Monthly Archives: September 2013

السنة التاسعة – العددان الحادي عشر والثاني عشر– آب وأيلول 2013

السنة التاسعة – العددان الحادي عشر والثاني عشر– آب وأيلول 2013

 

مختارات آبائية

فرادة الإنجيل

القديس لوقا الطبيب رئيس اساقفة سيمفيروبولوس والقرم

 

دراسات آبائية

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

عظة

… وانحرفت المحبّة!

الأرشمندريت توما بيطار

 

تربية مسيحية

القداسة والتقديس

الخورية سميرة عطية

 

حياة روحية

شذرات من المؤتمر الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب

 

رعائيات

نذر الاستقرار

الأب أنطوان ملكي

 

الإنترنت فوق رؤوسنا

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


الوثن الجديد

الخورية سميرة عوض ملكي

 

قصص

 

قصص قصيرة

 

 

إعداد راهبات دير مار يعقوب

 

قصص مختارة للصغار

إعداد راهبات دير مار يعقوب

السنة التاسعة – العددان الحادي عشر والثاني عشر– آب وأيلول 2013

مختارات آبائية

فرادة الإنجيل

القديس لوقا الطبيب رئيس اساقفة سيمفيروبولوس والقرم

دراسات آبائية

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عظة

… وانحرفت المحبّة!

الأرشمندريت توما بيطار

تربية مسيحية

القداسة والتقديس

الخورية سميرة عطية

حياة روحية

شذرات من المؤتمر الرهباني

إعداد راهبات دير مار يعقوب

رعائيات

نذر الاستقرار

الأب أنطوان ملكي

الإنترنت فوق رؤوسنا

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

الوثن الجديد

الخورية سميرة عوض ملكي

قصص قصيرة

إعداد راهبات دير مار يعقوب

قصص مختارة للصغار

إعداد راهبات دير مار يعقوب

قصص مختارة للصغار

قصص مختارة للصغار

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

الرجل والطائر

سقط طائر غريب في يد صيّاد، فبدأ الطائر يتحدّث مع الصيّاد، فدهش منه وسأله:

– هل تتحدّث بلغتنا؟

– إنّي أعرف لغات كثيرة، ووهبني الله حكمة، فهل تريد أن أقدّم لك ثلاث حكم تسندك كلّ أيّام حياتك؟

– نعم، أكون شاكرًا لك إن قدّمت لي هذه الحكم الثلاث.

– إنّي مستعدّ أن أقدّم الحكم على أن تعدني بأن تطلقني حرًّا.

– أعدك، وسأفي بوعدي.

– اسمع، إذًا، الحكم الثلاث، إنّ حفظتها تنجو من كلّ كارثة وتنجح في حياتك: الحكمة الأولى: لا تندم قطّ على خير فعلته، والحكمة الثانية: لا تصدّق  من لا يوثَق به، والحكمة الثالثة: لا تطلب أن تنال ما هو مستحيل.

عندئذ أطلق الرجل الطائر حسب وعده، فبسط الطائر جناحيه فرحًا وطار. ثمّ وقف على غصن شجرة مرتفعة، ونادى الصيّاد قائلاً: “يا أيّها الصيّاد الغبيّ، كيف تطلقني؟ لقد ضاعت منك أعظم ثروة في العالم، إذ أحوي بداخلي جوهرة لا تقدّر بثمن. إنّها تحمل قوّة سحريّة بها صرت أنا حكيمًا”.

اغتاظ الصيّاد جدًّا لفقده الجوهرة السحريّة، وصمّم أن يصطاد الطائر ويذبحه ليحصل عليها. وهكذا بدأ الصيّاد يتسلّق الشجرة بصعوبة بالغة حتّى بلغ منتصفها، فسقط وانكسرت رجله فصار يصرخ. فنظر إليه الطائر وقال له في سخرية: “يا لك من صيّاد غبيّ. لقد قدّمت لك الحكمة ولم ترد أن تتعلّم شيئًا. سألتك، أوّلاً، ألاّ تندم على خير فعلته، وها أنت قد ندمت على إطلاقي حرًّا. وطلبت منك ألاّ تصدّق ما لا يوثق فيه، وها أنت تصدّق طائرًا يسخر بك، ويدّعي أنّه يحمل جوهرة سحريّة في داخله، الأمر الذي لا يقبله عقل. ولم تنفّذ الحكمة الثالثة وهي أن تطلب أن تنال ما هو مستحيل، فتسلّقت الشجرة لتمسك بطائر حرّ يقف على قمّة الشجرة. إنّك لم تنتفع بكلمات الحكمة. إنّي حزين بسبب حماقتك،  ولكنّك لست أنت الأحمق فقط، بل هناك الكثير من البشر أمثالك حمقى”.

وما إن قال العصفور هذا، حتّى طار فرحًا يغرّد يرفرف بجناحيه منتقلاً من غصن إلى آخر، فيما بقي الرجل أسفل الشجرة يهزّ رأسه أسفًا وألمًا.


مَن هو القدّيس

دخل سمير الكاتدرائيّة وسار مع والدته وهو ينظر إلى نوافذ الكنيسة التي صُوِّرت عليها أيقونات القدّيسين بالزجاج المعشّق (نوع من الفن الزجاجيّ) الجميل. فأخذ سمير يسأل والدته: من هذا القدّيس؟ فتجيبه إنّه القدّيس متّى البشير الإنجيليّ، أو القدّيس أنطونيوس الكبير، أو…أو…

عاد سمير إلى المنزل، وصار يروي لأخته الأكبر منه سنًّا عن أيقونات القدّيسين الجميلة التي شاهدها. فسألته أخته: “تُرى من هو القدّيس؟”. فأجاب الطفل: “إذا ما وقف الإنسان في فناء الكنيسة، ونظر إلى نوافذها أو إلى جدرانها المليئة بأيقونات القدّيسين يرى النور يشعّ منهم. فالقدّيس هو الشخص الذي يشعّ منه النور الإلهيّ”. هزّت أخته رأسها موافقة في صمت.

هذا هو تعريف القدّيسين الذين نرى فيهم نور السيّد المسيح متجلّيًا. فإن كنّا نمجّد القدّيسة مريم والدة الإله ونطوّبها، أو نطلب شفاعة نبيّ من الأنبياء أو شهيد من الشهداء إنّما نرى مسيحنا يتمجّد من خلال عمل نعمته فيهم، ولذلك نطلب شفاعتهم.

أمّا بالنسبة لكم، يا أحبّاءنا، فيليق بكم، أوّلاً، أن تقتدوا بهم، وتطلبوا نعمة الله لتعمل فيكم، فيتحقّق فيكم قول السيّد المسيح: “أنتم نور العالم” أو “ليضئ نوركم أمام الناس فيمجّدوا أباكم الذي في السموات” (متى 16:5). وثانيًا: أن يكون لكلّ واحد منكم شفيعه الذي يصلّي له ويطلب منه ما يشاء.

 

 

الكنـــــــــــــز

وقف داني ككلّ يوم وراء الباب يتفرّج على جدّته وهي تفتح خزانتها القديمة بمفتاحها الكبير، لتخرج من العلبة الحديديّة، ذات المفتاح الذهبيّ، الليرة الذهبيّة التي كانت قد خبّأتها فيها.

وفجأة علا رنين الهاتف، فأسرعت الجدّة لتردّ، تاركة العلبة مفتوحة، فدخل داني، وأخذ الليرة الذهبيّة، وفيما كان يهمّ بالخروج تعثّر ووقعت الليرة من يده، واختفت. أخذ داني يفتّش عليها بسرعة فائقة قبل أن تأتي الجدّة وتلاحظه، ولحسن الحظّ عثر داني على الليرة، فخبّأها في جيبه، وانسلّ من الغرفة قبل أن تصل إليها جدّته.

ما لبث داني أن سمع صوت جدّته تصرخ قائلة: “لقد ضاعت الليرة، لقد فُقد الكنز الذي كنت أملكه، لقد خسرت ما أورثني إيّاه أجدادي”. خاف داني كثيرًا، وندم على فعلته هذه، وقرّر أن يعترف بالحقيقة، ويعتذر من جدّته.

عرفت الجدّة بما حصل، وتأسّفت على غلطة داني، ولكنّها سامحته طالبة منه أن ينتبه مرّة أخرى، ولا يخضع للفكر الشرّير. وأمّا داني فقال لجدّته:

– لم أكن أعرف، يا جدّتي، بأنّ هذه الليرة لها قيمة كبيرة لديك.

– ابتسمت الجدّة وقالت له: سوف أقول لك سرًّا كبيرًا أرجو أن يبقى بيني وبينك. إنّ قيمة هذه الليرة لا يكمن في أنّها ورث عن آبائي وأجداي، فقط، بل لأنّ صورة الملك مطبوعة عليها، ولا يوجد منها عدد كبير. والذي جعلني أتمسّك بها كثيرًا لكون جدّتي أخذتْها من الملك نفسه.

– ولكن، يا جدّتي، يوجد كثير مثلها.

– لا، يا حبيبي، إنّ بقيّة الليرات تختلف اختلافًا بسيطًا عنها يكاد لا يُرى.

– وهل قيمتها كبيرة لهذه الدرجة؟

– نعم، فبقدر ما هذه الليرة صغيرة الحجم، بقدر ما تزداد قيمتها سنة بعد سنة. ثمّ لا تنسَ أنّ هذه الليرة ستصبح ملكًا لك بعد انتقالي إلى السماء.

– وماذا سأفعل بها؟

– احتفظ بها قدر الإمكان، واحترس أن تضيع منك أو أن تبيعها. إنّ هذا الكنز يشبهك تمامًا، فبالرغم من أنّك صغير، ولكنّ قيمتك كبيرة جدًّا، أتعلم لماذا؟

– لماذا؟!!

– لأنّك تحمل صورة الملك، صورة ربّنا يسوع المسيح.

– أنا أحمل صورته؟ كيف ذلك؟!!

– نعم، يا حبيبي، فإنّك من اليوم الذي اعتمدت فيه، ومسحك الكاهن بالميرون المقدّس، انطبعت صورة الملك السماوي فيك. ولذك قلت لك أن تحتفظ بهذا الكنز، ولم أكن أعني الليرة الذهبيّة، فقط، بل الكنز الحقيقيّ الذي هو الربّ يسوع المسيح. احتفظ بحضوره داخلك، وصلِّ له، وخاطبه صباحًا ومساء وفي كلّ وقت إن استطعت. لا تقبل الأفكار الشرّيرة من كذب وحسد والكلام على الآخرين وإهمال الواجبات الدينيّة… وهكذا تحتفظ بصورته فيك نقيّة وجميلة. أتعدني بذلك؟

– نعم، سأحاول. ولكنّ قد أخطئ، فماذا يحلّ بالصورة؟

– عندما تخطئ، اعترف بخطئك، واطلب السماح من الربّ، ولا تعاود اقترافه ثانية، فتعود الصورة إلى جمالها.

 

الفيل الصغير

ابتعد الفيل الصغيـر عن المرعى الذي اعتاد أن يرعى فيه كلّ يوم، فلمّا أراد الرجوع إلى أمّه ضلّ الطريق. وفي أثناء بحثه عن الطريق وصل الفيل الصغير إلى غابة كثيفة الأشجار وقد أقبل الليل، فقابله ثعلب مكّار يعيش في تلك الغابة. قال الثعلب للفيل الصغير:

–  ماذا تفعل في الغابة في هذه الليلة الشديدة الظلام؟

– إنّي ضللت الطريق إلى بيتنا، ولا أستطيع الرؤية في الظلام.

– لابأس عليك. تعال، واسترح قليلاً في بيتي، ثمّ نذهب معًا نبحث عن بيتكم.

قال الثعلب ذلك، وهو يُمَنّي نفسه بأكلة دسمة، تكفيه أيّامًا كثيرة.

شكر الفيل الصغير الثعلب على كرم أخلاقه، ولكنّ الثعلب الغدّار كان يدبّر للفيل مكيدة، فقال له: “انتظرني هنا هنيهة، ريثما أذهب لأشرب من النهر القريب”. راح الثعلب يحفر في الطريق إلى النهر حفرةً عميقة، حتّى يسقط فيها الفيل، فيسهل عليه افتراسه، وأكل لحمه اللذيذ. ولمّا فرغ الثعلب من حفر الحفرة، غطّاها بفروع الشجر، وكانت البومة الطيّبة تقف على شجرة هناك، فرأت ما فعله الثعلب، وأدركت قصده. فطارت إلى حيث ينتظر الفيل الصغير، وحكت له كلّ ما رأته، وحذّرته من مكر الثعلب، وطلبت منه أن يتصرّف بحكمة، ثمّ عادت إلى مكانها فوق الشجرة .جاء الثعلب وقال للفيل:

– هيّا بنا، يا صديقي، نبحث عن بيتكم.

– أيّ طريق سنسلك؟

– طريـق النهر.

– حسنًا. سرْ أنت أمامي، ودعني أمسك بذيلك.

– لماذا أسير أمامك، ولماذا تمسك بذيلي؟

– لأنّي لا أرى في الليل جيّدًا، وإمساكي بذيلك يطمئنني أنّي أسير في الطريق الصحيح. نعقت البومة فجأةً تحذّر الفيل الصغير، فارتعب الثعلب، وحاول أن يخلّص ذيله من خرطوم الفيل، ولكنّ الفيل دفعه دفعة قويّة بخرطومه، فسقط في الحفرة. جاءت البومة إلى الفيل، وهنّأته بسلامته، وعرضت عليه أن تساعده في العثور على بيته. سار الفيل والبومة تركب فوق ظهره، وتدلّه على الطريق .سار الفيل مسافةً طويلة، وفجأةً صاح وقال للبومة:

– لقد طلع النهار، فأنا أشعر بحرارة الشمس، وأستطيع أن أرى معالم الطريق، ها نحن وصلنا إلى المرعى القريب من بيتنا.

– هذا صحيح، فأنا لا أبصر جيّدًا في ضوء النهار.

– لا بأس ستنزلين عندنا، أيّتها الصديقة، حتّى يأتي الليل.

– أنت صديقٌ وفيٌّ، وسوف أزورك، دائمًا، في الليل.

– وأنا سوف أزورك، دائمًا، في النهار .

أحبّاءنا، ما أجمل الصدق، فإنّه يجعل الناس يلتفّون حولنا ويحبّوننا، وأمّا الكذب، فبالعكس ينفر الناس منّا ويبتعدون عنّا، لأنّهم لا يثقون بالكذّاب.

 

 

هل تعلم؟

هل تعلم ماذا كان يدعى المسيحيّون أيّام الرسل؟

هناك ثلاث تسميات شاعت أيّام الرسل دُعي بها المسيحيّون: مؤمنون وقدّيسون وإخوة أو أخوات، وهي تعبّر عن حياة أولئك المسيحيّين الأوائل. فتسمية مؤمنين كانت تعبّر عن إيمانهم الجديد بالمسيح يسوع، وحياة الإيمان القويّ التي كانوا يحيونها. وتسمية قدّيسين كانت تعبّر عن تصرّفاتهم الحسنة وعلاقتهم الحارّة بالله. وأمّا التسمية الثالثة إخوة أو أخوات، فكانت تعبّر عن علاقة المحبّة الشديدة التي كانت تربطهم ببعضهم البعض كأعضاء في جسد المسيح الواحد. إنّها تسمية تلائم سلوكهم المسيحيّ.

افحصوا أنفسكم، يا أحبّاءنا، إن كنتم، أنتم أيضًا، مثلهم تتمتّعون بالتسمية نفسها التسمية والصفات عينها؟

 

 

السباق السنوي

اليوم يبدأ السباق السنويّ للدرّاجات، فتجمّع الأولاد للسباق، ومن بينهم البطل مارك الذي اعتاد أن يكسب السباق كلّ سنة، وذلك بفضل معلّمه الذي كان يدرّبه، دائمًا، ويشجّعه ويدلّه على الطريقة الصحيحة للفوز. ولكنّ مارك كان قلقًا هذه المرّة، لأنّ السباق سيكون في طريق صعب فيه أشجار كثيرة قد تجعله يضيّع معالم الطريق بسهولة. ولكنّ المدرّب شجّعه، ووعده أن يكون إلى جانبه إن حصلت له أيّة مشكلة، أو تعرّض لأيّ عائق، فوثق مارك بوعود مدرّبه، وأبعد القلق عنه.

وفي الصباح الباكر بدأ المتسابقون يركبون درّاجاتهم، وكلّ منهم يعلّل نفسه بالفوز، وطبعًا كان مارك في مقدّمتهم. أُعطي الإنذار ببدء السباق، فانطلق الجميع يسابقون بعضهم بعضًا، إلى أن وصلوا إلى طريق كثيف بالأشجار غطّت لوحات اتّجاه السير، فتاه معظم المتسابقين، وضلّوا الطريق. أمّا مارك، فقد اتّبع إرشادات مدرّبه، وركّز انتباهه على الطريق الصحيح. ولكن، وفجأة حصل له أمر غير متوقَّع، فلقد أخذ أحد المتسابقين يحاول ضرب درّاجة مارك ليعطّل له جريه. فحاول مارك، عندئذ، أن يسرع أكثر ليتخلّص منه، ولكنّه اصطدم بإحدى الأشجار ووقع على الأرض، وقد جُرحت رجله. ضحك عليه زميله الذي كان يحاول عرقلته، واستمرّ يجري بأقصى سرعة محاولا كسب الوقت قبل أنت يقوم مارك.

بقي مارك قرب درّاجته حزينًا لا يستطيع الوقوف، وقد صار موضع استهزاء كلّ المتسابقين الذين كانوا يمرّون قربه دون أن يحاولوا مساعدته، بل صار بعضهم ينعته بنعوت غير لائقة، وآخرون جعلوا يقهقهون عاليًا، مؤكّدين لمارك هزيمته هذه المرّة. أمّا مارك، فأخذ يهمس بحزن: “أين أنت يا مدرّبي الحبيب، لا شكّ أنّك نسيتني، وعدت لا تهتمّ بي، وإلاّ لبادرت إليّ في هذه الصعوبة. أين وعودك، يا مدرّبي الأمين؟ آه لا بدّ أنّي سأخسر هذا السباق”. قال مارك هذا ثمّ بكى.

وفجأة أحسّ مارك بيدين تلمسانه بكلّ حنان، فنظر ليرى من هذا الأب الحنون الذي تداركه، وإذا به أمام مدرّبه الذي رفعه بسرعة، واحتضنه بمحبّة كبيرة، لكنّ مارك استمرّ في البكاء، وأخبره بما حصل معه، وكيف أنّه سيخسر السباق هذه السنة. أخذ المدرّب الحنون يطمئن ولده بأنّه لا زالت لديه الفرصة، وإنّ السباق لم ينتهِ بعد، ثمّ أخذ يفحص له جروحه، فوجدها طفيفة لا تستدعي العلاج، فنظّفها له، ثمّ ساعد مارك على الوقوف وهو يشجّعه قائلاً: “إنّ كلّ المتسابقين كانوا مشغولين بالاستهزاء بك، فلم يلاحظوا العلامات الموجودة على الطريق، والتي توضّح لهم طريق السباق الصحيح، وهذا ما جعلهم يسيرون في طريق أطول، وربّما خاطئ أيضًا. فانهض، إذًا، ولا تيأس، بل استمرّ في الجهاد”.

شعر مارك أنّ الأمل في النجاح لا يزال موجودًا، فركب درّاجته، وقد شمله حماس وفرح كبيرين، وأحسّ بأنّ مدرّبه يقف إلى جانبه، فأخذ يسير بأقصى سرعة يستطيعها، وهو ينظر إلى اللوحات الموضوعة على الطريق، ووصل مارك في اللحظة الأخيرة إلى خطّ النهاية، وكسب السباق بأعجوبة.

وهنا أحسّ مارك بأنّه يجب أن يشكر مدرّبه المحبوب على تدريبه له ومتابعته وتشجيعه، ولكنّ الأهمّ من ذلك يجب أن يعتذر منه على شكّه بتركه له ولو للحظة بسيطة على الرغم من ثقته الكبيرة به، وبأنّ مدرّبه لم يَعِدْهُ مرّة بالفوز إلاّ وحقّق وعده. فأسرع إليه، وارتمى في أحضانه يقبّله ويشكره على مساعدته. ثمّ نظر إليه بعين منكسرة، وطلب منه الاعتذار على شكّه بحبّه وعنايته به.

أحبّاءنا، نحن، أيضًا، كثيرًا ما تصادفنا المشاكل أو الصعوبات، ونحسّ بأن ربّنا نسينا، وعاد لا يهتمّ بنا. ولكنّ هذا الشعور خاطئ تمامًا، بل  على العكس، فالربّ يرافقنا باستمرار، وعينه تلاحظنا وتراقبنا، وفي وقت الشدّة أو الصعوبة يكون قربنا ليشدّدنا، ويحمينا من كلّ ضرر قد يصيبنا، وإن كنّا لا نحسّ بوجوده. فلنكن واثقين، دائمًا، بمحبّته مهما كانت الظروف التي تحيط بنا، لأنّه هو الذي قال لنا بلسان أحد أنبياء العهد القديم المدعوّ زكريّا: “لأنّه من يمسّكم يمسّ حدقة عيني” (زك 2: 8). أفلا يكفيك هذا القول كبرهان قويّ على محبّة الربّ الشديدة لنا؟!!

 

 

قصص قصيرة

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

رسالة إلى قاتل ابنه

 

حبيبي،

ربّما تتعجّب عندما ترى أنّ هذه الرسالة هي منّي، ولكنّي أطلب منك أن تقرأها بتمهّل، لأنّ عندي أخبارًا مهمّة أقولها لك:

أوّلاً، أنا سامحتك، من كلّ قلبي.

صحيح أنّك اشتركت في مؤامرة قتل ابني الحبيب، ولكنّي سامحتك.

أثناء محاكمتك، عندما اعترفت بدورك ومشاركتك في الجريمة وطلبت الصفح، وقتئذ سامحتك من كلّ قلبي.

آمل أن تثق في ذلك وتصدّقه، وتتقبّل غفراني وصفحي.

ولكن، ليس هذا كلّ ما لديّ… فأنا أريد أن أتبّناك… أن تكون ابنًا لي تعيش معي، وتتمتّع بكلّ ما لديّ من خيرات وترث مملكتي.

لقد رتّبتُ الأمور حسنًا، فإذا قبلتَ أبوّتي تسقط عنك كلّ التهم وعقوبة الإعدام، وتُطلَق حرًّا لتصير ابنًا لي.

ويجب عليك أن تعرف أنّك ملتزم بكلّ واجبات البنوّة من طاعة لأوامري ووصاياي. ربّما ترفض، إذ تعتقد أنّي سأطلب منك ما هو فوق طاقتك، أو إنّي سأقيّد حرّيّتك، ولكن إن أحببتني من كلّ قلبك، فستعرف أنّ كلّ ما أطلبه منك هو في النهاية لخيرك وصالحك.

وإن ظننتَ أنّي سأعاقبك عند مخالفتك لكلامي، فلا تقلق. لقد سامحتك عند موت ابني، وسوف أسامحك، دومًا، عندما تطلب منّي ذلك من كلّ قلبك.

إن قبلت عرضي هذا، فأتمنّى أن تناديني من الآن فصاعدًا “يا أبانا”.

أحبّاءنا، هذه الرسالة موجَّهة لنا جميعًا، فهل نردّ جوابًا بالقبول؟!!

 

 

 

صليب وقيامة

جلس الشابّ الروسيّ مع أحد المبشّرين بالمسيح يستمع بإصغاء شديد إلى قصّة سقوط البشريّة وحتميّة التجسّد الإلهي… وأخذ المبشّر يروي له عن المسيح الذي نزل إلى أرضنا، وأخذ يجول ويصنع خيرًا ويشفي كلّ مرض في الشعب، ثمّ بدأ يروي له عن تعاليم المسيح ووصاياه، ثمّ عن حقد رؤساء اليهود وكراهيّتهم.

وكان الشابّ الروسيّ مشدودًا بأقوال المبشّر، وبدأ يشعر بالحبّ والجاذبيّة تجاه هذا الإله المحبّ العجيب.

استمرّ المبشّر في الشرح حتّى وصل إلى أحداث الصليب، ثمّ موت المسيح. وهنا صرخ الشابّ: “لماذا؟ لماذا مات؟ لقد بدأت أحبّه… كنت أظنّه أنّه لن يخذلني”. وجلس الشابّ على الأرض حزينًا، ظانًّا أنّ حياة المسيح انتهت إلى هنا. فأقامه المبشّر مطمئنًا إيّاه أنّ المسيح بعد ما مات ودُفن غلب الموت وقام من الأموات. فقفز الشابّ طربًا، وأخذ يصيح مع المبشّر: “المسيح قام… المسيح قام”.

أحبّاءنا، هل تعتقدون أنّه من الممكن أن يموت المسيح على الصليب وتنتهي الأحداث من دون قيامة؟! بالتأكيد لا. لأنّه لولا القيامة لبقي التلاميذ خائفين في علّيّتهم، وظلّت مريم المجدليّة باكية عند القبر، ولم تبشّر الجميع بالخلاص. ثمّ إنّ الموت لا يقدر أن يُمسك المسيحَ، بل إنّ المسيح بالصليب والقيامة أبطل الموت وسحقه.

إذًا، لا يوجد صليب من دون قيامة، فإنْ كان المسيح أوصانا بأن نحمل صليبنا ونمشي وراءه، فهو بذلك يريد أن يدخلنا إلى القيامة. فنحن لن نتمتّع بفرح القيامة وانتصارها ومجدها إلاّ بالدخول، أوّلاً، في مدرسة الألم والباب الضيّق وحمل الصليب.

أحبّاءنا، في كلّ مرّة تستيقظون باكرًا للصلاة وحضور القدّاس الإلهيّ، أو تسهرون قليلاً في الصلاة، أو تتعبون قليلاً محبّة بالمسيح بتأديتكم خدمة ما، فأنتم تدخلون مدرسة الألم. في كلّ مرّة تغصبون أنفسكم لعمل صالح كالصوم أو الصدقة أو التسامح، فأنتم تدخلون من الباب الضيّق المؤدّي إلى القيامة. وثقوا أنّه لا يوجد صليب بلا قيامة، وإنّ الباب الضيّق يؤدّي إلى الحياة، إذ إنّه بعد كلّ صليب قيامة.


حادثتا احتضار

دُعي الكاهن الأب ثاوذورس لمناولة القربان المقدّس لشخصين كانا على وشك الانتقال إلى ربّهما. الواحد منهما كان رجلاً غنيًّا عنيدًا وبخيلاً، والآخر كانت أرملة فاضلة أنشأت ثمانية أولاد على الصدق ورجاحة العقل في ظروف من الفقر المدقع والعمل الشاقّ.

رافق الأبُ ثاوذورسُ الشمّاسَ لفرنديوس وهو يحمل بيديه القربان المقدّس. زارا، أوّل الأمر، الرجل الغنيّ، الذي ما إن علم بحضور الكاهن حتّى رفض مقابلته، وأخذ يصرخ بقوّة: “لا أريد أن أتناول، فأنا لا أحتضر، لماذا جئت إليّ؟ اغرب عن وجهي. احمل ما معك واذهب”. حاول الكاهن، بشتّى الوسائل، تهدئته، ولكنّه أصرّ على الرفض، ولم يقبل ببقاء الكاهن إلى جانبه ولو لوقت قصير.

وهنا سأل الشمّاس الكاهن: “هل يمكننا، يا أبتِ، أن نذهب إلى السيّدة ماريّا ريثما يهدأ هذا الرجل؟”. قبل الكاهن عرض الشمّاس، وذهبا إلى السيّدة ماريا. وعندما دخلوا بيتها المتواضع الفقير، شاهدوا أولادها وأحفادها، وكثير من الأقارب حول فراش المحتضرة، والكلّ يبكي عليها وينتحب لفقدها، إذ كانت لهم المثال الطيّب الحنون الوديع.

ما إن دخل الكاهن إلى الغرفة يرافقه الشمّاس، حتّى سمح لهما الله أن يريا نورًا بهيًّا يحيط بالسيّدة، وملائكة الله حول الفراش، يحاول كلّ منهم أن يمسح العرق المتصبّب على جبين هذه المرأة المباركة، عرق التعب والجهد الذي بذلته في خدمة أسرتها. وليس هذا فقط، بل رأيا والدة الإله وهي تحمل منديلاً تمسح به العرق عن جبينها، وكانت السيّدة ماريّا تهمس بابتسامة مشرقة: “افرحي يا عروسًا لا عروس لها، افرحي يا نقيّة، يا ملكة الكلّ وسيّدة البشر والملائكة”.

وعندما أزمع الكاهن أن يناول السيّدة حنى الملائكة وجوههم وسجدوا للكأس المقدّسة التي كانت تحوي دم الربّ وجسده الأقدسين، ثمّ أقبلت والدة الإله مع الملائكة، وقبّلوا الكأس المقدّسة بكلّ وقار وتقوى، وأومأت والدة الإله إلى الكاهن ليدنو من ماريّا ويناولها القدسات الشريفة.

وبعد أن تناولت، أخذ الملائكة روح هذه المرأة التقيّة، وسلّموها إلى يديّ والدة الإله، فصعدت بها تحتف بها الملائكة إلى السماء. أشرقت الغرفة برائحة العطر الجميلة، في حين كان الأب مع الشمّاس مشمولين بالانذهال والخشوع معًا، فأخذا يباركان الله ويمجّدانه، إذ أهّلهما لرؤية هذا الحدث العجيب.

وقبل أن يغادر الكاهن المنزل، سأل أحد أقارب المنتقلة عن سيرتها، فأجاب بأنّها كانت مثالاً في الخدمة والمحبّة، ليس فقط لأسرتها وأقاربها، بل، أيضًا، لكلّ من يسأل خدمة أو حاجة. لم تعرف التذمّر بعد فقد زوجها، بل قامت بكلّ وداعة وإيمان ثابت بالربّ بتربية أبنائها على محبّة الله والكنيسة، حتّى إنّها شجّعت إحدى بناتها لكي تتكرّس للربّ في أحد الأديار، وكانت هي فخورة بذلك لا تنفكّ طالبة صلوات ابنتها لكي يمنّ الربّ عليها بآخرة صالحة. غادر الكاهن والشمّاس البيت وهما متهلّلان لما سمعا وشاهدا، عائدين إلى الرجل البخيل.

وحالما دخلا اقشعر بدنهما، إذ رأيا مئات الشياطين حول سريره يلوّحون برماح رهيبة يخزون بها جسده في أماكن مختلفة: في الركبتين والقدمين واليدين والبطن والعينين… كانوا يخزون جميع أجزاء الجسد التي أخطأت بينما أخذ الرجل يصرخ متوجّعًا، فيما أُغمي على الشمّاس من الخوف والهلع.

حاول الكاهن، عبثًا، إقناع الرجل بأن يتناول الأسرار الطاهرة، ولكنّه أصرّ، أيضًا، على الرفض. وعندها غرز أحد الشياطين حربته في جوفه، فأسلم الروح من دون أن يعترف أو يتناول.

بكى الكاهن أسفًا على هذا الرجل، وعندما أراد الانصراف، استوقفه ابن الرجل قائلاً: “أرجوك، يا أبانا، أن تذكر أبي في صلواتك. فهو لم تكن حياته مرضيّة لله، إذ كثيرًا ما كانت المقاهي والسهر الليلي يخطفانه من عائلته، لا بل كان يدفعنا، نحن أبناءه لنحذو حذوه، مدّعيًا “أنّ العالم هيك”، بل كان يسخر منّا إن شاهدنا نصلّي أو نقرأ الكتاب المقدّس، وفي كثير من المرّات كان يمنعنا من الذهاب إلى الكنيسة. أمّا أمّي، فكانت نقيض أبي، تقيّة مؤمنة تحاول جاهدة لتطبيق الوصايا الإلهيّة، وتسهر على تربيتنا سهر من سيعطي حساب وكالته. لذلك، أعيد توسّلي، يا أبانا، أن تصلّي لأبي عسى الله يغفر له جهله وخطاياه”.

هزّ الكاهن رأسه وهو يقول: “من واجب الكاهن، يا بنيّ، أن يذكر العالم كلّه أحياء وأمواتًا، لأنّ الجميع أولاده، ولأنّه يبغي خلاص الجميع”. طأطأ الكاهن رأسه مشيرًا إلى الشمّاس أن يتبعه، ثمّ خرج وهو يهمس: حقًّا إن ما يزرعه الإنسان إيّــاه يحصــد.

 

صلاة خاطئة

أُصيب مرّة طفل وحيد لأرملة بمرض عضال حتّى شارف على الموت، ومن شدّة الحزن والألم واليأس حملته أمّه في ليلة مظلمة باردة، وأخذت تركض به في الشوارع متوسّلة بجنون إلى كلّ من تصادفه أن يصلّي لكي يُشفى وحيدها. وبينما هي تركض وقلبها يتمزّق ألمًا، إذا بها تصادف امرأة كانت خارجة لتوّها من نوبتها في بيت للخطيئة.

ركعت الأمّ الملتاعة أمامها، ووضعت طفلها، الذي كان يلتقط آخر أنفاسه، بين قدميها. كان الألم قد سلبها عقلها ورزانتها. أخذت تتوسّل إلى المرأة الخاطئة أن تفعل شيئًا، أن تصلّي معها لكي يتعافى وحيدها.

أمام هذا المشهد الرهيب وقفت المرأة الخاطئة مذهولة لا تعلم ماذا تفعل. فمن جهة كانت ترى الطفل يموت، وأمّه راكعة عند قدميها، وقد غرقت في بحر دموعها، ومن جهة أخرى أدركت أنّها إنسان غارق في الخطيئة، تعوزه الجرأة والشجاعة ليمثل أمام الله ويتضرّع لأجل هذا الطفل. لكنّ حالة تلك الأمّ كانت تذيب الحجارة، فما كان منها إلاّ أن سقطت هي الأخرى على الأرض، وأخذت تقول وهي تقرع صدرها والدموع الحارقة تحفر وجهها دون توقّف: “يا ربّ، لست مستحقّة أن أرفع نظري إلى السماء، ولا أن أتلفّظ باسمك القدّوس، لأنّ شفتيّ مدّنستان. لكن من أجل هذه المرأة والطفل أتوسّل إليك أن تفعل شيئًا…”.

ما كادت هذه المرأة تنهي تمتماتها، حتّى ظهر من السماء نور أضاء المكان، واستقرّ على هذه المرأة، المدعوّة خاطئة، وعلى الطفل.

أمّا الطفل، فاستعاد عافيته، وأمّا المرأة “الخاطئة”، فمن تلك اللحظة كانت قد وُلدت من جديد بعد أن اغتسلت بدموع توبتها.

 

صلاة ومحبّة

تروي إحدى السيّدات القصّة التالية التي حدثت معها: يعيش في منطقتنا كاهن بسيط جدًّا لكنّه معروف بقداسته وتقواه. عندما التقيت به لأوّل مرّة تعلّمت منه درسًا لا أنساه أبدًا.

اختلفتُ مرّة مع إحدى النساء في القرية القريبة منّي حيث أعيش. كانت مشاعر الكراهية تنمو داخلي تجاه تلك المرأة. فذهبت في أحد الأيّام لأشترك في القدّاس الإلهيّ في كنيسة ذلك الكاهن القدّيس. فجلست على المقعد، وبدأت أكتب أسماء الأشخاص الذين أودّ أن أذكرهم في الذبيحة الإلهيّة، وخطر ببالي قبل أن أقدّم الورقة، أن أكتب اسم هذه المرأة التي أشعر بالعداوة تجاهها، وهكذا فعلت.

عند انتهاء القدّاس الإلهيّ اقترب منّي الكاهن، وطلب منّي أن أنتظره ليقول لي شيئًا. انتظرته قليلاً، وعندما جاء قال لي: “يا ابنتي، يتوجّب علينا أن نكتب اسم من نعاديه أوّلاً، وبعدها نكتب باقي الأسماء. عندها، فقط، تنفتح أبواب السماوات، وتصل صلاتنا إلى الله مباشرة”. فتسمّرت في مكاني مذهولة من حكمة هذا الأب الكاهن وبصيرته التي وهبه إيّاها الله، لأنّي لم أخبره بقصّتي مع تلك المرأة، فكيف عرفها إذًا؟ وأنا لست وحدي الذي قدّم أوراقًا، فكيف عرف ورقتي إذًا؟ لا شكّ أنّ الله هو الذي ألهمه، وتكلّم فيه. فالمجد لله على الدوام.

أحبّاءنا، لا شكّ أنّ كلّ واحد منّا يتعرّض لصعوبات في حياته الاجتماعيّة وعلاقاته مع الآخرين. قد نشعر بفتور في محبّتنا أو عدم تقبّلنا للآخر، وربمّا نصل أحيانًا إلى حدّ نتعامل فيه مع الآخر على أنّه بغيض لنا، لا بل إنّه عدوّنا، وقد نقول: “لا أتمنّى أن اراه أبدًا”. لكنّ المسيح أوصانا أن نُحسن إلى من يسيء إلينا. إنّ الشرّ يقوَّم بالمحبّة، فقط، وعندما تتحوّل هذه المحبّة إلى صلاة حارّة عندها تصنع العجائب. يقول الأب باييسيوس: “إنّ الله يتأثّر عندما يرى محبّتنا، فيرسل نعمته بغزارة، وتنحلّ المشاكل التي كانت تبدو لنا مستحيلة الحلّ”.

الوثن الجديد

الوثن الجديد

الخورية سميرة عوض ملكي

كان أنبياء العهد القديم في زمانهم صوت الله الصارخ الداعي إلى التوبة وشجب الخطيئة. وكانوا فمه الناقل كلمته المجروحة إلى شعبه الآثم الخائن الذي تركه ونسيه، واستسلم لعبادة الآلهة الأخرى وإغراء أصنام الأوثان. ونورد هنا، على سبيل المثال، ما قاله الرب للنبي إرمياء: “ها قد جعلتُ كلامي في فمك… تذهب وتتكلّم بكلّ ما آمرك به… تقول للشعب… دعواي على كل شرّهم لأنّهم تركوني وسجدوا لآلهة أخرى” وأيضاً “أمّا شعبي فقد نسيني أياماً بلا عدد”.

إنّ مَن يتأمّل ويتمعّن بهذه الكلمات الإلهية يتبيّن له أن الوثنية ليست محصورة بعبادة الأصنام فقط وإنّما تتجاوزها إلى نسيان البشر لله وعبادة أي شيء سواه. والتأكيد على هذا جاء على لسان الرب يسوع حين قال: “لا تعبدوا ربّين الله والمال”. فهل المال ربّ أو صنم؟

فلا يظن أحد، إذاً، أكان مؤمناً أو غير مؤمن أن زمن الوثنية قد مضى. لأن البشر عاشوا وما زالوا يعيشون كالوثنيين، على حدّ قول الأرشمندريت صوفروني. وذلك لأن العطش غير المرتوي إلى العلم التقني (دون الدخول في سلبياته أو إيجابياته) هو أزمة إيمانية مأساوية بكل ما في الكلمة من معنى. لأنّ انغماس هذا الجيل في متاهات إغراء الواقع الافتراضي إلى حد الإدمان المزمن سيطر على أكثر اهتماماته وبات يأخذ كل أوقاته. فأينما ذهبت وحيثما توجّهت أو مع مَن جلست، صغاراً او كباراً، آباء او أمّهات أو أولاد، لا ترى للأسف إلا عيوناً شاخصة إلى الشاشات، من هواتف أو لوحات إلكترونية أو تلفزيونات أو غيره، على الرغم من انتشار المعرفة حول مساوئ ومخاطر عدم الاعتدال في استعمال هذه الآلات.

أوليسَ هذا الإدمان على التكنولوجيا والإفراط باستعمالها وثناً جديداً يدعو إلى نسيان الله وتغييب ذكره، عن قصد أو عن غير قصد. وكما أنه لا يستطيع أحد أن يركض وهو مكبّل كذلك لا يمكن للنفس المضطربة أو المرتبكة بأمور مادية أن تعيش إيمانها الأصيل بالثالوث القدوس، الذي هو إله المحبة، المعبّر عنه في حياة تُعاش بروح الصلاة والوصايا الإلهية.

لقد كان الأنبياء يتألّمون حين كانوا ينقلون كلمة الرب والشعب يستهزئ بها لأنه لا يريد أن يتخّلى عن إغراء آلهة الأوثان. لهذا نرى قول النبي إرمياء ينطبق على شعبنا الحاضر المتعلّق بالتكنولوجيات الحديثة والمأخوذ بها عن كلمة الله: “أَبَوْا قُبُولَ التَّأْدِيبِ. صَلَّبُوا وُجُوهَهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الصَّخْرِ. أَبَوْا الرُّجُوعَ. أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُمْ مَسَاكِينُ. قَدْ جَهِلُوا لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، قَضَاءَ إِلهِهِمْ” (إرمياء 3:5-4). وندعوهم معه: “أَنْتُمْ أَيُّهَا الْجِيلُ، انْظُرُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ” ولا تصلّبوا وجوهكم أكثر من الصخر.

الإنترنت فوق رؤوسنا

الإنترنت فوق رؤوسنا

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

لقد تسرّبت الإنترنت بشكل ثابت إلى حياتنا على ما يظهر من كثافة استعمالها اليوم. لكن يبدو أن استعمال الأجيال الفتية قد بلغ حدّ الإدمان، من جهة اعتمادهم الكثيف عليها، ما يستدعي ضرورة إبرائهم بمساعدة اخصائيين في علم النفس. بحسب القواميس، الإنترنت وُجدَت كشبكة من الشبكات لتبادل المعلومات لأهداف علمية وتربوية وترفيهية. بالأصل، كان استعمال الإنترنت يستدعي الجلوس أمام مكتب عليه حاسوب. من ثمّ اختُرِع المحمول الذي سمح بحمل الإنترنت حيثما يذهب الإنسان. واليوم بإمكانه حملها في جيبه باستعمال الهواتف الذكية. لكننا نقرأ اليوم عن اقتراب الوقت الذي سوف نلبس فيه الإنترنت، مع اختراع الكومبيوترات الملبوسة التي سوف تكون مثل أدوات الزينة على الجسد البشري، والتي بدانا نراها اليوم بشكل أساور ونظارات. فالظاهر أن المرحلة التالية هي للإكترونيات الصغيرة (gadgets) التي سوف تتصل بالجسم وتتفاعل معه متخطية كل الأجهزة السلبية أي تلك التي تنفذ الأوامر التي تتلقاها وحسب.

يتوفّر اليوم بعض الأجهزة الإلكترونية فيما غيرها قيد التصميم. أحدها هو نظارات غوغل (Google Glass) المتمتعة بالقدرة على تسجيل الفيديو والتصوير والموسيقى. هذا يعني أن مَن يرتدي هذه النظارات قادر على تسجيل كل ما يجري ومشاركته على الإنترنت. جهاز جديد آخر هو (iWatch) الذي يوضَع على المعصَم كساعة يد عادية وبإمكانه تنفيذ برامج iPhone  و iPad.

بالطبيعة تعرّضت كل هذه الاختراعات للنقد بأنها تقوّض الشخص وتهدم حياته الشخصية، كون كميات ضخمة من المعلومات سوف تكون بتصرّف أشخاص مخادعين ما يعرّض المجتمع والجنس البشري لخطر عظيم، من هنا العنوان “الإنترنت فوق رؤوسنا” (وقد ورد قبلها في جريدة TA NEA في 3 نيسان 2013). فمع كل هذه الاكتشافات التكنولوجية، صار الإنسان جلاداً وضحية، كائناً ميالاً للتبعية، دائم التجسس على حياة الآخرين، وهذا ما يثير قضية حماية الخصوصية.

جاهد الإنسان ليصير إلهاً-إنساناً بسعيه إلى حيازة معرفة فائقة. تعكس هذه النزعة خطيئة الشيطان وخطيئة الجدين الأولين، كما تعكس الميل الاستحواذي الكامن خلف بناء برج بابل، وإلى كل هذا الرغبة في السيطرة على الإنسان الآخر. إن للألعاب الخطرة من هذا النوع نتائج على صحة الإنسان كما على حالته الروحية، بقدر ما يصير عقله مأسوراً بالمنطق وبالجو المحيط، فتغلبه الأفكار والصور والمخيلة. يصير إدراكه معتماً، وهذا ما شكّل الخطيئة الأولى من وجهة نظر اللاهوت.

إن هذه الحالة هي حالة سقوط وأسرٍ للفكر. الإنسان عالق في شَرك هو انعكاس لذاته، في حالة من محبة الذات. إن إعادة التأهيل من هذه الحالة هي أمر تستطيع كنيستنا أن تؤمّنه بتقليدها الهدوئي.

* عن http://parembasis.gr/2013/13_06_07.htm

 

نذر الاستقرار

نذر الاستقرار

الأب أنطوان ملكي

 

في التقليد الرهباني، يقدّم الراهب ثلاث نذور: الفقر، العفة، والطاعة. في خدمة إلباس الإسكيم للراهب يسأله الكاهن سلسلة من الأسئلة: “أتلبث ثابتاً في الدير وفي النسك حتّى نسمتك الأخيرة؟ أتخلص الطاعة للرئيس ولسائر الإخوة بالمسيح حتّى الممات؟ أتحتمل بصبر جميع أحزان السيرة الرهبانية وضيقاتها لأجل ملكوت السماوات؟ أتحفظ ذاتك في البتولية والعفة والورع؟” ويجيب الراهب: “نعم، بمؤازرة الرب أيها الأب المكرّم”. بالإمكان اعتبار هذه الأسئلة وكأنها طقس اتّخاذ النذور. فالسؤال عن الطاعة واضح، وعن الضيقات أو الفقر واضح، وعن العفة واضح. ما هي هذه النذور؟ ماذا عن السؤال الأول حول الثبات في الدير؟ وماذا عن العلمانيين؟

الفقر

إذ ينذر الراهب الفقر لا يعود يقبل أن يقتني أي ملكية، ولهذا هو يوزّع كل ما يملك قبل دخوله الدير أو يهبه للدير نفسه. طبعاً، الممارسة التقليدية لم تعد هي نفسها في كل مكان. لكن قوانين الكنيسة المتعلّقة بالأديار إذا وُجدَت، في العالم كما في أنطاكية، تنظّم احتفاظها بممتلكات الراهب السابقة ويلحظ بعضها نقلها للدير. المهمّ أن الراهب لا يقتني، وبحسب القديس باسيليوس الكبير، الأديار نفسها لا ينبغي أن تقتني. فالمقصود في قوانين القديسين ليس التخلّص من القنية بمعناها المادي وحسْب، بل التخلّص من التعلّق والقلق المرافقين للقنية ولتنظيمها وتطويرها. من هنا أن فكرة الدير/المصنع أو الدير/المعمل أو الدير/المزرعة ليست موجودة في التقليد الأرثوذكسي. الراهب يعمل لا ليعيش وحسب بل الأهم من ذلك أنه يعمل ليتخلّص من البطالة، والأدب الرهباني زاخر بهذا التعليم. ومن هنا أيضاً أن الفكرة التي سادَت، وما يزال كثيرون من داخل الكنيسة يؤمنون بها، بأن الراهب شخص غير منتِج ليست صحيحة، وهي إن دلّت على شيء فعلى أنّ قائلها أو متبنّيها لا يؤمن بالصلاة. فالصلاة هي عمل الراهب الأول والأساسي. من هنا أن الراهب لا يقتني شيئاً كي لا يكون عنده همّ غير الصلاة.

العفة

النذر الرهباني الثاني هو العفّة. من أسماء الرهبنة الحياة الملائكية، حيث يجاهد الرهبان ليسلكوا كالملائكة. الصلاة المستمرّة هي عمل الملائكة لذا يسعى الرهبان إلى السلوك عينه. الملائكة غير جسمانيين لذا هم بلا مقتنيات وهذا ما يقوم به الرهبان أيضاً. وكون الملائكة غير جسمانيين فهم لا يزوّجون ولا يتزوّجون ولا يخضعون لمتطلبات الجسد. من هنا أن الرهبان في نذرهم العفة، أي البتولية مصحوبة بالورع، يسلكون كالملائكة، أي يسعون إلى أن يبلغوا رتبتهم وسلوكهم، فيحاربون لا خطيئة الجسد بل أيضاً الفكر الذي قد يؤدّي إليها. وهذا يكون عن طريق ترويض الجسد بما يتفق مع الحياة التي اختاروها. في هذا جهاد عظيم، إذ إنه ليس في وجه شهوة الجنس وحسب بل أيضاً غيرها من الأهواء التي بتنا لا نلحظها أحياناً في حياتنا اليومية، كالشهوة للطعام والتفنن في الملبس والتعطّر وغيرها، مما يتحكّم في إنساننا “الاجتماعي” المعاصر.

الطاعة

النذر الرهباني الثالث هو الطاعة لرئيس الدير، أي الأب الروحي أولاً، ولكل إنسان آخر من ثمّ. تحقيق هذا النذر يتطلّب من الراهب لا تواضعاً وحسب، بل انسحاقاً داخلياً ترفضه فلسفات هذا الدهر وعلوم نفسه واجتماعه. هذا لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل ينتج عن تدريب وتفاعل ورعاية وتردد وصراع داخلي بين ما نتربّى عليه في منازلنا عن كبر النفس وحرية الفرد وغيره وبين ما خطّه الآباء القديسون من خبرات سكبوها بشكل تعليم وأحياناً قوانين. إلى هذا، يتمادى الشيطان في محاربته للمريد في هذا الميدان أكثر من غيره، فيحرّك عاطفة المريد في اتجاهات مختلفة. فلدى البعض يغذي التعلّق العاطفي بالأب الروحي، إلى أن يهدم هذا البناء العاطفي في لحظة ما حين يحوّل هذا التعلّق إلى ثورة وتمرّد كارثيين إذا كان ينقص الأب الروحي، أو الأم الروحية، التمييز والبصيرة الروحية الكاملة. غالباً ما تكون هذه الثورة وراء تراجع المريدين عن محراثهم ونظرهم إلى الوراء وبالتالي تركهم الدير، ما قد يكون انتحاراً روحياً بالنسبة إليهم، قد يتحوّل انتحاراً جسدياً إذا ما تمكّن الشرير منهم. الاتّجاه الآخر الذي يستغلّ الشيطان عاطفة المريد من خلاله هو تغذية تعلّقه العاطفي بالأب الروحي وإقناعه بأن هذا هو التواضع الحقيقي وبالتالي هذه هي القداسة، فيقتنع المريد بأنه قد حقق قداسته الذاتية وبالتالي فإن طاعته، الناتجة بالحقيقة عن التعلّق لا عن التواضع، هي مصدر القداسة ولا حاجة للجهادات الأخرى. قد تتحوّل الطاعة تملّقاً طفولياً، يلاحظه زوار الدير حين يرون هذا الراهب، أو الراهبة، كالصنم في حضور الأب الروحي، بينما تتخطّى اجتماعياته أبناء المجتمع في غياب أبيه.

لا بدّ عند  الكلام عن الطاعة من التوقّف عند الأب الروحي نفسه. فصاحب التمييز يعرف حدود تلميذه، فيعرف كيف ينتقل بين الرئاسة والأبوة، أو الرئاسة والأمومة. إلى هذا، لا تنشأ موهبة التمييز لديه كعطية من الروح القدس وحسب. بالتأكيد، هي عطية من الروح، لكنها تتكوّن وتنمو من عيشه كإبنٍ لفترة لا يعرفها إلا الله. من هنا خطورة تسليم الرئاسة إلى الذين لم يختبروا هذه الحياة بما يكفي. ليس كل الرهبان رؤساء أديار أو آباء روحيين، فالعملية ليست تطوراً وظيفياً يُحتَسَب بالسنوات، بل هي نمو روحي مشعٍ يلحظه الإخوة في الدير، من هنا أن قوانين الرهبان تخدد أن اختيار الرئيس يأتي من انتخاب الإخوة وليس من تعيين المطران. المطران يثبّت ما تختاره الجماعة وليس العكس. فأن يفرض الأسقف رئيساً على دير ما، يعني أنه، بالدرجة الأولى، ليس فاهماً لديناميات حياة الدير وأن تعاطيه مع تطوّر الحياة الروحية ونضج الإخوة هو تعاطٍ نظري. يعود هذا التعاطي بالدرجة الأولى إلى أن كثيرين من المطارنة، في العالم الأرثوذكسي عامةً وفي أنطاكية بوجه خاص، ينظرون إلى الأديار على أنها معامل خياطة أو مزارع خضار أو في أفضل الأحوال مكاتب ترجمة. إن هذا التعاطي القليل الحكمة يعرّض جماعة الدير للانقسام أو بعضها للتمرد. في نهاية الأمر، الرهبان بشر، وبالتالي يخطئ مَن يظن أنّ بمجرّد دخول الدير يصير الإنسان راهباً. في سيرة القديس سيصوي الكبير أكبر أمثولة حيث أنه وقد تخطّى المئة من العمر كان لا يزال يسعى إلى أن يتوب.

النذر الرابع: الاستقرار

يشير السؤال الأول إلى نذر هو الاستقرار في الدير، ما معناه في الممارسة الرهبانية أن الراهب يبقى ملازماً ديره ولا ينتقل من دير إلى آخر. وهذه الفكرة قديمة، إذ قبل أن تَرد رسمياً في أي من القوانين، كان القول من آباء الصحراء: “اثبت في قلايتك، وقلايتك تعلّمك كل شيء”. لا يبدو الثبات أو الاستقرار صعباً جداً، وقد يبدو أقل صعوبة من الفقر والعفة والطاعة. لكن الحقيقة هي أنه الأكثر صعوبة. “شيطان نصف النهار” الذي نذكره في صلواتنا هو من أعتى محاربي الرهبان منذ البداية، وهو يتميّز  بإثارة الميل إلى ترك القلاية وزيارة الآخرين حيث يحذّر الآباء من النميمة وغيرها مما هو أسوأ منها من التجارب. الثبات في القلاية هو المعركة الأقسى ونراها في شكلها الأكثر تطرفاً عند العاموديين، أي الرهبان الذين عاشوا على العواميد، كالقديس سمعان.

إن هذا الاستقرار يطرح مشكلة يتأثّر بها بعض الرهبان كما العلمانيين. فبسبب توفّر وسائل النقل والاتّصالات، صار سلعة نادرة في عالمنا المعاصر حتّى صرنا نعرف، والبعض يقبل، وجود رهبان جوّالين في العالم. قد يبرر البعض هذا الأمر بأن هناك حاجة إلى مبشّرين، وهي ليست أقل حدة منها في القرون الأولى للمسيحية، والمفتَرَض أن الرهبان هم الأكثر تمسّكاً بالصورة الرسولية وبالتالي يجب أن يُفرَز بعضهم لهذه البشارة. إذا صحّ هذا الكلام فهو لا ينطبق على كل الرهبان، وبالتالي ينبغي أن يكون اختيارهم قائماً على أعلى درجات التمييز ومن أولئك الذين ثبُت موتهم للعالم والقادرين على الاحتضان الروحي لا العاطفي، وعلى الإرشاد لا الاهتمام وحسب.

هل ينطبق هذا الكلام على غير الرهبان؟ وهل لغير الرهبان نذور؟ طبعاً، وهي نفسها التي للرهبان، كلٌّ في موقعه الذي سمح الله بوجوده فيه وأراد له القداسة هناك. ينبغي الفصل هنا بين الإكليريكي والعلماني. فما لا شكّ فيه هو أنّ الإكليريكي، إن لم يكن قد حقق هذه النذور قبل سيامته، لا يستحقّ السيامة ولا الكهنوت. هناك كلام كثير، القديم منه والحديث، القانوني منه والتعليمي، عن عفة الكهنة وفقرهم الطوعي وطاعتهم.

أمّا العلماني فالمفتَرَض أنّه يطيع كنيسته وأباه وأمه، الجسديين والروحيين، وكاهنه وزوجته وأولاده ورئيس عمله ووطنه والقوانين التي تنظّم مجتمعه وإرشادات أطبائه، وغيرها من الأمور التي تتطلّب تواضعاً وتدريباً وصوماً وتغلّباً على الذات وصبراً ومحبة وانفتاحاً واحتضاناً للآخرين. قد يمكننا القول أن طاعة العلمانيين، في القرن الحادي والعشرين، باتت أصعب من طاعة الرهبان. فللراهب مرجع واحد هو أبوه الروحي أو رئيس ديره ومنه يعبر إلى كل العلاقات الأخرى، بينما العلماني مفتوح على كل الجهات ومعرّض لتضارب الرغبات والطلبات والمتطلّبات.

أمّا العفّة عند العلمانيين فلا تقلّ تطلّباً عنها عند المتوحّدين، وهي شاقّة في التبتّل كما في الزواج. يشير الآباء الروحيون المعاصرون إلى أنها أكثر التحديات انتشاراً، فوسائل الإعلام والإعلان وحتى كتب المدارس كلّها تثير الغرائز وتحرّك شهوات الجسد والبطن والتبرّج والتعطّر وغيرها مما يتضارب مع السلوك العفيف إذا ما تخطّى حدود اللياقة والترتيب. هذا كله دون إغفال عفّة اللسان التي يهملها الكثيرون.

يبقى أن الفقر بمعناه الروحي هو تجربة عند العلماني في زمن الاستهلاك، كما أنه صعب بمعناه المادي. لكن المؤمن يتخطّى هذه التجربة بإشراكه الآخرين معه. حين يكون كل شيء مشتركاً تحلّ البركة ويتحقق الفقر الذي يغني الروح. والشركة هنا تعني أن يكون للفقراء حصة في كلّ ما للمؤمن، وليس أهل بيته وحسب. الشركة هي أن يكون للكنيسة حصة ثابتة، ولصندوق محبتها حصة ثابتة. أهمّ من كل هذا أن لا يكون التكديس همّاً عند العلماني، وهذا أمر ليس سهلاً في هذا الزمان وخاصةً في بلادنا. العلماني الذي يبلغ هذا المثال يكون قد وجد مدخلاً إلى تحقيق الفقر على المثال المسيحي.

أخيراً يبقى نذر الاستقرار وهو تجربة أخرى للمؤمن. فأحوال العلاقات الاجتماعية والاقتصاد والسياسة والأمن تهزّ استقرار المؤمن الداخلي بشكل مستمر. عدم ثبات العلاقات الاجتماعية يترك لدى الانسان حسّاً من عدم الاستقرار لأن عشراءه يتغيّرون، ومثله تبديل الوظائف أو المساكن حيث يتبدّل الجيران وأبناء الرعية والكاهن، وهذا التبدّل يهزّ الشعور بالاستقرار. الأمر أكثر وضوحاً في الكلام عن تأثير الاقتصاد والسياسة والأمن، فالتهجير أو الهجرة او الانتقال تبعاً للرزق، كما الخوف مما قد يأتي، كلها لا تثبّت الاستقرار في نفس الإنسان. قد يمنح الزواج شيئاً من هذا الاستقرار إذ يجعل تبديل الأماكن أكثر صعوبة. لكن ماذا عن الذين لا يلتزمون برعية والمتنقّلون بين الرعايا والأديار؟ أين استقرارهم الناتج عن التزامهم برعية واحدة وراعٍ واحد، مع ما ينتج عن هذا الالتزام من الصبر وبذل الذات وبالتالي من الطاعة والمشاركة؟ إن ظاهرة العلمانيين الجوالين الآخذة في الترسّخ هي على نفس القدر من الخطورة التي في ظاهرة الأديار الرعايا وينبغي على الرعاة، بدءً من الأساقفة، التنبّه لها.

خاتمة

يمرّ الكثير من الشباب الملتزم بالكنيسة، شباناً وشابات، في مرحلة يتصدّرها سؤال مهم حول اختيار الرهبنة أم الزواج. السؤال بطبيعته يفتقر إلى الدقة لأنه من غير قصد يضع الرهبنة إزاء الزواج. قد يكون بين البتولية والزواج إزائية ما، لكنها ليست بين الرهبنة والزواج، خاصةً في زماننا المعاصر. فما هو مطلوب من المؤمن هو نفسه بالمبدأ مع اختلاف الأشكال. قد يرى البعض جرّاء انتشار الأدب الرهباني بين المؤمنين أن السيرة الرهبانية هي السبيل الوحيد إلى الخلاص. كما قد تفسَّر بعض الاقتباسات من الأدب الآبائي على أنها تضع الرهبان في مرتبة أعلى من الإكليروس والعلماني. لا مراتب في القداسة، بل سعي إليها كلّ في موقعه، وبما أعطي من الوزنات أو ما اتّخذ من المواقع.

لا يهدف هذا الكلام إلى التقليل من أهمية نذور الرهبان أو صعوبة سيرتهم. بل على العكس الهدف هو تثبيت العلمانيين الذين قد اتخذوا خيارهم، ومساعدة الذين ما زالوا يتصارعون مع خياراتهم. المهمّ أن يعيشوا للرب إذا عاشوا وأن يموتوا للرب إذا ماتوا. لكن الأهمّ هو أنّ شكل هذه الحياة أو هذا الموت ليس انتقاءً من بين خيارات بل هو نضوج يُبلَغ إليه في سلوك إنجيلي ضمن جو روحي، يبدأ في البيوت ويمتدّ إلى الرعايا ومن خلالها إلى العلاقة مع الأديار، وتحت كنف أب روحي مختبِر مرشد إلى الخلاص.

شذرات من المؤتمر الرهبانيّ

شذرات من أقوال المحاضرين في المؤتمر الرهبانيّ

المنعقد في متيورا في العام /2000/

نقلته عن اليونانية إعداد راهبات دير مار يعقوب

 

 

** هدف الحياة الرهبانيّة هو العشق الإلهيّ والاتّحاد بالمسيح عبر تقديس ذاتيّ مؤسَّس على النسك، وتحقيق الفضائل الرهبانيّة الثلاث: البتوليّة والفقر والطاعة. إنّ عيش هذه الفضائل الأساسيّة يشفي الأهواء البشريّة الثلاث: الزنى وحبّ المال وحبّ المجد. وهكذا بشفاء عين الراهب الداخليّة، يتقبّل شعاع الروح القدس حيث يصل في النهاية إلى نعمة الاتّحاد بالله، ويتذوّق الفردوس بدءًا من هذه الحياة الحاضرة. بواسطة التقديس الذاتيّ اليوميّ، وبواسطة الصلاة المستمرّة والمحبّة الكاملة يغدو الرهبان المحسنين الكبار لكلّ العالم.

** تعود الرهبنة عضويًّا إلى جسد المسيح لأنّها (لحم من لحمها وعظم من عظامها: تك 2: 21). تتغذّى بنعمة أسرار الكنيسةوتتقوّى وتثمر وتتقدّس. ولكنّها، في الوقت نفسه، تُحيي الكنيسة وتعضدها وتمجّدها وتنيرها.

** الرهبان كرزة صامتون في أغلب الأحيان، ولكن، مع صمتهم، يساعدون المجتمع البشريّ على الارتقاء فوق المادّة بواسطة تجلّيهم السرّيّ أي ارتقائهم الشخصيّ فوق الهيولى.

** بقدر ما يعيش الراهب عمق النذور الثلاثة (الطاعة والفقر والعفّة)، التي تؤدّي إلى التألّه كما يقول الآباء، وبقدر ما تُضحي هذه النذور ذبيحة حبّ يقدّمها الراهب كلّ لحظة على مذبح الصحراء، بقدر ما تنسكب رحمة الله على العالم، وهكذا تستمرّ الحياة.

** قلب الراهب مذبح يقدّم عليه يوميًّا مشيئته الذاتيّة ساحقًا، وبقوّة، الأنا، ومغرّقًا الأهواء، وقاتلاً العادات الشخصيّة السيّئة.

** الرهبان هم ثمار الإنجيل الحيّة. هم المتشفّعون المقتدرون للمسكونة بكاملها. وسوف يبقى الكون موجودًا طالما وُجد فيد قدّيسون. الرهبان هم المثل الأعلى للمؤمنين إبّان التجارب. هم الأطبّاء الحقيقيّون أثناء الضعف، والملجأ الأمين عند اشتداد نوء الحياة.

** يوضّح القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ لماذا أورد السنكسار قصص آلاف وملايين القدّيسين وأخبارهم قائلاً: “تُرى لماذا، أيّها الإنسان المسيحيّ، أورد السنكسار أخبار هذه السحابة المختَبَرة من الصدّيقين؟ لكي ينعشوا بتضرّعاتهم قلبك المتأجّج بسعير التجارب، ويندّوا نفسك بنعمهم عندما تلهبها الأهواء، ولكي يحموك من كلّ عدوّ محارب منظور كان أم غير منظور. وأخيرًا، لتتشجّع في الحرب اللاّمنظورة ضدّ الأهواء والشياطين عندما تدرك، وتتيقّن، بأنّك محاط بهذا العدد الهائل من القدّيسين مساعديك”.

** يؤكّد الراهب بحياته اليوميّة أنّ القداسة ليست منحصرة بعصر ما أو بجيل محدَّد، بل هي اليوم كما كانت أمس، وما قداسة القدّيس نكتاريوس وسلوان الآثوسيّ وأمثالهم إلاّ تأكيدًا لهذه الحقيقة.

** من الملاحَظ أنّه على مرّ العصور لم تنجح أيّة من المجتمعات البشريّة بتحقيق المساواة والعدالة بين أفرادها. في حين نرى، وعلى مرّ العصور أيضًا، أنّ الشركات الرهبانيّة حقّقت هذه المساواة وهذه العدالة بنجاح كبير.

** ومن الملاحَظ، أيضًا، أنّ الله يزيد الدعوات الرهبانيّة في أيّامنا هذه، لأنّ الأرض أضحت بحاجة إلى قدّيسين لتستمرّ مسيرتها. نعم، إنّ استمراريّة الرهبنة علامة عطف من الله ومحبّة تجاه بني البشر. ووجود الأديار علامة بركة إلهيّة على الأرض. لذلك نرى الناس ترتكز على صلوات الرهبان مسمِّرة عيونها وشاخصة إلى سبحتهم تستمدّ منها العون في حياتهم.

** خروج الراهب من العالم لا يعني سوى تحقيق لحرّيّته التي تتجلّى بتطبيق الوصايا الإلهيّة. ليعرف الإنسان الله تمام المعرفة ينبغي له أن ينسى كلّ أمور العالم، وأن يبتعد عن اضطراباته، وأن ينقّي قلبه من الأهواء، ولذلك فالجلوس في السكينة والهدوء هو بداية الطريق إلى معرفة الله.

** الرهبنة الأرثوذكسيّة هي رهبنة هدوئيّة. فهدوء الذهن ينبع من التوبة ومن تطبيق الوصايا. الهدوء لا يعني الجمود. إنّه هدوء داخليّ، لأنّ الراهب يسكن ويصمت ليتحدّث مع الله، وليتقبّل الله نفسه في داخله، ثمّ لينفتح بمحبّة عميقة نحو أخيه الإنسان.

** ليس الراهب هو من يدعو إلى التوبة، بل هو من يتوب. هو من يسعى لتكون التوبة هدف حياته كلّها. أن يحيا قلبه في انسحاق دائم، لأنّه، في الوقت الذي يعيش فيه التوبة يعيش، أيضًا، تغيّرًا داخليًّا.

** ما هي الأسس التي يبني الراهب عليها حياته؟ إنّها الطاعة بدون تمييز، الصلاة الحارّة، الخدم الليتورجيّة غير المنقطعة، النسك مع انسحاق النفس المتواصل، أن يحسب نفسه تحت الخليقة كلّها. عندما أراد رهبان أحد الأديار أن يدعوا ناسكًا لزيارة ديرهم بغية المنفعة الروحيّة ونوال بركته، أجابهم: ” يا بََنيّ، ما أنا إلاّ كلب مسعور، ماذا أقدّم لكم؟ أتدعونني لكي ألوّث الهواء بخروجي إليكم؟!”.

** لا يوجد في فم الراهب إلاّ كلمتين: سامحوني يا إخوتي.

** الراهب بصلاته يسند المسكونة كلّها، هذه الصلاة التي خلّصت أناسًا كثيرين كانوا مشرفين على الخطر دون علمهم.

** لا يقاس تقدّم الراهب بمقدار صلواته وتقشّفاته، بل بمقدار ما أوصلته هذه التقشّفات ليغدو محلاًّ رحبًا يستريح فيه الروح القدس، فيصبح، هو بدوره، مصدر راحة للآخرين. ولقد قال أحد آباء الجبل المقدّس موجّهًا كلامه إلى أحد رؤساء الأديار: “لا تقل لي كم يصوم الرهبان، ولا تحسب عدد الساعات الطوال التي يقضونها في الخدم الكنسيّة، لأنّ هذا، وإن كان حسنًا بحدّ ذاته، إلاّ أنّه لا يعني شيئًا إن لم يقرنوا تأمّلاتهم بأعمال المحبّة، فيعزّوا المتألّم، ويساعدو الموجوع، ويحرّروا المقيََّد بحبال الشيطان وفخاخه. إنْ قاموا بهذه الأعمال، اعلم أنّهم في تقدّم روحيّ، وإلاّ فالسعي ناقص إنْ لم نقل باطل. لأنّ الراهب يؤمن بهذه الكلمات: “إنْ رأيت أخاك، فأنت ترى الله نفسه”.

** كلّ راهب يسعى لأن يعمل شيئًا دون أن يكون هو نفسه شيئًا هو في ضلال عظيم. وكلّ دير يسعى ليكون معروفًا ومشهورًا، يهمّه مظاهر الأمور، وأن يثير الضجة حوله مؤثرًا كلّ هذه على السكينة والهدوء. إنّ ديرًا كهذا مسيرته منحرفة ويسير فيالضلال.

** كلّ راهب لم يأت إلى الدير وله هدف الموت عن العالم، بل ليُعرف ويُشتهر، وكلّ راهب لا يرى في الرهبنة طريقًا إلى التألّه، ينكر جوهر التقليد الرهبانيّ، ويسير في طريق الضلالة.

** من المهمّ جدًّا أن نعرف أنّ عمل الراهب الأساس الذي من أجله ولج الدير هو التواضع وإخلاء الذات، ونقاوة القلب، وتنفّس الصلاة، واحتراق القلب شوقًا لخلاص الخليقة كلّها. ولكنّ العمل الأكمل للراهب هو إظهار حياة يسوع عبر حياته المتسامية عن العالم. إنّ رهبانًا كهؤلاء، لا بل إنّ اديارًا تحوي أمثال هؤلاء الرهبان، لا تحتاج إلى قوّة بشريّة أو سند أو عون، لأنّها حازت الروح القدس سندًا ومعينًا ومعزّيًا.

** الراهب هو الجرّة الموضوعة تحت الصنبور (الحنفيّة)، والمهيَّأة في كلّ لحظة لأن تمتلئ من فيض النعمة. الراهب هو من يشقى يوميًّا ليصبح إنسانًا سماويًّا، يلمع قلبه بمحبّة الله وترتسم على وجهه سكينة السماء وهدوءها.

** إذ قدّم الراهبان لشباب اليوم ما يقدّمه إليهم العالم، يعني أنّ الرهبان فقدوا هدفهم الأساس وأضاعوه. ولكن عندما يلجأ الشباب إلى الأديار، سوف نقدّم لهم، عندئذ، كلّ ما يحتاجونه فعلاً، أيّ القداسة والمحبّة مع الحقيقة، فهذا هذا هو التقليد الرهبانيّ الصحيح. أخاف أن نختبئ نحن وراء ادّعائنا برعاية الشباب، لنصل إلى أهداف شخصيّة بعيدة كلّ البعد عن الأهداف الروحيّة. فالكثير من الآباء القدّيسين جذبوا المئات،لا بل الآلاف، من الشباب، وأصلحوا لهم سيرتهم، وأنهضوهم من سقطاتهم ليس بأقوالهم، فقط، بل بمثالهم وقداسة تصرّفهم. فمن أحبّ الرعاية من الرهبان، فليمارسها خارج الدير (أي ليترك ديره)، ولكن لا ينبغي أن نأتي بالعالم إلى الدير. الدير يرعى، ولكن بطريقة أخرى عن المفهوم الذي نفهمه أو نعرفه. الرعاية الصحيحة هي بتقديس الحياة، وليس بالمناقشات الصاخبة.

** كلّما افتقر الراهب اغتنى (أي كلّما كان فقيرًا مادّيًّا، وطوعًا، كلّما كان غنيًّا روحيًّا)، وكلّما نبذ المجد الباطل، كلّما تمجّد (أي كلّما ابتعد عن المجد، وخضع للذلّ والهوان، كلّما مجّده الله)، وكلّما أحسّ بضعفه تقوّى (أي كلّما أحسّ بضعفه كلّما اتّكل على النعمة، وتقوّى)، مردّدًا قول الرسول: “قوّتي في الضعف تكمل”. الراهب إنسان صلاة لا يطلب معرفة، ولا يسعى وراء كرامة ولا شهرة.

** فضيلة الراهب ليس فضيلة فرديّة يتمتّع بها الراهب وحده، إنّها زينة الكنيسة جمعاء، لأنّه عضو من أعضاء الكنيسة.

** عندما يترك الراهب وطنه وإخوته وأهله وأصدقاءه وأعماله ليُكتتب في المدينة السماويّة أي الدير، يصبح، عندئذ، إنسانًا مسكونيًّا، لأنّ العالم كلّه يتطلّع إلى صلاته، وهو، بدوره، يسند المسكونة بأجمعها بصلاته. هنا تكمن عظمة الراهب.

** لم يعد ثوب الراهب أسودًا قاتمًا، بل ثوبًا منيرًا، لأنّ الراهب يغسله، يوميًّا بدموع التوبة وعرق الجهاد.

** الراهب إنسان جديد، خليقة جديدة بما أنّه يتلقّى معموديّة ثانية أثناء رسامته وتقدمة نفسه ذبيحة حيّة مرضيّة لله. وإنْ سألتني كيف تستمرّ هذه الجِدّة، أجبتك” إنّه الإمساك وضبط النفس والنسك. ولا أعني هنا بالنسك تطبيق القواين والأنظمة والوصايا خارجيًّا فقط. النسك الصحيح عند الراهب هو التضحية بنفسه ومشيئته في كلّ لحظة، وأن ينفي عن نفسه الكسل ورفض الراحة المتواصل والهرب من كلّ متعة. إنّ راحة الراهب الحقيقيّة تكمن في مضاعفة الجهاد، في التعب المعتدل، والنوح البهيّ، والسهرانات والأصوام مع الصلاة غير المنقطعة. بهذه الأمور يتوصّل ليكون خليقة جديدة فيها يكتشف عظمة الله.



القداسة والتقديس

القداسة والتقديس

الخورية سميرة عطية

من أمالي مادة سير القديسين

  1. القداسة:

القداسة صفة من صفات الله وهو مصدرها وهكذا يرد في الكتاب المقدس عن الله أنه قدوس لأنه منزه عن الخطيئة والفساد ويمجّد من الملائكة بتسبيح لا ينقطع إلى الأبد “قدوس، قدوس، قدوس”. أما الإنسان فهو ليس قدّيساً من نفسه ولكنه يتقدّس بالمشاركة في قداسة الله وهذا لا يتم بقوى الإنسان الذاتية ووسائله بل بفعل نعمة التقديس الإلهية.

التقديس هو فعل ينتج عن المشاركة بين الله والإنسان، الله هو المقدّس بالدرجة الاولى، لذلك يفصل الكتاب المقدّس بين المقدِّس وهو يسوع المسيح وبين المقدَّسين وهم البشر المؤمنين (عب11:2). التقديس هو عمل الثالوث القدوس الذي يتمّ بشركة الروح القدس (2تسا2: 13) عبر المقدّس الذي هو المسيح.

  1. التقديس:

التقديس حقيقة وواقع: جميع المسيحيين دون استثناء هم قدّيسون لأنهم تقدسوا.

  • بالمعمودية: بالماء والروح.
  • بالميرون: بالمسح أي بهبة الروح القدس، ونلاحظ أن المسح بالميرون يسمى أيضاً “الختم” لأنه بالمسح تتغلغل نعمة الروح القدس إلى أعماق الإنسان (أف1: 13).
  • بسرّ الشكر الإلهي: الذي يتم بفعل الروح القدس كما يظهر ذلك بوضوح من كلمات الخدمة الإلهية “محولاً إياه بروحك القدوس”.
  • – بوسائل النعمة الإلهية المتنوعة

إن فعل التقديس الحاصل حقيقة، لا يتم فقط بواسطة الأسرار الإلهية التي هي بداية التقديس (رو8: 73). تلزم أيضاً محاولة الإنسان الشخصية. لذلك يتوجه الله إلى من وُهبوا هذه النعمة بقوله: “كونوا قديسين لأني أنا قدوس”، “كونوا كاملين” ….. كذلك القديس بولس يذكر “فإذا كنا نحيا بالروح فعلينا أن نقتفي آثار الروح” (غلا5: 25) الإنسان يقتفي آثار الروح عندما يحيا حياة الفضيلة وأما حياة الخطيئة فإنها تطفىء الروح (1تسا5: 19). الخطيئة لا تطفىء الروح وحسب بل تفقد الإنسان نعمة التقديس الموهوبة له من الله.

في العهد الجديد نلاحظ التركيز على دعوة الإنسان إلى العيش بحسب الروح وتجنّب الحياة بحسب الجسد مع تحليل مفصّل لكلا الحالتين وبيان النتيجة التي تقود اليها كلّ منهما. أنظر (غلا5، 19)، (رو8: 13)، (1تسا4: 3،8)، (أف1: 14)، 2كور3: 6)، (2تسا2: 13).

يتضح لنا من الآيات المذكورة أنه بقدر ما يحيا الإنسان بحسب الروح، يميت أعمال الجسد ويغتني بشركة الروح القدس إلى أن يتقدّس كليّاً (1تسا5: 23).

إن جهاد الإنسان هذا للتنقي من الاهواء مدعوم بنعمة الروح القدس. القديس مرقس الناسك يقول: “لا يمكننا أن نقوم بأي عمل في سبيل قداستنا بمعزل عن النعمة”.

ما هو دور الإنسان في التقديس؟

التقديس نعمة من الله يجاهد الإنسان ليحصل عليها وجهاده يهدف الى:

  • المحافظة على نعمة القداسة المعطاة له أولاً لذلك يقول القديس بولس “… بل أقمع جسدي وأستعبده، مخافة أن أكون أنا نفسي مرفوضاً بعدما وعظت غيري” (1كور: 27:9).
  • العمل بمشيئة الله ليكون قادراً أن يحصل على قداسة أكمل أو أعمق. أي المشاركة الكاملة بنعمة الثالوث القدوس، لذلك يقول القديس بولس: “بسبب هذا أحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة في السموات وعلى الأرض. لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”.
  • التألّه:

التألّه بحسب تقليد الكنيسة الارثوذكسية هو هدف الله من خلق الإنسان. ولكن الإنسان بسبب سقوطه في الخطيئة لم يتمكن من الوصول إلى التأله. لذلك وجب أن يتجسّد ابن الله الكلمة. نقرأ في طروبارية البشارة: “…، لقد خاب آدم قديماً فلم يعد الهاً كما كان قد اشتهى، فصار الإله إنساناً لكي يصير آدم الها…” ويؤكد القديس غريغوريوس اللاهوتي أن “الغني يفتقر، يفتقر من أجلي بالجسد، لكي أغتني أنا بألوهته” (كلمة في الظهور الإلهي). وكذلك القديس اثناسيوس يقول أن المسيح “تجسد لكي يؤلهنا”.

التألّه ليس تغييراً للطبيعة البشرية ولكنه سموّها وارتقاؤها.

  • كيفية وصول الإنسان إلى التألّه:

مع أن قاعدة التبنّي هي الحصول على الخلاص بالمسيح عن طريق الأسرار ولكن التألّهلا يتم فقط بالمشاركة في هذه الأسرار بل يُكتسَب بالجهاد ضد الشيطان ومعاثره وممارسة الفضائل والأعمال الصالحة. والقديسون بصفة خاصة هم المجاهدون والنساك.

يتنقّى الإنسان في جهاده ضد الشيطان بتغلّبه على أهوائه: أي بعدم الغضب، بالاتّضاع، بعدم محبة المال، بالصوم، بالعفة، ويرضي الله بقدر ما يسلك بحسب مشيئته بالصلاة، بالتوبة وبمحبته له من كل قلبه وذهنه.

إن تنقية الإنسان لذاتّه وممارسته للفضائل ليست هي الهدف بحد ذاتها ولا تكفي لأن يصل الإنسان إلى التألّهبل إنها الواسطة فقط إلى ذلك وهي ما تجعل الإنسان مؤهلاً لتقبل عطية الله، وهذا ما نفهمه جلياً من أقوال الآباء: يقول القديس باسيليوس الكبير “الذين يتخلّون عن الأرضيات مرتفعين فوقها يصبحون مستحقين للشهادة لعطية الروح القدس”. وفي المجال نفسه يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث: “أن الأعمال الصالحة مشكورة ولكنها تنتهي إلى الصفر وتتلاشى عندما يتوقف ذاك الذي يؤديها عندها ولا يسعى لأن يتناول من قداسة الله، لأن كل الأعمال الصالحة تتمّ في سبيل الوصول إلى هذا الهدف”. (الكلمة16،4)

هذا التقليد الذي لم يتغير، نجده أيضاً عند القديسين الحديثين، القديس سيرافيم ساروف يكتب: “أن الصلاة والصوم والسهر وكل الأعمال المسيحية مهما تكن جيدة بحد ذاتها وبالرغم من أنها وسائل ضرورية للحصول على شركة الروح القدس ولكنها ليست هي وحدها هدف الحياة المسيحية. هدف الحياة المسيحية هو نيل نعمة الروح القدس” (من حديث مع موتوبيلوف).

  • ما هو التألّه:

مما سبق يتضح لنا أن التألّه هو شركة الروح القدس. والآباء يتكلمون بوضوح عن التألّه بشركة الروح القدس. وهذه الشركة تتمّ بنعمة الله فقط وليس في جوهره. وأما الفرق بين القديسين الذين هم في شركة الروح القدس وبين البشر الآخرين الذين تظهر من خلالهم أعمال الروح القدس، فهو شاسع كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. لأنه طالما بقي الشرّ في الإنسان وطالما أنه لم يتنقَّ كلياً لا يستطيع أن يتقبّل موهبة الروح القدس. ولهذا يدعى القديسون : “صديقين كاملين” “حاملين المسيح” “حاملين الروح” المتوشحين بالله، هياكل الله. ومن هنا نفهم القول “عجيب الله في قديسيه” “وفي القديسين تستقرّ وتستريح”.

  • نتائج التألّه:

بشركة الروح القدس يتألّه الإنسان بكليّته (انظر 1تس5،23) أي بالروح وبالقوى (بالأفعال) وكذلك بالجسد.

أ – تألّه النفس (التفكير والإرادة):

إن البشر يصلون إلى التألّه، يعيشون بحسب الروح كما ذكرنا سابقاً والدعوة (كونوا قديسين، لأنني انا قدوس) (1بطرس16:1) أو (كونوا رحماء لأن اباكم رحوم) (لو36:6)، ليست سوى دعوة إلى الإرتقاء بالفكر والإرادة إلى فكر الله وإرادته.

وتتحقق هذه الدعوة بتألّه الإنسان حيث يعود ليأخذ الصورة الأولى والمثال الذي منحه إياه الله عند الخلق. عند القديس مكسيموس المعترف نجد أن الإنسان لا يصبح فقط صورة المسيح الحية، بل هو المسيح نفسه بالنعمة أو بالتمثّل”. نتيجة هذا التألّه هو عودة الإنسان إلى حالة ما قبل السقوط واستتباب السلام بينه وبين الحيوانات المتوحشة وعوامل الطبيعة.

وهكذا نجد قديسين يسيرون على وجه الماء ويتصرّفون إزاء الحيوانات المتوحشة وكأنها أليفة وهي تخضع لهم مثلاً (القديس أنطونيوس، جراسيموس الأردني، سيرافيم ساروف…).

بالتألّه يكتسب القديسون المحبة الكاملة، التواضع، الإستنارة، محبة الحقيقة، وهكذا يصلون باستنارتهم بالروح القدس إلى مستوى الوحدة في جوهر تعليمهم وإن اختلفت أساليب تعبيرهم التي يفرضها الزمان والمكان.

ب – تألّه القوى (الأفعال):

إن تألّه القوى هو نتيجة طبيعية لتألّه النفس. بالتألّه يمتلىء الذهن والقلب والإرادة والجسد بنعمة وقوة الله. المتألّهون لا يسمّون ويرتقون بالطبيعة فقط ولكنهم يكتسبون القوة الإلهية ذاتها كما يقول القديس غرغوريوس بالاماس. وبهذه الطريقة تصبح أقوال الإنسان، قواه وأعماله تعبيراً عن النعمة والقوة الإلهيتين. ويؤكد القديس نفسه أن المتألهين يتصرفون باسم الله وعوضاً عنه كما الملائكة القديسين” (الفصل التاسع عشر من الشركة المؤلّهة).

القديس باسيليوس الكبير يعلّمنا بوضوح “أن النفوس الحاملة الروح تتخفف وتصبح روحانية وليست هي فقط بل أنها تشعّ بالنعمة نحو غيرها أيضاً (عن الروح القدس الفصل التاسع).

ما هي القوى الإلهية التي تلاحظها عند القديسين؟

  • – نعمة معرفة خفايا القلوب.
  • – النبؤة: أي معرفة ما سيحدث مستقبلاً.
  • – القدرة على اجتراح العجائب المختلفة مثلاً: شفاء المرضى، إخراج الشياطين… الخ وهذا ما وعد به السيد: “الحق أقول لكم، إن من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها” (يوحنا14: 12).
  • – الحياة الإلهية: إن الحياة الإلهية هي البرهان الرئيسي على تألّه الإنسان كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. فبما أن التألّه هو شركة الروح القدس لذلك فإن الذين استحقوا التألّه يقبلون مواهب وثمار الروح القدس، ومن بينها تأتي بالدرجة الأولى المحبة التي هي بحسب القديس بولس أفضل الطرق (1كور12،31) وأعظم المواهب (1كور13،13) ورباط الكمال (كولو3،14). لذلك فالقديسون هم أهل المحبة قبل كلّ شيء.

بعد كل ما تقدّم نجد من الضروري أن نذكر أنه بالرغم من أن نعمة الروح القدس تكون ساكنة في القديسين دائماً، إلا أنهم لا يتصرّفون دائماً بالقوة والفعل الإلهيين، ولكن كما يقول القديس باسيليوس الكبير “بحسب الحاجة” (عن الروح القدس الفصل 26). أي أنه في الأحوال العادية يتصرف القديسون كبشر عاديين بسيطين. ونلاحظ أن القديسين ليس فقط لا يسعون إلى فعل العجائب، بل على العكس، إذ إنهم يحاولون تجنبها. خاصة أنه من أهم ميزاتهم التواضع وعدم الأنانية ويعتبرون الضجة التي تثار حول شخصهم وإسمهم خسارة لهم وهذا ما يميّزهم بشكل جذري عن الدجالين والمدّعين.

جـتألّه الجسد:

من أهم نتائج التألّه هو تقدّس الجسد وتألّهه. الجسد ليس سجناً للنفس كما يعلّم أفلاطون. وليس له هدف أرضي فقط. “أما الجسد فليس للزنى بل هو للرب والرب للجسد” (1كور 13:6). الجسد يجب أن يكون هيكلاً لله. وهيكل الله مقدس. إذن فالجسد يجب أن يتقدس بالكلية بالتألّه. وبالتألّه فقط يصل الجسد إلى كامل قيمته وليس في النظريات الإنسانية الحديثة. يقول القديس سمعان اللاهوتي بالحديث عن تألّه الجسد: “إن النفس التي أصبحت بتقدسها أهلاً لأن تكون شريكة في النعمة الإلهية، تستمر بالضرورة بتقديس كامل هيكلها. لأنها حيث تكمن في هذا الهيكل وتوجد في كافة أعضائه. لذلك فنعمة الروح القدس، عندما تسكن في النفس تسكن أيضاً في هيكلها. ولكن طالما بقيت النفس في هذا الهيكل فإن الروح القدس لا ينقل هيكلها بالكامل إلى مجده لأنه من الضروري أن تكون لها حريتها وأن تبدي رغباتها وتظهر إرادتها إلى أن تنتهي حياتها الأرضية. وعندما تنفصل النفس عن الجسد يتوقف الجهاد. فإن انتصرت النفس وانفصلت عن الجسد حاملة إكليل عدم الفساد، حينئذ تسكن نعمة الروح القدس وتقدس بالكلية هيكل هذه النفس ولذلك نجد عظام وبقايا القديسين تفيض أشفية تداوي كل ضعف.

إن انفصال النفس عن الجسد يحرر الإثنين معاً من حاجة كل منهما إلى الآخر ومن تأثير أحدهما على الآخر وبذلك فإن النعمة الإلهية تفعل في كليهما بدون أي عائق حيث يصبح الإثنان بكليتهما لله تسكن فيهما النعمة الإلهية بعد أن قضيا حياة لائقة بالألوهة عندما كانا معاً. أما عند الدينونة العامة فإن الجسد أيضاً يكتسب عدم الفساد الذي منحه الله للنفس عند تقديسها (الكلمة الرابعة – الفصل الرابع).

القديس أثناسيوس يقول في ذلك أيضاً: “إن النعمة الإلهية توجد في نفوس وفي أعضاء القديسين” (شرح المزمور 117).

كذلك القديس مكاريوس يقول: “كما تمجّد جسد المسيح عندما تجلّى على الجبل بالمجد الإلهي وبالنور الذي لا يغرب، كذلك تتمجّد أجساد القديسين وتلمع. وكما أن المجد الكائن في جسد المسيح أشرق مضيئاً، كذلك أيضاً تفيض قدرة المسيح في ذلك اليوم وتشعّ خارج أجسادهم (الكلمة15،38).

وكلما كانت المساهمة في شركة الروح القدس أغنى كلما ازدادت قداسة الأجساد أيضاً. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “بالموت لا تتغرب أجساد القديسين عن النعمة التي كانوا يحيون بها، بل تزداد بها” (في مديح أحد الشهداء).

نتائج تألّه الجسد هي:

أ – لمعان الوجه: أول إنسان لمع وجهه كان موسى (خروج34، 29 – 35) ثم القديس أنطونيوس، سيسوي، موسى الحبشي، وآخرون…..

ب – انتقال نعمة التقديس باللمس: هكذا نجد أن ما مسّ جسد القديس بولس لم يكن مقدساً فحسب بل كان ينقله أيضاً إلى الآخرين (أع19:12).

جـ – إفاضة الطيب: من القديسين المفيضين الطيب: الشهيد ديمتريوس، نيلوس، سمعان، نيمانيا الذي أسس دير خيلانداريوس، القديس الشهيد اغثانجلوس، القديس سيرافيم ساروف… وغيرهم…. .

د – عدم فساد البقايا المقدسة: لدى الكنيسة الأرثوذكسية العديد من بقايا القديسين التي لم ينل منها الفساد بالرغم من الزمن الطويل الذي مرّ عليها. نذكر مثلاً بقايا: القديس اسبيريدون، ديونيسيوس، جراسيموس، الإمبراطورة ثيوذورة…

هـ العجائب التي تجرى بواسطة البقايا المقدسة

و – تمجيد الجسد في الحياة الحاضرة وبعد القيامة العامة.

… وانحرفت المحبّة!

… وانحرفت المحبّة!

الأرشمندريت توما بيطار*

 

يا إخوة، الرّبّ يسوع يطالبنا بأن نحبّه أكثر من آبائنا، وأمّهاتنا، وأبنائنا، وبناتنا، بحسب الجسد. لِمَ ذلك؟! في الظّاهر، يبدو كأنّه يشاء أن يُحَبَّ فوق كلّ إنسان، في هذا العالم. لكن، في العمق، إذا لم نحبّ الرّبّ الإله فوق كلّ إنسان، فمن المستحيل علينا أن نحبّ أيّ إنسان، في هذا العالم. المحبّة الحقيقيّة تبدأ، أوّلاً، بمحبّة الله. لماذا؟! لأنّنا، بعدما سقطنا، صرنا لا نعرف كيف نحبّ. بتنا، بمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر، تَمَلُّكـِيّين. الأب والأمّ يحبّان أولادهما، في العمق، عن تملّك. وهذا يعني أنّهما يحبّان كلٌّ نفسَه في الآخرين. ما دام الإنسان يطلب أن يملك على الآخرين، فإنّه يحبّ نفسه فيهم. وهذه، في الحقيقة، ليست محبّة، على الإطلاق! لا شكّ في أنّ هناك مشاعر، ولا شكّ في أنّ هناك عواطف. لكنّ المحبّة شيء، والعواطف والمشاعر شيء آخر! المحبّة تتضمّن مشاعر وعواطف. لكنّ المشاعر والعواطف لا تصنع محبّة! هذا، بالضّبط، ما فعله السّقوط بنا: جعل محبّتنا لبعضنا بعضًا بمثابة تعلّقٍ عاطفيّ وانفعاليّ.

الرّبّ يسوع، حين يطلب أن يُحَبّ فوق كلّ إنسان؛ فهذا، بالضّبط، ليعلّمنا كيف نحبّ كلّ إنسان محبّة حقيقيّة. الرّبّ يسوع هو المعلِّم؛ ونحن، من دونه، لا نعرف أن نحبّ. لذلك، حين أراد أن يعلّمنا كيف نحبّه، قال لنا: “مَن يحبّني، يسمع كلامي” (يو14: 24)! بطاعتنا للوصيّة، بسلوكنا في الوصيّة، نتعلّم أن نحبّ الله. ومتى أحببنا الله، تيسّر لنا أن يحبّ بعضنا بعضًا. هذا هو الطّريق. لا يظنّنّ أحد أنّ الطّريق يمرّ بالآخرين ليصل إلى الله! الطّريق، في الحقيقة، يمرّ بالله ليصل إلى الآخرين. بغير ذلك، يظنّ الإنسان أنّه يحبّ سواه، والحقيقة أنّه يطلب ما لنفسه في سواه، على نحوٍ عاطفيّ، وانفعاليّ، وتعلّقي! تعلّق النّاس بعضهم ببعضهم الآخر هو من باب التّملّك. ولماذا التّملّك؟! أحيانًا، لأنّنا نشعر بأنّنا نحتاج إلى الأمان، نتعلّق بإنسان آخر؛ لكنّ القصد يكون ذواتنا، لا الآخرين. من الأمثلة على هذا الشـّرخ الّذي حدث، بعد السّقوط، في حياة الإنسان، بين الحبّ والمشاعر والأحاسيس، أنّ هناك ملايين البشر، اليوم، يقتنون الكلاب والقطط، ويظنّون أنّ الحيوانات تحبّهم، ويتعاطون معها كأنّ هناك علاقة محبّة بينهم وبينها! هذا انحراف! والمحبّة، من دون الله، هي، أيضًا، انحراف، في هذا العالم؛ لأنّ الإنسان، سواء أأحبّ إنسانًا آخر، وتعلّق به، وعلّق عليه الآمال والمشاعر والعواطف، أم تعلّق بحيوان؛ فالموضوع واحد، لأنّه، في كلا الحالتين، يطلب ما لنفسه! يطلب نفسه، سواء في البشر أم في الحيوانات. وهذه ليست محبّة كما يشاء الرّبّ الإله أن تكون المحبّة. المحبّة، بحسب تحديد الرّسول بولس، لا تطلب ما لنفسها (1كور13: 5)! من المناسب جدًّا لكلّ واحد منّا أن يقرأ، ولو مرّة في الأسبوع، ما كتبه الرّسول بولس في المحبّة، في الإصحاح الثّالث عشر من الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس. ما هي المحبّة؟! نحن نظنّ أنّ المحبّة تحصيلٌ حاصلٌ، وليس الأمر كذلك، أبدًا! الإنسان يحتاج، بعد السّقوط، إلى إعادة تأهيل. والرّبّ يسوع يطلب أن يُحَبّ فوق كلّ إنسان، لا لأسباب أنانيّة، بل لأنّه يريدنا أن نتعلّم كيف نحبّ من جديد؛ لأنّه هو محبّة، هو المحبّة، هو معلِّم المحبّة! هو يعرف ما نحن جاهلون! لهذا السّبب، مَن أحبّ أبًا أو أمًّا، أو أخًا أو أختًا، أو ابنًا أو بنتًا، أكثر من الله؛ فهذا معناه أنّه يتعاطى مع الله بصورة رديئة! يحاول أن يقتني الله كما يقتني النّاس، وكما يقتني الحيوانات، وكما يقتني الأشجار! علاقته بالله تكون فاسدة، حتّى لو صلّى وصام. ما دام، في قرارة نفسه، يحبّ ولو إنسانًا واحدًا أكثر من الله، فمحبّته لله غير سليمة. لهذا السّبب، مسار تفكير الإنسان المؤمن مختلف عن مسار تفكير الإنسان في هذا العالم. مَن يؤمن بالله، مَن يؤمن بيسوع، عليه أن يقدّم الله على كلّ إنسان، وليس ذلك فقط، بل أيضًا عليه أن يقدّم الله على نفسه؛ لأنّ المشكلة هي أنّ الإنسان يطلب، دائمًا، ما لنفسه! فإذا قدّمنا الله على الآخرين، ولم نقدّمه على أنفسنا؛ فإنّنا لا نكون قد صنعنا شيئًا، على الإطلاق! لهذا السّبب، نصوم، ونصلّي، ونتعب. الإنسان الّذي يطلب الله لا يطلب راحة لنفسه، بل وجه الله. لذلك، الإنسان المؤمن، عمليًّا، هو إنسان تَعـِب، في كلّ وقت؛ وطبعًا، ضمن حدود. لهذا قيل: “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات” (أع14: 22)! بالضّيق، والضّيق الكثير!

على الإنسان، في نهاية المطاف، أن يعمل، دائمًا، على تخطّي نفسه. مثلاً، أقول: “قد تعبت النّهار كلّه، وأنا في حاجة إلى أن أخلد إلى النّوم”. أدخل إلى غرفتي عند الثّانية عشرة ليلاً، وأقول: “أنا مُتعَب، ولا أستطيع أن أصلّي”؛ فألقي بنفسي على الفراش، وأنام. قد نعتبر أنّ هذا الأمر بسيط. هذا الأمر ليس ببسيط، على الإطلاق! “أنا مُتعَب”، هذا ممكن جدًّا. الإنسان، في هذه الأيّام، يتعب كثيرًا. لكن، إذا وصلت إلى غرفتي وأنا مُتعَب، فالسّؤال: “هل أقدّم نفسي على الله، أو أقدّم الله على نفسي؟!”. في معظم الحالات، النّاس يقولون: “لا نستطيع أن نصلّي لأنّنا مُتعَبون”؛ ومن ثمّ، يقدّمون أنفسهم على الله، ويخلدون إلى النّوم. هؤلاء، في الحقيقة، لا يصلّون. الإنسان، مهما كان مُتعَبًا، إذا وقف ليصلّي، وأخذ يرسم إشارة الصّليب على نفسه، وبدأ بالكلام الإلهيّ، ورفع نفسه قدر استطاعته: وقف، ورفع نفسه إلى فوق، وبدأ يقول الصّلاة؛ قد لا يكون مُدرِكًا عقليًّا معنى ما يقول، وقد يكون شعوره بأنّه شبه مخدَّر بالنّوم والتّعب. هذا ممكن. لكن، متى بدأ بغصب النّفس، بذكر اسم الله، فبإمكانه أن يأخذ الكتاب ويقرأ. لا يهمّ، أبدًا، أن يفهم شيئًا! يفهم ما يستطيع فهمه، لكنّه يغصب نفسه ويقف قدّام الله، ويبدأ بالصّلاة على هذا النّحو، ويرسم إشارة الصّليب على نفسه، ويضرب مطّانيّة صغيرة، ويصلّي، ويقول الكلام الإلهيّ. بعد قليل، ماذا يحدث؟! يحدث شيء عجيب جدًّا! الإنسان، من حيث لا يدري، يجد نفسه مرهَقًا وكأنّ جسده سيسقط في كلّ لحظة. لكنّ هذا مجرّد شعور! فإذا استمرّ غاصبًا لنفسه، فإنّه، بعد قليل، يجد نفسه في سلام، في راحة لا يعرف من أين تأتي! ولا يكاد ينهي الصّلاة، حتّى يلاحظ أنّ هناك شيئًا ما قد استضاء في ذهنه، وأنّ راحة قد انبعثت في نفسه! إذًا، الصّلاة تريح ولا تُتعب، إنّما براحة من فوق، براحة من روح الله. وإذا كان ذهن الإنسان مُعتـِمًا بسبب وَهَنِ الجسد، فإنّه (أي ذهنه)، بالصّلاة، يستضيء بنور الله! هذا شيء عجيب! ومتى خلد الإنسان، بعد الصّلاة، إلى النّوم، يكون كالطّفل، ينام نومًا هانئًا، فيه صلاة طيّبة، وفيه حضور طيّب لله؛ وكأنّه يغسل، في تلك الدّقائق الّتي يقف فيها قدّام ربّه ويصلّي، كلَّ ما اجتمع عليه من أتعاب، في كلّ نهاره!

الإنسان مدعوّ إلى أن يتخطّى نفسه! لا يمكنه أن يقدّم نفسه على الله ويكون في الرّاحة. ليكون في الرّاحة، عليه أن يقدّم الله على نفسه. والله، إذ ذاك، هو الّذي يعطيه أن يرتاح. ولا يرتاح بمعنى أنّ تعبه يتبدّد، بل بمعنى أنّ الله ينفخ روحه فيه. هكذا، نتعلّم أن نقدّم الله على أنفسنا، وأن نتمّم الوصيّة، وأن نحبّ الله فوق أنفسنا؛ ومن ثمّ، أن نحبّ الآخرين محبّة حقيقيّة، بالمحبّة الّتي نستمدّها من الله، ويبثّها الله بالصّلاة فينا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

*عظة في السّبت 12 أيلول 2009 حول متّى10: 37- 42، 11: 1

 

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

تعليم القديس سلوانس الآثوسي عن الشفاء

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

ينبغي علينا أن نوضح أن المسيح هو الطبيب قبل كل طبيب آخر. فقد قدّس الطبيعة البشرية من خلال تجسده، ومن خلال اتخاذه جسداً قابلاً للموت بلا خطيئة. لقد أعطى لكل إنسان إمكانية أن يشاركه حياته الخاصة من خلال تعليمه، وآلامه، وصليبه، وقيامته، وصعوده، وإرساله للروح القدس. المسيح هو الطبيب الذي يعالج والدواء الذي يشفي أمراض الإنسان الروحية داخل الكنيسة، وذلك بحسب مثل السامري الصالح.

يعالج الآباء الروحيون الناس من خلال قوة المسيح، والوسائط الروحية التي تقدمها كنيسته. وصايا المسيح وعقائد الكنيسة هي أدوية منقذة. يوضح تقليد الكنيسة الصحوي الطرق التي نستطيع بها التحرر من الأفكار، والشهوات، والخيالات. تعطينا أسرار الكنيسة إمكانية الاشتراك في قوة الله غير المخلوقة، المطهرة، المنيرة، والمقدسة.

هذا المنهج، الذي يستعمله آباء روحيون مستنيرون بالله، يساعد المسيحيين ليس فقط على التطهر، ولكن أيضاً على أن يتّحدوا بالمسيح وعلى أن يعيشوا في حياتهم الخاصة أحداث حياة المسيح مثل الصلب، والآلام، والقيامة، والصعود، وحلول الروح القدس.   معنى النسك الروحي والشفاء هو أن يشترك المسيحي في حياة الكنيسة، وأن يتشبّه بالمسيح بالنعمة، وأن يتلقى مواهب الروح القدس.

سوف أركّز على بعض الجوانب من حياة القديس سلوانس الآثوسي، كما وصفها الأرشمندريت صوفرونيوس (ساخاروف)، والتي تظهِر معنى الشفاء وكيفية تحقيقه.

أتى القديس سلوانس الآثوسي، الذي كان اسمه في العالم سمعان إيفانوفيتش آنتونوف، من قرية شوفسك، من إقليم ليبيدينسك، من مقاطعة تامبوف في روسيا. لقد مضى إلى الجبل المقدس، وعاش كراهب في دير القديس بندلايمون، ووصل بالنعمة للاتحاد بالله، ودخل في قائمة قديسي الكنيسة بقرار من البطريرك المسكوني، وبالتالي كُرِّم كقديس.

إننا نرى في حالة القديس سلوانس، أنه على الرغم من أنه عاش حياة دنيوية قبل بقائه في الجبل المقدس، إلا أنه أصبح قديساً، ووصل إلى معاينة الله. لقد تحول كل عالمه الداخلي وكل جسده أيضاً. لقد اكتسب سلاماً داخلياً عميقاً، وتواضعاً، ووداعة، وأدرك حلاوة الله. لقد اقتيد من موطنه الأصلي، روسيا، إلى الجبل المقدس، الذي أصبح في النهاية موطنه الروحي. ثم بعد ذلك مضى إلى العالم أجمع دون أن يترك الجبل المقدس. لقد دخل أسرة آدم العظيمة، لأنه استوعب ألم كل سكان العالم وصلى بدموع من أجل كل الناس أن يعرفوا هم أيضاً المسيح بالروح القدس، وأن يدركوا حلاوة وسلام وتواضع ومحبة المسيح. لقد شفى القديس سلوانس كل عالمه الداخلي، وتحول تحولاً حقيقياً. لقد تجاوز في نفس الوقت الجنس والقومية، وأصبح قديساً عالمياً يحبه الكل ويوقرونه ويحترمونه. لقد حدث ذلك لأنه عاش داخل الكنيسة في مجتمع كنسي خاص؛ واشترك في أسرار الكنيسة ومارس النسك بحسب منهج الهدوئية الأرثوذكسي.

سوف نتناول بعض النقاط من تعليمه التي توضح هذه الحقيقة، لكي نظهر الجانب العملي مما كُتب عن الشفاء بأعلاه، كما هو مُعَلَّم ومُمَارَس في التقليد الأرثوذكسي.

كان القديس سلوانس الآثوسي خبيراً جداً بعلم الحياة الداخلية، أي بالعملية الخفية التي تحدث داخل عالم الإنسان الداخلي. لقد كان يعرف، بحسب تعبيره هو نفسه، أنه “عندما تتطفل أفكار مشتتة على الذهن، فإن الذهن يهتم عندئذ بكل من الله والأفكار”، وبالتالي لا يكون ممكناً تنفيذ وصية محبة الله بكل القلب وكل العقل. “لكن عندما يُغَلَّف الذهن بالله بالكليّة لدرجة استبعاد كل فكر آخر، يتم تنفيذ الوصية الأولى”.

الأفكار هي عرضٌ، إذا قبله الإنسان، يصبح معاهدة، وبالتالي تُرتكب الخطيئة. توجد العديد من الأفكار المتلائمة مع كل هوى من الأهواء. يصف القديس سلوانس جهاده لكي يتعامل مع الأفكار الآتية إليه عندما أكمل خدمته العسكرية ودخل دير القديس بندلايمون في الجبل المقدس. لقد حثّته الأفكار على ترك الدير، وتعامل معها بقوة قائلاً: “سوف أبقى هنا وأموت هنا من أجل خطاياي”. لقد كان هذا الإصرار مربوطاً بالصلاة. وهكذا قال: “بدأت الصلاة لله بحرارة لكي يغفر كثرة تعدياتي”. عندما قَبِل كراهب مبتدئ فكر شهوة، اعترف به لأبيه الروحي وكطاعة لأمره لم يقبل أبداً مثل هذه الأفكار في كل سنوات حياته الرهبانية فيما بعد. لقد حرره الاعتراف، والإصرار، والطاعة من هذا الفكر. لقد علم، أنه عندما يتلقى المرء نعمة الله، فإنه لا يستطيع قبول الأفكار الشهوانية مهما كانت التجربة عظيمة. لقد كتب قائلاً: “أن يعيش المرء مع زوجة شابة ولا يقترب منها لهي بطولة كبيرة، إنها بطولة ممكنة فقط لمَن هم حساسّون لعمل الروح القدس داخلهم. الروح القدس حلو ويفوق محبة المرأة”.

تأتي الأفكار من الشياطين وينبغي علينا أن نجاهد باستمرار لكي نلفظها. هذا هو المقصود باليقظة الروحية وكل تعليم كنيستنا عن اليقظة. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “تماماً مثلما يدخل الناس ويخرجون من البيت، هكذا تذهب وتجيء الأفكار العديدة التي تبثها الشياطين إن لم تقبلها”. لقد كان خبيراً في هذا الجهاد الخفي وكان يعرف جيداً أن “الأفكار الشريرة تحزن النفس المتكبرة”. إننا لا نستطيع الهروب من تأثيرها الطاغي إلا بأن نتواضع. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “عندما تحاصرك الأفكار الخاطئة، افعل مثل آدم وأطلب الله قائلاً: يا رب، يا صانعي وخالقي، أنت الذي ترى كيف ترتبك نفسي بالأفكار الرديئة….ارحمني”. إنه يكتب في موضع آخر أنه بقي لمدة ثلاثة أيام معذباً بفكر بسيط وأنه تحرر “بالصلاة والدموع”. ثم يستنتج قائلاً: “يكون الجهاد حتى ضد الهمسات التافهة التي قد تلهينا صعباً جداً”. يتحرر المرء من الأفكار من خلال جهاده الشخصي، وصبره، ومثابرته، بمساعدة الأب الروحي الذي يعترف على يديه ومن خلال الصلاة لله. تعمل نعمة الله في كل هذه الوسائل.

يعمل الروح الشرير، الذي هو شخص وليس مفهوماً مجسداً للشر، داخل نفس الإنسان. عندما يحدث ذلك ينبغي عليه الاعتراف، والإقرار بهذا الغضب العدواني الذي للشيطان، والصلاة لله لكي يعطيه روحاً متواضعةً. عندئذ سوف يجد راحة.

أعطى القديس سلوانس أهمية كبرى لمنهج مهم وقوي يجلب الخلاص من محبة الذات ومن الأهواء اللحمية. لقد أشار إلى هذا المنهج على أنه “علم عظيم“. إنه يتطلب شخصاً يتبنى موقفاً خاصاً، كأن يشعر في ذاته أنه أسوأ من أي شخص آخر، ويحكم على نفسه بالجحيم بل ويشعر حتى بنيرانه. ينبغي عليه ألا يبرر ذاته بالمرة، بل يلوم نفسه. هكذا تتواضع نفسه ويكتسب “دموع التوبة… التي يتولد منها الفرح”. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “حسناً أن تهذب النفس لأن تفكر: أنا ماضٍ للاحتراق في الجحيم”. ينبغي فعل ذلك بتواضع، وينبغي على المسيحي الذي يمارس هذا “العلم العظيم” ألا ييأس، ولكن أن يتذكر حنو الله ومحبته. توحي نعمة الله بمثل هذه التوبة، وهي تجلب الفرح.

يذكر القديس سلوانس باستمرار اليأس، وفقدان الرجاء، والمعاناة، والاضطرابات، والأمراض التي خاضها على مدار حياته، خصوصاً عندما تراجعت النعمة الإلهية. إنه لا يصف فقط الطريقة التي يستطيع بها المرء التحرر من هذه الحالات الرهيبة، لكن أيضاً الطريقة التي يمكن بها تحويلها إلى فرح روحي. عندما يكون الشخص متدرباً في الحياة الروحية، فإنه يكون منقاداً وملهماً من الله لكي يحوِّل كل شيء محزن إلى شيء صالح، صحي، مفرح. إنه يكتب قائلاً: “في إحدى المرات، تمكن مني روح اليأس، فبدا لي أن الله نبذني، وأنه ليس لي خلاص، وأنني على العكس أحمل في نفسي علامات الدينونة الأبدية. وشعرت في نفسي أن الله عديم الرحمة وأصم من جهة التوسلات. لقد استمر ذلك حوالي ساعة أو أكثر من ذلك بقليل. تكون مثل هذه الروح محزنة جداً، ومحطمة جداً، لدرجة أن مجرد تذكرها يكون مرعباً. ولا تستطيع النفس احتمالها لوقت طويل”. ثم بعد ذلك يصف كيف ظهر له الرب، وكيف ملأت نعمة الروح القدس نفسه وكل جسده.

لقد كان القديس سلوانس يعرف من خلال خبرته أن اليأس الذي يصعد داخلنا ويوحي لنا أننا لن نخلص ولن نستطيع التحرر من أهوائنا يأتي من الشيطان. إنه يكتب قائلاً: “يوجد البعض الذين يصيبهم اليأس فيظنوا أن الرب لن يغفر لهم خطاياهم. تأتي مثل هذه الأفكار من العدو. الله رحوم جداً لدرجة تفوق فهمنا. يعرف الشخص المملوءة نفسه بمحبة الله في الروح القدس كيف يحب الله جنس البشر”.

عادة ما تتمكن المعاناة والمخاوف من الناس، وتولِّد ألماً غير محتمل. إنه يكتب قائلاً: “تحزنني طريقة حياتي المهملة…”. إلا أنه لا يبقى في هذه الحالة، ولكنه يمضي قدماً لكي يعالجها. “….لا أستطيع أن أفعل ما هو أفضل من ذلك. أنا أعرف أن لديَّ القليل من التدريب، وأنني بليد الفهم وخاطئ، لكن الله يحب حتى الذين يشبهونني، وبالتالي ينبغي على نفسي أن تكد من أجله بكل قدرتها”. لقد كانت نفسه مملوءة بالحزن لأنه كان غير قادر على خدمة المسيح بسبب المرض. “يرهقني الألم في رأسي والنعمة التي تتغلب على المرض غير موجودة معي”. لقد أزعجه الألم لأنه لم يتصرف بحيث يفعل كل شيء تتطلبه الطاعة للمسيح ومحبته. إنه يعلن أنه عندما تأتي نعمة الله فإنها تتغلب على آلام الصداع. يحدث نفس الشيء مع الشهداء، الذين كانوا يبتهجون بالعذاب لأن نعمة الله كانت تزورهم. “إن كلّ مَن اختبر هذه النعمة يعرف ذلك، لكن ينبغي علينا أن نحتمل مرضنا”. إنه يقص قصة مدهشة عن راهب شاب قال: “على الرغم من أنني مريض، إلا أنني أسمع نعمة الله داخل نفسي”. من الواضح أنه سمع صلاة قلبية غير منقطعة داخله، وشعر بحضور الله.

عادة ما يقع الأشخاص الأنانيون في قبضة الخوف من الموت. يتضح ذلك خلال أحداث مثل الزلازل. لقد ضرب زلزال رهيب الدير في 12 سبتمبر سنة 1932 “ورج مبنى الدير العظيم بجملته، مسقطاً الحجارة والقذائف، جاعلاً الشمعدان والقناديل تهتز هنا وهناك، وجاعلاً الأجراس تدق، وحتى أكبر الأجراس قرع من شدة الاهتزاز”. مع ذلك بقي الرهبان هادئين في أماكنهم بدون خوف. يكتب القديس سلوانس قائلاً: “لا تخاف النفس التي أتت إلى معرفة الله أي شيء سوى الخطيئة، وخطيئة الكبرياء على الأقل. إنه يعرف أن الرب يحبنا، وإن كان يحبنا فمن أي شيء نخاف؟”

يخوض المرء الجهاد ضد الأهواء والشيطان بواسطة نعمة الله. يقوينا الله لأننا لا نستطيع أن نتعامل بأنفسنا مع مثل هذه التجارب الشديدة التي تصيب النفس والجسد مثل أفكار المرارة، والآلام، والمخاوف، واليأس. يجلب لنا الله الفرح، ويقوينا بطرق كثيرة متنوعة. إلا أن المشكلة تتولد عندما تحتجب نعمة الله لكي تسمح لنا بالتعبير عن حريتنا.

يذكر القديس سلوانس في كتاباته تبلد النفس الذي ينكشف عندما نفقد نعمة الله. إنه يكتب قائلاً: “لكن عندما فقدت نعمة الله … سقطت نفسي في طرق برية وأصبحت أسيرة للخطيئة، ثم فجأة فكرت في صعود الرب”. سواء كانت النفس متألمة وحساسة أو كانت متبلدة فإنها تعتمد إما على وجود نعمة الله أو على فقدانها. إنه يكتب في موضع آخر قائلاً: “عندما أفقد النعمة فإن نفسي تحزن بشدة”. على كل حال، عندما يلتجئ المرء لله ويطلب الغفران “فإن نفسه تجد سلاماً على الفور”. إنه يكتب ثانية قائلاً أنه عندما تفقد النفس التواضع فإنها تصبح “متوترة”. ثم عندما بدأ الحزن على خطيئته، وطلب غفران الله وأبغض تعدياته، علَّمه الروح القدس أن يصلي بلا انقطاع وأن يحب.

من الواضح من كل ذلك أن القديس سلوانس عانى من العديد من التجارب ومر خلال العديد من الآلام ونوبات اليأس، أولاً بسبب حياته السابقة في العالم، ثم بعد ذلك بسبب ابتعاد النعمة الإلهية. إلا أنه كان يعرف كيف يتوب، ويلتجئ لله ويطلب رحمته، حتى يبتعد الألم والضيق. كانت هناك مرات كان يعاين فيها الله نفسه، وجلبت له هذه المعاينة سلاماً داخلياً عميقاً وسكوناً. فهو يصف أنه بينما كان يصلي أمام أيقونة المسيح قائلاً: “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ”، رأى المسيح الحي، وملأت نعمة الروح القدس كل نفسه وجسده، “منذ ذلك اليوم… انجذبت نفسي إليه، ولم تحمل لي الأرض أية لذة. الله هو فرحي الوحيد. إنه فرحي وقوتي، حكمتي وكنزي”. كنتيجة لمثل هذه الخبرة الروحية، التي ليست إنكاراً للحياة بل هي ملؤها، “تحترق النفس بلهيب محبة الرب” ومن “فيض حرارة المحبة… تخرج إليه، غير مشبعة، لأن حرارة هذه المحبة لن تدع النفس تنساه لا بالليل ولا بالنهار، ليس للحظة واحدة”.

يصف الأرشمندريت صوفرونيوس ساخاروف، الذي كتب سيرة القديس سلوانس الآثوسي وكان ابنه الروحي، ما اختبره القديس سلوانس وما شعر به بعد ظهور المسيح الأول له.

“في اللحظة التي ظهر فيها المسيح له شعر بكل كيانه أن خطاياه قد غُفِرَت. وتلاشت نيران الجحيم التي كانت تزأر عليه. وكفت عذابات جهنم التي كان قد اختبرها أثناء الستة شهور السابقة. لقد أُعطي له الآن أن يعرف الفرح والسلام الخاص بمصالحة مع الله. لقد غمر نفسه شعور نادر بالمحبة لله وللإنسان، لكل إنسان، في حين كفت صلاته من أجل التوبة وبحثه المطلق عن الغفران، اللذين لم يكونا يسمحان له بإغماض عينيه في النوم (لكن هل يعني ذلك أنه يستطيع الآن الاستسلام للنوم المريح؟ بالطبع لا).

أثناء الفترة الأولى بعد رؤيته عاشت نفس سمعان، التي كانت قد عرفت قيامتها الخاصة ورأت نور الكيان الحقيقي الأبدي، في حالة من الغلبة الفصحية. لقد كان كل شيء حسناً – كان العالم جميلاً، وكان الناس رائعين، وكانت الطبيعة رائعة جداً. بدا الأمر وكأن قوة أُضيفَت إليه – فقد شعر بأن جسده خفيف ولا يمثل أي عبء عليه – وكانت كلمة الله تفرحه. كانت ليالي السهر في الكنيسة، وبالأكثر أيضاً، صلواته الانفرادية في قلايته مبهجة. ومن فيض فرحه تولدت داخله الرحمة وصلى للعالم كله”.

يتضح من ذلك أنه عندما يكون الشخص متحداً بالله بطرق عديدة وبدرجات مختلفة، وعندما تدخل نعمة الله وقوته نفسه وجسده، فإنه يصبح في سلام. إنه يتخلص من كل أنواع الاضطرابات النفسية ويكتسب قوة جديدة، بل ويشعر أيضاً بالشفقة على العالم كله.

بعد تطهير القلب واستنارة النوس، عندما يأتي المرء لمعرفة الله الروحية، فإنه يحب الجميع ويريدهم أن يعرفوا المسيح في الروح القدس، كما يكتب القديس سلوانس باستمرار.

تمتد هذه المحبة إلى كل الخليقة. يكتب القديس سلوانس أنه قتل ذبابة بالخطأ و”على مدار ثلاثة أيام كاملة بكيت على قسوتي على مخلوق حي، وحتى هذا اليوم بقيت هذه الحادثة في ذاكرتي”. في مرة أخرى صب ماءً مغلياً على بعض الخفافيش وعلى حد قوله “ذرفت دموعاً كثيرة من جديد على هذه الحادثة، ومنذ ذلك الحين لم أؤذِ أي مخلوق حي بالمرة”. في إحدى المرات رأى ثعباناً ميتاً مقطعاً قطعاً وملفوفاً فكتب قائلاً: “امتلأت بالشفقة نحو كل كائن حي، ونحو كل مخلوق متألم، وبكيت بمرارة أمام الله”. ومع وجود ذلك في ذهنه كتب قائلاً: “يعلِّم روح الله النفس أن تحب كل كائن حي بحيث أنها لا تؤذي حتى ورقة خضراء في شجرة، أو تدوس على وردة في الحقل. هكذا يعلمنا روح الله المحبة تجاه الكل، وتشعر النفس بالحنو على كل كائن، وتحب حتى أعدائها، وتشفق حتى على الشياطين لأنها سقطت من الصلاح”.

لقد كان القديس سلوانس الآثوسي خبيراً في الجهاد الروحي الداخلي، وكان يعرف أن التقدم نحو الكمال الروحي يعتمد على درجة محبة الإنسان لله، وأيضاً بالطبع على الدرجة اشتراكه في نعمة الله. من يحب الله بدرجة محدودة “يقاوم الأفكار الشريرة”. من يقتني نعمة الله في أعماق قلبه ونوسه، ولكنه لم يتغلب بعد على أهوائه، يجاهد ضد الخطيئة ويتوسل لله. إنه قد يخطئ في ضعفه، لكنه يحزن على الفور ويتوب. من تغلب على الأهواء وكان واعياً بالنعمة العظمى، لا يتعين عليه أن يجاهد، لكنه يكون حذراً من ارتكاب الخطيئة. “والرجل الواعي بنعمة الله… في كل من النفس والجسد يكون في حالة من المحبة الكاملة، ولو حافظ على هذه النعمة، سوف تصبح عظام جسده رفاتاً مقدسة”.

يمتلئ الإنسان بعيداً عن الله بالألم، والإحباط، واليأس، وتكون نفسه في حالة مقفرة ويقسو قلبه. إلا أنه عندما يبدأ في معرفة نعمة الله، سواء بدرجة كبيرة أو صغيرة، يهرب كل شعور كياني بعدم الأمان وبالفراغ، وتبدأ نفسه وجسده في التعافي. عندما يلجأ الإنسان لله من خلال الكنيسة، يكون معتنياً بأفكاره ويكتسب إيماناً بالله. إنه يسلح نفسه بالصبر والطاعة. تتجلى الصلاة النوسية في قلبه، وتشبع جوعه وعطشه الروحي، بل وتجعله أكثر عطشاً. إنه يصل بلذة الله الصالحة إلى معاينة الله، والشركة في قوى الله المقدسة ومعاينة المسيح. عندئذ تمتلئ كل من نفسه وجسده بالفرح والنعمة، ويتم التغلب على خوف الموت، بل والموت نفسه. وتُشفى كل الاضطرابات النفسية بل وحتى الآلام البدنية، كما نرى في حالة الشهداء، الذين شُفوا من الجراحات التي أصابتهم أثناء مسيرة استشهادهم. ما هو أكثر من ذلك، أن الجسد نفسه قد يصبح رفاتاً مقدساً. يعني ذلك أن تحلل الجسد يتوقف، لأن الموت نفسه، الموجود في جينات خلاياه، يتم تجاوزه.

لا يهدف العلاج النفسي الأرثوذكسي إلى تحقيق الاتزان، أو الاستقرار النفسي والعاطفي والاجتماعي، أو جلب السعادة للفرد، بل هدفه هو تحويل الإنسان بجملته واتحاده بالله. ليس في نيتي تجاهل علم الطب النفسي وطب الأعصاب، اللذين يلجأ إليهما الناس لطلب المساعدة عندما وجود أسباب خاصة كالأمراض البدنية، أو العوامل الوراثية، أو الإجهاد العصبي. لا تشجب الكنيسة العلم. إنها تستعمل إنجازاته في بعض الحالات الضرورية. على كل حال، تقود الكنيسة الأرثوذكسية، من خلال علم اللاهوت الخاص بها، الإنسان إلى الاتحاد بالله، هذا الأمر الذي لا يستطيع أي علم، أو دين، أو منهج فكري أن يحققه.