Monthly Archives: July 2013

السنة التاسعة – العدد التاسع – حزيران 2013

السنة التاسعة – العدد التاسع – حزيران 2013

 

مختارات آبائية

الإيمان القويم

القديس نقولاي فيليميروفتش

 

حياة روحية

مملكة الحاجة أو حاجة الممكلة؟

إعداد راهبات مار يعقوب الفارسي – دده، الكورة

 

عظة

لا تدينوا كي لا تُدانوا!

الأرشمندريت توما بيطار

 

حياة روحية

الكآبة

الشيخ تريفن

 

محبة الذات

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

مسكونيات

نتواصل ولا نشترك

الأب توماس فامفينيس

 

رعائيات

رهبنةُ أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

 

شهادات

بولس …لا نريدك ذكرى !!!

ماريا قبارة

 

أبطال روحيون

الأب جاورجيوس برفقــة   القدّيسين

دير راهبات القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

بولس …لا نريدك ذكرى

بولس …لا نريدك ذكرى !!!

ماريا قبارة

 

في اليوم السادس .. على مشارف أحد الشعانين
—————————————————-

المعلّم كان رجل أوجاع وحامل الألم.

وأنت أيّها الراعي بولس على مثال معلمك… ثابتٌ في المحبّة وسط أوجاع لا تطاق.

قوتك في إيمانك.
وها الختن عريسك يسمع صوتك الحسن… ويراك بحلّتك البهيّة مرتلاً في الكنيسة:

“ها هو الختن يأتي في نصف الليل”…
حبيبنا بولس…. ننتظرك.
العيد فرحٌ… ولكنه ناقصٌ من دونك ووجودك معنا وفي وسطنا…
تعالَ بسرعة بيننا… فنحن نحبّك … والمحبّ لا يتوانى عن لقاء أحبائه…

في اليوم 21…الأحد الجديد

—————————-

إليك… يا من أحّبته العقول…
إليك… يا من أحّبته القلوب…
إليك .. يا من صورته في كلّ مكان.. وفي قلوب الأحبّة الدامعة..
أين أنت يا معلمنا؟؟..
أين أنت يا سيدنا؟؟..
أمسافر أنتَ؟؟ … أخبرن.
أمشتاق إلينا؟ … اتصل بنا
حنين الأحبّة إليكَ يُوجع القلوب… وبأمطارِ عيونهم يصلّون…
قمْ حالاً….. هيّا تعالَ…
يكفيك تعليماً حيثما أنت…
أخوك البطريرك …وأمك الحنونة الحبيبة… وأحباؤك… وخاصّتك… وأهلك… ينتظرونك
قمْ تعالَ ….. اشتقنا إليك…

في اليوم 46….تراكمت الأيام..

——————————–


عُد أيّها الغائب كما وعدتنا… فما عهدناك يوماً توعد وتخلف..
سئمنا قلة الأعذار… وسئمت عيوننا الانتظار…

عُد أيّها الغائب… فأجراس الخطر دُقت… ونعتْ المشاعر أحاسيسها..
أصوات وصور تردد… مخالفة… مستنكرة…

عُد أيّها الغائب… قبل أن تشمّع الذكرى أبوابها… وتتلاشى …

أيّها الغائب… لك في القلب كل الاحترام والمحبة…

عُد أيّها الغائب … بأدواتِ إبداعك … ومحبتك … وعطائك…
عُد!! …عُد أيّها الغائب… ولا تجعلنا نكتفي ببقايا الكلمات … والألحان…

يا أخي الغائب… أما آن أن تعود!!!؟

في اليوم 78… هل من خبر؟؟!!

———————————-

شمعّت الذكرى أبوابها… وتلاشت…

 

اليوم….وفي أيّ يوم …

————————-

ننتظرك…

الأب جاورجيوس برفقــة القدّيسين

الأب جاورجيوس برفقــة   القدّيسين

دير راهبات القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

يعيش الكاهن جاورجيوس حالات فائقة الطبيعة نتيجة لسيرته الفاضلة، فقد كان يقول لأبنائه الروحيّين: “شدّدوا إيمانكم، وحاولوا أن تركّزوا أفكاركم في الأمور التي تجري أثناء سرّ الشكر الإلهيّ، حتّى تستحقّوا رؤية عظمة الله والروح القدس منحدرًا على المائدة المقدّسة”.

عندما كان يزمع أن يقيم الذبيحة الإلهيّة، كان ينهض في منتصف الليل لكي يصلّي، ويستعدّ للسرّ الأعظم. اعتاد أن يبجّل الأمور المقدّسة، مداومًا على الوقوف أمام المائدة المقدّسة كشمعة منيرة، فهو لا يعرف التعب، ولا يحبّ أن يستعجل في الخدمة الإلهيّة، مردّدًا، على الدوام، “إنّها ليست فرض أو واجب أو وظيفة. الخدمة الكنسيّة هي وقفة في حضور الله”.

درج الأب جاورجيوس على ذكر أسماء كثيرة في التقدمة المقدّسة، أحياء أو أمواتًا، كما كان يخبر أقرباءهم بمشاكلهم وبالطريقة التي رقدوا بها، كي يقيموا لهم الذكرانيّات والقداديس، ويقدّمون إحسانات وصدقات من أجل راحة نفوسهم.

في إحدى السهرانيّات في كنيسة القدّيس مينا في تسالونيك، شاهده أبناؤه الروحيّون، على الرغم من أنّه كان غائبًا، يشارك في الخدمة مع الكاهن. تعجّب المؤمنون لحضوره السرّيّ الذي أراد من خلاله أن يقوّيهم في تعب السهرانيّة.

كان الأب جاورجويوس يتواصل مع العالم الروحيّ غير المنظور، لذا، وصلت علاقته بالقدّيسين إلى أقوى أشكالها لا سيّما أثناء القدّاس الإلهيّ. لم تكن خدمته تخلو، يومًا، من مشاركة القدّيسين، فتراه يقول ببساطة: “قلّما أخدم وحدي، فاليوم كان لدينا القدّيس فلان زائرًا في الخدمة ومشاركًا لنا”.

في إحدى المرّات، سمع جميع المشاركين في القدّاس الإلهيّ ضجيجًا قويًّا في الهيكل المقدّس، وشاهدوا وجه الأب نيّرًا مشرقًا، ولمّا استفسروا منه قال: “لقد كان لدينا اليوم زوّار سماويّون هم القدّيسون مينا وجاورجيوس ونيقولاوس”.

وفي نهاية قدّاس آخر، قال وهو متأثّر: “كان لدينا اليوم ضيفان مبجَّلان هما القدّيسان نيقولاوس ويوحنّا السابق الكريم. آه، إنّ صابغ المسيح ضيف صارم مهيب”. كانت يد الأب جاورجيوس ترتعش في كلّ مرّة يبخّر فيها أيقونة السابق المجيد.

في اليوم السابق للحرب الإيطاليّة – اليونانيّة أخذ الشيخ يبكي باستمرار، ما دفع البعض ليسألوه: “ماذا أصابك أيّها الأب، ولماذا تبكي؟”. فأجابهم: “لقد أصبحت يتيمًا، إذ ذهب كلّ من الفائقة القداسة والقدّيس جاورجيوس إلى الجبهة”.

لاحظ بعض المسيحيّين الأتقياء أنّ الشيخ لا يمشي على الأرض أثناء سرّ الشكر الإلهيّ. فعند قراءة الإنجيل خلال أحد القداديس الليليّة، شاهده المؤمنون مرتفعًا عن الأرض. وفي قدّاس آخر أثناء الدخول الكبير (الشاروبيكون) رأوه يسير في الهواء، ويقف وسط الكنيسة على ارتفاع شبر من الأرض، ثمّ لدى دخوله الهيكل المقدّس عاد فوضع قدميه أرضًا.

وفي إحدى المرّات كان أحد الزوّار شاهدَ عيان لأحداث مشابهة، فذهب وروى ذلك لمؤمنين آخرين. عرف الأب بما فعله، فاستدعاه، ولطمه لطمة صغيرة وهو يقول بلهجة قاسية: “لا تخبر أحدًا بما ترى”. وذات يوم، وبعد انتهاء القدّاس قالت له إحدى  النساء: “أيّها الأب، لقد رأيتك تضيء بقوّة”. فأجابها بتواضع: “وهل أنا مستحقّ لأن أضيء؟! إنّ المسيح هو النور الحقيقيّ الذي ينير كلّ إنسان، فربّما سقط عليّ بعض من نوره الخاصّ”.

رهبنة أنطاكية

رهبنة أنطاكية

الأب أنطوان ملكي

 

مضت قرون طويلة كانت فيها أنطاكية بلا أديار بالمعنى الفعلي للكلمة. فالأديار الأنطاكية القليلة كانت بلا رهبنة، يسكنها مجموعة من المتبتلين دون أن يشكّلوا أدياراً، أو عائلات تهتمّ بالأوقاف وتمدّ المطرانيات بالملابس والمؤن. ومع أن بيوت المطارنة في تقليدنا الشعبي تسمّى قلايات، إلا أن السمة العامة في الألف الأخير لا تشير إلى أن الاسم كان على مسمّى. طبعاً، هنا وثمّة شذرات منيرة إذ لا يطلب الروح القدس إذناً لهبوبه حيث يشاء. لذا نجد أن بعض الأديار كان يمر في فترات يشعّ نورها ثم يخبو. إلى أن أرسل الله الطيّب الذكر الأرشمندريت الياس مرقص وكرّت السبحة مذّاك.

ما هو حال الرهبنة في أنطاكية اليوم؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من التوقّف عند قوانينها، موقف الرئاسات منها وتفاعل البيئة الأنطاكية معها.


الرهبنة في القوانين الأنطاكية

مع عودة الحياة الرهبانية إلى أديار أنطاكية، يمكن ملاحظة التطوّر في القوانين لمجاراة هذه الحياة. ففي قوانين ما قبل 1955، لم يكن هناك كلام عن رهبان إلا كمدراء ووكلاء على الأديرة التي كانت المواد القانونية تصف علاقتهم بالمطران عَرَضاً فيما تركّز على شؤون إدارة الريع فيها. في قانون 1970، يوجد مادة وحيدة قوامها 17 كلمة تحدد مَن هو الراهب فيما بيقى التركيز على ريع الأديار وطرق إدارتها. أمّا قانون 1983 فيفرز فصلاً كاملاً للرهبان مؤلّفاً من 12 مادة، تحدد مَن هو الراهب وما هي نذوره وعلاقته بالأبرشية وتتطرّق إلى العديد من صفاته. هذا التطوّر القانوني يعكس جديّة تعامل كنيسة أنطاكية وتقبّلها للرهبنة وسعيها إلى ترتيب أمورها، خاصةً وأنّ الأديار الرهبانية كان قد بدأ عددها بالازدياد واستقطابها للشباب صار ظاهراً ودورها في النهضة الأنطاكية أكثر وضوحاً.


موقف الرئاسات الكنسية

في أنطاكية، أغلبية أعضاء المجمع المقدس ليسوا من الرهبان ولا ممن خبروا عيشة الأديار، لهذا قد تكون نظرتهم وموقفهم في التعاطي مع الرهبنة نظريَين في حالات كثيرة. الثابت هو أن كل آباء المجمع يشجعّون الرهبنة ويريدون أن يروا زيادة في الأديار، لكن الواضح أيضاً أن عدداً من العوامل تتحكّم بالعلاقة بين الرئاسة والأديار وتجعل التعامل مع أي مشكلة تنشأ فيها صعباً، خاصةً أن كل الأديار العاملة يمتد فعلها إلى أكثر من أبرشية ورعية وبيت.

من أهمّ المؤثّرات على السادة الأساقفة هو نظرة الغرب للرهبنة. فالفرق كبير عن نظرة الشرق. فيما ينذر رهبان الغرب نذور الفقر والعفّة والطاعة، إلا إن المبدأ اللاهوتي الذي تكمن خلف نذورهم يختلف جذرياً عمّا في الشرق. فيما هذه المقالة ليست لدراسة الفرق بين النظرتين، إلا إنّه ضروري التوقّف عند عدد من المفاهيم التي تظهر الاختلاف وأولها تبنّي الغرب لفكرة الرهبنة الاجتماعية حيث الرهبان ينشِئون المؤسسات ويديرونها وبالتالي يتنقّلون تبعاً للحاجة إلى اختصاصاتهم. في الشرق، الرهبنة رهبنة صلاة، والعمل هو لسدّ الحاجة وأهمّ من ذلك أنه لتلافي الوقوع في الكسل والبطالة. لهذا نرى الراهب الغربي كل فترة في مكان، دير أو مدرسة او مستشفى، بينما الراهب الشرقي ثابت لا يخرج من ديره إلا للضرورة.

أمّا الاختلاف الثاني والأهم فهو حول مفهوم العفّة. فالبتولية في الغرب ليست للعفّة وحَسْب بل لتلافي الدنس، لأن العلاقات مع الجنس الآخر دَنِس، بما فيها الزواج. هذا المنطق هو ما يحرّم زواج الكهنة في الغرب الكاثوليكي. فنظرة الغرب إلى الزواج على أنه دنس تدفع بالكثير من الفتيان الأتقياء المتحمّسين إلى الرهبنة أو إلى الكهنوت المبكر، حيث تتلاقى رغبتهم مع حاجة إدارة كنيستهم إلى طاقم بشري، فيُصار إلى سيامات مبكِرة، يُطلَق أصحابها إلى العالم أيضاً قبل نضوجهم، ما يؤدّي إلى سهولة وقوعهم في خطايا الجسد كالزنى أو التحرّش وغيره. بعض الواعين منهم يتراجعون وينسحبون، ولهذا تظهر الإحصائيات أعداداً كبيرة من الذين يتركون الكهنوت في الغرب، وأرقام مرعبة عن علاقات كهنة بنساء أو بمثليين وغيرها.

حتّى في وجوه العفة الأخرى، يغلب المنطقُ القانوني على المنطق الروحي. لهذا نقرأ عن حالات غريبة في الأدب الغربي. نذكر واحدة، على سبيل المثال، من سيرة فرنسيس الأسيزي، أنه أكل لحماً فاستدعى رهبانه وكانوا بالآلاف وطلب من أحدهم أن يربط حبلاً حول رقبته ويسير أمامه فيما هو يدبّ على الأرض وراءه. ثم شرح لهم أنه عامَل نفسه بهذه الطريقة عقاباً له على أكله اللحم. هذا سلوك لا يعرفه الشرق، لا بل يرفضه، بينما الفرنسيسكان حوّلوه أيقونة في “التواضع”!

جدير بالذكر أن الإشارة إلى هذا الفرق بين الشرق والغرب لا تهدف إلى القول بأن الغرب سيء والشرق بألف خير أو العكس، بل هي فقط لتسليط الضوء على هذا الفرق لأن درجة تأثّر بعض الشرقيين بالغرب عالية. مشكلة بعض الأرثوذكس، ومنهم للأسف مطارنة وكهنة، أنّهم يطبّقون ما يرون عند الغرب على كنيسة الشرق. فكَمْ من الشرقيين يعتبرون أن حياة الرهبنة لا نتاج لها فينادون إلى تحويل الأديار إلى مراكز إنتاج، أي مدارس ومستشفيات ومياتم ودور شيخوخة وغيرها. أغلب الذين يقارنون بين رهبنتي الشرق والغرب لا يهتمّون للخلفية اللاهوتية التي ترسم خط كل من الرهبنتين. من هنا، صار سهلاً لدى الكثيرين أن يتّهموا رهبان الشرق بالتقصير عمّا لدى الغرب، كما أن يعتبروا أن كل ما ينطبق على الغربيين لا بدّ أن ينطبق على الشرقيين بغض النظر عن الخلفية اللاهوتية والمجتمع الحاضن وبنية الكنيسة.

إحدى الصعوبات الناتجة عن هذا الإسقاط هي اعتبار أن ما يصل من أخبار “الفضائح”، وقد اهتزّت كنيسة الغرب بسببها مؤخراً، لا شيء يمنع حدوثها في الشرق، حتى أن البعض يجزم بأنها لا بد حاصلة في الشرق. على سبيل المثال، نسبةٌ لا يستهان بها من الشعب اليوناني ذوي الخلفية اليسارية، يؤمنون بأن جبل أثوس هو مرتع للمثلية الجنسية. لا تناقش الكنيسة هذا الأمر معهم ولا ترى نفسها في موقع المتّهم لأن الخلفية واضحة. يتلاقى هذا المنطق مع فكرة شعبية في بلادنا مفادها أن الفتيات ينضممن إلى الأديار كنتيجة لفشل عاطفي ما أو هرباً من تسلط والدي. وهذا المنطق أيضاً، معطوفاً على خلل المنطق الروحي الذي صار قانونياً على المثال الأوروبي، يجعل البعض يرون في اعتراف النساء عند الكهنة اختلاءً لا بد أن ينتج عنه أمور سيئة، وتَربِيت الأب المعرّف على كتف ابنه تحرشاً. هذا منطق مريض والمؤسف أن بعض متعاطيه يصرّحون بقبولهم العلاقة المثلية إذا كانت ثابتة وقائمة على “الحب”، أي بين نفس الشخصين، لكنهم يدينون ما يعتبرونه تحرّشاً بالأحداث لأن القانون الأوروبي هكذا يقول، بغض النظر عن تعليم الكنيسة وموقف الرسول بولس من المثليين.


ملاحظات

من التأثيرات الغربية على الفكر الشرقي بعامة في القرن الحادي والعشرين، هو تجذّر حضارة الجنس وثقافته. فمن جهة، وبتأثير فرويدي واضح، صار الفكر البشري يرى أن التبتّل كبتاً لا بدّ أن ينفجر. مبدأ تهذيب الجسد مرفوض في هذه المدرسة. ومع تكريس التلفزيون معلّماً اجتماعياً، ترسّخت في فكر الناس صور الخيانة والتحرّش والاغتصاب وغيرها. من جهة أخرى، صار الرهبان يتنقّلون ويزورون ويُزارون، ما سهّل على أصحاب المخيّلات إطلاقها للطعن، وأسهل أشكال الطعن بالرهبنة هو الطعن بالعفة. من هنا، إن الخفّة في التعاطي مع عفّة الرهبان واستسهال التعرّض لها خطر جداً، لأنه في الصميم تعرّض للرهبنة نفسها، وبالتالي للكنيسة بأكملها.

الرهبنة هي عمود الكنيسة الأهم، سواء اقتنع الجميع بذلك أو لم يقتنعوا. خبرة أنطاكية، كما خبرة غيرها من الكنائس، تشير إلى ذلك. في أنطاكية كنّا بلا رهبنة منذ القرن التاسع، أي أيام الأتراك وقبلهم، لذا صرنا بلا تراث وبلا تقليد. فليدلّنا أحد على التراث الأنطاكي “لنحييه”. في اليونان، اربعمئة سنة من الاضطهاد التركي المبرمَج، وفي روسيا، سبعون عاماً من القمع السوفياتي الممنهج، لكن ثمّة أديار بقيت هنا وهناك ورهبان يستقبلون المؤمنين ويخرجون بين الحين والآخر ويبثّون الروح ويشددون الكهنة والعلمانيين، فحُفِظ التقليد وأغني بزرافات من الشهداء والشهود، حتى متى انقشعت سحابة الظلم، ظهرت الكنيسة في تلك البلاد ناصعة مزهرة فاتحة يديها لاستقبال أبنائها المشتاقين.


واقع الرهبنة الأنطاكية والمرتجى

في أنطاكية اليوم أسئلة كثيرة، بحاجة إلى رؤية وتمييز ونضوج للإجابة عليها، وهاك بعض منها:

  • – هل قانون الرهبنة القائم كافٍ؟ هل هو مطبَّق بدقّة أم أنّه شأن غيره من القوانين في أنطاكية؟
  • – على أي أساس نفتح ديراً جديداً؟ وعلى أي أساس يتمّ اختيار الرئيس؟
  • – ما علاقة الأديار بالرعايا؟ وهل يصحّ أن يصير للأديار رعاياها الخاصّة؟
  • – ما علاقة الأديار ببعضها البعض؟ مَن يراقبها؟
  • – مَن يحاكم الرهبان؟ وهل يُحاسَب رؤساء الأديار كأي كاهن آخر؟
  • – مَن يدير المال في الأديار؟ ومَن يعطي الإذن بالبناء والشراء وغيره؟
  • – فيما نستورد التقليد، أيٌّ هو الأنسب للنفس الأنطاكية، التقوى الأثوسية أو التراتبية السلافية؟ أم هل صرنا في مرحلة من النضوج تتيح لنا التصوّر أن عندنا تقليدنا؟
  • – مَن يرعى الأشخاص الذين انضموا إلى الأديار وتراجعوا؟

هذه بعض الأسئلة التي لا شكّ أن هناك غيرها الكثير، والتي ينبغي أن تكون أجوبتها جاهزة وواضحة ومعلَنة.

من الواضح أنه فيما هلّل الكثيرون لوصول راهب إلى السدّة البطريركية الأنطاكية، إلا إن البعض لم يخفِ انزعاجه. لذا، يُنتَظَر أن يُصوَّب على الرهبنة تعبيراً عن الاعتراض على نهج صاحب الغبطة. من هنا، مهمٌ أن يتعاطى الكلّ بحكمة وتروٍّ وتَعالٍ مع ما يُطرَح. فالرهبنات في أنطاكية – كون الكلام عن رهبنة واحدة يفتقر إلى الدقة – فتيّةٌ فيما بالمقابل الفكر الدهري ناشط ينخر جسم هذه الكنيسة على كافة المستويات الكهنوتية والعلمانية والمؤسساتية. وبالتالي قد تُغلَق قضية لتُفتَح قضايا. وفي غياب القوانين التفصيلية والتقليد الثابت بالخبرة، الشرير جاهزٌ ليبثّ سمّه مركّزاً على قلة الخبرة لدى بعض رؤساء الأديار، مصوّراً اهتمامهم تحرّشاً أو إدارتهم سرقة أو اختلاطهم زنى أو رعايتهم تطاولاً، فيحوّل غيرة البعض إلى عدائية فيما يقتل غيرة البعض الآخر، ويشعِر الكهنة بأن هناك مَن يسابقهم ويضارب عليهم فيقوم الشقاق بينهم وبين الأديار.

لقد كان للأديار دور رئيسي في ما وصلت إليه أنطاكية. إن الله يريد لأنطاكية أن تنهض، وهو يعرف أن الرهبنة هي العمود الصلب المؤهّل لحمل هذه النهضة والمتابعة بها. لهذا، شاء الله أن يكون آخر انتخابَين في هذا الكرسي من الرهبان، ملاك طرابلس ومن ثمّ صاحب الغبطة. هذا يعني أن الله وضع الرهبنة في وسط هذه الكنيسة، أي معه. هذا يتطلّب من الجميع أن يفهم الرسالة لأن هذا الاختيار سوف تقابله حرب ضروس يستغلّ الشرير لخوضها عقول بعض أبناء الكنيسة من كافة الرتب. فهدفه ليس الرهبنة بحد ذاتها، بل الكنيسة ككل. فالوعي والتمييز والاتضاع والانفتاح وتقبّل الآخرين مطلوبون من الأساقفة أولاً ومن الرهبان ثانياً ومن المؤمنين كافةً ثالثاً.

من الأمور الفائقة الضرورة أن يتحرّك الرؤساء ليظهّروا خدمة الأديار في هذه الكنيسة بدل أن يتركوا بعض المغرورين يتطاولون على هذا وذاك من الآباء، سواء للتجريح به أو للدفاع عن غيره. إن مشاكل الكنيسة، وخاصةً المتعلّقة بالأديار منها، ليست ساحة أريوس باغوس ولا هي هايد بارك لكل واحد أن يدلي بدلوه بغض النظر عمّا يعرف أو لا يعرف أو ما له وما ليس له.

ختاماً، إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع رؤساء هذا العالم. إن لم يتبنَّ المجاهد هذا المبدأ، لأي طغمة انتمى، يكون جهاده هباء وغيرته قبض الريح. الأكيد هو أن الرب يشاء لرهبنة أنطاكية أن تقوم في وجه رئاسات العالم وعلى الجميع احتضانها.

محبة الذات

محبة الذات

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

أحد الأهواء الرئيسية التي تسود على الإنسان هي محبة الذات. كما سنرى فيما يلي، محبة الذات هي أم كل الأهواء والرذائل ومرضعتها.

قال المسيح مشيراً لمحبتنا لذواتنا تلك: “من يحب حياته يهلكها، ومن يبغض حياته في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو25:12). الكلمة المترجمة “حياة” تعني أيضاً “نفس”. إنها حقيقة أن أياً من يحب حياته وذاته لدرجة مبالغ فيها يهلك تماماً. عندما يصف القديس بولس الأهواء التي سوف تميز الناس في الأزمنة الأخيرة فإنه يذكر محبة الذات من بينها، بل أنه يضعها في أول القائمة: “ولكن اعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم، محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين” (2تي3: 1-2).

هذان المرجعان من الكتاب المقدس كافيان في حد ذاتهما لإظهار الضرر الكبير الذي يسببه هوى محبة الذات للجنس البشري. سوف أحاول الآن وصف محبة الذات، وتحليلها لكي أحدد نتائجها الأليمة، ولكي نرى في النهاية كيف يمكن أن نتحرر منها.

1- ما هي محبة الذات

محبة الذات هي محبة عظيمة وطاغية لذواتنا. بحسب القديس نيكيتا ستيثاتوس، محبة الذات هي “حب مجنون للجسد يجعل الراهب محباً لنفسه، أي لنفسه وجسده”. إنها تغربه عن ملكوت الله، وعن الله نفسه. لو أن أحداً أحب جسده بطريقة زائدة وحصرية، متجاهلاً الله وأخيه الإنسان تماماً، فإننا نقول أنه يحب ذاته ويعاني من هوى محبة الذات. يقول القديس مكسيموس المعترف: “محبة الذات هي هوى التعلق بالجسد”. يشير نفس القديس في موضع آخر لهذا الهوى على أنه “محبة مجنونة للجسد”.

نستطيع أن نقول بوجه عام مع القديس مكسيموس أن محبة الذات هي ” محبة شهوانية مجنونة للجسد، وعكسها هي المحبة وضبط النفس”. تضاد محبة الذات المحبة وضبط النفس، تماماً كما تضاد المحبة وضبط النفس محبة الذات. من الواضح أننا لا نعني بمحبة الذات الاعتناء بالجسد في إطار طبيعي، لكننا نعني الاهتمام الزائد الشهواني بكل من الجسد والنفس.

يكتب القديس مكسيموس محللاً السمات المميزة لمحبة الذات قائلاً أن هوى محبة الذات “يقترح على الراهب أنه ينبغي عليه أن يشفق على جسده، وأنه ينبغي عليه تحت مسمى رعايته بشكل مناسب أن يأخذ طعاماً أكثر من المعتاد”. هكذا، قليلاً قليلاً، يسقطه في فخ الانغماس في الملذات على حين أنه يجعل العائشين في العالم “يُشبعون احتياجات الجسد دفعة واحدة”. يحثنا هوى محبة الذات على أن نهتم أكثر مما يجب بالاستمتاع بالطعام والملذات الأخرى والراحة واليسر، وأن نشبع الشهوات الأخرى المتنوعة. يجعلنا هوى محبة الذات نفضل “راحة الجسد على آلام الفضيلة”، ويجعلنا نكف عن أن نضع على أنفسنا بإرادتنا أعمالاً متنوعة “خصوصاً من جهة الجهادات الخفيفة المتعلقة بممارسة الوصايا”. من ثم يجعل النفس متباطئة ومتراخية من جهة العبور في طريق الهدوئية، كما يقول القديس غريغوريوس السينائي. لا شيء يجعل نفوس المجاهدين في النسك “متباطئة ومهملة وغافلة” مثل هوى محبة الذات. هكذا يصف القديس نيكيتا ستيثاتوس أيضاً محبة الذات على أنها “خبيثة”، مشيراً إليها على أنها “رذيلة محبة الذات الخبيثة”.

المثال الدقيق على شخص يحب ذاته هو الغني الغبي في مثل المسيح. لقد كان يفكر في بناء مخازن جديدة لكي يجمع فيها كل خيراته ثم يقول لنفسه: “يا نفس لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي” (لو19:12). لم يكن الرجل الأناني مهتماً بالمرة بشفاء نفسه أو بمجد الله، ولا بخدمة إخوته. لقد كان مهتماً تماماً بنفسه، وبنفسه فقط.

كل ما قيل حتى الآن لوصف هوى محبة الذات يقودنا إلى فحص نتائجه الأليمة.

2- نتائج هوى محبة الذات

يرى القديس نيكيتا ستيثاتوس أن محبة الذات هي “عقبة ضد تقدم أولئك المتقدمين جيداً”. إنها تمنع الناس من تكريس ذواتهم لممارسة وصايا المسيح. “إنها توحي لهم بأمراض وعلل جسدية خبيثة، وبالتالي تتضاءل غيرتهم ويقتنعون بالتخلي عن جهادهم الروحي على أساس أنه يشكل خطراً على حالتهم الضعيفة”. بكلمات أخرى، من خلال خلق أفكار عن الأمراض المختلفة، تكف النفس عن جهادها النسكي لكي تحفظ وصايا المسيح ولكي تُشفى من الأهواء المختلفة التي تزعجها. بالتالي تكون محبة الذات، كما يقول القديس يوحنا السلمي، حجاب. إنها ليست فقط تمنع النفس من تحقيق شفائها، لكنها أيضاً تخفي الأهواء الموجودة داخلها. لا يريد الشخص الأناني أن يرى نفسه. إنه لا يريد أن يكون واعياً بفقره الروحي.

يسمي القديس مكسيموس محبة الذات أم كل الرذائل، لأنها تلد “الأفكار الثلاثة الأولى والأكثر عمومية التي للشهوة والغضب”. هذه الأفكار الثلاثة هي النهم، والبخل، وتقدير الذات. يرى نفس الأب أن محبة الذات هي أم الثرثرة واشتهاء الأطعمة اللذيذة التي تسبب الإباحية، وهي أيضاً أم البخل والكبرياء. بوجه عام، لو كان لدى المرء محبة للذات “فمن الواضح أن لديه كل الأهواء”.

ليست محبة الذات أم الأهواء فقط، ولكنها أيضاً أم لكل الأفكار الشهوانية. يتولد فكر النجاسة من فكر النهم. يحبل فكر تقدير الذات بفكر العُجب. تنبع من أفكار النهم والبخل وتقدير الذات كل الأفكار الأخرى كالغضب، والحزن، والامتعاض، والحسد، والنميمة الخبيثة وما إلى ذلك. تولد كل هذه الأفكار من محبة الذات (القديس مكسيموس).

يعلِّم القديس هيزيخيوس القس أنه لا يوجد شر أعظم من محبة الذات. محبة الذات هي أم تلد أطفالاً كثيرين. أطفال محبة الذات هم “العُجب، الرضا عن النفس، النهم، النجاسة، تقدير الذات، الغيرة، ورأس كل هذه هو الكبرياء”.

محبة الذات هي حجاب يغطي النفس، “بحيث أنه لا يمكن أن تتكشف فيها أسس العالم، أي الجواهر الداخلية للأشياء”، وذلك بحسب قول إيليا القس. يكون الشخص الأناني أعمى تماماً حيث أنه لا يستطيع رؤية القوة التي يوجه بها الله العالم والتاريخ. حيث أن الشخص الذي يحب ذاته لا يستطيع أن يتجاوز ذاته فيرى الله والآخرين، فإنه يكره كلاً من الإنسان والله. هذا هو السبب الذي يجعل القديس مكسيموس يأمر قائلاً: “كُف عن إرضاء ذاتك فلا تكره إخوتك من البشر؛ كُف عن محبة ذاتك فتحب الله”.

3- شفاء محبة الذات

يحتاج الإنسان أن يتحرر من هذا الهوى الرهيب الذي “للمحبة الخبيثة للذات”. لو أنه تصرف بطريقة ما لكي يزيل حجاب محبة الذات ويرى بوضوح الأهواء الخفية المترعرعة، فإنه سينتحب بمرارة وستصبح كل حياته غير كافية للتوبة حتى لو عاش مئات السنين ولو تدفقت الدموع من عينيه مثل نهر الأردن. “إنه لن يهتم بشيء آخر في هذه الحياة، معتبراً أنه ليس لديه الوقت الكافي لكي يبكي على نفسه، حتى لو كان سيعيش مئات السنين، وحتى لو رأى دموعاً تنفجر من عينيه مثل نهر الأردن بكامله” (القديس يوحنا السلمي).

يكمن الشفاء في اصطياد محبة الذات أينما وجدت. الطرق الرئيسية لتحقيق ذلك هي كالتالي.

ينبغي علينا أن نستسلم بالكامل لإنكار الذات. ينبغي علينا أن نكون مستعدين لتقديم أي نوع من التضحية، وأن نخضع بإرادتنا لأي نوع من الحرمان بهدف حفظ وصايا المسيح. يقدم لنا بولس الرسول دافعاً لكي نفعل ذلك عندما يقول: “ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله” (أع24:20). ينبغي على المسيحي لكي يُشفى من محبة الذات، وبالتالي من كل الأهواء المرتبطة بها، أن يكون مستعداً لأي تضحية. ينبغي عليه أن يعمل عكس ما تمليه محبة الذات والأهواء العديدة الناتجة عنها. إنه يحتاج لضبط النفس في كل ما يعمله.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على النوس أن يلجأ إلى الله. يتأتى ذلك من خلال الصلاة وكل المنهج العلاجي الذي للتقليد الأرثوذكسي. عندما يتذوق نوسنا حلاوة محبة الله، فإننا نتحرر من هوى محبة الذات، ونجد شجاعة لكي نحفظ ناموس الله ولكي نراعي مشيئة الله في حياتنا.

ينبغي علينا أن نبذل مجهوداً لكي نظهر المحبة نحو الآخرين من الناس. حيث أن محبة الذات تجعلنا ننغلق على أنفسنا، فإننا نحتاج لأن ننفتح على إخوتنا. من أجل ذلك، ينبغي علينا أن نضحي تماماً بأي شيء يجلب لنا الارتياح والراحة الجسدية. لقد عبَّر القديسون عن هذا الحب الباذل في حياتهم، حيث أنهم فضلوا خلاص الآخرين على خلاصهم. لا ينبغي إظهار هذه المحبة من خلال عطايا المال فقط، لكن “بالأكثر من خلال إعطاء المشورة الروحية والاعتناء بالناس في حاجاتهم الجسدية” (القديس مكسيموس).

بوجه عام، ينبغي أن تنمو بغضة الذات المقدسة. فكلما أبغضنا ذواتنا، كلما تحررنا من محبة الذات، وكلما اتسع أفقنا الروحي. لقد علَّم المسيح قائلاً: “من يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية”(يو25:12). في نص آخر يعلن المسيح ويطلب أيضاً: “إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً” (لو 26:14).  هذه البغضة المقدسة التي يجب أن تترسخ فينا تظهر بصورة رئيسية من خلال التوبة. فالتوبة الحارة المستمرة سوف تمنعنا من أن نحب أنفسنا برغباتنا الشريرة وأهوائنا الساقطة. تجعلنا التوبة نقسو على أنفسنا بحيث نرضي الله ونتبع مشيئته. إنها قاعدة للحياة الروحية أننا كلما أحببنا ذواتنا كلما كرهنا الله، وكلما كرهنا ذواتنا كلما أحببنا الله.

ينبغي علينا أن نتحرر من “محبة الذات الخبيثة”. للأسف، نحن نلاحظ أن كل طريقة الحياة محكومة بهذا الهوى. حتى المسيحيين واقعين بشدة في قبضته حتى أنهم لا يعيشون حياة المحبة. نحن مسيحيون، ومع ذلك لا نحب. تنقصنا السمة المميزة لتلاميذ المسيح لأننا أنانيون، ذاتيون، منفردون. ينبغي أن توجه كل جهودنا نحو التخلص من حجاب محبة الذات الذي يمنعنا من أن نصبح أشخاصاً وبالتالي أعضاءاً حقيقيين في كنيسة المسيح ومواطنين في ملكوت السموات.

* من كتاب “علم الطب الروحي”، تعريب د. نيفين سعد

نتواصل ولا نشترك

نتواصل ولا نشترك

الأب توماس فامفينيس

 

توجد في بعض الأحيان بعض الإشارات السياسية أو الاجتماعية في بعض نصوص الإدارة الكنسية،  ولكنها لا تأتي أبداً من دون التعديلات والتوضيحات الضرورية. هذا أمر يشير إلى مقاربة خارجية بعض الشيء للكنيسة، مقاربة غريبة عن محتوى الكنيسة. فالكنيسة ليست مؤسسة سياسية، ولا هي حزب سياسي ولا أي شكل من أشكال الاتحادات الثقافية أو الخيرية. لقد تأسست أسرارياً لا قانونياً. إنها كائن حي لا مؤسسة.

الكنيسة موجودة ككائن حي إلهي – بشري وهي منخرطة سياسياً في التاريخ البشري، لكن هدف سياستها هو الملكوت ولهذا نحن نقبل الرب يسوع كمخلّص (فيليبي 20:3).

إذاً، الكنيسة هي في العالم وفي الوقت نفسه خارجه. عليها ينطبق تعليم القديس يوحنا الذهبي الفم لرعاتها إذ يحضّهم على أن يكونوا في داخل مشاكل العالم وفي الوقت عينه فوقها، أن يحملوا هذه المشاكل مع الشعب، لكن أن يكونوا أحراراً من ضغينة هذا العالم المفسِدة.

إذاً، بالنسبة لجسد الكنيسة الحي ما من تكهّن حول انطواءات وانبساطات قد تشغل بال الأحزاب والاتحادات السياسية. تكمن المشكلة في أعضاء الكنيسة ورعاتها، أي في درجة كونهم أعضاء ناشطين أو محتَملين فيها. الكنيسة، في شخص قديسيها، لا مشكلة لديها في ما يتعلّق بعلاقاتها الجدلية مع الشعب، فهي تتعايش مع العالم وتخاطبه، لكنها لا تشترك معه في أعمال “الظلمة” غير المثمرة، بل على العكس إنها توبخها (أفسس 11:5).

إن وجود الكنيسة في العالم خلاصي وحاسم. إنها تخلّص وتقدّم النقد دون أن تنتقد بعنف.إنها تفصل بين الحق والبهتان، بين الحياة الحقيقية والزائفة. هي لا تعلن نقدها بكلمات لاذعة وخطابات عدائية، على الرغم من أن هذا الأسلوب ينفع أحياناً في تحريك الضمير النائم، بل هي تعلن نقدها بحضورها، بعمل الإيمان (2تسالونيكي 11:1) وبالإيمان العامل بالمحبة (غلاطية 6:5). إنها تشعّ بنور خيّر هو أيضاً مميّز لأفكار القلب ونيّاته (عبرانيين 12:4). لهذا السبب يبتعد عنها أولئك العالقون في أعمال الأذى.

الاحترام لا يعني القبول

ضمن هذا الجو الذي تكثر فيه الإعلانات عن المجتمعات المتعددة الثقافات، نحن مجبَرون على العيش مع شعوب مختلفة، وتقاليد مختلفة عنا، عائدة كلها أو بعضها إلى أديان أخرى. المحبة المسيحية، وليس شرعة حقوق الإنسان، ترغمنا على أن نكون منفتحين على الجميع، نحترمهم جميعاً ونَقبَلهم كصور لله. مع هذا، هذه المحبة نفسها، التي هي قوة طبيعية عند الإله الثالوثي، وليست مجرد شعور تافه أو إيديولوجيا، ترغمنا على عدم قبول أي هرطقة أو أديان مغرورة.

نحن نحترم كل ما يعتبرونه مقدساً عندهم، دون أن يعني هذا الاحترام أننا نتبنّى كل ما يرونه مقدساً. نحن نحترم اختلافهم الديني لكننا لا نبدّل إيماننا من أجلهم.

بشكل أساسي نحن نحترم حريتهم التي هي الجوهر الذي تُنتهك حرمته، فيما نتابع حياتنا لحقيقة إيماننا الخالصة بالكائن الإلهي البشري لكنيستنا.

الكآبة

الكآبة

الشيخ تريفن*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هناك أوقات نستسلم خلالها إلى ما يسمّى شيطان نصف النهار فنخضع للكآبة. هذا الاستسلام غالباً ما يتغذّى من عادة التذمّر المزمنة. نحن نتذمّر من صحتنا إلى درجة أن تتحوّل نقطة التركيز الأولى في حياتنا. الاهتمامات المادية تقودنا إلى التذمّر على ما ليس لدينا أو ما قد نخسره. قد نتحوّل بنظر الآخرين إلى “المتذمّر” ونجدهم يميلون نحو تلافينا. كون الإنسان متذمراً يقدّم العلف لشيطان نصف النهار ويقود إلى الاكتئاب.

بالطبع، الاكتئاب هو في بعض الأحيان شيءٌ من عدم التوازن الكيميائي الذي ينبغي التنبّه له وطلب اهتمام الطبيب. مع هذا، قد يكون حالة من تصوير الذات كصنم وعبادتها. نحن نتلافى العلاقة مع الله مركّزين على حاجاتنا الشخصية. بإهمالنا حاجات المحيطين بنا نبني جداراً حول مدينتنا الذاتية التي فيها معبد مكرّس للنفس. وكوننا وحدنا في مدينة الذات هذه، ننشغل بالتفكير بالسبب الذي يجعلنا نغرق نحو كآبة متزايدة العمق.

لكن متى قدّمنا ذواتنا في خدمة الآخرين، يتبخّر التركيز على الذات. في خدمة الآخرين، نستطيع مجدداً أن نرى محبة الله التي يُسبَر غورها. مع هذه الرؤية السماوية للمحبة، لا يبقى مكان لقلة الرجاء واليأس والقنوط. لقد وحّد الربّ طبيعتنا بطبيعته الإلهية، ونحن نتغيّر إلى الأبد. نحن نصير أبناء العليّ وتُغسَل خطايانا بدمه. أحزان هذا العالم وأحماله، إذا ما احتملناها في هذه الحياة، تقود إلى فرح لا يوصَف ولا يُعَبَّر عنه في الحياة الآتية.

عندما نضع ذواتنا جانباً ونرى جمال العالم من حولنا وصورة المسيح في قريبنا يمكننا أن نطرح اليأس والألم والكآبة ونُبيد شيطان نصف النهار. باستسلامنا للكآبة نمنح عدو نفوسنا القوة وحسْب، إذ ننسى أن قوة الظلام قد أبيدت عندما اقتحم ربنا الجحيم بنزوله ىإليه. الموت غُلب بالموت وقيامة السيد صارت قيامتنا.

* رئيس دير المخلّص الجزيل الرحمة، واشنطن.

لا تدينوا لكي لا تـُدانوا!

لا تدينوا لكي لا تـُدانوا!

الأرشمندريت توما بيطار

“لا تدينوا لكي لا تُدانوا”. هذا قول عظيم! هذا قول نابع من جوف الله! لم يقل الرّبّ: “لا تخطئوا”، مع أنّه قال للّذين غفر لهم ألاّ يخطئوا من بعد. لكن، الرّبّ يعرف أنّ الإنسان أعجز من ألاّ يخطئ. حتّى لو رغب في ذلك، فإنّه لا يستطيع. لذلك، الّذين لهم نصيب مع الله ليسوا بلا خطيئة؛ بل هم الّذين لا يدينون أحدًا. عدم إدانة الآخرين معناه أن يجعل الإنسانُ خطيئته، كلّ حين، أمام عينيه؛ أن يعرف نفسه على حقيقتها. مَن كان مُدرِكًا أنّ بيته من زجاج، فإنّه لا يلقي الحجارة على بيوت النّاس. لذلك، أمُّ الفضائل أن يعرف الإنسانُ نفسه، أن يعرف الإنسانُ حقيقة نفسه، أن يعرف الإنسانُ خطيئة نفسه: “خطيئتي أمامي في كلّ حين” (مز50: 3). هذا، أيضًا، قولٌ عظيم. إذا ما جعل الإنسانُ خطيئتَه أمام عينيه، كلّ حين، فإنّه يتّضع! ما معنى الاتّضاع؟! أن يتّضع الإنسانُ معناه أن يعي، وأن يعتبر نفسه وضيعًا، أن يرى حقيقة نفسه، بمعنى ألاّ يعتبر نفسه كبيرًا، ولا عظيمًا. التّواضع، في الحقيقة، مسلكٌ واقعيّ جدًّا، الإنسان يحتاج إليه. مأساة الإنسان أنّه يظنّ نفسه بلا خطيئة! يظنّ نفسه كبيرًا! يظنّ نفسه عظيمًا! يستصغر خطاياه، ويستعظم خطايا الآخرين! يبرّر خطاياه، ويلوم الآخرين على أبسط الخطايا! وهذا يجعل الإنسانَ يسلك في الأوهام! يجعله مقيمًا في الكذب! هذا يجعله في قلق دائم، في توتّر دائم! لذلك، النّاس، بالنّسبة إليه، مصدر إزعاج دائم، لأنّه يرى خطايا الآخرين، ولا يرى خطايا نفسه. وطبعًا، كلّ مَن سلك في هذا المسرى وجد نفسه، من حيث يدري ولا يدري، إنسانًا ممثّلاً، يتظاهر بما ليس عليه. لذلك، مَن لا يجعل خطيئته نصب عينيه، فلا يمكنه إلاّ أن يسلك في الكذب. مستحيل عليه ألاّ يسلك في الكذب! ويعمل، دائمًا، على تمويه أكاذيبه وخطاياه؛ ومن ثمّ، على تمويه بشاعات نفسه! كلّ إنسان، بكلّ أسف، نظيف وجميلٌ في عين نفسه.

طبعًا، هذا يستدعي أن يستعمل الإنسانُ مساحيقَ التّجميل، حتّى يجمّل نفسه من الخارج، حتّى يظهر جميلاً. يستعمل مساحيق التّجميل الكلاميّة! كثيرون يعرفون صناعة الكلام معرفةً جيّدة، فيما قلوبُهم سوداء. يستعمل الإنسان مساحيق التّجميل الخاصّة بالتّهذيب! يهتمّ بالتّصرّف بتهذيب مع النّاس. لكنّ التّهذيب ليس محبّة. التّهذيب قد يكون مجرّدَ تصرّف خارجيّ، يُخفي الإنسانُ بوساطته ما فيه من عنف وشراسة. الإنسان الّذي لا يجعل خطيئته نصب عينيه يُمضي معظم حياته يخترع مساحيق تجميل، ويسعى لتمويه أكاذيبه. موضوع مساحيق التّجميل الّتي يستعملها الإنسان، نساءً ورجالاً، في المجتمع، لا شكّ في أنّ له علاقة بحقيقة قلب الإنسان. مَن هو الّذي يستعمل مساحيق التّجميل؟! هو الّذي يعي، في قرارة نفسه، أنّه ليس جميلاً كفاية، الّذي يعي أنّه بشع. على العكس، الإنسان المكتفي بما هو فيه، الّذي يشكر الله على ما أعطاه، لا يحتاج إلى مسحوق تجميل. هذا يكون جميلاً، لأنّه في داخله جميل. لذلك، إذا كان القلب غير مستقيم، فإنّ كلّ تصرّفات الإنسان تكون غير مستقيمة! والمنطلق يكمن هنا، بالذّات: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا”، اجعلوا خطاياكم، دائمًا، نصب أعينكم؛ فإن فعلتم ذلك، فإنّكم، عندئذٍ، لا تكتفون، فقط، بألاّ تدينوا النّاس، بل ترحمونهم، أيضًا. كلّما عرف الإنسان نفسه، عرف أنّ الخطيئة صعب استئصالها، وعرف ضعفه! وكلّما عرف ضعفه، شعر بالحاجة إلى رحمة الله. لا يمكن أحدًا منّا أن يكون له نصيب مع الله، إن لم يرحمه الله. هذا الوعي يجعله يرأف بالنّاس، يجعله يرحم النّاس. الإنسان الّذي يدين نفسه، ويمتنع عن إدانة الآخرين، لا يلبث أن يرحم الآخرين، لا يلبث أن ينعطف على الآخرين، لا يلبث أن يسامح الآخرين، لا يلبث أن يبرّر الآخرين.

إذًا، هذا القول للرّبّ الإله كافٍ، بحدّ ذاته، لأن يكون لأيّ واحد منّا برنامج حياة كاملة. إذا عرف الإنسان أن يسلك في هذا القول الإلهيّ، يومًا بعد يوم، فإنّ حياته تستقيم، وأموره تستقيم، وعلاقته بالنّاس تستقيم، ونظرته إلى الأمور تستقيم، وعلاقته بالله تستقيم، وعلاقته بنفسه تستقيم. وكلّ هذا ينعكس عليه سلامًا في القلب، وفرحًا في الرّوح. إذ ذاك، لا يكون، في تعامله مع الآخرين، في حال انزعاج دائم. يفرح بالآخرين، على الرّغم من كلّ شيء، ويتعاطى معهم بسلام. الإنسان الّذي يعرف خطيئة نفسه هو إنسان يعي أنّ هناك موتًا! ومن ثمّ، يعي أنّنا جميعًا لنا مشروع مشترك واحد، وهو الخلاص. كلّنا في مركب واحد. إذا لم نتعاون أحدنا مع الآخر، فإنّ هذا المركب، في وسط العواصفِ، عواصفِ العمر، سوف يتحطّم، ولن يخلص أحد. لذلك، أنا أحتاج إليكم، وأنتم تحتاجون إليّ، وكلّ واحد منكم يحتاج إلى الآخرين؛ حتّى نتمكّن جميعًا، بما أوتينا من نِعَمِ الله وبركاتِه، من المحافظة على المركب، والاستمرار بالسّفر بوساطته إلى الضّفّة الأخرى. نحن، هنا، في حالة عبور! هنا، ليس عندنا مقام ثابت! “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية” (عب13: 14). نحن ذاهبون، عابرون إلى هناك، إلى وجه الله. هنا، نُعـِدُّ العدّة، كلّ يوم، حتّى نسافر إلى هناك. همّنا أن نصل، أن نبلغ إلى هناك. وحتّى نبلغ إلى هناك، كلّنا يحتاج إلى الجميع. لا يمكن الإنسان أن يخلص وحده! أجزاء السّيّارة إذا لم تعمل متعاونة، فإنّ السّيّارة لا يمكنها أن تُقلع، ولا يمكنها أن تسير، ولا يمكنها أن تبلّغ الّذين فيها إلى حيث يريدون أن يبلغوا. لهذا السّبب، نحن نحتاج إلى أن يسامح أحدُنا الآخر، إلى أن يرحم أحدُنا الآخر، إلى أن يتعاون أحدُنا مع الآخر، إلى أن يحتضن كلُّ واحد منّا الآخر. كيف نفعل ذلك؟! نفعل ذلك بألاّ يدين أحدنا الآخر. وكيف لا يدين أحدنا الآخر؟! بأن يدين نفسه! بأن يجعل خطاياه نصب عينيه! الحياة الرّوحيّة بأكملها مركَّزة في هذا القول الإلهيّ. وإذا عرف الإنسان نفسه، ولم يدن أحدًا؛ فإنّه، متى أتى إلى الدّينونة، يريه الملائكةُ خطاياه، ويقولون له: “هذه خطايا مَن؟” فيقول: “هذه خطاياي، لكنّني لم أَدِنْ أحدًا؛ فمن حقّي، الآن، على الرّبّ الإله ألاّ يدينني”. إذ ذاك، كلّ الخطايا الّتي سبق لنا أن وقعنا فيها، في حياتنا، تُغفَر لنا. الحقيقة أنّ الإنسان الّذي لا يدين أحدًا يتعلّم، شيئًا فشيئًا، أنّ الخطيئة لا تنفع. وهذا يجعله يمجّ الخطيئة؛ يرفض الخطيئة؛ يقتنع، في قرارة نفسه، بأنّ الخطيئة شيء قبيح.

إذًا، من هذا القول، أيضًا، يتعلّم الإنسانُ أن يرفض، كيانيًّا، خطيئتَه، وأن يقاومها. لذلك، يا إخوة، هذا القول الإلهيّ العظيم مُعطًى لنا بمثابة جوهرة من عند الله. هذه جوهرة كافية للإنسان، إذا ما أراد، لكي يحيا فيها، ولكي يتعلّم كلّ الفضائل، ولكي يتعلّم كيف يتعامل مع الدّنيا الّتي هو فيها. إذ ذاك، يتسلّل إليه فرح الرّبّ، وحياة الرّبّ، من حيث لا يدري. الله يعطينا، إذ ذاك نفسه، بالكامل! إذا لم ندن الآخرين، فالله لا يديننا. وإذا لم يدِنّا الرّبُّ الإله، فإنّه يعطينا نفسه، بصورة كاملة وكلّيّة. يُدخلنا إلى قلبه، وإلى فرحه.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

عظة حول متّى7: 1- 8، السّبت 20 حزيران 2009

 

مملكة الحاجة أو حاجة الممكلة؟

مملكة الحاجة أو حاجة الممكلة؟

إعداد راهبات مار يعقوب الفارسي – دده، الكورة

 

إنّ التعامل مع المجتمع، في أيّامنا هذه، أمرًا ليس قليل الأهمّيّة أو السهولة، وبخاصّة بالنسبة إلى شباب هذا العصر، ولهذا نراهم مرّات كثيرة حيارى في اتّخاذ موقف صحيح من بعض الأمور التي تواجههم، والتي غالبًا ما تتسيّد عليهم. ولهذا سنحاول حصر المشاكل الأساس التي يتّسم بها مجتمعنا.

1)    الاستهلاكيّة: الرغبة المتواصلة لاستهلاك خيرات هذه الأرض بدأت منذ زمن طويل. ولكنّها انصبّت في الآونة الأخيرة، أكثر فأكثر، على الحواسّ. إنّها تسعى، من دون انقطاع، إلى إثارة الحواسّ وتهيّجها، وتعمل، من دون كلل أو ملل، على إيقاظ الشهوة والمتعة ليصبحا مرتبطَيْن بها ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم، وبذلك تصطاد الجميع، بإصرار، بداعي الانشراح واللذّة. انظروا، مثلاً، الدعايات الخاصّة بالمأكولات كيف تركّز على الذوق والشهيّة، والتي تدعو الجميع إلى الإقبال على الطعام بنهم، فينقادون لها صاغرين، وغير مدركين الخطورة الناجمة عن ذلك. على كلّ الأحوال يسمّي علم النفس الخضوع إلى الشهوة واللذّة انحرافًا.

2)    فنّ الابتكار: تسيطر الصورة بشكل منقطع النظير في عصرنا، وهذا ما نلحظه في الدعايات إن كان في التلفزيون أو في الشوارع. ورغم أنّ المحاولات تجري، أحيانًا، لحصرها، إلاّ أنّ قوّتها تبقى نافذة، وجاذبيّتها تتغلغل بشكل سِحريّ، وهذا يعود إلى فنّ الإعلان المثير، في غالب الأحيان، والذي يضغط على مشاعر الناس، ويسبيها، بواسطة الصورة. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يتكوّن مثالٌ لإنسان سطحيّ محبّ للمظاهر يولي كلّ الأهميّة والاعتبار للمظهر وليس للجوهر، مجيزًا لنفسه كلّ “ما يلمع” فيما هو فقير روحيًّا ومهشَّم نفسيًّا.

3)    التكنولوجيا: إنّ الراحة التي نتنعّم بها نتيجة لتطوّر التكنولوجيا مذهلة وخطيرة في آن معًا، لأنّها تمدّنا بقوّة كاذبة، وأحيانًا بقوّة فائقة، إذ تجعلنا، مرّات كثيرة، نشعر وكأنّنا أسياد العالم، قادرين على كلّ شيء. وتخوّلنا ثقة كبيرة، متملّقة إيّانا بأنّ كلّ التكنولوجيا هي تحت إمرتنا وخدمتنا، منسجمة، بذلك، مع الإعلان الذي سبقت الإشارة إليه. وبشكل عامّ، ونتيجة الشغف بالتكنولوجيا، سيطر السهو عن طبيعتنا الفاسدة، وأضعفها، لدرجة أنّنا بتنا لا نعرف الجوهر من المظهر، والأساسي من الثانوي، والكامل من النافل.

إزاء كلّ هذا ماذا كان ردّ الكنيسة؟ النسك والإمساك. أي التقليل الطوعيّ على ازدراد الملذّات إن كان عن طريق الصوم، أو التمرّس على خشونة الحياة وقساوتها، أو عن طريق ضبط النفس إزاء المغريات والمغويّات.

يذكّرنا هذا الإمساك، على الدوام، بأنّنا لسنا آلهة، ولسنا كلّيّي القدرة وغير مائتين، فلا نعود ونتشدّد في تحقيق مطالبنا، لأنّ من يتشدّد في تجسيدها هو، دائمًا، شخص تعيس لا يشبع، إذ ما إن يحقّق مطلبًا، حتّى ينتصب أمامه آخر، وقد يكون أكثر أهمّيّة ولزومًا، وهكذا… ونتعلّم بأنّ  كلّ ما هو زائد عن الحاجة يصبح ثقلاً وعبئًا. بالإمساك ندخل إلى أعماق الأمور والأشياء، فلا يعود لها من سلطان علينا لتجذبنا بمظاهرها، فتسود علينا. وهكذا بمشاركتنا في نسك الكنيسة الأرثوذكسيّة، والذي يرافقه الاشتراك في الأسرار المقدّسة، والانعكاف على الصلاة وعيش المحبّة الإنجيليّة نصل إلى الحرّيّة الداخليّة. لا يرفض النسك الأرثوذكسيّ المادّة في حدّ ذاتها ولا يمقتها – فلقد أوجدها الله لخدمتنا ومنفعتنا – إذ يعتبر أنّ المشكلة ليست في المادّة، وإنّما في عبوديّتنا لها. فنحن عبيد طالما تسودنا الحاجة، ونتحرّر عندما نؤمن بأنّ الحاجة الوحيدة والأساس هي الوصول إلى الملكوت العلويّ، وكلّ ما عدا ذلك يُزاد.

* عن مجلّة الشباب اليونانيّة.

الإيمان القويم

الإيمان القويم

القديس نقولاي فيليميروفتش

ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان*

11-   لا تسأَل الإنسان المسيحيّ هَل يومنُ بالله، بل هل يؤمِن بالإنجيل، أي بالبشارَة، لأنّ مَن يؤكّد أنّهُ يؤمِنُ بالله وفقَ حُكمِهِ الخاصّ، لا وِفقَ الإنجيل، هو من أصحاب البِدَع الغامضة، ومن عابدي الأوثان، لأنّه يُقارِبُ الإيمان مقاربة فلاسفة الدِّيانات الشرقيّة وبلاد الإغريق منذُ ألفَي سنة. فلماذا إذًا نَزَل المسيح من السّماء؟ ولماذا خَتَمَ بدمِه اعتلانَهُ للعالم وبشارتَهُ؟ حقًّا إنّ مسيحيًّا كهذا يُلقي على رأسِهِ الدّم الطاهر لابن الله، على منوال الّذين صَرَخوا من قَبل: “اصلبْهُ، اصلبْهُ!”

12- الكنيسة الأرثوذكسيّة وحدَها في كنائس المسيح لم تنفكَّ منذ البدء تعترف بإيمانها بالإنجيل، من غير أن تنحَرِفَ لا يُمنَةً ولا يُسرة، وكذلك من دون أن ترتكزَ على سواها من الدّيانات والفلسفات الوثنيّة، والعلوم الطبيعيّة. لأنّه من السخافة والعَبَث أن نستدلّ طريقنا من أناسٍ حَسيري النَظر أو عُميان، فيما لنا دليلٌ مبصِرٌ وبًصير.

13- إنّ آباء الكنيسة ومعلّميها رفضوا بشدّة الفلسفات الإغريقيّة وأسرار الأديان الآسيويّة الشرقيّة، والأفريقيّة، بعدَ أن آمنوا ايمانًا كاملاً بالمسيح وببشارته. وهذا ينطبق أيضاً على الّذين تلقّنوا العلوم الفلسفيّة في أثينا، مثل يوحنا الذّهبيّ الفم، وباسيليوس الكبير، وغريغوريوس اللاهوتيّ، بالإضافة إلى الّذين نشأوا في مصر أو في الجزيرة العربيّة والبلاد المجاورة لها، أمثال أنطونيوس الكبير، ومكاريوس، واسحق و أفرام السُّريانيّين، وسواهم.

14- هؤلاء الآباء المتضلّعون من الفلسفات الوثنيّة وأسرار الديانات الأخرى هم بالضّبط أشرس المُدافعين عن الإيمان الخلاصيّ الوحيد بالانجيل، الإيمان ببشارة ابن الإنسان النّازل من السّماء، سيّما أنهّم عرفوا تلك المذاهب من مصدر مباشَر، وبلغتِها الأمّ. لم يقبَلوا بأيّة تسوية، ولا بأي تنازل حيال ما يَمُتُّ الى الأمور الأرضيّة الدّنيويّة، ولا إلى الانسان وفكر الإنسان، ولا إلى ما ينشأ أو يَظهرَ خارج المسيح والإنجيل…

16- هذا لم يَكُن شأنَ المعلّمين المنحرفين. فمن ضُعفِ إيمانهم بالإنجيل ومن خوفِهم العالَم، استعانوا بالفلسفة الهلّينيّة وأسرار الأديان الآسوية الشّرقيّة والإفريقيّة، كما بالعلوم الطّبيعيّة الشائعة في الغَرب، لكي يُبَرْهِنوا حقيقة اعتلان المسيح. هكذا ظهرت مدارس متنوّعة ومتعارضة… بَعضُها مستوحى من أفلاطون، وبعضها الآخر من أرسطو، ومدارس ثالثة مستوحاة من الفلاسفة الرّواقيّين، ورابعة من أفلوطين وخامسة من خرافات الدّيانات السرّيّة السوريّة والمصريّة والفارسيّة، ومدارس سادسة مستوحاة من التصوّف الهنديّ، ومختَلَف أشكال السّحر والتّنجيم. ولكن في الأزمنة الحديثة، ارتكزت هذه المدارس كُلِّيًّا على أُسُس العلوم الطبيعيّة، حاسبةً إيّاها أقلّ خُرافة من الدّيانات السرّيّة الشّرقيّة.

17- هكذا تمَّ استدعاء بعلزبول لدعم المسيح وأُدخِلَ عِلم الشّياطين على الفلسفة المسيحيّة في الغرب كركيزة وأساس لها! بنتيجة ذلك، صار المسيح يُخفَّضُ أكثَر كأكثر من حيث ألوهتُه، ويُمجَّد أكثر كإنسان، إلى أن عاد وانتصر هذا المُهلِك، أي آريوس، وغَلَبَ في خطابات الهراطقة المعاصرين.

18- ثُمَّ لا نظلمنَّ الشياطين. فهي نفسها أدركت وإعترفت أنّ في شخص المسيح كائنًا أسمى، كائنًا إلهيًّا سماويًّا، وذلك بشكل أفضل من عدد كبير من اللاهوتيّين المنحرفين عن الإيمان… تَرى، أما صَرَخَت الشّياطين: ” يا يسوع ابن الله العليّ؟” ألم تعترف قائلةً: ” نحن نعلم مَن أنت : قدّوسُ الله” ؟ وكذلك “أنت هو المسيح ابن الله “؟ أما جاء في الإنجيل أنّ “الأرواح النّجسة، عندما رَأتْهُ، ارتَمَتْ عند قدمَيه وصرخَت: “انتَ إبن الله” “أمّا المسيح فلم يَدَع الشياطين تتكلّم لأنّها عَرَفَتْهُ” (متى29:8، لو28:8 و 41:4، مر24:1 و 34:1، و11:3).

20- لماذا، يا تَرى، مَنَعَ المسيح الشّياطين عن تعريف البشر بأنّه المسيح، أي المَسِيّا ابن الله؟ لأنّ السيّد الحكيم المحبّ البشَر أبَى أن يَدَع الشّياطين تعلّم النّاس، ولم يشأُ أن تُعلِنَه الشّياطين للنّاس. لا، بل أراد أن يعرفَهُ النّاس، وأن يعترفوا به، من تلقاء ذواتهم، كمخلّص وإله من خلال كلامه، وأعمالِه ومحبّتِهِ، ونَفحَتِهِ، وروحه. فهكذا لن تتمكّن الشّياطين الخبيثة من التباهي بأنّها أسهمَت في عمل المسيح، ولا من التّصريح أنّ المسيح لم يستطِع أن ينير جنس البشَر ويخلّصَهُم.

22- في زمن أقرب إلينا، بدأت بعض الكنائس المنحرفة تبني دعامات للإنجيل من مادّة النّظريّات العلميّة. فتمَّ استنباط نظرّيات كثيرة على أساس أنّها حقائق مطلقة، رغمَ أنّ أبرز علماء عصرنا كفّوا حتى عن النّظر إلى العلوم الوضعيّة كحقائق مطلقة، ناهيكَ عن النّظريات العلميّة.

23- كما ألبسَ جنودُ بيلاطس المسيحَ رداءً أرجوانيًّا رخيص الثّمن، وكما وشّحه هيرودوس بثوب أبيض، هكذا ألبس اللاهوتيّون المنحرفون عن الإيمان المخلّص رداءً رخيصاً من الفلسفة الوثنيّة والعلوم الزّائفة. زعموا ان يزيّنوه هكذا و يلبسوه ثيابًا فُضلى. ولكنّ المسيح في الحالّتين تعرّض للسخريّة والإذلال.

24- وحدَها الكنيسة الأرثوذكسيّة في العالم حَفَظَت الإيمان بالإنجيل كحقيقة واحدة مطلقة، حقيقة لا تحتاج لأيّ دعم ولا معونة من أيّ فلسفة او علم ممّا في هذه الدُّنيا.

25- ثمّ إنّ اللاهوتيّين من المنحرفين عن الإيمان يطلقون على الكنيسة الارثوذكسيّة إسم “الكنيسة المتحجّرة” من باب الإهانة. و ما السّبب؟ السبب، كما يقولون، هو أنّ الكنيسة هذه “تجري بخلاف الزمن”، و “لا تواكب العصر”! ولكن هنا تمامًا تكمن قيمة الأرثوذكسيّة، في أنّها تجري بخلاف الزّمن، ولا تواكِبُ التطوُّر، وفق وصيّة بولس الرسول: ” لا تسيروا بحسب هذا الدّهر” ( أفسس 22:2)

26- ولكن كيف يُمكِن أن تَجرِي الأبديّة بمَجرى الزّمن؟ وكيف يواكِبُ المُطلَق الزّائلات؟ كيف يتماشى الملكوت السّماويّ مع الملكوت الأرضيّ؟ كيف يلتصق ما هو جزيل القيمة بِما لا قيمة لَهُ؟ “حتى لو كان العالم كلّه تحت سلطان الشرّير” (1يو 19:5)، كما هو مكتوب، فهل ندعَم الخير الأزليّ بالشرّ، أو هل نزيد بريق النّور السماويّ بدُخان حريق الفحم وبزيت النّفط؟

27- طبعًا لا تخلو حتى الكنيسة الأرثوذكسيّة من لاهوتيّين اتّبعوا خُطى الانحراف، وظنّوا أنّ الانجيل ليس على القوّة الكافية ليَثبُتْ من ذاته ويواجه هياج الرياح العالميّة. لذا سيطرت عليهم أفكار المنحرفين عن الإيمان وأساليبُهم…

28- الكنيسة الأرثوذكسيّة كجسد واحد ترفض هؤلاء… ولا تتبنّاهم. و لكنّها تتسامح وإيّاهم لسببين. أوّلاً بانتظار أن يتوبوا ويتغيّروا، وثانيًا لكي لا تُضاعِف الشرّ بفصلِهم عنها، فتتسبّب في سقوطِهم، ودفعِهم إلى حَظيرة الهراطقة…

29- لقد قال سيّدُنا له المجد: ” أنا لا أطلُبُ مجدًا من النّاس” ( يو41:5). أمّا اللاهوتيّون المنحرفون فموقفهم معاكسٌ تمامًا لموقف مخلّص العالم. إنّهم يطلبون مجدًا من الناس، ويخافون جانِبَهُم. لذلك يتمسّكون بأهداب المَدعووّين “مشاهير” في تاريخ الإنسانيّة، لكي يجدوا إثباتات لكلام الإنجيل، ويتملّقوا رجال الدّنيا أكثر فأكثر. ويبرّرون أنفسهم بالقول: “هكذا نودّ أن نَربَحَهم”. يا للضّلال! فبِقدرِ ما يَغرقون في إطراء العالم، بحجة أن يُقَرِّبوه من الكنيسة، بقدر ما يبتعد هذا العالم الّذي يَمدحونَه عن الكنيسة. وبقدر ما يزدادون من “العِلم” و” قلّة الروحانيّة” و”الحداثَة”، بقدر ما يزداد العالم احتقارًا لهم. والحقّ إنه يستحيل أن نوفّق بين العالَم والله. إلى ذلك، كلّ مسيحيّ يعلم بالخبرة أنّه قد يتوصّل إلى إرضاء الله، أقلَّهُ بالحقّ والعدالة، أمّا العالم، فلا يُمكن إرضاؤه لا بالحقّ، ولا بالكذب، لا بالعدل، ولا بالظّلم. لأنّ الله تعالى أزليٌّ لا يتغيّر، فيما العالم زمنيّ ومتقلّب.

30- لقد قال سيّدنا له المجد للعبرانيّين: “كيف تؤمنون وأنتم تطلبون مجدَ بعضكم بعضًا، والمجد الّذي من اللّه الواحد لا تطلبونه”؟ (يو44:5). هذا ينطبق تمامًا على اللاهوتيّين المنحرفين عن الإيمان… فلو طَلَبوا مجد الله لآمَنوا بالإنجيل، وما انحَرَفوا يمينًا ويسارًا. ولكنّهم رغبوا في مجد النّاس ونيل الثّناء منهم، ولذلك مالوا إلى إثبات شهادة الله وتأكيدها من خلال شهادات الناس … ذلك أنّ السَّعي لموافقة شهادات الناس كبرهان على شهادة الله، أي كبرهان بشريّ يثبت قول الله إنّما هو ضرب من الإهانة لله تعالى!

31- تُرى ما عواقب هذه التّنازلات للعالم الضالّ؟ إنها كارثة! حقًّا إنها كارثة بحقّ الإنجيل وبحقّ الحياة الفرديّة والإجتماعيّة… إنّها كارثة إيمانيّة، وثقافيّة، وإقتصاديّة، وسياسيّة، وخُلُقيّة، تطال أيضًا الحياة الزوجيّة. أجل، هي كارثة لنا جميعاً، ولكلّ شيء، لأنّ علاقتنا بالمسيح، وهو رسول البشارة بالخلاص، تحدّد علاقاتنا كلّها بالآخرين بدقّة الآلة الحاسبة.

32- لقد قال المسيح: “من دوني لا تستطيعون شيئًا” (يو5:15)، فيما العالم الضّالّ يعبّر بآلاف الطّرائق عن الفكرة التّالية: “من دون المسيح نستطيع كلّ شيء”. الثقافة العصريّة كلّها تَحَدٍّ للمسيح. العلوم الحديثة كلّها تتنافس في إسداءِ عِلْم المسيح الضّربة الأعنَف. إنّ ثورة علوم هذه الدُّنيا ضدَّ علم المسيح السّماويّ أشبَه بثورة الجواري السّفيهات ضدّ معلّمتهنّ. أمّا في أيّامنا، فتنتهي هذه الثورة بتحقيق ما هو مكتوب على أوضح ما يكون: “زعموا أنّهم حُكماء، فصاروا حَمقى” ( رو22:1).

33- لَعَمري، لم نَعُدْ نَعلَم أين تكمن الحماقة الكُبرى لهذا العالم المعاصر الّذي انفصَلَ عن المسيح: أفي الحياة الشخصيّة للفرد، أم ضمن الزّواج، أم في المدرسة، أم في الحياة السياسيّة، أم في النّظام الاقتصاديّ، أم في القوانين، أم في الحرب، أم في السِّلم. في كل مكان يظهر أنّنا وصلنا إلى أقصى تعبير عن هذين الأمرَين: الإبتذال، والوحشيّة. وكلما غاب المسيح، كلّما تضاعف الإبتذال والوحشيّة. كذبٌ وعُنفٌ في أَوج الظّفر.

36- لقد وجّه الّلاهوتيّون المنحرفون عن الإيمان الضربة الأقسى للإنجيل عندما شكّوا بألوهيّة المسيح. بعضهم شكّكّ بها وإكتفى، فيما بعضهم الآخر رفضها تماماً. هذا سرعان ما أَسفَر عن سلسلة من التنكُّرات للحقائق الروحيّة، كإنكار وجود الملائكة والشياطين، وإنكار وجود الفردوس والحجيم، وإنكار المجد الأبديّ للقدّيسين والصّدّيقين، وإنكار الصوم، وإنكار قوّة الصليب، وقيمة الصلاة وما إلى ذلك.

37- ورأس الكلام أنّ اللاهوتيّين في الغرب انصرفوا إلى تكييف الأمور وتوحيد المقاييس، سيّما في السنوات المئة والخمسين الأخيرة. لقد كيّفوا السماء بحسب الأرض، والمسيح مع سائر “مؤسِّسي الدّيانات” وبشارة الخلاص مع العبادات اليهوديّة والإسلاميّة والوثنيّة. هذا كلُّه تحت شعار “التّسامح” المزعوم، من أجل “مصلحة السّلام” بين الناس والأمم. ولكن هذا تمامًا ما خَلَّق وأطلقَ ثورات وحروب لا سابق لها، في تاريخ العالم. فإنّ الحقّ الأسمى لا يمكن أن يتكيّف مع الحقائق النّاقصة والأكاذيب.

38- إنّ المذهب الصّوفيّ الّذي يقول بأنّ الحقيقة منتشرة في الأديان كلّها، وسائر الفلسفات والدّيانات السّرِّيّة استقَرّت كذلك لدى اللاّهوتيّين المنحرفين عن الإيمان في الغرب. لذلك قالوا إنّ المسيحيّة تحوى بعض الحقيقة، كما في الإسلام، والهندوسيّة، والبوذيّة، أو عند أفلاطون وأريسطو أو في الزارادشتيّة أو تعاليم أهل الّتيبت وصلواتهم (التانتراوالمانترا). فلو كان الأمر حقاً على هذه الحال، لهامَ مركَبُ البشريّة هيامًا بلا رجاء على صفحة محيط الحياة القاتم، من دون قبطان ولا بوصلة.

39- فلماذا إذًا لفظَ المسيح هذا القول العجيب: ” أنا هو الحق”؟ (يو6:14) فهو لم يَقُلْ: ” أنا جزء من الحق” بل ” أنا هو الحق”. وقال أيضًا: ” أنا نور العالم” (يو12:8). هو إذًا الحقّ كلّه والنور كلّه. وبحسب كلامه أيضًا، هو الطريق الوحيدة إلى الحياة الأبديّة. وبحسب كلامه أيضًا، هو الوحيد الّذي عَرَفَ الله، وقد قال للعبرانيّين: “أنتم لا تعرفونه، أمّا أنا فأعرفه، ولو قلتُ إنّي لا أَعرفُه كنتُ مثلَكم كاذبًا” (يو 55:8). ألعلّ المسيح أخطأ أم خَدَعَنا ؟! ألا سامحنا الله على طرح مثل هذا السؤال!

41- إن الشعوب الأرثوذكسيّة تؤمن وتعترف بأنّ المسيح [يسوع]هو الماسيّا المنتظر وحدَه، مخلّص العالم وفادي جنس البشر، ومُجَدِّد الإنسان، وابن الله الّذي تجسّضد من مريم العذراء ومن الروح القدس، الإله من الإله، الحقّ الكامل، ينبوع الحياة، غالب الموت، مصدر القيامة، الطريق الحقيقيّة الوحيدة إلى الهدف الحقيقيّ، وديّان الأحياء والأموات.

*  من “الإيمان و الحياة بحسب الإنجيل، بشرى الخلاص في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ( مقتطفات من”مئويّة ليوبوستينيا” Lioubostinia)” ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان، مراجعة راهبات دير رقاد السيدة – كفتون، المصدر الأساسي:

«Centurie de Ljubostinia» in Vélimirovitch, St Nicolas. La foi et la vie selon l’Evangile. Editions l’Age d’Homme (10 mai 2007). Col.Grands Spirituels Orthodoxes du XXe siècle. Traduit du serbe par Zorica Torzic.