّة.

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

د. ديمتريوس تسالانغيدس

في ما يلي سوف أقول شيئاً من الشهادة الشخصية. أنا ارتبط منذ عقود بالأب افرام الكاتوناكي، المعروف بروحيته وضميره. من اﻷمور التي اشتهر بها أيضاً بأنه صاحب تلفزيون روحي“. بالنسبة لي، لطالما ذهبت إليه في مناسبات عديدة بهدف طرح أسئلة معينة محددة جداً، في تسلسل معين، وباستخدام مفرداتي الخاصة. عند زيارته، ومن دون أن أطرح أيّاً من أسئلتي المقصودة، كان يعطيني ردوده، بالتسلسل الذي كنت أريده مستعملاً مفرداتي التي أفهمها. أنا أورِد ذلك بمثابة تجربة شخصية، لا كظاهرة غير مسبوقة، إذ إن العديد من الآخرين أيضاً يشهدون لذلك.

في إحدى المرات قبل ثلاثين عاماً تقريباً، كنت في ذلك الوقت أستاذاً شاباً في كلية اللاهوت في تسالونيكي، ذكرتُ له ما يلي: إن جو الحركة المسكونية يزدهر في كليات اللاهوت، خصوصاً في تسالونيكي، ما سبب لي مشاكل مزعجة وأسئلة، إذ أرى ذلك عند أساتذة محترمين. وبطبيعة الحال، فإن ردة فعل كلٍ من ضميري وعلمي هي ضد هذا اﻷمر. لكني، أرغب بردّ روحاني أبعد من الدرجة العلمية التي لديّ. وهذا الرد الروحاني لطالما طلبته في كثير من القضايا الأخرى. لهذا، سألته أن يخبرني عن طبيعة الحركة المسكونية، كما يراها، فأجاب مباشرة ومن دجون أي صعوبة:

هذا السؤال يا بنيّ، طرحه شخص آخر من قبل بعض الوقت. أنا من جهتي كنت هنا على هذه الصخور لمدة أربعين عاما لقد نسيت حتى لغتي اليونانية (لاحظ أنه قد أكمل المرحلة المتوسطة) وعلى هذا النحو، وأنا لم أنشغل بهذه المسألة ولكن، لأنه كان علي الرد – إذ قد سئلت عن ذلك، ولم يكن لدي أي علم بالأمر ذهبت إلى قلايتي وصليت طالباً من المسيح أن يُعلِمني ما هي المسكونية. تلقيّن ردّه، وهو أن الحركة المسكونية فيها روح شر وتهيمن عليها الأرواح النجسة.

فسألته ما الذي يثبِت ذلك. والجواب كان أن القلاية امتلأت بعد الصلاة برائحة لا تُحتَمَل أشعرته بأنه يختنق ويعجز عن التنفّس روحياً. سألته عمّا إذا كان هذا الحدث غير عادي بالنسبة له أو إذا كانت هذه هي الطريقة التي بها يجيب المسيح عن الحالات المماثلة، فأكّد لي بأن كل المسائل المتعلّقة بالشعوذة والأرواح الخبيثة، ينوّرني المسيح بهذه الحالة. في بعض اﻷحيان يكون الجواب منطوقاً، لكن في هذه المسألة، هذا كان جوابه وأنا واثق بشكل مطلَق بأن الحركة المسكونية ليس فيها الروح القدس بل روح خبيث“.

يمكن للمرء أن يقول بأنّ ما أقوله في هذه اللحظة هو لغاية ما وله طابع الانطباع المتعمّد. ولكن أريد أن أذكر بأنني شعرتُ بسعادة غامرة، لأن ما قاله لي الشيخ شخصياً، قد يعتبره البعض تسجيلاً من حاشيةتُقوية لشخص سبق أن نشر كتاباً تذكارياً عن شخص الشيخ وروحانيته وكلماته. لذلك، ما قد تمّ التصديق عليه هناك تمّ التحقق منه من قِبَل لاهوتيين ثُقات صادف أن سمعوا هذا الكلام شخصياً.

لم أذكر هذا علنياً إلى الآن، لكن اﻷمور اتّخذت منحى ألزمني على ذلك. بالطبع هذه الحادثة لعبت دوراً مصيرياً في تكوين موقفي من الحركة المسكونية. كأستاذ وعالِم، أنا طبيعياً ملزَم بتفحّص كل المسائل على أساس المعايير العلمية وتقديم الدليل العلمي، وهذا ما أقوم به في تعليمي، خطوة خطوة. مع هذا، أنا أعتبر هذه الشهادة ذات أهمية ﻷنها صادرة بطريقة مواهبية عن رجل لم يكن يعرف شيئاً عن الموضوع، لم يقرأ ولا سمع عنه، ومع هذا شهد بخبرته الروحية. أظن أن اﻷشياء تحكي بنفسها هنا.

ضد الحقد

ضد الحقد*

لأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله

لذلك نطلب أن تصحوا يا أيّها الآباء الجزيلي الإحترام ويا إخوتنا المحبوبين بالمسيح، تعالوا وأدركوا الأذي المسبّب لكم من العدو الشرّير. تخلّصوا من الضغينة. استأصلوا من أفئدتكم الحقد على الإخوة واغرسوا المحبّة فيها التي هي رباط الكمال كما يقول بولس المغبوط (كولوسي 14:3) .ما معنى رباط الكمال؟ يقول الذهبي الفم مفسّرًا إياهاما يريد الرسول قوله هو أن سائر هذه الأمور، أي الفضائل، هي موثوقة بجملتها بالمحبّة. مهما قد تذكر من مآثر حسنة بغياب المحبة هو لا شيء بل يذوب كليًّا. فإنه إذاما أنجز امرءٌ إنجازات عظيمة، مهما كانت، فهي بأجمعها باطلة إذاما لم تكن لها المحبّة.” أيها الآباء اهجروا (تخلوا) الإفتراءات على إخوتكم واستبدلوها بالمديح (بالتمجيد) وليتذكر كل واحد ما يقوله الرسول: “أخيرًا أيها الإخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسرّ، كل ما هو صيته حسن، ان كانت فضيلة وان كان مدح ففي هذا افتكروا.” (فيليبي 8:4)

نختم اعترافنا ودفاعنا بهذه العبارة المختصرة بل هي جريئة وحقّة. أيها الإخوة والآباء اذا لم تستأصلوا الضغينة من أفئدتكم ولم تغرسوا مُنمّين المحبة وإذا ما كنتم لا تكفّوا عن الإفتراءات ضد إخوتكم، فاعلموا – واغفروا جرأتنا هذه – أن مكوثكم في الجبال والتلال هو دون جدوى. فكل جهاداتكم النسكية وأتعابكم وكدحكم هي بدون جدوى. هل نتفوّه بما هو أعظم؟ وحتى لو كابدتم استشهاد جسدي من أجل المسيح لكن البغضاء في صميمكم ولا تحبّون إخوتكم، فباطل هو استشهادكم. وهذا ليس بكلامنا بل ليوحنا الذهبي الذهن والفم الذي يقول: “ليس من شيء أعظم أو مضاهٍ للمحبة ولا حتى الإستشهاد الذي هو أوّل سائر المآثر الصالحة. كيف يكون هذا؟ أنصت. محبة دون استشهاد تؤدّي بالإنسان أن يغدو تلميذًا للمسيح، لكن باستشهاد دون محبة فلا يسعه إحراز (بلوغ) هذا.

إذًا أيها الإخوة والآباء، متخلّين عن الضغينة والحسد كما والإفتراءات الشريرة ضد الإخوة، دعونا نتّخذ المحبة التي هي إيماءة وعلامة مميّزة لتلاميذ المسيح ولنحتضن السلام الواحد تجاه الآخر مع الإتحاد والإنسجام، بالطريقة هذه دعونا نقدّم صلواتنا بسلام إلى الله أمير السلام، الذي وهبنا السلام بواسطة دم صليبه، والذي يمنح السلام للقاصين والدانين حسب الرسول ممجدين بصوت متفق وقلب واحد اسم الآب والإبن والروح القدس الكلي القداسة، الإله الواحد المثلث الأقانيم الذي ينبغي له كل المجد إلى مدى الدهور. آمين.

* من كتاب اعتراف الإيمانلأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله، نقلها إلى العربية رهبان دير حماطورة، قيد الطبع.