Category Archives: مختارات آبائية

دواء الشغف بالأوليّة

دواء الشغف بالأوليّة

الميتروبوليت يوئيل، مطران أديسا

مَن أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن للكلّ خادماً“.

آخر مرة ذهب المسيح إلى أورشليم كانت مثيرة، ليس فقط بالنسبة له، بل أيضاً لأولئك الذين كانوا يتبعونه. “وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ.” (مرقس 32:10). ومع تزايد توافد الحشود إليه، كان يزيد من المزيد الحديث إلى تلاميذه عن هذا وعن موته. تحدّث عن كأس الموت ومعمودية الدم. وأوضح لهم بأن طريقهم سوف تشبه في نواحٍ كثيرة ما سوف تنتهي به حياته. كان التلاميذ خائفين. حتى ذلك الحين لم يكونوا بعد قد وُضِعوا تحت أي اختبار. في هذه اللحظات الدرامية، جاء اثنان من تلاميذه وطلبا أن يُعطى لهما مكان الصدارة، الأمر الذي اضطر المسيح لأن يقول لهم أن كلّ من يريد أن يكون أولا يجب أن يكون خادماً وعبداً لجميع الآخرين.

كونه ملك القوات السماوية، رضي المسيح أن يولد طفلاً في مذود في مغارة، وأن يتربّىعلى نحو بسيط في بيت نجار ووالدته ، كما يقول القديس باسيليوس الكبير. كما أنّه وافق أيضاً على أن يعتمد على يد واحد من مخلوقاته، ويُصلَب، ويخضع لأفظع الميتات. لا شيء من ذلك حرّك التلاميذ. وكان هذا لأن الطموح والرغبة في الأوليّة كانا المشاعر الطاغية التي تزعج الكثير من الناس، حتى في سنوات المتأخّرة. السيد المسيح كلّمهم عن آﻻمه فيما كانوا يحلمون بالشرف والمجد. لقد كانوا تلاميذ المسيح، لكنهم لم يكونوا قد نموا، وربّما كانوا تحت تأثير عاطفة ما أو غيرها. نحن نرتفع إلى أعلى المناصب، ولكن عواطفنا تبقى حيّة في داخلنا. ويقول آباء الكنيسة أن الرغبة الوحيدة للخطأة، إذا تابوا، هو التخلص من كل عواطفهم، وبعبارة أخرى، أهوائهم الشخصية، وسلوك حياة مواهب الروح القدس. يثبت الناموس الروحي أن الذين يرغبون بأن يسودوا على غيرهم من الناس وجعلهم تابعين، فسوف يصيرون الأكثر خزياً، والأكثر حقارة وكرهاً من الجميع. على سبيل المثال، أراد الشيطان أن يصبح أولاً وانتهى به الأمر أخيراً. الناس الذين يستحقون المجد ليسوا أولئك الذين يسعون إليه، بل أولئك الذين يزدرون به. المجد هو مثل ظلّ الشخص: بقدر ما تطارده، يذهب بعيداً.

لقد وضع المسيح مرهم التواضع على جرح الطموح والرغبة في التسلّط.

إذا كان رسول الرأي العظيم، أي المسيح، قد تواضع هكذا، فعلينا نحن أيضاً، أن نكون مستعدين لاتّباع نفس المسار. “وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ(فيليبي 8:2) كما يذكر الرسول بولس بشكل قاطع. بقدر ما يرتفع الناس يجب عليهم أن يواضعوا أنفسهم لا أن يفتخروا. السلطة تُعطى للناس لا ليستبدّوا بل لخدمة الآخرين. يقول القديس يوحنا السلمي: “ليس فقط لتخفيف جراح الآخرين ولكن أيضاً لرعايتها. فقط من خلال التواضع يكتسب القادة الوضع الطبيعي للسلوك تجاه الآخرين. لقد وقّعنا اتفاقاً مع الله ينطوي على التوبة، وليس على السلطة “.

سلوك الرؤساء اليوم

اليوم، قادة الدول وكلّ مَن عندهم شيء من السلطة هم في خطر الوقوع في خطيئة طلب الصدارة والهيمنة على الآخرين. نحن جميعاً نريد أن نسود على غيرنا من الناس. القادة العسكريون والرجال والنساء ورجال الدين والعلمانيين والقادة السياسيون وكلّ من بيده شكل من أشكال السلطة هو في خطر من أن يصبح طاغية تجاه الآخرين. القادة الحقيقيون لا يفتحون الجروح بل يداوون الإصابة. يجب ان تمارَس السلطة بتواضع حتى تكون فعّالة. إن مثالَنا هو المسيح، الذي تواضع إلى حد كبير، لكي يتسنى لنا أن نرتفع إلى السماء. إنه هو الطريق اﻷكيد للسلطة. والتواضع هو دواء الاندفاع نحو الأوليّة.

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

عن الشيخ أفرام الكاتوناكي والمسكونية

د. ديمتريوس تسالانغيدس

في ما يلي سوف أقول شيئاً من الشهادة الشخصية. أنا ارتبط منذ عقود بالأب افرام الكاتوناكي، المعروف بروحيته وضميره. من اﻷمور التي اشتهر بها أيضاً بأنه صاحب تلفزيون روحي“. بالنسبة لي، لطالما ذهبت إليه في مناسبات عديدة بهدف طرح أسئلة معينة محددة جداً، في تسلسل معين، وباستخدام مفرداتي الخاصة. عند زيارته، ومن دون أن أطرح أيّاً من أسئلتي المقصودة، كان يعطيني ردوده، بالتسلسل الذي كنت أريده مستعملاً مفرداتي التي أفهمها. أنا أورِد ذلك بمثابة تجربة شخصية، لا كظاهرة غير مسبوقة، إذ إن العديد من الآخرين أيضاً يشهدون لذلك.

في إحدى المرات قبل ثلاثين عاماً تقريباً، كنت في ذلك الوقت أستاذاً شاباً في كلية اللاهوت في تسالونيكي، ذكرتُ له ما يلي: إن جو الحركة المسكونية يزدهر في كليات اللاهوت، خصوصاً في تسالونيكي، ما سبب لي مشاكل مزعجة وأسئلة، إذ أرى ذلك عند أساتذة محترمين. وبطبيعة الحال، فإن ردة فعل كلٍ من ضميري وعلمي هي ضد هذا اﻷمر. لكني، أرغب بردّ روحاني أبعد من الدرجة العلمية التي لديّ. وهذا الرد الروحاني لطالما طلبته في كثير من القضايا الأخرى. لهذا، سألته أن يخبرني عن طبيعة الحركة المسكونية، كما يراها، فأجاب مباشرة ومن دجون أي صعوبة:

هذا السؤال يا بنيّ، طرحه شخص آخر من قبل بعض الوقت. أنا من جهتي كنت هنا على هذه الصخور لمدة أربعين عاما لقد نسيت حتى لغتي اليونانية (لاحظ أنه قد أكمل المرحلة المتوسطة) وعلى هذا النحو، وأنا لم أنشغل بهذه المسألة ولكن، لأنه كان علي الرد – إذ قد سئلت عن ذلك، ولم يكن لدي أي علم بالأمر ذهبت إلى قلايتي وصليت طالباً من المسيح أن يُعلِمني ما هي المسكونية. تلقيّن ردّه، وهو أن الحركة المسكونية فيها روح شر وتهيمن عليها الأرواح النجسة.

فسألته ما الذي يثبِت ذلك. والجواب كان أن القلاية امتلأت بعد الصلاة برائحة لا تُحتَمَل أشعرته بأنه يختنق ويعجز عن التنفّس روحياً. سألته عمّا إذا كان هذا الحدث غير عادي بالنسبة له أو إذا كانت هذه هي الطريقة التي بها يجيب المسيح عن الحالات المماثلة، فأكّد لي بأن كل المسائل المتعلّقة بالشعوذة والأرواح الخبيثة، ينوّرني المسيح بهذه الحالة. في بعض اﻷحيان يكون الجواب منطوقاً، لكن في هذه المسألة، هذا كان جوابه وأنا واثق بشكل مطلَق بأن الحركة المسكونية ليس فيها الروح القدس بل روح خبيث“.

يمكن للمرء أن يقول بأنّ ما أقوله في هذه اللحظة هو لغاية ما وله طابع الانطباع المتعمّد. ولكن أريد أن أذكر بأنني شعرتُ بسعادة غامرة، لأن ما قاله لي الشيخ شخصياً، قد يعتبره البعض تسجيلاً من حاشيةتُقوية لشخص سبق أن نشر كتاباً تذكارياً عن شخص الشيخ وروحانيته وكلماته. لذلك، ما قد تمّ التصديق عليه هناك تمّ التحقق منه من قِبَل لاهوتيين ثُقات صادف أن سمعوا هذا الكلام شخصياً.

لم أذكر هذا علنياً إلى الآن، لكن اﻷمور اتّخذت منحى ألزمني على ذلك. بالطبع هذه الحادثة لعبت دوراً مصيرياً في تكوين موقفي من الحركة المسكونية. كأستاذ وعالِم، أنا طبيعياً ملزَم بتفحّص كل المسائل على أساس المعايير العلمية وتقديم الدليل العلمي، وهذا ما أقوم به في تعليمي، خطوة خطوة. مع هذا، أنا أعتبر هذه الشهادة ذات أهمية ﻷنها صادرة بطريقة مواهبية عن رجل لم يكن يعرف شيئاً عن الموضوع، لم يقرأ ولا سمع عنه، ومع هذا شهد بخبرته الروحية. أظن أن اﻷشياء تحكي بنفسها هنا.

ضد الحقد

ضد الحقد*

لأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله

لذلك نطلب أن تصحوا يا أيّها الآباء الجزيلي الإحترام ويا إخوتنا المحبوبين بالمسيح، تعالوا وأدركوا الأذي المسبّب لكم من العدو الشرّير. تخلّصوا من الضغينة. استأصلوا من أفئدتكم الحقد على الإخوة واغرسوا المحبّة فيها التي هي رباط الكمال كما يقول بولس المغبوط (كولوسي 14:3) .ما معنى رباط الكمال؟ يقول الذهبي الفم مفسّرًا إياهاما يريد الرسول قوله هو أن سائر هذه الأمور، أي الفضائل، هي موثوقة بجملتها بالمحبّة. مهما قد تذكر من مآثر حسنة بغياب المحبة هو لا شيء بل يذوب كليًّا. فإنه إذاما أنجز امرءٌ إنجازات عظيمة، مهما كانت، فهي بأجمعها باطلة إذاما لم تكن لها المحبّة.” أيها الآباء اهجروا (تخلوا) الإفتراءات على إخوتكم واستبدلوها بالمديح (بالتمجيد) وليتذكر كل واحد ما يقوله الرسول: “أخيرًا أيها الإخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسرّ، كل ما هو صيته حسن، ان كانت فضيلة وان كان مدح ففي هذا افتكروا.” (فيليبي 8:4)

نختم اعترافنا ودفاعنا بهذه العبارة المختصرة بل هي جريئة وحقّة. أيها الإخوة والآباء اذا لم تستأصلوا الضغينة من أفئدتكم ولم تغرسوا مُنمّين المحبة وإذا ما كنتم لا تكفّوا عن الإفتراءات ضد إخوتكم، فاعلموا – واغفروا جرأتنا هذه – أن مكوثكم في الجبال والتلال هو دون جدوى. فكل جهاداتكم النسكية وأتعابكم وكدحكم هي بدون جدوى. هل نتفوّه بما هو أعظم؟ وحتى لو كابدتم استشهاد جسدي من أجل المسيح لكن البغضاء في صميمكم ولا تحبّون إخوتكم، فباطل هو استشهادكم. وهذا ليس بكلامنا بل ليوحنا الذهبي الذهن والفم الذي يقول: “ليس من شيء أعظم أو مضاهٍ للمحبة ولا حتى الإستشهاد الذي هو أوّل سائر المآثر الصالحة. كيف يكون هذا؟ أنصت. محبة دون استشهاد تؤدّي بالإنسان أن يغدو تلميذًا للمسيح، لكن باستشهاد دون محبة فلا يسعه إحراز (بلوغ) هذا.

إذًا أيها الإخوة والآباء، متخلّين عن الضغينة والحسد كما والإفتراءات الشريرة ضد الإخوة، دعونا نتّخذ المحبة التي هي إيماءة وعلامة مميّزة لتلاميذ المسيح ولنحتضن السلام الواحد تجاه الآخر مع الإتحاد والإنسجام، بالطريقة هذه دعونا نقدّم صلواتنا بسلام إلى الله أمير السلام، الذي وهبنا السلام بواسطة دم صليبه، والذي يمنح السلام للقاصين والدانين حسب الرسول ممجدين بصوت متفق وقلب واحد اسم الآب والإبن والروح القدس الكلي القداسة، الإله الواحد المثلث الأقانيم الذي ينبغي له كل المجد إلى مدى الدهور. آمين.

* من كتاب اعتراف الإيمانلأبينا في القديسين نيقوديموس الآثوسي المتوشح بالله، نقلها إلى العربية رهبان دير حماطورة، قيد الطبع.

الصليب

الصليب

القديس أثناسيوس الكبير

حول حمل الصليب

كثيرون يظنون أن الصلب مع المسيح أو إماتة الذات تعني مجرد الامتناع عن الشر وبتر الشهوات من القلب. هذا هو الجانب السلبي الذي يعرفه الكثيرون ويظنون للأسف أن هذا هو كل الإيمان مما يدفع بهم إلي السقوط في اليأس والقنوط والشعور بالكبت والحرمان وتحطيم قواهم، وفي النهاية كثيرًا ما يرددون علانية أو خفية أنهم يتمنون لو أمكنهم أن يتخلصوا من هذا التدين ويتحرروا من العبادة. هذا طبيعي ﻷنهم لم يتعرّفوا على الجانب الإيجابي المفرح بل اكتفوا بالسلبيات..

أمّا الوجه الإيجابي فهو توجيه إمكانيات اﻹنسان واشتياقه ورغباته لتعمل حسب الروح، بذهن مستنير بمعرفة الله المحب، أو هو انطلاقة قوى الإنسان لتحيا في السماويات وهو بعد على الأرض. إنه عشق الرب المصلوب والخضوع له بعمل نعمته لنحيا به متقدمين من مجد إلى مجد، سالكين حسب الإنسان الجديد المعطى لنا في المعمودية بكوننا خلقه جديدة في المسيح يسوع.

فالصلب مع يسوع ليس تحطيمًا للقوى بل انبعاثًا لها في شهوة الحياة مع الرب والتمتع بالأبدية، وبالتالي تكون لنا أفكار جديدة ونظرات جديدة.

حول قوة رسم علامة الصليب

أعطانا السيد المسيح الصليب سلاحًا نافذًا ينقذ في النار والهواء والماء والأرض ولا يحجبه شيء.. قوته لا تقاوَم، تهرب الشياطين من صورته متى رسم به عليها! والصليب لواء المسيح والملائكة يحبون لواء ملكهم ويجرون إلى حيث يرون رسمه ليعينوا من يرسمه..

علامة الصليب تبطل السحر وتفسد كل عرافة وتضبط كل لذة فاسدة.. وبه ترتفع أنظار الإنسان من الأرض إلى السماء!

يبطل خداع الشياطين بافتقاد نعمة الكلمة الإلهية إذ عندما يستخدم الإنسان علامة الصليب يفسد أضاليلهم.

مختارات آبائية حول الكتاب المقدّس

مختارات آبائية حول الكتاب المقدّس

القدّيس باسيليوس الكبير

القول بأنّ ثمّة عبارةً باطلةً في الكتاب هو تجديف ُ رهيب.

القديس أثناسيوس الكبير

الأسفار المُلهَمة كانت كافيةً لبسْط الحقيقة.

من أراد أن يفهم فكرَ كُتّاب الوحي [الإلهيّ] عليه أولاً أن يَرحض نفسَه ويطهّرها بقداسة السيرة، وأن يقتدي من ثم بالقدّيسين أنفسهم؛ وذلك في سلوك مماثلٍ لسلوكهم.

القديس مرقس الناسك

إن من لا يعتبرون أنفسَهم مَدينين بالنسبة إلى كلّ وصيّةٍ من وصايا المسيح إنمّا يقرؤون شريعة الله بطريقةٍ جسديّةٍ دونما فهمٍ، لا لما يقولون ولا لما يؤكّدون بشدّة (أنظر1تيم1: 7).

القدّيس رومانوس

لنفتّشْ في الكتاب المقدّس عمّا يهب من النعمة وعمّا يتضمّن من المعنى، إذ إنّه الدليل الذي يُفضي بالجميع إلى الرجاء الذي لا يَبلى: هذه هي فائدة كلّ الكتاب الموحى به من الله. فلْنخرنّ إذاً عند قدمًي المسيح مخلّصنا ولنصرخْ إليه بورعٍ قائلين: “يا ملك الملوك ومحبّ البشر، امنح المعرفة للجميع، وأرشدنا في سبيل وصاياك لنعرف طريق الملكوت، إذْ هي التي نصبو إلى سلوكها ليكون لنا أيضا الإكليلُ غيرٌ الفاسد.

القديس يوحنا كاسيانوس

يجب أن تكون لدينا الحميّةُ في حِفظ مجموعة الأسفار المقدّسة، وأن نستعيدها في ذاكرتنا بلا انقطاع. إذْ فيما يكون الانتباه منشغِلاً بالقراءة والدرس، لا يعود للأفكار السيّئة سبيلٌ من بعدُ إلى أسْر النفْس في شباكها. ولكن، إن كنتم تبتغون التوصّل إلى معرفةٍ حقيقيّةٍ للكتب [المقدّسة]، فعجّلوا أوّلاً إلى اكتساب تواضع قلبٍ راسخ. فهو الذي يقودكم، لا إلى العِلم الذي يَنفخ (أنظر1كو8: 1)، بل إلى العِلم الذي يُنير بإتمام المحّبة؛ إذْ يستحيل على النفس غير المطهَّرة أن تفوز بهبة العِلم الروحيواحترزوا بأبلغ الاهتمام شأناً من أن تصير حمّيتُكم للمطالعة سببَ هلاك بادّعائات باطلة.

القديس إيلاريون

إن حياة الإنسان وفكرَه يظلاّن في الضلال، أو بالحريّ في ليل عدم الإحساس، ما داما ملطَّخيَن بمُعاشرتهما للجسد، ويبقيان من ثمّ في لّجة الجهل بسبب ثِقَل الطبيعة التي يمتزجان بهاولكن، كلّما استنار المرء بكلام الله، كلّما صار غيرَ قادرٍ على تحمّل ظلمات الجسد هذه وليل هذا العالم. وعليه، فلا نَدَعَنّ هذا التعليم وهذا الكلام الإلهيّ اللذين تلقيّناهما فينا بلا استعمالٍ وبلا جدوى كما لو تحت المكيال” (انظر متى5: 15)، بل لننشرْ هذا النور في نفوسنا أوّلاً، ثم في جميع الأمم من خلالناوفي كل خطوةٍ تقوم بها نفسُنا، لنستعملْ كلام الله كسراج، ولكن كسراجٍ موقَدٍدوماً، ومًعَدِّ دوماً بفطنتنا للقيام بمهمّته.

القديس سارافيم ساروفسكي

تتغذى النفس بكلمة الله وعلى الأخص بمطالعة العهد الجديد والمزامير. يجب أن نقرأ الإنجيل ورسائل الرسل واقفين أمام الأيقونات المقدّسة، بينما يمكننتا أن نقرأ المزامير جالسين. إن الذهن يبتهج ويستنير من دراسة الكتاب المقدس.

يجب أن نمرِّن الذهن على الهذيذ بناموس الرب حتى نرتب حياتنا بإرشاده. مفيدُ جداً أن ندرس كلمة الله بانتباه وفي الهدوء. بانشغالِ كهذا مرتبطٍ بالأعمال الصالحة لن يحرمنا الله رحمته. عندما تلهج النفس بناموس الرب تمتلئ من موهبة تمييز الخير من الشر.

عندما تتمُّ دراسة كلمة الله في الهدوء يغرق الذهن في حقائق الكتاب المقدّس، ويتقبَّلُ القلب دفئاً إلهياً. الشيء الذي إذا تمّ في الوحدة يجلب الدموع. هذه الأشياء تدفئ الإنسان كله وتملؤه بمواهب روحيّة تبهج الذهن والقلب بما لا يعَبَّرُ عنه. وبشكل خاص أن يشدَّدَ على الدراسة لكي يمتلك سلام النفس بحسب قول المزامير سلام عظيم للذين يحبون ناموسك” (مزامير 118: 165).

القديس اسحق السوري

قبل أن يتقبل المؤمن المعزي يحتاج للنصوص المقدّسة حتى يتجدد داخله لكثرة الدرس وينجذب للعمل الصالح وتحفظ نفسه من طرق الخطيئة. إنه يحتاج للنصوص المقدسة لأنه لم يحصل بعد على قوة الروح القدس وعندما تنزل قوة الروح القدس في النفسَ تتربى النفس سرياً من الروح، ولا تحتاج لمساعدة من أي شيء محسوس“.

الأب أشعياء (من بستان الرهبان)

إن حبَّ الاستطلاع في الكتاب المقدّس يولّد العداوة والمخاصمات، أما البكاء على الخطايا فيجلب السلام.

خطيئة على الراهب أن يجلس في قلاّيته ويهمل خطاياه باحثاً في الكتاب المقدس بروح فضولّي.

إن من يترك قلبه يبحث في أمور الكتاب المقدّس ويرجّح بين كذا وكذا قبل أن يقتني المسيح في ذاته، لا شك أن قلبه فضولي ومسلوب إلى أقصى الحدود.

إن من يسهر على ذاته بغية النجاة من السلب يفضلّ رمي نفسه أمام الله بصورة دائمة.

لا تبحث في الأمور الإلهية السامية طالما أنك تصلي وتطلب من الله العون لكي يفتقدك ويخلّصك من خطيئتك. إن الأمور المنوطة بالله إنما تتحقق وحدها متى أصبح المكان (أي القلب) نظيفاً وطاهراً.

من اتكّل على معرفته الخاصة وتشبّث بإرادته يقتني لنفسه العداوة ولا يعود في إمكانه أن يتملَّص من الروح الذي يوّلد الحزن لقلبه.

إن من ينظر إلى أقوال الكتاب المقدس ويطبقها حسب معرفته، معتبراً نفسه بهذه الطريقة، قد أدرك عمقها، لا شك أنه يجهل مجد الله وغناه.أمّا مَن ينظر إليها ويقول: أنا إنسان لا أعرف، فانه يقدّم مجداً لله، وغنى الله يفيض عليه حسب فكره وقدرته.

مختارات آبائية حول الصوم

مختارات آبائية حول الصوم

القديس باسيليوس الكبير

إن الصوم الحقيقى هو سجن الرذائل أي ضبط اللسان وإمساك الغضب وقهر الشهوات.

القديس ثيوفان الحبيس

فى الصوم ادخل إلى قلبك وافحصه بدقة لتعرف بأي أفكار وأوجاع هو يرتبط.

القديس إسحق السرياني

صوم اللسان خير من صوم الفم وصوم القلب أخيَر من الاثنين.

القديس يوحنا الدمشقي

اذا تناولت الكأس لتشرب فاذكر الخل والمرارة التي شربها يسوع من أجلك وبذلك تضبط نفسك.

القديس موسى الأسود

اعلم يقيناً ان كل انسان يأكل ويشرب بلا ضابط ويحب أباطيل هذا العالم فانه لا يستطيع أن ينال شيئاً من الصلاح بل ولن يدركه، لكنه يخدع نفسه.

إذا قاتلتك الشياطين بالأكل والشرب واللبس فارفض كل ذلك منهم وبين لهم حقارة ذاتك فينصرفوا عنك.

القديس أفرام السرياني

خبز و ملح مع سكوت وراحة، أفضل من أطعمة شريفة مع هموم وأحزان.

ثمين هو الصوم الطاهر أمام الله، وهو محفوظ ككنز في السماء، الصوم سلاح أمام الشرير، وترس نقاتل به سهام العدو.

القديس مكسيموس المعترف

من غلب الحنجرة فقد غلب كل الأوجاع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا لا نثق ان الصوم الخارجى عن أطعمة منظورة يكفي وحده لنقاوة القلب وطهارة الجسد ما لم يصاحبه صوم النفس.

كرامة الصوم ليست فى الامتناع عن الطعام بل فى الانسحاب من الأعمال الشريرة.

القديس يوحنا السلّمي

طريق الصوم يؤدى لطريق النقاوة. الصوم هو بتر الشهوة والأفكار الشريرة وهو نقاوة الصلاة واستنارة النفس وضبط العقل والتخلص من قساوة القلب وهو الباب للندم.

من بستان الرهبان

لا بد أن يرتبط الصوم بالتوبة، لأن المهم هو القلب النقي وليس الجسد الجائع.

أن إمساك البطن هو أن تقلل من شبعك قليلاً، وان كان عليك قتال فاترك قليلاً أكثر.

لا تصم بالخبز والملح، وأنت تأكل لحوم الناس بالدينونة والمذمة. لا تقل أنك صائم صوماً نظيفاً وأنت متّسخ بكل الذنوب.

من يضبط فمه فان أفكاره تموت كجرّة فيها حيات وعقارب، إن سُدّ فم الجرّة تموت.

الصوم بدون صلاة واتّضاع يُشبه نسراً مكسور الجناحين.

أقوال للحياة

أقوال للحياة

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

الرجاء في الله

الرجاء في الله يعتِق أولئك الذين وقعوا في الخطيئة، ويعيد الجرحى إلى الصحة ويقطّع أغلال السجناء. يشرق الرجاء مثل الفجر الوردي في السماء المعنوي وينير أولئك المظلِمين بوسخ الروح الحزينة. إنه يصبّ بلسم الراحة على جراح القلب الذي في حداد.

الدواء الشائع

الصلاة هي غوث حياتنا: التحدّث إلى الله، نسيان الأمور الدنيوية، والصعود إلى السماء. انها الدواء الشائع للأهواء، الدواء القادر على حمايتنا منها. أنها تعطي الحياة، وهي ضمان للصحة وبرعم يحمل الأمل. الصلاة سلاح عظيم، وأمان غامر، وكنز كبير، وميناء ضخم، وملاذ آمِن.

تدريب جيد

الصبر فضيلة عند الروح السخية والكريمة. إنه مؤسس على محبة أخيك. انه الشهامة، وارتفاع الذهن وهو صديق الوداعة. الصبر هو شهادة على روح مدرّبة تدريباً جيداً وتعبّر عن نفسه بالتعاطف، والأعمال الإنسانية والتواضع والعدل.

الرحماء

الرحماء دائماً يتعاملون حتى مع سوء سلوك الغير بالصبر والوداعة وإظهار التفهم تجاه نوتقص الآخرين وأخطائهم. إنهم يرحّبون بالجميع، ويتحدثون بلطف، يتصالحون مع الذين يؤذونهم ويغفرون للخطأة أعمالهم برحمة.

الطريق الخطأ

إذا كنت شمّاتاً فأنت تسعَد لرؤية الناس الآخرين يعانون. أولئك الذين يفعلون ذلك يسعَدون لرؤية عدوهم يموت، وينسون أن الموت سوف يأتي إلينا جميعاً. انهم خبثاء، متجهمون، ونظرتهم ماكرة. شفاههم ضيقة وفمهم مليء بالمرارة. إنهم يزدادون سعادة من المعارك أكثر منه من السلام. طريقتهم في الحياة مشوّهة وهم في الطريق الخطأ.

مضيفو الخيرات

الصَدَقة هي فِعلٌ حسنُ النية. انها صوت داخلي يأتي من قلب نقي يحب جاره. في الجوهر، من الحق أن نعطي ما نحن مدينون به لمن هم في الحاجة. لأن الأغنياء بما حصّلوا من الله هم، في نفس الوقت، مضيفو الخيرات التي أُعطيت إليهم بوفرة ومدبّروها.

الاعتراف

الاعتراف هو الكشف الطوعي والصادق عن الخطايا التي ارتُكبت – من دون خجل أو تردد، ولكن مع لوم الذات والندم – أمام مَن عيّنته الكنيسة ليغفر الخطايا. لكي يكون الاعتراف حقيقياً وفعالاً، يجب أن يكون طوعياً وصادقاً، لأن الاعتراف المتسرع والمرائي لا معنى له، لأنه ليس إملاءً حقيقياً من القلب، ولا هو تعبيراً عن الندم أو مظهراً من مظاهر الرغبة بالشفاء. لا بدّ للاعتراف أن يتم من دون خجل ولا تردد، بل بشجاعة وإدانة للذات، لأن الشجاعة هي تعبير عن رفضنا للخطيئة، بينما العار يدلّ على غياب الشجاعة.

عيد الميلاد والمرأة الوحيدة

عيد الميلاد والمرأة الوحيدة

القديس نيكوﻻ فيليميروفيتش

أنتِ تشكين من الوحدة في وسط مدينة كبيرة، فيما الناس من حولك يبدون مثل عش النمل، وأنتِ لا تزالين تشعرين وكأنك في الصحراء. الوضع في الأعياد الكبرى لا يطاق. الفرح يفيض في كل مكان في حين أنتِ مدفوعة نحو الحزن. أيام أعياد الميلاد والفصح تبدو كالحاويات الفارغة التي تملئينها بالدموع. أنتِ أكثر هدوءاً عندما تكون هذه الأعياد المقدسة وراءك أو أمامك بكثير. ولكن عند اقترابها ووصولها يقهر الغمّ والكآبة روحك.

ما الذي يمكنني أن أفعله من أجلك؟ سأروي لكِ قصة يوانّا وعيد الميلاد، إذ ربما تكون نافعة لكِ. سأترك لها أن تحكي ذلك، تماماً كما روَتْها لي.

لأربعين عاماً وقليل قد رأيت هذا العالم كامرأة. لم أعرف أي فرح، إلا قليلاً عندما كنت طفلة في منزل والديّ. ولكن أمام العالم لم اُظهِر أني كنت حزينة. تظاهرت أمام الناس بالبهجة، وفي وحدتي كنت أبكي. الجميع اعتبروا أني مخلوق سعيد، لأني أظهرت ذلك. كنت محاطة بالشكاوى من حولي، من المتزوجين وغير المتزوجين، الأغنياء والفقراء، الجميع. ففكّرت: لماذا أشكي تعاستي لهؤلاء البؤساء وأزيد الحزن من حولي؟ يا ربّ، إذا أظهرتُ نفسي سعيدة فسوف أكون أكثر منفعة في هذا العالم التعيس، وسوف أخفي سرّي داخلي وأبكي في وحدتي.

صليتُ إلى الربّ ليظهِر لي نفسَه بطريقة أو بأخرى، على الأقل أحد أصابعه لكي أشعر بالراحة. صلّيتُ هكذا حتّى لا أندثر في حزني الخفيّ. كنت أعطي من دَخلي للجمعيات الخيرية حيثما أُتيحت لي الفرصة . كنت أزور المرضى واليتامى وأحمل إليهم الفرح من فرحي الظاهر. وكنت أردد أنا أؤمن بك يا إلهي الصالح وأتوسّل إليك أن تظهر بطريقة ما حتى أزداد إيماناً بك. أنا أؤمن يا رب فأعِن عدم إيماني” (مرقس 24:9). كنت أكرر هذه الكلمات من اﻹنجيل وبالفعل اختبرت ظهور السيّد لي.

أكثر اﻷيام صعوبة عندي كانت اﻷعياد الكبيرة. بعد القداس، كنت أحبس نفسي في غرفتي وأبكي طوال يوم الميلاد أو يوم الفصح. لكن في آخر عيد ميلاد ظهر لي الربّ. اﻷمر جرى كما يلي: كان اليوم الكبير يقترب، فقررت أن أهيئ كلّ شيء كما كانت أمي تهيء لي، لحماً ومعكرونة وحلويات وكل اﻷمور اﻷخرى. وأثناء التحضير كنتُ أصلي هكذا بدون انقطاع لتكن رحمة الثالوث القدوس على زوايا اﻷرض اﻷربعة. يا ربّ أرسلْ إليّ زواراً خاصة من الجائعين والفقراء! أتوسّل إليك، اظهرْ لي بهذه الطريقة“. وكنت أفكّر بين الحين واﻵخر أينها المجنونة يوانّا، أي زوّار تنتظرين في عيد الميلاد؟ في هذا اليوم المقدّس كلّ واحد يكون في بيته. كيف سوف يأتي أيّ كان ليزوركِ؟وكنت أبكي وأبكي، وأعود وأكرر هذه الصلاة فيما أتابع التحضير.

بعد القداس يوم الميلاد، أضأتُ الشمعة وهيأتُ المائدة. وضعت عليها كلّ الطعام وصرت أجوب الغرفة ذهاباً وإياباً. “يا إلهي، لا تتخلَّ عنّي!” كنت أكرر الصلاة. كان المارّة قليلين فاليوم عيد الميلاد والطريق مهجور. وما أن كان الثلج يطقطق تحت رجلَي أحدهم، حتّى أركض إلى الباب! “ربّما هذا هو زائري؟ لا ليس هو“. هكذا أمضيت وقتي. جاء بعد الظهر ومضى وكنتُ وحيدة. رحتُ أبكي وأصرخ: “اﻵن أرى أيها السيد، أنتم تخليتم عني جميعاً“. هكذا بكيت بصمتٍ وباستمرار.

فجأة قرع أحدهم الباب وسمعت أصواتاً أعطِ أيها اﻷخ، أعطي أيتها اﻷخت“. فركضت مسرعةً وفتحت الباب. أمامي وقف رجل أعمى ودليله، كلاهما منحنٍ، رث الثياب ومتجمّد.

بادرتهم بفرح المسيح وُلد أيها السيدان“. “حقاً وُلِدأجابا وأسنانهما ترتجف. “الرحمة أيتها اﻷخت، ارحمينا. نحن ﻻ نطلب المال. منذ الصباح ولم يعطِنا أحد خبزاً أو مالاً أو كأس راكي (عرق). نحن جائعان جداً“. من فرحي رُفِعتُ إلى السماء الثالثة. تقدمتهما في منزلي وقدّمت لهما مائدة كاملة. خدمتهما بدموع الفرح. سألاني بخجل: “لماذا تبكين أيتها اﻵنسة؟” “من الفرح أيها السيدان، من الحبور والفرح المشرق! ما صلّيت من أجله إلى الله منحني إياه. لقد صلّيت إليه لعدة أيام أن يرسل إليّ زواراً بالتحديد مثلكما، وها أنتما قد أرسلكما إلي. أنتما لم تأتيا إلى هنا بالصدفة بل إلهي الصالح أرسلكما. اليوم هو ظهر لي من خلالكما. هذا أسعد عيد ميلاد في حياتي. اﻵن أعرف أن إلهنا حيّ. المجد له والشكر. فأجاب زائري المحبوبَين آمين“. أبقيتهما إلى المساء ثم ملأت كيسيهما وودعتُهما“.

هكذا كان عيد الميلاد اﻷخير ليوانا. أيها الرب هبّْ أن يكون العيد هذه السنة أكثر بهجة. أنتِ أيضاً أيتها اﻹبنة، صلّي حتّى يظهِر لكِ اﻵب السماوي نفسه بطريقة أو بأخرى، وللرب طرق كثيرة، حتّى تختبري معجزة. لا تهيئي للحزن في هذا اليوم الكبير، بل هيئي للفرح. وهو الذي يرى الكل ويرحم الكلّ سوف يجعلك سعيدة.

معنى الألم في حياتنا

معنى الألم في حياتنا

الشيخ جورج كابسانيس رئيس دير غريغوريو

بصرف النظر عن المعاناة التي يتسبب بها فالألم البدني أو العقلي أو الروحي، الذي دخل حياة الإنسان من خلال المعاناة الإلهية، لديه أيضاً آثار إيجابية على حياة اﻹنسان اﻷرضية ونموه.

من السهل أن يحكي المرء في فلسفة اﻷلم أو ﻻهوته، ولكن من الصعب اتّخاذ الموقف المناسب تجاه الألم عندما يكون هو نفسه في مواجهة ألم عظيم. وأعتقد أن الحديث عن اﻷلم يكون افتراضياً جداً ما لم يكن المتكلّم قد اختبره شخصياً. أنا أفكّر بجميع إخواننا في جميع أنحاء العالم الذين يعانون الألم الجسدي أو النفسي أو الروحي.

من الناس مَن يختبر الألم الجسدي كنتيجة للمرض أوالمشقة أو الجوع. وغيرهم يختبرون الألم النفسي عندما يتعرضون للاضطهاد أو الذم، أو مَن هم مكروهون أو مهمَلون من الذين يحبونهم، أو والأشخاص الذين يعانون من رغبات لم تتحقق أو مرض أو وفاة أحبائهم، من بين أمور أخرى. أمّا الألم الروحي فيختبره جميع أولئك الذين يحبون الله والإنسان ولكنهم يرون أن خطاياهم تحزن الله وتسيء إلى صورة اﻹلهاﻹنسان.

كيف دخل الألم حياتنا؟

بطبيعة الحال، لم يدخل الألم حياتنا لأن الله أراد ذلك ولكن لأنه سمح به عندما فقد اﻹنسان مصدر الحياة، أي خالقه، من خلال عصيانه الأناني. بتخليه عن حالة عدم اﻷلم التي كانت في ملكوت الله، حيث لم تعد الحياة الحقيقية سائدة، وجد اﻹنسان نفسه في حالة أخرى تحت سيطرة حياة الاضمحلال مكبلاً بالموت واﻷهواء والخطيئة.

اﻵثار النافعة للألم

في هذه الحالة الجديدة، بدا للموت والألم معنى إيجابي، كمثل الأثواب الجلدية اﻷخرى التي ألبسها الله ﻵدم وحواء لتعزيتهما في منفاهما عند خروجهما من الفردوس. فقد يتواجد الشرّ على الأرض إلى اﻷبد إن لم يضع الموت حدّاً له.

يحذرّنا الألم الجسدي بأن هناك مرض فنطلب العلاج المناسب. يعرف اﻷطباء منفعة اﻷلم. على المنوال عينه، كل أشكال الألم تساعدنا على أن نعرف هشاشتنا وبالتالي نعرف حدودنا البشرية، وبهذا تنقينا من كل أشكال تأليه الذات. يساعدنا الألم على أن نراجع وجهة حياتنا ويعيدنا إلى مركزه الصحيح الذي هو الثالوث اﻹلهي. يساعدنا الألم على صَقل محبتنا لله حتّى نحبه هو لذاته لا للهبات التي يعطينا إياها، كالصحة والسعادة العائلية.

وهكذا، فإن أيوب المجرّب بمرارة، بمواجهته للمرض وغيره من التجارب التي لا تُحتمَل، أظهر أنه يحب الله لمَن هو عليه وليس لعطاياه. فقد أحب الله عندما كان مرمياً في الوسخ مغطى بالقروح على نفس قدر محبته له عندما كان في البحبوحة.

يساعدنا اﻷلم أيضاً على أن يكون أن نكتسب موقفاً أكثر صحة من البشر اﻵخرين الذين غالباً ما نزدريهم ونظلُمهم ونؤذيهم بتصرفنا اﻷناني، عندما نكون أنفسنا بلا ألم. عندما تتحوّل اللذة التي بها نستغلّ الناس اﻵخرين إلى عذاب نفهم كم أنّ لذتنا محرّمة وهدّامة. في الكثير من الحالات استطاع الناس الذين اختبروا آﻻم كثيرة من أن يكتشفوا ذواتهم التي خلف اﻷقنعة وكانوا ممتنين لله لمنحهم عطية اﻷلم، حتّى ولو كانت اتّخذت شكل المرض المؤلم الذي لا شفاء منه.

في حالات أخرى ساعد اﻷلم أشخاصاً متقدمين روحياً على بلوغ مراحل أسمى من الكمال الروحي، ليساعدوا ويعزّوا الكثير من النفوس المحتاجة. أحد اﻷمثلة هو القديس الشيخ باييسيوس الذي قَبِل بفرح حقيقة أنه مصاب بالمرض الملعون” (السرطان)، مؤمناً أن المرضى في العالم يتعزّون لمعرفتهم أن الرهبان أيضاً يعانون. وهكذا صار المرض الملعون بركةً بالنسبة إليه.

الفهم اللاهوتي للألم

غالباً ما يردد الناس المتألمون السؤال لماذا يا رب؟ لماذا؟“. لا أرى أن هناك جواباً بشرياً لهذا السؤال. هناك جواب واحد: الله شاركنا ألمنا في صليب المسيح. نحن نؤمن بإله مصلوب، أي أنه إله أذِلّ وأُهين وعُذّب. على جامع عمر في أورشليم مكتوب عبارة: “ﻻ يجدفّن أحد بالقول أن لله إبن“. ليس بعيداً من هناك ترتفع تلة الجلجلة حيث تألّم ابن الله من أجلنا. نحن لا نستحي بالقول بأننا نؤمن بأن اﻹله الذي صار إنساناً صُلِب وقام، نؤمن بإله لمحبته غير المتناهية اشترك في مرضنا ألمنا واتّخذ جسدنا المائت المتألّم لكي يجعله غير مائت. يستحيل اﻹيمان بإله يصعب الوصول إليه وغير اجتماعي، إله يستحيل اﻹحساس به وقبوله. قالت لي مرة إحدى طالبات الثانوية: “أحترم سقراط لتقبّله موته باستقالة فلسفية، لكني أحب المسيح لموته ميتة بشرية“. ﻻ ننسينّ صرخة المسيح: “إيلي إيلي لماذا تركتني“.

إن حساسية الله نحو ألم مخلوقاته يشترك بها شعب الله الذين يؤلمهم كل سوء أو ألم قد يلمّ بخلائق الله. يقول القديس اسحق السرياني: “القلب الرحوم هو قلب يحترق من أجل الخليقة كلها، البشر والطيور والحيوانات والشياطين، ومن أجل كل ما هو مخلوق. وبتذكرها أو رؤيتها تسكب عينا اﻹنسان الرحوم دموعاً غزيرة. إن الرحمة القوية والشديدة ومعها شفقته الكبيرة تمسكان بقلبه وتذلاه حتى لا يستطيع تحمل سماع أو رؤية أي جرح أو الحزن الطفيف في الخليقة. لهذا السبب هو يقدّم صلاة دامعة باستمرار حتى من أجل الحيوانات غير العاقلة، ومن أجل أعداء الحقيقة وحتّى من أجل أولئك الذين يؤذونه، حتى يكونوا محفوظين ومستحقين للرحمةإن قلبه يكون مملؤاً بالرحمة كتلك التي تملأ قلب الله “(عظة 81).

بالحقيقة، إن الرحمة التي يشعر بها القديسون نحو خلائق الله ليست تعاطفاً سلبياً كالذي يحس به البوذيون بل هي مشاركة فعّالة في ألم إخوانهم. فاﻷبّا أغاثون مثلاً أراد أن يجد أبرصاً يبادله جسده فيعطيه جسده الصحيح.

في المطلَق، الألم سوف يبقى دائماً سرّاً مرتبطاً بشدة بحرية اﻹنسان غير المقيّدة. الآن هذا السر مكشوف جزئياً وحسب ومن جهة اﻵخرين. عندما تنفتح أعيننا بشكل نهائي، سوف نرى بوضوح أكبر. فنقف إلى جانب إخوتنا المتألّمين باحترام وانتباه ومحبة أخوية وتفهّم ولنسأل ربّنا المصلوب ليعطينا النعمة والاستنارة والقوة لمواجهة كل أنواع الألم التي تسمح محبته بأن نعاني منها في حياتنا اﻷرضية على طريقنا إلى الملكوت.

قلة اﻹيمان وتدبير الله

قلة اﻹيمان وتدبير الله

القديس يوحنا (مكسيموفيتش) أسقف توبولوسك

إن أياً من محاولاتنا الشخصية وجهودنا لا يمكنه أن ينقذنا من دون معونة الله، ولا يمكن للمعونة اﻹلهية أن تكون مفيدة لنا من دون رغبتنا بها. ما من موضوع استحضره الرب لتلاميذه بكثافة كما موضوع عدم الإيمان. لقد حذر الجميع من عدم الإيمان ليس فقط بكلماته، ولكن أيضاً في العديد من الأحداث التي أثبتت بشكل مثير للدهشة قوة الإيمان وعجز قلة الثقة أو الشك في حماية الله والخلاص.

تأتي قلّة الإيمان في أشكال مختلفة: بعض الناس لديهم ثقة ضعيفة في الله لأنه لا يعذب أعداءه. آخرون يشكّون في أنهم يستطيعون توسل الله ليمنحهم رغباتهم، وخصوصاً عندما تؤنبهم ضمائرهم بفكرة أن الله لن يغفر لهم خطاياهم. لا يزال يخشى آخرون أن الله سوف يحرمهم من كل السلع الدنيوية ومن المعيشة. هذا الظهور الثلاثي اﻷوجه لعدم الإيمان يغرّب الكثير من الناس عن الله ويغرقهم في أشكال مختلفة من الهلاك. مصدر قلّة إيماننا هو الغرور المفرط، أي عندما نرى أنفسنا أهمّ من الله، ونعتمد أكثر على قوانا الخاصة من اتكالنا على معونة الله.

... بقدر ما يزداد إيماننا ورجاؤنا بالله، يزداد رحمته وإحسانه علينا. ولكن ويل لنا، لأن الذين يؤمنون بالله من كل قلوبهم بيننا قليلون جداً!

إذا حلّلنا عادات الناس وأعرافهم، فسوف نرى أنّ في كل الأماكن وفي كل الأوقات يبرز عدم الإيمان على نطاق واسع، مما يثير مخاوف فارغة وكاذبة. غالباً ما يخشى الناس من نقص في المواد الغذائية. وفي بعض الأحيان يخشون من الافتقار إلى المواد الضرورية أثناء المرض. وفي أحيان أخرى يقعون في اليأس بسبب تزايد الشائعات عن الحرب. كل هذا يحدث لأن فهمهم لصلاح الله وقوته القاهرة خاطئ ومشكوك فيه: وهذا هو أيضاً سبب قلق عقلنا الضعيف والمحزن على الأشياء الزائلة، بدلاً من الحرص على تحقيق الحياة الأبدية المباركة.

يتجلى تدبير الله بأكبر قدر من الحكمة: هو ﻻ يعاقب المعصية على الفور. ومع ذلك، لا يتركها من دون عقاب أبداً. إذا لم يعاقب الله اللؤم، فإن العديد من الناس يعتقدون أن ليس من عناية إلهية. من ناحية أخرى، إذا كان العقاب يتبع المخالفة على الفور، فسوف يعتقد البعض أن ما من مكافأة ولا عقاب بعد الموت. لذلك، الله، بمعاقبته بعض الناس، يكشف عنايته. بعدم معاقبته للآخرين مباشرةً بعد معاصيهم، هو يهددهم بالعقاب مباشرة بعد الموت، في الحياة القادمة، إن لم يتوبوا في هذه الحياة. الله يتمّم كل شيء بحكمة عظيمة وتدبّر.

على نفس المنوال، كل المظاهر المتناقضة التي نصادفها في حياتنا موجّهة بحكمة العناية الإلهية. كلّ المصائب الدنيوية يحوّلها الله إلى فائدة ومكسب بالنسبة لنا. حتّى التجاوزات الخاطئة يسامحنا عليها لكي يعيدنا إلى رشدنا، ويحقّق خلاصنا من خلال التوبة. إن فعل الصلاح وتحمّل البشاعة هو سمة حصرية من سمات العناية الإلهية، لأن الله ما كان ترك الشر لو لم يكن كان هو قوياً وصالحاً لينتج ظروف جيدة من السيئات.

 إن عناية الله مخفية عنّا لا نسبر غورها، ولكنها تضمّ أمراً شاملاً لحكم العالم بعقلانية وعدل. نحن بالعادة نحترم جداً النظام الخارجي للأحداث العالمية والخاصة؛ ومع ذلك، فإن العناية الإلهية الرائعة والحكيمة، التي تنشّط الآلية الكونية، وتحافظ على نشاطها وتوجّهها، هي مخفية عنا، ونحن لا يمكننا أن نراها. إن هذا هو السبب في أن الكثير من الناس، إذ يرون تناقضاً من جهة نظر الإنسان في رفاه الأشخاص السيئين ومِحَن الصالحين، يؤكدون أن عناية الله غير موجودة، و أن كل شيء يحدث من خلال إرادة الإنسان وعقله، أو عن طريق حظ أعمى أو مصيبة.

ومع ذلك، إن الذين يؤمنون بحكمة الله العظيمة وبعنايته، التي توجّه كل شيء للخير، ينظرون إلى كل هذه الأمور ويفهمونها بشكل مختلف تماماً. عندما نرى كيف أن الناس الذين يخافون الله هم في كثير من الأحيان أذلاء ومهانون، في حين يزهو الأوغاد الشائنون، نعتقد أن العناية الإلهية تغطّ في النوم، وهذا لأننا نبحث عن وجه واحد فقط من عناية الله، في حين يكون الوجه الآخر من مخفياً عنّا بسبب ضيق نظرناالعاجز عن التمدّد نفسها ليشمل كامل فكر الله. فقط في مجيء المسيح الثاني سوف نعرف حكم الله العادل على كلّ شخص وكلّ شيء.

يكمن خطؤنا الثابت في حقيقة أننا لا نعالج الساعة الحالية العابرة من حياتنا على محمل الجد، فنعيش إمّا في الماضي أو في المستقبل، وﻻ نلبث نتوقع وصول ساعة فريدة من نوعها، عندما تتكشف حياتنا بكل معناها، ولا نلاحظ أن حياتنا تنزلق بعيداً كالماء بين الأصابع، كمثل مكسب ثمين في كيس مربوط يشكل سيئ.

الله يرسل لنا باستمرار، يوميا وكل ساعة، أناساً وظروفاً وشؤوناً لكي يبدأ تجديدنا منها، بينما نحن نهملها، وبالتالي نستمرّ بمقاومة إرادة الله لنا. في الواقع، كيف يمكن أن يساعدنا الله؟ بإرساله لنا بعض الناس وبعض الملتقيات من ظروف حياتنا اليومية. إن استطعنا أن نقبل كل ساعة من حياتنا على أنها من إرادة الله لنا، وأنها أكثر الساعات حسماً في حياتنا –فكمّ من مصادر الفرح والمحبة والقوة سيتم كشفها داخل نفوسنا!