Monthly Archives: March 2013

السنة التاسعة، العدد الخامس، شباط 2013

السنة التاسعة، العدد الخامس، شباط 2013

 

دراسات آبائية

سر الصليب بحسب القديس اسحق السرياني

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


عظة

الكنيسة بيت الخطأة!

الأرشمندريت توما بيطار


لاهوت

معرفتنا بالثالوث القدوس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

إعداد الأب أنطوان ملكي


رعائيات

المحبة الإلكترونية

الخورية سميرة عوض ملكي


مسيحيّة يسوع وعيش اللاعنف

ماريا قبارة


حياة روحية

لا تغرب الشمس على غيظكم

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع


هل من صوم من دون توبة؟

الأب برنابا ياغوس


قصة

جئت إليك ثلاث مرّات

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

هل من صوم من دون توبة؟

هل من صوم من دون توبة؟

الأب برنابا ياغوس


نظراً لأن الصوم الكبير هو فترة التوبة بامتياز، وبما أن التوبة هي الشيء الوحيد الذي يمكننا إظهاره، ومن خلاله يمكننا أن نطمح إلى اكتساب نعمة الله المحِبّة، لذا نحن نعتبرها عنصراً أساسياً جداً.

العائق الأعظم، أو أحد أكبر العوائق، أمام التوبة هي رؤيتنا لأنفسنا: إنها الذات المثالية، الذات الخيالية والوهم الذي نكنّه لأنفسنا. فإن هذا الوهم حول ذاتنا المثالية والواجهة التي كوّنّاها وصدّقنا أنها تنطبق على شخصنا، هي بالتحديد ما يعطّل التوبة، ويشكّل العائق عندما نسعى إلى امتلاك حياة روحية.

في محاولتنا لتغطية مشاعر الذنب التي لدينا، تتحرّك آلية التفاعل والتنافر. بدلاً من التعبير عن أنفسنا أو عرضها وإيجاد اتصال مناسب مع واقعنا عن طريق ملاحظة الفساد، والسعي لاستعادة جمال الصورة الإلهية، نلجأ إلى أمور أخرى. نحن لا نملك العلاقة الجدلية السليمة مع ذنبنا لبلوغ التوبة. نحن نصدّ ذنبنا. نحن نتفاعل مع الأحداث، سواء كان ذلك داخلياً في ضمائرنا أو خارجياً، مع تدخل الناس والظروف التي يسمح الله بها، فنتفاعل معها لنحمي الصورة المثالية التي بنيناها عن أنفسنا. هذه الأعراض تكشف نفسها، ليس فقط فينا وفي عائلتنا، بل في الكنيسة أيضاً.

لإيضاح معنى هذا الكلام يجب أن نفهم أنّ كل الأمور التي تجري في أيامنا وزمننا مهمة. هناك أمر يُدعى التطهّر (catharsis). عبارة التطهّر في الكنيسة مرتبطة بالتوبة، فما معناها؟

لكي نحمي أنفسنا نختار أن نحمي الصورة التي صنعناها لنفسنا وصورة الآخرين عنّا، حتّى لو بطرد نعمة الله من حياتنا. وهكذا، قد نعترف بأخطائنا، إلا إننا نسعى إلى عذر لها، وبالتالي إلى مخرج. بدلاً من أن تؤدّي سقطتنا إلى التوبة، ترانا نحاول استعادة صورتنا في أعيننا وأعين الآخرين. هكذا لا يؤدّي إلى التطهّر على كل المستويات. هذا ما نراه في الأحداث الكنسية ونتصرّف بهذه الطريقة على كل المستويات.

خلال الاعتراف، ماذا نفعل؟ هاكم مثالٌ للفهم. نخطأ، ونترك بعض الوقت يمر قبل أن نشير إلى أبينا المعرّف: “آه! لم أقع في هذه الخطيئة الآن، بل قبل شهر” وقد نضيف: “لقد أخطأت فعلاً، إلا إنني قمت بمئتي سجدة من بعدها”

غالباً ما تكون الكفارات، ذات الدور التربوي في الكنيسة، عائقاً أمام التوبة. لماذا؟ مثال على الكفارات: “إذا أخطأتَ في هذه عليك أن تقوم بكذا”. هذا ينشئ في داخلنا صراعاً للنجاح. نحن لا نفهم أن للكفارات دور تربوي يطمح إلى إصلاح علاقتنا بالله، وليست حدّاً بذاتها، إذا نجحنا في تخطيه نكون في وضع جيد. نحن نقوم بمحاولات مؤلمة لكي نكون ممتثلين ونشعر بالاكتفاء. هذا يولّد الذنب، لكنّه الذنب المَرَضي، ولا يقود إلى التوبة، إذ يعيش الإنسان هذا النوع من القيود والتجربة التي جوهرها هو قانون مطلوب الامتثال به، وليس السعي إلى تحرير القلب والإحساس بالندم نحو الإنسان المُساء إليه، أو نحو المسيح الذي تعرضت العلاقة معه للتشويش. وهكذا، في هذا الإطار، ننحو إلى القول: “نعم لقد أخطأنا إلى هذا الشخص ولكننا نحاول أن نطهّر ذواتنا روحياً” أي “أننا أخطأنا لكننا ما زلنا نملك القوة للوقوف على أرجلنا”.

لكن هذا ليس ما يريده الله. إنه يريد اعترافنا بالخطأ وندامتنا، لا طمأنينة العالم ولا اعترافه، بل إصلاح صورتنا في عينيه بالتوبة. هذه مشكلة كلّ واحد منا، على المستوى الشخصي. مشكلتي، وربّما مشكلتكم أيضاً: إنها محاولة الهروب من ذواتنا المثالية. المشكلة الكبرى هي ذواتنا التي جعلناها مثالاً، أي الصورة التي رسمناها عن أنفسنا. بتعبير آخر، نحن نقدّم إرادتنا على إرادة الله. ومن ثمّ ماذا يحصل؟ التديّن يكون مرضياً عندما يكون مصدراً للشعور بالاكتفاء الذاتي روحياً لكي نحافظ على قيمتنا الشخصية، لكن لا علاقة له بالله ولا بالتوبة. وبالتالي لا يطهّر.

التوبة هي الانقباض الذي نحس به، ليس لأننا تغرّبنا عن الفكرة التي شكّلناها عن ذواتنا وصرنا نجاهد إمّا لمحو الإحساس الذنب لدينا أو للتفاعل ديناميكياً مع الذين يشيرون إلى أخطائنا ويتفحصوننا، بل لأننا تغرّبنا عن الله وصار جهادنا للتطهر من الذنب والتخلّص منه وليس التخلّص من الإحساس به وحَسْب.

من هنا، لكي يوصلنا الصوم إلى التطهر، لا مكان لصوم من غير توبة.

لا تغرب الشمس على غيظكم

لا تغرب الشمس على غيظكم

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

اصطحبني أحد الإخوة إلى قرية قريبة قائلاً: سوف أريك مشهداً مؤثّراً ومعلِّما في الوقت نفسه.

كان جوّ القرية يوحي بالبساطة الشديدة والمحبّة والحياة المسيحيّة التي تجمع بين أفئدة أبنائها. كانت القرية بكراً لم تفسد المدنيّة نضارتها، أهلها بسطاء بلا علم وبلا فلسفة، يمارسون الفضائل المسيحيّة بلا تكلّف إذ يتسلّمها جيل الصغار عن آبائهم بعفويّة وبديهيّة.

وفيما نحن سائرون بتمهّل نمتّع ألحاظنا بسحر الطبيعة، ونتنشّق هواءها العليل، إذا بنا نلتقي بشيخين قاربا السبعين من العمر. لكزني صاحبي هامساً: انظر إليهما، إنّهما موضوع حديثنا، وسوف أسوق لك خبرهما عندما يجاوزانا.

أخذ مرافقي يخبرني قائلاً: بينما كان هذان الرجلان، وهما أولاد عمّ، يعملان ذات يوم في الحقل، حدثت بينهما مناقشة كلاميّة ناتجة عن سوء تفاهم وتغاضبا وتشاجرا، فترك أحدهما الآخر ورجع إلى منزله وكأنّ شيئاً لم يكن، إذ إنّ الموضوع الذي كانا يتناقشان حوله موضوع تافه.

وبعد ساعة من هذا، جاء الرجل الذي ترك ابن عمّه، وعاد إلى بيت ابن عمّه ونادى قائلاً:

–           هل فلان هنا؟

–           لا يا عمّ، إنّه ما زال في الحقل.

–           حسناً سأعود بعد قليل.

وفعلا عاد بعد ربع ساعة يقول:

–           إيه ألم يأت بعد ابن عمّي؟

–           لا لم يأت بعد. تفضل. لماذا تسأل عنه؟ هل من أمر مهمّ؟

–           لا. سوف آتي بعد قليل.

راح هذا الرجل يتمشّى قرب منزل ابن عمّه على أمل لقائه، وهو ينظر بين الفينة والأخرى نحو السماء متنهّداً. ثمّ ما عتم أن أعاد الكرّة مرّة واثنتين وأربع وهو يتفقّد قريبه حتّى تعجّب أهل البيت جدّاً، وانتابهم القلق إذ ليس من عادته أن يلجّ في أمر ما. ولمّا وجده قد تأخّر في الإياب، أسرع متّجهاً نحو الحقل، وقد أخذت الشمس تشرف على المغيب… وهناك لقي ابن عمّه عائداً. فوقع على عنقه مقبّلاً إيّاه وطالباً منه الصفح، وهو يشير إلى الشمس ودموعه تنحدر على لحيته. بادره ابن عمّه قائلاً: لا بل سامحني أنت يا ابن عمّي الحبيب، أنا الذي أخطأت، أنا رفعت صوتي بك، سامحني أرجوك فإنّي قد أحزنتك. خشيت أن تغرب الشمس قبل أن نلتقي… والربّ قال على لسان رسوله: “لا تغرب الشمس على غيظكم…”

ولمّا انتشرت القصّة علم سكّان القرية أنّ الرجل كان قلقاً لئلا تغرب الشمس قبل أن يطلب الصفح من أخيه الذي كدّره. إلى هذا الحدّ كانوا يعيشون الإنجيل بالروح والنصّ معاً في بساطة متناهية وتدقيق مذهل.

فلمّا سمعت أنا هذه القصّة قلت: إنّي أتأسّف على ما أرى وما أسمع كلّ يوم من مشاحنات ومخاصمات بل ومحاكم وبغضة وتفرقة حتّى الأذى. وأتساءل كيف يستطيع الإنسان المسيحيّ أن يعيش في عداوة وهو تلميذ المحبّة؟! كيف يستطيع أن يبغض إنساناً أو يحتدّ على أحد، وهولا يعلم إن كان يعيش حتّى المساء؟ بل كيف تدوم العداوة لا أيّاماً فقط بل وسنين، ونحن نمارس كلّ طقوسنا الكنسيّة؟ فكان الجواب من رفيقي: لقد عدمنا الحياة الروحيّة، لا بل المسيحيّة برمّتها. نعم، يا صديقي، إنّنا حينما نحفظ المحبّة نُعرف بأنّنا تلاميذ الربّ حقيقة، لأنّه هو القائل: “بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إذا كان لكم حبّ بعضكم لبعض”.

إنّ مثلاً واحداً من هذه الأمثلة الشاهدة للمسيح، لهو أبلغ من مئات العظات وآلاف الكتب. لأنّه لا توجد شهادة للمسيح أبلغ من شهادة الحياة، ولا توجد قوّة في الحياة الروحيّة، والمسيحيّة بشكل عام، أقوى من قوّة حفظ وصايا المسيح. فأنعم يا ربّ علينا، نحن أولادك، بنعمة السلام القائم على المحبّة الحقيقيّة، واحفظنا من البغض والانقسام وكلّ ما هو ضدّك أيّها الحبّ الإلهيّ الدائم إلى الأبد….

عزيزي القارئ، كم نتمنّى لو كان جهادنا في هذا الصوم المبارّك حفظ المحبّة والصفح، لنسمع يوماً من فمه القدّوس: “من أحبّ كثيراً يغفر له الكثير، ومن أحبّ قليلاً يغفر له القليل” (لو 47:7). نسأل الله أن تكون الأيّام الأربعينيّة المقدّسة أيّام بركة وجهاد وتنقية. ألا بارك الله جهادكم وسعيكم.

مسيحيّة يسوع وعيش اللاعنف

مسيحيّة يسوع وعيش اللاعنف

ماريا قبارة

 

ظهرت في الأوساط المسيحيّة مؤخراً آراء ومواقف مثبتة ومفاهيم سطحية بما يحيط بموضوع العنف، والتي بَنَت لها أساساً على خلفيّات سياسيّة لا علاقة لها بالالتزام والتعاليم المسيحيّة ولا حتى باللاهوت.

دعا البعض المسيحيّ إلى استعمال العنف كوسيلة ليدافع بها عن نفسه مستشهداً بالمسيح عندما غضب وطرد باعة الهيكل بالسوط (مت 15:11). ورفضَ البعض الآخر استعمال العنف مستشهداً بقول المسيح “أمّا أنا فأقول أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلّوا إلى الذين يسيئون إليكم ويطردونكم“(مت44:5)، و “لا تقاوموا الشرّ. بل من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً” (مت39:5). أمّا الأكثرية من المسيحيين، فطرحوا موضوع العنف كمشكلة تجابه إيمانهم وضميرهم والتزامهم المسيحي بصدقٍ ومعاناة.

لقد عاشت الكنيسة الأولى في محيط كَثُر فيه العنف بين اليهود والرومان من جهة، وبين مختلف المجتمع اليهودي نفسه من جهة ثانية. فهيرودوس الملك اتّبع سياسة القمع ليثبت للرومان أنّه الوحيد القادر أن يجعل المملكة تستقر في الأمن والأمان. أمّا السّلطة الدينية التي كانت المستهدف الرئيس من هذه السياسة القمعيّة فاتبعت سياسة المساومة تجاه الملك والسّلطة الرومانية، فضعفت سلطتها وفقدت مصداقيتها وهيبتها تجاه الشعب. وهذا ما جعل ظهور حركات رافضة للسّلطة السياسيّة منها والدينية؛ فكانت منها العنفيّة كحركة المقاومين، والروحية كحركة جماعة قمران والحسانيين…الخ، مطالبة بالتغيير الجذري في مجتمعهم على الصعيد السياسي والديني.

وفي هذا الإطار الاجتماعي ظهرت “حركة يسوع” والتي تميزت برسالتها وأهدافها عن باقي الحركات، مطالبة بالتغيير الجذري أيضاً ولكن انطلاقاً من تغيير الذات ومن تغيير السلطة والنظام الحياتي الاجتماعي. فأساءَ اليهود فهم رسالة وجوهر حركة يسوع، وتكاتفوا جميعاً وتواطؤوا في الحكم عليه، وصلبوه، انطلاقاً من خلفياتهم المختلفة. فقد رأى فيه بيلاطس خطراً محدقاً بالقيصر. أمّا الكهنة والفريسيون فقد رأوه خطراً على نفوذهم، فاتهموه دينياً بالتجديف، وسياسياً بالثورة على القيصر. وباختصار، ألقى اليهود على عاتق الرومان عِبء صلبه وموته، وألقى الرومان على اليهود عِبء أسباب الحكم عليه. وبالنتيجة كلاهما كانا يرغبان بالتخلص منه.

لم يأتِ يسوع ليعطي دروساً في المشاكل الاجتماعية والسياسية، بل ليجعل الإنسان ابناً لله، وليزيل الشرّ والعنف. فمواقف يسوع من العنف كانت واضحة، ولكن الالتباس عند بعض المسيحيين يأتي من فهمهم الخاطئ لمسألة العنف.

والعنف بكلّ مظاهره الاجتماعية والمادية والنفسية موضوع متشعب ولا يكفي منه اتخاذ موقف ما، سلباً أو إيجاباً، أو الاعتماد على آية من هنا، وكلمة وموقف من هناك. وعلى كلّ مسيحيّ أن يتفهمه بإطار شامل وبأبعاده الاجتماعية وظروفه التاريخية وليس من وجهة نظر روحية مطلقة.

أمّا حصر العنف بالعنف المادي فقط، الذي يؤذي الآخرين إمّا على الصعيد الفردي (كالتعذيب والقتل…) أو على الصعيد الجماعي (بالثورات والحروب)، له نتائج خطيرة، فقد يستعمله البعض تبريراً لأيّ عنف وظلم وتعسف واحتلال، وبالتالي هذا يكون أيضاً ضدّ كرامة الإنسان وحقوقه.

هناك أنواع كثيرة من العنف، كالعنف النفسي والسياسي (كبت الحريات بمنع فئات من الناس ممارسة حقوقها والاجتماعية والدينية والسياسية…)، وهناك العنف الكلامي بالآراء والمبادئ والمواقف. فكلّ ما يمارَس ضدّ الذات البشرية والمجتمع وخيرات الأرض والممتلكات والمؤسسات والثروات تسمى عنفاً. ولا يمكن للمسيحي أن يفهم معنى العنف باتخاذه موقفاً صريحاً منه، إلاّ إذا ربطه بمفهوم الدفاع عن الذات والكرامة الإنسانية.

جاءَ يسوع يشهد للإنسان المظلوم والمتألم والبائس ويدافع عنه، إنّ حركة يسوع اختصرت التوراة والأنبياء بالوصية الأولى والعظمى “أحببْ قريبَك حبّك لنفسك”. فقتل الإنسان نوع من قتل الله، واحتقاره واضطهاده هو اضطهاد واحتقار لله نفسه. “أنا يسوع الناصريّ الذي تضطهده” أجاب عندما سأله شاول “من أنت يا ربّ؟”.

وعندما نمثل أمامه، تبقى محبة القريب وحدها الوصية التي تديننا ” تعالوا يا مباركي أبي رِثُوا الملكوت المعدَّ لكم، لأنّي جُعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني. كنت غريباً فآويتموني. عرياناً فكسوتموني. مريضاً فزرتموني. محبوساً فأتيتم إليّ ” (مت34:25-36)

لمحبة الإلكترونية

المحبة الإلكترونية

الخورية سميرة عوض ملكي

 

لعلّ ما قاله الرسول بولس في نشيده للمحبة (1كو13) هو أجمل ما قيل عنها. أترى لو كان الرسول في عصرنا هذا لأضاف إلى نشيده: “إن كنتُ أتواصل مع ملايين الناس عبر الإنترنت، ولو كنت أجيد استعمال الفايسبوك والسكايب والواتساب، وليس لي محبة فلستُ شيئاً”؟

يُلاحَظ اليوم أن الناس يضاعفون علاقاتهم بطرق لا يمكن تصوّرها عبر الإنترنت فيما هم يعيشون كالغرباء مع أهلهم وأصدقائهم وأقاربهم. وقد أشار أحد الأطباء النفسانيين إلى أن الاستخدام الفردي للحواسيب والانترنت يعزّز الرغبة والميل للوحدة والعزلة لدى المراهقين والشباب مما يقلّل من فرص التفاعل والنمو الاجتماعي والصحيّ الذي لا يقلّ أهمية عن النمو المعرفي وحبّ الاستطلاع والاستكشاف. وتشير بعض الدراسات الأوليّة إلى أنّ استخدام الإنترنت يعرّض الأطفال والمراهقين إلى مواد ومعلومات خيالية وغير واقعية مما يعيق تفكيرهم وينمّي بعض الأفكار غير العقلانية وخصوصاً ما يتّصل منها بأنماط العلاقات الشخصية والحياة والعادات والتقاليد السائدة في المجتمعات الأخرى.

ما من شكّ بأن الثورة الإلكترونية تُعَدّ من الاكتشافات الإيجابية الكبرى إذ توفّر مصادر غزيرة من المعلومات والوثائق والثقافة في كافة المجالات وحتّى يُستَفاد منها في تعزيز الثقافة عن الكنيسة وتاريخها وتقليدها وعقيدتها وأخبارها في كل العالم. لكن من جهة أخرى، كثيراً ما يلجأ الناس يلجأ إلى استعمال الإنترنت للتواصل مع بعضهم، ليس بدافع المحبة بل بدافع ملء الفراغ وقتل الوقت طرداً للضجر. ما نريد قوله، هو أن خبرة التواصل المُعاشة على الإنترنت لا يمكن أبداً أن تحلّ محلّ خبرة الإنسان العميقة ولا أن توقد نار محبة الله والقريب في نفسه. فحبّ الله حين يشرع في الاشتعال فينا، نبدأ بإتمام وصية الله الثانية. ما أن تحب الله حتّى تحب قريبك أيضاً كنفسك. علينا أن نعطش إلى محبة القريب ومنفعته. وهذا لا يكون بالكلام بل يتجسّد بالأعمال. فهل التواصل الإلكتروني عبر وسائل الاتصال والشبكات الاجتماعية يكسي عرياناً أو يسقي عطشاناً أو يأوي غريباً أو يطعم جائعاً أو يعزّي مريضاً؟ ففي حالات الحزن والمرض والحداد والاضطهاد والتهجير يحتاج الانسان إلى مَن يشدّ أزره فيبحث عن معزٍّ حقيقي. فهل العزاء الإلكتروني الذي تحمله الإنترنت حقيقي فعلاً أم وهمي نفساني خيالي؟

يذكر كتاب التكوين أنّ الله قال: “لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تكو26:1)، ما يعني أن الإنسان مخلوق على صورة الثالوث وليس مخلوقاً ليعيش وحده مع الآلة، بل ليكون في شركة مع الله ضمن عائلة وكنيسة. ونحن كأعضاء في الكنيسة، نحمل أثقال بعضنا البعض حتى تصير خدمتنا للفقراء والأرامل واليتامى والغرباء تعبيراً عن حبنا ليسوع فتَصِلنا به شخصياً. فهو الذي نسعفه من خلالهم في انتظار مجيئه الثاني، وفي هذا الإطار يقول الإنجيلي يوحنا: “مَن كانت له خيرات الدنيا، ورأى بأخيه حاجة، فأغلق أحشاءه دون أخيه فكيف تقيم محبة الله فيه؟” (1 يو17:3).

وأخيراً يقول الشيخ يوسف الهدوئي الآثوسي: “على كلّ مَن يرغب في الكلام عن الحب أن يقتني إعلاناً عن سرّ الحب. فقط، إذ ذاك، إذا ما سمح له نبع المحبة، يسوعنا الحلو، ينقل إلى الآخرين شيئاً من الثمر الذي تلقّاه، إذ ذاك ينفع قريبه بالتأكيد”. إن هناك خطراً كبيراً يتهددنا، فيما لو كان إنجاز وصية المحبة الإلهية والمحبة الأخوية محصوراً في وسائل التواصل الحديثة، وهو أن تبقى الشريعة الإلهية على ألواح حجرية تُبلى وتنكسر وليس في منحوتات إلهية للروح القدس الفاعل في قلوبنا.

معرفتنا بالثالوث القدوس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

معرفتنا بالثالوث القدوس بحسب الأب يوحنا رومانيدس

إعداد الأب أنطوان ملكي

 

هناك فروقات تنشأ من خبرة التألّه. مثلاً كيف نميّز بين الأقانيم؟ كيف نعرف أن الأنوار ثلاثة أو نور واحد؟ لم يتّخذ آباء الكنيسة الكتاب المقدس نقطة انطلاقهم لصياغة العبارات اللاهوتية بل اتّخذوا خبرتهم. لهذا لا نجد عندهم استدعاءً لسلطة الكتاب وحسب بل نجد استدعاءً لسلطة خبرة التألّه التي عاشوها خاصةً عندما يهاجمون الهراطقة بقوة. فبخبرتهم عرفوا ان الله نور وكذلك أنه ظلمة. من أين تعلّموا ذلك؟

من جهة أولى الكتاب المقدس، أنبياء العهد القديم وكامل التقليد اليهودي يعلمون أنّ لا تشابه بين الله والخليقة. لكن من جهة أخرى، خبرتهم علّمتهم، فعندما قرؤوا أن الأنبياء عاينوا الله عرفوا أنهم عاينوا ما جهد الأنبياء لوصفه. يشير الأنبياء في كلامهم عن إعلانات الله لهم، إلى أن ملاك الرب هو الذي كشف لهم نفسه، فسمّوه يهوه أو رب المجد أو ملاك المجمع القديم أو غيرها. الله لم يكشف نفسه في العهد القديم إلا من خلال الملاك أو يهوه. هذا يعني أن في العهد القديم إشارة واضحة إلى أقنومين من الثالوث: الله أي الآب، والملاك أي الابن.

هذا التعليم أساسي عند كل آباء الكنيسة في الشرق والغرب، الذين تكلّموا اليونانية أو اللاتينية، ما عدا أوغسطين. من الأمثلة الآباء الغربيون الذين كتبوا باللاتينية عن الثالوث أمثال كبريانوس القرطاجي وإيلاريون، كما من الكتّاب الكنسيين كترتليانوس ونوفاتوس.

ما نعرفه عن الثالوث من خبرة الآباء هو أن الله ثلاثة أنوار ونور واحد. في دستور الإيمان نقول “أؤمن بإله واحد… وبرب واحد يسوع المسيح… نور من نور…” هذا التعليم ليس من الكتاب المقدس بل من خبرة التألّه التي خلالها يتحقق تعليم الكتاب لأنها تلتقي مع خبرة آباء الكنيسة التي فيها يُغمَر الآباء بالنور بواسطة النور. بتعبير آخر، عندما يكون الآب في الروح القدس يعايَن الآب بالكلمة. تتكرر هذه الخبرة المعرفية في حياة الكنيسة في كل زمان وجيل. إنها مصدر معرفتنا لوجود الأنوار الثلاثة التي هي نور واحد وتحقيق لهذه المعرفة. أحد هذه الأنوار الثلاثة ينبع من طبيعة المسيح البشرية التي تفوق الشمس مجداً.

لكن، عند الحديث عن عقيدة الثالوث نستعمل كلمات ومفاهيم بالرغم من أنها مستعارة من الخبرة البشرية ما يعني أننا نحكي عن أشياء مخلوقة. مثلاً، عند الكلام عن النور لا يمكننا أن نكوّن صورة عن النور غير المخلوق أو اختراع مفهوم له. هذا لأننا إن لم نختبر النور غير المخلوق فإن صورة الشمس المخلوقة تأتي إلى فكرنا أولاً. ما الذي نعنيه بقولنا “النور غير المخلوق”؟ أول ما يخطر في بالنا هو صورة النور المخلوق المحفوظة في ذاكرتنا، فتنتقل أفكارنا إلى نور الشمس أو النار أو غيرها. من ثمّ نفكّر بالظلمة وتضادها مع النور غير المخلوق، فنقول أن النور غير المخلوق ليس ظلاماً بل نوراً وهكذا نربط بين النور غير المخلوق والنور المخلوق. لكن كل هذه التخمينات ليست سوى تلفيق من مخيلتنا يبقينا إلى الأبد عالقين في معرفتنا للنور المخلوق واختبارنا له.

الكنيسة بيت الخطأة!

الكنيسة بيت الخطأة!

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، يسوع، دائمًا، مجتاز. الاجتياز هو سمته: “ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه” (متّى8: 20). ويسوع، أيضًا، في وضع الاجتياز في حياة كلّ واحد منّا. لذلك، علينا، دائمًا، أن نكون يقظين، أن نكون منتبهين، لأنّنا لا نعرف في أيّة ساعة يأتي ربّنا. علينا بالسّهر والانتباه. والإنسان يحتاج إلى أن يغتنم الفرصة، وإلاّ تضيع. يسوع يأتي في حياة كلّ واحد منّا، ليعطي ذاته؛ فطوبى للّذي يلقاه مستيقظًا.

“رأى [يسوع] لاويَ بن حلفى”. عين يسوع على كلّ واحد منّا، وهو لا ينظر كما ينظر الإنسان. الإنسان ينظر إلى العينين؛ أمّا الرّبّ الإله، فينظر إلى القلب. معرفة يسوع بنا هي معرفة في مستوى الكيان. كان لاوي “جالسًا عند مائدة الجباية”، أي كان عشـّارًا، وكان منهمكًا بتحصيل المال؛ “فقال له يسوع: اتبعني”. يسوع لا يتكلّم كثيرًا، إذ لا يحبّ كثرة الكلام. كلّما عرف الواحدُ منّا الرّبَّ يسوع، مال إلى الصّمت، وقلَّ كلامه. في هذا الدّهر، الّذين يعرفون يتكلّمون قليلاً، والّذين لا يعرفون يتكلّمون كثيرًا. “فقام [لاوي] وتبعه”. لاوي، كما نعرف، هو نفسه متّى. إثر سماعه الكلمة، كلمة يسوع، قام وتبعه. الإنسان قلب، والقلب لا يحتاج إلى الكثير ليميل إلى يسوع. يحتاج إلى كلمة مُشبَعة بالنّعمة، يحتاج إلى كلمة بركة، يحتاج إلى الـْتـِفاتَة. يسوع، حين يتكلّم، يبثّ في كلامه روحًا. والّذين يحبّون يسوع، متى تكلّموا، يبثّون روحًا من عند يسوع.

“وفيما كان [يسوع] متّكئًا في [بيت لاوي]، كان عشـّارون وخطأة كثيرون متّكئين مع يسوع وتلاميذه”. إذًا، الرّبّ يسوع دخل بيتَ لاوي. دخل، أوّلاً، قلبَه، ثمّ دخل بيتَه. المحبّة، دائمًا، تحتاج إلى تعبير. الإنسان لا يحبّ بالكلام، فقط؛ بل بالفعل، أيضًا. إذا كان الرّبّ يسوع قد قبل لاويَ، فمن الطّبيعيّ أن يكون قد قبل دخولَ بيته. هذا الأمر ليس مسألة اجتماعيّة. عند النّاس، هذا يُعتبر زيارة. أمّا عند يسوع، فهذا ختم محبّة يسوع للاوي، وقبوله له. طبعًا، بما أنّ لاويَ كان عشـّارًا، فإنّ العشـّارين والخطأة كانوا هم رفقته. هؤلاء وُجدوا، إذًا، متّكئين مع يسوع وتلاميذه. بالنّسبة إلى لاوي، فإنّه دعا العشـّارين والخطأة إلى بيته، من باب إكرام يسوع. النّاس يعبّرون بطرقهم الخاصّة. المهمّ أن نرى دائمًا، وراء تعبيرهم، حركةَ قلوبهم. لا نحكمنّ على النّاس بحسب الظّاهر! إذًا، هذا بالنّسبة إلى لاوي. أمّا بالنّسبة إلى يسوع، الّذي لا يبحث عن إكرام، فإنّ اتّكاءه مع العشـّارين والخطأة كان من باب الامتداد صوبهم، حتّى يخلصوا. هَمُّ يسوع الأوّل والأخير أن يخلّص النّاس. كلّ مناسبة، بالنّسبة إليه، هي مناسبة خلاص.

“فلمّا رأى الكتبةُ والفرّيسيّون أنّه يأكل مع العشـّارين والخطأة…”: الكتبة والفرّيسيّون كانت عيونهم على يسوع. وهم رأوا يسوع يأكل مع العشـّارين والخطأة من الخارج، ولم يدخلوا بيتَ متّى؛ إذ إنّهم ما كانوا يخالطون الخطأة والعشـّارين. إذًا، هم وقفوا خارجًا، وأخذوا يراقبون الدّاخلين والخارجين، وكان لهم هَمٌّ واحد: أن يُوقعوا بيسوع. الفرّيسيّون كانوا يعتبرون أنّ الله معتزِل، أي إنّه لا يخالط الخطأة. الخطأة نصيبهم القطع، نصيبهم الفرز! الفكرة، عندهم، كانت أنّ الله سوف يقطع الخطأة، ويحرّر العالم منهم. حتّى يوحنّا المعمدان، في ما يبدو، لم يكن خاليًا من فكرة قطع الخطأة. هذه الفكرة كانت شائعة بين النّاس. حين جاء الخطأة إلى يوحنّا ليعتمدوا، قال لهم: “الفأس قد وُضعت على أصل الشـّجر، فكلّ شجرة لا تصنع ثمرًا جيّدًا تُقطَع وتُلقى في النّار” (متّى3: 10). طبعًا، من الممكن أن يُفهم هذا الكلام باعتباره يشير إلى الدّينونة. لكن، يمكن، أيضًا، أن يُفهم باعتباره يشير إلى قطع الخطأة، منذ الآن. وثمّة مَن يظنّ أنّ هذا كان سببَ تردّد يوحنّا، فيما بعد، في شأن يسوع. يسوع كان رحيمًا تجاه الخطأة. أمّا الاتّجاه العامّ، فكان غير ذلك.

إذًا، بالنّسبة إلى الكتبة والفرّيسيّين، بصورة خاصّة، الإنسان البارّ لا يؤاكل الإنسان الخاطئ، ولا يجلس إليه، بل يقطعه، ويقطع كلّ علاقة به. عند الفرّيسيّين، لم يكن هناك تمييز بين الخاطئ والخطيئة. أمّا بالنّسبة إلى يسوع، فالخاطئ شيء، والخطيئة شيء آخر. لا بدّ من التّمييز بين الأمرين. كلّ واحد منّا، في الحقيقة، يدين الآخرين، لأنّهم يرتكبون إثمًا، أو ما يظنّه هو أنّه إثم. إذًا، كلّ إنسان يدين الآخرين على هذا الأساس يكون كالفرّيسيّين. نحن لا يحقّ لنا أن ندين أحدًا، على الإطلاق. إنّما لنا أن ندين الخطيئة في أنفسنا وفي الآخرين. الآخر ليس برسم الإدانة، بل برسم المحبّة، برسم الرّحمة. خطيئته برسم الإدانة، لا شكّ في ذلك. وطبعًا، إذا كنّا لندين الخطيئة دون الخاطئ، فلا بدّ لنا من أن نوجَد مُحبّين للخاطئ. هذا ما يحدث، تمامًا، حين يكون إنسانٌ مريضًا. الإنسان المريض نحبّه أكثر، لأنّه مريض، ولا نحبّه أقلّ. لكنّنا نكره مرضه، ونسعى لشفائه منه. هذا إذا كان عندنا قلب، وإذا كنّا نحبّ. إذًا، كلّما استرسل الإنسان في إدانة النّاس، كانت محبّته محدودة، لا بل معدومة. وعلى العكس، كلّما وجّه الواحد منّا ناظرَيه إلى الخطيئة بالإدانة، وجد نفسه وقد تحرّك قلبه حبًّا للإنسان الخاطئ. هنا، في الحقيقة، يكمن الحدّ بين مَن هو ليسوع ومَن ليس ليسوع. مَن كان ليسوع، فإنّه يحبّ الجميع، “لأنّ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 23). إذ ذاك، إن نحن أحببنا؛ فإنّنا سنوجَد، بصورة تلقائيّة، كارهين الخطيئةَ في الآخرين وفي أنفسنا. وهذا أوّل الطّريق إلى التّحرّر من الخطيئة. إذًا، يسوع آكل العشـّارين والخطأة، لأنّه كان يحبّهم. ولأنّه كان يحبّهم، كان يهتمّ بشفائهم، ومساعدتهم. كان رحيمًا تجاههم. هذا منطق آخر، هذا منطق إلهيّ. هذا هو المنطق الّذي علينا أن نقتنيه، في كلّ حين، وفي كلّ حال.

الكتبة والفرّيسيّون لاموا يسوع. وإذ لاموه، أدانوه، جعلوه خاطئًا؛ لأنّ الفرّيسيّين يعتبرون أنّ الطّيور على أشكالها تقع: الخطأة يعاشرون الخطأة! “قالوا لتلاميذه” – وكأنّهم يحاولون أن يقلّبوا التّلاميذ على المعلِّم – “ما بال معلّمكم يأكل ويشرب مع العشـّارين والخطأة”؟! التّلاميذ، إذًا، كانوا يتحرّكون من الدّاخل إلى الخارج. هنا، علينا أن نفهم أنّ التّلميذ لا يلوم معلِّمه في شيء. التّلميذ الأصيل هو الّذي يعتبر نفسه تحت الحكم، لا فوق الحكم. في الحياة الرّهبانيّة، مثلاً، ليست خطيئةٌ أسوأَ من أن يدين الرّاهبُ رئيسَه! هذه أسوأ الخطايا، لأنّها تذهب بالنّعمة الإلهيّة، بصورة كاملة! التّلميذ الأصيل يقول: “أنا لستُ في وضع مَن يحكم على رئيسي. إنّما هو يحكم عليّ”. متى شعر بذلك، فإذ ذاك، يكون في الأمان؛ وإذ ذاك، ينال بركة من فوق. التّلاميذ، هنا، لم يتفوّهوا بكلمة. سمعوا، فقط؛ ولم يأخذوا، طبعًا، بالكلام الّذي قيل، إلاّ ربّما يهوذا الإسخريوطيّ، الّذي كان يدّخر موقفًا شكّاكًا من جهة المعلِّم. “فلمّا سمع يسوع، قال لهم…”. كيف سمع يسوع؟! وكيف قال لهم؟! يسوع يسمع الكلام، حتّى قبل أن يُقال. هو كان في الدّاخل، وأغلب الظّنّ أنّهم هم كانوا في الخارج. هذا يعني أنّه خرج إليهم، فيما كانوا يحدّثون بعض التّلاميذ، وقال على مسمع من تلاميذه: “لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، لكن ذوو الأسقام”. إذًا، العشـّارون والخطأة هم مرضى، ويجب أن يُعاملوا كمرضى. أمّا الأصحّاء – وليس أحد صحيحًا – فهم الّذين يدّعون أنّهم في العافية، وليسوا كذلك. هؤلاء الّذين يدّعون العافية، كالفرّيسيّين والكتبة، باقون في الخارج، ولا يريدون أن يدخلوا، ولا يريدون أن يكون لهم نصيب مع المعلِّم؛ لأنّهم يعتبرون أنفسهم أصحّاء! هذه دينونتهم: أنّهم لا يعرفون حقيقة نفوسهم. حتّى بعد أن قال لهم يسوع هذه الحقيقة، لم يقبلوها. يسوع لم يأتِ ليدعو صدّيقين، بل خطأة، إلى التّوبة (لو5: 32). كأنّ البيتَ الّذي دخله يسوع، بيتَ لاوي، صار هو الكنيسة. والفرّيسيّون والكتبة قائمون في خارج البيت، لا نصيب لهم في كنيسة المسيح. أمّا الّذين هم في الدّاخل، فهم الّذين يعرفون أنفسهم أنّهم خطأة! هؤلاء لا يلوّثون يسوع بخطيئتهم، كما يظنّ الفرّيسيّون والكتبة، بل هو الّذي ينقّيهم بنعمته. هو أخذ خطيئتنا، وأعطانا أن نتنقّى منها.

خلاصة القول هي أنّ كلّ مَن ظنّ، بيننا، أنّ له فضيلةً، وتصرّف على هذا الأساس؛ كانت فضيلتُه رذيلةً؛ لأنّ الّذي يظنّ نفسه أنّه صاحب فضيلة لا بدّ من أن يغزوَه الغرور، والمجد الباطل؛ ولا بدّ من أن يجد نفسه ديّانًا للآخرين! الفضيلة الحقّ تأتي من معرفة الذّات، من أن يعرف الإنسان خطيئة نفسه. والفضيلة، أيضًا، تأتي من التّوبة، بعد أن نكون قد أخذنا في معرفة ذواتنا. يسوع جاء من أجل الّذين يعرفون أنّهم خطأة، ويطلبون التّوبة. فإذا ما سلكنا على هذا النّحو، يكون اجتياز يسوع بنا قد تتوّج بسكناه في حياتنا؛ فنصير له تلاميذ؛ وإلاّ فنحن، أيضًا، نبقى خارجًا، على غرار الكتبة والفرّيسيّين. آمين.

عظة حول مر2: 14- 17 في السّبت 21 آذار 2009

سر الصليب بحسب القديس اسحق السرياني

سر الصليب بحسب القديس اسحق السرياني

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

رحلة الإنسان من صورة الله إلى التشبه به هي سر عظيم. إنها تشكل تأله الإنسان وهي الهدف الأصلي الذي خلق من أجله، أي تحول كل قوى نفسه وجسده، واتحاد الطبيعة والنعمة. لا يمكن التعبير عن هذا السر بدون الصلب الذي يقود الإنسان إلى معاينة الله. يتم اشتراك الإنسان في الحدث اللاهوتي لصلب المسيح، ونزوله إلى الجحيم، وقيامته، من خلال حياة الصليب.

في أحد نصوصه الشعرية، يكتب القديس نيقوديموس الآثوسي قائلاً: “لقد أثبت عدم استحقاقي للصليب المزدوج الذي للعمل ومعاينة الله”. العمل يعني تطهير القلب من الأهواء، وتحول قوى النفس. معاينة الله الطبيعية، مثل علم اللاهوت، تعني استنارة النوس ومعاينة مجد الله. إننا نحيا هذا الصليب المزدوج باختبارهما كليهما، هذين اللذين يمثلان سر الصليب وأيضاً سر الخلاص.

ربما يكون القديس نيقوديموس الآثوسي قد وجد إلهامه لهذه العبارة لدى القديس اسحق السرياني الذي يتحدث عن الصليب المزدوج الذي للعمل ومعاينة الله.

يكتب القديس اسحق السرياني قائلاً: “توجد طريقتان لإعتلاء الصليب: الأولى هي صلب الجسد، والثانية هي الصعود في معاينة الله. يأتي الأول من خلال التحرر من الأهواء، ويحدث الثاني بعمل الروح القدس. لن يأتي نوسنا إلى الخضوع ما لم يخضع جسدنا له. مملكة النوس هي صلب الجسد. لن يخضع النوس لله ما لم تخضع الإرادة الحرة للعقل”.

تعليم القديس اسحق السرياني واضح. صعود المسيحي على الصليب هو صلب الجسد، من جهة، والذي يتطلب التحرر من الأهواء وخصوصاً خضوع الإرادة الحرة للقدرة العقلية وخضوع الجسد للنوس، ومن جهة أخرى، الصعود إلى معاينة الله الذي يتحقق بواسطة الروح القدس.

إننا نجد نفس هذا التعليم في موضع آخر في “العظات النسكية” للقديس اسحق السرياني. إنه يكتب قائلاً: “عمل حمل الصليب هو عمل مزدوج”. الجانب الأول يسمى العمل ويعني احتمال “ضيقات الجسد”.. وهذا “يطهر الجزء الشهواني من النفس بقوة الغيرة”. يتكون الثاني من “أعمال النوس الدقيقة، وهذيذ إلهي ثابت، وصلاة دائمة مستمرة، وممارسات أخرى شبيهة. يتحقق هذا العمل الثاني من خلال الجزء المريد من النفس، ويسمى المعاينة الإلهية (الثايوريا)”. ليست هذه الثايوريا خمولاً روحياً ولكنها تطهر قوة محبة النفس، “التي هي اشتياق طبيعي، وغربلة صادقة لجزء النفس النوسي”. يختم القديس اسحق بأن يقول أنه من الضروري أن يأتي صليب العمل أولاً، وأن يتبعه صليب الثايوريا، لأنه “لو أراد النوس الصعود على الصليب قبل أن تكون الحواس قد استراحت من نقائصها فإن غضب الله يأتي عليها”.

في تعليم الآباء القديسين، لا يشير العمل ومعاينة الله إلى حياة العمل وحياة التأمل، كما يصر على ذلك التقليد الغربي، وبتعبير آخر، إلى التمييز بين العمل الإرسالي أو الاجتماعي و”التأمل”. يشير العمل إلى تطهير القلب من الأهواء، ومعاينة الله هي استنارة النوس ومعاينة نعمة الله غير المخلوقة في الطبيعة الإنسانية لله الكلمة. طريق التطهير من الخطيئة والرحلة نحو تأله الإنسان هما خبرتان لسر الصليب. حيث أن المسيح غلب الموت، وإبليس، والخطيئة على الصليب بواسطة محبته العظيمة، فإن الاشتراك في حياة التأليه هي خبرة شخصية لسر الصليب.

إذ نفحص هذه المسألة عن قرب، فإننا نستطيع ملاحظة أن الإنسان، من خلال ولادته، يرث نتائج الخطيئة الجدية، التي هي الفساد والموت. ولادة الإنسان الثانية تعني التغلب على أقمصة الجلد تلك (الفساد والموت)، ويتحقق ذلك من خلال دمجه في جسد المسيح. يتغلب الإنسان على الفساد والموت بكل توابعهما ونتائجهما من خلال اختبار قوة الله المانحة التطهير والاستنارة والتأليه داخل أسرار الكنيسة. في مثل هذه الحالة، نقول أن الشخص يختبر سر الصليب والقيامة. لأن المسيح انتصر على الموت، وإبليس، والخطيئة فإن المؤمن المتحد بالمسيح يكون قادراً على هزيمة الموت داخل حدود حياته الشخصية من خلال سر الصليب. في الواقع، يكرر المسيح انتصاره على الموت، وإبليس، والخطيئة في كل شخص يريد الاشتراك في هذا الجهاد.

يشير أيضاً القديس غريغوريوس بالاماس إلى سر صليب المسيح من منظوره. يرى القديس غريغوريوس “أنه لم يتصالح أحد مع الله قط إلا من خلال قوة الصليب”. إنه إذ يشير إلى الصليب يقول: “صليب المسيح هو محو الخطيئة”. حدثت مصالحة البشر مع الله في حياة كل الآباء الأولين والقديسين المتحدين بالله” وبالتالي، “كما شهد الله نفسه، كان يوجد الكثيرون الذين كانوا أصدقاءً لله قبل وبعد الناموس، عندما لم يكن الصليب قد أعلن بعد”. ثم بعد ذلك يصف رحيل إبراهيم عن عشيرته بناءً على كلمات الله “اذهَبْ مِنْ أرضِكَ ومِنْ عَشيرَتِكَ ومِنْ بَيتِ أبيكَ إلَى الأرضِ التي أُريكَ” (تك1:12)، ويعلق قائلاً: “تحمل تلك الرسالة سر الصليب داخلها”. كانت معاينة الله الممنوحة لموسى عندما خلع نعليه أيضاً خبرة للصليب: “بالتالي تكون الثايوريا الإلهية أيضاً سر الصليب، وأعظم من هذا السر الأول”.

خبرة الصليب هي الاشتراك في قوة الله المانحة التطهير، والاستنارة، والتأليه. وهي تتحق من خلال تعاون الله والإنسان.

إذ يفسر الأستاذ رومانيدس هذا النص الآبائي يكتب قائلاً: “سر الصليب والقيامة هو المجد، والعظمة، والجلالة الإلهية التي كانت موجودة قبل العالم والتي هي موجودة إلى الأبد، والتي يمكن أن يقتنيها الجميع بحسب قوتهم، والتي يشترك فيها الجميع بطرق مختلفة بحسب استحقاقهم، والتي يسكن فيها الله الثالوث”.

سر الصليب هو في الواقع قوة الله غير المخلوقة العاملة قبل خلق العالم؛ العاملة في الخليقة والحاكمة العالم؛ العاملة قبل وبعد ناموس موسى؛ قبل وبعد التجسد؛ قبل وأثناء وبعد ذبيحة المسيح على الصليب. قوة وقدرة الله، التي هي سر الصليب، “تقدم الذبيحة على الصليب، وقوة القيامة، وهي موجودة في الإفخارستيا الإلهية والأسرار لكي تطهر، وتنير، وتؤله. من خلال سر الصليب والقيامة، ومن خلال ذبيحة نفسه على الصليب، يعمل المسيح، مع الآب والروح القدس، الصلح بين العالم ونفسه، ويغذي المؤمنين، ويحقق لهم النمو والتطور الروحي نحو الاتحاد بالله”.

من الواضح أن سر الصليب هو نعمة وقوة الله غير المخلوقة، التي خلقت العالم وتحكمه، والتي تخلص الناس بمصالحتهم مع الله بواسطة قوة صليب وقيامة المسيح. أظهر الحدث التاريخي للصليب قوة الله غير المخلوقة، التي بواسطتها يحب الله العالم ويغلب الموت، والخطيئة، وإبليس. بالتالي، تتم المشاركة في ذبيحة المسيح على الصليب، التي تعبر عن محبته، في الأسرار والحياة النسكية، وبهذه الطريقة تحقق تطهير الإنسان، واستنارته، واتحاده بالله. هذه هي الطريقة التي يغلب بها الإنسان الفساد والموت.

جئت إليك ثلاث مرّات

جئت إليك ثلاث مرّات

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع


كان الإسكافيّ القرويّ فيكتور يحبّ الله كثيراً، كريماً، أميناً عمله، يتّسم بالبشاشة في لقائه مع الناس. وكثيراً ما كان يصلّي إلى الربّ يسوع قائلاً: “يا يسوع الحبيب إلى قلبي جدّاً، كم أتمنّى لو أراك، وكم أودّ لو ألتقي بك”.

وفي إحدى الليالي رأى فيكتور يسوع في الحلم يَعِدُهُ بأنّه سيأتي إليه في اليوم التالي. قام من النوم فرحاً، وذهب إلى الغابة القريبة، وقطف بعض الأزهار الجميلة الملوّنة، وزيّن بها حجرته البسيطة التي كان يمارس فيها عمله، وفيها أيضاً ينام ويطبخ… وبدأ يصلّي فرحاً وهو يمارس عمله منتظراً مجيء المخلّص. وفجأة رأى شيخاً بدت عليه علامات التعب الشديد، وفي بشاشة أخذ يتحدّث معه، وبكلّ احترام سأله أن يستريح قليلاً عنده. فجلس الشيخ، وإذا بالإسكافيّ يتطلّع إلى حذائه، فيجده عتيقاً مهلهلاً مملوءاً ثقوباً، فأحضر إليه حذاء جديداً وقدّمه له هديّة. اعتذر الشيخ بأنّه لا يملك ثمن الحذاء، أمّا الإسكافيّ فقال له أن يصلّي من أجله وهذا يكفيه لكي يباركه الله.

وبعد أن فارق الشيخ الإسكافيّ، بقي فيكتور يترقّب مجيء الضيف الإلهيّ. وإذا بسيّدة عجوز تسير أمامه ببطء شديد تحت ثقل الحمل الذي على كتفيها، فطلب منها الإسكافي أن تستريح هي أيضاً قليلاً عنده، ثمّ أحضر لها بعضاً من الطعام الذي كان قد أعدّه لنفسه، فصارت تأكل فرحة إذ كانت جائعة وهي تشكره على محبّته وسخائه.

وعند الغروب لاحظ فيكتور صبيّاً صغيراً يبكي في الطريق، فترك ما كان في يده وذهب يسأله عن سبب بكائه، فقال له الصبيّ بأنّه ضلّ الطريق. وفي حنان كبير هدّأ نفس الصبيّ، وقال له إنّه يعرف والديه، وإنّه سيرافقه إلى بيته. وبالفعل ترك دكّانه، وانطلق مع الصبيّ، وكان يسرع في خطواته ذهاباً وإياباً خشية أن يأتي السيّد المسيح ولا يجده.

وإذ حلّ المساء أغلق فيكتور دكّانه وجلس يفكّر هل يأتي السيّد المسيح في المساء، وماذا سيفعل عندما يأتي، وبدأ يقول لنفسه: سوف أغسل يديه وقدميه اللتين ثقبتهما المسامير، وأجلس عند قدميه أستمع إلى صوته الحنون، وأقدّم له طعاماً من صنع يديّ”. مرّت الساعات ولم يظهر له السيّد المسيح، فبدأ فيكتور يعاتبه قائلاً: آه يا يسوع، ألم تعدني بأنّك سوف تأتي إليّ ليفرح قلبي بقدومك، فلماذا لم تأت؟ ثم ما لبث أن ذهب إلى النوم وهو حزين. وفي الليل ظهر له يسوع في الحلم قائلاً: لقد وفيت بوعدي لك يا فيكتور وأتيتك ثلاث مرّات: جئت إليك في شكل شيخ منهك القوى، وقدّمتَ لي حذاء جديداً بحبّ وبشاشة، ثم أتيتك بشكل سيّدة عجوز، وقدّمت لي طعاماً من صنع يديك، وأخيراً جئت إليك في شكل صبيّ تائه، وسرت معي إلى المنزل”.

استيقظ فيكتور فرحاً، وركع يشكر يسوع لأنّه التقى به من خلال المحتاجين والفقراء والتائهين والمتعَبين. ثمّ أسرع إلى الكتاب المقدّس وقرأ المقطع التالي: “تعالوا يا مبارَكي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم، لأنّي جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فآويتموني وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فزرتموني ومحبوساً فأتيتم إليّ” (متى 34:25-37)

ورسم  فيكتور نفسه بإشارة الصليب المقدّس وهو يقول لنفسه: ساعدني يا ربّ في هذا الصوم المبارك أن أقوم بما توصينا به.