Monthly Archives: May 2013

السنة التاسعة – العدد الثامن – أيار 2013

السنة التاسعة – العدد الثامن – أيار 2013

 

مختارات آبائية

صورة غير المؤمن

القدّيس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

الإيمان بالإنجيل

القديس نقولاي فيليميروفتش

عظة

“الكلمة” بين الحقّ والتـّلفيق!

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

صورة الإنسان لنفسه كمرض روحي

الأب أنطوان ملكي

العادة في العبادة هي الخطر الأعظم

الشيخ إفسابيوس ياناكاكيس

إلهي إلهي لماذا تركتَني؟

الخورية سميرة عوض

فن كنسي

أيقونة القيامة

أثناسيوس موستاكيس

أبطال روحيون

القديس قسطنطين والمسيحية

دانيال لاريسون

الراهب يواكيم الكارياسي

الراهب موسى الأثوسي

الراهب يواكيم الكارياسي

الراهب يواكيم الكارياسي (1893-1988)

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

كان الشيخ يواكيم أثوسياً حقيقياً. لقد أحبّ والدة الإله، الجبل المقدس، تاريخه وآباءه الأثوسيين. لقد تميّز بتفانيه للأعمال والتعلّم والفضيلة. كان يتلافى الاهتمام والإسهاب، فكان راهباً منسياً متواضعاً وصالحاً. فقره منحه قلباً غنياً. كان يجد الخطأ دائماً عنده ولكنه لم يجد أبداً أي خطأ عند الآخرين.

وُلِد يوحنا بالاسيس سنة 1893، في قرية دافني من أعمال كالافريتا لأبوين ورعين، وكان الأكبر بين ثمانية إخوة. أولى كلماته كانت، بطريقة غريبة ولكن جميلة، “سوف أكون راهباً”. بعد تركه للمدرسة، عمل لفترة قصيرة في محل بقالة في باترا، وهناك صار قريباً وصديقاً للأب الروحي المعروف جرفاسيوس باراسكيفوبولوس (+1964).

انتقل من دافني كالافريتا إلى دافني أثوس في 1915. انتقل إلى إسقيط كافسوكاليفيا حيث أمضى عدّة أشهر مع أخوية الأب خاريتون (+1906) حيث كان يوجد راهبان من بلدته الأم هما خاريتون (+1930) وأثناسيوس (+1956). هناك في منزل الأكاثيستون (المديح) كان يخيّم الصمت والهدوء والصلاة والتوبة والفقر والبَرَكة. في 1916 انتقل إلى قلاية ميلاد والدة الإله التابع لدير الباندوكراتور (الضابط الكل) ويرتبط تقليدياً بالآباء الكوليفاذيين. هنا سيم راهباً على يد الشيخ أونوفريوس. عمل بجد لعشرة أعوام كان عزاؤه خلالها دراسته الليلية. مضى لفترة قصيرة إلى كساروكاليفو وهو بيت صغير من دون كنيسة في كافسوكاليفيا ومن ثمّ إلى قلاية القديس ديمتريوس في كاراسيا حيث عاش الحاج جرجي الشهير (+1886). صار عنده جماعة صغيرة من المريدين في قلاية الصليب المقدّس المجاورة. كتب عنه تلميذه الراهب أندرياس (+2004): “هادئ، لطيف وحلو في طرقه، ممتلئ من اللطف وكلماته مفعَمَة بالحكمة والتعليم والأمثال. لدرجة أنه يفوز بك، ويثير إعجابك ويحبسك بإشراق نفسه الروحي”.

في 1942، انتقل الشيخ يواكيم مع أخويته إلى قلاية القديسين الثيودورين (إيفيرون) وفي 1953 إلى قلاية البشارة (سيمونوبترا). أخيراً، في 1951، مضى إلى قلاية الصعود (فاتوبيذي) حيث بقي إلى انتقاله من هذه الحياة. وفي كل هذا، كان يرافقه تلميذه الوفي، الراهب ثيوذوروس، الموجود اليوم في دير كونستامونيتو.

لم يترك الجبل المقدس إلا ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث والسبعين التي قضاها هناك، وذاك لضرورة كبيرة ولوقت قصير. لم يزر قريته ابداً ولم يتواصل مع أي من أقربائه. أرسلت له أمه رسالة تأثر كثيراً لاستلامها، لكنه لم يقرأها كلها قبل أن يحرقها. كان يصلّي كل يوم: “أيها الرب يسوع المسيح ابن الله، كل ما هو غريب، كل ما هو غير قانوني، كل ما هو غير عادل وكل ما يضرّ بالنفس، اقتلعه بالطريقة التي تريد… لا تدعه يأخذ جهداً كبيراً مني إذا ما أعجبني. لا تتركه يثقل على نفسي”.

لقد أحب القراءة وكان يقول “الكتب أبقتني على الجبل”. لقد ارتبط روحياً بالشيوخ اليواصافيين والدانياليين والثومائين، جراسيموس (القديسة حنة الصغرى)، أندراوس وثيوذوسيوس (القديس بولس)، أثناسيوس الطبيب (اللافرا) أثناسيوس (إيفيرون)، يوسف الكهفي، آفلايوس (فانوريمينو)، ثيوكليتوس (ديونيسيو)، باييسيوس الآثوسي وآخرين. زاره الأب باييسيوس عندما كان تحت المرض الشديد وقال له: “أيها الشيخ يواكيم، أترغب فقط بإكليل الراهب؟ هاك إكليل الشهداء معه”.

رقد بالرب بسلام. جنّزه أسقف رودوستولوس خريسوستوموس ممثلاً البطريرك المسكوني ومعه عشرون كاهناً وخمسون راهباً.

كان يتكلّم دائماً بشغف مقدّس عن الحياة النسكية وبطولات الآباء الأثوسيين في الأيام الغابرة. ذاكرته كانت تدهش الناس. قبل عشرين عام، نشرنا قصصه الأثوسية الرائعة في كتاب بطلب من تلميذه الوفي ثيوذوروس.

أيقونة القيامة

أيقونة القيامة

أثناسيوس موستاكيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

سوف نحاول أن نشير إلى الملامح الأساسية للأيقونة الأرثوذكسية المسمّاة “النزول إلى الجحيم”. أول ما ينبغي ملاحظته هو اختلافها الكليّ عن الأيقونة الغربية التي تصوّر المسيح صاعداً من القبر حاملاً علماً صغيراً فيما الحرّاس المنذهلون منطرحون على الأرض. هذه الأيقونة الغربية تقدّم قصة لم يرَها أحد. لحظة القيامة هي سر مستتر.

المقاربة الأرثوذكسية مختلفة بالكليّة. إنها تصوّر نتائج حدث القيامة على الناس والعالم. المسيح في الوسط لابساً ثياباً بيضاً لامعة وهو في وسط هالة ممسكاً بيديه آدم وحواء مقيماً إياهما من الموت الذي أتيا إليه بخيارهما الخاطئ في الفردوس. بهذا العمل المفعَم بالحيوية يتركّز انتباهنا مباشرةً على معنى المشهد “مقيماً آدم معه”، أي خلاص البشرية. إن بروزهما معاً من القبر هو أمر ذو أهمية.

يقف المسيح بثبات على قطعتين من الخشب مطروحتين بطريقة تشكلان فيها صليباً. هذه هي أبواب الجحيم التي دكّها المسيح بنعمة صليبه. لقد أغلقت هذه الأبواب مع الموت ولكنها لم تكن بالقوة الكافية لتحفظاه في العبودية. تتبعثر من حوله أجزاء من الأقفال والسلاسل المحطمة التي استُعملَت إلى ذلك الحين لتجهض أي محاولات الهروب من الجحيم. تحت كل هذا يوجد اسوداد الجحيم الذي، قبل أن تأتي القيامة، كان نهاية الطريق للجنس البشري.

إلى يمين المسيح ويساره يقف أناس عاشوا على الأرض قبله وكلّهم يستديرون صوبه متوقّعين خلاصهم. من بينهم أولاً، القديس يوحنا المعمدان، وأنبياء العهد القديم وأبراره، كمثل النبي داود الملك. في خلفية المشهد هناك تلال، تصوّر في بعض الأيقونان أنبياء (كمثل داود ويونان) قد سبق وأخبروا عن حدث القيامة العظيم، وهم يحملون عرائض كتبت عليها نبوءاتهم.

في الختام، نشير إلى الثياب البيض التي يرتديها المسيح، والتي ترمز إلى فرح القيامة وتصوّر مسبَقاً قيامتنا الآتية.

إلهي إلهي لماذا تركتَني؟

إلهي إلهي لماذا تركتَني؟

الخورية سميرة عوض *

إن صرخة المسيح هذه على الصليب، صرخة الألم، البكاء، اليأس من التخلّي، تُظهِر أنّ المسيح بناسوته، أي بطبيعنه البشرية، عرف كلّ مآسي البشر وأنّه لَمَس الهوّة السحيقة التي نتجَت عن تركِ الإنسان لله وغربته عنه. إلاّ أنّ صرخة المخلّص لا تعني أن الآب تخلّى عنه أو أنّ الألوهة فارقته، بل هو كان يمثّلنا بشخصه. لأننا قبلاً كنّا متروكين ومحتَقَرينن أمّا الآن فجرى تعهّدنا وتمّ خلاصنا بآلامه لأنّه قدّس كلّ آلام البشر وعذاباتهم.

حقاّ إن الربّ شفى آلام البشر وحوّل عذاباتهم إلى فرح بصرخة منه على الصليب “إلهي إلهي لماذا تركتَني؟” لأنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالصليب وأنّه ابطل الحاجة إلى ارتكاب الخطيئة ووضع حدّاً لطغيان الشرير، وحطّم شوكة الموت، إلاّ إنّه لم يلغِ الخطيئة أو اعمال الشيطان، ولا الموت الجسدي، ولا حتّى نتائج الخطيئة، لأنّه لم يشأ أن يتعدّى على إرادة الإنسان الحرّة.

من هنا، كلّ الأسئلة التي تُطرَح اليوم والصرخات التي تعلو: إلهنا إلهنا لماذا تركتَنا؟ لماذا تسمح بقتل الأبرياء وخطفهم؟ لماذا تتغاضى عن كلّ هذه الشرور؟ لماذا لا تنتقم للذين يحبونَك؟ لماذا لا تجري العجائب وتخلّص البشر من هذه المآسي؟ على هذه التساؤلات لا يمكننا إلاّ ان نقول: مَن يعرف أحكام الله؟ كلّ شيء معروف لديه. فهو يرى كلّ شيء ولا تفوته ملاحظة شيء، ولكن ما من أحد يعرف مشيئته.

أمّا ما يمكن تأكيده فهو أن الله خلق كلّ شيء حَسَناً وأنّ الإنسان هو الذي خلق مآسيه بإرادته الحرّة، وبالتالي من غير المقبول أبداّ ان نلقي اللوم على الله أو أن نعتبره علّة الشرّ والألم. وكما يقول القديس باسيليوس: “إنَ من الحماقة أن يؤمن الإنسان بأنّ الربّ هو سبب عذابنا: هذه هرطقة تقوّض صلاح الربّ”. وأيضاً القديس غريغوريوس بالاماس يقول في هذا المضمار: “إن عدم الموت والموت وعدم الفساد والفساد يرتكزان على خيار الإنسان، بما أنّ الله خلقه حرّاً، ولم يكن باستطاعته أن يمنعه من اختيار مصيره”. فعمل المسيح الخلاصي ليس مفروضاً على الإنسان، بل يتوجّه إلى ملء إرادته.

إذاً، الحياة هي دخول في المعركة والمبارزة، صراع بين الخير والشرّ، تحدي قبول الصليب كرفيق دائم أو نكرانه. فليحكِّم كلّ واحد وُجِد على الأرض ضميرَه الذي هو المشرّع والساهر على القانون والمنفّذ بآنٍ. لأنّه كتابٌ خطّ الله فيه كلّ التشريعات التي فرضَها على الشعوب كلّها. أمّا نحن المسيحيين الذين بُلّغنا الكمال وذقنا هبات المسيح بوفرة، علينا أن نحيا إلهياً مُفتدين الوقت ومُحتملين بصبرٍ كلّ احزان هذه الحياة الوقتية، متوقّعين التجارب والحروب إلى آخر نسمة من حياتنا، فنرى في هذه التجارب أدوية وأعشابًا علاجية تشفي الأهواء المنظورة والجراحات غير المنظورة، إذ لا بدّ لشتاء الأحزان أن ينحلّ شيئاً فشيئاً ويلوح زمن الربيع. فعلينا أن نتصبّر لندّخر لأنفسنا أجراً وراحةً وفرحاً في الملكوت السماوي. فالله خلق الإنسان ليفرح، وليفرح به تحديداً.

وأخيراً لنصرخ كلّنا مع الشيخ يوسف الهدوئي الآثوسي: “إلهي يا إلهي! اطَّلِعْ على عالمِك. افتَحْ سماءاتِك، مرّة أخرى، وَدَعْ قطرةً من نعمتِك الإلهية تسقط عليه، أَنِرْ قلوب البشر وارحمْهم. إلهي يا إلهي!  يا مَن يرى بواطن النفس! حَلِّ قلبَنا الذي مرمَرَه الشرير ونسيَ حبَّك”.

 

* عن نشرة الكرمة

القديس قسطنطين والمسيحية

القديس قسطنطين والمسيحية

دانيال لاريسون *

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

 

تعليق: يرى البعض أن اعتناق (القديس) قسطنطين للمسيحية واعتمادها كدين للدولة كان خطيئة أصلية لم تتعافَ منها المسيحية بعد.

يستطيع البعض أن يظن ذلك من دون أن يكون لهذا أي أساس بالحقيقة. هذه قد تبدو نقطة جانبية، لكن سوء فهم علاقة (القديس)قسطنطين بالمسيحية شائع ومثير للرعب. بغض النظر عمّا يفكر المرء بالأسباب التي دفعت (القديس) قسطنطين لأن يكون أولاً نصيراً للمسيحية ومن ثمّ أن يتحوّل إليها، من المهم أن نفهم ما لم ينتج عن هذه النصرة وهذ الانخراط. قبل كل شيء، لم تصبح المسيحية دين الدولة في عهد (القديس) قسطنطين بل صارت الدين المفضّل للإمبراطور، وهذا عنى تحويل الثروة عن الوثنيين وتوجيهها إلى الكنيسة، أمّا الدين فلم يحقق أي وضعية مميزة أو أكثر رفعة حتى وقت طويل من بعدها.

إن تثبيت المسيحية (وشكل محدد منها في ذلك الوقت) على أنها دين الدولة الرسمي تمّ لاحقاً حوالي نهاية ذلك القرن، في عهد ثيوذوسيوس الأول، حيث لم يعد مسموحاً الانخراط العلني في الممارسات الدينية الوثنية. حتّى بعد ذلك، وخاصة في الإمبراطورية الشرقية، بقي القانون العلماني والقوانين حوالي نهاية ذلك القرن، في عهد ثيوذوسيوس الأول، إذ لم يعد  مميزة أو أكثر رفعة إلالكنسية منفصلين بعضهم عن بعض حتى وقت لاحق متقدم في التاريخ البيزنطي، وانخراط الإمبراطور في الكنيسة كان بالغالب محدوداً بالفصل في المجادلات العقائدية بين المسيحيين. لقد كان غير المسيحيين والهراطقة معابَين قانونياً بسبب معتقداتهم، لكن في أغلب الأحيان كانوا يُترَكون في سلام.

يطلق عدد غير قليل من المؤرّخين واللاهوتيين اسم “القسطنطينية Constantinianism ” على أمر لا علاقة له بقسطنطين (القديس)، ولا حتّى ببيزنطية ككلّ في وقت لاحق. هذا مماثل للمفهوم الأسطوري عن البابوية القيصرية، حيث صورة الكنيسة متشابكة مع الدولة الإمبراطورية ومُدارَةً منها. وهذه الصورة هي نتاج علم التاريخ الحديث في ردة فعله ضد علاقات الدولة بالكنيسة كما سادَت في الإصلاح وضد الإصلاح. إن ظاهرة كنائس الدولة، حيث تسود السلطة المدنية على الكنيسة بشكل مباشر، بدأت مع هنري الثامن وتكررت في أوروبا الشمالية. هذا الذوبان المحدد بين السياسة والدين كان ظاهرة حديثة بالتأكيد، ولا علاقة لها بما كان ممارساً في بيزنطية لغاية العصور الوسطى.

 

تعليق: في أيام (القديس) قسطنطين، وُضِعَت المسيحية على طريق التحوّل إلى دين الدولة.

هذا غير صحيح. إنّه من أسوأ أنواع التفسير التاريخي الإلغائي الذي عفا عنه الزمن. في أيام إمبراطوريته، رعا (القديس) قسطنطين واحداً من العبادات الدينية التي كانت مزدهرة في إمبراطوريته. أحد خلفائه تخلّى عن المسيحية وعزّز المذاهب الوثنية التقليدية. إن الانقطاع عن الممارسة الرومانية السابقة لم يكن على ذلك القدر من الحسم والأهمية الذي يفترضه الكثيرون. لقد أمّن للكنيسة حماية قانونية وأوقف لها أملاكاً مهمّة. لم تصِر الكنيسة “كياناً سياسياً ناشطاً”. في الشرق، ما يزال الكلام عن أنها صارت كياناً من هذا النوع، خلال غلبية الفترة البيزنطي، أمراً مختَلَفاً عليه. لقد اكتسب الاساقفة سلطة مدنية في المناطق التي كانت تنقصها السلطة الإمبراطورية وليس حيث كانت موجودة.

 

تعليق: قبل (القديس) قسطنطين، لم يكن رمز المسيحية الأساسي الصليب بل السمكة وغيرها من الرموز المحيية.

هذا كلام لا معنى له. لقد أدرج إفسابيوس صورة الصليب في سيرة (القديس) قسطنطين التي كتبها ليثبت اسم قسطنطين كمسيحي. لم يكن قسطنطين مَن جعل الصليب رمزاً أولياً للمسيحية. إلى هذا، بقيت القيامة الرمز المهيمن في المسيحية الشرقية قبل (القديس) قسطنطين وبعده. إن الاهتمام الاستثنائي بموت المسيح أمر تطوّر في أوروبا الغربية لأسباب مختلفة كلياً. ليس (القديس) قسطنطين مَن حوّل المسيحية إلى ديانة محارِبة. لم تركّز مسيحيته على العنف. بالواقع، تظهر قراءة رسائله خلال المنازعات الدوناتية والأريوسية أنّه شدّد على أهمية التوافق والسلام كمُثُل وأهداف. وفي عهده كان مطلوباً من الجنود الامتناع عن المناولة لثلاثة أعوام إذا كانوا قد أهرقوا دماً في الحروب، وقد بقي هذا القانون قائماً لعشرات السنوات من بعده.

ختاماً، إن أغلب الأمور التي تُطرَح عند قدمي (القديس) قسطنطين قد أتت بعد قرون أو عشرات من السنين بعده ولا علاقة لها بأي شيء من سيرته.

*Daniel Larison   February 1st, 2010  The American Conservative

دانيال لاريسون هو خريج جامعة شيكاغو حيث أطروحته في الكتوراه كانت حول المجمع المسكوني السادس والنزاع حول المشيئة الواحدة. تحوّل إلى الأرثوذكسية في العام 2003، وهو يخدم الآن كقارئ في إحدى الرعايا الروسية في شيكاغو. وهو مساهم في تحرير “المحافِظ الأميركي The American Conservative ” كما في غيرها من النشرات المسيحية في أميركا مثل The Week online, The Dallas Morning News, The New Pantagruel, and Takimag.com.

العادة في العبادة هي الخطر الأعظم

العادة في العبادة هي الخطر الأعظم

الشيخ إفسابيوس ياناكاكيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

إذاً ما هو خَطَر، لا بل خَطَر عظيم، هو العادة. إن العادة لهي خطر عظيم ورهيب.

لا يمكننا أن نترك أنفسنا للعادة لا في الليتورجيا ولا في الترتيل ولا مع كأس الحياة. 

يجب أن نحس بالخشية في كل مرة تُقام الليتورجيا، فنتابعها بعاطفة ووعي وامتنان. علينا أن نشترك في كل مرة وكأنها المرة الأولى. 

إذاً، الخطر الأعظم هو العادة. العادة في التعاطي مع القانون، وفي الصلاة، وفي الليتورجيا، وفي غيرها…

عندما يحاول البعض أن يشعروا بالسيد قريباً منهم، وأن يعيشوا المثال الذي يتطلعون إليه، لا يتصرفون كمَن له دالة. حتّى ولو كان الوقت ضيقاً لإتمام القانون كاملاً، فإذا أتمّوه جزئياً إنّما كما يجب وبعناية ووضوح والكثير من الإدراك، فالله يتقبّله كمثل عشرة قوانين. فلتكن عقولنا وأفكارنا عند الله ولنحسّ به معنا. عندها هو يبارك ويقدّس.

ينبغي بحياتنا أن تبتعد عن الضعفات، وعن الانقسامات والتنازلات. فلنسعَ إلى حياة طاهرة، لا بلّ كليّة الطهارة وأسرارية، تعبق بالصلاة والعبادة والجهاد الروحي المقدّس، حتى يشهد الكلّ لرسوخنا في دعوتنا، ولتمسّكنا بقوة بميراث حياتنا المقدّس الذي يضع إيماننا بالرب.

صورة الإنسان لنفسه كمرض روحي

صورة الإنسان لنفسه كمرض روحي

الأب أنطوان ملكي

عن الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس بتصرّف

 

الاكتفاء الذاتي في المجال الروحي هو اعتبار مواهبنا الشخصية على أنها ذاتية، وجعلها مستقلة عن الله وخدمة أعمال الخير، واستغلالها لمصلحتنا. في المصطلحات المعاصرة، يشير الاكتفاء الذاتي إلى حالة للذهن نبالغ فيها في تقدير مواهبنا الروحية وفضائلنا حيث نراها على أنها متميزة بتفرد، ونذهب لما هو أبعد من ذلك فنظن أننا كاملون، وبالتالي لا نكون محتاجين لنمو آخر.

للأسف، يعاني أغلبنا، نحن المسيحيون المعاصرون، من ذلك. فلدينا الشعور بكمالنا الروحي الخاص بنا. إننا لا نشعر بالحاجة للنمو أو التطور في حياتنا الروحية. على عكس ذلك، نظن أن الآخرين، بخلافنا، لديهم العديد من الضعفات، وبذلك نعيش مثل الفريسيين. إن خطر الاكتفاء الذاتي هذا، والذي يكون مصحوباً باحتقار الآخرين هو أحد أكبر المخاطر في عصرنا هذا وهو وهم كبير وسبب حصر اهتمام الكثيرين فقط بالفضيلة العملية وليس بالتقدم نحو معاينة الله. فالغالبية اليوم لا تهتمّ بالصلاة العقلية أو الحياة الداخلية، وبالتالي لا يعرفون أبداً الفقر الروحي الذي هو أول تطويبات المسيح، وهذا يمنعهم من التوبة تُدخِل نعمة المسيح إلى القلب.

من أكبر الإشكاليات المعاصرة هي كيفية التعاطي مع هؤلاء الأشخاص الذين يطوبون ذواتهم. هل يتعيّن علينا أن نتركهم في هذه الحالة أم علينا أن نحاول تحطيم هذه الصورة التي كوّنوها عن أنفسهم؟ الحطر هو أن الكثيرين، عندما يتهشم قناعهم الشخصي الناتج عن اكتفائهم الذاتي يسقطون في يأس عميق ويتأذون. هنا الحاجة لأن يكونوا مسنودين بنعمة الله من خلال الرعاية الساهرة. وهنا أيضاً أحد صلبان الآباء الروحيين حيث عليهم أن يميّزوا الاكتفاء الذاتي الروحي، وكيفية تحطيمه، وكيفية التعامل مع الشخص الذي يسقط عنه مظهر التقوى.

يصيب اليأس العديد من الناس في هذه الأيام. يقسِّم القديس يوحنا السلمي اليأس إلى فئتين. أحدهما هو اليأس الناتج عن “كثير من الخطايا، وضمير مثقل، وحزن لا يحتمل”. وينتج الآخر عن “العُجب والخيال، عندما يعتبر المرء نفسه غير مستحق لخطيئة سقط فيها”. يقود النوع الأول من اليأس للتبلّد. أما في النوع الثاني، فيكمل الشخص جهاده الروحي النسكي بيأس، مما يشكل تناقضاً، كما يقول القديس يوحنا السلمي. يسقط الشخص المتكبر جداً وذو الأفكار العظيمة عن نفسه في النوع الثاني من اليأس، لأنه بعد ارتكاب خطيئة لا يستطيع تصديق أنه فعل ما فعله. يقول القديس يوحنا السلمي أن العُجب واليأس متناقضان مثل العرس والجنازة، ولكن عندما تعمل الشياطين من الممكن أن نرى الاثنين معاً: “كنتيجة للتشويش الناتج عن الشياطين من الممكن رؤية الاثنين معاً بآن واحد”.

        هكذا يأتي اليأس من الخلاص من الشياطين. يعلِّم أيضاً القديس يوحنا السلمي أنه لا ينبغي علينا الالتفات إلى الأحلام الخاصة بالعذابات التي تأتي من الشياطين. ينبغي علينا أن نصدق فقط تلك الأحلام التي تعلمنا عن الجحيم والدينونة “لكن لو أصابك اليأس، عندئذ تكون مثل هذه الأحلام أيضاً من الشياطين”.

        يجلب هذا اليأس الشيطاني دينونتنا. “كما لا يستطيع الميت المشي، هكذا لا يمكن للشخص اليائس أن يخلص”. إن الشخص الذي لا يؤمن بحنان ورحمة الله، والذي يصبح خائر القوة يقتل نفسه. “الذي ييأس يكون كمن ينتحر”. يحثنا القديسون على ألا نفقد الرجاء حتى آخر نفس في حياتنا: “لا ينبغي علينا أن نيأس حتى آخر نفس” (يوحنا السلمي).

        من الأكيد أن العديد من الناس في هذه الأيام لا يريدون سماع التوبيخات الشافية حتى من أبيهم الروحي، وإذا وُبِخوا فإنهم يسقطون في يأس عميق.  قد يقرأ البعض سير القديسين وتعاليمهم ويشعرون باليأس لأنهم لم يحققوا شيئاً. هذا يكون صحيحاً من أحد وجهات النظر إذ آجلاً أم عاجلاً لابد وأن تتحطم “واجهة” القداسة والاحترام، وعندئذ يتعين علينا إعادة بناء بيت النفس. ينبغي علينا أن نتوقف عن العيش في أحلام وخيالات. عالم الخيال هو مصدر العديد من تشوهات النفس والمشاكل الداخلية. ينبغي إماتة هذا النوع من الوهم.

        يتكلم العديد من القديسين عن اليأس المقدس، الذي يختلف عن يأس العالم. ينبغي علينا أن نتوقف عن تصديق صورتنا عن أنفسنا التي هي مصدر تشوهات خطيرة. إلا أنه بالإضافة إلى موهبة اليأس المقدس العظيمة، ينبغي علينا أن ننمي الرجاء في الرب. ينبغي علينا أن نصدق بؤسنا وعدم نفعنا، فيما نتمسّك في نفس الوقت بإيماننا بمحبة الله العظيمة، محبته للبشر، ورحمته.

        تنمو الصلوات بهذه الطريقة. ثم، بحسب قوة صلواتنا وبحسب نمونا في التوبة، يعطينا الله بركته. فإذا سمع أحد ما عن إنجازات القديسين الفائقة للطبيعة أو فضائلهم الغريبة ووقع في اليأس من نفسه كشخص، فهو يكون “الأقل عقلانية”. إن أي مسيحي مستبصر، ودارس لسيرة حياة القديسين إما أن يبدأ في تقليدهم بشجاعة، أو يكتسب، من خلال التواضع، إدانة النفس ويدرك ضعفه ويلوم نفسه (القديس يوحنا السلمي).

        بالتالي يوجد يأس على المستوى البشري، وهو عمل الشياطين ويؤدّي إلى إصابتنا بالشلل، ويوجد يأس مقدس متولّد عن نعمة الله ويقودنا للصلاة وطلب رحمة الله. إن العلامة المميزة للأول هي الخمول والتبلد، وعلامة الثاني هي الصلاة والرجاء في الرب.

       يعطي الاباء القديسون أهمية كبرى لفضيلة الشجاعة. مَن فضيلة الشجاعة تلك هو وحده القادر على التغلب على تجربة اليأس العظيمة عندما يواجهها في مسيرته الروحية. يستطيع الشجاع أن يقف على حافة الجحيم، متمسكاً بالرجاء بمحبة الله. الشجاعة هي إطار للذهن مع رجاء كامل في الله.

        يحثنا القديس يوحنا السلمي قائلاً: “اقتنِ كل الشجاعة وسوف تجد الله كمعلم لك في الصلاة… تقيم النفس الشجاعة النوس المائت”. أما القديس نيلوس الناسك فيعلّم “انتبه لكي تكون متواضعاً وشجاعاً، وعندئذ سوف تهرب نفسك من تأثير الشياطين”.وبحسب القديس إيسييخيوس الكاهن توجد أربع فضائل رئيسية تشكل كلّ الحياة الروحية وهي الحذر، والحكمة، والاستقامة، والشجاعة. مهمة الحذر هي أن يحث القدرة الحسية “لكي تنخرط في حرب داخلية وإدانة الذات”. مهمة الحكمة هي أن تدفع القدرة العاقلة نحو اليقظة ومعاينة الله الروحية. مهمة الاستقامة هي توجيه قدرة النفس الراغبة نحو الفضيلة والله. في النهاية، تكون مهمة الشجاعة هي أن تحكم الخمس حواس بحيث لا تتدنس لا ذاتنا الداخلية ولا الخارجية، ولا قلبنا ولا جسدنا. يظهر جهاد الإنسان لكي يحفظ حواسه طاهرة خوفاً من أن يتدنس الجسد والقلب شجاعة روحية، بل أنه حتى ينميها أكثر. بالإضافة إلى ذلك، بحسب إيليا القس، للنفس الشجاعة مصباحان هما العمل، والثيئوريا (الفضيلة العملية، ومعاينة الله) وبالتالي تَفي بالتزاماتها.

        حتى بعد ارتكاب الخطيئة، على الرغم من أن شجاعتنا قد تكون فشلت في مرحلة مبكرة فسقطنا في الخطيئة، نحتاج الشجاعة الروحية ثانية. ينبغي علينا أن نلجأ لله بالتمام، ونُلهَم بنعمته ومحبته. هذه التوبة هي “ابنة الرجاء والتخلي عن اليأس” بحسب القديس يوحنا السلمي، ما يجعل النفس الشجاعة تلجأ لله ثانية وتطلب الشفاء بعد الخطيئة.

        الخلاصة هي أنه ينبغي علينا أن نحرر ذواتنا من الاكتفاء بالذات، الذي يبقي علينا في حالة دائمة من المرض والموت الروحي، وفي جهل بذواتنا الحقيقية. ينبغي علينا أن نسأل الله أن يعطينا معرفة لذواتنا، وأن يعلن لنا جراحات نفوسنا. وإذا ما شعرنا باليأس ينبغي علينا أن نلجأ لله بشجاعة ونطلب رحمته. سوف تعطينا هذه الشجاعة الروحية القوة لكي نعبر هذا الطريق الصعب فنختبر رحمة الله ومحبته.

 

 

“الكلمة” بين الحقّ والتـّلفيق!

“الكلمة” بين الحقّ والتـّلفيق!

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، يسوع، هنا، يُقيم توازيًا بين نفسه والخطيئة. إذا تكلّم يسوع على الحقّ، فإنّه هو الحقّ؛ وإذا تكلّم عل الثّبات في الكلمة الإلهيّة، فهذا معناه الثّبات في الإيمان به، وفي محبّته وطاعته؛ وإذا تكلّم على الحرّيّة، فلأنّه هو الحرّيّة، معرفته حرّيّة، محبّته حرّيّة، اتّباعه حرّيّة. إذًا، يسوع يدعونا إلى الإيمان به، إلى الالتصاق به، إلى الثّبات فيه. هذا هو البرّ. وفي مقابل ذلك، مَن لا يسلك في الحقّ، أي مَن لا يسلك في إثر يسوع؛ يسلك، حتمًا، في الباطل. كذلك، مَن لا يتّبع يسوع، لا يكون حرًّا. مَن لا يسلك في كلمة يسوع، يكون مستعبَدًا لخطيئته. لاحظوا أنّ يسوع يتكلّم على الخطيئة بصيغة المفرد، لا بصيغة الجمع. إذًا، هو لا يتكلّم على الخطايا كأحداث سالبة، مخالفة للوصايا، في حياة النّاس، بقدر ما يتكلّم على الخطيئة باعتبارها عدمَ السّلوك في الحقّ، وعدمَ اتّباع يسوع، وعدمَ الإيمان به. هذه هي، في الحقيقة، الخطيئة. بعد ذلك، الخطايا تفاصيل. لكنّ الخطيئة، كواقع كيانيّ، هي أن يجهل الإنسان يسوع، هي ألاّ يكون الإنسان في عشرة يسوع، في محبّة يسوع. الّذي لا يعرف يسوع بهذا المعنى العميق، بهذا المعنى الحميميّ، يكون، حتمًا، في الخطيئة. المقابلة، إذًا، هي بين يسوع والخطيئة: أن يسلك الإنسان في إثر يسوع، أو أن يسلك في الخطيئة! أن يسلك في النّور، أو أن يسلك في الظّلمة! أن يسلك في الحقّ، أو أن يسلك في الضّلال! هذه هي المقابلة. لذلك، الكلمة الأخيرة الّتي تلفّظ بها يسوع، في إنجيل اليوم، تضع المعيار الّذي يميّز بين الحقّ والباطل، بين النّور والظّلمة، بين الحرّيّة والعبوديّة. قال يسوع لليهود: “لو كان الله أباكم، لكنتم تحبّونني، لأنّي من الله خرجت وأتيت”. إذًا، الموضوع هو محبّة يسوع.

في ضوء هذه المقابلة، نقول إنّ كلّ الّذين لا يعرفون يسوع، في هذا العالم، أي كلّ الّذين لا يدخلون في عشرة يسوع، لا يتعاطَون الحبَّ ويسوع؛ هؤلاء هم، حتمًا، جاهلون لله، لا يعرفون الله! هؤلاء مقيمون في الظّلمة، مقيمون في الخطيئة، ولهم أب واحد: الله ليس أباهم، أبوهم هو الشـّيطان! وهذا، بالضّبط، ما قاله يسوع لليهود: نفى، أوّلاً، أن يكون الله أباهم، ثمّ قال لهم: “أنتم من أبٍ هو إبليس، وأعمال أبيكم تعملون”. طبعًا، هذا الّذي أقوله لا نعرفه على مستوى التّحليل الفكريّ. هذا نعرفه على مستوى الحسّ الكيانيّ، على مستوى القلب. الإنسان الّذي يعرف يسوع، الّذي يحبّ يسوع، الّذي يسلك في إثر يسوع، ولو لم يكن يتحدّث اللّغة الصّينيّة، مثلاً، أو الهنديّة، فإن التقى قومًا من الصّين أو الهند، إن التقى قومًا تختلف طريقة حياتهم، في الكثير من مظاهرها، عن طريقة حياته؛ فإنّه، بالرّوح، يعرف ما إذا كان يسوع مقيمًا في هؤلاء القوم، أو غيرَ مقيم فيهم؛ ولا يحتاج إلى أن يدرس كتب هؤلاء النّاس. هو يحتاج إلى أن يلتقيهم، إلى أن يدخل معهم في علاقة؛ ومن خلال هذه العلاقة، يستبين مَن هو أب هؤلاء القوم: أهو الله، أم هو إبليس؟! من جهة أخرى، إذا جاء قوم من الصّين وقوم من الهند، والتقَوا قومًا يحبّون يسوع في هذه البلاد؛ فإنّهم، إن دخلوا في علاقة مع الّذين يلتقونهم من سكّان هذه البلاد، يستطيعون، بسهولة، أن يعرفوا، ما إذا كانوا هم ليسوع! يستطيعون، بسهولة، أن يعرفوا ما إذا كان يسوع في هؤلاء القوم الّذين يلتقونهم أم لا! يسوع لا يُعرَف بالعقل. يسوع يُعرَف بالحسّ الكيانيّ، أوّلاً وقبل كلّ شيء.

هذا يجعلنا نستنتج أنّ كلّ حوار بين الدّيانات هو حوار مشوب بالكثير من الضّلال. ليست الحاجة، أبدًا، إلى حوار فكريّ. إلامَ تؤدّي الحوارات الفكريّة ؟! تؤدّي، في أحسن الحالات، إلى قواسم مشتركة. تقول إنّ ما عند هؤلاء موجود عند أولائك، وما عند أولائك موجود عند هؤلاء. وهذا كلّه يُفضي إلى الاستنتاج أنّ الحوار يجب إمّا أن يتوقّف، وطبعًا، من دون نتيجة؛ وإمّا أن يستمرّ على أساس اعتراف الفريقين كلٍّ بالآخر، وبأنّه على حقّ، إنّما على طريقته. وهنا، بالذّات، يكمن الضّلال! ليس صحيحًا، أبدًا، أنّ مَن نسمّيه “يسوع”، في كنيسة المسيح، يسمّيه غيرنا بأسماء أخرى. الموضوع ليس موضوع أسماء! الموضوع هو موضوع “الكلمة”، يسوع – الكلمة، يسوع – الحقّ، سرّ الحقّ، سرّ الكلمة، سرّ الوجود الإلهيّ. هل هذا السّرّ مقيم في هؤلاء القوم وفي أولئك، في آن معًا، أو لا؟! لو كان مقيمًا في هؤلاء القوم وفي أولئك، في آن معًا، لَما كانوا يحتاجون إلى حوار، إنّما إلى لقاء. وباللّقاء، وفي اللّقاء، وبروح الرّبّ، يعرفون ما إذا كانوا يؤمنون بإله واحد أم لا. كلّ ما عدا ذلك، من توفيق وتلفيق، هذا من الضّلال، وليس من الحقّ في شيء. لذلك، كلّ ما يمكن أن يُقال عن الحوارات بين الدّيانات هو أنّها حواراتٌ القصدُ منها التّعايش السّياسيّ، والسّلطة، والقوّة… مقاصدها دهريّة، من هذا الدّهر، وهي لا ترمي إلى معرفة الحقّ، أي إلى معرفة يسوع! نحن، إذا كنّا لنكون أمناء للرّبّ يسوع، فإنّنا لا ندخل في حوار فكريّ دينيّ مع أحد، على الإطلاق. نحن نكرز بالكلمة! والكرازة بالكلمة تستلزم أمرين: أوّلاً، أن يكون “الكلمة” (أي يسوع) مقيمًا فينا. وثانيًا، أن نشهد “للكلمة”. يسوع لم يحاور اليهود كما هو معنى الحوار. يسوع كان يقول لهم إنّه هو كلمة الله، هو كلمة الآب السّماويّ. وكان، طبعًا، يستعمل الكتب الّتي عند اليهود، ليقول لهم ما قيل هنا وهناك وهنالك… هذا ينطبق عليه هو. يسوع لم يكن في وضع الحوار الفكريّ مع اليهود، إنّما كان يهمّه أن يريهم الحقّ، وأن يدعوهم إلى الإيمان به. وكان يقول لهم أين يكمن الباطل، أين يكمن الضّلال، أين تكمن الخطيئة! كلّ حوار فعّال، في الحقيقة، هو كرازة بالكلمة، بمعنًى من المعاني. طبعًا، الكرازة بالكلمة تستلزم أن يعرف الإنسان ما عند الآخرين؛ لأنّ عند الآخرين، أيضًا، بذورًا من الحقّ نثرها الله. هذا واضح في كتاب أعمال الرّسل؛ وواضح، أيضًا، عند الآباء القدّيسين. بذار الحقّ منثورة، في كلّ مكان. علينا أن نقرأ ما عند الآخرين، لنساعدهم على المجيء إلى يسوع، لنقول لهم إنّ هذا الّذي كُتب في كتبكم إنّما كُتب عن يسوع، كُتب عن الحقّ! لكن، طبعًا، في الحوارات بين الدّيانات، وكذلك في الحوارات المسكونيّة، ليس القصد، أبدًا، أن يصل الإنسان إلى الحقّ، بل إلى نوع من التّفاهم مع الآخرين! لذلك، في كلّ هذه الحوارات، كذبةٌ في العمق. وهي عقيمة، ولا تنفع في شيء؛ لا بل تؤذي؛ وتؤذي، بصورة خاصّة، المؤمنين بيسوع. كيف تؤذيهم؟! تجعلهم يقاربون ما عند الآخرين بروح التّلفيق. وتجعلهم، أيضًا، يساومون! وتُفسد عليهم كرازتهم بيسوع! لاحظوا: حيثما اشتدّت الحوارات بين الدّيانات، أو حيثما اشتدّت الحوارات المسكونيّة، توقّفت الكرازة بالكلمة الإلهيّة. لذلك، مثلاً، الكاثوليك والبروتستانت، في أميريكا، أصدروا بيانًا، قالوا فيه إنّ اليهود ليسوا في حاجة إلى الكرازة بكلمة الله، لأنّ كلمة الله موجودة عندهم!

إذًا، هذا هو أسلوب الشـّيطان لكي يعطّل الكرازة بالكلمة، لكي يعطّل البشارة. الوصيّة الوحيدة الّتي تفوّه بها يسوع، في إنجيل متّى، قبل أن يصعد إلى أبيه، هي: “اذهبوا، وتلمذوا كلّ الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والرّوح القدس” (متّى28: 19). الحوارات المسكونيّة والحوارات بين الدّيانات تعطّل التّلمذة. ونحن، إذا كنّا لا نتلمذ، فهذا لا يمكن إلاّ أن يكون صادرًا عن عُقـْمٍ فينا! إذًا، عدم سلوكنا في الوصيّة الإلهيّة يكون دليلاً على أنّنا بتنا في العقم! الإنسان الّذي يقيم فيه روح الله، الإنسان الّذي يقيم فيه كلمة الله، لا يمكنه إلاّ أن يكرز بكلمة الله. فإذا كنّا، في الحقيقة، لا نكرز، بعد، بالحقّ؛ فلأنّنا، في الكثير من الأحيان، بتنا خلوًّا من حقّ الله فينا؛ وهذا لا شكّ في أنّه حدث، ويحدث، أحيانًا كثيرة، بسبب هذه البدائل المطروحة، في العالم: الحوارات. الحوارات، في العمق، هي أسلوب شيطانيّ، لا ينفع في شيء. أتكلّم على الحوارات الفكريّة، والحوارات العقليّة.

الموضوع، إذًا، هو: “لو كان الله أباكم، لكنتم تحبّونني، لأنّي من الله خرجت وأتيت”. وحده يسوع خرج من عند الآب السّماويّ، ولا يأتي أحد إلى الآب السّماويّ إلاّ به. لذلك، نحن نحتاج إلى أن نحبّ الجميع، وإلى أن ندخل في علاقة مُحبّيّة مع الجميع؛ ولا نحتاج، أبدًا، إلى أيّ حوار فكريّ مع أحد، لا ننفع به أحدًا، ولا ننتفع منه، أبدًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة في السّبت 16 أيّار 2009 حول يو8: 31- 42

 

 

الإيمان بالإنجيل

الإيمان بالإنجيل

القديس نقولاي فيليميروفتش

ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان*

 

1-             يقول الرَبّ: “توبوا، وآمنوا بالإنجيل” (مرقص 1: 15). التّوبة الحقيقيّة لا تعني مُجَرَّدَ الحُزنِ على الخطايا المرتَكبَة، بل تعني كذلك تَحوُّلاً كُلِّيًا من الظُّلمة الى النّور، ومن الأرض إلى السماء، ومن الذّات إلى اللّه.

2-             من غير هذا التحوّل الكُلّيّ، ليسَت التوبة إلاّ استهزاءًا بالله، وبأنفسنا. إلاّ أنَّ الله لا يُهزأُ بِهِ. الرّبُّ يُحِبُّ التّائبين، ولكنه يَصفَعُ بيدٍ من حَديد غير التّائبين، أو مَن يتوبُ توبةً جزئيًة مُلتَوية. فإذا جَرَحَ، جُرحُهُ عميق، ولا أحدَ سواهُ تعالى يستطيع أن يُضَمِّدَه.

3-             أمّا الغرَضُ من التّوبة، ومن الإيمان بالإنجيل، فيوضحُه الكلام التالي من الكتاب المُقَدَّس جوابًا عن السّؤال: ما هو الإنسان؟ يقول داود النّبيّ : “أنا دودةٌ لا إنسان” (مز7:21). ماذا ينبغي أن يكون الإنسان؟ “أنا قلتُ إنّكم آلهة وابناء الله العَليّ” ( مز 6:81، يو34:10). إذًا، الغرَض من التّوبة، ومن الإيمان بالإنجيل هو أن تتحوَّل الدّودة إلى ابن الله.

4-              ما معنى أن نؤمِن بالانجيل؟ هو أن نؤمن بالبشارة الّتي أتاها الرّسول السماويّ لجنس البشر ، وهو الإله ابن الإله. بتعبير آخر، هو أن نؤمِن بالسيّد المسيح وبما أعلَنَهُ لنا. ما أعلنه المسيح لنا هو أعظمُ إعلانٍ منذُ بدء العالم. هذا الإعلان وحدَه قادرٌ على تحويل “الإنسان الدّودة” الى “الإنسان الإله”، إلى إبن لله.

5-             إذاً، أَلَم يُعلِن أحدٌ هذه البشارة قبل المسيح؟ أحقًّا لم يُعلن أحَدٌ هذه البشارة من بين كلّ هؤلاء العقلاء، والفلاسفة، والمعلّمين، والمشرِّعين، والملوك، والأنبياء؟ أجل، لا أَحَد. على كلّ حال، كان يستحيل على أحدٍ منهُم أن يعرف البشارة أو أن يُعلِنَها. ولماذا؟ لأنّهم كانوا أرضيّين من بَني الأرض، وأقوالُهم أرضيّة (يو31:3). تكلَّموا عن السّماء، حسبَ زعمهم، فيما أعيُنهُم تحدّقُ في الأرض، وآراؤهم أرضيّة.

6-              لهذا كانت الأديان والفلسفات ما قبل المسيحِ كلُّها مظلمة، ومتشائمة، فيها مبالَغة وتَقَلُّب. هذا ما نجدُه في حضارة الإغريق، كما في الهند، ومصر، وبلاد فارس، والصّين، وفي المكسيك عند الإنكا Incas وعند الوثنييّن المعاصِرين. لا يستحقُّ أيُّ هذه الأديان والفلسفات إسمَ “البشارة”. لقد حُفظَ هذا القول لهوميروس، وهو الحليم الهادئ بين شعراء العصور القديمة : “خيرٌ للإنسان أن يكون كَلبًا في هذا العالم، من أن يكون مَلِكًا في الجحيم”. كإنسانٍ أرضيّ، ابن هذه الفانية، لم يستَطِع أن يُبصِرَ بأجلى وضوح، ولا أن يجِدَ تعبيرًا أدَقّ.

7-             وحدَه “الّذي نزل من السّماء، ابن الإنسان، الّذي هو في السماء” (يو 13:3) استطاع أن يَشهْدَ للعالم بأمور السّماء، وبالإلهيّات، وبالحقائق الروحيّة الّتي في العالَم الآخر، عالم الرّوح الّذي يحيط بالله وبالنفوس البشريّة بعد موت الجسد. “إننا نتكلّم بما نَعلَم ونَشهَدُ بما رأينا” (يوحنا3-11) يمكن القول إنّ شهادَتَهُ في الأمور الرّوحيّة كلّها ناتجة عن الخبرة. فهو لا يَشهَدْ بحسب المنطق الأرضيّ، ولا وفق استنتاجات العقل البشريّ، ولا وفق ما للإنسان الأرضيّ من حكمة وفلسفة، بل يشهَد بحسَب “ما عرفناه، وما رأتْ عيونُنا”. إنّه الرّسول السماويّ للحقيقة السماويّة. “أنا لم آتِ إلى العالَم إلاّ لأشهَدَ للحقيقة” (يو 37:18). ولا يمكن للإنسان الأرضيّ أن يشهَدَ شهادة صادقة لهذه الحقيقة. أمّا هو فيسمّي شهادَته “بشارة”.

8-              إنّ الرّسول السماويّ حامِل البشارة يشهَدُ أنّ الله واحدٌ في التّناغُم الأبديّ للثّالوث، الآب والابن والروح القدس.

ويشهد أنّ الله ليس مجرّد  خالق، ولكنّه الآب أيضًا، أي هو الأقرب والأعزّ بين الوالدِين لجميع الّذين يرغبون في أن يصبحوا أبناءَه. ويَشهد أنّ الله الآب هو الحُبّ الجوهريّ، الّذي أرسلَ ابنه الوحيد إلى العالَم، بداعي محبّته لجنس البشَر، لكي يَخلُصَ به العالم (يو3: 16-17). ويَشهَدُ أنَّ نَفسَ الإنسان لها قيمة تفوق بأشواطٍ كلَّ ما ينتمي الى العالَم المادّيّ (متى 16:26)، وأنّ العالَم الآخَر فيه أجنادٌ من صفوف الملائكة. هؤلاء يؤثّرون على النّاس في مأساة هذا العالم تارةً بحالٍ منظورة، وتارةً أخرى بحالٍ غير منظورة، ولكن من دون انقطاع. ويشهد أنّ الأبرار يضيئون كالشمس، بعد موتهم، في دُنيا الآخِرة (في 15:2)، وأنّ ابنَ الله نَزَلَ الى الأرض ليجعل “النّاس الدّيدان” أبناءً لله وآلهة، بمشيئة الآب ونعمته. تَلي هذا دينونَةُ الله العادلَة، ثُمَّ القيامة من بين الأموات، فالحياة الأبديّة. ثمّ أمورٌ كثيرة، كلٌّ منها أشدَّ سعادةً من الأخرى.

9-             لقد دعا المسيح النّاس إلى الإيمان بهذه البشارة، “توبوا وآمنوا بالإنجيل (البشارة)” (مر15:1). هذا يعني أنّه دعاهُم للإيمان بهِ وتصديقه، والإيمان بكلّ كلمة يقولها. ذلك أنَّه ليس من سبيل لأن يقِف النّاس على حقيقة المسائل الجوهريّة بشأن الحياة والوجود إلاّ بقَبولِهم الشّاهد الأمين للحقائق السّماويّة والرّوحيّة. فإما أن نؤمِن بالمسيح، وإما نبقى تائهين في أعماق الحياة الدّاكنة العاصفة، ونحن، في تِيهِنا هذا، نُصدِر التّوقّعات والنّظريّات حول ضفاف النّهر، وحول الشواطئ الأرضيّة المحاذية للأعماق الّتي غَرِقنا فيها. حتى أيّامنا هذه، لا نعرف طرقًا أخرى سَلَكها النّاس على مدى تاريخ مملكة النّمل البشريّة.

يتّضح لنا بالتّالي أنّ الإيمان المسيحيّ لا مثيل لَهُ بين ما في العالم من أديان ومعتقدات أخرى. فالأديان الأخرى آتيَة من بَني الأرض الدُّنيويّين، يتكلّمون في العالم الرّوحي بمقتضى تحليلهم الخاصّ الفِطريّ، أو بما تُمليه عليهم أرواح الشّر. لم يَقُلْ أحدٌ من مؤسّسي الدّياناتِ الأخرى إنّه نَزَلَ من السماء، ولا إنّه أُرسِل من الآب، ولا إنّه يشهد لما في السّماء بما عرفناه، وما رأتْهُ عيوننا، ولا حتى إنّه عائدٌ إلى السّماء. لذا لا يمكن أن نُساوي بين شهادة المسيح، والدّيانات أو المذاهب الأخرى في هذا العالم الواسع.

 

*  من “الإيمان و الحياة بحسب الإنجيل، بشرى الخلاص في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ( مقتطفات من”مئويّة ليوبوستينيا” Lioubostinia)” ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان، مراجعة راهبات دير رقاد السيدة – كفتون، المصدر الأساسي:

«Centurie de Ljubostinia» in Vélimirovitch, St Nicolas. La foi et la vie selon l’Evangile. Editions l’Age d’Homme (10 mai 2007). Col.Grands Spirituels Orthodoxes du XXe siècle. Traduit du serbe par Zorica Torzic.

صورة غير المؤمن للقدّيس نكتاريوس

صورة غير المؤمن*

القدّيس نكتاريوس

إعداد راهبات مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

        غير المؤمن هو الشخص الأكثر تعاسة بين الناس، لأنّه أنكر الشيء الوحيد الأكثر ثمنًا في العالم، الإيمان، الذي هو الدليل الأصدق للحقيقة والثروة الصالحة. الغير المؤمن تعيس جدًّا، لأنّه أنكر الرجاء الدعامة الوحيدة الثابتة في طريق الحياة المضني الطويل. الغير المؤمن تعيس للغاية، لأنّه يفتقد إلى المحبّة الحقيقيّة للناس المحيطين بقلبه المضطرب. الغير المؤمن هو الأشدّ تعاسة، لأنّه أنكر الجمال الإلهيّ، وصورة الإله الخالق وشبهه، هذا الجمال الذي كتبه الفنّان الإلهيّ في قلوبنا، والذي يكشفه إيمانُنا للعيان.

        عينُ غير المؤمن لا ترى سوى قوى الطبيعة في الخليقة، فيما تبقى صورة الخالق المقدّسة المشرقة وجمالها المدهش مخفيّة عن عينيه وغير معروفة، فهو لا يرى عظمة الخلق وجماله في أيّ مكان ارتاده. لا يتلمّس حكمة الله، ولا يندهش من قوّته الفائقة. لا يكتشف صلاح الخالق، بل تبقى عنايته الإلهيّة إلى جانب عدالته ومحبّته لخليقته محجوبة عن عينيه. يتعذّر على عقله تجاوز العالم الحسّيّ المادّيّ، فيبقى قلبه بليدًا لا يستطيع إدراك الحكمة والقوّة الإلهيّتين. لذلك، فبقاؤه على هذه الحالة المرهقة هو مدعاة اضطرابه وألمه ويأسه. كلّ الأشياء الجذّابة في العالم، والتي تشدّ انتباهه، لا تولّد لديه أيّ مشاعر للعبادة أو شوق للتعرّف على الله، لأنّها فقدت جوهرها وقيمتها الإلهيّة. تبقى شفتاه مغلقتين، وفمه مستدًّا، ولسانه جامدًا، لأنّ كلّ مباهج الحياة التي يعيشها غير قادرة على جعله سعيدًا، فهو، أبدًا، قلق حزين.

        لقد خُلق الإنسان ليكون مسكنًا لله، لذلك فقمّة ابتهاجه وغبطته تكمن في فعل الصلاح، لأنّه يوجد، فقط، بالله. أمّا غير المؤمن، فلا يستمتع بهذا الصلاح لأنّ الله غادر قلبه. وبما أنّ قلبه عاد غير مليء بالله اللاّنهائيّ واللاّمحدود، فكلّ شيء حوله يئنّ مغلَّفًا باليأس. يسعى ويتوق ويلهث وراء الأشياء، ولكن لا شيء يملأه، لأنّ كلّ متع الحياة عاجزة عن ملء الفراغ في قلب الإنسان.

        عندما تتوقّف المتع والملذّات الدنيويّة أو تتعطّل، تترك في القلب شعورًا بالمرارة. وعندما تزول أمجاد العالم الباطلة تخلّف وراءها الحزن والأسى. فالغير المؤمن يؤكّد أنّ سعادة الإنسان لا تتمّ إلاّ عن طريق الانغماس بالملذّات الدنيويّة، ويتعامى عن إنّ التعاسة نصيب كلّ من يتجاهل الله ووجوده. السعادة الحقيقيّة توجد في محبّة الله اللاّنهائيّة وفي أعمال الصلاح المفضيّة إلى الحياة الأبديّة. من ينكر الله يشبه شخصًا ينكر سعادته ونعيمه الأبديّين، فيعيش تعيسًا يناضل ضدّ معارك الحياة المنهكة لقواه لغياب الله من حياته.

        وهكذا، فإنّ الغير المؤمن، وفي حالة من اليأس القاتل والخوف المعشعش في قلبه، يمشي، دون أن يعي، إلى قبره الذي يحفره بيده. إنّ العجائب اليوميّة الحاصلة أمام عينيه يخنقها بتجاهله الحكمة والنعمة والقوّة الإلهيّة كلّ التجاهل، فهي تجري أمامه من دون أن يلاحظها. وعلى الرغم من أنّ المياه الحلوة الرقراقة لنهر الفرح والسعادة تتدفّق وتجري تحت قدميه، إلاّ أنّه، بعدم إيمانه، غير قادر على إنعاش جفاف قلبه، وري يبوسة لسانه بها. وهكذا، فإنّ العطش إلى الله هو الذي يحرقه، لأنّ عمى عينيه أفقدة رؤية المياه الجارية من البئر الإلهي، هذه المياه القادرة، وحدها، على إطفاء ظمئه، ولذلك لا يستطيع أن ينشد مرتّلاً ممجّدًا الله شاكرًا إيّاه على عطاياه التي يغدقها عليه.

        الفرح المنتشر في الكون لا يطرق قلب غير المؤمن، لأنّه نأى بنفسه عن الله، فملأ قلبَه الفراغ والحزن، وغدا قلبه متعنّتًا صلبًا، لأنّ غياب الرغبة في السعي الروحيّ طاغ على روحه. لقد ضلّ في هذا الليل المظلم الحالك الذي يكتنفه خلوًّا من أيّ قبس من النور ينير سبله المعوّجة المظلمة. لا يوجد من يوجّه خطواته ويرشدها، ولذلك يبقى في سباق الحياة وحيدًا. يبحر في الدنيا بلا رجاء يحدوه لحياة أفضل وأسمى. يثب بين العديد من الفخاخ، ويقع فيها وهو يئنّ من نيرها، ولا يوجد من يريحه منها أو يخفف من ثقلها.

        لقد تغلغل الحزن عميقًا عميقًا، فانتفى سلام الروح وهدوء القلب من داخل غير المؤمن. الفرح الذي يجده المؤمن في إتمام الوصايا، والبهجة الناتجة عن تذوّق حلاوة الحياة الروحيّة هي مجهولة، تمامًا، لغير الؤمن. الفرح الناتج عن الإيمان لم يزر، يومًا، قلب غير المؤمن، والقناعة النابعة من الاستسلام للعناية الإلهيّة التي تخفّف من وقر العراك مع الحياة هي قوّة غير معروفة لغير المؤمن.

        الشعور بالشكر والامتنان الناتجين من المحبّة هما سرّ لا يدرك لغير المؤمن. الغير المؤمن الذي وضع الأمور المادّيّة في المرتبة الأولى، حصر السعادة الحقيقيّة لنفسه بدائرة من المتع العابرة ما يجعله غارقًا بدوّامة لا نهاية لها من القلق، لأنّه يحاول إرضاء نفسه، دائمًا، بالأمور المادّيّة. الرغبة في الفضيلة غريبة كلّيًّا عنه، لأنّه لم يذق حلاوة النعمة الإلهيّة، ولم يختبر فعلها فيه. الغير المؤمن يغضّ النظر عن مصدر الفرح الحقيقيّ، ويهرع، دون أن يعلم، نحو مصدر المرارة. الإنغماس في الرغبات العالميّة ملأه، وإتمامها لم يجلب له سوى الفراغ، والفراغ فقط. كان يجب أن يؤدّي به هذا الفراغ إلى الإيمان، ولكنّه ينزلق من قلبه، ويقع من شفتيه، بتذمّره وجحوده، وهو غير مبال.

        آه، أيّها العبد التعيس لطاغية صعب التحرّر منها. كيف يسرق هذا المتسلّط العاتي فرح الحياة منك؟! كيف ينتزع منك هذا الكنز الثمين، إيمانك، لتنكر إلهك، وترمي الموهبة الوافرة لنعمه الإلهيّة. كم هي تعيسة حياة شخص كهذا!! لقد أضحت حياته مليئة بالمشاكل، لأنّ فرح الحياة فقد نكهته لديه. تبدو الطبيعة حوله عقيمة قاحلة، لأنّها لا تملأه بأي شعور من النشوة والسرور. إنّه لا يبتهج لرؤيته أيًّا من مخلوقات الله، فحجاب الحزن يغلّف كلّ الطبيعة، فعادت لا تجذبه بسحرها. أمست حياته عبئًا يستحيل عليه حمله، ومع مرور الوقت أصبحت معاناة لا تطاق.  

        هذا هو السبب الذي يظهر فيه اليأس أمامه كجلاّد معذِّب رهيب. إنّه يرعب الرجل التعيس التي تخلّت عنه شجاعته، وضعفت مقاومته، وأفسد عدم الإيمان أخلاقه. إنّه يبدو مثل رجل أسلم حياته لأغلال مخيفة من اليأس خالية من الرحمة والرأفة. قطع حبل حياته بقوّة وقسوة، فأُلقي في أعماق الجحيم، في ظلمة جهنّم حيث لا خلاص له. إمّا الآن، فيستدعيه صوت خالقه الإلهيّ، هذا الخالق الذي أنكره طوال حياته، والذي سيحاسبه على جحوده إيّاه، ثمّ يتمّ الحكم عليه، ويقذّف به إلى النار الأبديّة.

 

* من موقع http:// www. Johnsanidopoulos. com