Monthly Archives: October 2012

القديس الياس ماكيفكا

القديس الياس ماكيفكا- قديس جديد من الكنيسة الأرثوذكسية

نقلها إلى العربية الأب اثناسيوس بركات

 

تم إعلان قداسة الراهب الياس حامل الإسكيم الكبير (اسمه عند الولادة إيليا ياكوفلافيتش غانجا)، في ماكيفكا – أوكرانيا، في 22 أيلول 2012.

أمضى القديس الياس، الراهب الشّاب، وقتاً قصيراً في إسقيط النبي الياس، في جبل آثوس، ثم في دير مغاور كييف في أوكرانيا، حيث أجبره الشيوعيون على مغادرته.

بما أنه أصبح بدون دير، لم يعد للشيخ القديس مأوى. غالباً ما كان يشاهَد مشاركاً في القداس وهو يجلس على مقعد، إذ لم يكن له مكان يذهب إليه. كان يعيش في بيوت مختلف المسيحيين المؤمنين الأتقياءن الذين اعتبروا ذلك بركة عظيمة، أن يستضيفوا شخصاً اشتهر بموهبتي صنع العجائب والرؤية. لم يستطع الشيوعيون إلقاء القبض عليه، لأنه كان يعرف مسبقاً متى سيأتون إلى البيت الذي يقيم فيه (وهو ما حدث مع القديسة مطرونة من موسكو). كانت تصحبه، منذ ذلك الوقت وحتى نهاية حياته، أربعُ نساء، واحدة منهن مريضة والأخرى أرملة مع ابنتها.

من سنة 1937 وحتى 1946، عاش في ماكيفكا، خلال الحرب العالمية الثانية، لأنه سبق فتنبَّأ، بالضبط، بأن مدينة ماكيفكا لن تَشهد مذبحة من الألمان، وبأنه لن يعانيَ كثيراً هناك، رغم أن الألمان كانوا في الجوار. فعلاً، لم تَصل الحربُ إلى هناك، فلم يكن هناك قصف أو جوع أو خراب.

رغم أن الشيخ كان يتَّكىء على عصا، إلا أنه كان يمشي بسرعة، حتى أن اليافعين والأصحّاء لم يستطيعوا مجاراته.

كان بالغ اللطف والكياسة، فكان الناس يأتون باستمرار للتكلُّم معه، حتى من أمكنة بعيدة، ويغادرون متَعَزِّين رغم مرضهم. عندما أُغلِقت الكنائس من قِبَل الملحدين، كان يستضيف الكهنةَ من كييف وموسكو. من الصباح وحتى المساء، كان يُعَزّي الناسَ ويساعدهم من القليل الذي لديه.

كان القديس الياس رجل الصلاة الدائمة، فكان يقرأ الكتاب المقدس والمديح والمزامير يومياً. غالباً ما كان يُشاهَدُ جالساً على مقعد، خارج البيت الذي يقيم فيه، وهو يُنشد المزامير. كان يعلِّم المؤمنين كيف يُصَلّون ويَحثُّهم على الذَّهاب إلى الكنيسة، فيقول: “في أيام الأحاد والأعياد، لا تبقوا في البيت. اذهبوا إلى الكنيسة، وستكون كلُّ أمورِكم على ما يرام”. حتى في أيامه الأخيرة، ورغم مرضه، كان يَحضَرُ الخِدَمَ الكنسيّة.

في بعض الأحيان، كانت تأتي توجيهاتُه قاسيةً وشاجبة، كما يحدث عندما يشاهد نسوة لا يحملن صليباً. مرّةً، أتت سيدتان لرؤيته، وكانت قد قالت إحداهما، على الطريق، للأخرى عن نفسها بأنها جد خاطئة كخنزيرة قذرة. لم تتفوّه الأخرى بشيء. عندما وصلتا عند الشيخ، طلب الشيخُ من الإمرأة التي صمتت أن تبقى خارجاً، بينما استقبل الأخرى التي نعتت نفسَها بالخنزيرة القذرة. دنت من السرير الذي كان الشيخ مستلقياً عليه، وسألته الماذا لم يستقبلْهما معاً، فأجاب: “يأتي إليَّ الناس، الكثيرُ منهم، لكن، قطعاً، ليس الخنازير”. صاحت المرأةُ بالشيخ لإهانته ناعتاً إياها بالخنزيرة، إلا أنه أشار أنه من غير الإنساني أن تنعت نفسها، سابقاً، بالخنزيرة القذرة. وهكذا، كشف الشيخ، بتلك الإهانة الظّاهرية، كبرياءها الخَفيَّة. فقال: “حسناً، إذا كانت الكبرياء في داخلك، فمن الأفضل أن تهدئي”.

خلال الحرب، وفي بدء كلِّ سنة، كان يُوجّه العائلات لزراعة نوع معين من الخضار. فكان يعطي البَرَكةَ لعائلة أن تزرعَ البطاطا، والأخرى أن تزرع البلازيلاء، والأخرى الثوم، وهكذا… مَن يطيعه كانت تفيض غلالُه بوفرة، فلا يجوع. بينما الذين لا يطيعونه يصيرون في فاقة.

كان يعزّي المحزونين لوفاة أحبّائهم. تلقّت سيدةٌ إشعاراً بأن زوجها قد قُتِلَ في إحدى العارك. استولى عليها الحزن العميق، فقامت بزيارة الشيخ. بعد أن أصغى إليها، قال: “اذهبي إلى الكنيسة وصَلّي بحرارة، وتناولي كلَّ أحد، فسوف يعودُ زوجُك”. أطاعت المرأة، وفعلت كلَّ ما طلبه منها. بعد فترةٍ، تلقَّت رسالةً من زوجِها الذي كان على قيد الحياة. كان قد جُرِحَ، ووقع في غيبوبة لفترة طويلة، إلا أن السكان المحليين أنقذوه.

كان القديس إلياس يُبقي عيناً واحدة مغمضة. في صورة واحدة، كانت عيناه كلتاهما مفتوحتين. عندما سُئلَ عن السبب، أجاب: “أستطيع رؤية العالم بعين واحدة”.

بعد الحرب، صار للشيخ، أخيراً، مكان يمكثُ فيه. كان بيتاً صغيراً، تم جمع ثمنه من مساهمات أبنائه الروحيين. عاش هناك حتى مماته. طوال ذلك الوقت، لم يتوان الشيخ عن تقديم المساعدة للناس وتعليمهم الإيمانَ الأرثوذكسي.

في ذلك الحين، تنبّأ الشيخُ بازدهار الأرثوذكسية في ماكيفكا، الأمر الذي كان يبدو شبه مستحيل، بعد دمار كلّ كنائس المدينة، تقريباً. رغم ذلك، وبعد نصف قرن، تمَّ بناء كاتدرائية القديس جاورجيوس، إضافة إلى 24 كنيسة أخرى. “سوف يَحفط اللهُ ماكيفكا حتى النهاية! سوف يمنحها العديد من أماكن العبادة! “.

في بدء سنة 1946، أخبر أبناءه الروحيين بأنه سوف لن يحتفل بالفصح معهم. فعلاً، رقد القديس الشيخ الياس يوم الأربعاء العظيم، في 17 نيسان سنة 1946. جرى دفنُه يوم الجمعة العظيم المقدس. بعد 66 سنة، تم الكشف عن بقاياه في القبر، حيث بُنيَ نُصبٌ لذكراه.

إعلان قداسته كان في كاتدرائية القديس جاورجيوس، حيث يُحتَفَظُ ببقاياه.

السنة التاسعة – العدد الأول – تشرين الأول 2012

السنة التاسعة – العدد الأول – تشرين الأول 2012

 

مختارات آبائية

حتمية الألم

الشهيد الجديد يوحنا رئيس أساقفة ريغا

 

غنى النعمة

الأرشمندريت إميليانوس رئيس دير سيمونس بترس في الجبل المقدّس

 

لماذا قلّة كتابات النساء القديسات؟

الشيخ صوفرونيوس آسكس

 

كيف تصلّي من دون ضلال

الشيخ يوحنا ألكسييف البرلعامي

 

عظة

إلى الغريب المتألِّم يأتي!

الأرشمندريت توما بيطار

 

أبطال روحيون

لاهوتي غير معتمَد، من سيرة الأب يوحنا رومانيدس

 

القديس الياس ماكيفكا

نقلها إلى العربية الأب اثناسيوس بركات

 

حياة روحية

من كتاب “علم الطب الروحي”

للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

رعائيات

رسالة كهنة طرابلس والكورة حول الهيئة المدنية للروم الأرثوذكس في لبنان

 

قصة

الشيخ والقطار

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

من كتاب “علم الطب الروحي”

من كتاب “علم الطب الروحي”

للميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس (قيد الترجمة)

 

أتذكّر ما قاله المسيح: “ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض” (لو8:18). يبدو أن المسيح نفسه يتساءل إن كان سيجد الإيمان عندما يأتي على الأرض.

من المؤكد أنه سوف يجد معاهد لاهوت، حيث تدرّس مواضيع علم اللاهوت الأكاديمية وحيث يتلقى أساتذة اللاهوت التدريب الذهني. بلا شك، سوف يجد نشاطاً كنسياً، وقداديس جميلة في أيام الأعياد وحركة ليتورجية قوية. إنه سوف يجد بالتأكيد جماعات رهبانية واسعة يلتقي فيها برؤساء ورئيسات أديرة رائعين، الذين مثلهم مثل كل شيء آخر، يكونون واثقين في أنفسهم ومكتفين بذواتهم. إنه سوف يجد أديرة يتحدث فيها الرهبان منذ الصباح حتى المساء عن المحبة، ولكنهم غير قادرين في الواقع على أن يُصلبوا من أجل إنسان واحد. إنه سوف يجد بالتأكيد مسيحيين فخورين بهويتهم المسيحية ويجاهدون في طريقهم لكي يكملوا عمل رسالتهم. وبلا شك سوف يجد مجموعات مسيحية منظمة تشتغل بالعمل الاجتماعي.

إلا أن السؤال يظل باقياً: “متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟” هل سيجد الإيمان؟ إننا عندما نقول الإيمان، فإننا نعني في المقام الأول الشركة والحياة. الإيمان هو “رؤية وإدراك القلب”. هل سيجد محبة مسيحية؟ هل سيجد أناساً مستعدين للتضحية بأنفسهم من أجل إخوتهم في الإنسانية؟ هل سيجد راهبات، مثل القديسة ماكرينا، ملتهبات كل يوم بمحبة المسيح؟ هل سيجد أساقفة مثل القديس غريغوريوس النيصي، مملوئين تواضعاً ومحبة لله وحساً روحياً مرهفاً، التي هي مواهب ظاهرة بوضوح في روايته عن سيرة أخته؟ هل سيجد مسيحيين مشتعلين بنار حلول الروح القدس؟ بحسب تعليم آبائنا، تكون كل الفضائل عديمة النفع ما لم يكن الروح القدس موجوداً في قلوبنا. لم تخلص الخمس عذارى الجاهلات، على الرغم من كونهن عذارى، لأنهن لم يقتنين المحبة، التي هي أهم كل الأمور وهي نعمة الله في قلوبهن. بالتالي، عندما يأتي المسيح على الأرض هل سيجد “آثاراً للإيمان محفورة من قِبَل الله”، “ذبائح عقلية”، أناساً يكونون مسكناً لله الثالوث، هياكلاً للروح القدس؟

ينبغي ألا يكون هذا السؤال محل اهتمام المسيح ولكن محل اهتمامنا نحن المسيحيين بالدرجة الأولى، نحن الذين تعودنا على الحياة بطريقة سطحية وجعلنا الحياة المسيحية طقسية وذهنية.

* * *

يكتب القديس مرقس الناسك أنه لا ينبغي بنا التطلّع إلى الكمال في الفضائل البشرية، لأن الشخص الكامل لا يوجد فيها: “لأن كماله مخفي في صليب المسيح”. لا يكون المرء كاملاً عندما يتعيّن عليه فعل العديد من الأعمال البشرية، ولكن عندما تكون لديه القدرة والقوة على أن يُصلَب، وأن يُصلَب باستمرار، وأن يحيا سرّ صليب المسيح. ما هو أكثر من ذلك، أن القديس مرقس الناسك يقول أن هذا الكمال سريّ ومخفي داخل صليب المسيح. هذا هو سر الموت الجالب للحياة.

* * *

المحبة هي مناخ الصليب السلامي. المحبة هي نور الصليب. الذي يُصلَب ويتحرر من الأهواء يحبّ بحق، ويقتني حياة حقيقية داخله. هذه المحبة هي تعبير عن القيامة التي تأتي من الصلب الإرادي. إننا عادة ما نظن أن نهاية الحياة تساوي صفراً. لكن العكس هو ما يحدث. كما أنه في الحساب توجد أرقام أخرى تحت الصفر: -1، -2، إلخ، هكذا تحت الصليب توجد حياة أخرى. ونستطيع أن نقول بكل ثقة أن حياة الفشل البشري تلك والتي هي تحت الصفر هي الحياة الحقيقية. ينبغي علينا أن ندرك أن هذه المحبة تأتي مباشرة من الأبدية، من الجحيم الذي استقبل المسيح، الذي نقل لنا النور الأبدي.

* * *

يضيء النور كلّ شيء. لا يستطيع أيّ ظلام أن يخفيه. يستطيع نور الشمس أن يخترق السحاب ويخلق استنارة وفرحاً. يحدث نفس الشيء مع الشخص المصلوب إرادياً. المحبة النبيلة لا تخاف أحداً. ليست بخيلة. إنها تعطي بدون تقتير. تحترم حرية كل البشر. تنيرهم دون أن تحرقهم. حتى لو أحرقتهم فإنها تنتج ذهباً، حيث يتغير الشخص الآخر إلى ما هو أفضل. لا تطلب المحبة النبيلة مكافأة. إنها لا تعرف كيف تنتظر، ولكنها تعرف كيف تُقدّم. لا تقوم المحبة النبيلة بإعطاء المقابل ببساطة، ولكنها تأخذ الخطوة الأولى نحو الشخص الآخر. تأخذ المحبة الفشل البشري وتصنع منه مجداً. إنها تحوّل الجحيم إلى فردوس. تشبه المحبةُ النبيلة محبةَ المسيح. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “لقد تزوّج الله الطبيعة التي كانت زانية”.

* * *

رسالة كهنة طرابلس والكورة حول الهيئة المدنية للروم الأرثوذكس في لبنان

انشغل قسم من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية في لبنان، أواخر أيلول 2012 بمشروع إنشاء الهيئة المدنية للروم الأرثوذكس في لبنان. وقد فنّد الأرشمندريت توما بيطار المشروع(أنقر هنا)، كما نظّمت حركة الشبيبة الأرثوذكسية لقاءً عاماً شارك فيه اللقاء الرعائي تعبيراً عن رفضهم المشروع ومطالبتهم بتفعيل الموجود من القوانين. من جهتهم، كهنة أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما تداعوا إلى اجتماع في دير بكفتين، كلّفوا على أثره لجنة منهم لكتابة رسالة إلى المجمع يحملها صاحب السيادة مطران الأبرشية. وقد وجدت التراث الأرثوذكسي أن من الضروري نشر هذه الرسالة البنوية شهادة للتاريخ ومساهمة في الإضاءة على موقف الكهنة النابع من تقليد الكنيسة. ما يلي هو نص الرسالة

 

حضرة صاحب الغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع

الكلي الطوبى والجزيل الاحترام

حضرة أصحاب السيادة مطارنة الكرسي الأنطاكي المقدس الجزيلي الاحترام

نُقبّل أياديكم ونطلب بركتم الرسولية

نحن كهنة أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما، تداعينا إلى الاجتماع، بعد اطلاعنا أن المجمع الأنطاكي المقدس سوف يلتئم في مطلع تشرين الأول 2012، في جلسة عادية، وعلى جدول أعماله دراسة مشروع النظام الأساسي لما يُسمى بـ “الهيئة المدنية العامة للروم الأرثوذكس في لبنان” وكان وراء حماسنا لحضور هذا الاجتماع والمساهمة في مناقشة المشروع المذكور هو شعورنا بأهميته نظرًا لما يمكن أن يتركه تبنّي مشروع كهذا من أثر مصيري على كنيستنا الأنطاكية الأرثوذكسية بعامة، وعلى الكنيسة والوطن في لبنان بشكل خاص.

صاحب الغبطة… أصحاب السيادة…

قبل كل شيء نريد أن تغفروا لنا تجرؤنا، لأننا سمحنا لأنفسنا أن نشارككم ولو من بعيد في دراسة هذا المشروع وتقديم بعض الأفكار والمقترحات، علّها تساعدكم في دراستكم له. لأنّنا، كما تعلّمنا منكم، فأنتم لستم وحدكم مؤتمنين على الخراف، بل ونحن أيضًا رعاتها المباشرين، وأنتم تريدوننا أن نكون رعاة صالحين لا مجرد “أجراء لا يبالون بالخراف” (يو 10: 13). إلى ذلك فالأسقف كونه رأس الكنيسة لا يعكس في المجمع المقدّس رأيه الشخصي فحسب، بل رأي أعضاء كنيسته، وخصوصًا الملهمين من الروح القدس منهم. على هذا النحو يمكن أن يصبح “الكثيرون أعضاء في الجسد الواحد الذي رأسه المسيح”، و”كنيسة الله الحيّ” أن تكون “عمود الحق وقاعدته” (1تي 3: 15).

من أجل هذا كلّه نرجو أن تطيلوا أناتكم علينا، وتأخذوا بعين الاعتبار ملاحظاتنا التالية:

1- يستغرب المرء حين يقرأ في المشروع المقترح القول: “ولما كان الانتماء الكنسي جامع الأرثوذكس في تنوع مواقفهم وخياراتهم السياسيّة واتجاهاتهم الفكرية …”. فهل حقًّا يجهل كاتب هذا المشروع أن “جامع الأرثوذكس الحالي ليس الانتماء الكنسي بل ولادتهم في بيوت سجّل على هويات أفرادها أنهم أرثوذكسيون؟! فهل الوظيفة أو المركز هو دليل إنتماء كنسي أو مقياس له؟ إنه لمغالطة كبرى.

2- وهل حقًا يجهل كاتب المشروع أن ما يمكن أن يجمع ظاهريًا بين كل هذه الشخصيات، إن قبلوا أن يجتمعوا، هو مصلحة الطائفة الأرثوذكسية. فهل يصمد هذا الحرص أمام تضارب الآراء وتنوع المواقف والخيارات السياسية والاتجاهات الفكرية والأهم تضارب المصالح الشخصية.

3-   هذا المشروع لا يجيب على الهمين الواردين في تبريره وهما الحرص على المصالح المهضومة لأفراد الطائفة والحضور الأرثوذكسي.

من هنا نجد من المناسب أن تدرس طرق أخرى لتفعيل الحضور الأرثوذكسي والدفاع عن حقوق الأرثوذكسيين وغيرهم بالشكل الذي يحفظ الشهادة المسيحية.

أمام هذا الطرح نرجو بإتضاع بنوي وتحسسًا بالهم الذي تعيشون بالنسبة إلى الكنيسة الأرثوذكسية في بطريركية أنطاكيا عمومًا، نرجو منكم عدم إقرار هذا المشروع خشية أن يستغل البعض هذا التجمع مطية لتنفيذ مآربهم الشخصية.

مكررين طلب البركة

الآباء: يوحنا بطش، يونان الصوري، جورج داود، غريغوريوس موسى، اغناطيوس اللقيس، إبراهيم سروج، الياس الناهوم، موسى شاطرية، بندلايمون صليبا، الياس طنوس، إيليا الجوخدار، حنا أزعور، سمعان حيدر، يوحنا عيسى، الياس الخليل، نقولا مالك، إبراهيم شاهين، جورج يوسف، توفيق فاضل، رومانوس الخولي، بولس عوض، جورج اسبر، مخائيل رزوق، اغابيوس نادروس، جورج مخول، باسيليوس الدبس، أثناسيوس بركات، ديمتريوس إسبر، أنطونيوس إسبر، انطونيوس ملكي، حنانيا القطريب، يوحنا ساعود، جورج الشاغوري، أميليانوس يوسف، جورج صليبا، جورج عطية، مخائيل فجلون، نقولا رملاوي، نقولا داود، عبدالله متى، مخائيل الأشقر، مخائيل الدبس وقسطنطين سعد.

الشماسان: إبراهيم دربلي وجورج يعقوب.

الشيخ والقطار

الشيخ والقطار

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع

 

أُطلقت صفّارة القطار مؤذنة بموعد الرحيل، فصعد كلّ الركّاب إلى القطار فيما عدا شيخ كبير السنّ وصل متأخّرًا. ولكن من حسن حظّه أنّ القطار لم يتحرّك بعد. فلمّا صعد ذلك الشيخ الوقور إلى القطار، وجد كلّ الركّاب قد أخذوا الأمكنة كلّها، ولم يعد هناك مكان خالٍ للجلوس. توجّه الشيخ إلى العربة الأولى، فوجد فيها شبابًا يلعبون مع بعضهم البعض الورق. فتهلّلوا لرؤية ذلك العجوز ووجهه الذي يشعّ هيبة ووقارًا، وقالوا له: “أهلاً أيّها الشيخ، لقد سعدنا برؤيتك”. فسألهم: “هل تسمحون لي بالجلوس؟”. فأجابوه: “نحن شباب نمرح مع بعضنا البعض، ونخشى ألاّ تجد راحتك معنا، كما أنّ وجودك معنا قد يقيّد حرّيّتنا. اذهب إلى العربة التالية، لعلّك تجد فيها مكانًا خاليًا فالكلّ يودّ استقابلك”.

فتوجّه الشيخ إلى العربة الثانية ليجد فيها طلاّب دراسة يبدو أنّهم في آخر مرحلتهم الدراسيّة، وهم في نقاش حارّ عن النظريّات الفيزيائيّة والرياضيّات، فسلّم عليهم. فرحوا برؤيته، ورحّبوا به. فسألهم: “هل تسمحون لي بالجولس؟”. فأجابوه: “لنا كلّ الشرف بذلك، ولكنّنا مشغولون بالحديث عن الامتحانات والدراسة، فأحيانًا يغلبنا الحماس وترتفع أصواتنا، ونخشى أن نزعجك فلا ترتاح معنا. ولكن توجّه إلى العربة التي تلينا، علّك تجد مكانًا تجلس فيه. فكلّ من يرى وجهك الوضّاء يتوق لنيل شرف الجلوس معك”.

فمضى الشيخ ليجد في العربة التالية شابًّا وزوجته في شهر العسل، يتبادلان الكلمات العاطفيّة، والضحكات والمشاعر المتدفّقة بالحبّ والحنان. فألقى عليهما الشيخ سلامًا دافئًا، فتهلّلا لرؤيته، فسألهما إن كانا يسمحان له بالجلوس معهما. فأجاباه قائلين: “إنّنا نتوق لنيل شرف مجالستك، ولكن كما ترى نحن زوجان في شهر العسل، وجوّنا جوّ عاطفيّ، ونخشى ألاّ تشعر بالراحة معنا، فحبّذا لو قصدت عربة أخرى عسى تجد مكانًا خاليًا تجلس فيه بقيّة رحلتك، فكلّ من في القطار يتمنّى أن تشاركهم الجلوس”.

مرّة أخرى توجّه الشيخ إلى العربة التي بعدها، فوجد مجموعة من الشباب يتبادلون وجهات النظر حول خططهم المستقبليّة لتوسيع تجارتهم، فألقى عليهم سلامًا وسألهم إن كانوا يسمحون له بالجلوس. فقالوا له: “كم نودّ ذلك، ولكن كما ترى نحن في بداية تجارتنا، وفكرنا مشغول بتحقيق ما نحلم به من نجاح، وحديثنا كلّه عن التجارة والمال، ونخشى أن نزعجك بهذا، فلا تشعر معنا بالراحة. اذهب إلى العربة التي تلينا، فكلّ الركّاب يتمنّون مجالستك”.

وهكذا تنقّل الشيخ، حتّى وصل إلى آخر عربة في القطار، وهناك وجد عائلة مكوّنة من أب وأم والأولاد، ولم يكن في العربة أيّ مكان شاغر للجلوس، فألقى عليهم سلامًا. وهنا استقبله الجميع بالسلام الحارّ.

وقبل أن يسألهم السماح له بالجلوس، طلبوا منه أن يتكرّم عليهم ويشاركهم جلستهم. وهرع الأب إلى إصدار أوامره، فأمر ابنه الأصغر بالجلوس في حضن أخيه الأكبر، وأزاح الجميع الحقائب، وأفسحوا مكانًا للشيخ الوقور ليجلس معهم. وأخيرًا جلس الشيخ على الكرسيّ بعد ما عاناه من كثرة التنقّل في القطار.

وبعد قليل توقّف القطار في إحدى المحطّات، وصعد إليه بائع الأطعمة، فناداه الشيخ، وطلب منه أن يعطي أفراد العائلة التي سمحت له بالجلوس معهم كلّ ما يشتهون. وأكل معهم وسط نظرات ركّاب القطار الذين كانوا يتحسّرون على عدم ترحيبهم بجلوس ذلك الشيخ معهم.

ثمّ صعد بائع العصير إلى القطار، فناداه الشيخ وطلب منه أن يعطي أفراد العائلة ما يريدون من العصير والمشروبات على حسابه وشرب معهم. وبدأت نظرات ركّاب القطار تحيط بهم أكثر فأكثر، وبدأوا يندمون على تفريطهم في الترحيب به! ثمّ صعد بائع الصحف والمجلاّت إلى القطار، فناداه الشيخ، وطلب منه أن يعطي مجلّة لكلّ فرد من أفراد العائلة لكي يستمتعوا برحلتهم. وما زالت نظرات الحسرة على وجوه الركّاب… ولكن لم تكن هذه هي حسرتهم العظمى. فقد توقّف القطار في المدينة المنشودة، واندهش كلّ الركّاب للاستقبال الحافل الذي حظي به هذا الشيخ الوقور… فقد طُلب من جميع الركّاب بأن يلبثوا في أماكنهم حتّى ينزل هذا الضيف الموقّر من القطار… وعندما طُلب منه النزول رفض أن ينزل إلاّ بصحبة العائلة التي استضافته!! وهنا تحسّر الركّاب على أنفسهم تحسّرًا عظيمًا!!

تُرى من كان هذا الشيخ؟!! لقد كان محافظ البلد الجديد!!

أحبّاءنا، إنّ هذه القصّة تخصّ كلّ واحد منّا. فكلّنا قد مرّ بموقف من مواقفها. الشيخ الوقور يشير إلى الربّ يسوع المسيح مخلّص البشريّة، والجميع مشغولون عنه: بالدراسة والواجبات والامتحانات والعمل والزواج…

العمر يمضي ونحن نردّد: “غدًا، سأهتمّ بحياتي الروحيّة وخلاصي، أو بعد أن أفرغ من هذا العمل الذي باشرت به، أو بعد أن أنتهي من الصفقة التي بدأتها ولا أستطيع التراجع عنها، أو سأهتمّ بخلاصي بعد أن أكبر وأتفرّغ لأمور الله، أو بعد أن أحصل على وظيفة… أو… أو…”.

بعد أن… بعد أن… بعد أن…

لكن… احذر أن يضيع العمر ويصل القطار إلى المحطّة الأبديّة، من دون أن تقابل السيّد الربّ، وتفرح بصحبته…

لاهوتي غير معتمَد

لاهوتي غير معتمَد

من سيرة الأب يوحنا رومانيدس

 

روى أحد تلاميذ الأب يوحنا رومانيدس القصة التالية:

قبل ما يقارب الخمسين سنة، حين كنتُ طالباً في الأكاديمية اللاهوتية، أخبرنا الأب يوحنا رومانيدس، أستاذ العقائد، قصة عن أيام دراسته في كلية اللاهوت في جامعة أثينا. كان عليه الدفاع عن رسالة علمية (أطروحة) للحصول على شهادة الدكتوراه من الجامعة، وكان في ذلك الوقت (خمسينيات القرن العشرين) كاهناً جديداً. كان موضوع رسالته “الخطيئة الجديّة” (أي خطيئة الجدّين آدم وحواء، ويترجمها البعض خطأً “الخطيئة الأصلية”). أثناء الدفاع، كانت الأسئلة تنهال على الأب رومانيدس من الأساتذة أعضاء اللجنة، وكانوا جميعاً من خِريجي الجامعات الكاثوليكية أو البروتستانتية في أوروربا، حيث أن الجامعات الأرثوذكسية كانت في أوروبا الشرقية وقد أغلق الشيوعيون أغلبها. كان الأب يوحنا يجيب بكل ما أوتي من مقدرة. أخيراً جاء دور رئيس الدائرة اللاهوتية، الدكتور بانايوتيس ترامبلاس، الذي صوّب نحو الأب يوحنا الذي كان يقف أمام منصة الأساتذة، بحسب العادة المتّبعة.

قال ترامبلاس متوجهاً إلى الأب رومانيدس: “لديك الكثير من الاقتباسات في أطروحتك من سمعان اللاهوتي الحديث”، فأجاب الأب يوحنا باحترام: “هذا صحيح سيدي الأستاذ”.

فتابع ترامبلاس: “عليك حذفها، إذ لا يمكن اعتبار سمعان كمصدر في عملك، فهو لم يحصل يوماً على شهادة لاهوتية فهو ليس لاهوتياً معتَمَداً”.

وبدون أن يرف له جفن من ملاحظة ترامبلاس غير المعقولة، أجاب رومانيدس بهدوء: “عظيم جداً بحسب ما تقول، سيدي الأستاذ. أتريدني أيضاً أن أحذف كل اقتباساتي من الإنجيليين متّى ومرقس ولوقا ويوحنا، إذ هم أيضاً لم يحصلوا يوماً على شهادة في اللاهوت؟ هم أيضاً كانوا لاهوتيين غير معتَمَدين”.

عندها امتلأت القاعة بصوت ضحك مخنوق صادر من منصة الأساتذة كما من الحضور.

كيف تصلّي من دون ضلال

كيف تصلّي من دون ضلال

الشيخ يوحنا ألكسييف البرلعامي (Valaam)

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

من المحزن جداً أن نسمع أن الكهنة يعلّمون أبناءهم الروحيين أن يتخيّلوا المخلّص أو والدة الإله أو بعض القديسين في فكرهم عندما يصلّون. هذه طريق خاطئة في الصلاة، لا بل هي مؤذية. أعرف أن الذين يصلّون بهذه الطريقة، فسد عقلهم حتّى أن بعضهم احتاج إلى طبيب لعلاجه.

سوف أخبرك باختصار كيف تصلّي بحسب الآباء القديسين الممتلئين حكمة إلهية. يجب أن يُطوَّق الفكر بكلمات الصلاة ويجب حفظ الانتباه فوق الصدر، لأن الانتباه هو نَفَس الصلاة. لا ينبغي أن تدفع قلبك مع الانتباه، إذ إذا كان الانتباه في الصدر، يتماثل القلب. عندما تظهر رقّة القلب ودفؤه، لا تفتكر أنّك تلقيتَ شيئاً عظيماً. هذا يحدث بشكل طبيعي نتيجة التركيز، لكنّه ليس وهماً. في النهاية يعطي الله بعض التعزية للإنسان الذي يصلّي بالنعمة.

في كل الأحوال، حاول ألاّ تدين أحداً على أي شيء. ما لا تريده لنفسك لا تعمله للآخرين، لا تحمل كراهية، وإلا فلن تتأسس الصلاة في القلب.

لماذا قلّة كتابات النساء القديسات؟

لماذا قلّة كتابات النساء القديسات؟

الشيخ صوفرونيوس آسكس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

لا يوجد كتابات للنساء القديسات. هذا ليس لأن النساء عددهن أقلّ من عدد الرجال. هناك قديسات من النساء أكثر مما هناك قديسون من الرجال، لكن حياتهن تكون بالخفية حفاظاً على الحياة النسكية. لقد تلقّت السيّدة نعمة عظيمة من الله. نحن ليس لدينا إعلانات منها، لكننا نعرف أن عندها نعمة كبيرة تلمسها الكنيسة وكل الذين يتضرعون إليها.

إلى هذا، لم يكن مطلوباً من النساء رعاية قطعان تكشف خبرتهن. أولئك اللواتي تركن لنا بعض الكلمات، كنّ رئيسات أديار. لكن حتى القديسون (من الرجال) كانوا ليصمتوا ولما كانوا كتبوا لولا الضرورة ولولا أنهم رجال مسؤولين عن قيادة القطيع كرعاة للكنيسة.

 

عن: Οίδα άνθρωπον εν Χριστώ: Βίος και πολιτεία του Γέροντος Σωφρονίου του ησυχαστού και θεολόγου. Μητροπολίτου Ναυπάκτου και Αγίου Βλασίου Ιεροθέου.

غنى النعمة

غنى النعمة*

الأرشمندريت إميليانوس رئيس دير سيمونس بترس في الجبل المقدّس

نقلها إلى العربية راهبات دير مار يعقوب المقطع، دده – الكورة

 

نعيّد في هذا الأحد المقدّس المشعّ لرفع الصليب الكريم. يذكّرنا هذا العود الجزيل الثمن بالآلام الموقَّرة التي كابدها المسيح على الصليب من أجل غفران خطايانا. كان آدم متعرّيًا في الفردوس ظاهريًّا، ولكنّه بالحقيقة كان يتوشّح بنور الألوهيّة، متنعّمًا بمجد الخالق. كان يأكل من ثمار أشجار الفردوس، ويتغذّى، بالوقت نفسه، بإشعاعات الطاقة الغير المخلوقة التي لإلهنا. بالخطيئة انتُزع اللباس النورانيّ عن الإنسان، وحُرم من أطايب الفردوس، مذاك صار غذاؤه الخرنوب، وأصبح شرابه ممزوجًا بعرق الكدّ والتعب، ومصائب الحياة والدموع اليوميّة، والخطايا التي يسقط فيها نهارًا وليلاً.

لا يعني تكريم الصليب أن نتذكّر آلام السيّد وحسب، وإنّما هو باعثُ للفرح والبهجة والسرور، هو إنعاش للنفس، مائدة وافرة، وليمة روحية. خدمة هذا اليوم مفعَمة بالفرح، وألحان قانون السحر ألحان فصحيّة مشبعة بالحيويّة وبهجة العيد وبريق القيامة المجيد. تخبرنا الطروباريّة عن تجديد الحياة، فآدم القائم يطرب فرحًا، وينشد نشيد ظفر السيّد، لأنّ الصليب صار سببًا لحياة جديدة بالروح القدس.

ينتصب الصليب في منتصف فترة الصوم الكبير كأنّه شجرة غُرست في درب التقشّف الشاقّ والطويل. تحت ظلّها يلقى الحجّاج راحتهم ليتابعوا طريقهم، بعد ذلك، بحماس متجدّد. الصليب طريق الفردوس الذي أغلقته الخطيئة، وفتحه لنا المسيح من جديد، ومذاك صار نوال غنى نعمة المسيح سهلاً متيسّرًا.

ما هي النعمة؟ إنّها أحشاء رحمة إلهنا ورأفته ومحبّته للبشر، ففي الفردوس أغنتنا النعمة الإلهيّة بكنوز الروح القدس ومواهبه. كلمة “غنى” أي ploutos باليونانيّة مؤلَّفة من مقطعين: الأوّل، ويعني التفضيل أو الأكثر(polys) أي إنّنا ننال مسبَقًا أكثر ممّا كنّا ننتظر. والثاني هو كلمة etos)) الآتية من فعل الكينونة (être) ،(existe) يوجد (Eimi) وتعني أنا هنا حقيقة، أو أنا أوجد فعلاً. كلمة غنى، إذًا، تعني الخيرات المُعَدَّة، الخيرات الحقيقيّة التي تخصّنا نحن، كما تعبّر عن الحصاد الوافر أو الغلاّت الوافرة.

الصليب الجزيل الثمن هو الهيكل الذي ضُحّي عليه المسيح من أجل خلاصنا، وبه خُوِّلنا الاقتراب من الله. إنّه قوّتنا وملجأنا، هو الذي يملؤنا بالنعمة الإلهيّة؛ هو السلاح الذي أمدّنا المسيح به لدخول ملكوته، ولهذا ننشد بأنّ الصليب هو”باب الفردوس” أو “الفردوس الحلو”، الذي يضيء القلوب بشعاع نعمته. هو “ينبوع المواهب”، مواهب الروح القدس التي تغذّينا وتدسمنا لننمو” بنعمة معرفة ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح” (2بط 3: 18). لقد أعاد لنا الصليب اللباس الإلهيّ الذي فقدناه، “فشجرة الصليب تحمل للعالم لباس الحياة”، ولهذا نقول بأنّنا قد “لبسنا المسيح” (غلا 3: 27).

النعمة هي محبّة المسيح التي دعانا إليها “وصيّة جديدة أعطيكم…”( يوحنّا 4 : 13-34 )، هذه المحبّة التي ترسّخ العلاقة بينه وبين الإنسان، وقد انسكبت علينا بفيض أثناء تجسّده، بيد أنّ النعمة غمرت المسكونة حتّى قبل مجيء المسيح، إذ تجلّت في خلق الكون والإنسان. اتّضحت النعمة عبر الخيرات التي أُغدقت على البشريّة، وأيضًا عبر القصاصات التي وُضعت لردع البشر عن الاستمرار في الخطيئة، واستبانت، كذلك، من خلال محادثة الله مع الأبرار والعجائب والنبؤات. علّم الله الشعب الإسرائيليّ بواسطة موسى والشريعة إلاّ أنّ العبرانيّين عجزوا عن تطبيق الشريعة، لأنّ النعمة لم تكن قد حلّت بعد فيهم، وما زال مغلقًا عليهم كلّهم في ظلمات الخطيئة والموت.

تبرز النعمة في كلّ أعمال الله، وهي التي آلت إلى تجسّد الكلمة، وتدفّقت بغزارة من المسيح المتجسّد لتشمل العالم كلّه. قال سليمان الحكيم، وذلك قبل آلاف السنين من مجيء المسيح: “أولئك الذين يطلبونني سيجدون نعمة” (أم 8: 17). لم يقل الذين يطلبون الله وجدوا نعمة إنّما “سوف يجدون نعمة”. أشار سليمان هنا نبويًّا إلى صلب السيّد، وكأنّه يقول: “يا شعب العهد القديم، إنّكم تطلبونني أنا الله، وسوف تنالون نعمتي عندما يولد كلمتي المسيح، وينزل إلى الجحيم، ثمّ يقوم من بين الأموات”.

النعمة هي، إذًا، التعبير عن رأفة الله ومحبّته تجاه الإنسان بالمسيح يسوع في الروح القدس. وهي، أيضًا، مجموعة إشعاعات الله الغير المخلوقة المنبعثة على الخليقة كلّها وبخاصّة على الإنسان حتّى يصل إلى درجة التألّه بالنعمة. هي، أيضًا، قوّة الله للخلاص، والعاضدة لنا، والتي تجعلنا من عداد مواطني السماء بدءًا من هذه الحياة الحاضرة. تُظهر لنا النعمة محبّة الله الكلّيّة لنا والمستمرّة منذ إنشاء العالم، كما تشهد على تدبيره الخلاصيّ الذي حدّده لنا منذ البدء لكي ننال وعوده الإلهيّة.

وتبيّن لنا النعمة، كذلك، بأنّ إله إبراهيم وإسحق ويعقوب وداوود، والأنبياء والأبرار، والرسل والشهداء، والرهبان والمعترفين وكلّ القدّيسين، الذي صنع الآيات الباهرة من أجلهم هو ذاته إلهنا نحن أيضًا، الذي كان منذ البدء، والذي سيأتي والذي هو هو دائمًا وأبدًا، كما نرتّل “أظهر لنا يا رحيم محبّتك كما أظهرتها قديمًا للشعوب لكي يعرفوك أنّك أنت هو بالحقيقة الله وبأنّ نصرتنا هي من لدنك وحدك”. أظهر لنا يا الله قوّتك كما أظهرتها في القديم لكي نصل إلى اليقين الذي به سنغلب نحن، أيضًا، كمؤمنين وككنيسة. قد نعاني من صعوبات، أو تمرّ كنيستنا  باضطهاد، فنظنّ أن ّالله نسينا ولا يحبّنا لأنّه لا يبادر إلى معونتنا. نشتكي ونضيّع إيماننا إلاّ أنّ الله يظلّ عادلاً وأمينًا لا يمسك نعمته عنّا، ولا يحجبها.

ولنرَ، الآن، ما هي مواهب الله التي يغدقها علينا، مبتدئين بالأمور الأساس:

العطية الكبرى التي منحنا إيّاها الله تنكشف في سرّ تجسّد المسيح على الأرض، وفي تجلّي الكنيسة وانتشارها في العالم، وفي الدهشة البالغة التي سوف تشملنا ونحن نهتف هتاف الفرح والابتهاج حين تتّضح بنوّتنا الحقيقيّة لله قدّام الملائكة والبشر لدى وقوفنا أمام منبره العادل في اليوم الأخير. مرارًا كثيرة نطرح على ذواتنا هذا السؤال: هل أبناء الله هم قليلون؟ في المجيء الثاني سوف نرى أبناء الله، وسنتهلّل لمعاينتنا أعدادًا لا تحصى منهم في أحضان إبراهيم.

هناك، أيضًا، مواهب وعطايا طبيعيّة وفائقة الطبيعة. فالمواهب الطبيعيّة تتجلّى في قدرة الله الفاعلة في كلّ الخليقة المحسوسة وهي: الحياة، الحركة، الجمال، الانسجام، الإنجاب، وسائر وظائف المخلوقات وأحوالها. لذا ما إن تأمّل الإنسان في هذه البدائع حتّى شدا يسبّح الله: “أيّها الربّ ربّنا ما أعجب اسمك في الأرض كلّها لأنّ جلالك تسامى على السماوات” (مز 8:1).

هناك، أيضًا، ما منحه الله للإنسان حين جعل كلّ الأشياء في خدمته وتحت تصرّفه، وما أضفاه من عظمة على تركيبه العضويّ، وعلى الشرارة الإلهيّة الغير المائتة المحيية العاملة فيه، في حساسيّته وسرعة تأثّره، في الحكمة، في المحبّة والمعرفة، في الإدراك السليم، في العدالة والحماية الأبويّة، في الأمومة، في علاقته العاموديّة مع الله والأفقيّة مع البشر، في اللغة والعلم والفهم، في الاكتشافات وسيادته على الأرض وسبره غور المحيطات، في غزو الفضاء والميل الى الله والإيمان به بالإضافة إلى النجاحات والخيبات التي تصادفنا. كلّ هذه تساهم في نوال الغبطة الأبديّة وبلوغها. هناك، أيضًا، الصحّة التي تسرّ الإنسان، والأمراض التي تهذّبه، الغنى وتعلّقه به، الفقر الذي يجعله إنسانًا غنيًّا بالله. وخلاصة القول إنّ الإنسان يتسلّط على خيرات الأرض، ويتدرّب على فهم الحقائق الإلهيّة، لأنّه الابن الذي خلقه الله وأحبّه وأخذ يعتني به.

أمّا العطايا التي تفوق الطبيعة فهي كثيرة تخدم حياة الإنسان الروحيّة، وتتعلّق بأبديّته وخلاصه، وتساهم في بناء علاقة مع الله تفضي إلى تأليهه، وهي على أنواع :

أوّلاً: الاعمال التي أعطاها الله للإنسان لكي يعملها: العجائب، الشفاء، الرعاية، السلطة، اللغات، النبوءة، البصيرة، الحذاقة، الإيحاءات. فأنا لا أستطيع من ذاتي أن أجترح العجائب، ولا أن أتكلّم بالألسنة، ولا أن أتنبّأ أو أستوحي عمّا يحدث في أقاصي الأرض أو في أعلى السماء، كما أعجز عن قيادة قطيعي فيما لو كنت كاهنًا أو أسقفًا إن لم أحصل أوّلاً على النعمة الإلهيّة.

ثانيًا: أسرار الكنيسة السبعة مع كافّة الأسرار الظاهرة منها وغير الظاهرة. السرّ يعني شيئًا غير منظور يختفي وراء المنظور. أليست الرهبنة سرّ هي، وكذلك الطاعة؟ فالله يختبئ، مثلاً، في شخص الأب الروحيّ أو الأسقف اللذين نقدّم لهما الطاعة. ما هي الصلاة؟ إنّها المسيح، العنصر الغير المنظور الذي يدخل في قلوبنا بالروح القدس، من خلال كلماتنا وتنفّسنا التي هي عناصر منظورة.

ثالثًا: ثمار الروح القدس التسعة التي تكلّم عنها القدّيس بولس في رسالته إلى غلاطية، التي تتناول الحياة الاجتماعيّة داخل الكنيسة، فمن البيّن أنّنا من دون هذه المواهب لا نستطيع الحصول على حياة اجتماعيّة. وأمّا هذه الثمار، فهي: المحبّة، الفرح، السلام، طول أناة، الخدمة، التعفّف، الإيمان، اللطف، الانضباط.

رابعًا: الفضائل اللاّهوتيّة الثلاثة التي ذكرها الرسول بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس: الإيمان، الرجاء، المحبّة الموجَّهة نحو الله.

خامسًا: المواهب المسيانيّة الثمانية التي تناولها النبيّ إشعيا معلنًا عن مجيء المسيح فيقول: “عليه يرتكز روح الله، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقدرة، روح المعرفة والتقوى، روح المخافة” (إش 11: 2). ونحن المؤمنين، الذين مُسحنا بالروح القدس، علينا أن نكتسب هذه المواهب بعيش الفضيلة والإيمان، إذ لكلّ منها معناه وأهمّيّته في حياتنا. الفضائل الثلاث اللاّهوتيّة تمثّل الثالوث القدّوس ومجده. الثمار التسعة التي للروح القدس تكشف عن توزيع المواهب وتنوّعها. العطايا المسيانيّة الثمانية تذكّرنا بالأوقات الأخيرة، واليوم الثامن أو الدهر الآتي.

سادسًا: المواهب الأربعة التالية: الصوم، السهر، الصلاة، الإحسان، وتخصّ هذه المواهب المسيحيّين الذين يجاهدون باستقامة. تتحوّل الحروب الروحيّة إلى أعمال باهرة تتخطّى حدود الطبيعة البشريّة عندما تتدخّل النعمة وتشدّد المؤمن في جهاده.

سابعًا: المواهب التي تملأ العالم وتسنده وتشدّده بحضور الروح القدس وقدرته: موهبة الكرازة والاستشهاد، وعطيّة القداسة، وموهبة الحياة الرهبانيّة – والتي تتولّد منها مواهب كثيرة – وموهبة الدموع والابتهاج، وموهبة الهدوئيّة والطاعة التي ترفعنا إلى مستوى الكمال الروحيّ، فنصل إلى الحكمة الروحيّة والتأمّل والمشاهدة المغبوطة لله بحسب القول النبويّ: “جعلت الربّ دائمًا أمام عينيّ لأنّه هو عن يميني لكي لا أتزعزع” (مز 16: 8).

ثامنًا: توجد مواهب للروح القدس نرفضها نحن أحيانًا، أو بالأحرى لا نفهمها ولا نؤمن بها. نقاوم الله، مثلاً، عندما تنالنا الأحزان أو الأمراض، أو نعاني الفقر والظلم والجور. نقاوم الله عندما نرفض البتوليّة، العقم، المرض الساري، الجوع، الزلازل الأرضيّة، الكوارث الطبيعيّة وما ينتج عنها، الموت الفجائي لشخص عزيز، التجارب، الهجمات الشيطانيّة ….الخ.

أولى المواهب التي منحها الله للإنسان كما ورد في سفر التكوين هي المرض والموت: فبواسطة المرض تشملنا الصحّة الروحيّة متى تقبّلناه برضى وشكر. وبالموت ننتقل إلى حياة خالدة، فنصير خالدين. هذه المساوئ والصعوبات تطال حياتنا بسماح إلهيّ من أجل خيرنا، إلاّ أنّه حذار من أن نسبّبها لأنفسنا بأنفسنا. خلوًّا من هذه التجارب تصبح قلوبنا صخريّة، جافّة، عاجزة عن امتصاص قطرة من ندى المحبّة، أو إعطائها إلى آخرين. يتصلّب قلب الإنسان إن لم يتألّم البتّة ولم يختبر الصعوبات.

المجاهد الحقيقيّ هو الذي يخرج بعد كلّ تجربة أكثر تواضعًا ونبلاً وعذوبة وطيبة، ويتلقّى التعزية الإلهيّة التي تحفظه كجنين في رحم أمّه، فتنضج روحه، ويبتهج بالله ويحبّه أكثر، ويدرك، تاليًا، محبّة الله له. ولنأخذ مثلاً على ذلك: إنسان يجهل طريق الكنيسة جهلاً تامًّا، ولا تهمّه الحياة الروحيّة، ولا يفطن لخلاصه الأبديّ. هذا ما إن يعتريه المرض، ويدرك مدى خطورته على استمرار حياته، حتّى يلجأ إلى الصلاة والتردّد على الكنيسة، مقدّمًا قربانًا عن صحّته، ومستصرخًا الله لكي يزيل عنه المرض سريعًا. وإن تبيّن له أن مرضه يتطلّب عمليّة جراحيّة، يبكي ويستعطف ربّه قائلاً: “يا إلهي، أين أنت، ولماذا نسيتني؟ ألا تراني معرّضًا للموت؟”. تجري العمليّة، ويبقى الرجل على قيد الحياة، ولكن، ما الذي حصل هنا؟ لقد قوي إيمانه، رغم آلامه، وصار محبًّا ودودًا يشارك الآخرين آلامهم، ويتفّهم أوضاعهم وأوجاعهم. صار يفهم بأنّ الحياة الحاضرة لا بدّ من أن تقودنا إلى الحياة الأبديّة الحقيقيّة.

فمن هذا المنطلق علينا أن نتذكّر بأنّ الله يبارك الذين يواجهون التجارب بشجاعة ويصبرون عليها، فيملؤهم خيرًا كما يقول القدّيس إسحق السرياني: “لا يسمح الله بتجربة كبيرة من دون أن يعطي معها، في الوقت نفسه، نعمة كبيرة”. هل نعاني ونتألّم كثيرًا؟ هل نتعب لدرجة الإرهاق؟ أنجاهد بكلّ قوّتنا؟ سوف ننال، إذًا، العطايا الجزيلة من لدن الله، وبكلام آخر إنّ الله يمنح المواهب بمقياس التجارب. إنّ كلّ ما تقدّم ذكره يعبّر عن حكمة الله وعدالته. أمّا نحن البشر، فإنّنا نرفض التجارب والأحزان بشكل عامّ، إلاّ أنّنا نريد المواهب والنعم.

لنتكلّم عن نوع آخر من المواهب: هناك عطايا أو أعمال يتعذّر علينا فهمها، فولادة المسيح من عذراء فعل لا يدركه العقل، ولا يستطيع شرح هذا الحدث. وأيضًا، قدّيسون كثيرون قالوا للجبل أن ينتقل وينطرح في البحر، فكان لهم ما أرادوا. أليس هذا حدث معجز يفوق الفهم؟ ألا يطرح هنا السؤال نفسه علينا إن كنّا نؤمن بالعجائب، وكيف نؤمن بها؟ كان القدّيس غريغوريوس بالاماس لا يستطيع الحفظ غيبًا، فقرّر، يومًا، أن يصنع ثلاث سجدات أمام أيقونة والدة الإله، سائلاً إيّاها بأن تفتح له ذهنه لكي يتمكّن من الحفظ. منذ ذلك اليوم لم يكن يفهم ما يقرأه وحسب، بل أصبح يحفظه في ذاكرته، ويضعه قيد التطبيق، حتّى صار، وبوقت قصير جدًّا، تلميذًا ممتازًا ولاهوتيًّا بارعًا. هل تستطيع أن تدرك بعقلك ما فعله “القدّيس إفركيوس عندما أمر الشيطان الذي كان مستوليًا على ابنة ماركوس أوريليوس بأن يحمل على ظهره هيكلاً موجودًا في المدينة تقام فيه الاحتفالات الوثنيّة، وكيف رأى الجمع المحتشد الشيطان يخرج من الفتاة الشابّة، ويتوجّه ناحية آسيا لكي يثبت للناس هناك بأنّ الله موجود، ويدعوهم إلى الإيمان به؟ [1]

ولنعرض الآن بعض الامثلة لمواهب الروح القدس، لتختبروا عظمتها وتنشدوا: “أيّ إله عظيم مثل إلهنا” (مز 77: 13).

** أراد القدّيس باخوميوس يومًا أن يطرد النعاس عنه، ليبقى متصدّيًا يقظًا نهارًا وليلاً لهجمات الشيطان المتواصلة. سأل الله منحه هذه النعمة، فاستجاب له، وبقي وقتًا طويلاً دون أن ينام!!!

** زاره يومًا أحد النبلاء الرومان، وكان يتكلّم اليونانيّة، فيما كان القدّيس باخوميوس لا يتكلّم سوى اللغة القبطيّة، فتوجّه، عندئذ، إلى الله قائلاً: “كيف يتسنّى لي منفعة من ترسلهم إليّ من أقاصي الأرض؟ إن كنت تريد أن تخلّصهم، فأعطني، إذًا، معرفة لغتهم، وللحال صار يحدّث زائره باليونانيّة واللاّتينيّة.

** كان القدّيس بفنوتيوس أمّيًّا، ولذلك لم يقرأ الكتاب المقدّس، فتوسّل إلى الله لكي يعلّمه كيف يقرأ، فمنحه الله معرفة كاملة بالعهدين القديم والجديد!!!

** سأل الأب بيمن الأب سرماتاس: “ما الذي جنيته من تنسّكك القاسي هذا؟ فأجابه: “صرت أقول للنوم تعال، فيأتي. وإن قلت له اذهب، فيذهب”. يبدو جواب القدّيس بسيطًا، إلاّ أنّ عظمة الله تبدو في هذه الأمور البسيطة. نحن نحتاج، مثلاً، لأدوية مهدّئة لننام، أو لأقراص منشّطة لكي نبقى يقظين، ولكنّ الأب سراماتاس كان يملك النعمة.

** بينما كان القدّيس مرداريوس ينظر من النافذة (هو واحد من الشهداء الخمسة الذين نعيّد لهم في 13 كانون الأوّل) رأى قافلة من الشهدء تمرّ أمامه، وهي في طريقها إلى الاستشهاد، وميّز بينهم  القدّيس افستراتيوس مقيّدًا. فأخذت امرأته، التي كانت إلى جانبه، تشجّعه للانضمام إليهم ليشهد، هو أيضًا، للمسيح، وللحال سلّم ذاته للجنود وانضمّ إلى تلاميذ المسيح المجيدين!!

** فيما كان القدّيس لعازر الذي من جبل GALESE على وشك الانتقال من هذه الفانية، سمع بكاء أولاده الروحيّين، فاغرورقت عيناه بالدموع، وتضرّع إلى الربّ لكي يطيل حياته بشفاعة والدته العذراء القدّيسة، فمنحه سيّد الحياة والموت 15سنة إضافيّة، وفي تمامها رقد. تجمع حوله الرهبان، من جديد، ينتحبون: “كيف نتدبّر حياتنا، وأنت لم تترك لنا وصيّة ترشدنا إلى ذلك؟”. فقام لعازر من رقاد الموت، وسلّمهم الوصيّة، وعاد ليرقد ثانية!!!

** أحب القديس مكسيموس الكفسوكاليفي الصلاة المستمرّة، فأخذ يصلّي بدموع أمام أيقونة والدة الاله، طالبًا منها أن تمنّ عليه بهذه النعمة. وما إن أنهى صلاته، حتّى أحسّ بالحرارة الإلهيّة تملأ قلبه، ومذاك لم يتوقّف عن استدعاء اسم الربّ يسوع بعذوبة لا توصف!!

** كان القدّيس اندراوس رئيس أساقفة كريت في طفولته أخرسًا أصمًّا، فتضرّع أهله إلى الله بحرارة لكي يشفيه. وفي عمر السبع سنوات، وبعد أن تناول القدسات الإلهيّة، انفتح مسمعاه، وانفكّت عقدة لسانه، لا بل جعله الله في ما بعد خطيبًا مفوَّهًا بارعًا!!

أليست هذه المعجزات التي سجّلها شهود عيان هي مواهب حقيقيّة؟! يعلّمنا يوحنّا كرباتيوس بطريقة جميلة جدًّا بقوله: “حيث يوجد الروح القدس لا تسل عن نظام أو شريعة ولا عن طبيعة مألوفة أو غير مألوفة”. ويقول القدّيسان يوحنّا الذهبيّ الفم ويوحنّا الدمشقيّ: “حيث يشاء الإله يُغلب ترتيب الطبيعة”. علينا أن نقرّ ونعترف بأنّ الناس يطلبون من الله، دائمًا، أمورًا دنيئة ثانوية وعرضة للتغيير كمن يقول: “يا إلهي، عاقبه ليفهم ويعرف بأنّني لست كما يحكم عليّ فلان من الناس”. أليس من الأفضل لك أن تتحمّل الملامة أو الاتّهام لكي تنال نعمة الصبر وإكليل المجد؟ أليس هو القائل: “النعمة والرحمة لمختاريه” (حك 3: 9). لا تطلب المواهب كنعم، بل بالأولى اطلب السيّد. يقول سليمان الحكيم: “الذين يثبتون أمناء في المحبّة يسكنون معه” (حك 3: 9)، إذًا، النعمة والعطايا التي يغدقها الآب على المؤمن تأتي نتيجة محبّته للربّ. ما يمنحنا إيّاه الله حسنًا كان أو سيّئًا، سلامًا أو تجربة هو عطيّة إلهيّة أثمن من الذهب والفضّة، وينبوع نعم أفضل من الحياة ومن كلّ نجاح .

لنرَ، الآن، من هم هؤلاء الذين يشتركون في المواهب الإلهيّة. إنّهم، بالتأكيد، أولئك الذين يعيشون للمسيح ومع المسيح. علينا أن نطلب الربّ، ونشعر أنّنا بحاجة إليه بالرغم من حالتنا الخاطئة، وبخاصّة عندما تكون حياتنا محفوفة بالمخاطر والمصاعب سيّما وإنّ كان الذين حولنا لا يبالون بالله. من يرتكب الخطيئة يطرد النعمة، ومن يستمرّ بها يفقد النعمة كلّها، فيذبل ويجف، “ويُلقى بعدها في جهنّم النار” (متّى 18: 9) فتموت نفسه. أمّا الذي لا يحيا لنفسه، بل لله، فإنّه، على العكس، يمتلئ نعمة. وبالنتيجة، فإنّ الأشخاص الذين يشتركون في المواهب الإلهيّة هم الذين يجاهدون ضدّ الخطيئة، ولا يتركون حقل نفوسهم يكسوه العلّيق، بل يحرثونه ليمتلئ من الفضائل. قد لا يجد المجاهدون الحقيقيّون من يشجّعهم، أو من يماثلهم في جهادهم، أو من يفهمهم، فيشابهون، بذلك، سيّدهم، ويُصلَبون معه. أخذ الرسلَ الخوفُ والدهشة عندما شاهدوا السيّد صاعدًا بفرح نحو أورشليم قائلاً: “ها نحن صاعدون إلى أورشليم ليتمّ ما كتبه الأنبياء عن ابن البشر” (لو 18: 31). كان يسوع يتكلّم بلهجة نبويّة وبطريقة مبهمة، ففهم التلاميذ بأنّ حدثًا مهمًّا ومرهوبًا سوف يحصل، فارتعدوا، ولكنّهم لم يفقهوا شيئًا “وكان هذا الكلام مخفيًّا عليهم فما أدركوا معناه (لو 18: 34). هكذا، وبالطريقة نفسها، لا يفهمنا الأهل والمحيطون بنا، متسائلين: “ماذا أصابه؟”. لكنّ الله يبادر إلى معونة الإنسان الذي لا تهمّه آراء البشر الدنيويّة.

يعين الله، أيضًا، الذين يقدّمون الإحسان عندما يرتفع عطاؤهم إلى السماء، ليفيض بالنعمة والبركة عليهم عندما يحسنون بفرح وتمييز. لا يعاني الإنسان الرؤوف البتّة من الألم، ولا أعني هنا الألم بالمعنى البشريّ، بل بالمعنى الروحيّ.

ويعين الله، أيضًا، الإنسان الذي يصوم، لأنّه بصومه يشهد للمسيح أمام الناس الذين غالبًا لا يصومون. الصوم يعادل الاعتراف بالإيمان بالمسيح أمام البشر. أتعلمون لماذا يفقد الصوم قوّته؟ يفقدها عندما يصوم المرء، فقط، من أجل الصوم. أتعلمون ماذا يعمل الصائم؟ يفتح يده، ويتمسّك بالله الذي، برضاه أو بغير رضاه، يباركه. ولكي نفهم كيف يفيض الله نعمته على المجاهد نسوق مثل يعقوب: اجتاز يعقوب فترة حرجة في حياته عندما أراد أن يعود إلى أرض أجداده، إذ كان يخشى لقاء أخيه عيسو، فظهر له إنسان نورانيّ، أو بالأحرى، الله نفسه. بقي يعقوب وحده يصارعه حتّى طلوع الفجر، ولمّا رأى الرجل أنّه لا يقوى على يعقوب في هذا الصراع ضرب حُقّ وركه، فانخلع، فقال، عندئذ، ليعقوب:

– ها قد طلع الفجر، فاتركني.

– لا أتركك حتّى تباركني.

– ما اسمك؟

– اسمي يعقوب.

– لا يدعى بعد اسمك يعقوب، بل إسرائيل، لأنّك صارعت الله والناس وغلبت .

– أخبرني ما اسمك؟

– لماذا تسأل عن اسمي؟

وباركه هناك. (تكوين 32/24-31). تغيير الإسم يعني نوال البركة والنعمة والقوّة. غلبتني، وكنت قويًّا في هذا الصراع الروحيّ، وسوف تكون قويًّا، أيضًا، بين بني البشر. يستطيع الصائم أن يحقّق، أيضًا، عجائب كهذه إن ارتبط صومه بالصلاة، إذ يبلغ إلى معرفة الحقائق الإلهيّة، ويرغم الله على أن يباركه.

لا تتوقّف حياتنا الروحيّة على أعمالنا النسكيّة الشخصيّة من أصوام وأسهار وصلوات فقط، وإنّما هي مرتبطة، كذلك، بحياتنا الاجتماعيّة. لذلك علينا أن نتصرّف بتمييز، غير ناسين أنّنا نعيش في العالم، وعندنا أولاد علينا أن نعلّمهم كيف يحيون اجتماعيًّا، ولدينا واجبات علينا القيام بها. حتّى في الدير، الذي هو مجتمع مصغَّر، لا ينبغي أن يجعلنا إيماننا أناسًا غير اجتماعيين، بل نحن نحفظ إيماننا، ونحترم آراء الذين من حولنا وإن اختلفت عن آرائنا في أمور الدين. لا نتدخّل في حياتهم، ونحرص على أن يكون تصرّفنا معهم شهمًا نبيلاً. ليس أنا الذي يوجّه إليكم هذا الكلام، وإنّما الكتاب المقدّس القائل على لسان سليمان الحكيم: “لا تتخاصم مع أحد لأنّك سوف تقع في الغضب، وتجعل من أصدقائك أعداء لك”، ثمّ يضيف: “ناصر الآخر على رأيه اخضع له بكلّ أمر إلاّ بما يتعلّق بايمانك …”. إن لم ننتبه نحن الرهبان، وكذلك أنتم أيّها المتزوّجون، على تصرّفنا، وإن ناهضنا بعضنا بعضًا، وإن تشبثّنا بآرائنا بعناد، وإن اشتكينا من ضعفات الآخرين غير ناظرين إلى ضعفاتنا، فسوف تكون شركتنا الرهبانيّة أو عائلتنا البيتيّة غير أهل لحضور إله السلام فيها، وغير كفء لاقتبال المواهب الإلهيّة.

يقول الأب إشعيا المتوحّد والناسك، وهو عالم نفس بامتياز أيضًا: “ثلاثة أمور تُظلم النفس: كره الإنسان قريبه وحسده إيّاه وتذمّره منه”، فإن استسلمنا لهذه العيوب تنسحب منّا النعمة الإلهيّة، فيما تغمر الأطفال بسهولة، وتغدق عليهم بالمواهب، لأنّ نفوسهم لا تزال أرضًا عذراء خصبة مهيّأة لتُزرع فيها الكرمة الصالحة، فهل أدركتم، بعد هذا، لماذا يجب علينا ألاّ نشكّك أولادنا؟ التصرّف الصحيح يكون في إعطائهم المسيح، وقيادتهم إلى مراعي الكتاب المقدّس، وإلى مرج القدّيسين. علينا أن نتصرّف معهم بحكمة واحترام، وكأنّهم أكبر منّا سنًّا، فإن نشأوا هكذا، سوف يصلون إلى قامة تؤهّلهم للحصول على مواهب ونعم عظيمة.

من الذي يشترك في المواهب؟ هو الذي يحفظ الوصايا بخوف. ففي حفظ الوصايا تكمن النقاوة، وحيث النقاوة هناك الاستنارة، وحيث الاستنارة هناك ملء الرغبة الإلهيّة. يقول القدّيس غريغوريوس اللاّهوتيّ: “يتوقّف الأمر علينا في اكتساب المواهب بمعاضدة النعمة الإلهيّة التي لا تشيخ أبدًا”. لا يعني هذا أنّها لا تتغيّر، فقط، ولكنّها هي، دائمًا، جديدة، مندّية للنفس، مفعمة بالجمال واللطف، غنيّة بالمواهب والبركات، تعطينا، دائمًا، ما هو ضروريّ لنا بحسب جهادنا ومحبّتنا لله، وعندها يغدو الحسد والشهوات الأخرى أمورًا مستبعدة. فكما ظهر يوسف قديمًا موزِّعًا عادلاً للقمح في بلاد فرعون، هكذا الله يوزّع مواهبه، فللبعض قليلاً، وللبعض الآخر أكثر، ولكن لا أحد من دون مواهب، ولا أحد، أيضًا، يمتلكها كلّها، لأنّ الله هو الكامل فقط.

كيف تصلنا المواهب؟ قلنا بأنّها تُقسَّم وتوزَّع عبر الروح القدس “السلطة الكلّيّة”، المساوي للآب والابن، الذي يتحدنا بالقدّوس، وقد أرسله لنا المسيح كمعزّي لنا بعد صعوده. هو الروح المعزّي في جسد الكنيسة، والذي يوطّد الحياة والوحدة بين أعضائها، ويفيض اللاّهوت كما نرتّل: “بالروح القدس تفيض سواقي النعمة ومجاريها فتروّي البرايا بأسرها بالحياة المحيية”. الروح القدس هو غير مدرك بالطبيعة، و”لكنّنا نستطيع إدراكه من خلال عذوبته” كما  يقول القدّيس باسيليوس عنه. يدخل الروح في قلوبنا بالمحبّة دون أن ينفصل عن الآب والابن. هبوب الروح غنيّ جدًّا يشبه نبعًا لا ينضب، ومحيطًا لا يسبَر غوره يمنح الحياة والنعمة. عندما يُمنح الروح القدس، الآب يعمل في الوقت ذاته كمبدأ الألوهيّة، والابن يأمر. إذا توقّف الروح القدس عن بثّ نعمته وطاقاته الغير المخلوقة، عندها تنطفئ الكائنات العاقلة أي البشر، والكائنات الغير العاقلة أي الحيوانات. من الواضح بأنّ الله لم يكوّن كلّ الأشياء لكي تصير إلى الفناء، بل لكي تشكّل معًا “أرضًا جديدةً وسماء جديدةً” (إش 65: 17)، ولهذا السبب يستمرّ الله في نشر نعمته بواسطة روحه القدّوس متى شاء، وبحكمته اللاّمتناهية يمكن له أن يحجبها عنّا إن كان هذا مفيدًا لنا.

يلتفت الله بمحبّته الخاصّة تجاه الإنسان لأنّه على صورته الإلهيّة، ونظرًا لضعف طبيعته الساقطة، فالرسول بولس يقول بأنّ “الروح القدس يأتي ليعين ضعفنا” (رو 8: 26) في الحالة التي نحن فيها: إن كنّا في الخطيئة، في مرارة وحزن، في خبث، في بؤس. فمهما كان الوضع الذي نعيش فيه يأتي الروح القدس المُعين والمحامي والمعزّي لينحني علينا، ويساعدنا على مقت ضعفاتنا، وتحمّل أمراضنا، ومواجهة تجاربنا وخطايانا التي نبسطها كفراش ليّن أثناء فترة إقامتنا على الأرض المبنيّة على الرخاوة وأمجاد العالم الباطل. الروح القدس يهيّئ خلاصنا، ويقرّبنا إلى الله ويقدّسنا. وكما تجسّد المسيح من العذراء بالروح القدس، هكذا يتجسّد الروح القدس روحيًّا في داخلنا بالروح القدس أيضًا.

يصير كلّ واحد منّا عملاً مقدّسًا سرّيًّا، نصير كوالدة الإله، نولد المسيح ونلاحظ اختلاجاته في داخلنا، وكلّما تصوّر المسيح في داخلنا، كلّما نقل إلينا نعمته. هكذا نستطيع أن نتمّم دعوتنا في الكنيسة لكي تحيا وتحكم مستقبل كلّ الشعوب، لأنّ الروح القدس هو مهندس الكنيسة وبانيها بحسب القدّيس باسيليوس” الروح القدس يشيّد الكنيسة”، وكلّنا مبنيّين بالروح القدس في جسد الكنيسة.

إنّ الإنسان مؤلَّف من جسد مادّيّ مائت، ومن نفس غير هيوليّة وخالدة تستطيع أن تحيا على مثال الثالوث القدّوس . فالجسد يحيا طالما النفس حيّة فيه، وعندما تنفصل عنه يموت وينحلّ. إذًا، لا يعود هذا الجسد إنسانًا، بل يتحوّل عظامًا مجرّدة وهيكلاً عظميًّا أو رفاتًا. “تحيا النفس بالروح القدس، لذا عندما ينسحب الروح منها، تفقد سعادتها، ولكنّها لا تفنى، بل تحيا حياة أصعب من الموت” بحسب تعبير القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ. لا تستطيع النفس أن تحيا من دون الروح الذي يسكن في الانسان كغنًى لا يقدّر، وإن كان الإنسان مستحقًّا، يعمل الروح داخل النفس، ويجعلها روحيّة، ويقدّس الجسد أيضًا. وإن لم يكن مستحقًّا، لا يستطيع الروح أن يعمل، بل ينطفئ، لذا حذّرنا القدّيس بولس الرسول قائلاً: “لا تُطفئوا الروح” (1تسا 5: 19)، ولا تمنعوه أن يعمل في داخلكم ويبسط نعمته. بنفخة مقدّسة أعطى الروح القدس الحياة لآدم، وجعله” نفسًا حيًّة”، واضعًا فيه “باكورة الروح” و”عربون المجد الآتي” لكي يحيا الحياة الأبديّة، ويملكها داخله، ويُقاد إلى “الفرح  الأبديّ”.

يأمر الرسول بولس بأن: “ارغبوا في المواهب الإلهيّة”، لأنّنا إن عدمناها نكون قد حُرمنا من فائدة جلّى، ونميل بسهولة إلى معارضة الآخر ومناقضته، إلى الحقد، إلى السلبيّة… ثمّ يُضيف الرسول قوله: “اسعوا وراء المحبّة”، أي لا نلتمسنّ المواهب، بل، فلنحبّنّ المسيح فقط. فلنهتمّنّ، إذًا، من أجل بناء كياننا الروحيّ، ولنزرع الأمور الروحيّة لكي نحصد الروحيّات، ولنزرع المحبّة لكي نحصد المحبّة، أمّا إن زرعنا الباطل، فستفقد حياتنا ثروتها.

يميّز الكتاب المقدّس جيّدًا بين ارتباك الناس الأخيار بالمادّيّات وبين نسيان الخيرات، عندما نتعب لجمع الخيرات المادّيّة ونضطرب ننسى النعمة ونفقد عطايا الروح، أمّا إن اُضيفت محبّة المسيح إلى النعمة، فهذه تحرّرنا من كلّ الشرور، وتجعلنا أناسًا عجائبيّين، ونمسي في عداد صفوف معسكر المسيح حيث الغنى الحقيقيّ وعظائم الله الرهيبة. “الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتّى يًشاهدوا ملكوت الله آتيًا بمجد وقوّة”. لا يموتون قبل أن يُلاحظوا بأنّهم ربحوا الله، الأرض والسماء، ألا جعلنا الله، نحن أيضًا، في عداد هؤلاء المغبوطين. آمين.

 

[1] “نقلاً عن (vie de notre pére Abercius egal aux Apotres et thaumaturge , évêque d Hierapolis).

*محاضرة في دراما في 13 آذار من العام 1988. تُرجمت عن الفرنسيّة من كتاب de la chute à l’éternit، في 8/9/2012

 

حتمية الألم

حتمية الألم

الشهيد الجديد يوحنا رئيس أساقفة ريغا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الشهيد الجديد يوحنا رئيس أساقفة ريغا هو لاتفي المولد، بدأ عمله الرعائي في روسيا حيث ألهم قطيعه بالمحبة والالتزام، حتى عندما ضربت الثورة الشيوعية وبدأت المشاكل، تطوّع عدد من العمال من بينهم ليحرسوه نهاراً وليلاً. إذ رأى فيه البولشفيون مهاجماً صلباً للنظام الجديد، لم يتركوه بسلام بل لاحقوه بشكل متكرر وحاولوا أكثر من مرة اغتياله.

في 1921، نزولاً عند المناشدة المستمرة لتيخن رئيس الأساقفة اللاتفي، رجع رئيس الأساقفة يوحنا إلى بلده الأم لاتفيا. برعايته عادت الحياة إلى الكنيسة الأرثوذكسية اللاتفية المتألّمة. هنا أيضاً استمرّ بالكلام من دون خوف وصوته دوّى كجرس إنذار، حيث لم تفارق صورة الجلجلة مواعظه. لم ينسَ الأرثوذكسيين المعذبين في روسيا وقاد حرباً مفتوحة لا هوادة فيها ضد النظام السوفياتي الملحد. وبالمقابل لم ينسَه أعداؤه السياسيون.

في ليل 11 تشرين الأول 1934، صعد رئيس الأساقفة يوحنا إلى جلجلته، حيث عُذّب وأحرِق حياً في عليّة الكاتدرائية. أكثر من مئة ألف إنسان رافقوا نعشه إلى المقبرة في تمجيد حي لرئيس الرعاة المحبوب والمعترف الأول في كنيسة لاتفيا الأرثوذكسية.

“مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ” (متى 21:16).

كان لإعلان الرب عن الآلام التي تنتظره تأثير على تلاميذه، كمثل قصف الرعد في سماء صافية. لقد سبق له وأخبرهم أن طريقه هو طريقهم “سوف يبغضونكم من أجل اسمي… ليس من عبد أعظم من معلمه… مَن لا يحمل صليبه ويتبعني لا يستحقني”. وفي حياة تلاميذ المسيح الحقيقيين هناك وقت لاختبار الآلام، حين يدخل كل واحد إلى أورشليمه، يصعد على جلجلته، ويرتفع على صليبه المحتوم، ويتجرّع كأسه المصيري، حتى إلى الموت.

حتّى أبناء هذا العالم لهم جلجلتهم. تدخل الآلام إلى البيت من دون أن تُرى ولا تُدعى. عليك أن تتألّم سواء أعجبك ذلك أم لا. إنه الوجوب المرّ. هذا الوجوب مرّ حتّى على التلميذ المخلِص ليسوع. صليب الألم يفزع حتى هذا التلميذ الذي يُسمَع في نفسه صوت بطرس: “ارحم ذاتك، لا تترك هذا يحدث، دافع عن نفسك”. وهذا غير مفاجئ، إذ في النهاية، المتألّم العظيم نفسه صلّى: إن أمكن ارفع عنّي هذا الكأس. هذا وجوب ضروري بجملته، ونحن لا قوة لنا لمقاومته.

منذ ذلك الوقت راح يسوع يكشف لتلاميذه كيف عليه أن يدخل أورشليم ويتألم بأمور كثيرة. إذا كانت درب السيد تقود إلى أورشليم، إذا كان مصيره بيد الكتبة والفريسيين والشيوخ، يكون من الطبيعي أن عليه أن يتالّم ويُقتَل. هذه الأورشليم التي وجّه المسيح خطاه نحوها لم تكن أورشليم السماوية، بل مدينة أرضية، مليئة بروح هذا العالم الذي سقط بعيداً عن ربّه، غير مدرك ولا فاهم لزيارة الربّ. إنها أورشليم نفسها التي على مذبح الرب قتلت الأنبياء ورجمت المرسَلين.

والعالم، أيها الإخوة، حتّى إلى هذا اليوم، يقف على الأساس نفسه. قد لا يكون له الهيئة الخارجية نفسها، فاليوم لا يصلبون الناس على الصلبان، كما فعلوا بيسوع المسيح. لا يضربون الناس بالعصي كما فعلوا ببطرس ويوحنا. ولا يرجمون الناس مثل استفانوس. لقد صار الناس في غاية اللامبالاة بالإيمان حتى يعانون من أجله. طريقنا أقل وعورة، وكل مَن يتذمّر من قساوة هذا العالم وشرّه، يجب أن يعرف أنه بعيد جداً عن أن يتألّم حتّى الدم. مع هذا، الآن بخلاف كل ما سبق، في كلمات الرب حقيقة مقدسة: لو كنتم من العالم لكان العالم أحبكم، لكن لأنكم لستم من العالم ولا أنا من العالم، أخذتكم، فالعالم يكرهكم. لا يستطيع العالم أن يتصرف خلاف ذلك. رغبة قلب الإنسان الطبيعية هي أن يعيش بسلام مع الجميع. غالباً ما تتخذ القلوب الشابة قراراً داخلياً من دون مبالاة بالإيمان: “سوف أتسالم مع الكل، لا ينبغي بي أن أحزِن أيّاً كان”. لكن حتى صاحب أكثر النيات حسناً يدرك عاجلاً أن هذا مستحيل. حتى أكثر الخراف وداعة هو متأكّد بأنه سوف يلتقي بطريقه ذئباً متوحشاً يقول: “أنت شوكة في خاصرتي”.

على مَن يؤمن أن يعترف بإيمانه. مَن يرغب بأن يخدم الرب في هذا العالم عليه أن يتصرف بما يتلاءم مع إيمانه. لكن كل اعتراف يثير حتماً العداء، وكل عمل يلاقي الخصومة على الأكيد. لا بد أن يحزن كثيراً تابع المسيح حين يرى أن اعتقاده المستقيم ومساعيه غير معتَرَف بها من العالم، وأن أعماله الحسنة تُلاقى بالمعارضة في كل مكان، وأنّه حيث يبذر المحبة فقط يحصد الشر. لذا غالباً ما هو على استعداد ليسأل مع سيده: “أي شرّ صنعت إليك؟” أو “كيف آذيتك؟”

إن الحق الذي تنادون وتعترفون به والذي لا يستطيع العالم أن ينكره، أو البِرّ الظاهر في حياتكم والذي يقرّع العالم بصمت، أو سلام الرب المكتوب على وجهكم والذي لا يستطيع العالم أن يصفح عنه، أو سلوككم السماوي من العالم الآخر والذي يخزي ويتّهم طريقة عيشهم الأرضية، بهذه أنتم أغظتم العالم المستعد لأن يسارع فيغفر لكم عشرات الرذائل والجرائم… لكي يجعلكم على مستوى الثعالب، ليعود ليسامحكم على عمل حسن واحد يرفعكم فوق الباقين.

قايين لماذا قتل هابيل؟ لأن أعمال قايين كانت شريرة وأعمال هابيل حسنة وبارّة. لماذا أدان الكتبة والفريسيون المخلّص؟ لأنّه كان نوراً والظلمة لا تستطيع أن تقيم في النور. لا تتفاجئوا إذاً يا إخوتي الأعزاء إذا أبغضكم العالم. هذا ليس أمراً خارجاً عن العادة. لا تتركوا سخريات صانعي السوء الشريرة وبغضهم المرذول يضلّونكم. تابعوا على الطريق المستقيم باسم الرب في العالم القابع في الشر وفكّروا بأنفسكم: عليّ أن أتبع الطريق المستقيم ولا يستطيع العالم أن يعمل أي شيء.

لن يكون العالم عالماً إن لم يفضّل كذب أخطائه على الحقيقة، الأنانية على المحبة، الكسل على الغيرة لله، هباء العالم على البِرّ. أنا لا أكون تلميذاً للمسيح ولا جندياً له إن فعلت ما يرضي الآخرين، إذا سلكت الطريق الواسعة مع الحشود بدلاً من حفظ الطريق الضيقة حيث لا يوجد إلا القليل من المسافرين. وهكذا، فلنتقدّم باسم الرب إلى تحقيق هذه “اللا بدّ”.

هناك وجه آخر لهذه “اللا بدّ”. عندما أخبر ابن الإنسان تلاميذه بأنّ عليه أن يمضي إلى أورشليم ليتألّم هناك ويموت، كان عالماً بأن هذا ضروري له. لأنّه كان مطيعاً حتّى الموت، موت الصليب، لهذا أقامه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم. إذا كان الله ارتضى بأن يسري شرب كأس الألم حتّى على ابنه الوحيد، فكيف لنا نحن الخطأة الناقصين أن نهرب من هذه الكأس، من هذه المدرسة في الألم، فيما نحن بعيدون جداً عن الكمال وينقصنا الكثير لنتعلّمه حتّى نصير تلاميذاً مستحقين للمتألّم الأعظم؟ يفكّر البعض: “بأي حرارة وغيرة كنتُ لأخدم ربّي لو أن درب حياتي أكثر سهولة، ولو لم تكن ملأى بالصخور الحادّة”. في هذا القول، تظهِرون على نحو جَلِي أنكم لا تعرفون مَن أنتم ولا ما أنتم، ما هو النافع لكم وما هو المؤذي، ما تحتاجون وما لا تحتاجون إليه. إن قولكم بأن أقل ما يحتمله الإنسان هو مصلحته هو قول صحيح. أيام السعادة، أيام النجاح، حين يسير كل شيء بحسب ما يُشتَهى، كم من المرات أحاكت هذه الأيام شباكاً أسرَت نفس الإنسان؟ أي فجور ينمو في قلب الإنسان، كالصدأ على حدّ سيف المعركة عندما يقبع بلا استعمال، أو كمثل حديقة تكسوها الأعشاب لأن مجزّات البستاني لم تهتمّ بها!

أخبروني، أيها المسيحيون، ما الذي يحفظكم عن الغطرسة التي تتسرّب بسهولة إلى أكثر القلوب قوة، حتى قلوب تلاميذ المسيح؟ أليس الصليب والألم؟ ما الذي يواضِع الميول الشهوانية للجسد التي تنتشر بسرعة وسهولة في أوقات الرفاهية والرخاء، كمثل الحشرات في مستنقع في يوم مشمس؟ ما الذي يعلّمكم أن تتجنبوا هذه الوساخة؟ أليست عصا المصائب والأحزان؟ ما الذي ينهضكم من نوم الثقة بالذات الذي يضلّكم بسهولة لتناموا في أوقات السعادة الأرضية؟ ما هو الأكثر ملاءمة لنمو النبات الكسول من أيام الرفاهية الخالية من الغيوم والاهتمامات؟ في هذه الأوقات، ألا تستعدون لاستقبال عاصفة؟ ما الذي ينتزعكم من حالة عدم الحسّ الخطيرة؟ أليست الأحزان؟ أليس المرض؟  ما الذي يسحبنا بعيداً عن تعلقاتنا الأرضية ومحبة العالم وكل ما فيه؟ أليست الحاجة والمصائب؟ ألا تعلّمنا التجارب بأن نأخذ الحياة بجدية أكبر؟ ألا تعلّمنا الأحزان بأن نستعدّ للموت؟

لا يمكن اقتلاع العليق البري من القلب من دون مقصات التشذيب التي للبستاني السماوي، ولن تنمو ثمرة الحق والبِرّ من دون مطر الدموع والأحزان. لا يمكن اختبار الطاعة الحقيقية إلا بشرب كأس الغمّ المرّة، حين يقول الإنسان: “لتكن مشيئتك لا مشيئتي أيها الآب”. وأكثر ما يظهر الخضوع لمشيئة الله بوضوح في أيام وساعات العاصفة، حيث في وسط الأمواج الخطرة المرعِبة، يضع المسيحي نفسَه بالكليّة بين يدي ذاك الذي يداه تمسك العواصف والأمواج. أي وقت أفضل لبرهان ثبات جندي المسيح وشجاعته وقوته لتحويل الحواجز إلى أعمال مسيحية، من وقت الحرب ضد الشر أو أوقات المخاطر؟ كل القوة النبيلة لنفس المسيحي وشخصيته تتألّق بأكثر لمعان في أوقات المحنة والمصيبة والمعاناة. تظهر كل معجزات نعمة الله أكثر وضوحاً في أوقات فيضان مياه الحزن والأسى في نفوسنا، حين نُجبَر على التعرّف على عجزنا وضعفنا وبالتالي بدورنا  نخضِع كل قوتنا وفهمنا لله العلي. وسوف تسألون لأي سبب، ولماذا؟ عندما يحاكمكم الله نفسه ويدعوكم إلى الحساب؟ أو عندما يرسلكم الرب إلى مدرسة الصليب، سوف تقولون: “لست بحاجة إلى تعاليمه”؟ على الأصح أن تقولوا: “أنا بحاجة إليه. ينبغي أن أذهب إلى مدرسة الصليب. ينبغي أن أتألّم مع المسيح لكي أقوم معه. عندما يعاقبني الرب علي أن أفكر وأحس مثل ولد معاقَب من يد الله اليمنى المحِبة، كمثل عنقود تحت مقصّ البستاني، كمثل الحديد تحت مطرقة الحداد، كمثل الذهب في البوطقة، كمثل عنقود عنب تحت أشعة الشمس المحرِقة. هذه “اللا بدّ” هي من الله، وينبغي ألاّ أتطاول خارجها”.

حتى الإغريق القدامى وغيرهم من الشعوب انحنوا أمام الإرادة الإلهية، أمام الواجب المقدّس، أمام مصير الإنسان غير القابل للتغيير واعتماده على الله. إن إخضاع إرادة الإنسان لله، هذه “اللا بدّ”، الوفاء الدقيق لأحكام الإرادة الإلهية، تسمّى في الحكيم حكمة، وفي الأبطال شجاعة، وفي الأبرار قداسة. بأي طوعية ينبغي علينا نحن المسيحيين أن نتمم واجبنا في حين نعلم أنّ ما يقودنا ليس إيماناً أعمى بل هو إرادة الآب الذي قاد حتّى المسيح إلى الجلجلة والصليب، لا بل عِبر الجلجلة والصليب إلى القيامة المجيدة. وهكذا علينا أن نضع ثقتنا في الله حتّى عندما لا نستطيع أن نفهم معنى توجيهه. إن الجنس البشري لكان ليُحرَم من الكثير من الصلاح، كالمجد والبركة، لو أن المخلّص أصغى إلى صوت بطرس: “خلّص نفسك”.

فلتركع كل نفس أمام “اللا بدّ” الإلهية، لأن مشيئة الله صالحة وكاملة وتقود الكل إلى الخلاص. وأنتَ، يا ابن الغبار والفساد، احنِ رقبتك أمام يده الفائقة القدرة التي أمامها قوتك ليست شيئاً. ثقْ بالحكمة الإلهية التي أمامها نورك ليس سوى ظل قاتم. سلّم نفسك للإرشاد الأبوي من ذاك الذي يشتهي السلام والبركة، لا العداوة والأحزان، لكل البشر. عندما تخضِع أفكارك وإرادتك فما من كأس سيبقى عندك مرّاً، وما من كأس ثقيل. سوف تصير قادراً على احتماله. ما من طريق سيبقى ضيقاً عندك. ما من تجربة سوف تغويك فوق الحدود. سوف تكون قادراً على فهمها. هذه إرادة الله.

إذا كنتَ محاطاً بزوجتك، أولادك، أصدقائك، وكل الذين تحبهم، وحاولوا أن يقنعوك بأن تشفق على نفسك ولا تهلكها، لا تعِرْ انتباهاً لدموعهم وتضرعاتهم، بل أَشِرْ إلى السماء وقل: “لا تثقلوا قلبي، ما أفعله مرضٍ لله ولا بد لي من فعله، أنتم تفكرون بحسب حكمة الإنسان لا حكمة الله”. وإذا صرخ قلبك بصوت الجسد والدم وراح يقنعك: “لا يمكن أن يحدث هذا لك، دافع عن نفسك”، ابتعد عن نصيحة قلبك هذه واتبع ما يمجّد الله.

يمكننا أن نحمل آلامنا بسهولة أكبر إذا حفظنا مثال مخلصنا. انظر بأي تصميم سلامي مقدّس راح ليلاقي آلامه. من ثمّ اتبعه على طريق الصليب إلى أن، بنَفَسه، تسمع من شفتيه الكلمات الإلهية: قد تمّ. من ثم اسأل نفسك: ألستَ مشدوداً بهذا المثال؟ ألا يوضح هذا لك الوصية: مَن اراد أن يتبعني، فليكفر بنفسه، ويحمل صليبه ويتبعني؟ ألا يقودك هذا إلى قناعة ذاك التلميذ الذي قال: لا أستطيع أن ألبس إكليلاً من ورود في حين مخلَصي يضع إكليلاً من الأشواك؟

عند صليب المسيح، حتّى النفس الأكثر تألّماً بيننا يمكن أن تجد العزاء: لقد عانيتُ وحتّى الآن أعاني الكثير، لكن مخلّصي الإله عانى أكثر. إذا وجدتم في هذا المثال الكثير من التطاول، اقرؤوا قول الرسول بولس: “ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ.  بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ” (2كورنثوس 25:11-27).

انظروا كم احتمل من أجل المسيح، كم من المرات تعرّض للضرب والرجم والسجن… من ثمّ افهموا كم نحن بعيدون عنه. الصليب رمز المسيحية في كل مكان. ببساطة، لا يستطيع المسيحي أن يكون بلا صليب. آمين.