Monthly Archives: August 2013

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

ينبغي علينا أن نوضح أن المسيح هو الطبيب قبل كل طبيب آخر. فقد قدّس الطبيعة البشرية من خلال تجسده، ومن خلال اتخاذه جسداً قابلاً للموت بلا خطيئة. لقد أعطى لكل إنسان إمكانية أن يشاركه حياته الخاصة من خلال تعليمه، وآلامه، وصليبه، وقيامته، وصعوده، وإرساله للروح القدس. المسيح هو الطبيب الذي يعالج والدواء الذي يشفي أمراض الإنسان الروحية داخل الكنيسة، وذلك بحسب مثل السامري الصالح.

يعالج الآباء الروحيون الناس من خلال قوة المسيح، والوسائط الروحية التي تقدمها كنيسته. وصايا المسيح وعقائد الكنيسة هي أدوية منقذة. يوضح تقليد الكنيسة الصحوي الطرق التي نستطيع بها التحرر من الأفكار، والشهوات، والخيالات. تعطينا أسرار الكنيسة إمكانية الاشتراك في قوة الله غير المخلوقة، المطهرة، المنيرة، والمقدسة.

هذا المنهج، الذي يستعمله آباء روحيون مستنيرون بالله، يساعد المسيحيين ليس فقط على التطهر، ولكن أيضاً على أن يتّحدوا بالمسيح وعلى أن يعيشوا في حياتهم الخاصة أحداث حياة المسيح مثل الصلب، والآلام، والقيامة، والصعود، وحلول الروح القدس.   معنى النسك الروحي والشفاء هو أن يشترك المسيحي في حياة الكنيسة، وأن يتشبّه بالمسيح بالنعمة، وأن يتلقى مواهب الروح القدس.

سوف أركّز على بعض الجوانب من حياة القديس سلوانس الآثوسي، كما وصفها الأرشمندريت صوفرونيوس (ساخاروف)، والتي تظهِر معنى الشفاء وكيفية تحقيقه.

أتى القديس سلوانس الآثوسي، الذي كان اسمه في العالم سمعان إيفانوفيتش آنتونوف، من قرية شوفسك، من إقليم ليبيدينسك، من مقاطعة تامبوف في روسيا. لقد مضى إلى الجبل المقدس، وعاش كراهب في دير القديس بندلايمون، ووصل بالنعمة للاتحاد بالله، ودخل في قائمة قديسي الكنيسة بقرار من البطريرك المسكوني، وبالتالي كُرِّم كقديس.

إننا نرى في حالة القديس سلوانس، أنه على الرغم من أنه عاش حياة دنيوية قبل بقائه في الجبل المقدس، إلا أنه أصبح قديساً، ووصل إلى معاينة الله. لقد تحول كل عالمه الداخلي وكل جسده أيضاً. لقد اكتسب سلاماً داخلياً عميقاً، وتواضعاً، ووداعة، وأدرك حلاوة الله. لقد اقتيد من موطنه الأصلي، روسيا، إلى الجبل المقدس، الذي أصبح في النهاية موطنه الروحي. ثم بعد ذلك مضى إلى العالم أجمع دون أن يترك الجبل المقدس. لقد دخل أسرة آدم العظيمة، لأنه استوعب ألم كل سكان العالم وصلى بدموع من أجل كل الناس أن يعرفوا هم أيضاً المسيح بالروح القدس، وأن يدركوا حلاوة وسلام وتواضع ومحبة المسيح. لقد شفى القديس سلوانس كل عالمه الداخلي، وتحول تحولاً حقيقياً. لقد تجاوز في نفس الوقت الجنس والقومية، وأصبح قديساً عالمياً يحبه الكل ويوقرونه ويحترمونه. لقد حدث ذلك لأنه عاش داخل الكنيسة في مجتمع كنسي خاص؛ واشترك في أسرار الكنيسة ومارس النسك بحسب منهج الهدوئية الأرثوذكسي.

سوف نتناول بعض النقاط من تعليمه التي توضح هذه الحقيقة، لكي نظهر الجانب العملي مما كُتب عن الشفاء بأعلاه، كما هو مُعَلَّم ومُمَارَس في التقليد الأرثوذكسي.

كان القديس سلوانس الآثوسي خبيراً جداً بعلم الحياة الداخلية، أي بالعملية الخفية التي تحدث داخل عالم الإنسان الداخلي. لقد كان يعرف، بحسب تعبيره هو نفسه، أنه “عندما تتطفل أفكار مشتتة على الذهن، فإن الذهن يهتم عندئذ بكل من الله والأفكار”، وبالتالي لا يكون ممكناً تنفيذ وصية محبة الله بكل القلب وكل العقل. “لكن عندما يُغَلَّف الذهن بالله بالكليّة لدرجة استبعاد كل فكر آخر، يتم تنفيذ الوصية الأولى”.

الأفكار هي عرضٌ، إذا قبله الإنسان، يصبح معاهدة، وبالتالي تُرتكب الخطيئة. توجد العديد من الأفكار المتلائمة مع كل هوى من الأهواء. يصف القديس سلوانس جهاده لكي يتعامل مع الأفكار الآتية إليه عندما أكمل خدمته العسكرية ودخل دير القديس بندلايمون في الجبل المقدس. لقد حثّته الأفكار على ترك الدير، وتعامل معها بقوة قائلاً: “سوف أبقى هنا وأموت هنا من أجل خطاياي”. لقد كان هذا الإصرار مربوطاً بالصلاة. وهكذا قال: “بدأت الصلاة لله بحرارة لكي يغفر كثرة تعدياتي”. عندما قَبِل كراهب مبتدئ فكر شهوة، اعترف به لأبيه الروحي وكطاعة لأمره لم يقبل أبداً مثل هذه الأفكار في كل سنوات حياته الرهبانية فيما بعد. لقد حرره الاعتراف، والإصرار، والطاعة من هذا الفكر. لقد علم، أنه عندما يتلقى المرء نعمة الله، فإنه لا يستطيع قبول الأفكار الشهوانية مهما كانت التجربة عظيمة. لقد كتب قائلاً: “أن يعيش المرء مع زوجة شابة ولا يقترب منها لهي بطولة كبيرة، إنها بطولة ممكنة فقط لمَن هم حساسّون لعمل الروح القدس داخلهم. الروح القدس حلو ويفوق محبة المرأة”.

تأتي الأفكار من الشياطين وينبغي علينا أن نجاهد باستمرار لكي نلفظها. هذا هو المقصود باليقظة الروحية وكل تعليم كنيستنا عن اليقظة. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “تماماً مثلما يدخل الناس ويخرجون من البيت، هكذا تذهب وتجيء الأفكار العديدة التي تبثها الشياطين إن لم تقبلها”. لقد كان خبيراً في هذا الجهاد الخفي وكان يعرف جيداً أن “الأفكار الشريرة تحزن النفس المتكبرة”. إننا لا نستطيع الهروب من تأثيرها الطاغي إلا بأن نتواضع. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “عندما تحاصرك الأفكار الخاطئة، افعل مثل آدم وأطلب الله قائلاً: يا رب، يا صانعي وخالقي، أنت الذي ترى كيف ترتبك نفسي بالأفكار الرديئة….ارحمني”. إنه يكتب في موضع آخر أنه بقي لمدة ثلاثة أيام معذباً بفكر بسيط وأنه تحرر “بالصلاة والدموع”. ثم يستنتج قائلاً: “يكون الجهاد حتى ضد الهمسات التافهة التي قد تلهينا صعباً جداً”. يتحرر المرء من الأفكار من خلال جهاده الشخصي، وصبره، ومثابرته، بمساعدة الأب الروحي الذي يعترف على يديه ومن خلال الصلاة لله. تعمل نعمة الله في كل هذه الوسائل.

يعمل الروح الشرير، الذي هو شخص وليس مفهوماً مجسداً للشر، داخل نفس الإنسان. عندما يحدث ذلك ينبغي عليه الاعتراف، والإقرار بهذا الغضب العدواني الذي للشيطان، والصلاة لله لكي يعطيه روحاً متواضعةً. عندئذ سوف يجد راحة.

أعطى القديس سلوانس أهمية كبرى لمنهج مهم وقوي يجلب الخلاص من محبة الذات ومن الأهواء اللحمية. لقد أشار إلى هذا المنهج على أنه “علم عظيم“. إنه يتطلب شخصاً يتبنى موقفاً خاصاً، كأن يشعر في ذاته أنه أسوأ من أي شخص آخر، ويحكم على نفسه بالجحيم بل ويشعر حتى بنيرانه. ينبغي عليه ألا يبرر ذاته بالمرة، بل يلوم نفسه. هكذا تتواضع نفسه ويكتسب “دموع التوبة… التي يتولد منها الفرح”. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “حسناً أن تهذب النفس لأن تفكر: أنا ماضٍ للاحتراق في الجحيم”. ينبغي فعل ذلك بتواضع، وينبغي على المسيحي الذي يمارس هذا “العلم العظيم” ألا ييأس، ولكن أن يتذكر حنو الله ومحبته. توحي نعمة الله بمثل هذه التوبة، وهي تجلب الفرح.

يذكر القديس سلوانس باستمرار اليأس، وفقدان الرجاء، والمعاناة، والاضطرابات، والأمراض التي خاضها على مدار حياته، خصوصاً عندما تراجعت النعمة الإلهية. إنه لا يصف فقط الطريقة التي يستطيع بها المرء التحرر من هذه الحالات الرهيبة، لكن أيضاً الطريقة التي يمكن بها تحويلها إلى فرح روحي. عندما يكون الشخص متدرباً في الحياة الروحية، فإنه يكون منقاداً وملهماً من الله لكي يحوِّل كل شيء محزن إلى شيء صالح، صحي، مفرح. إنه يكتب قائلاً: “في إحدى المرات، تمكن مني روح اليأس، فبدا لي أن الله نبذني، وأنه ليس لي خلاص، وأنني على العكس أحمل في نفسي علامات الدينونة الأبدية. وشعرت في نفسي أن الله عديم الرحمة وأصم من جهة التوسلات. لقد استمر ذلك حوالي ساعة أو أكثر من ذلك بقليل. تكون مثل هذه الروح محزنة جداً، ومحطمة جداً، لدرجة أن مجرد تذكرها يكون مرعباً. ولا تستطيع النفس احتمالها لوقت طويل”. ثم بعد ذلك يصف كيف ظهر له الرب، وكيف ملأت نعمة الروح القدس نفسه وكل جسده.

لقد كان القديس سلوانس يعرف من خلال خبرته أن اليأس الذي يصعد داخلنا ويوحي لنا أننا لن نخلص ولن نستطيع التحرر من أهوائنا يأتي من الشيطان. إنه يكتب قائلاً: “يوجد البعض الذين يصيبهم اليأس فيظنوا أن الرب لن يغفر لهم خطاياهم. تأتي مثل هذه الأفكار من العدو. الله رحوم جداً لدرجة تفوق فهمنا. يعرف الشخص المملوءة نفسه بمحبة الله في الروح القدس كيف يحب الله جنس البشر”.

عادة ما تتمكن المعاناة والمخاوف من الناس، وتولِّد ألماً غير محتمل. إنه يكتب قائلاً: “تحزنني طريقة حياتي المهملة…”. إلا أنه لا يبقى في هذه الحالة، ولكنه يمضي قدماً لكي يعالجها. “….لا أستطيع أن أفعل ما هو أفضل من ذلك. أنا أعرف أن لديَّ القليل من التدريب، وأنني بليد الفهم وخاطئ، لكن الله يحب حتى الذين يشبهونني، وبالتالي ينبغي على نفسي أن تكد من أجله بكل قدرتها”. لقد كانت نفسه مملوءة بالحزن لأنه كان غير قادر على خدمة المسيح بسبب المرض. “يرهقني الألم في رأسي والنعمة التي تتغلب على المرض غير موجودة معي”. لقد أزعجه الألم لأنه لم يتصرف بحيث يفعل كل شيء تتطلبه الطاعة للمسيح ومحبته. إنه يعلن أنه عندما تأتي نعمة الله فإنها تتغلب على آلام الصداع. يحدث نفس الشيء مع الشهداء، الذين كانوا يبتهجون بالعذاب لأن نعمة الله كانت تزورهم. “إن كلّ مَن اختبر هذه النعمة يعرف ذلك، لكن ينبغي علينا أن نحتمل مرضنا”. إنه يقص قصة مدهشة عن راهب شاب قال: “على الرغم من أنني مريض، إلا أنني أسمع نعمة الله داخل نفسي”. من الواضح أنه سمع صلاة قلبية غير منقطعة داخله، وشعر بحضور الله.

عادة ما يقع الأشخاص الأنانيون في قبضة الخوف من الموت. يتضح ذلك خلال أحداث مثل الزلازل. لقد ضرب زلزال رهيب الدير في 12 سبتمبر سنة 1932 “ورج مبنى الدير العظيم بجملته، مسقطاً الحجارة والقذائف، جاعلاً الشمعدان والقناديل تهتز هنا وهناك، وجاعلاً الأجراس تدق، وحتى أكبر الأجراس قرع من شدة الاهتزاز”. مع ذلك بقي الرهبان هادئين في أماكنهم بدون خوف. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “لا تخاف النفس التي أتت إلى معرفة الله أي شيء سوى الخطيئة، وخطيئة الكبرياء على الأقل. إنه يعرف أن الرب يحبنا، وإن كان يحبنا فمن أي شيء نخاف؟”

يخوض المرء الجهاد ضد الأهواء والشيطان بواسطة نعمة الله. يقوينا الله لأننا لا نستطيع أن نتعامل بأنفسنا مع مثل هذه التجارب الشديدة التي تصيب النفس والجسد مثل أفكار المرارة، والآلام، والمخاوف، واليأس. يجلب لنا الله الفرح، ويقوينا بطرق كثيرة متنوعة. إلا أن المشكلة تتولد عندما تحتجب نعمة الله لكي تسمح لنا بالتعبير عن حريتنا.

يذكر القديس سلوانس في كتاباته تبلد النفس الذي ينكشف عندما نفقد نعمة الله. إنه يكتب قائلاً: “لكن عندما فقدت نعمة الله … سقطت نفسي في طرق برية وأصبحت أسيرة للخطيئة، ثم فجأة فكرت في صعود الرب”. سواء كانت النفس متألمة وحساسة أو كانت متبلدة فإنها تعتمد إما على وجود نعمة الله أو على فقدانها. إنه يكتب في موضع آخر قائلاً: “عندما أفقد النعمة فإن نفسي تحزن بشدة”. على كل حال، عندما يلتجئ المرء لله ويطلب الغفران “فإن نفسه تجد سلاماً على الفور”. إنه يكتب ثانية قائلاً أنه عندما تفقد النفس التواضع فإنها تصبح “متوترة”. ثم عندما بدأ الحزن على خطيئته، وطلب غفران الله وأبغض تعدياته، علَّمه الروح القدس أن يصلي بلا انقطاع وأن يحب.

من الواضح من كل ذلك أن القديس سلوانس عانى من العديد من التجارب ومر خلال العديد من الآلام ونوبات اليأس، أولاً بسبب حياته السابقة في العالم، ثم بعد ذلك بسبب ابتعاد النعمة الإلهية. إلا أنه كان يعرف كيف يتوب، ويلتجئ لله ويطلب رحمته، حتى يبتعد الألم والضيق. كانت هناك مرات كان يعاين فيها الله نفسه، وجلبت له هذه المعاينة سلاماً داخلياً عميقاً وسكوناً. فهو يصف أنه بينما كان يصلي أمام أيقونة المسيح قائلاً: “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ”، رأى المسيح الحي، وملأت نعمة الروح القدس كل نفسه وجسده، “منذ ذلك اليوم… انجذبت نفسي إليه، ولم تحمل لي الأرض أية لذة. الله هو فرحي الوحيد. إنه فرحي وقوتي، حكمتي وكنزي”. كنتيجة لمثل هذه الخبرة الروحية، التي ليست إنكاراً للحياة بل هي ملؤها، “تحترق النفس بلهيب محبة الرب” ومن “فيض حرارة المحبة… تخرج إليه، غير مشبعة، لأن حرارة هذه المحبة لن تدع النفس تنساه لا بالليل ولا بالنهار، ليس للحظة واحدة”.

يصف الأرشمندريت صوفرونيوس ساخاروف، الذي كتب سيرة القديس سلوانس الآثوسي وكان ابنه الروحي، ما اختبره القديس سلوانس وما شعر به بعد ظهور المسيح الأول له.

“في اللحظة التي ظهر فيها المسيح له شعر بكل كيانه أن خطاياه قد غُفِرَت. وتلاشت نيران الجحيم التي كانت تزأر عليه. وكفت عذابات جهنم التي كان قد اختبرها أثناء الستة شهور السابقة. لقد أُعطي له الآن أن يعرف الفرح والسلام الخاص بمصالحة مع الله. لقد غمر نفسه شعور نادر بالمحبة لله وللإنسان، لكل إنسان، في حين كفت صلاته من أجل التوبة وبحثه المطلق عن الغفران، اللذين لم يكونا يسمحان له بإغماض عينيه في النوم (لكن هل يعني ذلك أنه يستطيع الآن الاستسلام للنوم المريح؟ بالطبع لا).

أثناء الفترة الأولى بعد رؤيته عاشت نفس سمعان، التي كانت قد عرفت قيامتها الخاصة ورأت نور الكيان الحقيقي الأبدي، في حالة من الغلبة الفصحية. لقد كان كل شيء حسناً – كان العالم جميلاً، وكان الناس رائعين، وكانت الطبيعة رائعة جداً. بدا الأمر وكأن قوة أُضيفَت إليه – فقد شعر بأن جسده خفيف ولا يمثل أي عبء عليه – وكانت كلمة الله تفرحه. كانت ليالي السهر في الكنيسة، وبالأكثر أيضاً، صلواته الانفرادية في قلايته مبهجة. ومن فيض فرحه تولدت داخله الرحمة وصلى للعالم كله”.

يتضح من ذلك أنه عندما يكون الشخص متحداً بالله بطرق عديدة وبدرجات مختلفة، وعندما تدخل نعمة الله وقوته نفسه وجسده، فإنه يصبح في سلام. إنه يتخلص من كل أنواع الاضطرابات النفسية ويكتسب قوة جديدة، بل ويشعر أيضاً بالشفقة على العالم كله.

بعد تطهير القلب واستنارة النوس، عندما يأتي المرء لمعرفة الله الروحية، فإنه يحب الجميع ويريدهم أن يعرفوا المسيح في الروح القدس، كما يكتب القديس سلوانس باستمرار.

تمتد هذه المحبة إلى كل الخليقة. يكتب القديس سلوانس أنه قتل ذبابة بالخطأ و”على مدار ثلاثة أيام كاملة بكيت على قسوتي على مخلوق حي، وحتى هذا اليوم بقيت هذه الحادثة في ذاكرتي”. في مرة أخرى صب ماءً مغلياً على بعض الخفافيش وعلى حد قوله “ذرفت دموعاً كثيرة من جديد على هذه الحادثة، ومنذ ذلك الحين لم أؤذِ أي مخلوق حي بالمرة”. في إحدى المرات رأى ثعباناً ميتاً مقطعاً قطعاً وملفوفاً فكتب قائلاً: “امتلأت بالشفقة نحو كل كائن حي، ونحو كل مخلوق متألم، وبكيت بمرارة أمام الله”. ومع وجود ذلك في ذهنه كتب قائلاً: “يعلِّم روح الله النفس أن تحب كل كائن حي بحيث أنها لا تؤذي حتى ورقة خضراء في شجرة، أو تدوس على وردة في الحقل. هكذا يعلمنا روح الله المحبة تجاه الكل، وتشعر النفس بالحنو على كل كائن، وتحب حتى أعدائها، وتشفق حتى على الشياطين لأنها سقطت من الصلاح”.

لقد كان القديس سلوانس الآثوسي خبيراً في الجهاد الروحي الداخلي، وكان يعرف أن التقدم نحو الكمال الروحي يعتمد على درجة محبة الإنسان لله، وأيضاً بالطبع على الدرجة اشتراكه في نعمة الله. من يحب الله بدرجة محدودة “يقاوم الأفكار الشريرة”. من يقتني نعمة الله في أعماق قلبه ونوسه، ولكنه لم يتغلب بعد على أهوائه، يجاهد ضد الخطيئة ويتوسل لله. إنه قد يخطئ في ضعفه، لكنه يحزن على الفور ويتوب. من تغلب على الأهواء وكان واعياً بالنعمة العظمى، لا يتعين عليه أن يجاهد، لكنه يكون حذراً من ارتكاب الخطيئة. “والرجل الواعي بنعمة الله… في كل من النفس والجسد يكون في حالة من المحبة الكاملة، ولو حافظ على هذه النعمة، سوف تصبح عظام جسده رفاتاً مقدسة”.

يمتلئ الإنسان بعيداً عن الله بالألم، والإحباط، واليأس، وتكون نفسه في حالة مقفرة ويقسو قلبه. إلا أنه عندما يبدأ في معرفة نعمة الله، سواء بدرجة كبيرة أو صغيرة، يهرب كل شعور كياني بعدم الأمان وبالفراغ، وتبدأ نفسه وجسده في التعافي. عندما يلجأ الإنسان لله من خلال الكنيسة، يكون معتنياً بأفكاره ويكتسب إيماناً بالله. إنه يسلح نفسه بالصبر والطاعة. تتجلى الصلاة النوسية في قلبه، وتشبع جوعه وعطشه الروحي، بل وتجعله أكثر عطشاً. إنه يصل بلذة الله الصالحة إلى معاينة الله، والشركة في قوى الله المقدسة ومعاينة المسيح. عندئذ تمتلئ كل من نفسه وجسده بالفرح والنعمة، ويتم التغلب على خوف الموت، بل والموت نفسه. وتُشفى كل الاضطرابات النفسية بل وحتى الآلام البدنية، كما نرى في حالة الشهداء، الذين شُفوا من الجراحات التي أصابتهم أثناء مسيرة استشهادهم. ما هو أكثر من ذلك، أن الجسد نفسه قد يصبح رفاتاً مقدساً. يعني ذلك أن تحلل الجسد يتوقف، لأن الموت نفسه، الموجود في جينات خلاياه، يتم تجاوزه.

لا يهدف العلاج النفسي الأرثوذكسي إلى تحقيق الاتزان، أو الاستقرار النفسي والعاطفي والاجتماعي، أو جلب السعادة للفرد، بل هدفه هو تحويل الإنسان بجملته واتحاده بالله. ليس في نيتي تجاهل علم الطب النفسي وطب الأعصاب، اللذين يلجأ إليهما الناس لطلب المساعدة عندما وجود أسباب خاصة كالأمراض البدنية، أو العوامل الوراثية، أو الإجهاد العصبي. لا تشجب الكنيسة العلم. إنها تستعمل إنجازاته في بعض الحالات الضرورية. على كل حال، تقود الكنيسة الأرثوذكسية، من خلال علم اللاهوت الخاص بها، الإنسان إلى الاتحاد بالله، هذا الأمر الذي لا يستطيع أي علم، أو دين، أو منهج فكري أن يحققه.

 

فرادة الإنجيل

فرادة الإنجيل

القديس نقولاي فيليميروفتش

ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان*

67-  الكنيسة الأرثوذكسية مبنيّة على أساس الإيمان بأنّ الإنجيل هو جديدٌ تمام الجِدّة، ليس ما يشابهه، ممّا كَرَزَ به البشر من قَبلِهِ ومن بعدِه. على هذا الإيمان تأسَّست، وعليه ترتكز. لا يمكن أن يوضع الإنجيل في مَصَفِّ سواه من الكتابات الدّينيّة، ولا أن يُساوَى بالأدبيّات، ولا بالشّرائع، ولا بالفلسفات، ولا بالاستنباطات الفكريّة المنسوبة إلى الإنسان. لنقُل مثلاً على ذلك إن الضّوء الكهربائيّ ليس مأخوذًا من أيّ ضوء صادر عن النّار، ممّا كان في السابق: لا من الشّمع ولا من المصابيح، ولا من القناديل. الإنجيل هو إعلان “الطّريق، والحقّ، والحياة” (يو 6:14). الإنجيل لا يَعرُض كلامًا فحسب، إنّما يعطي القوّة. لا يمكن أن نتعلّمه بالقراءة، أوّ الدّرس، بل بالأعمال، سيّما بالنّسك، والممارسة، والابتكار.

68-  ليس كلام الإنجيل مجرّد مجموعة أقوال بشريّة، بل وسيلة نستمدّ منها الحكمة والقوّة. فقد قيل عن المسيح إنّه “قوّة الله وحكمة الله” (اكور 24:1). كلامُه يَشعُّ بنور الحقيقة على درب الحياة.

69-  إنّ كلام الإنجيل هو أيضًا دواء وغذاء. آلاف مؤلِّفَة من الخطأة سمعوا كلام الإنجيل، فسلكوا طريق الحقيقة الابديّة والحياة الخالدة. كلام الإنجيل ساعد ربوات وربوات من التّائبين والنّساك على الشفاء من الأهواء. لقد قال الرّب: “أنا خبزُ الحياة” (يو 35:6). فكلامه طعامٌ قويّ وعذب للنفس البشريّة، ومشروبٌ مُحْيٍ.

70-  “لم يتكلّم أحدٌ قطّ مثل هذا” (يو 46:7). هذه شهادة الّذين سمعوا كلام المسيح وتحسّسوه شخصيًّا. فهو تكلّم كمن له سلطان، ومن خلال كلامه كانت تَسري قوّته وتنتقل إلى الناس. إن الدّراسات المنحرفة للإنجيل تنشغل كثيرًا بما يُسمّى “اللاّهوت المقارَن” Théologie comparée وبتاريخ الأديان والفلسفات الأخرى. هكذا ينتقدون علم المسيح، مؤكدين العثور على هذا الكلام نفسه الّذي تفوّه به المسيح عند سواه من الفلاسفة والدُّعاة الدّينيّين. على هذا الأساس، يودّون أن يُحدِروا المسيح من أعاليه، إلى عمق وادي الدموع، والتنبّؤات، بغية تحقيق ما يسمّونه “التّكييف والتّوحيد”.

71-  والحقّ إنهم إذا قالوا إنّهم سمعوا كلامًا مشابهًا لأقوال المخلّص من أفواه أُخرى، لا يُخطئون. ولكنّهم لا يميّزون الفرق الشّاسع الكامن في فعاليّة هذه الأقوال. فلئِن استطاع كثيرون أن يقولوا للفتاة الميتة: ” يا فتاة لك أقول قومي” (لو 54:8) فهذا لا يعني أنّها كانت ستقوم. ولكن ما إن لفظ يسوع هذه الكلمات، عادت الفتاة إلى الحياة ونهضت. آلاف الفرّيسيّين كان يمكنهم أن يقولوا لقائد المئة في كفرناحوم: ” ليكن لك كما تشاء” (متى 13:8) ولكنّ عبده ما كان ليشفى. أمّا عندما تفوّه ابن الله بهذا الكلام، شُفيَ الغُلام فورًا. كثيرين من البحّارة أَمْكَنَهم أن ينتهروا العاصفة في البحر صارخين: “اخرَس”،ولكنّها لما توقّفت. أمّا عندما خرجَت هذه الكلمة من فم السيّد، “فصار هدوء عظيم” (لو24:8). ربوات الأفواه كان باستطاعتها ان تقول للأعمى “أبصِر”، وللمخلّع: “قُم وامشِ”، وللشياطين “أخرج منه”، وللمدنَّس “كُن طاهرًا” وللشجرة الّتي لا ثمر فيها: “إيبَسي”.

72-  أترى، إنّ هذه الأقوال كلّها تبقَ مجَّرد كلمات ينطق بها عدد كبير من الناس، لوكان الأمر كذلك. كان يمكن لأفلاطون، وأرسطو، وبوذا، وكونفوشيوس وسائر الفلاسفة الوثنيّين أن يتلفظو بهذه الأقوال عينها، ولكن من غير مفعول، ولا نتائج. أمّا عندما خرجت هذه الكلمات نفسها من فم المسيح، لم تبقَ من غير فعاليّة ولا نتائج لأنّ القوّة خرجت منه تعالى مع الكلام. فتوقّفت العاصفة، والعميان أبصروا، والمخلّعين نَهضوا، والعُرج ركضوا، والشّياطين خرجوا من الناس هاربين، والنّجسين أضحَوا طاهرين، والّتينة العقيمة يبست على الفور (متى 19:21). هنايكمن الفارق الّذي لا يستطيع رؤيته أصحاب “المقارنة والتكييف والتوحيد”، وهم كثيرون. أمّا إذا آمنتُم بالله، فالفارق يشبه الفرق بين الحياة والموت.

v القوّة في وضع اليد (اللّمس)

73- لقد شكّ بعض اللاهوتيّين الغربيّين المعاصرين بفعاليّة اللَّمس، حتى أنكروها. لهذا رفض كثيرون منهم رسامة الكهنة، ووضع الأيدي على المرضى، وتقبيل الصليب والإيقونات، والدّهن بالزّيت المقدّس، والرّشّ بالماء المقدّس، ولمس الصّليب والإيقونات والثّياب الكهنوتيّة تبرّكًا. أوّاه! لقد ذهبوا أبعد من ذلك: وصلوا إلى استضعاف قوّة المناولة الإلهيّة. من هنا أنّهم ينظرون إلى المناولة نظرتَهم إلى ذكرى يحيونها ليستعيدوا آلام المسيح، وهم في ذلك أقرب الى اليهود الّذين حفظوا عددًا كبيرًا من طقوس الفصح اليهوديّ، كذكرى لعبوديّتهم في مصر.

74- أمّا في الكنيسة الأرثوذكسية، فاللّمس من أهمّ الأمور. باللمس تنتقل القوّة، ويتّصل الإنسان بالسماء، وبه التعبير عن التوقير و المحبّة اللذين نشعر بهما تجاه الله وملائكته والنّاس الّذين أرضَوه. إنّ العلوم التّطبيقيّة الحديثة ترى في الاحتكاك الكهربائيّ والمغنطيسيّ والضَّوئيّ عاملاً حاسمًا يؤدّي إلى التحوّلات في الطّبيعة. إلاّ أنّ اللاهوتيّين المنحرفين، رُغمَ خضوعهم كالعبيد للعلوم الحديثة، لم يتمكّنوا أن يروا في هذا رمزًا للحقيقة الروحيّة، ولا تطبيقًا عمليًّا مادّيًّا لإنجيل المسيح المجيد.

75- بالنّسبة إلى استخدام حاسّة اللّمس، تبقى الكنيسة الأرثوذكسيّة أمينة لمؤسِّسها، الرّب يسوع. ففي تدبير الخلاص الّذي أتمّه لجنس البشر، يلعب اللَّمس دورًا أساسيًّا. لقد لمس المسيح بيده حماة بطرس، ففارقتها الحُمّى. أمسك يد ابن يايروس الميتة، فعادَت إلى الحياة. والمرأة النّازفة الدّم لمسّت هُدبَ ثوبه، فتوقّف نزف دمها، بعد اثنتي عشرة سنة من النّزيف. وشعر يسوع أن “قوة خرجت” منه. وليعيد البصر إلى العميان، لمس أعينهم. عندما كاد بطرس يغرق، أمسك بيده وخلّصه. لمس أحدَ البُرص، فطَهُرَ. وجميع الّذين أصيبوا بشتّى أنواع المرض أسرعوا إليه ليلمسوه. ولمّا لمسوه، استعادوا العافية (انظر متى 14:8-15، 32:15 ، 29:20-34 ومر 23:5-30،6: 54-56، ولو13: 11-14، و4:4 ، و7: 12-16).

76- لقد سبق الشّرق وآمن باللمس أكثر من الغرب. هذا يعني أنّه آمنَ أكثر بالاحتكاك بين الإنسان والإنسان، بين الرّوح والرّوح، بين الله والإنسان، أكثر من اكتفائه بالكلمة وحدها. لهذا نلقى في الغرب مجّرد كلام وتنظير لا قوّة فيه ولا فعاليّة. ولهذا كلّهم في الغرب يجودون بالخطابات، ويكثرون الكلام، ولكنّ أحدًا لا يشفى. وفرة من الكلام المنطوق والمكتوب، ولكن من دون قوّة. أمّا أهل الشّرق، فوضعوا المرضى بجانب المسيح، ضارعين إليه أن يسمح لهم بلمس هدب ثوبه فحسب. “وكلّ الّذين لمسوه نالوا الشفاء”.

77- آه، يا أيّها الغربيّون ذوو القلوب المتحجّرة! تعالوا المسوا أنتم أيضاً بالجباه أو بالشّفاه ولو هُدبَ ثوبهِ، ولو صليبَه، أو أيقونته، أو جدران الكنيسة، أو أيّ شيء يخصّه، وتعافوا من شكوككم ومن قلّة إيمانكم وزندقتكم الخفيّة!

78- لقد شفى المسيح باللّمس كُلَّ اللذين آمنوا به وأحبّوه، وباللّمس أتمّ خلاص جنس البشر. لم يأنَف من لمس جسد الإنسان الميت. ولم يخجل، وهو الإله ابن الإله أن يتسربل جسدًا تمامًا، ويمشي بالجسد، ولا أن يكلّم الناس كإنسان من لحم، ولا أن يتألّم، ويموت في جسده. هذا الاحتكاك بين الألوهة الأزليّة والعالم الجسديّ، المادّيّ إنما هو أكثر ما يدعو الى الدّهشة، وأكثر ما يفيد للخلاص. هذا كلّه من أجل تقديس هذا العالم الوثنيّ الشرّير، ومن أجل أن يصير جسد الإنسان هيكلاً مقدّسًا للّه، ومن أجل دحض قوّة المادّة بقوّة الروح، وإبادة قوّة الجحيم بقوّة الله.

79- لهذا، ترك لنا عهدًا ألا نقطع احتكاكنا بعه تعالى، هو العهد الجديد، عهد جسده ودمه، وعهد تناول القرابين المقدّسة لنصير أجزاءً منه، وهو عهد تسليم أمرِنا إليه لكي نتشبّه به، ونغدو مثله. هذا ما قاله رسوله المستنير، يوحنا الحبيب: ” يا أحبّائي، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظَهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنّه إذا أُظهِر سنكون مثله لأننا سنراه كما هو” (ايو 2:3).

80- أن نكون مثله، مثل المسيح ابن الله الأزليّ، يعني أن نكون مسحاء صغار، على شِبه الله، أبناء الله. يعني أن ننال الخلود والتألّه، بنعمته تعالى، بنعمة تجسّده بنعمة الاحتكاك به، من خلال تناول جسده ودمه، نحن الخطأة الدّنسين، وبنعمة محبّته الّتي لا يُسبَر غورها وتضحيته. فنحن لم نكن حتى بشرًا بل دودًا. “صنع منّا ملكوتًا، كهنة لله أبيه” (رؤ1: 6) و”أبناء النور لا أبناء الظلمة (اتس 5:5). جعلنا مشاركين مجده الخالد ومرنّمين مع الملائكة في ملكوت السماوات.

81- قد يهتف المنحرفون عن الإيمان: “هذا ادّعاء صنع العجائب”! وهم الموحّدون الّذين لا يستطيعون أن يؤمنوا ببشرى الخلاص، لأنهم يجدون فيها مبالغة. يمكنكم أن تسمّوها كلّ ما تشاؤون من الأسماء، لكن لا تُكَيِّفوا الإنجيل وسواه من الكتب، ولا من الشرائع والدّيانات، ولا من الفلسفات. هذا كلّه ليس الإنجيل، ولا يمكن أن يكون في أيّ حال. فكلّ ما صنع الله عجيب بديع، من أوّله إلى آخره، من البدء وإلى منتهى الدّهور، بحسب ما كُتب عن العليّ: “أنت هو الله الصانع العجائب وحده” (مز 15:76).

* من “الإيمان و الحياة بحسب الإنجيل، بشرى الخلاص في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ( مقتطفات من”مئويّة ليوبوستينيا” Lioubostinia)” ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان، مراجعة راهبات دير رقاد السيدة – كفتون، المصدر الأساسي:

«Centurie de Ljubostinia» in Vélimirovitch, St Nicolas. La foi et la vie selon l’Evangile. Editions l’Age d’Homme (10 mai 2007). Col.Grands Spirituels Orthodoxes du XXe siècle. Traduit du serbe par Zorica Torzic.

الرهبنة المعافاة والرهبنة العليلة

الرهبنة المعافاة والرهبنة العليلة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

مقدمة المترجم: كتب الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، مطران نافباكتوس، هذه المقالة إثر قطعه الشركة مع دير التجلّي في نافباكتوس بسبب فضيحة إدارية طاولت هذا الدير. لكن التعليم الوارد فيها ينطبق في كل العالم وعلى كل الأديار والأبرشيات.قد يحاول البعض تطبيق ما يرد في هذه المقالة على حالة من هنا أو من هناك في أنطاكية، هذا لا يمنع كون ما في المقالة هو تعليم يمكن تطبيقه، لكن الهدف من ترجمتها ليس الإشارة إلى أي حدث محلي بل هو تعميم النفع الوارد فيها.

الرهبنة هي مجد الكنيسة وكما يعلّم القديس غريغوريوس النيصي، الرهبان هم تاج جسد الكنيسة وهم بالحقيقة جوهرة الرأس، لأنهم مثل الشَعر أموات للعالم فيما يلمعون ويشعّون بنور المسيح. في الحقيقة، الحياة الرهبانية نبوية رسولية وشهادية، وبهذا المنظار يحتفي الأرثوذكسيون بالرهبنة الحقيقية. تُظهِر قراءة أعمال الرسل والرسائل أنّ المسيحيين الأوائل قلّدوا المجموعة الرسولية وعاشوا في الصلاة والحياة المشتركة والوحي وعدم القنية متوقّعين مجيء ملكوت الله الذي اختبروه كارتباط روحي.

خلال الاضطهادات عاش المسيحيون بقوة بحسب الوحي الإلهي ونزلوا إلى أسافل الأرض، إلى السراديب، لعبادة الله. بالطبع، لم يعيشوا مستقلين، بل كانوا مرتبطين ببعضهم البعض مع الكهنة والأساقفة. بعد توقف الاضطهاد ودهرنة المسيحية اتّسعت ظاهرة الانسحاب من العالم فصارت الكهوف والغابات والأرياف ملأى بالرهبان الراغبين في ان يعيشوا “شهادة الضمير” لكي يمجّدوا الله بشكل مستمر مصلّين له ولكي يعيشوا مجيء الملكوت ويطلبوه.

بسبب إمكانية وجود انحرافات في هذه الحالة، جاء القديس باسيليوس الكبير بنصوصه النسكية، خاصةّ “القانون المطوّل” و”القانون المختصَر”، ووضع الأساس للرهبنة الأصلية المعافاة. لقد نظّم الحياة المشتركة متلافياً التطرّف حتّى يستطيع الرهبان أن يعيشوا في الكنيسة التي هي المؤسسة المبارَكَة والمقدّسة التي أسسها الروح القدس كجسد للمسيح ويخلُصوا في ثباتهم ضمنها. وكون الإفراط يمكن أن يُلحَظ في كافة أوجه الحياة الاجتماعية، قررت الكنيسة مجمعياً كيفية عمل الرهبنة وطريقة إدارة الأديار بتراتبيتها ومجمعيتها. يتميّز قانونان من المجمع المسكوني الرابع بكونهما أساس الرهبنة الأرثوذكسية وهما يحددان الفرق بين الرهبنة المعافاة والأخرى المريضة.

القانون الرابع من المجمع المسكوني الرابع واضح جداً: “إن المنخرطين في سلك الرهبنة باستقامة وإخلاص يحق لهم الإكرام اللائق بهم. على أنه لما كان بعض المتوشحين بثوب الرهبان يشوشون نظام الكنيسة ويزعجون الحكومة المدنية بتجولهم في المدن مهملين واجباتهم وساعين في بناء أديرة لأنفسهم فقد حكمنا بأنه لا يجوز لأحد في أي مكان أن يبني أو يؤسس لنفسه بيتاً للعبادة بدون موافقة أسقف المدينة ور خصته. وإن الرهبان، في كل مدينة وناحية، يجب أن يكونوا خاضعين للأسقف ويلازموا السكينة والهدوء ولا يهتموا بغير الصلاة والصوم مداومين على الإقامة بصبر في الأماكن التي عيّنت لإقامتهم بدون أن يتدخلوا في القضايا الكنسية أو يغادروا أديارهم إلا عندما يسمح لهم أسقف المدينة عند الحاجة والاضطرار. ولا يجوز لأحدأن يقبل عبداً يطلب الانخراط في الرهبنة في الأديار بدون رضى سيده وموافقته. وقد رسمنا بأن كل مَن يخالف تحديدنا هذا يُقطَع من الشركة حتى لا يُجَدَّف على اسم الله. على أنه يُطلَب من أسقف المدينة أن يعتني بتدبير كل ما تحتاج إليه الأديار”.

كما يظهر بوضوح تامٍّ من هذا القانون، لا ينبغي أن يشرف الرهبان على أنفسهم بل أن يطيعوا أسقف منطقتهم. عليهم أن يحققوا جوهر الرهبنة الذي هو الهدوء والصوم والصلاة والثبات بصبر في المكان الذي اختاروه. إلى ذلك، ليس لهم أن يقوموا بأعمال تسبب الإرباك في الكنيسة والجماعة، وليس لهم أن يغادروا الدير ويتجوّلوا في العالم من دون إذن الأسقف. الرهبان الذين يقومون بخلاف ذلك فلا يطيعون الأسقف ولا يسلكون رهبانياً ينبغي قطعهم. في حالات تمتع الأديار بالصحة، على الأسقف تأمين حاجاتها.

واضح أن الكنيسة تتألّف من أساقفة في شركة مع الكهنة والشعب. الإدارة في الكنيسة تراتبية ومجمعية ما يعني أنه ليس لكل واحد أن يفعل ما يحلو له، بل على كل واحد أن يقدّم حساباً في مكان ما. أيضاً، في الكنيسة فرق واضح بين الرعية والدير. الأمر المشتَرَك الوحيد بينهما هو الإفخارستيا وغيرها من الأسرار، بينما الفرق هو طريقة الحياة، حيث أناس الرعية يُرشَدون رعائياً بينما في الدير فتُرعى الصلاة المكثّفة لخير كل المسيحيين.

يغوص القانون الثامن ممن المجمع المسكوني الرابع فيحدد سلوك الرهبان والعلمانيين نحو الأسقف. أقتبس ما يلي: “يجب أن يكون الإكليريكيون المعيّنون لمساكن الفقراء أو الأديرة أو مزارات الشهداء تحت سلطة أسقف المدينة التي يقيمون فيها حسبما فرض الآباء القديسون. وكلّ مَن تجاسر على مخالفة هذا الأمر ورفض أن يكون تحت طاعة الأسقف فإذا كان إكليريكياً تُفرَض عليه العقوبات بوجب القوانين وإن كان راهباً أو عامياً يُقطَع من الشركة”. هذا القانون أيضاً واضح جداً إذ يشير إلى أن أسقف الكنيسة المحليّة ليس عنصراً للزينة بل هو مَن يؤسس وحدة الكنيسة المحلية.

لا ينبغي أن يقوم أكليروس الأديار في وجه الأسقف بكبرياء. يقول القانون في اللغة الأصلية ” καί μη κατά αυθάδειαν αφηνιάτωσαν του ιδίου επισκόπου ” (لا يرخينّ أحد قانون أسقفه بغرور).

نحن نقول عادةّ أن الحصان يصير برياً في حالة هيجان (αφηνίασε). تنعكس هذه الصورة في الرهبان الذين يقومون في وجه الأساقفة (Aφηνιάζω تعني حرفياً التقاط شكيمة الحصان بين الأسنان). يفسّر زوناراس عبارة αφηνιάζειν بالفرار والتفلّت من سلطة الأسقف. أيضاً في هذا القانون أنّ الذين يسببون الاضطراب في هذا النظام يخضعون للكفارة. بالطبع، تُستَعمَل الكفارات كعوامل علاجية لشفاء أعضاء الكنيسة المرضى، على مثال ما يتمّ مع مرض الجسد. هذا يعني أن كل مَن لا يطيع القوانين المقدسة والإدارة المجمعية والرئاسية في الكنيسة هو مريض ويموت روحياً إن لم يتُب.

إلى جانب إكليروس الأديار والرهبان، يشير هذا القانون إلى العلمانيين أيضاً. يكتب القديس نيقوديموس الأثوسي في تفسير الإشارة إلى العلمانيين في هذا القانون: “بهدف إظهار هؤلاء العلمانيين الذين يتّكل على الإكليروس والرهبان على جسارتهم وحمايتهم في إظهار قلّة الاحترام للأسقف ورفض الانصياع لسلطته”.

من هذين القانونين المقررين في المجمع المسكوني الرابع ذي السلطة العليا في الكنيسة واللذين ينبغي تطبيقهما بدقة، يُستَنتَج ثلاث نتائج:

1. للدير الأرثوذكسي المقدّس في تقليد الكنيسة هدف محدد ورسالة محددة. فهو يستقبل بعض أبناء الكنيسة، رجالاً ونساءً، ممن يريدون بأن ينمّوا الصلاة الحارّة ويعيشوا بالصوم والهدوء، أي أن يسلكوا نسكياً في كامل تقليد الكنيسة الهدوئي. يختلف الدير بشكل واضح عن طريقة إتمام العمل الرعائي في الرعايا، ولا ينبغي أن تحلّ الأديار مكان الرعايا ولا أن تباري عملها الرعائي. بتعبير آخر، الرهبان رعاة بطريقة غير مباشرة، بإظهارهم للعلمانيين مثال الصلاة والحياة الروحية ضمن الكنيسة، في احترام للكهنة وخاصةً للأساقفة. بهذا لا ينبغي بالأديار أن تصرف انتباه الناس بطريقة منظّمة عن الرعايا ولا أن ترفع نفسها إلى المستوى والطريقة التي تعمل بها الرعية.

على سبيل المثال، لا يستطيع الرهبان أن يحوّلوا الأديار إلى مراكز للمؤتمرات، أو الضيافة، أو التخييم مع كثافة شبابية ومحطات راديو وغيرها. لا يمكنهم أن يطوّروا برامج كالرحلات والتسلية بالأدوات وما شابه. لا يستطيع الرهبان الأرثوذكس أن يحوّلوا الأديار إلى رعايا، خاصةً من دون موافقة الأسقف، الذي ينبغي أن تكون موافقته دائمة وليس مجرد إشارة إلى بركَة لا يرافقها أي تفسير من الماضي من الأسقف نفسه أو من سابقه.

إذا اراد بعض الرهبان أن يعملوا في الرعاية يمكنهم ذلك بإذن الأسقف. فليقرروا ويحصلوا على الإذن بأن يكونوا كهنة رعايا يمارسون عملهم الرعائي نحو الشعب. لا يمكن علمنة الأديار بتحويلها إلى رعايا وبالتالي تغيير روح الرهينة الأرثوذكسية، وبالإجمال السماح بإحداث منافسة بين الأديار والرعايا.

لا يمكن تنظيم الدير الأرثوذكسي المقدّس مثل “أبرشية” مستقلّة. لا يستطيع الرهبان أن يعيشوا بشكل مستقلّ، ولا يمكن تقديم رئيس الدير وكأنه سلطة كنسية ثانية أي مثل خورأسقف (Χωρεπίσκοπος). بالطبع، يتمتع كل دير وكل رعية بحكم ذاتي دون أن يستقلّ ولا يُقطَع عن إدارة الرئاسة الكنسية المجمعية.

2. إن لأسقف كل كنيسة محلية نعمة خاصة لرعاية الكنيسة جمعاء والاهتمام بها، حتّى تتمّ كل الأمور بلياقة وترتيب، على أساس القوانين المقدّسة والتقليد الكنسي. فهذه السلطة ليست عنصراً تزيينياً ولا مؤسسة إدارية علمانية. هو يقود قطيعه، الإكليروس والرهبان والعلمانيين، بمعرفة التقليد المقدس والقوانين الإلهية، التي أكّد في سيامته أنّه يحافظ عليها ويوقّرها. إن عصا الرعاية التي تُعطى له في سيامته اسقفاً ليست للزينة بل لها رمزيتها البارزة بشكل مميز من الكلمات التي تُقال عند تسليمه” هذه العصا  لترعى بها رعية المسلّمة إليكَ. ولتكن لك نحو الطائعين عصا رعاية وحماية. ولكن أرشِدْ العصاة والمتردين إلى الإصلاح واللطف والطاعة، وهم يسلكون في التسليم الواجب”.  تشير عصا الرعاية إلى الخدمة الأسقفية، لأن على الأسقف أن يسند المراعين بعصا الحماية، ويعلّم بعصا التوبيخ السخفاء والمستهزئين، الذين ينشئون ما يثير الهزء والسخرية.

إذاً، لا يمكن أن يحلّ الدير المقدّس مكان الخدمة الأسقفية أو أن يقدّم ذاته كمثل “سلطة اسقفية” على الأرض، مبارياً أسقف المنطقة وعاملاً كسلطة كنسية ثانية. بالطبع، الأسقف ذو التمييز والحكمة لا يرى في رئيس الدير المتكبّر غريماً له، لكنه لا يستطيع أن يحتمل الأعمال غير الكنسية التي تقسِم مدى الكنيسة وتجعل الناس متعصبين، محوّلة إياهم إلى أعضاء في مجموعة  فوضوية مستقلة يستعملونها بيدقاً في سعيهم الشخصي في محبة السلطة. لا يستطيع الأسقف أن يبقى غير مهتم بوضعية تغيّر الروح الكنسية والفكر الكنسي. لا يمكنه أن يداري الانشقاقات في الجسم الكنسي والتعديلات في التقليدين الرهباني والكنسي.

الأسقف يكون صبوراً يعلّم الشعب ويقترح ما يناسب، لكن متى بدأت بعض الحالات المَرَضية بالتكوّن يكون ملزَماً بأن يتّخذ التدابير المناسبة لعلاجها الروحي، بحسب ما يصف القديس يوحنا السلّمي في الدرجة الحادية والثلاثين من السلّم إلى الله، وهي المعنونة “إلى الرعاة”. من غير الممكن لديه أن يكون غير مبالٍ بالسرطانات الكنسية وبأن يترك لخلفائه ميراثاً من الحالات الكنسية الشاذّة.

3. ينبغي أن يكون الدير الأرثوذكسي المقدّس نموذجاً وحتّى قالباً للحياة الاجتماعية والشفافية المالية والشرعية والحرية والعدالة. من الأديار، حيث يصلّي الرهبان ويعيشون عمق الحياة في المسيح وارتفاعها، ينبغي أن تنبثق روح المحبة والحرية الروحية والتحرر من كل إدمان، عطراً روحياً من الكياسة والعظمة الكنسية. إن الدير الذي يحفظ هذه يكون أرثوذكسياً. عندما يكون الرهبان أنواراً للرهبان يكون الرهبان أنواراً للشعب. وبالعكس، كما يقول أحدهم: “إذا كان الراهب بلا أجنحة (أي أنه ليس ملاكاً) يكون ذا قرنين وذيل”.

أنا شخصياً أؤمن أن وجود ثلاث حالات مرضية تحمل مشكلة للمجتمع:

أولاً، عندما تسود اللامبالاة نحو أمور الفساد المالي وسوء التصرّف المادي ومختلف أوجه عدم الانتظام. إن مجتمعاً لا يبالي بهذه الحالات يظهِر ضياعه.

الحالة المرَضية الثانية هي وجود أعمال عنف، أي عندما يظهر المقيمون طلباتهم بطريقة فاشية عنيفة بدلاً من الطريقة السلامية الديموقراطية. ينبغي قيادة المجتمع على أسس ديموقراطية تنحو نحو تربية الشعب.

الحالة المرَضية الثالثة هي وجود مراكز للترهيب، أي أن يخاف الشعب من التعبير عن ذاته لأنه يعرف أنه سوف يتعرّض للابتزاز والضغوط والتشهير والتهديدات.

إن مجتمعاً تسوده هذه الحالة المرضية يعجز عن الوقوف على رجليه، ويعجز عن تحقيق موهبة تقديم المعنويات والأمان والحرية لأعضائه.

إني أقدم هذا النص بالإشارة إلى الرهبنة، لأن هذه الحلات المَرَضية الثلاث (الفساد المالي، العنف والتهويل) إذا انبثّت من مراكز كنسية، من أديرة متدهرنة، تحاول أن تتحكّم بالمجتمع بموارد سياسية واجتماعية وتسعى إلى ضبط أمور المجتمع حتّى السياسية والاجتماعية منها، من منظار سياسي وحزبي، فالمجتمع برمته يكون في حالة إحباط. أرى أن أسقف الكنيسة المحلية يراقب ويراجع كل هذه الأمور ويحاول علاجها بالتمييز والعقل وأحياناً بالجراحة الروحية. لا ينبغي عليه الاكتفاء بحضور النشاطات الاجتماعية اللامعة بل أن يكون واعياً لهدف رسالته وخاصةً العمل ضمن التقليد الكنسي وبالشروط المسبقة الضرورية والمعرفة بأن عليه أن يبرر تصرفاته وكلماته وأعماله أمام الله. بالطبع، في هذا الموقع الجدّي والمسؤول، هناك مخاطر ومجازفات بوجود بعض الفساد، والبعض يعرّضون حياتهم للخطر بهذه الأمور المتعارضة مع الأسقف الشرير.

للختام، أريد أن أذكر أن الرهبنة المعافاة هي مجد الكنيسة، بينما الرهبنة العليلة التي تحوّل نفسها إلى رعية أو أبرشية أو مؤسسة علمانية، تهبط على مقياس عبارات القوانين الإلهية، وتكون مصدر شوائب عديدة في الكنيسة والمجتمع، وهي بالحقيقة قرحة للكنيسة ومصدر أذى أبدي للرهبان.

Ναυπάκτου Ιερόθεος: «Ο υγιής και ο άρρωστος μοναχισμός» http://www.romfea.gr/epikairotita/15315-2013-01-22-00-48-22

 

السنة التاسعة – العدد العاشر – تموز 2013

السنة التاسعة – العدد العاشر – تموز 2013

 

مختارات آبائية

 

مواطن الإختلاف بين كنيستَيّ الغرب والشّرق

القديس نقولاي فيليميروفتش

 

مَن هو الإنسان الداخلي؟

القديس لوقا الطبيب رئيس اساقفة سيمفيروبولوس والقرم

 

عظة

 

العنف من منظار إلهيّ!

الأرشمندريت توما بيطار

 

حياة روحية

 

الصلاة تقتضي الإيمان

الراهب موسى الأثوسي

 

تكرار القداس الإلهي ليس مضجراً

الأرشمندريت تيخن، رئيس دير ستافرونيكيتا

 

الطيبة المغفّلة

فوتيوس كوندغلو

 

رعائيات

 

الرهبنة المعافاة والرهبنة العليلة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

الإعداد الزوجي: ملاحظات واقتراحات

الأب أنطوان ملكي

 

أؤمن بالله لكني لا أزور الكنيسة

الأرشمندريت بولس بابادوبولوس

الإعداد الزوجي: ملاحظات واقتراحات

الإعداد الزوجي: ملاحظات واقتراحات

الأب أنطوان ملكي

 

تعرّفت أنطاكية منذ سنوات على الإرشاد الزوجي بشكل منهجي منظّم. هذا لا يعني أنه لم يكن من إرشاد قبل ذلك، لكن المقصود أنّه منذ أن تأسس مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ في أبرشية جبل لبنان، ومن بعده مركز القديسين يواكيم وحنة للإعداد الزوجي في أبرشية طرابلس والكورة وتوابعهما، بات مطلوباً من المتقدمين إلى الزواج الالتحاق بعدد من الدورات التوجيهية قبل الاستحصال على إذن الزواج.

هذا المقال مبني على دراسةِ ما يرد على موقع كل من المركزين على الإنترنت، وتعليقات بعض الذين تابعوا الدورات في المركزين، وملاحظات مبنية على المراقبة والتقييم. هدف المقال المساهمة في تحسين أداءٍ صار موجوداً، خاصةً أن الجو العام من حوله إيجابي: فالمركزان يحظيان بدعم مطران الأبرشية، الكهنة المعلمون جدّيون وملتزمون، ردود فعل الشباب الذين يتابعون الدورات إيجابية إلى حد كبير، ويظهر هذا واضحاً في صفحة “تقييم لمقدار الاستفادة من خدمات المركز” على موقع مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ في أبرشية جبل لبنان.

بدايةً مع اسمَي المركزين، حيث لكل منهما وجهة نظره في الاستشفاع، لا بدّ من التوقّف عند اختصاص كلّ منهما، بحسب الاسم طبعاً. فمركز القديسين يواكيم وحنة هو للإعداد الزوجي بينما مركز القديس نيقولاوس هو للإرشاد. الإرشاد يمتّد في الزمن ما دام المؤمن حياً، بينما الإعداد ينتهي عند الحدث الذي يُعَدّ له. ما يظهر من موقعي المركزين أنّهما يقومان بخدمة الإعداد بشكل متشابه ويتبادلان الخبرات والتقييم، لكن ماذا عن الإرشاد ما بعد حَدَث الإكليل؟ قد يكون من المبكِر مطالبة القائمين على هذا العمل بالتمدد الآن، لكنه من الضروري أيضاً ألا يغفِلوا متابعة ما يبنون واستلحاق ما قد سبقهم وأن يخططوا له. لا يوجد أي بيان على أن أشخاصاً متزوجين عادوا إلى متابعة هذه الدورات، دون الجزم من غياب البيان بأن هذا لم يحدث.

واضح أن أهداف إيجاد المركزين هي الخدمة الرعائية والمساهمة في تهيئة البيوت المسيحية واستعادتها لبناء الكنائس الصغيرة المنيرة فيها. إلا إن مركز القديس نيقولاوس يضيف إلى الأهداف الانسجام مع [“الدليل الرعائي الى الأسرار”  الصادر عن غبطة البطريرك الانطاكي بتاريخ 14 نيسان 1996 (المادة 136-2″)]. من جهة أخرى، يشترك المركزان بالتوضيح بأن أي إكليل في هاتين الأبرشيتين لا يتمّ من دون مرور العريسين في أحد المركزين. إن مجموعة هذه الأهداف تشكّل حافزاً كافياً لطرح خبرة هذين المركزين على المجمع المقدّس حتّى يُصار إلى إنشاء مراكز مماثلة في كل الأبرشيات وتُعمّم الفائدة والخبرة. فمع أن إذن الإكليل، أو حتّى إطلاق الحال، صار مرتبطاً بهذه الدورات، إلا إن غياب المعيارية في الممارسة يترك باب الإساءة إلى العلاقة بين الرعاة والرعية مفتوحاً. فهناك كثيرون يتساءلون لماذا لا يُطلَب من أبناء الأبرشيات الأخرى ما يُطلَب منهم. وغيرهم يظن أنه قد يتحايل على ما هو قائم بلجوئه إلى الإكليل في خارج هاتين الأبرشيتين.

تتشابه مواضيع المركزين حيث تتركّز حول أربعة محاور: الزواج الكنسيّ ولاهوته بين الواقع والسرّ، الأبعاد القانونيّة للزواج ومفهوم العائلة، الأبعاد النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة والجنسيّة للحياة الزوجيّة، الحوار الفعّال وحلّ الخلافات. إن تعرّف الشاب أو الفتاة المسيحيين إلى هذه التعاليم أمر ضروري بغض النظر عن اقتراب موعد زواجه أم لا. لا بل قد يكون من الأنفع لشبابنا الأرثوذكسي أن يتعرّفوا على هذا التعليم باكراً، حتّى متى جاء أوان الزواج يكون اختيارهم مبنياً على هذا التعليم فيتضاعف ثمره. من هنا أيضاً، ضروري جداً أن يُضاف محور يتوجّه إلى المتقدمات إلى الزواج من بنات الكنائس الأخرى. كثيرون لا يؤمنون بهذا الأمر، لكن مسحاً لأسماء أبنائنا وشفعائهم والصور المعلّقة في بيوتنا والأصنام التي تستقبلنا فيها، إضافة إلى أنماط الأصوام والنظريات حول وحدة الكنيسة وتوحيد العيد، هذا إذا غضضنا النظر عن أعداد أبنائنا الذين يخضعون للأول قربانة ويرسمون الصليب بشكل غير دقيق، كل هذه الأمور تشير إلى أن مجرد “أن يكون أحد الطرفين على الأقل أرثوذكسياً” (البند 119 في الدليل الرعائي إلى الأسرار) كلام يصحّ في القانون لكنه في الرعاية بحاجة إلى درس وتمحيص وتقييم. من هنا أن الإعداد والإرشاد الزوجيين يساهمان في التخفيف من آثار الزواج المختلط على العائلة والرعية والكنيسة، طبعاً مع التشديد على أن الدور الرئيسي في هذا الموضوع هو لكاهن الرعية كونه في نهاية المطاف المُطالَب بأرواح أبنائه.

من الأمور التي ينبغي التنويه بها هي تعاطي المركزين مع الحالات الخاصة، وهي كثيرة، والمغتربون منها بوجه التحديد. فتقديم الخدمة لهذه الحالات الذي يتطلّب جهداً إضافياً من القائمين على المركزين، إنما هو دليل على التزامهم الجدي وإيمانهم بما يقومون به.

وقبل الختام، لا بدّ من التوقّف عند المحاضرين الذين يُقَدّر جهدهم. يُلاحظ أن مركز القديس نيقولاوس يسمّيهم بينما لا يماثله في هذا مركز القديسين يواكيم وحنّة. ما يظهر من الأسماء المعروفة هو أن المحاضرين جميعاً من الآباء. وهنا لا بدّ من التساؤل: أليس هناك من علمانيين كفوئين للمساهمة في هذه الدورات؟ طبعاً لا يعني هذا السؤال اعتراضاً على ما هو قائم، لكننا نعرف أن هناك لاهوتيين ومربّين من العلمانيين الذين انشأوا بيوتاً مسيحية. أمّا الأهم فهو غياب السيّدات عن لوائح المعلّمين، وهو أمر ينبغي التوقّف عنده ودراسته. قد يكون هذا الأمر في بال القائمين على المركزين لكن ينبغي وضعه قيد التنفيذ.

ختاماً، لا بدّ من الملاحظة أن دور كاهن الرعية في عمل المركزين هو تقني بحت، حيث “يناقش العريس أمر زواجه مع كاهن رعيته” و”تناقش العروس أمر زواجها مع كاهن رعيتها” و”يُصار إلى تحرير شهادات العماد وإطلاق الحال”. فعمل كاهن الرعية محصور في مناقشة موعد الإكليل ومكانه وتحرير الشهادات. قد يكون الكاهن راغباً في المساهمة في عملية إعداد ابنه أو ابنته، لكن ما هو قائم قد يسهّل على هذا الابن او الابنة رفض تدخّل الكاهن بحجة أنهم عملوا ما عليهم من الدورات، وما سوف يقوله لهم قد سمعوه هناك.

في النهاية، بعد التعبير عن التقدير لكل الجهود القائمة وتمنّي الاستمرار مع التحسين، من المفيد إيراد المقترحات التالية:

– أن تُنقَل إلى مجمع الكنيسة الأنطاكية المقدّس خبرة مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ ومركز القديسين يواكيم وحنة للإعداد الزوجي، ليُصار إلى مناقشتها وتقييمها، وتعديلها إذا اقتضى الأمر، وتبنيها وتعميمها وتوحيدها في كل الأبرشيات والرعايا
– أن يُعمَل على فك ارتباط هذه الدورات بإذن الزواج، وذلك بأن تتمّ دعوة كل الشبّان والشابات الأرثوذكسيين عند بلوغهم الثامنة عشرة إلى الالتحاق بهذه الدورات، مما يساعدهم على تكوين خيارات أرثوذكسية ملتزمة متى بلغوا سنّ اختيار الشريك والتقدّم إلى الزواج، فيكون عندها كاهن الرعية مستعداً لاستقبالهم، ولتذكيرهم بما تعلّموه قبلاً ورعايتهم على هذا الأساس.
– أن تُعطى النساء دورهن في التعليم حتّى ولو اقتضى الأمر الفصل بين الجنسين في بعض المحاضرات. إلى هذا، وجود معلّمات يقدّم مثالاً حسناً وتطبيقاً عملياً لما يجري تعليمه في هذه الدورات.
– أن يُعطى الزواج المختلط حقّه من الاهتمام. هناك خبرات عند أرثوذكس أميركا والأقباط في هذا الإطار. الناس في الغرب أكثر صدقاً مع ذواتهم من الشرقيين، حتى الكهنة منهم. لهذا فالغربيون يتقبّلون ببساطة الدعوةَ إلى التعلّم حول الزواج المختلط. في الشرق، يكرر الناس ببغائياً “كلّنا مسيحيون”، لذا ينطوي الأمر على تحدٍّ يتطلّب طرحه شجاعة وصدقاً على كافة المستويات، من الأساقفة إلى العرسان مروراً بالرعاة من الكهنة. إنّ الحالة الرعائية في كنائس أنطاكية، المقيمة أقلّه، كما في بيوتها تستدعي أن يُعطى الزواج المختلَط جزءاً من دورات الإعداد الزوجي، فنسبة الزيجات المختلطة عالية جداً، حتّى أنها تتخطّى الخمسين في المئة في بعض الرعايا. من هنا، ضرورة إخضاع هذا الأمر للتقييم المتجرّد، بالاستناد إلى آراء الرعاة واستعمال وسائل العلم والإحصاء، والخروج منه ببرنامج عمل وخارطة طريق يؤديان إلى تحسين الوضع بما ينعم الله علينا جزاءً لجهود الصادقين ممن يعملون في حقله ويتطلعون إلى ثمار الروح.

أؤمن بالله لكني لا أزور الكنيسة

أؤمن بالله لكني لا أزور الكنيسة

الأرشمندريت بولس بابادوبولوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

غالباً ما نسمع هذه العبارة من معارفنا وأصدقائنا وأقربائنا، لذا سوف نركز مناقشتنا أكثر على الأمور الروحية.

الحجة الأساسية عند الناس الذين يقولون أنهم يؤمنون بالله لكنهم لا يذهبون إلى الكنيسة للاشتراك في أسرار كنيستنا الأرثوذكسية، هو أنهم ينزعجون من بعض الأمور، كمثل فخامة الكنائس، الكهنة والمرتلون البغيضون، اللغة (في حالة اليونان تستعمل الكنيسة اليونانية القديمة التي يدّعي البعض عدم فهمها، ولكن في بلادنا أيضاً كثيرون يتحججون باللغة الكنسية لعدم الذهاب إلى الكنيسة: المترجم)، الصوت، الأنوار، تقدمة الشموع (حيث يدفع ثمن الشمعة)، طول الخدمة وغيرها.

طبعاً هناك الكثير من الأعذار عندما لا يريد المرء أن يعيش بحسب ما تقول الكنيسة. للأسف، هؤلاء الأشخاص يعتبرون أنفسهم خارج الكنيسة لأنهم لا يقبلون المكوّنات الأساسية للحياة في المسيح، التي هي اشتراك المسيحي في أسرار الكنيسة. هؤلاء ليسوا مسيحيين، أقله ليسوا أرثوذكسيين، لأنهم فيما يؤمنون (فرضياً) لا يتبعون أي كلمة من أقوال المسيح.

بالطبع، الموضوع هو أن أغلب المعمَّدين مسيحيين لا يعرفون مَن هو المسيح أو ما هي الكنيسة، وما يقدمه المسيح والكنيسة للناس. وهكذا، هم لا يأتون إلى الكنيسة لأنهم جوهرياً لا يعرفون ما الذي يخسرونه، ولا يعرفون ما الذي يمكن أن تمنحه الحياة الأسرارية.

الكنيسة، بكل أسرارها، تحوّلنا وتقدّسنا وتأتي بنا إلى الشركة مع الله. إن مشاركتنا في أسرار الكنيسة هي مفتاح قيامتنا الشخصية. الكنيسة ليست موجودة فقط لتأخذ دور الطب وتستنفد كل قواها، كما يتعاطى البعض معها مخطئين. الكنيسة قائمة لتقود الناس المؤمنين إلى المحبة والنور والحياة في المسيح من خلال الأسرار.

من السهل القول بأنك تؤمن بالله، لكن الإيمان بالله بطريقة أرثوذكسية والقيام بالأعمال التي تتماشى مع هذا الإيمان صعب ولكنه غير مستحيل. إذا أراد البعض أن يعرفوا المسيح، فيمكنهم ذلك من خلال الحياة الأسرارية التي تقدّمها الكنيسة. إذا أردتم أن تخدعوا أنفسكم بإمكانكم الادّعاء بأنكم قادرون على تحقيق ذلك بذاتكم. مع هذا، لآ أعرف أحداً تقدّس خارج الكنيسة (الأمر الجنوني هو أنّ البعض يعتبرون الشخصيات مثل الشيخ باييسيوس والشيخ برفيريوس وغيرهم قديسين، مع هذا لا يقبلون طريقة حياتهم. هذا يجعلهم أناساً ملتوين).

كلّ هذا يتمّ لسبب واحد: الأنانية. عندما يؤمن كل واحد بأنه الأفضل في تفسير الكتاب المقدس، ويؤمن بأن الآباء المتوشحين بالله هم دونه مرتبة، ويؤمن بأنه الأكثر ذكاءً، وأنهم أكثر استحقاقاً وقداسة من “المتدينين” العجزة كما يسميهم، وعندما يؤمن بأن لا حاجة للتوبة عن الخطايا، وأنه قادر على الخلاص بذاته (مهما كان نعنى الخلاص بالنسبة لهم)، عندها لن يزعجهم هذا الكلام أبداً، لأنهم مضى عليهم وقت طويل مذ وقعوا في هاوية محبة الذات والخديعة.

العقبة الأكبر التي تمنع الإنسان المعاصر من بلوغ الشركة مع الله هي بالتحديد ما يلي: يحاول الناس أن يعرفوه بالشكل الخطأ مستعملين الوسائل الخطأ، خارج الكنيسة. إنّهم يصرفون النظر عن سر المحبة ويتمسكون طوعياً بإيمان عقيم لا يعني في أفضل الحالات إلا الاعتراف بوجود الله من دون الثقة والالتزام بالتدبير الإلهي.

تكرار القداس الإلهي ليس مضجراً

تكرار القداس الإلهي ليس مضجراً

الأرشمندريت تيخن، رئيس دير ستافرونيكيتا

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كل ما يجري ضمن القداس الإلهي ليس أفكاراً، بل هو حقيقة وخِبرة. عندما نقدّم كلّ شيء لله، هو يرسل لنا، بتواضع وإحسان، نعمة روحه الكلي قدسه ويحوّل الخبز والخمر إلى جسد ابنه ودمه، فعلاً وحقاً، ويقدّمه لنا بالمقابل لنتقبله ونتقدّس به، ونصير مشاركين جسده، نتذوّق نعمة القيامة، ونبدأ منذ الآن بعَيش الحياة الأبدية والتمتع بالأمور السماوية.

القداس الإلهي هو عمل لاستعادة مشيئة الله في حياتنا، وهذا العمل يتمّمه الكهنة والمؤمنون. كل المؤمنين يشاركون فعلياً في القداس باشتراكهم بأفعاله وكلماته كما يوضحها الكاهن والمرتلون إذ لا يمكن أن يتمّ هذا بطريقة أخرى. أمر مميز هو أن الكاهن لا يستطيع أن يقيم القداس الإلهي لوحده، بل هو يقيمه فقط كخدمة في الكنيسة كمتقدّم وممثل لجماعة المؤمنين. لهذا السبب هو يعلن: “التي لك مما لك” و”القدسات للقديسين”. ونحن نقول أننا جميعاً، بصيغة الجمع، أيقونات للشاروبيم نقدّم كل شيء ممجدين الله متقبّلين الأشياء الإلهية التي سبق فرآها القديسون. القداس الإلهي هو خَلق لنا جميعاً. إنه أعظم خلق للإنسان يؤدي إلى المعنى الأبدي وخلاص الحياة. كل مَن يصل إلى بعض الشعور بهذه الحقيقة ويشترك فيها ويعيشها، يبلغ إلى محبة  الليتورجيا الإلهية أكثر من أي شيء آخر في العالم، فيجد نفسه والله وخلاصه. إنه يلتقي فعلياً بأخيه الإنسان ويحب الجميع ويتعلّم معنى الخلق وقيمة الخليقة الحقيقية. إنه يتحرر من عبودية الأهواء ومقاومتها ومن الشيطان، ويكتسب حرية أبناء الله.

في جبل أثوس يُقام القداس الإلهي كل يوم بعد السحرية، ومع أننا نقيم الخدمة نفسها كل يوم إلا إننا لا نحس بالضجر، ولا نضجر، ولا نتعب. عندما يعيش المرء الليتورجيا الإلهية تصير كلماتها المقدسة باباً ينفتح على لقاء شخصي بإله شخصي وحقيقة شخصية. حياتنا بمجملها تصير تقدمة مهيأة لله واعية لمشاركتنا في الليتورجيا الإلهية. إنها أيضاً تمجيد لله ومجهود وصراع لوعي اشتراكنا في جسد المخلص الإلهي الشخصي طوال حياتنا ومن خلال كل خبرتنا الشخصية. نحن نجعل حياتنا ليتورجيا لا تنقطع تبدأ بسر الإفخارستيا وتنتهي وتتمّ به. بالليتورجيا الإلهية نحن نقدّم إلى الله كل أفكارنا وأعمالنا وجهاداتنا وآلامنا ومخاوفنا وآمالنا، كل ما لنا، لكي يحوّلها وينقذها. يقودنا القداس الإلهي ويدخلنا إلى أرض الأحياء، إلى الشركة مع الروح القدس، إلى مملكة الثالوث القدوس المباركة.

عندما نضجر في القداس الإلهي ويبدو لنا الذهاب إلى الكنيسة كل أحد مملاً ومتعباً، فاللوم ليس على اللغة الليتورجية ولا على أي شيء آخر، بل هو على جهلنا لهذا السر المتلطّف.

إن الفرق لكبير جداً إذا ما اشتركنا بوعي في القداس الإلهي وكأنه حدث شخصي في حياتنا.

الطيبة المغفّلة

الطيبة المغفّلة

فوتيوس كوندغلو

نقلها إلى العربية راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

ما أجمل الطيبة!! ما أشرق وجهها وأروع كلّ حركة تبدو منها!! إنّها تماثل ربّها الوديع وهي تقترب منك بكلّ دعة بهدف إراحتك، وتلاحظك بكلّ تواضع وكأنّك أخ لها، وأنت بالفعل هكذا، لتبدي لك صدق محبّتها نحوك وتوجّعها ومعك!! يا لها من نعمة يغدقها الله عليك بأن تحسن التكلّم وتجيده!! ولكنّها منّة أعظم أن تمتلك الطيبة، إذ بها تحاكي الربّ الطيّب الحنون. تشبه الطيبة السماء الصباحيّة الخالية من الغيوم، إنّها كصنبور يجري بسكون في بقعة منعزلة هادئة، ينتظر بصبر مرور تَعِبٍ منهَكٍ ليروي ظمأه من مياهه المنعشة العذبة دون أن ينتظر منه أجرًا، بل بالحري يقابله بالشكر الجزيل، لكونه منحه فرصة العطاء الباذل المجّانيّ، “فالعطاء أعظم غبطة من الأخذ” (أع 20: 35).

كم تتجرّع الطيبة كلّ يوم من مرارات لا سيّما في عصرنا هذا!! فالكلّ يهينها ويزدري بها، وينعتها، بشتّى الوسائل والصور، بأنّها مغفّلة بلهاء سريعة التصديق وعديمة النفع وسط عالم يدّعي الذكاء ويغمره بحر الكبرياء، ويتباهى بحيله ودهائه. إنّ أساليب الشرّ المضلِّلة تتهكّم على بساطة بعض الأشخاص الذين لا يزالون يتمتّعون بها، هؤلاء الذين لم يخبُ في داخلهم نورُ الله تسخر منهم، وتتغامز عليهم. إنّ معظم “أذكياء” هذا الدهر يغتاظون من البساطة والطيبة، ويتساءلون منذهلين: “أحقًّا لا يزال يوجد أناس أبرياء أنقياء في هذا العالم”. وإنّ حيّاهم أحدهم ببساطة يتعجّب من بلاهته، لأنّ هؤلاء “الأذكياء” وأمثالهم لم يعتادوا أن يحيّوا بعضهم بعضًا إلاّ بابتسامة باهتة مصطنعة ترسمها المصلحة على شفاههم، مصلحة أعمالهم، مصلحة زواجهم… وما يضنيك، بالفعل، أنّهم يعتبرون هذا حكمة بالغة تستحقّ المديح!!

إنّ رجلاً مغرورًا، كهذا، يسخّر كلّ شيء لمصلحته، ويسيّر كلّ الأمور بحسب اهتمامه: صداقته، فرحه، حزنه، ضحكه، تقطيبه، أعماله، وحتّى زوجته وأولاده!! يا للقباحة!!! وبكلمة واحدة، إنسان كهذا يعيش الخداع ويتنفّس الخداع، بل لقد أمسى يتغطّى والخداع بجلد واحد بات من الصعب عليه أن ينسلخ عنه، فكيف له، إذًا، أن يعرف الفرح الحقيقيّ. لقد انتفى الفرح من حياته، لأنّ جحيم مصلحته قد طمس كلّ شعاع من الفرح، هذا الجحيم الذي اختاره بنفسه كما يعيش الشيطان فيه باختياره! إنّه إنسان يستميت ليربح العالم كلّه بعقله الفاسد، فيخسر، بذلك، نفسه ويؤذيها غير مبال بها، وكأنّها ليست بنفسه. ولكن أيّ نفس سيطال طالما أنّه عاد لا يملك نفسًا بعد، وإن امتلكها، فهي تعمل كآلة شيطانيّة؟!! إنّ الحسّ الوحيد الذي يملكه هؤلاء الأشخاص هو الجشع الزهرة الوحيدة التي تنبت في مستنقع نفسه، زهرة لا رائحة لها سوى رائحة عفن المصلحة. إنّ الحزن يسيطر على إنسان مريض كهذا غير قابل للعلاج حتّى يأكل النفس برمّتها، ويجعلها قاسية كالبئر الجافّ، ويحوّلها مقرفة يتقزّزها الآخرون. آه، كم هي بعيدة الطيبة عنه!! وكم تتألّم هذا الطيبة الطيّبة لهذا البعد!!

من كان بخيلاً في ماله هو بخيل، أيضًا، في أحاسيسه. يخاف أن يحبّ الآخرين الطيّبين، لأنّ الطيبة بالنسبة إليه تبدو بلهاء مسرفة مبذّرة حتّى في العطاء والحسّ. يختفي كالخلد في حفرته حتّى يحصده الموت، ولكن ماذا سيحصد الموت منه؟ النفس؟ فهو لا نفس له. القلب؟ فهو بلا قلب. الحياة؟ إنّه مائت منذ أمد بعيد، منذ أن جعل مصلحتَه محور حياته، فهل يأخذ ميتًا ليضيفه إلى لائحة الأموات. نعم، إنّه مائت ودفين القبر، أيضًا، رغم مظاهر الحياة التي فيه. كلّ ما هو منعش أصبح يابسًا داخله. كلّ وسائل الحياة أصبحت مدفونة في لحد قلبه، فعاد لا يوجد فيه سوى سمات الموت. الأنا، اضطراب الفكر وتشوّش الذهن، الكبرياء، الدهاء، الجحود، الحسد، وتتوّج كلّ هذه المراءاة صفة الذئاب. هذه هي كنوز النفس المائتة، وهذه هي نفائس مغارة الموت.

إنّنا نرى الأشخاص اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، ملتصقين بالخطيئة، مضطربين رغم أنّ مظاهر السعادة تشمل كلّ نواحي حياتهم. لم يكن الإنسان يخشى الفقر والمرض والموت بقدر ما يخشاه إنسان اليوم، لأنّه عاد لا يخاف الله. نحن اليوم، أناس هذا العصر، لا تواضع لنا ولا صبر، ولا نستطيع تحمّل الظلم، إذ لا رجاء لنا، الرجاء الذي يحلّي مرارة الحياة. وليس فقط لا نمتلك التواضع، بل لا يروق لنا الإنسان المتواضع، لأنّنا فقدنا سكون الحواسّ، فالسكون والتواضع صنوان لا يفترقان. وحيث توجد المحبّة الحقيقيّة تختفي الكبرياء، والطيبة هي الابنة البكر للمحبّة، ومن يحبّ الرفاهيّة والعيش الرغيد لا يستطيع أن يمتلك شعورًا متواضعًا، وصدق الآباء حين شبّهوا الفضائل والرذائل بسلسلة ترتبط حلقاتها بعضها ببعض، فالفضيلة تلد الفضيلة، والرذيلة تلد الرذيلة..

إنّه أمر غريب كيف يغرق الإنسان في بشاعة النفس هذه لدرجة أنّه يرى ناموس الربّ أمرًا ثقيلاً وصعبًا، بينما هو سهل ومفرّح وبهيّ. لا يطلب المسيح منّا أن يتعدّى واحدنا على الآخر، ولا أن نقتل بعضنا بعضًا، وأن نسرق، ولا أن نغضب، ولا أن نتعرّض للمخاطر لنحصل على الغنى إن كان في البرّ أو في البحر. أليس هذا صعبًا، ونحن نجعله هيّنًا، لا بل ممتعًا بسبب سوء معتقدنا؟ القتل والدمار وسرقة الأموال والاقتصاص والثأر نراها أمورًا سهلة عاديّة، ونعملها بكلّ قناعة ورغبة. بينما نقول بأنّ المحبّة والتواضع والإحسان وبقيّة الأمور الفاضلة الصالحة صعبة التطبيق ومتعبة. لماذا؟ ألأنّ المسيح يطلبها منّا؟ نعم، إنّ الشيطان يجعلنا نرى الأمور معاكسة لحقيقتها، فهو لا يبغي سوى إلقائنا في أحضانه، وكلّنا نعلم ما هي أحضانه، أو إلى أين يؤدّي طريقه.

لا تخافوا الفقر الجسديّ بقدر ما ترتعبوا من فقر النفس وخلّوها من الصلاح، لأنّ هذا يجعل المرء جثّة معدودة بين الأموات. فويّل نفسك، عندئذ، ولكن لا تيأس، بل تشجّع وكن رجلاً، وابدأ من جديد. أحبّ الوداعة والصبر، وستجد كيف ستلقى الراحة، وتتذوّق طعم الخلود، ولا تشمئزّ من الطيبة، وتنفر منها، فتملك سريعًا البساطة والفرح.

الرجل الطيّب الصبور يشعر وكأنّه يعيش في قصر منيف لايستطيع أيّ عدو اقتحامه والاستيلاء عليه. الرجل الوديع الصبور لا يعرف القلق والاضطراب، ولا يخاف أن يغرّقه أيّ إعصار يجابهه. فاطرد الأفكار الشرّيرة من داخلك، وستشعر بعد فترة بالرائحة الكريهة التي كانت تصدر من أفكارك، تلك التي كنت تحبّها وتأويها. اخرج قليلاً من ظلام الكبرياء التي تغطّيك، وسيلمع أمامك نور التواضع بقوّة، وستشعر بالفرح النيّر والهدوء العظيم يسودانك. ارغب في البكاء على ذاتك، وستدرك من أين ينبع الفرح الحقيقيّ. لا تحتفظ بما يحزنك طويلاً، وستشعر بتعزية حقيقيّة. تذكّر دائمًا أنّك اليوم موجود، وغدًا لن توجد بعد في هذا العالم، وسوف يأتيك الاتّضاع على طبق من فضّة. وإن اتّضعت ستكون قريبًا من الله، وستفتح رحمتُه عينيك على عالم منير تشرق فيه شمس الرجاء التي لا تغيب.

وفي الختام لا بدّ أن نسألك: تُرى هل ما زالت الطيبة في عرفك مغفّلة بلهاء؟!! تُرى من هو الأبله، الآن، أأنت “الذكيّ” أو الطيبة “المغفّلة؟!!!

* عن  اليونانيّة من كتاب “الملجأ المبارك” للرسام فوتيوس كوندغلو

الصلاة تقتضي الإيمان

الصلاة تقتضي الإيمان

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الصلاة تستلزم مسبقاً الإيمان. الناس الذين لا يصلّون هم بلا معونة، مترددون، عميان ووحيدون. إنّهم مربوطون بالأرض لا يعلمون كيف يطيرون عالياً، ولا كيف يحترقون لامعين في السماء، ولا كيف يتمتّعون بالسند السماوي الضروري. إنهم يحاولون أن يجمعوا كنوزاً على الأرض. إنهم يطلبون اللذة بشكل دائم، لكي تجلب لهم الفرح، بالرغم من أنها بالحقيقة لا تجلب إلا المزيد من الألم. إنه لمحزن وباعث للأسى أن يُطلب الفرح في الوحل.

يبدأ الصعود نحو السماء بندامة، بالتوبة الحقيقية، بتأنيب الضمير. حري التذكّر أننا لم نُخلَق للعودة إلى التراب. حياة الأهواء لا تجلب بالحقيقة الفرح والاكتفاء. الارتباط الشديد بأشياء هذا العالم هو خطأ فادح وتظهر كلفته بالنتائج المريرة. ليس من غير المجدي التقدم لتجاوز المرئي. بمقدور كل واحد أن يقوم بهذا. كل ما يحتاجه هو أن يريد ذلك، أي أن يمتلك رغبة حقيقية. في البداية نكون مترددين، خجولين، خائفين ولا نرغب بالمخاطرة بالكثير. قد نجد الأمر غير قابل للهضم، غريباً، غير طبيعي، مستحيلاً وفي كل الأحوال ليس لنا. نظن أننا نمارس لعبة مهينة آثمة وأننا خطأة جداً وما شابه. لكن الصلاة ليست للقديسين فقط.

إذا صليّتَ باتضاع واحتشام يصير قلبك أكثر حلاوة، مستنيراً، معززاً وهادئاً. يحس القلب بقيمة المجهود للصلاة. إنه يشعر بالغبطة والجذل والأمان والتحصين والراحة. يدرك أن الصلاة حاجة عظيمة للنفس، حركة طبيعية، ووظيفة إلهية. تصير الصلاة عملاً صالحاً بدلاً من عادة شكلية، بهجة يومية ونعمة، تماماً كما يحتاج الجسد غذاءه اليومي لكي يصون ذاته، كذلك تطلب النفس الخالدة.

من غير الممكن أن نحب الله دون أن نرتبط به ونكلّمه ونصلي إليه. علينا دائماً أن نفكّر به ونستدعيه. تذكُّر الله هو صلاة بحد ذاته. أنت تتذكر المحبوب وتفرح. استدعاء الله هو مصدر فرح وسلام وبركة. من دون الصلاة، تكون النفس ملفوظة وضعيفة ومريضة. الصلاة تمنح الصحة الروحية والتوازن والتمييز والتنوير والبركة. الصلاة تسلّحنا ضد الخطيئة. الذين يصلّون يدخلون في حوار مع الله ولا يشغلون ذواتهم في أمور تافهة. إنهم يتعلّمون الاتضاع والرزانة والبساطة والمحبة. إنهم أطفال الله المحبوبون. الصلاة نعمة عظيمة من الله لنا.

مَن هو الإنسان الداخلي؟

مَن هو الإنسان الداخلي؟

القديس لوقا الطبيب رئيس اساقفة سيمفيروبولوس والقرم

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نقرأ في الإصحاح الرابع من رسالة القديس بولس الثانية إلى الكورنثيين كلمات ذات معنى عميق أود أن أشرحها: “وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا” (16:4).

مَن هو الإنسان الخارجي؟ إنّه المعروف من الناس، المركّب من لحم ودم وجهاز عصبي وعظام. إنه الشخص الذي يدرك الطبيعة المادية الخارجية بالحواس الخمس، النظر والسمع والشمّ والذوق واللمس. حياته الروحية محدودة بملاحظة الخليقة المادية من خلال الحواس وتحليل هذا الإدراك بالعقل والقلب. بالكاد يتخطى اهتمامه بالأمور الروحية اهتمامه بالأمور الأرضية.

لكن منذ الأزمنة القديمة، كان ولا يزال هناك مفكرون قادرون فهموا أن حياة النفس والروح لا تُحدَد ببساطةٍ بمخلوقات العالم المادي. لقد استوعبوا أن لدى البشر القدرة على إدراك وجود عالم روحي. الفيلسوف الإغريقي بلوتينوس قارن بين حياة النفس والروح المزدوجة وحياة الحيوانات البرمائية القادرة على الحياة على الأرض وفي الماء. على المنوال عينه، النفس البشرية لا تعيش بالأفكار البشرية وإدراكات الحواس الخمس وحسب، بل لديها حاسة سادسة غير قابلة للفهم ومجهولة لدينا وهي الوسيلة لتلقي نصائح الروح القدس السرية والوعي لملاكه الحارس. بهذه الحاسة يمكننا أن نقيم علاقة عميقة وحيّة مع الله والملائكة ووالدة الإله والقديسين من خلال صلواتنا.

الأحاسيس الداخلية التي لا يمكن تفسيرها، التوقعات، التنبؤات والأحلام النبوية كلها تعود إلى هذه الطريقة الروحية في التعاطي مع العالم. على الجميع أن يقرؤوا سفر إستير في الكتاب المقدس، فهو يبدأ برواية مذهلة عن حلم مردخاي النبوي المتعلّق بجهاده ضد هامان. لاحقاً صار الحلم حقيقة بكل تفاصيله الصغيرة.

وجد مارتن لوثر مرةً في إحدى المكتبات مقالة لاهوتية قديمة قرأ فيها فكرة كان لها تأثير كبير عليه. قال الكاتب أن للنفس البشرية عينان: الأولى وجهتها حياة الناس اليومية، فيما للأخرى القدرة على رؤية الحياة في العالم الآخر، التي هي بالجوهر مصيرها. لكن هاتين العينين لا تعملان إلا منفصلتين إحداهما عن الأخرى، فتصير الحياة الروحية منظورة فقط عندما تغمض العين التي تنظر إلى العالم المادي.

طريقة أخرى للنظر إلى هذا الأمر هو أن النجوم تلمع في السماء خلال النهار كما في الليل، لكننا لا نراها لأن نور الشمس يخفيها. تبدأ النجوم بالظهور فقط عند غروب الشمس وحلول الليل. بالطريقة عينها، فقط عندما تتلاشى ضوضاء الاهتمامات الدنيوية تبدأ النفس بسماع الأصوات الخفيفة الناعمة الآتية من العالم العلوي.

إذاً، إن شخصنا الداخلي هو روحنا الموجَّهة إلى فوق إلى السماوات وهي حرّة من الاهتمامات والرغبات الدنيوية. إن حياة الناس الروحيين مختلفة جذرياً عن الناس الدنيويين في أن الدنيويين بقدر ما يتقدّمون بالعمر يذوون ويشيخون. تبدأ أجسادهم بعملية الانحلال في الأربعين أو ربّما قبل: توهن العضلات، يجدون صعوبة في المشي، يزداد النظر والسمع ضعفاً، وتبدأ الذاكرة بالتلاشي والأسنان بالوقوع.

من جهة أخرى، يتجدد الإنسان الداخلي طوال حياتنا الواعية، طالما أن الروح لم تجرفها وُحول حياتنا على الأرض، وهي تتذكر كلمات القديس بولس: “ارفعوا قلوبكم”. إذا كانت تلك العين التي لدينا لا ترى سوى الأشياء التي هنا على الأرض فهي تزداد ضعفاً وفي النهاية تتعطّل بشكل كامل. عندها العين الأخرى، التي مهمتها التبصّر بالعالم الروحي، تزداد رؤيتها وضوحاً. فبهذه الطريقة، يتجدد إنساننا الداخلي يوماً فيوماً ويزداد قرباً من الله.

إلى هنا، عندما كنت أشير إلى تأثير العالم الآخر على الإنسان الداخلي، كنتُ أتكلّم فقط عن أعمال الروح القدس والقوى المنيرة العلوية. لكن من الأمور الفائقة الأهمية أن نتذكّر أن قوى الجحيم المظلمة، الشيطان وملائكته، تمارس علينا أيضاً صنوفاً أخرى من القوى غير المنظورة. فبكلّ ما لديهم من قوة يحاولون أن يعيقوا عملية تجدد إنساننا الداخلي ليمنعوه من سلوك طريقه إلى الله.

أرجو، أيها الإخوة والأخوات، أن تعرفوا كلمات الرسول بولس في عمقها: “وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا” (16:4). أتوقّع أنكم قادرون على الاستنتاج والفهم مما قلته لكم أن هدف حياتنا هو تجديد نفوسنا بصبر عظيم على هذا الطريق البائس الشائك الذي يقود إلى ملكوت السماوات. كما أنها معركة لا كلل فيها ضد الشيطان وملائكته الأشرار، الذين يحاولون خداعنا وإزاحتنا عن هذا الطريق الخلاصي.

معونة الثالوث القدوس الإلهية تقوينا على هذا الطريق الصعب. آمين.