Monthly Archives: April 2012

الاعتراف والكفارات في الكنيسة الأرثوذكسية

الاعتراف والكفارات في الكنيسة الأرثوذكسية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

(عن كتاب الفكر الكنسي الأرثوذكسي)


نعرف أن القوانين المقدسة تفرض كفارات مختلفة على ارتكاب الخطايا. إنها، في الدرجة الأولى، موضوعة على الأشخاص الذين يعترفون كما في حالات ضرورية أخرى. ولكن يمكن وضع الكفارات بروح حرفية، وهذا يشوهها بشكل جوهري. بكلمات أخرى، إنْ وضعنا الكفارات في ضوء لاهوتي خاطيء كاسترضاء الله، نرتكب خطأ. ليس لما يسمى الكفارات هذا المعنى في التقليد الأرثوذكسي، إذ أنها تُفسّر طبياً وليس قانونياً.

من أجل رؤية النظرة اللاهوتية الأرثوذكسية لهذا الموضوع، يجب أن نذكر أن الكفارات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بلاهوت الكنيسة حول الخطيئة والمناولة الإلهية. بما أن الخطيئة في التقليد الأرثوذكسي ليست إساءة إلى الله إنما هي مرض، فنحن نستطيع تلقائياً أن نرى الكفارات لا كعقوبات للإنسان أو وسائل لاسترضاء الله، إنما كدواء لشفائنا. والإفخارستيا لا تُقام لأسباب عاطفية أو لتحسين أخلاقي، إنما لتأليه الإنسان. المناولة الإلهية من القدسات تعمل بطريقة مناسبة للحالة الروحية. إذا كان الإنسان في حالة التطهر فهذا يساعده على بلوغ الاستنارة، وإذا كان في حالة استنارة النوس يصبح الله نوراً له من خلال المناولة، وإذا كان في حالة التأله فيصبح الله عنده تألهاً ونوراً. إذاً، إن لم يكن الإنسان قد دخل بعد مرحلة التطهر، وإن كان لا يعيش حالة التوبة، فالمناولة الإلهية تصبح ناراً ودينونة. هذا يظهر في كل الصلوات الليتورجية التي فيها نسأل الله أن تكون المناولة من القدسات “لا لمحاكمة ولا لدينونة”. تماماً كما أن منع الطبيب لبعض المأكولات عن جسدنا لا يعني عقوبة إنما يفترض مرض الإنسان ويهدف إلى شفائه، الشيء نفسه ينطبق على الكفارات.

مثل الكثير من القوانين المقدسة، يقسّم باسيليوس الكبير الخطأة والتائبين إلى مراحل عديدة، هي الباكون، المستمعون، المتوسلون، المصالَحون، المشتركون في القدسات. هذا تقسيم من منظار شفاء الإنسان وليس من وجهة نظر التبرير القانوني واسترضاء الله. هكذا، عندما يكون الإنسان في حالة التوبة يكون للمناولة الإلهية تأثير علاجي وإلهي، لا تأثير عقابي، وتُسمَح له المناولة. وعليه، فالتائب والمعرِّف معاً يجب أن يَرَيا الكفارات والحرمان من المناولة ضمن هذا المنظار العلاجي والمحب. وإلا فالقوانين المقدسة تتشوّه تماماً، كما يتشوّه ناموس الله بصورة مماثلة.

هناك مقاطع آبائية كثيرة يظهر فيها المعنى والقيمة العلاجية للمنع من المناولة. وبالإشارة إلى الخطايا التي يرتكبها الإنسان وطريقة التوبة وزمنها، يقول باسيليوس الكبير بحكمة أننا في النهاية ” نكتب كل هذه الأمور لكي تمتحن ثمار التوبة. لأننا، في أي حال، لا نحكم على مثل هذه الأمور بالوقت، بل نهتم بطريقة التوبة”. وإشارة إلى الخطايا المختلفة، يقول مجمع قيصرية الجديدة: “طريقة عيشهم وإيمانهم يقصران المدة”. بحسب قول مميز للقديس غريغوريوس النيصصي: “إن شخصاً قد شفي ومُنع من المناولة هو، بالنسبة إلى المعرّف، تماماً مثل شخص لم يتب ولم يشفَ وتمت مناولته”. القديس غريغوريوس النيصصي يكتب بحكمة: “إذ تماماً كما أن طرح الدرر أمام الخنازير غير مناسب، كذلك هو منع الجوهرة الثمينة عن شخص أصبح رجلاً عن طريق اللاهوى والطهارة”.

المثال الذي حفظته لنا أقوال الآباء الشيوخ من حياة وتعاليم الأنبا بيمن مميز: “اعترف أخ للأب بيمن قائلاً: لقد ارتكبت خطيئة كبيرة وأريد أن أتوب عنها ثلاث سنوات. قال له الشيخ: إن هذه مدة طويلة. أجابه الأخ: إذاً، لسنة واحدة فقط؟ قال: وهذا كثير أيضاً. فقال الحاضرون: وهل يكتفي بأربعين يوماً؟ قال: وهذا كثير أيضاً. وقال: أقول لكم، إنه إذا تاب الإنسان من كل قلبه وتوقف عن الخطيئة، فإن الله يقبله حتى في ثلاثة أيام”. يظهر هذا المثل أن الحرمان من المناولة أو ما يسمى الكفارة، هو دواء علاجي يجب إدراجه في تدريب الكنيسة العلاجي.

لإتمام الموضوع، يمكننا أن نجمع أن الروح القانوني، أي النظر إلى ظاهر الناموس وحفظ بعض الترتيبات الشكلية الخارجية وإبعادها عن الجو النسكي والعلاجي للكنيسة وربطها بإجراء قضائي، هو مبدأ غربي، وبالتالي لا ينتمي إلى الفكر الأرثوذكسي. يجب أن نهمل كل مفهوم قانوني وكل محاولة لاسترضاء العدالة الإلهية. فلنفهم الخطيئة أولاً كمرض في طبيعتنا، ولنحدد المرض بظلام النوس، وفي الوقت نفسه نحفظ الناموس لكي نشفى، إلى أن نصل إلى التأله الذي هو أعمق هدف لخلق الإنسان ووجوده.

أليبيا المباركة المتبالهة من أجل المسيح

أليبيا المباركة المتبالهة من أجل المسيح

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

 

القبر المكرَّم

في أطراف “كييف” الشمالية، بين أشجار التّنوب والبتولا، تمتد مقابر لوسنو لعدة كيلومترات. في الأعماق، وعن يمين البوابات الرئيسية، تَظهَرُ إحدى قطع المقابر وكأنها قد اقتُلِعت من إحدى معتقلات الإلحاد والعدم. وهي تختلف، بشكل صارخ، عن غالبية لوحات المقابر الرخامية المألوفة في هذه الأيام. الصلبان البيضاء على المدافن المتواضعة تَشي بالحياة الأبدية السعيدة والمتجلّية. أرض هذه المدافن تعود لدير فلوروف، حيث يرقد الراهبات والكهنة الذين ماتوا خلال النصف الأخير من القرن السابق.

ظهرت مقبرة لوسنو للوجود (أو تم إنشاؤها) خلال فترة الستينيات عندما قامت الأم أنطونيا، رئيسة دير الصعود في فلوروف، بتأمين المال لمجلس المدينة التنفيذي لشراء ثماني قطع أرض لاستعمالها كمدافن. طبعاً، لم يكن بإمكان الأم الرئيسة أن تَعرف بأن هذا المكان سوف يَجتذب، عاجلاً أم آجلاً، الزّوّار من كل نواحي أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا وحتى عبر المحيط. في خريف سنة 1988، دُفنت الراهبة المغبوطة أليبيا (افديفا) هنا. كانت تُعرَف لدى الجميع بالشيخة الرائية المتبالهة من أجل المسيح. والآن، فإن التكريم الذي تَلقاه من شعب كييف ليس له مثيل سوى لدى القديسة مطرونة  التي من موسكو، رغم أن المغبوطة أليبيا لم تُعلَن قداستُها بعد. الآن، فقط، بدأت عمليةُ التّوثيق والدراسة، إلا أن رئيس منسك بوكروف غولوسايافسكي، الأرشمندريت اسحق (أندرونيك)، الذي كان على رأس عملية ترميم ذلك الدير في التسعينيات، فيرى بأنه سرعان ما سيتم إعلان قداسة الراهبة المغبوطة. لا يخفى بأن المغبوطة أليبيا جاهدت في الحياة الرهبانية عند خرائب منسك غولوسايافسكي وكانت تصلي (أو تطلب شفاعة) للذين أرضَوا الله وعاشوا هناك خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، فقد دُفن بعضهم هناك: كالميتروبوليت فيلاريت (أمفيتياتروف +1857) الذي من كييف، والذي توجد بقاياه الآن في لافرا كهوف كييف؛ وأبيه الروحي الأرشمندريت  برثينيوس (+1855)؛ والأرشمندريت ثيوفيل المتباله من أجل المسيح (+1853)؛ والراهب باييسيوس (+1893)؛ والشيخ أليكسي (شيبيلسف +1917). كانت المغبوطة أليبيا تصلي، كما لو أنها قد تسلَّمت العصا الروحية من نُسّاك غولوسايافسكي، لسنوات عديدة، من أجل تجديد ذلك الدير. كانت تقول لأولادها الروحيين بأنها ستُقيم هناك “إلى الأبد، ولكن ليس عاجلاً”.

ولكن لنعُدْ إلى مقابر لوسنو. لقد زرتُ قطعةَ فلوروف، لأول مرة، في التسعينيات، وذلك قبل سقوط الإتحاد السوفييتي، عندما كان، فقط، أولادُ الأم أليبيا الروحيين يعرفون عن مدفنها. كانت من بينهم بضعة راهبات من فلوروف أرشدنني إلى قبر المغبوطة. في الطريق إلى هناك، أخبرنني عن الشيخة كيف كانت تعيش في جوف شجرة زيزفون كبيرة في مقاطعة لافرا كهوف كييف حتى إغلاقها سنة 1961، وكيف كانت صلواتُها عجائبية في شفائها ومانحةً المعونة الإلهية، وكيف استطاعت أن تقرأ داخل قلوب الذين كانوا يأتون لرؤيتها، كما لو أنها كتاب مفتوح. لقد أعطت البركة للعديدين لكي ينخرطوا في الخدمة الكهنوتية أو الحياة الرهبانية، وأنتزعت العديدين من براثن الأمراض المميتة، وأنقذت الكثيرين من الفقر والإخفاقات المدمّرة في الحياة


مذكرات عن حياة المغبوطة أليبيا

كما يحدث غالباً عندما يتم جمع وتصنيف المواد حول حياة القديسين وسيرة الذين أرضَوا الله، فإن الحقائق يتسلَّل إليها الشك أحياناً، خاصةً عندما تكون تلك الحقائق عن أناس حملوا ثقل التَّبالُه من أجل المسيح. نحن نعلم أن ماتوشكا كانت تحمل الجنسية الموردوفية، ولم تكن تتكلم الروسية بطلاقة. إضافة إلى أنها، مثل كل المغبوطين، كانت تتحدث عن نفسها بشكل متقطّع خلواً من التسلسل الزمني، وغالباً بأسلوب فيه تورية ودون تفسير. على الرغم من ذلك، فإن الذين كانوا من خدامها الحميمين في قلايتها، أو كما يطلق عليهم تسمية مقدمي الرعاية، إضافة إلى أولادها الروحيين من لغويين وصحفيين، استطاعوا أن يكتبوا قصة حياة المغبوطة على صفحات الكتب والدوريات والمواقع الإلكترونية. إليكم ما يتسنى لنا قراءته حول طفولتها عن موقع كييف تحت عنوان: “المغبوطة أليبيا”:

“ولدت المغبوطة أليبيا (أغابيا تيخونوفنا أفديييفا) حوالى العام 1910 في مقاطعة بينزا من عائلة تقيّة، والدها تيخون ووالدتها فاسّا أفديييف. كانت الشيخة المغبوطة تروي عن مدى صرامة والدها، إلا أن والدتها كانت لطيفة للغاية ومُجِدَّة في عملها ومنظّمة. أحياناً، كانت تلفُّ بعضَ الأطعمة في مئزر وتجعل أغابيا تأخذهم لفقراء قريتها؛ كانت توزّع كمية كبيرة، بشكل خاص، أيامَ الأعياد. عندما بلغت سنّ الدراسة، أُرسِلت أغابيا إلى المدرسة. كانت مليئة بالحيوية وسريعة ومتوقّدة الذّهن، ولم تكن تستطيع منع نفسها من إعطاء تلميحات (أو عمل مقالب) للأولاد الآخَرين. نُقلت الفتاة إلى صف آخر، وحتى بين أولاد يكبرونها سنّاً، كانت متفوقةً بذكائها وسرعة بديهتها. قُتِلَ أهلُ أغابيا سنة 1918، فأمضت الفتاة، ذاتُ الأعوام الثمانية، الليلَ كلَّه تقرأُ المزامير فوقهما من أجل راحة نفسيهما. عاشت أغابيا لبعض الوقت مع عمها. بعد أن أكملت سنتين دراسيتين، انطلقت في رحلة حج إلى الأماكن المقدسة… خلال فترة الإلحاد المتشدد، أمضت عشرة اعوام في السجن؛ وبالرغم من قلّة الطعام، إلا أنها كانت تحافظ على الأصوام بقدر المستطاع وتصلّي دون انقطاع”.

إضافة لذلك، فإننا نقرأ في سيرة حياتها عن تحريرها من السجن بطريقة عجائبية، وظهور بطرسُ الرسول لها. على ضوء هذه الحقيقة وحياة الصلاة التي كانت تعيشها فيما بعد، أصبح جليّاً سببُ صلاتها مباشرةً أمام أيقونة القديسَين بطرس وبولس الكبيرة الواقعة في الهيكل اليمين لكنيسة ديمييفسكي في كييف. أيضاً قد ذُكرت، في سيرة حياتها، لقاءات أغابيا، أثناء حياة التَّجوال التي عاشتها، مع الرّائي الأرشمندريت ثيودوسيوس الذي كان يعيش، خلال سنوات ما قبل الحرب، قرب نوفوروسّيسك، في قرية غورني (كانت سابقاً مستوطنةً قوقازية تُدعى كريمسكايا)، والذي أعطاها البركة لكي تنسك متبالهة من أجل المسيح. تحدثت ماتوشكا بنفسها حول ذلك: “كنتُ مع ثيودوسيوس، إنني أعرف ثيودوسيوس”.

لكن، أكثر ما كُتِب كان عن الفترة الذي أمضتها في كييف، ابتداءً من الستينيات وحتى 1988، ذلك أنه توجد حقائق موثَّقة وشهادات من أولادها الروحيين وآخرين كانوا على ارتباط بها. كانت ماتوشكا تحمل السلاسل على شكل حزم من المفاتيح، أما على صدرها، تحت ثيابها، فكانت تضع أيقونة. كل يوم تقريباً، كانت تجلب إلى الكنيسة أكياس خبز أعطاها إياها الناس، وتجلب أعداداً كبيرة من الشموع، ثم تضعها بنفسها أمام الأيقونات. من جهة أخرى، قبل مدة طويلة من قيام الميتروبوليت فيلاريت (دينيسينسكو) بقيادة الإنشقاق [في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية]، قامت بتأنيبه، في أحد الأيام، خلال الصلوات، مما أدى إلى طردها من الكنيسة. من المعروف، أيضاً، أنه في عشية سنة 1986- السنة التي وقعت فيها حادثة تشيرنوبيل – كانت ماتوشكا بالغةَ الاضطراب ولا تكف عن التكلم عن ” النار الرهيبة”. قيل أنها غادرت الكوخ التي كانت تسكنه في غابة غولوسوييفسكي وصارت تمشي حول المدينة وهي تحمل عصاها وتصلي لخلاص المدينة.

عرفتُ الكثيرَ عن أمور عديدة عجائبية في حياة المغبوطة المباركة. ولكن، في ذلك الحين، عند قبرها، كان الأمرُ يبدو كما لو أنها قصص خرافية.

وأخيراً آمنتُ

كنت أنظر إلى قصصَ الراهبات بعين “صحفية سوفييتية مثقَّفة” ملؤها الشك، كنت قد نشأت في بيئة ملحدة، رغم أنني كنت أذهب إلى الكنيسة. حين كانت تجري خدمةُ الصلاة لأجل الراقدين، كنتُ أنظرُ إلى صورة المغبوطة ذات الشكل البيضاوي حيث كانت على الصليب فوق القبر وقد نُقِشَت عليها عبارة “اتَّقوا الله!”. لاحقاً، علِمْتُ أن أحد الرجال الذين فيهم مسٌّ شيطاني، كان يأتي إلى هنا عدة مرات، وقد لَوى الصليب ورماه جانباً. يبدو أن هذا النقش كان من أجله خصيصاً لكي يعود إلى صوابه. كانت النظرةُ الثّاقبةُ للمتبالهة من أجل المسيح تخترق الأعماق وتصل مباشرة إلى القلب، فيحل في النفس هدوءٌ مقدس.

نصحتني الراهبات: “أطلبي مساعدة ماتوشكا، إذا كانت لديك أيةُ مشاكل، فهي تساعد الجميع”.

لم أكن أدري ماذا أطلب، باستثناء، ربما، أن يَقبَلَ ستوديو”نوتشفيلم” تصوير السيناريو الذي وضعتُه عن الأب ميخائيل بويكو الأب الروحي الشهير لكييف وابن كاهن شهير تعرّض للإضطهاد مجهولاً، كان قد خدم في الحرب العالمية الثانية على قذائف المورتر. علمتُ لاحقاً بأن الأب ميخائيل نفسَه كان ينظر إليها بعدم ثقة، معتبراً إياها أنها ليست أكثر من مجرد إنسانة مختلّة عقلياً. كان قد خدم، مرةً، في كنيسة الصعود في داماييفكا حيث كانت المتبالهةُ من أجل المسيح قد صلَّت لعدة سنوات. رغم ذلك، توجَّهتُ إلى الماتوشكا أليبيا قائلة: “أرجو أن تصلّي، يا ماتوشكا المغبوطة، لكي يتم قبول السيناريو الذي اعددتُه، لكي يَطَّلع الشعبُ على الاضطهادات التي مورِسَت على الكنيسة وخدّامها”. كان شعوري بالمفاجأة لا حدَّ له عندما قام، حرفياً، بعد بضعة أيام، منتجُ الفيلم في الاستوديو بالإتّصال بي وإبلاغي بأن السيناريو قد قُبِلَ. إضافةً إلى ذلك، فإن المخرج، الذي صوَّر الفيلم عن الأب ميخائيل، اكتشف فيلماً، في الأرشيف، يُظهرُ خدمة جناز لفلاحين ماتوا بسبب المجاعة في مقاطعة بولتافا. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان ظهور والد المتقدم في الكهنة مخائيل بويكو والأب بول بويكو في الفيلم ومعه ابنه الصغير ميخائيل يعاونه. المخرج نفسُه لم يُدرك،حتى، بأن الأب المستقبلي ميخائيل كان يظهر في الفيلم. عند العرض المسبَق للفيلم، هتف بطلُ الفيلم فجأةً: “إنه والدي! وها أنا بقربه حافي القدمين!”.

بعد العرض المسبَق، أخبرتُ الأب ميخائيل عن صلاتي عند قبر المغبوطة، وكيف أن الجميع قد استمر برفض السيناريو الذي أعددتُه، إلا أنه، وبعد الصلاة، قد تمّ قبوله بشكل مفاجيء. وأشرت أيضاً بأن مثل هذا الاكتشاف للفيلم من الأرشيف كان نتيجة صلوات المغبوطة. حينها، وبعد وقفة، هزَّ الشيخُ رأسَه بتعجُّبٍ وأعلن: “عجيب هو اللهُ في قديسيه”.

لاحقاً، عندما كنت أزور مدفن أهلي، ذهبتُ إلى مدفن ماتوشكا حيث صادفتُ فيرا فيودوروفنا أودوفيشينكو منسّقة أحد الكتب عن الغبوطة أليبيا الذي يدوّن شهادات كهنة ورهبان وعلمانيين كانوا على معرفة بماتوشكا في حياتها، ومن الذين حصلوا على المساعدة بصلواتها بعد موتها.

 

“ذِكرُهم إلى جيلٍ فجيل…”

عرفتُ، شخصياً، الكثيرَ من الكهنة، وبعد أن قرأتُ كتاب “تلك التي اكتسبت المحبة “، الذي صدر ببركة فلاديمير ميتروبوليت كييف، سنة 2005، تكلَّمتُ معهم سائلةً إياهم عن الراهبة أليبيا. الراعي السابق لكنيسة الصعود في داماييفكا، الأب ميثوديوس فينكيفيتش (الذي صار راهباً في سن متقدّمة، في لافرا بوشاييف)، كان يكنُّ توقيراً كبيراً لماتوشكا، وقد أخبرني عن زيارته لها في بيتها الصغير في غابة غولوسيييفسكي حيث كانت تقيم. حينها، كان الأب ميثوديوس لا يزال شابّاً ويخدم في كاتدرائية القديس فلاديمير، وكانت ماتوشكا لا تكف عن سؤاله: “هل تخدم في داماييفكا؟”

“كلا، يا ماتوشكا، إني أخدم في الكاتدرائية…”

“آه، من الكاتدرائية…”

كان هذا الأمر يتكرر في كل مرة، فيفكر الأب ميثوديوس: “إن الشيخة أليبيا تفقد ذاكرتها”. لكن، سرعان ما انتُدِبَ لرعاية كنيسة داماييفكا، حيث لا يزال يخدم منذ عشرين سنة. عندما أخبرتُ الأب ميثوديوس عن هذه الحادثة عن الفيلم في الاستديو، علَّق قائلاً: “كانت تجسيدًا للوداعة واللَّطافة. أني أطلب منها حتى بشأن الحلوى”.

وردت، في كتاب الماتوشكا أليبيا، أخبارٌ عن مساعدتها لأناس في مواقف صعبة من حياتهم، بعضهم كان قريباً جداً من حتفه، آخرون كانوا يَذوون بسبب الإدمان على الكحول، وآخرون كانوا عالقين في براثن الطائفية، أو فقدوا أولادَهم أو أزواجهن أو زوجاتهم أو كانوا على وشك اتّخاذ قرار مصيري في حياتهم ولا يعرفون ما الذي يقرّروه.

من بين أولادها الروحيين، كان أسقف تيلشينسك وبراتسلاف السابق، هيبوليت (خيلكو)، وهو الآن متقاعد. يَروي، في ذكرياته عن الشيخة، كيف أنها تنبّأت عن رسامته أسقفاً. أخبرتْه أيضاً عن الحريق الذي اندلع، لاحقاً، في أكاديمية موسكو اللاهوتية حيث كان يتابع دراسته. حصل ذلك سنة 1986، مباشرةً قبل عيد رفع الصليب، وكانت النتيجة أن خمسة طلاب رقدوا بالمسيح.

“لقد أخبرَتْ ماتوشكا أليبيا أختي عن الحريق قبل أن تعلم به هي نفسُها. قالت: سيحدث حريق! لكنه لن يكون نائماً! سيركض هنا وهناك! وقد نجوتُ من الحريق بصلوات ماتوشكا. فعلاً، لم أكن نائماً تلك الليلة”.

لقد روى هذا الأسقف، أيضاً، عدَّةَ حوادث مثيرة للدهشة جرت معه في حياته، فقد تمكن من إنقاذَ إصبعِه بصلوات المغبوطة، بعد أن كان على وشك أن يفقده حين استخدامه منشاراً كهربائياً، حيث قد كُشِف الأمر لها. وكيف ساعدتْه عند رحلته إلى أورشليم ليقفي نذراً في الإرسالية الأرثوذكسية الروسية. وأشياء أخَرُ كثيرة. سوف أروي حادثةً من لقائهما الأخير. حدث هذا قبل ذهابه إلى أورشليم. كانت ماتوشكا تحب الأزهار، وقد جلب لها فلاديكا باقةً منها.

“يا ماتوشكا، خذي هذه الأزهار التي يُقال بأنها رمز للحياة”.

“تقولُ أنها رمز للحياة؟ إذاً، ضعها بنفسك في المزهرية”.

كان ذلك لقاءهما الأخير على الأرض.

لقد كشف اللهُ للمغبوطة وقتَ رقادها الوشيك. رحلت ماتوشكا في 30 تشرين الأول سنة 1988. سألَتْ: “في أي يوم من الأسبوع يقع الثلاثون من تشرين الأول؟” قالت، أيضاً، بأن الثلج سوف يتساقطُ في وقت دفنها، الأمر الذي حدث.

*   *   *

إنها لا تزال حيَّةً في ذاكرة الناس. اسمها يتردد في الذكرايات في كا كنائس كييف وأبعد. رُسِمت أيقونةٌ لها، منذ زمن، من قِبَل الذين يكرّمونها، ونُظِمَت لها خدمةُ مديح. لكن يَظهِرُ أن “ملء الأزمنة” الذي نجهلُه، يجب أن يأتي قبل أن يدوّي تمجيدها السماوي تحت أقواس  كنائسنا.

ترقد المغبوطةُ، الآن، في المستوى الأسفل من كنيسة ستر والدة الإله في دير غولوسايافسكي. نُقِلت رفاتُها إلى هناك منذ خمس سنوات، في تشرين الأول سنة 2006، ويتدفق سيلٌ لا ينقطع من الناس إلى ذلك المكان للصلاة. يغصُّ الدير بالناس، بشكل خاصّ، في ذكرى رقادها، في الثلاثين من تشرين الأول.

سبت لعازر

سبت لعازر: ملازمة القبر حتى القيامة!

الأرشمندريت توما بيطار


… وكان لا بدّ للعازر أن يُنتن أولاً قبل أن يأتي الربّ يسوع المسيح إليه ليقيمه من بين الأموات. الخطيئة فينا لا تموت إلاّ بالموت. لهذا أبقى الربّ الإله على الموت، تدبيراً، بعد قيامته لأنّه أحبّنا وأراد أن يخلِّصنا من الخطيئة بالموت. هو يسوع أي المخلِّص. الإنسان جائع إلى ربّه، جائع إلى الحياة في ملئها. لكن الحياة لا تأتيه إلاّ بالموت. هذا سرّ الحياة الجديدة. السرّ الذي يفوق مداركنا. إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت تبقى وحدها. لا بدّ لحبّة الحنطة أن تُنتن. هذا ما يجدر بكل مَن اتَبع يسوع أن يفهمه جيّداً ويقبله ويتّخذه دستوراً لحياته. حياتنا في المسيح مرسومة أمام عيوننا في شكل صليب. “مَن أراد أن يتبعني فليحمل صليبه، كل يوم، ويأت ورائي”. من الصليب تنبع القيامة. من الموت تدفق الحياة الجديدة. ضمانتنا الوحيدة أنّ المسيح قام. لعازر، الذي يعني اسمه مَن عونه من عند الله، هو صورة الجميع. لا بدّ لنا من أن نتروَّض، يومياً، على الموت في المسيح ابتغاء الحياة فيه. مَن لا يشاء أن يموت في المسيح لا نصيب له في القيامة مع المسيح. لذا كانت الوصيّة، أبداً، صليباً. لأنّنا جميعاً مرضى كانت الوصيّة دواء مرّاً. أن يحفظ الواحد وصيّة السيّد يعني أن يكون مطيعاً له. وأن يكون مطيعاً له معناه أن يكفر بنفسه. ليس بإمكان العبد أن يخدم سيِّدَين، أن يخدم نفسه وربّه في آن. لو جعلنا أنفسنا في خدمة أنفسنا لصرنا في خدمة الخطيئة المعشِّشة فينا. خدمة الله كائنة من أجل أن نتحرَّر من عبوديّة الخطيئة. إذا عرفنا الحقّ الذي هو المسيح، إذا صرنا له عشراء، إذا ما استخدمنا أنفسنا له، إذ ذاك يحرِّرنا الحقّ حقّاً.

إذاً، قبل أن يحلم أحد بالقيامة عليه أن يخطِّط، كل يوم، من أجل أن يموت عن نفسه. ما معنى أن يموت الإنسان عن نفسه؟ معناه أن يرذل كل ما له صلة به من دون الله. يرذل الواحد راحته ليريح الآخرين. يقطع الواحد شبعه ليُطعم الجائعين. يتنازل الواحد عن كرامته ليعطي المجد لله. أن يموت المرء عن نفسه معناه أن يتنكّر لأفكاره الخاصة، لإرادته الذاتية، لأهوائه، لرغباته، لطموحاته، لأناه، لكبريائه، لتعظُّمه، لمجده. معناه أن يُهلك نفسه، أن يُهلك خطيئته وجذر الخطيئة فيه، بنعمة الله، أن يتخلّى عن عتاقته، أي عن إنسان الخطيئة فيه. معناه أن يدخل، روحياً، إلى القبر. أن يدخل بملء إرادته. معناه أن يُقيم في قبر نفسه على الرجاء أن يحضر المسيح الربّ ليقيمه بصوت عظيم كما أقام لعازر: “يا لعازر هلمّ خارجاً!” يا مَن جعلتَ عونك فيّ هاءنذا آتي إليكَ لأدعوكَ: “هلمّ خارجاً!” إذ ذاك تنفكّ الرباطات الخانقة التي جعلته يختبر الموت كل ساعة. إذ ذاك يسري روح الحياة في نفسه وجسده. إذ ذاك يتجدّد القلب. يمتلئ الميت نوراً بعد ظلمة تدبيرية اعترته. ينصبّ النور عليه بالكلمة. المسيح مُكْلِفٌ. ليس بإمكان أحد أن يقتني مسيح الربّ ولا شركة لأحد مع مسيح الربّ إلاّ إذا تجشّم كِلفةً تحاكي، على مقاسه، كِلفة المسيح الذي بذل نفسه بالكامل لخلاص البشريّة. ما كلّفنا، إذ ذاك، يستدعي ما كلّفه هو. يصير لنا نصيب في ما تكلَّفه. صليبنا، إذ ذاك، ينفتح على صليبه، يعانق صليبه، يصير امتداداً له، واحداً وإيّاه. يصير النور الذي سرّ أن يقيم في صليب المسيح مقيماً فينا نحن أيضاً، في صليبنا. لا بدّ أولاً أن يختبر كل منّا، أن يذوق، طعم العدم، طعم الموت الإرادي، وإلاّ لا تموت الخطيئة فيه ولا يموت الموت ولا تُفرع القيامة. المسيح شَرِب الكأس. علينا، نحن أيضاً، أن نشربها. هذه كأس الموت. لكن المسيح لمّا احتساها، من أجلنا، جعلها، في آن، كأس الحياة الأبديّة. ما دام أن الإنسان لا يريد أن يموت فسيحمل لعنة نفسه في نفسه كقايين. سيهرب من وجه الحياة والأحياء. سيهرب من هوى إلى هوى، من شهوة إلى شهوة، من خيال إلى خيال، من وهم إلى وهم، إلى أن يسقط، أخيراً، صريع التعب، صريع العمر، صريع الشيخوخة. صليب المسيح للهالكين جهالة، أمّا لنا، نحن المخلَّصين، فهو قوّة الله.

كثيراً ما نحاول ان نموِّه الصليب، أن نجمِّله، أن نفرغه من مضمونه. نتزيّن بالصليب. نتشدَّق بالكلام عليه. نوهم أنفسنا أنّنا إذا ما تعاطيناه كلاماً، إذ ذاك نكون قد تعاطيناه وعرفناه. وما ذلك بحقّ. الإنسان قادر أن يقيم في الوهم. طالما لم يقتبل الصليب بعد ولم يتسمّر عليه إلى النهاية لا يكون قد خبره. الصليب موت كل يوم، دم كل يوم، تسليم لله كل يوم إلى أن يأتي هو نفسه إليك. أنت لا تنزل عن الصليب. تموت عليه. ينزِّلونك بعد أن تكون قد لفظت نَفَسَك الأخير. بعد ذلك تأتي القيامة.

لهذا مسيحنا باق في أحبّته الخُلَّص مَن لا هيئة له ولا جمال في هذه الدنيا. المؤمن باق، في هذه الدنيا، مرذولاً، منبوذاً لا هيئة له ولا جمال. وحده مَن يعرفه يعرفنا. بإزاء مأساة القيامة(!) نتجمّل بالصبر. مَن كان بغير الصبر متجمِّلاً تجلبب بغير المسيح ثوباً، فوُجد أدنى إلى إبليس الذي يعرف أن يظهر بمظهر ملاك من نور. الإنسان، في الواقع الذي هو فيه، كنفس وجسد، قادر أن يجمِّل ويتفنّن في ما يبثّه فيه إبليس تفنّناً كبيراً. للخطيئة خِلابتها في النفس الساقطة. والإنسان قادر، بظواهر الأمور، أن يجعل منها مادة عبادة. لذلك “اخرجوا من بينهم يقول الربّ”، لا مادياً بالضرورة بل روحياً. لا بدّ لنا أن نخرج، بالكامل، من روحيّة هذا العالم. الانقطاع لا يكون إلاّ كاملاً. طالما بقي في نفس الواحد ميلٌ ولو ضئيل إلى العالم استمالنا العالم، شدّنا إليه. امرأة لوط لم تكن، بالضروة، تحلم بالعودة إلى صادوم. كانت تعرف ماذا كان يجري في صادوم. الربّ الإله أخرجها وزوجها وأولادها رحمة بهم. ولكنْ بقيت في نفس امرأة لوط بقيّة رغبة في الحياة الصادومية. لهذا تطلّعت إلى الوراء. فلما فعلت استحالت عمود ملح. مَن وضع يده على المحراث لا ينظر إلى الوراء. الحياة تأتي من قدّام، كل يوم، جديدة.

مَن شاء أن تكون عتبات الملكوت قِبلة عينيه كان عليه أن يسدّ منافذه بالكامل عمّا هو وراء، أن يصمّ أذنيه حتى لا يعطي سمْعاً لوشوشة العتاقة فيه. هذه الوشوشة قد تبقى طويلاً وقد تبقى حتى الموت. على كلّ منّا أن يكون قاطعاً في تعامله مع ربّه وفي انقطاعه عن العالم. مأساة البشريّة أنّ أكثر النفوس باقية منقسمة. نطلب الله دون أن نُقلع بالكامل عمّا في العالم. حتى لو خرج أحدنا إلى الصحراء، والحال هذه، حتى لو خرج إلى الدير يبقى روح العالم طالباً فيه ما لروح العالم. وهذا يلقاه في قنية تافهة أو في فكرة سمجة. إذ ذاك يَفسد الخمير العقلي. الخمير لا يقبل الزغل. والعجين، عجين الحياة الجديدة، إذ ذاك، لا يطلع. يبقى الإنسان في مستوى الدهرية.

لهذا نصلّي ونصلّي أولاً أن يعيننا الربّ الإله على نفوسنا. وإلى ذلك نقطع، وبكل عنف، كل أربطتنا بالعالم. يحسب المؤمن نفسه من حثالة القوم. كأنّه لا شيء. نكرة! يقتبل أنّه تراب ورماد. يكون مستعداً، دائماً، للعب دور الخادم. يضع نفسه آخر الكل. يحسب أنّه لا هيئة له ولا جمال. ويأبى أن يفتح فاه لأنّه لا كلام لديه ينطق به ما لم يجعل الربّ الإله كلاماً في فمه. لذا كانت الرهبانية، وهي وجه المسيحيّة الأعمق، سبيل الموت الإرادي اليومي. أن يموت الإنسان عن نفسه كل يوم. من دون رهبانية المسرى لا طريق للإنسان تفضي به إلى حضن الآب. يقتبل الموت عن وعي، لهذا يعطيه ربّه ملء الحياة. يسعى، في كل حين، لأن يتوارى، لهذا يجعله ربّه سيِّداً ومعلِّماً في كنيسته. بالتواري عن نفسه يُعطَى له أن تصير كلمتَه كلمةُ السيّد. ليست الرهبانية في الأثواب السوداء ولا في القوانين ولا حتى في نمط الحياة. رهبانية المسيحيّة هي في اقتبال المؤمن، كل مؤمن بيسوع، سبيل الموت عن نفسه ابتغاء أن يصير الربُّ الإله فيه الكل في الكل. هذا درب الجميع في كنيسة المسيح ولا درب سواه. هذا درب القدّيسين وكلّنا مشاريع قدّيسين. القدّيسون ألوان مضمونهم واحد أنّهم يتمسحنون بالموت، إرادياً، كلٌّ عن نفسه. يدخلون، روحياً، إلى حيث دخل لعازر. يقيمون في ما يبدو لعيونهم ظلمة القبر على رجاء القيامة. والرجاء بالله لا يخزي. ولنا كواكب من الشهود يشهدون أنّ الله كما أقام الابن المتجسّد في اليوم الثالث، فهو يقيمنا معه أيضاً. فإذا سلكنا في مسرى كمسراه بلغنا قيامة كقيامته.

على هذا نذوق في سبت لعازر طعم القيامة التي أذاقها الربّ الإله للذي أحبّه عربوناً للقيامة التي نحن عتيدون، بنعمة الله، أن ندخل فيها إن ثبتنا على الرجاء إلى النهاية. لعازر واحد منّا وللربّ يسوع كلُّنا، في تدبيره، شركاء. الربّ قام ليكون لنا أن نقوم معه نحن أيضاً. بلى، القيامة لنا، نصيبنا، ميراثنا إلى الأبد. لعازر قام. والمسيح قام. وكلّنا، أيضاً، قيام…

فالمجد للذي قام ليقيمنا معه.


عن نقاط على الحروف، العدد 16، 16 نيسان 2006.

يسوع الثائر والمحرّر

يسوع الثائر والمحرّر

“خلصني يا ربّ” (إش20:38)

ماريا قبارة

من أبرز ميّزات عصرنا وعيّ الإنسان لحريته وكرامته، ونجاح مجتمعات عدّة في التخلّص من أشكال العبوديّة التي ما برحت مجتمعات أخرى ترزح تحت وطأتها، وتضحّي بما هو ضروري لعيشها.

لقد بشّر البعض في ما مضى وبشّر غيرهم اليوم بشرعيّة العنف على أساس أنّ يسوع لم يتوانَ في تبشيره عن سلوك يُستدّل منه أنّه كان بالفعل ثائراً ومعنفّاً، واعتقاداً منهم أنّه دعا إلى اللجوء إلى الثورة أو حتى إلى العنف للتخلصّ من الظلم.  فهل هذا ما علّمه يسوع بالفعل وعاشه؟ هل كان ثائراً ورافضاً؟ وإذا كان هكذا، فعلى من ثارَ وماذا رفض؟ وأيّة طرق اتخذها لبلوغ هدفه؟.

لقد ارتبطت حياة يسوع بتحقيق ملكوت الله على الأرض، وكان أمامه خياران لبلوغ هذه الغاية السامية: إمّا السّلاح في اليد لدحرِ الغرباء المحتلين، وإمّا العمل على تخفيف البؤس والشقاء وإحلال العدالة والحقّ وتضميد الجراح.

“أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (لو27:6-28). تشكّل هذه الوصيّة العظيمة بعض ما هو في الحقيقة ثوريّ في رسالة يسوع. لقد أنكرَ يسوع على الإنسان الحقّ في أن يكون ديّاناً للآخر، أو أن يأخذ بالثأر لقضية حتى ولو كانت عادلة، فالحكم الأخير على البشر في مجال الخطيئة والعدالة عائد إلى الخالق وحده؛ الله الآب السماوي. ويندّد يسوع بأولئك الذين يعملون على تحقيق عدالتهم الخاصّة بأنفسهم والذين ينصّبون أنفسهم ديّانين على الآخرين واضعين أنفسهم مكان الله. “أنتَ بلا عذر أيّها الإنسان كلُّ من يدين. لأنّك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك. لأنّك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها” (رو1:2)

إنّ الثورة التي دعا إليها يسوع هي محبة الأعداء والإحسان إلى المبغضين، ومباركة اللاعنين ومسامحة المسيئين، والتخلي عن الرداء وإعطاء السائل. لم تكن شريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ صالحة في ملكوت يسوع.

ثارَ يسوع أيضاً ضدّ التقاليد التي أبطلت كلمة الله، والتي بها كان فريق من اليهود يخرقون وصيّة الله متعدّين الناموس ومحبّة الله فصاروا “يكرّمون الله بشفاههم وقلبهم بعيد منه” (إش13:29).

لقد وطدَّ يسوع علاقته مع الذين كانوا مبغَضين، ومع العشارين والخطأة والمضطَهدين والمنبوذين. لم يكن في وارد يسوع على الإطلاق رفض إنسان أيّاً كان وكيفما كان، فالكلّ مدعو إلى فرح ملكوت الله. وهذه هي الثورة الحقّة التي وضعت حَداً لنبذ إنسان ما لسبب أو لآخر. فقد ردَّ يسوع للبشريّة بهاءها الأول فانتفضَ على كلّ ما يستعبد الإنسان محرراً إيّاه جذرياً من الخطيئة والموت، ودعا إلى ملكوته كلّ البشر الذي شاءَهم أحباء لأبيه السماوي.

المسيح المحرّر هو اللقب الأصح مع عمل المسيح الخلاصي. فهو محرّر الضمير من كلّ أشكال العبودية: عبودية الحرف، عبودية الخضوع لإله مجهول أو بعيد، عبودية ظالم، عبودية البؤس والخوف، عبودية الانغلاق على العالم والآخر، وعلى الله.

شرح دستور الإيمان – 3

شرح دستور الإيمان – 3

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي


45. بماذا نعترف من خلال البند 8 من دستور الإيمان: “وبالروح القدس، الرب، المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن، مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء”.

بهذا البند، نعترف بأننا نعترف ونؤمن بالروح القدس. هذا لأن الروح القدس هو إله ورب. إنّه الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس، مساوٍ في الجوهر للآب، وكما أن الآب إله والابن إله الروح القدس أيضاً إله. إنه ينبثق من الاب. وهو معبود وممجّد مع الآب والابن. إنه معطٍ للحياة يخي كل الطبيعة، ما يتعلّق منها بالفكر أو بالحواس. إنّه ينير كل إنسان يأتي إلى العالم. الروح القدس يمنح كل الأشياء: يقيم الأنبياء، يعلّم الحكمة، يكمّل الأشياء، يشكّل كل مؤسسة الكنيسة، يقيم خدّام العلي المختارين لخدمة ليتورجيا الكنيسة، يشفي المرضى، يكمّل كل نقص، يقيم في الكنيسة في الزمان الآتي ويقودها إلى كامل الحق.

46. ماذا يُسمّى الروح القدس في الكتاب المقدس؟

يسمّى “المعزّي” (يوحنا 26:14، 7:16)، أي “المحامي” و”الذي يعزّي” _يوحنا 10:4)، “القوة” (لوقا 35:1)، “الموهبة” (أفسس 13:1) و”إصبع الله” (متى 28:12 ولوقا 20:11).

47. بماذا نعترف، لغاية الآن، في البنود الثمانية الأوّلى؟

بأننا نؤمن بإله واحد مثلّث الأقانيم: آب وابن وروح قدس، متساوٍ في الجوهر وغير منفصل.

48. ما الذي نقرّ به في البند التاسع: “بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية”؟

نقرّ بأننا بعد الإيمان بالإله الثالوثي نؤمن بكنيسة الإله الثالوثي، أي بالمؤسسة الدينية الإلهية التي أسسها المسيح المخلّص وأطلقها الروح القدس يوم العنصرة، وبشكل شامل بالحقائق اللتي تعلّمنا إياها هذه مؤسسة الكنيسة الإلهية أنظمتها وأسرارها ووصاياها، التي بها وحدها الخلاص للعالم. هذا لأن سبب تأسيس الكنيسة ورسالتها في العالم هي استعادة ملكوت الله على الأرض من خلال خلاص الجنس البشري وشركته مع الله.

49. لماذا نقول “نؤمن بالكنيسة”؟

نقول بأننا نؤمن بالكنيسة، إذ من دون الإيمان يستحيل فهم وقبول خلاص الحنس البشري الذي يكتمل فيها، وأيضاً لتقبّل الأسرار التي تُمارَس لخلاص الإنسان وتقديسه كما كلّ الحقائق التي تعلّمها هي. ولأنّه يستحيل فهم أسرار الله علينا أن نؤمن بالكنيسة التي علّمها الروح القدس وثبّتها في قوّة هذه الأسرار وعملها.

50. ماذا نعني بـ”كنيسة واحدة”؟

بقولنا “كنيسة واحدة” نعني هذه المؤسسة الدينية الوحيدة الواحدة التي أسسها وثبّتها على الأرض المسيح المخلّص والروح القدس، والتي راسها هو المسيح. بتعبير آخر، نحن نعني الكنيسة الوحدة المقدسة الجامعة الرسولية التي عريسها المسيح نفسه، وبالتالي حيث يوجد عريس واحد تكون عروس واحدة.

51. هل كل الكنائس التي في العالم تشكّل كنيسة واحدة؟

نعم. كل الكنائس المحلية المنتشرة في العالم تشكّل كنيسة واحدة مقدّسة، لأنّه جميعاً تعترف بالإيمان نفسه، وقد خرجت من الكنيسة نفسها، والتي هي متحدة بها برباط لا ينفك روحياً. المحليّة لا تفكّ وحدة الكنيسة، عندما يوحّد إجماع الروح كل الكنائس.

52. ماذا نعني بـ”كنيسة مقدّسة”؟

عندما نقول “كنيسة مقدسة” نعني ونعترف بأن كنيسة المسيح مقدسة لأن: أ) المخلّص الذي أسسها هو يقدسها إذ يطهّرها بدمه الختص، لكي “يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (أفسس 27:5) وب) لأنها تأسست وتقدّست بالروح القدس الذي أتى وحلّ عليها وهو يبقى فيها في الحياة الآتية ويقدسها من خلال الكلّ.

53. ما معنى جامعة؟

بقولنا “جامعة” نعني أن هذه المؤسسة الإلهية التي للمسيح المخلّص، كونها موحّدة ومقدّسة، هي جامعة إذ إنّها تضم كل الذين يؤمنون بالمسيح وهي ترنو إلى ضمّ كل الجنس البشري، لكي تقدسه وتخلصه وتتحِده بجسد المسيح. إلى هذا، نعترف بأن كل الكنائس الموجودة في كل مكان، والتي تعترف بالاعتراف نفسه، هي واحدة مع كنيسة المسيح المقدسة وهي كجسده.

54. ما معنى “رسولية”؟

نفهم من خلال هذه الصفة ونعترف بأن الكنيسة الواحدة الجامعة هي الكنيسة التي أسسها الرسل القديسون بين الأمم. نحن نسمّيها رسولية ليس لأن كنيسة المسيح مؤسسة تعود للرسل بل لأنها كنيسة المسيح الواحدة المقدسة الرسولية التي أسسها الرسل أنفسهم.

55. ما معنى “أعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”؟

هذا ما نذكره في البند العاشر كم دستور الإيمان، وهو أنّه يوجد معمودية واحدة لا غير لمغفرة الخطايا، معمودية الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، التي تمارسها بحسب التعليم المعلَن من الرسل وطقوس الكنيسة، وما من معمودية أخرى تمنح غفران الخطايا.

56. ما هو اعترافنا في قولنا ” أترجّى قيامة الموتى”؟

نحن نعترف بأننا نتوقّع قيامة الموتى، التي سوف تتمّ بحسب الكتاب المقدّس في يوم الدينونة، حين يأتي المسيح بمجد فيحاكم العالم، لأنّ كل البشر سوف يقامون بأجسادهم التي اتّخذوها في حياتهم على الأرض.

57. ما الذي نعترف به بإعلاننا في البند الثاني عشر من دستور الإيمان: “وأترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين”.

بهذا البند نعترف بأنّ المعتمدين منّا بالمسيح يتوقّعون، بحسب الكتاب المقدّس، حياة مستقبلية أبدية، بلا توقّف ولا نهاية، وهي ختم ومدى العمل الفدائي للمسيح المخلّص.

كيف ردّ الآباء على الهراطقة؟

كيف ردّ الآباء على الهراطقة؟

 

الأب يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لقد شدّد أريوس على أنّ الكلمة وُلِد من الآب قبل الدهور. ومع هذا، اتّهمه القديس أثناسيوس الكبير بالدفاع عن الولادة الزمنية للكلمة. لكن لماذا يتّهمه؟ هذا لأن أريوس أضاف جملة: “لقد كان هناك آنذاك حين لم يكن” “[in pote ote ouk in]”(الترجمة حرفية: المترجم)، لكن “آنذاك[pote]” و”حين[ote]” هما ظرفا زمان. بتعابير أخرى، القول بأن هناك وقت لم يكن يعني كلاماً عن زمان لم يكن الكلمة موجوداً خلاله. هذا هو المعنى الحرفي للجملة. لكن وضع الكلام في إطار اللاهوت التنزيهي، فكلّ ما يُقال عن الله محدود بالفئات المتعلّقة بمرور الزمن. أيّ كلمة تُستَعمَل عن الله لا يمكن أن تتلافى البُعد الزمني. كيف ذلك؟ مثلاً، نحن نقول: “الكلمة مولود من الآب”. من ناحية علم اللغات وعلم دلالات الألفاظ، جملة “مولود من الله” يمكن أن تعني أنّه مولود في وقت ما من الآب أو أنّه مولود أبدياً من الاب، أو أنّه مولود في زمان الآب. يمكن تركيب السيناريوهات نفسها عند قولنا “الكلمة وُلِد من الآب”.

لقد كان الآباء ملزَمين باستعمال مجموعات مختلفة من التعابير لكي يصيغوا تعليمهم ويؤمّنوا الدفاع لتعليم الكنيسة. بالطبع، حتّى الاباء يقولون: “الكلمة وُلِد من الاب قبل الدهور”. لكن النقطة التي يشدد عليها الاباء هي أنّ الفكر البشري يطابق، بكل بساطة، الخبرة البشرية. لذا يتطابق كل فكر عند الإنسان وكل مفهوم عقلي لديه مع خبراته اليومية ولا شيء فوق خبراته الإنسانية. لا يستطيع الإنسان أن يخترق حدود طبيعته المخلوقة لكي يصير قادراً على استيعاب غير المخلوق.

بحسب الآباء، من المستحيل بالمطلق النفاد عبر هذه الحدود. يمكننا أن نفكر في غير المخلوق وكيف أن شيئاً ما موجود من غير أن يكون مخلوقاً، وأنّه دائم الوجود، ولا يشبه أيّ شيء من المخلوقات، لكن أيّاً من هذه الفئات ليست إيجابية. إنّها سلبية بالكليّة. ليست حالات إيجابية بل هي حالات رفض. عندما نقول أن الله غير مخلوق، لا نقول ما هو الله بل ببساطة ما ليس هو. عبارة “غير مخلوق” تعني ببساطة أن الله ليس خليقة، ونقولها لنعبّر عن ما ليس الله عليه.

فلنحاول الآن أن نذكر ما هو الله. لكن لا يوجد أي اسم قادر على تحديد ماهية الله، لأن العجز عن إدراك الله هو جزء من الطبيعة البشرية. حقيقة أن الإنسان هو مخلوق هي السبب الكامن وراء هذا العجز. الإنسان مخلوق لكي يعرف الله، لكن معرفة الله ليست بمقدوره من نفسه وبالاتكال على مقدراته الذاتية. فقط عندما يكشف الله نفسه للإنسان يعرفه الأخير. وهذا يتمّ من خلال نور الروح القدس ونعمته. هذا هو سبب أن الآباء قضوا الكثير من الوقت على جملة “بنورك نعاين النور”. بتعبير آخر، في نور الله، نرى نور الله. أنتَ ترى النور فقط عندما تجد نفسك داخل النور.. إنّ الأمر يتمّ تماماً كما في العالم الطبيعي. عندما تكون في الظلام، لا يمكنك أن ترى أبداً. لكن إن وجدتَ نفسك في النور، عندها يمكنك أن ترى النور.

يسيطر هذا المبدأ المعرفي (epistemological) بين آباء الكنيسة. ما يثير الاستغراب للوهلة الأولى، هو أن الآباء حددوا نور الله هذا واستعملوا كلمتي “النور” و”الظلمة” بالتبادل. هذا عنى أنّ عبارتي “بنورك نعاين النور” و”بظلمتك نعاين الظلمة” حملتا المعنى نفسه للآباء، لأنّ الله ليس نوراً ولا ظلمة. وهذا الحال هو لأنّ الله ليس مخلوقاً، لذا هو لا يشبه أي شيء مخلوق مثل النور والظلمة.

لأنّ قدراتنا المعرفية تتناسب مع الأشياء المخلوقة ولا تمتد إلى العالم عير المخلوق، نحن قادرون على معرفة الأشياء المخلوقة وحسب. بالتالي، المصطلحات التي نستعملها عن الله، مهما كانت، تكون مأخوذة من خبرة الإنسان اليومية وليس من أي مقدرة بشرية على وصف غير المخلوق. المقاربة الآبائية للنظرية المعرفية تتوافق بشكل كامل مع البحث المعاصر الذي يقوم به علماء الأعصاب، الحياة، الكيمياء الحيوية، النفس، الإنسان وبعض أطباء النفس حول مواضيع معرفية.

كل العلوم التي تتعاطى مع هذه الأسئلة، تتفق حول كيفية عمل الكائن البشري معرفياً. استناداً إلى معرفتنا الحالية، كل الأفكار البشرية، حتّى التخمينات المجرّدة والحسابات. إنها حقيقة مقبولة وثابتة أنّ كلّ ما في الفكر البشري ما هو إلا امتداد لوجود العالم المادي ولا وجود روحي غير مادي لها في مطلق الأحوال.

لم يترك القديس أثناسيوس الكبير اي مناسبة دون اتهام أريوس بالتعليم بأن الكلمة وُلِد في الزمن مقيماً هذا الاتّهام على كلمات آريوس بالذات. استفاد الأرثوذكسيون من صياغة آريوس وقصوا الآريوسيين حول هذا الموضوع. لقد قصفوهم إلى درجة اضطر الآريوسيون أن يقدموا جواباً. لكن إجاباتهم ضاعت بين الكتابات الهرطوقية الكثيرة التي تمّ إتلافها لاحقاً.

لقد اتهم الآباء آريوس بالتعليم بأنّ الكلمة وُلِد في الزمن إذ بالنسبة إليهم مجرد الإشارة إلى زمان ما (pote) هي إثبات. نعم، هذا صحيح، لكن هناك أجزاء مما قاله آريوس والآريوسيين احتجاجاً، ما تزال حيّة. لقد دافع الهراطقة عن أنّهم يُضطَهَدون بينما أكّد الأرثوذكسيةن بأن الهراطقة علّموا أن الكلمة وُلِد في الزمن. في النهاية،  دافع الهراطقة بأنّهم علموا أيضاً أنّ الكلمة وُلِد من الآب قبل الدهور.

إن جملة “قبل الدهور” بالغة الأهمية، لأن الدهور والزمن ليسا الأمر نفسه. يميّز الآباء بين الدهور والزمن، بالرغم من عدم إلمامهم بالفيزياء الحديثة. في الفيزياء، الزمن كما فُهم في الماضي لم يعد موجوداً. في الماضي، يُقاس الزمن بحركة الأرض بالنسبة إلى الشمس والقمر. أمّا الآن، فإن فهمنا للزمن تغيّر بشكل جذري.

لكن ما يهمنا هو أن الآباء ميّزوا بشكل واضح بين الدهور والزمن. يقول الآباء أنّ الله حين خلق العالم، خلق الدهور أولاً، من ثمّ الملائكة، ومن بعدها العالم والزمن. بتعبير آخر، عرف الاباء أن الزمن هو بعد لوجه محدد من الكون المخلوق، لأن الدهور كانوا أول الخليقة وليس الزمن الذي خلقه الله لاحقاً. الفرق الرئيسي بين الدهور والزمن هو أن الحدث يتبعه آخر في الزمن، بينما في الدهور لا تَتَتابع الأحداث بالضرورة. بالمقابل، تتواجد الأحداث والحقيقة بطريقة لا يكون ما يجري متشابكاً بالضرورة مع التسلسل. لكن بما أن افنسان موجود ضمن الزمن، فإن خبرته تحدها الحالات المتبدلة. لا تعرف خبرة الإنسان وجوداً بدون عملية التتابع هذه، لكن يوجد شواذ. يمكن للإنسان أن يكتسب هذه الخبرة في اختباره التألّه، إذ لا يعود الزمن فاعلاً.

وحده مَن بلغ التألّه يختبر طريقة كيان تسمو على الوجود وتتخطّى الزمن وتفوق على الدهور وتتجاوز المكان والمنطق وهكذا دواليك. مَن هو في حالة التألّه يختبر غير المخلوق من دون أن يدرك معرفياً هذه الحقيقة غير المخلوقة، لأن غير المخلوق يبقى معرفياً سرّاً بالنسبة للشخص في حالة التألّه. بتعبير آخر، حتّى عندما يكشف الله نفسه لشخص ما قد بلغ التألّه، يبقى الله سرّاً. حتى ولو أدرك البعض الله بالنوس، المنطق، الحواس والجسد، يبقى الله سرّاً، لأنّه يبقى خارج حدود ووسائل المعرفة البشرية. والحال هو هكذا لأن المعرفة البشرية تقوم على التشابه والاختلاف، فيما لا يوجد أي تشابه بين العالمين المخلوق وغير المخلوق. على سبيل المثال، إذا من جهة رأينا فيلاً، فيما لا نعرف شيئاً عن الفيلة، سوف لا يشابه الفيل اي شيء آخر بالنسبة لنا. سوف يكون ببساطة مختلفاً عن الحيوانات الأخرى. إذا راينا لاحقاً فيلين سوف نقول “هذان متشابهان”. أمّا إذا فحصناهما بتمعن أكبر، فسوف نكتشف أن أحدهما ذكر بينما الآخر أنثى، من ثمّ سوف نتمكن من ملاحظة أنهما يختلفان في بعض اجزاء الجسد. لكن بالرغم من هذه الفروقات، فإنّ بينهما تشابهاً شاملاً يمكننا أن نعيده إلى الكلام عن الفيلين ووضعهما في نفس فئة الفيلة الأخرى.

عندما يختبر إنسان التألّه، فمن جهة، يمكنه أن يتعرّف على فرق، لكنه لا يستطيع ان يجد تشابهاً مع اي شيء. بالرغم من ذلك، فإنّه يرى شيئاً لم يرَه من قبل في هذه الحياة، لكن من دون أي تشابه بين ما كُشِف له وما سبق له رؤيته في هذه الحياة. لماذا هذا الحال؟ لأن مجد الله مختلف عن كل ما هو مخلوق وقد رآه في العالم المخلوق. إنّه مختلف، ولكنّه أيضاً بالكليّة لا يشبه أي شيء معروف في الخليقة. لمَ لا يشبه أي شيء؟ لأنّه بلا لون، لا يمكن قياسه، ليس نوراً، ليس ظلاماً، ليس ضخماً، ليس صغيراً، لا شكل له ولا هيئة.

لهذا السبب يتكلّم الآباء عن مجد الله بأنّه مثل شيء لا شكل له ولا هيئة. بالطبع، القول بأن لا شكل له هو لضحد الأفلاطونيين، لأنّهم يؤمنون بوجود عالم من الأشكال. لكن عندما يقول الاباء أن مجد الله هو بلا شكل، فهذا يعني أن لا علاقة له بعالم أفلاطون الخيالي. في كل مرة يصف فيها الآباء مجد الله على أنّه بلا هيئة ولا شكل وفي كل مرة يشيرون إلى غياب الهيئة والشكل، فإنّهم يبطشون بشكل مباشر بآراء أفلاطون وأريسطو والفلسفة إجمالاً. هذا يعني أن اللاهوت الابائي يتلافى كلياً هذه الفئات التي تنتمي إلى طريقة  التفكير الفلسفية.

بالطبع، ما من شيء خطأ في أن يدرس الإنسان الفلسفة طالما أنّه يرفض تعاليمها حول وجود الله وطبيعته. في النهاية، الفلسفة تدرّب الفكر البشري. لهذا السبب يقول الآباء الهدوئيون، بمن فيهم القديسون باسيليوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، وغريغوريوس النيصّي، وهو الأب الكنسي الذي لا يتفوق عليه أحد بقدرته على التفكير مثل فيلسوف. وإذا قرأتم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، سوف ترون أنّه أحياناً يتبع هذا الخط من الأفكار. إذاً يمكننا ان نستنتج أن ما من خطأ في قضاء الوقت مع الفلسفة بهدف تدريب الفكر، لكنه من الغباء المطلَق القبول بتعاليم الفلسفة عندما تصل الأمور إلى المواضيع اللاهوتية.

الموقف الأرثوذكسي من قضية انبثاق الروح القدس

الموقف الأرثوذكسي من قضية انبثاق الروح القدس من الآب والإبن

الأب جورج عطية


ختاماً للبحث حول سر الثالوث، لا بد من إظهار رأي الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بالنقاط الخاصة التي وردت عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية في سر الثالوث الأقدس، مكتفين بالإجابة على النقطتين الأخيرتين (2، 3).

فبالنسبة للنقطة الثانية، أي قضية الروح بالإنبثاق من الآب والإبن، فمن المعروف أنها كانت موضوع الخلاف الرئيسي بين الكنيستين الغربية والشرقية، لدرجة أنها أصبحت من أهم العوامل التي باعدت بينهما وأدت الى انشقاقهما النهائي سنة 1054. ومن المؤكد تاريخياً أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تعلّم منذ القرن التاسع فقط أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده، بل هذا كان تعليمها منذ البدء والذي تسلمته منذ القرن الأول من الرب يسوع نفسه، الذي علّم “ومتى جاء المعزي الذي أرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي” (يوحنا15: 26). وبديهي أن السيّد لا يتكلم هنا بطريقة عامة تحتمل التأويل. بل هو يحدد بوضوح وبالتخصيص أن الإرسال في الزمن هو من الآب والإبن، أو من الآب بواسطة الإبن (أنظر أيضاً لو24: 49). في حين أن الإنبثاق هو من الآب وحده. ولو كان الروح القدس ينبثق فعلاً من الآب والابن لكان الرب يسوع قد ذكر كما فعل بالنسبة للإرسالىولكان من الطبيعي أن يقول: “ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عندنا ينبثق أو من عند الآب وعندي ينبثق”. ولو كانت الكنيسة الشرقية هي التي علّمت منذ القرن التاسع أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده، كما تدّعي الكتب الكاثوليكية لكانت هي التي حذفت من دستور ايمان الكنيسة الجامعة كلمة “والإبن”، وليست الكنيسة الغربية هي التي أضافتها على هذا الدستور سنة 1014 بعد أخذ ورد طويلين وبضغط من الملوك الإفرنج والتوتونيين.

ولا يخفى تاريخياً على أحد الآن معارضة البابوات الطويلة لهذه الإضافة منذ القرن السادس، وحكاية البابا لاون الثالث الذي أمر بنقش دستور الإيمان الأصلي بدون إضافة “والإبن” على لوحين من الفضة وتعليقهما على باب كنيسة القديس بطرس “من أجل الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي” صار معترفاً بها حتى من الكاثوليك أنفسهم.

وفيما يتعلق بدعم الكنيسة الكاثوليكية لإيمانها “بالفليوكفْي” أو بإضافة “والإبن” بآيات من الكتاب المقدس نجيب على الفقرات التي وردت بما يلي:

أ – لقد سمي الروح القدس مرة واحدة في الكتاب روح الإبن: “ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخاً أيها الآب (غلاطية4: 6). وذلك انسجاماً مع فكرة البنوة لله بالمسيح والتي تسيطر على المقطع الذي أخذت منه هذه الآية بأكمله.

يستنتج الكاثوليك بأنه كما سمي الروح القدس بروح الآب (متى10: 20) لأنه ينبثق من الآب، كذلك سمي هنا بروح الإبن لأنه ينبثق من الآب والواقع أن الروح القدس سميّ بروح الآب، ليس فقط لأنه ينبثق من الآب بل ولأنه أيضاً واحد في الجوهر معه. ولهذا ليس من الضروري أن يُدعى الروح القدس “روح الإبن” لأنه ينبثق منه كأقنوم بل لأنه واحد في الجوهر معه، وباقٍ في شركة كلية ودائمة معه، ولأنه بالضبط يأخذ مما له ويخبركم (يوحنا16: 13 – 14) أي هنا ياخذ من واقع بنوته الحقيقية للآب ليجعل المفتدين متبنين له، وصارخين معه وفيه “يا أيها الآب” لا بل أن الرسول بولس في تأكيده على هذه الفكرة يذهب أبعد من ضلك فيسمي الروح ذاته روح التبني: “إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أيها الآب” (رو8: 15) فهل الروح منبثق من التبني أيضاً؟

أما من جهة تسمية الروح بروح المسيح أو روح يسوع المسيح، فواضح أيضاً من سياق النصوص المذكورة أن المقصود لا الإشارة الى انبثاق الروح من الإبن بل التشديد على مشاركة الرب يسوع المسيح الخاصة في عمل الروح المشار إليه، وذلك نظراً لوحدانية أفعال الثالوث الإلهية أي لإشتراك الأقانيم الثلاثة في العمل الواحد.

فمثلاً تعبير “روح المسيح” الوارد في (رو8: 9) إنما يشير الى حالة النعمة التي يعيشها المؤمن الذي لبس المسيح (غلاطية 3: 27).

وفي الواقع فإن الآباء يفسّرون عامةً تسمية الروح بروح الإبن أو بروح المسيح اما بسبب تماثل أو وحدة الجوهر بين الروح والإبن وبالتالي وحدة أفعالها الإلهية. أو بسبب إرسال الروح القدس من الآب وليس انبثاقه منه. لأن الإنبثاق من الآب هو صفة أقنومية تميز الروح القدس. والبثق صفة أقنومية تميز الآب. والآباء ينهون بصورة حازمة عن تعميم الصفات الأقنومية التي بحسب إجماعهم غير قابلة للإشتراك والتعميم إذ بها تقوم خصوصية وتميز الأقانيم في الثالوث.

القديس باسيليوس بعد أن يؤكد على الخواص الأقنومية لكل من الآب والإبن والروح القدس، وبأنه بها تتميز أقنوميتهم، يضيف من أجل هذا لا نقول: “الروح من الإبن بل نسمي روح الإبن، ونعترف أنه بالإبن ظهر وأعطي لنا”.

هذه الملاحظة ذاتها تظهر عند القديس كيرللس الإسكندري لأنه “إذا كان الروح القدس يصدر من الآب لكنه من الإبن يأتي هو وخاصته”. حتى أن القديس أثناثيوس الكبير يدعو مسحة الروح التي أعطيت للمؤمنين نفخة الإبن وختم يطبع المسيح في نفوس المؤمنين المختومين وهو يعني بهذه إعلانات الكلمة والروح نحو الخارج قاصداً بها إرسال الروح وتقبله من المؤمنين. وليس الخصوصيات الداخلية لأقانيم الثالوث. ولهذا نخطىء إذا كنا نستنتج من الأفعال الخارجية للروح ونتائجها على البشر صلات الأشخاص الإلهيين بحسب حياتهم الداخلية.

ب – يعتبر الغربيون أن إرسال الروح القدس الى الخارج والذي تمّ ليس فقط من قبل الآب بل أيضاً من قبل الإبن هو بنوع من مواصلة الصدور الأزلي في الزمان. ولهذا فعبارة ((الذي من عند الآب ينبثق) لا تنفي في نظرهم الإنبثاق من الإبن بل نفترضه بسبب مساواة أو وحدة  الإبن مع الآب في الجوهر (يوحنا16: 25). ولهذا ولأن الآب يبثق الروح القدس فالإبن يبثقه كذلك لأن كل ما للآب هو للإبن (يوحنا16: 15). ولكن هذا الإفتراض خاطىء بالأساس. صحيح أن وحدة جوهر الآب والإبن تفترض وحدة الصفات الأزلية مثل الحضور في كل مكان، القدرة على كل شيء… لكنها تفترض أيضاً أنهما شخصان متميزان وهذا التميّز بحسب الآباء يقوم فقط بتميّز صفاتهما الأقنومية التي لا يجوز تعميمها كما رأينا لئلا يحصل التشوش ونصل الى الصاباليوسية. فيبطل أن يكون هناك ثالوث.

السؤال: هل انبثاق الروح القدس صفة جوهرية أم صفة أقنومية؟

فإن كان صفة جوهرية يمكن أن نعممها فعندئذ يجب قبول انبثاق الروح القدس من الآب والإبن. لكننا في هذه الحال نصل الى نتائج لا حدود لتجديفها وغرابتها. فمثلاً إن كان الروح القدس ينبثق من الآب لأن الإبن متحد مع الآب في الجوهر، وكل ما للآب هو للإبن، فلماذا لا ينبثق الروح القدس من ذاته؟ – لأنه هو أيضاً متحد معهما في الجوهر وكل ما لهما له. ولماذا لا ينبثق الآب والإبن من الروح أيضاً؟ – الإبن يولد من الآب، فلماذا لا تكون للآب والروح صفة الولادة أيضاً طالما هو متحد في الجوهر معهما وكل ما لهما هو له؟ ولماذا لا تكون للإبن والروح صفات عدم الصدور والايلاد التي للآب…؟

ولكي لا يصل الكاثوليك الى نتائج كهذه قالا أن الإبن بسبب ولادته الأزلية يملك كل ما يملكه الآب إلا الأبوة وعدم الصدور، إذ يمكنه أن يشارك غيره بالبثق ولكنه لا يستطيع أن يشارك غيره بالولادة. أليس هذا إستثناءً إعتباطياً غير مبني على أساس؟

عند بعض اللاهوتيين الكاثوليك جواب آخر هو أن ترتيب الأقانيم الإلهيين هو الآب، الإبن، الروح القدس. ولأن الروح القدس هو الثالث في الترتيب لذلك لا يستطيع أن يلد الإبن أو أن يبثق الذي هو قبله، وبالطبع فهذا يقود في حال قبوله الى نوع من المرتبية والأسبقية بين الأقانيم، على اعتبار أن الإبن يولد من الآب قبل أن ينبثق الروح القدس منه.

ولعل الإدّعاء الذي ورد الفقرة (د) بأن الروح القدس ينبثق من الآب والإبن، كمن مبدأ أوحد وبنفخ أوحد، هو محاولة للتهرب من الوصول الى هذه المرتبية والأسبقية الزمنية بين الأقانيم التي لا بد أن المغبوط أوغسطين قد لاحظها ولذا شدّد: “يجب أن لا نقبل (من مبدأين) لأن هذا بالكلية مختلق وأخرق. لا بل هرطقة وليس بحسب العقيدة الجامعة”. وفي الواقع فإن مجرد الدفاع عن انبثاق الروح القدس من الآب والإبن هو بحد ذاته القول بأن الروح القدس ينبثق من مبدأين أي مصدرين هما الآب والإبن، وبالتالي الى اعتبار الروح مركبّا وليس بسيطاً، لأنه مأخوذ من مصدرين ولا تنفع في هذه الحالة إضافة كلمات (كمن مبدأ واحد وبنفخ واحد) إذ لا يمكنها أن تغيّر واقع الإدعاء الأول، وفي هذا المجال يقول البطريرك فوتيوس مَنْ مٍنَ المسيحيين يستطيع أن يسمح أن يُدخل علتان في الثالوث الأقدس للإبن والروح القدس، فيجعل للروح أيضاً (الإبن)… ولماذ ينبثق الروح (ومن الإبن) فإن كان الإنبثاق من الآب هو تام (وهو تام لأن الروح إله تام من إله تام) فلماذا إذاً الإنبثاق من الإبن؟ ولماذا؟

بناء على ما تقدم، بثق الروح القدس ليس هو صفة جوهرية يمكن تعميمها على الأقانيم بل هو صفة أقنومية شخصية تخص الآب وحده، وبها يتميز عن الإبن والروح القدس. وهي مختلفة جذرياً عن إرسال الروح القدس في الزمن، والمعني به افاضة مواهبه وقواه على الخليقة التي افتداها الإبن بتجسده وقيامته. ولعل هذا هو ما قصده السيد عندما جمع في عبارة واحدة بين الإرسال والإنبثاق (يوحنا 15: 26) لكي يميز بوضوح بينهما وليس لكي يدل على أن الإرسال الى الخارج يفترض بالضرورة مواصلة الصدور الأزلي في الزمان كما تدّعي كتب اللاهوت الكاثوليكية. وللبرهنة على خطأ هذا الإدعاء يكفي أن نقول بأنه في حال تسليمنا به يجب أن نقبل بأن الإبن يولد من الأزل من الروح القدس، لأن الكتاب المقدّس يعلّمنا بأن الإبن يُرسل في العالم من الروح القدس “روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين….. أرسلني لأشفي المنكسري القلوب” (أشعياء 61: 1 ولوقا 4: 18).

جواب الكاثوليك على هذا البرهان هو قولهم بأن الروح القدس يرسل هنا الإبن كإنسان وليس بحسب طبيعته الإلهية التي هي حاضرة في كل مكان وليست قابلة للإرسال. وردّنا نحن على جوابهم بأن الروح القدس هو أيضاً بحسب أقنومه الإلهي حاضر في كل مكان وليس قابلاً للإرسال، وإنما أرسل بهيئة منظورة في الزمن، أي بشكل ألسنة نارية في العنصرة لكي يبقى مع الكنيسة، بحسب قواه المعزية والمرشدة المقدسة.

الآباء القديسون: يفسرون إرسال الروح القدس في العالم بواسطة الإبن، وإرسال الإبن بواسطة الروح القدس من خلال وحدة الجوهر الإلهي التي يعبّر عنها بوحدة عملهما الخارجي. ولذلك حيث يعمل أحد الأقانيم يكون حاضراً وفاعلاً بشكل تلقائي الأقنومان الآخران. ولهذا يقول الآباء أن الإبن أرسل في العالم من الآب ومن الروح القدس لكي يظهر من خلال هذا أن الآب والروح ليسا غريبين عن العمل الخلاصي للإبن بل يشاركان في هذا العمل، وكذلك الحال بالنسبة لإرسال الروح القدس في العالم من الآب والإبن.

البذار الذي وقع على الطريق

البذار الذي وقع على الطريق

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي – دده، الكورة

“خرج الزارع ليزرع زرعه، وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فانداس وأكلته طيور السماء. وسقط آخر على الصخر، فلمّا نبت جفّ لأنّه لم تكن له رطوبة. وسقك آخر في وسط الشوك، فنبت معه الشوك وخنقه. وسقط آخر في الأرض الصالحة، فلمّا نبت صنع ثمرًا مائة ضعف” (لو 8: 5-8)

هذا المثل هو صورة لكلمة الله التي تقع في نفوس متباينة من البشر. فالمزارع هو الابن المتجسّد، والحقول هي نفوسنا نحن. لقد أعطى الربّ يسوع وصفًا دقيقًا لحال البذار الذي وقع على الصخر وفي الشوك وفي الحقل الجيّد، هذا الوصف الذي ينطبق تمامًا على كيفيّة تقبّلنا لكلمة الله المُعلَنة لنا.

وربّ سائل يسأل لماذا ألقى الربّ البذار في الأمكنة التي لا يلقي فيه المزارع عادة بذاره، إذ لا أحد يزرع في الأرض التي تدوسها الأرجل أو على الصخر أو في الشوك، فالكلّ يزرعون في الأرض الصالحة؟ يريد الربّ أن يرينا أنّ كلّ البشر، من دون استثناء، قد وُهبوا القدرة على أن يكونوا أرضًا جيّدة صالحة، ولكنّ هذا الأمر وقف على مقدار تجاوبهم مع كلمة الله, فهم أصحاب القرار في أن يكونوا إمّا أرضًا خصبة أو مجدبة، أو أرضًا تطؤها الأقدام، أو صخرة قاسية صلبة أو شوكًا يدمي يديّ من يدنو منه. لا شكّ أنّ الربّ الإله يريد أن يرى كلّ واحد منّا حقلاً صالحًا وتربة جيّدة، ولذلك يُلقي البذار للجميع حتّى للذين يبدون أنّهم غير أهل لذلك، أو أولئك الذين يبدون ظاهريًّا أنّهم تربة خصبة، ولكنّهم في الواقع ليسوا كذلك على رجاء أن يتغيّروا ويصبحوا الأرض التي ينتظر ثمرها اليانع.

وكلامنا هنا على البذار الذي وقع على الطريق وانداس من الناس وأكلته طيور السماء. فمن هم الذين يشبهون الأرض التي وطأتها الأقدام؟ إنّهم أولئك الذين يضيّعون الحياة الروحيّة في الطرقات والأماكن العامّة حيث يتسلّى الناس ويتلهّون.

“وانداس”: كما يطأ الناس بأرجلهم كلّ ما يصادفونه في طريقهم من قاذورات وغيرها، هكذا يدوسون البذار الإلهيّ، ويخنقون الكلمة الموجَّهة إليهم ولا يحفظونها لحبّهم مظاهر الدهر الحاضر الجوفاء والمجد الفارغ. وليس هذا فقط، بل يخنقونه، أيضًا، بتهاونهم وتراخيهم وتحقيق رغباتهم وشهواتهم، والخضوع لأهوائهم التي تتحرّك نحو الطمع والحسد والحقد وكلّ الميول السيّئة التي لا تدع البذار يتجذّر ويصبح شجرة مثمرة. ولهذا، فهم يعانون، أبدًا، من القلق والانزعاج والهمّ، لأنّهم قد حرموا أنفسهم بأنفسهم من هذه الدرّة الروحيّة كالخنازير التي تدوسها بأرجلها (متّى 7: 6)، وقتلوا كلمة الله في داخلهم متذرّعين بكلمة التحضّر أو المدنيّة ومسايرة التطور والعصر.

“وتأكلهم طيور السماء”: من هم طيور السماء؟ إنّهم شياطين المديح والكبرياء والمجد الباطل. هؤلاء يلتقطون البذار كما تفعل عصافير السماء التي تلملم الحَبّ لتغتذي به. ولكن كيف يخطف الشياطين البذار؟ عندما يرى الناس فضيلة أحد المجاهدين، يمطرونه بأقوال المديح المعسولة، وأمّا إن كان هذا الإنسان لا يزال مبتدئًا في الحياة الروحيّة، وحتّى لو كان قد سار شوطًا لا بأس به، يقبل المديح وتنتفخ ذاته وتكبر. وقبل أن تتجّذر كلمة الله جيّدًا داخل تربة نفسه تنبت الكبرياء ويتملّكه المجد الباطل. وفيما هو مترنّح سكران لا يدرك إلى أين يسير، ظانًّا بأنّه يحفظ وصايا الربّ ويطبّق مشيئته فيما يكون، بالحقيقة، سائرًا نحو حتفه، متخدّرًا نشوانًا بالتمليقات، وحاصدًا، فقط، المجد الباطل المهلك. وهكذا يمسي المديح العلّة التي تفتح الطريق للشيطان لكي يعرّينا من فضيلتنا، ويتركنا أرضًا تدوسها الأقدام أمام الله.

كيف يستطيع المرء أن يتجنّب هذا الخطر وينجو منه؟ طبعًا من النافل القول إنّه باليقظة وحفظ وصايا السيّد يحصّن المرء نفسه ضدّ هذا الخطر. وهنا لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ الحياة الروحيّة يجب أن تعاش في الخفاء أمام الله، فقط، وليس أمام أعين البشر. فكلمات الثناء التي يسمعها الإنسان، مهما كان يقظًا حريصًا، تدغدغ مشاعره بتعزية بشريّة سرعان ما تضمحلّ كالدخان، لذا يجب أن يعي المجاهد أنّ هذا الثناء ما هو إلاّ فخّ ينصبه الشيطان ليستغلّ ربحه لحسابه. وهنا يلعب الصبر الدور الأساس في حفظ المرء نفسه، وضمان تقدّمه سيّما وأنّ اتّباع الطريق الروحي وحفظ شريعة المسيح يخلو من التعزيات البشريّة، ويعتمد كلّيًّا على التعزيات العلويّة. لذا ما إن يرى الربّ الحنون صبر المجاهد، حتّى يبادر إلى تعزيته بنفسه، وعندها لن يحتاج المرء إلى التعزيات الدنيويّة قطّ ولا إلى الإطراء والمديح، لأنّ مدحه يأتي من الربّ، وعندها يكون البذار قد وقع في الأرض الجيّدة ليثمر بالصبر. فعندما يشعر المرء أنّه بحاجة إلى تعزية بشريّة، هذا يعني أنّه قد ابتعد عن الدرب الصحيح، لذا عليه ترداد الصلوات، بصبر، حتّى يسبغ الربّ عليه، من جديد، تعزياته ونعمه.

ولا بأس هنا أن نسرد هذا المثل الواقعيّ: طلب أحد رهبان الأب دانيال الكاتوناكي[1] أن ينسك في مغارة قرب دير القدّيس بندلايمون الروسيّ. فأخذ هذا الراهب يصوم كثيرًا، ويرتدي ثيابًا مهلهلة، ويسير حافي القدمين حتّى في أيّام الشتاء الباردة، ويقوم بضرب آلاف المطّانيّات في اليوم الواحد. وكان يوجد على باب منسكه فتحة صغيرة تسمح لكلّ المارّين من هناك أن يروه كيف يصلّي ويركع ويرتّل… فكانوا يردّدون بإكبار وإعجاب قائلين على مسمع من هذا الراهب المسكين: “هذا بالحقيقة راهب حقيقيّ وناسك مجاهد بطل”. عرف الأب دانيال بهذا، واستطاع أن يميّز بما له من الموهبة الألهيّة أنّ كلّ هذا الجهاد ليس بحسب قلب الله ورضاه، وأنّ كلّ هذه القوّة التي يتمتّع بها ليست من المعونة الإلهيّة، بل هي نتيجة لمديح الناس وتمليقهم له، هذا المديح الذي جعله يحسّ بأنّه مجاهد عظيم. وبدل أن يقبل الزرع الإلهيّ بتواضع، وينمّيه في داخله، خضع للأثرة وحبّ الأنا، وهكذا استولى الشيطان، الشبيه بطيور السماء، على ثمر أتعابه، وتركه عاريًا كالأرض المداسة الخالية من الثمر.

قصد الأب دانيال الناسك، وبدأ النقاش معه حول الحياة الروحيّة، وماهيّة الشباك التي يغزلها الشيطان للنسّاك، ومدى خطرها وسوء عاقبتها، وكيف أنّ المجاهد الحقيقيّ لا يُقدم على أيّ جهاد من دون مشورة أبيه وبركته. وعندها انزاح الستار عن عينيّ الناسك، فكشف لأبيه ما يسمعه من أقاويل الناس وإعجابهم. فحذّره الأب من الاستكانة لحبّ الظهور والكبرياء التي تتلف كلّ عمل الراهب، وحدّد له كمّية الصلوات التي يجب أن يتلوها مع خمسين مطّانيّة فقط. فظهر، حينئذ، ضعف الناسك وعريه من كلّ فضيلة، وهمد حماسه إذ بدأ يصلّي صلواته بشقّ النفس، ويقوم بضرب الخمسين مطّانيّة بصعوبة بالغة، كما مال إلى ارتداء الثياب الجيّدة والجديدة، وعاد لا يكفيه ما يقدّمونه له من طعام لا بل كان يأكل قبل موعده. وهكذا قُصَّت جناحا العُجْب ومديح الناس اللذان كان يطير بهما في سماء الكبرياء. وصار يلزمه الكثير من الصبر لتكملة مشوار حياته الروحيّة، منتظرًا في كلّ دقيقة تعزية الربّ له، هذه التعزية التي تترافق وثمر التواضع، والتي لا يستطيع إبليس أن يبعدها عن النفس كونه عدوّ التواضع.

أعزّاءنا القرّاء، في أيّامنا هذه لا يوجد مكان عامّ واحد للّقاء، فالناس تتلاقى وتتجمّع في كلّ مكان، في الأسواق وفي الطرقات، وذلك قصد التسلية وتمضية الوقت فقط، غير مدركين أنّهم بهذا يهدرون وقتًا كان يجب أن يكون أقلّه مع الله. وبلغة أخرى تأتي طيور السماء (أي الشياطين) وتسرق غلاّتهم.

يستطيع المرء، اليوم، وهو في منزله أو في عمله وأثناء مشغوليّاته أن يؤمّن كلّ حاجيّاته ومشترياته، ويتمّم كلّ أعماله، من دون أن يحتاج إلى معونة إنسان آخر، أو حتّى ليتعامل معه، وذلك بواسطة الأنترنت. ونرى، في الوقت نفسه، على شاشة التلفزيون أناسًا يتكلّمون علانية عن مشاكلهم وعن رذائلهم وأهوائهم وحتّى عن حياتهم الخاصّة جدًّا. فالحياة العامّة والخاصّة أصبحت واحدة تقريبًا. ونلاحظ أنّ البشر يتنازلون، وبسهولة، عن حرمة حياتهم الشخصيّة أمام الاكتشافات العصريّة الكبيرة، وأمام الحاجة إلى المديح والشهرة ولو لدقائق معدودة، غير مدركين بأنّ شبكة المجد الباطل التي حاكها إبليس بمنتهى البراعة قد اصطادتهم. كلّ هذا يؤكّد بأنّ إنسان هذا العصر أصبح لا يرتاح أن يكون هو نفسه دائمًا، بل يحتاج، وبسبب الفراغ، إلى تبديل أوضاعه وأحواله بين الفينة والأخرى، ولا يقدر، أيضًا، أن تكون له الحاجات والرغبات ذاتها دائمًا، ولذا أصبح، بالمقابل، لا يعرف الهناء والسلام، بل يطغي الفراغ الداخلي طيّات نفسه، وإنّما هذه نتيجة طبيعيّة يلاقيها مَنْ خنق البذار الإلهي، وجعل داخله ساحة مكشوفة لطيور السماء (حبّ المجد والظهور والكبرياء) تغطّ فيها وتأكل البذار.

وأمّا الربّ يسوع، فإنّه لا يملّ من رمي بذاره، بيد مبسوطة، في نفوسنا جميعًا في أيّة حالة كنّا فيها على أمل أن نثمر له، يومًا، الثمر الشهيّ الذي ينتظره من كلّ واحد إن كان ثلاثين أو ستّين أو مائة. ولكن، لنتذكّر أنّه لكي نعطي هذا الثمر، تلزمنا اليقظة والسهر، لئلاّ تأتي طيور السماء، وتلتقط ثمار جهادنا ونحن غافلون متراخون.



[1] وهو أحد كبار آباء الجبل المقدّس

الإسم الإلهي في الكتاب المقدس

الإسم الإلهي في الكتاب المقدس

الخورية سميرة عوض ملكي

الإسم الإلهي في العهد القديم

في العهد القديم، كما في حضارات أخرى قديمة كثيرة، يوجد تطابق عميق وأساسي بين نفس الإنسان واسمه الذي يدلّ على شخصه. أن تعرف اسم شخص ما، فهذا ينوب عن معرفته بالذات. أن تقوم بأمر ما باسم آخر، أو أن تدعو وتتوسط باسم شخص ما، من الأمور التي تنطوي على أهمية كبيرة. إذ عندما يُذكر الاسم، فهذا الاسم على الفور يستدعي نفسه، وكل ما ينطبق على الاسم البشري ينطبق أكثر، وبلا قياس، على الاسم الإلهي. فمجد الله وقوته حاضران في اسمه ويعملان باستدعائه. كان لدى يهود العهد القديم احترام خاص لاسم الله الرباعي الأحرف، أي يهوه، والذي لا يمكن لأحد أن يلفظه بصوت عالٍ، حسب تقليد حاخامي متأخر، إلى درجة أن هذا الاسم لم يكن يُذكَر بشكل مسموع حتى في العبادة في المجمع. وكان يُرى اسم الله كامتداد لشخصه، وكظهور لكيانه، وكتعبير عن قوته. وباستمرار التقليد نفسه، أبدت المسيحية، منذ البداية، احتراماً للاسم الذي اتخذه الله في تجسده: يسوع. ولفظة يسوع هي اختصار للفظة “يهوشاع”، وترجمتها يهوه المخلص. واسم يهوه هو الاسم الذي تتوَّجه عبارات الدعاء إليه. بينما في العهد الجديد فتتوجَّه إلى يسوع. وفي العهد القديم، يهوه هو المخلص وحده، بينما في العهد الجديد يسوع هو وحده المخلّص. وبالتالي فالدعاء عبارة وفعل إيمان لا يليقان إلا بالله الأحد الذي لا شريك له. وسنورد في ما يلي بعضاً من آيات العهد القديم للدلالة على أهمية هذا النوع من الدعاء.

–       الله هو الذي حدّد اسمه كما في خروج 15:3: “وقال الله أيضاً لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله آبائكم… هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور”.

–       هو الذي ذكر أنه يستجيب لاستدعاء اسمه كما في زكريا 9:13: “هو يدعو باسمي وأنا أجيبه. أقول هو شعبي”.

–       عدم دعوة اسمه هو إشارة إلى غيابه كما في أشعياء 7:64 : “ليس مَن يدعو باسمك أو ينتبه ليتمّسك بك لأنك حجبت وجهك”.

–       يدعو إرميا الله إلى سكب غضبه على الأمم الذين لا يدعون اسمه، كما في 25:10: “اسكب غضبك على الأمم التي لم تعرفك وكل العشائر التي لم تدعُ باسمك”.

–       هذا الاسم هو موضع تمجيد أيضاً، كما تتكرر الدعوة في مزامير داود. في المزمور 19:71: “مبارك اسم مجده إلى الدهر”، وفي المزمور 2:96: “باركوا اسم الرب من يوم إلى يوم بخلاصه”.

–       أيضاً في المزامير يظهر الاسم كموضوع للصلاة، كما في المزمور 55:119: “ذكرت في الليل اسمك يا رب”، وفي المزمور 4:63: “هكذا أباركك في حياتي.. وباسمك أرفع يدي”، وفي المزمور 3:99: “يحمدون اسمك العظيم والمهوب. قدوس هو”. وفي المزمور 50:17: “لذلك أعترف لك يا رب بين الأمم ولاسمك أرتل”.

–       هذه الدعوة باسم الرب والصلاة لاسمه قديمة في العهد القديم كما يخبر داود في المزمور 6:99: “موسى وهرون بين كهنته وصموئيل بين الذين يدعون باسمه… دعوا الرب وهو واستجاب لهم”.

الاسم الإلهي في العهد الجديد

هذا المفهوم للاسم في العهد القديم، مع الدعاء المرتبط به، عَبَر منه إلى العهد الجديد حيث يوجد العديد من النصوص التي تشير إلى أهمية قوة اسم يسوع واستدعاء اسم الرب.

وفي ما يخص قوة اسم يسوع، أتى في العهد الجديد:

–       إعلان يسوع نفسه في العشاء الأخير عن أن ما يُطلَب من الله باسمه يستجاب، كما في يوحنا 23:16و24: “إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي. كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم”.

–       هذا الاسم هو الوحيد الذي يخلّص كما يؤكّد القديس بطرس بشكل مهيب أمام اليهود، الذي بعد أن يذكر “اسم يسوع المسيح الناصري”، يعلن في أعمال 10:4و12: “لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص”.

فبالإضافة إلى الاسم الفعلي، الجوانب الأخرى من الصلاة ذات أساس كتابي أيضاً إذ يمكن ملاحظة أكثر من صلاة مشابهة في العهد الجديد:

–       صلاة الأعمى في لوقا 38:18 “يا يسوع يا ابن داود، ارحمني”.

–       صلاة العشّار في لوقا 13:18 “أللهم ارحمني أنا الخاطئ”.

–       صلاة البرص في لوقا 13:17: “يا يسوع يا معلّم ارحمنا”.

وقد صارت عبارة “يا ابن داود” في الاستعمال المسيحي “يا ابن الله” بصورة طبيعية. هكذا، يرى الدارسون والممارسون لهذه الصلاة أن صيغتها المتطورة، “أيها الرب يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ”، أُخذت كلياً من الكتاب المقدّس.

كما أن في مواصفات صلاة يسوع استجابة لعدد من الآيات الإنجيلية:

–       قِصَر هذه الصلاة وبساطتها هي استجابة لكلام يسوع في متى 7:6: “وحينما تصلّون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم”.

–       جذرها في العهد الجديد هو اسم يسوع الذي فيه، بحسب الكتاب، مجد الله وقوته. كما في فيليبي: 9:2-10: “لذلك رفعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء، ومَن على الأرض، ومَن تحت الأرض”.

–       قوة هذا الاسم تخضع الشياطين، كما في لوقا 17:10: “فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك”.

–       قوة هذا الاسم تشفي الأعرج من بطن أمه، كما في أعمال الرسل 6:3: “فقال بطرس ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك. باسم يسوع المسيح الناصري قمْ وامشِ”.

ويُلاحَظ أن التقليد الأرثوذكسي المتعلّق بتكرار صلاة يسوع مستمَد من دعوة الرسول بولس، في ا تسالونيكي 17:5، إلى أن تكون الصلاة بدون انقطاع، مستعملاً العبارة اليونانية (ADIALEPTOS): “صلّوا بلا انقطاع”. أما كلامه في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 19:14: “أريد أن أتكلّم خمس كلمات بذهني… أكثر من عشرة آلاف كلمة بلساني”، فيتخذ في التفسير الأرثوذكسي التقليدي معنى الاشارة إلى صلاة يسوع العقلية. فقد اتخذت عبارة “خمس كلمات” على أنها تعني صلاة “أيها الرب يسوع المسيح ارحمني”.

المراجع

  1. اسبيرو جبور. الدعاء باسم يسوع. 1995.
  2. الأسقف كاليستوس وير. قوة اسم يسوع. ترجمة الأب بولس يازجي. منشورات دير السيدة – بلمانا. 1994.
  3. فن الصلاة. تعريب عدنان طرابلسي. 1994.

الجبن الروحي

الجبن الروحي

الأب أنطوان ملكي

يعرّف العلمُ الجبنَ على أنّه الفشل في إثبات المتانة العقلية الكافية والشجاعة في مواجهة التحدي. ففي القوانين العسكرية مثلاً، الجبن في المواجهة هو جريمة يعاقَب عليها. والجبن كمصطلح يُستَعمَل لوصف سمة شخصية سلبية تتجنبها وتزدريها معظم الثقافات، إن لم يكن جميعها، في حين أن نقيض الجبن، أي الشجاعة، تُكافأ وتُشَجَّع. والجبناء عادةً يتجنّبون أو يرفضون المواجهات أو الصراعات، حتّى ولو كانت ثقافتهم ومعتقداتهم تعتبرها محقّة وعادلة. وتظهِر الدراسات أن الجبن قد يكون يعيق الإنسان في نجاحه وعلاقاته. ما سبق ينطبق في علوم النفس والاجتماع والسياسة وغيرها. فهل ينطبق الأمر أيضاً في الروحيات؟

الجواب موجود في أهمّ كتب علم النفس، كتاب “السلّم إلى الله” الذي كتبه القديس يوحنا السلّمي في القرن السادس وضمّنه كل خبرته النسكية، فجاء مدرسة لكل المسيحيين عبر العصور. يحدد القديس يوحنا السلّمي الجبن بأنه “الاغتمام مقدماً لخطر لم يحصل، وارتعاد القلب لمصائب غير محددة”. فالإنسان يجبن خوفاً من حصول سوء ما، قبل أن تحصل المواجهة وقبل أن يحصل السوء. أما سبب الجبن العام فيشرحه القديس في قوله أن الجبن هو “ارتداد عن الإيمان يجعلنا نخشى وقوع شرور غير متوقعة”. الارتداد عن الإيمان هو في الاتّكال على الذات لأن الإيمان هو “الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى”، على ما يعلّم الرسول بولس. وهذا الارتداد تجربة يتعرّض لها كلّ مؤمن كلّ يوم. المؤمن إذا جبن يبقى غارقاً في خطاياه خوفاً من أن يفشل في غلبتها. والأهل في تعاطيهم مع طلبات أولادهم معرّضون لأن يجبنوا خوفاً من أن يجرحوا أبناءهم، لذا هم يجارونهم ويقدّمون لهم كلّ ما يطلبون، فيما الأولاد قد يقبلون رفض أهلهم. والرعاة قد يجبنون أيضاً في تعاطيهم مع رعاية النفوس، فيقبَلون بأمور يعرفون عدم صوابيتها ويغضّون النظر عن غيرها، خوفاً من أن ينفر هذا الشخص من الكنيسة أو يقاطعها ذاك، بينما بالحقيقة الابن الحقيقي لا ينفر ولا يقاطع.  والمعلّمون أيضاً قد يجبنون في قول الحق وكلمته، فيظهر الجبن في تهرّبهم من مواجهة الأسئلة أو في تلافيهم إعلان موقفهم من أمور قد لا تعجب السائلين أو تحرجهم. وهنا يأتي التفسير الخاص بالجبن عند قديسنا العظيم: “النفس المتكبرة عبدة للجبن تتكل على ذاتها باطلاً”. من هذا نستنتج أن الجبن الذي قد يأخذ شكل المحبة حيناً أو الحكمة والتروي حيناً آخراً، ولكن قد لا يكون في الحقيقة إلا عجباً وخوفاً على صورة الذات من أن تنكسر. فالأهل إذا أصيبوا بالتكبّر، حتى ولو كان مبطّناً، يخشون أن تنكسر صورتهم لدى أولادهم فيجبنون. والرعاة إذا خشوا على صورتهم أكثر من خشيتهم على صورة المسيح يجبنون. والمعلّمون إذا خشوا على شعبيتهم أكثر من خشيتهم على كلمة المسيح يجبنون.

ولكن قديسنا الحكيم يقدّم الدواء: التواضع والاتّكال على الله، فيختم بقوله: “مَن أضحى عبداً للرب يهاب الرب وحده… هذه درجة حادية وعشرون مَن صعدها فقد تأيّد قلبه وأسرع نحو ربّه”. إذاً، الجبن يعيقنا عن الإسراع نحو ربنا، لذا فلنتعلّم أنّ الشجاعة المستندة إلى الاتّكال على الله ضرورية لنغلب كبريائنا أولاً، فنحقق ما يطلبه الله منا مهما كانت رسالتنا في هذه الحياة.