Monthly Archives: October 2013

السنة العاشرة – العدد الأول – تشرين الأول 2013

 

السنة العاشرة – العدد الأول – تشرين الأول 2013

 

مختارات آبائية

خبرة القديسين

القديس لوقا الطبيب رئيس اساقفة سيمفيروبولوس والقرم

الإلحاد مرض عقلي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

 

عظة

قوّتي في الضّعف تـُكمَل

الأرشمندريت توما بيطار


رعائيات

حوار مع الشباب – 1

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 


حياة روحية

الحياة الزوجية والنسك

الشماس بافل سرزانتوف

 

لاهوت

قابلية تطبيق اللاهوت الأرثوذكسي

المتقدّم في الكهنة يوحنا رومانيدس

 

قصة قصيرة

عرفناه عند كسر الخبز

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

الشفـاء بـواسطـة المناولة المقدّسة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

اعتاد القدّيس يوحنّا كرونشتادت أن يشفي الكثيرين بواسطة نعمة المناولة الإلهية:


فلقد تعرّض أحد معارف الأستاذ الجامعيّ المعروف سيمانوفسكي لداء السلّ الذي أثّر تأثيراً قويّاً على بلعومه إذ كانت الجراح تغطّي البلعوم كلّه ممّا أدّى إلى اختفاء الصوت كلّيّاً، وجعل الجميع يعتقدون بأنّ العليل سوف لا يحيا أكثر من عشرة أيّام. فما كان من الأهل إلاّ أن أبرقوا إلى الأب يوحنّا يلتمسون قدومه إليهم بأقصى سرعة إن أمكن، فوصل إليهم بعد خمسة أيّام. وما إن رأى حالة المريض حتّى بادرهم بسؤاله: “لماذا لم تعلموني بأنّ حالته خطيرة، لكنت أحضرت معي بعضاً من المناولة المقدّسة. ولمّا كان المريض في حالة النزع الأخير راح ينظر بتوسّل إلى الأب الذي استدار نحوه وقال: “أتؤمن أنّي أستطيع أن أساعدك بقوّة الله؟ فأبدى المريض الموافقة بحركة من رأسه. عندها نفخ الأب في فم المريض بشكل صليب ثلاث دفعات، ثمّ تطلّع إلى الطاولة الصغيرة قرب سرير المريض حيث كانت قد تكدّست أدوية مختلفة، وضربها بقوّة فوقعت بعض الزجاجات أرضاً وتكسّرت. ثم قال: “ارمِ هذه الزجاجات كلذها. إنّها لا تفيدك شيئاً. تعال إلى كرونستادت لأناولك القدسات الإلهيّة. إنّي أنتظرك”.

وعند المساء حضر الأستاذ سيمانوفسكي لعيادة المريض، ولمّا أُخبر بأنذه في  صباح اليوم التالي سوف يقصدون كرونشتادت قال بأنذ المريض سوف يموت في الطريق. ولكن المريض كان يثق جدّاً بالقدّيس يوحنّا، فأصرّ على الذهاب إليه.

بقي هناك يومين حيث ناوله القدّيس الأسرار الإلهيّة. وعند عودته إلى البيت، ذُهل الأستاذ لأنّ الجراح كانت قد التأمت كلّها غير أنّ الصوت بقي ضعيفاً. فاعترف عندئذ سيمانفسكي أمام الجميع قائلاً: “إنّها ظاهرة غريبة. حقّاً إنذها معجزة”. وهكذا عاش المريض المحتضر بعدها خمساً وعشرين سنة أخرى.

 

 

 

 

 

عرفناه عند كسر الخبز

عرفناه عند كسر الخبز

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

ذهب خادم تقيّ إلى الكنيسة لحضور قداس العيد. وعند دخوله الكنيسة وجد إنساناً فقيراً متواضع الحال بسيط المظهر، يحاول الخدّام منعه من الجلوس في المتكآت الأولى لأنّها مخصّصة لكبار رجالات الدولة وكبار الزوّار الذين يرتادون الكنيسة في الأعياد.

ولمّا فشلوا في إقناعه، تدخّل هذا الخادم التقيّ، ونجح في إقناعه، واصطحبه إلى آخر المتكآت وجلسا سويّاً وصلّيا. ثمّ فور انتهاء القدّاس، استأذن هذا الإنسان الفقير من الخادم التقيّ وهمّ بالانصراف.

ولكنّ الخادم أشفق عليه، وفكّر في الحصول على بركة بسببه. فعرض عليه بإلحاح أن يتناولا طعام العيد سويّاً. وقال في داخله: “ما الفائدة في أن أتناول وجبة العيد بمفردي أو مع الأهل والأصدقاء؟ البركة والسعادة والشبع الحقيقيّ في أن أُشبع الجوعان حسب قول السيّد له المجد: “جعت فأطعمتموني” (متى 35:25).

واصطحب الخادم هذا الإنسان الفقير في فرح وسعادة إلى منزله. ولكن سرعان ما وجدت هذه السعادة الروحيّة ما يحاول إطفاءها، إذ اعترض أهل هذا الخادم على تصرّفه بشدّة، واتذهموه بعدم الحكمة إذ كان يكفي أن يعطيه صدقة ويتركه يمضي في سبيله. وليس من الضروريّ دخول إنسان لا يعرفونه إلى منزلهم.

وبعد إصرار ومباحثات، نجح الخادم في أن يستضيف ضيفه الفقير في قبو المنزل. وكون هذا الخادم غير متزوّج، فقد فضّل ألاّ يترك ضيفه الفقير يأكل بمفرده، فقام بإعداد مائدة صغيرة لتناول وجبة العيد.

ويقول هذا الخادم معلِّقاً على ما حدث على المائدة: كنت متوقّعاً من هذا الإنسان الفقير البسيط أحد تصرّفين: إمّا أن يخجل وينتظر من يقدّم له الطعام، أو أن ينقضّ على المائدة أمام إغراء المأكولات وأمام جوعه وحرمانه. ولكنّ الذي حدث عكس هذا وذاك، فإذ بهذا الإنسان الفقير لمّا اتّكأ أخذ خبزاً وبارك وكسر وناول، والدهشة الكبرى كانت أنّه بعد كسر الخبز اختفى للتوّ. (لو 35:24)

إنّه المسيح الذي يريد أن يتّكئ على موائدنا، ونحن نرفض في قسوة وغباوة وعجرفة. اقبلوه بهيئته البسيطة ومنظره المتواضع.

إن كنتم تريدون أن يكسر المسيح لكم الخبز، فلا تمدّوا أيديكم إلى موائدكم، ولا يهنأ لكم بال إلاذ بعد أن يكسر الفقير أوّلاً الخبز على موائدكم، وتذكّروا قول الربّ له المجد: “الحقّ أقول لكم ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه” (متى 40:25).

حول إنجيل أعياد السيدة

حول إنجيل أعياد السيدة

الأب أنطوان ملكي

في القراءة الإنجيلية لأعياد السيدة، ما عدا البشارة، مقطعان يشيران إلى أن معايير الرب مختلفة عن معايير البشر. الأول عندما تأففت مرتا قائلة للرب: “«يَارَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها:«مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا»”. والثاني في الختام: “وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا، رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَوْتَهَا مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَتْ لَهُ: «طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا. أَمَّا هُوَ فَقَالَ:«بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ»”.

المقطعان من إنجيل الرسول لوقا ولكنهما ليسا من نص واحد، لكن الكنيسة وجدت أن تقديمهما كنص واحد في أعياد السيدة فيه تعليم. فما الذي تريدنا الكنيسة أن نعرفه من هذا النص؟ كما ذكرنا أعلاه أن معايير الرب هي غير معاييرنا. في المقطع الأول نرى مرثا منشغلة جداً لكي تقوم بالواجب، بحسب تعبيرنا العامي. لقد شغلها اهتمامها بالواجب عن الشخص الذي هو سبب المناسبة، حتّى أنها لم تتردد في استغلال وجوده لتوجّه إلى أختها ملاحظة. لكن الرب كان واضحاً جداً بأنّ كل ما يشغلنا ليس حاجتنا الفعلية لأن الحاجة الوحيدة هي اكتساب كلمة الله والالتزام بها. هذا هو واجبنا بمنظار الله ونحن نقوم بهذا الواجب عندما نحققه. هذا درس يصعب على الإنسان المعاصر “الاجتماعي” أن يستوعبه وأن يحققه. فالواجبات صارت لها معاييرها التي تحكم علاقات البشر ببعضهم البعض وأحياناً بالله، بينما العكس هو ما يراه ويريده الرب.

أما المقطع الثاني فهو حول ردة فعل هذه المرأة العفوي ومناداتها بالتطويب للبطن الذي حمل يسوع. هذا الرد الفعل واقعي جداً في مجتمع يؤمن بأن الإنسان هو ما أخذ وورث عن أهله. مجتمعنا اليوم لا يختلف كثيراً عن مجتمع ذلك الزمان، فغالباً ما يتعاطى الناس ويحددون علاقاتهم بالآخرين على قياس ما ورث الآخرون. معيار الرب واضح: يحصل على التطويب الإنسان الذي يستوعب الكلمة ويلتزم بها.

إذاً، معيار الرب هو الالتصاق بكلمته. من هنا أن الكنيسة أرادت أن تقول لنا أن نصيبنا الصالح هو الرب نفسه وكلمته التي ينبغي بنا أن نلتصق بها، ومن دون الالتصاق بهذه الكلمة وإعطائها حقها لا ينفعنا محتد ولا أب ولا أم. ومهما كانت أعمالنا صالحة لا نستحق الطوبى إلا إذا عملنا بوصية الله.

إن والدة الإله مستحقة للطوبى بكل المعايير. فإذا كان الأمر هو أمر أعمال، فهي ولدت الإله. وإذا كان أمر حفظ الكلمة فيخبرنا الإنجيل بأنها هي التي ارتضت أن تكون أمة لله. وإذا كان أمر محتد وسلالة فهي ولدت الإله. لكن الأمر الأهم هو أنها حفظت كلمة الله وعملت بها بغض النظر عن مواقف الباقين.

قابلية تطبيق اللاهوت الأرثوذكسي

قابلية تطبيق اللاهوت الأرثوذكسي

المتقدّم في الكهنة يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كل البشر، بغض النظر عن الجنسية والعِرق واللون، لديهم مَلَكة نوسية وبالتالي إمكانية بلوغ الاستنارة عن طريق التطهر ومن ثمّ إذا ارتضى الله يمكنهم أن يختبروا التمجيد بدرجاته المختلفة. في كل الأحوال، درجات المعاينة المختلفة هي الخبرات الأكثر سمواً في الحياة الروحية واللاهوت الأرثوذكسيين. إن هذه الحياة الروحية واللاهوت ليسا يونانيين ولا روسيين ولا بلغاريين ولا صربيين، إلخ، بل هما نبويين رسوليين وببساطة مسيحيين.

على هذا الضوء يمكن السؤال: “ما هي الروحانية الروسية” ولماذا تُقَدَّم كشيء أعلى أو أقلّه مختلف عن الروحانيات الأرثوذكسية الأخرى؟

يبدو أنه متى توصّل اللاهوتيون الأرثوذكسيون إلى معرفة أن أسمى أشكال اللاهوت هي المعاينة، التي هي التقليد المستمر للعنصرة في التاريخ، عندها يصير بإمكانهم اتّخاذ مواقف لتفحّص هذا التقليد في إطاره التاريخي بهدف تقييم تطبيقات هذا اللاهوت بشكل صحيح على علاقة الكنيسة بالمجتمع والعالم بشكل أوسع.

إن العنصر الأكثر قوة في هذا الفهم للاهوت هو أن مَن يحمله متحرر من العبودية لبيئته، ليس عن طريق الهروب منها بل بتحرير المَلَكة النوسية من تأثير وهيمنة العقل والأهواء والبيئة حتى أن الذين بلغوا الاستنارة والمعاينة يصيرون قادرين على تحويل العقل والأهواء والبيئة.

واضح تماماً أن المسيح صلّى لوحدة الرسل وأتباعهم على أساس أن نجد الآب مستقر فيه بالروح القدس “لكي يؤمن العالم” أن الآب أرسله. إجمالاً، العالم لا يؤمن بسبب المسيحيين كونهم في أغلب الأوقات ليسوا أفضل من أعضاء الأديان الأخرى لا بل أسوأ. بسبب المسيحيين، الكثيرون لا يستطيعون أن يجدوا المعنى الجدّي للمسيحية، مع أنهم يقبلون المسيح كقائد ديني عظيم ومعلّم أخلاقي.

إن مَن يجعل العالم يؤمن بأن الآب أرسل الابن هم المسيحيون في حالتي الاستنارة والتمجيد. يستطيع الإنسان أن يتفحّص كيف أن الممجَّدين يؤثّرون في محيطهم بدراسته سير القديسين مع التركيز على الأيقونات  والرفات. واستناداً إلى هذا التقليد، تقليد التمجيد، يتأكد الإنسان أن الكثير من الأصنام  والخرافات قد غَزَت الفهم الأرثوذكسي المعاصر للتاريخ من خلال التقليد الروسي الرسمي الذي، بعد بطرس الأكبر، خان حضارة روما الجديدة الأرثوذكسية والتحق بالحضارة الإقطاعية التي في أوروبا الفرنجية. إن استمرارية تقليد التمجيد تعني أنه طالما هو مستمر، فالتقليد الآبائي مستمر، ما يعني ببساطة أن الجوهر الأساسي للتقليد الأرثوذكسي مستمر. عند سقوط روما الجديدة، كان هذا التقليد قوياً جداً بين روميي بطريركيات روما الجديدة، الإسكندرية، أنطاكيا وأورشليم.

مباشرة بعد قيام بطريركية موسكو، أدانت كنيسة موسكو الهدوئيةَ بشكل رسمي، واستخفّت بشيوخ ما وراء الفولغا الذين عُرفوا بعادمي القنية، ودعمت شكلاً من الرهبنة غريباً عن تقليد التمجيد وأكثر شبهاً بالمؤسسات الرهبانية الإقطاعية في أوروبا الإقطاعية. مع هذا، هناك ميل إلى تصوير الأرثوذكس الروم تحت الاحتلالين العربي ومن ثمّ التركي وكأنهم أرثوذكسيون من الدرجة الثانية فيما الأرثوذكسية الروسية هي المثال الأفضل لكل ما هو أرثوذكسي.

يبدو في الواقع أن الكنائس ذات تقليد التمجيد القوي ليست أفضل أو أسوأ من الكنائس الأخرى ذات التقليد نفسه، لأن معاينة الله هي نفسها حيثما وجدت، ما يعني أن التقوى والحياة الروحية واللاهوت هي نفسها أيضاً. في مطلق الأحوال، واضح أنه عندما بدأ النزاع حول عقيدة الانبثاق بين الفرنجة والروميين، كان على الفرنجة تلقائياً أن يقضوا على التقليد الآبائي لأن الآباء الروميين بعد القديس يوحنا الدمشقي كتبوا ضد عقيدة انبثاق الروح القدس وأدانوها بقوة.

من الضروري دراسة متى ولماذا تبع الروس الإفرنج في القضاء على التقليد الآبائي لتكوين صورة واضحة. إن هذا التقليد الروسي هو الذي حُمِل إلى مملكة اليونان الحديثة مع تأسيس المدرسة اللاهوتية في جامعة أثينا. إنه لمهم جداً أن مجمع 1368 في القسطنطينية أعلن أن القديس غريغوريوس بالاماس هو من آباء الكنيسة العظماء وحرم كل مَن لا يتوافق معه. ما قام به هذا المجمع فعلياً هو إدانة أولئك الذين كانوا يوافقون الإفرنج بأن لاهوتهم السكولاستيكي هو أفضل من اللاهوت الآبائي الذي، بنظر الإفرنج، انتهى في القرن الثامن.

واضح جداً أيضاً أن لا مكان في التقليد الأرثوذكسي للتمييز اللاتيني بين ما يسمونه الحياة العملية والحياة التأملية. فهذان الجانبان من حياة البتولية في تقليد الرهبنة والأخويات اللاتيني غريبان عن الأرثوذكسية. السبب لذلك بديهي: عندما تبلغ المَلَكة النوسية ذكر الله وحده وتحتويه، فالعقل والذاكرة والجسد والأهواء تستمر بالعمل ولكن تحت سيطرة النوس المتحرر كلياً بدلاً من سيطرة البيئة. ولأن المحبة في هذه المرحلة ليست موجهة للذات بل غير أنانية فمَن بلغ هذه المرحلة لا يحب الله وحده وحسب بل أيضاً البشر والخليقة، حتّى أنه مستعد للتخلي عن خلاصه الشخصي لخلاص الآخرين.

هذا يعني أن التمجيد الحقيقي يتخطّى المَلَكة النوسية ويتخم النفس والجسد ويقدّس المحيط، اي الخليقة الاجتماعية والمادية. المحارب الأرثوذكسي لا يطلب الفرار من العالم المادي، بل تقديس العالم المادي بتحريره من الشيطان وأتباعه. غير أنه يتعلّم أولاً كيف يربح المعارك من أولئك الذين صاروا خبراء في هذه الحرب ومن ثمّ هو يعلّم الآخرين.

هذا فحوى الدراسة النقدية لتطبيق اللاهوت الأرثوذكسي.

الإلحاد مرض عقلي

الإلحاد مرض عقلي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

الإلحاد مرض عقلي: إنه جرح مريع في نفس الإنسان يصعب شفاؤها. الإلحاد هو هوى يظلم مَن يتملّكه بقسوة. إنه يختزن الكثير من المصائب لمَن يحتجزه، ويصير مؤذياً ليس له وحسب، بل لكل الذين حوله.

ينكر الإلحاد وجود الله. إنه لا يقرّ بأن هناك خالق إلهي للكون، ولا يعترف بتدبير الله وحكمته وصلاحه وبشكل عام بصفاته الإلهية. يعلّم الإلحاد الكذب لأتباعه ويستنبط نظريات خاطئة حول خلق العالم. إنه يعترف، مثل بيثيا على المرجل ذي الثلاثة قوائم (بيثيا كاهنة إغريقية كانت تجلس على مرجل ذي ثلاثة قوائم من البرونز في معبد أبولو وتطلق التكهنات: المترجم)، بأن الخليقة هي نتاج الحظ، وأنها تستمر وتُحفَظ من خلال تفاعلات عشوائية لا هدف لها وأن بهاءها يظهر بشكل عفوي مع الوقت وأن ما يُشاهَد من التناغم والنعمة والجمال في الطبيعة هي صفات أصيلة للنواميس الطبيعية. ينكر الإلحاد على الله، الذي لا يعترف به، صفاته الإلهية، وبدلاً من ذلك، يمنح المدة الهامدة الواهنة هذه الصفات وهذه القدرة الخلاقة. الإلحاد يعلن بحرية أن المادة هي علّة كل شيء، وهو يؤلّه المادة بهدف إنكار وجود كائن أكثر سمواً ذي روح مبدع رفيع يهتم بكل الأشياء ويحافظ عليها.

بسبب الكفر، تصير المادة الكيانَ الحقيقي الوحيد، بينما لا يعود الروح موجوداً. بالنسبة للإلحاد، الروح والنفس هما من اختراع الغرور البشري الذي يلفقها لإرضاء مجده الباطل. ينكر الإلحاد طبيعة الإنسان الروحية. إنه يسحب الإنسان من المقام العالي الذي وضعته فيه قدرة الخالق ونعمته إلى أسفل ويضعه على مستوى الحيوانات غير العاقلة التي يعتبرها أسلاف ذريته المميزة النبيلة. يقوم الإلحاد بكل هذا ليشهد لكلمات المزمور: ” انسان في كرامة ولا يفهم يشبه البهائم التي تباد” (مزمور 20:48).

الإلحاد ينتقص من الإيمان والرجاء والمحبة في العالم التي هي ينابيع معطية الحياة من الفرح والرجاء والمحبة . إنه يطرد البِر من العالم ويرفض وجود تدبير الله ومعونته. يقبل الإلحاد القوانين الموجودة في الطبيعة لكنه يرفض ذاك الذي ثبّتها.يسعى الإلحاد إلى قيادة الإنسان إلى سعادة خيالية؛ مع هذا، فهو يتخّلى عنه ويهجره في وسط اللامكان، في وادي النحيب، عارياً من كل الخيرات السماوية، فارغاً من كل تعزية تأتي من فوق، مجرداً من القوة الروحية، ثكلاً على الفضيلة الأخلاقية، ومعرىً من المؤن التي لا غنى عنها على الأرض: الإيمان والرجاء والمحبة.

يحكم الإلحاد على الفقير بالهلاك ويتركه واقفاً وحيداً كفريسة وسط صعوبات الحياة. إذ ينزع المحبة من داخل الإنسان، يجرده الإلحاد من محبة الآخرين له ويعزله عن العائلة والأقارب والأصدقاء. الإلحاد يقتلع كل أمل بمستقبل أفضل ويستبدله باليأس. إن الإلحاد مريع! إنه أسوأ الأمراض الروحية.

الحياة الزوجية والنسك

الحياة الزوجية والنسك

الشماس بافل سرزانتوف

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

كل شيء بدأ مع الجدين الأولين، آدم وحواء. لقد أوصِيا في الفردوس بألاّ يتذوّقا شجرة المعرفة (أنظر تكوين 17:2). وصية عدم الأكل من هذا أو من ذاك مألوفة لدى الأرثوذكسي، فهي وصية الصوم، أقدم الوصايا وأحد المؤثّرات الأولى في الحياة العائلية.

كما نعرف، أولى العائلات جرّبها الشيطان أصل كل الشرور. لم يستطع ذاك الحسود أن يرى حياتهما السعيدة بهدوء. كسر آدم وحواء الوصية فاستُدعيا إلى الحساب، فحاولا أن يرميا اللوم أحدهما على الآخر وكأنهما غير مخطئين بالكليّة. لكن ليس هذا وحسب، بل أن آدم لام زوجته التي، كما يشدد هو، قد تلقّاها من الله. هكذا تمّ السقوط في الخطيئة، دون أن يتوب الناس على ما فعلوه، فحرمهم الله من الفردوس وأعطاهم كفارة. فلنستذكر كلمات هذه الكفارة التي أعطاها الله، فقال للمرأة: “تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ” (17:3)، وللزوج قال: “بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (19:3).

دخلت الأحزان حياة الكائنات البشرية. إن احتمال الأحزان بصمود هو جزء من النسك. مهمتنا هي تذكّر أن الأحزان أتت كنتيجة للخطيئة. علينا أن نحتملها من دون غضب ولا تمتمة ضد الله. المرض مؤلم والموت، أي العودة إلى التراب، أيضاً مؤلم. هذا الشعور ينبغي أن يذوب بالتوبة فتسمو أفكار الموت الثقيلة لتصير ذِكراً له. بعد السقوط، صار على آدم أن يعمل وبجهد. هكذا صارت حياته وهكذا هي حياتنا. على كل إنسان أن يفكّر في كيف يقتات هو وعائلته، لذا قد يقوم في بعض الأحيان بأعمال صعبة ومضجرة.

رأى أحد الرعاة أن بعض أبناء رعيته يحبَطون من العمل الذي يكررونه كل يوم فأشار عليهم بأن عمل المتزوّج هو مثل طاعة الراهب. كما نعلم، لا يختار الرهبان أعمال الطاعة مما يوافق أذواقهم، فالراهب يعمل كل ما يُعطى بركة للقيام به، سواء كان جذّاباً أم مضجراً. الطاعة تعوّد الراهب على قطع مشيئته وبالتالي القيام بمشيئة الله. بالنسبة لآدم وذريته، مشيئة الله، بعد السقوط إلى ظروف غير فردوسية، هي في ألا يتأفف الإنسان من وضعه وأن يتوب ويضع رجاءه في الله الذي يقود البشر إلى ملكوته.

بالنسبة للمرأة، الحمل هو زمان تجربة خاصة. عليها أن تفكر في طفلها أكثر مما تفكّر بنفسها، أن تهتمّ بصحتها، أن تحفظ نظامها الغذائي، وربّما التخلي عن عمل مربح من أجل الطفل، أي أن تتخلى عن نموها المهني. هذا هو جهادها في التخلي عن الذات. طبعاً من دون الإشارة إلى ألم الولادة والاهتمام المستمر بالوليد والانشغال به.

على أهل الطفل أن يحرموا ذواتهم من الحد الأدنى من الراحة والنوم. إنهم مهتمون بصغيرهم، وهم يصلّون في الأوقات العصيبة من أجل صحة ولدهم: “أيها الرب، أنت تعرف كل شيء، ومحبتك كاملة. خذ نفس (فلان) وافعل ما أرغب في فعله ولكني أعجز عن ذلك”. وإذا ما وُلِد الطفل معاقاً… فالحاجة هي إلى إيمان عظيم بتدبير الله لحمل هذا الصليب الثقيل.

مباشرة بعد ولادة الطفل تبدأ مهمة عظيمة وهي تربيته. حتّى لو أخذنا الوجه غير الديني للمسألة نعرف أننا لا يمكننا أن ننجز الأمر من دون معونة الله. يشدد أحد الرعاة المعاصرين على أن أساس تنشئة الأولاد وتربيتهم هو البيت، فيما المدرسة تخدم كمتمم إلى ما يجري في العائلة. المتمم مهم لكن فقط لتحسين الأمر الأساسي. غالباً ما نرى أن المطلوب من الأولاد في المدرسة هو حفظ المعلومات، وأقل من ذلك بكثير يتمّ تعليمهم كيف يفكرون بأنفسهم. وأقل من ذلك ما يتلقّون من تعليم الأخلاق. ماذا ينبغي أن يُعمّل في هذه الحالة؟ يمكن للعائلة أن تعوِّض عن نواقص التربية غير الشخصية والتجارية، إذا كان الأهل جديين في الاهتمام بطفلهم، ليس فقط بحاجاته الجسدية، بل ايضاً العاطفية منها. هذا يتطلب سنين كثيرة من الصبر.

الأهل مدعوون أيضاً إلى الاهتمام بحاجات الطفل الروحية. من الجيد تعليم الولد الصغير أن يصلي، حيث أغلب المدارس والجامعات لا تعلّم الصلاة لله. لكن لتحقيق ذلك، يجب أن يعرف الأهل أنفسهم كيف يصلّون بانتباه، أن يفهموا لغة الصلاة، أن يكونوا قادرين على شرح جوهر خدم الكنيسة لولدهم بطريقة ملائمة. مع نمو الولد نحو عمر المدرسة يجب تهيئته لاعترافه الأول. كيف يستطيع الأهل أن يشرحوا له ما هي الخطيئة وسبب حاجته لأن يخبر الكاهن عن خطاياه؟ هنا الدور الأول هو للمثال الشخصي كما لجهاد الأهل على الطريق الروحية. إذا قدّمت الأم الطفل إلى المناولة فيما هي لا تقترب من الكأس المقدسة أو من الاعتراف، أو إذا كان الأب لا يذهب إلا نادراً إلى الكنيسة، فسوف يكون إقناع الولد بحاجتنا جميعاً للأسرار الكنسية أمراً صعباً.

في البيت، إن لم يكن هناك ترتيب للفطور والغداء والعشاء حيث أن كل واحد يأكل حين يشاء، وحتّى حين لا يشاء، من الصعب على الولد أن يستوعب فكرة الصوم. لا يمكنكم أن توجهوا الأولاد إلى الصوم إذا كان مسموحاً لهم أن يأكلوا ساعة يشاؤون أو الجري في المنزل حاملين قطعة خبز أو بسكويت أو غيره. انتظام الأكل هو بداية النسك… صلاة ما قبل الأكل تعلّم أن تُبدأ كل الأمور بالصلاة…. من المهم تنمية مختلف أشكال الحياة المسيحية اليومية، الظاهر والسري منها. يمكن للحياة المنزلية أن تكون رافعة جيدة للحياة الروحية كما يمكنها أن تكون إعاقة عميقة.

إن هوى محبة الذات يظهر كأسوأ أعداء العائلة. الأنانية هي عدو خطير. إذا ما كان الزوجان لا يريدان أن يتبع أحدهما الآخر في أي شيء، مستميتاً كل منهما في الحفاظ على كبريائه، إذا كان كل منهما يعدد باستمرار ما قام به من أجل العائلة فسوف تنهار العائلة شيئاً فشيئاً. إذا كان الزوجان يسمحان بالغضب السريع وبالجدال حول التفاهات ويعجزان عن العيش بسلام معاً أو مع الأقرباء فسوف يشعران بالبؤس وسوف يمتصّ أبناؤهما هذا المثال السيء. من أصعب الأمور هو تنشئة الأولاد على مثالنا.

مطلوب من الأهل جهاد نسكي حقيقي لكي لا يسلّموا أولادهم إلى تربية التلفزيون والإنترنت أو الشوارع. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، يجب الاّ يُعذّب الأولاد بالاهتمام الفائض. بالنهاية، الاهتمام المفرِط يقود إلى الطفالة والانطواء وأحياناً إلى الانتفاض على  الأهل. العائلة هي مدرسة محبة. كل النسك المسيحي موجّه نحو اكتساب المحبة. لقد اختصر ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الوصايا كلها باثنتين: محبة الله ومحبة القريب. يقارن القديس ثيوفانس الحبيس المحبة بالنار: إن لم نطرح فيها الحطب تمت، وإذا لم تُغذَّ المحبة بين الزوجين بأعمال المحبة فسوف تموت في آخر الأمر. وما هي أعمال المحبة هذه؟ إنها الاهتمام الأساسي بالآخر، علامات الاهتمام الظاهرة وغير الظاهرة. إنها القدرة على تخطي انجرارات الغضب أثناء الشجار والتوصل أولاً إلى المسالمة. إنها القدرة على الإمساك بالميول الأنانية وتصحيح الأعمال مع الافتكار الدائم “أنا لست وحدي”.

حوار مع الشباب – 1

حوار مع الشباب – 1

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

حوار الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس مع مع طلاب السنة السابعة في إحدى مدارس اليونان


السؤال الأول: هل من تحديد للنفس؟

جواب: النفس خلقها الله بقواه، وهي تحيا وغير مائتة بالنعمة، تتميّز عن الجسد لكنها متحدة به. الإنسان مكوّن من جسد ونفس وكل من الإثنين لا يشكّل إنساناً بذاته. لا تؤمن الكنيسة بأن الجسد يوجد قبل النفس أو النفس توجد قبل الجسد. النفس هي المكوّن الروحي لوجود الإنسان وهي التي تعطي الحياة للجسد. من المذهل أن يتعرّف الإنسان على نفس الشخص ولا يركز فقط على جسده.

السؤال الثاني: ما الذي قادك لتصير كاهناً؟

جواب: صرت كاهناً بسبب الحياة الكنسية التي عشتها من الصغر، وبسبب محبتي لله والإنسان. هذا كان نتيجة طبيعية للحياة الكنسية وأنا في أفضل حال. كصبي، أحببت الهيكل المقدس وتعلّقت به. لقد ألهمني أشخاص أحبّوا الله والكنيسة. صرت كاهناً بسبب المحبة ولس لأنه لم يكن لدي ما أفعله. أنا الآن لستُ سعيداُ وحسب، بل حر أيضاً. لست أهتمّ بالوجود بل بجودة الوجود، لا أجاهد من أجل السعادة بل من أجل الحرية. هناك فرق كبير بين الإثنين.

السؤال الثالث: كيف تشعر نحو مركزك وما هي علاقتك بالله؟

جواب: كأسقف أشعر بأن علي مسؤولية نحو المسيحيين، نحو الكهنة، نحو الشباب والشيوخ. أنا خادم للجميع وساعة يشاؤون أنا أبوهم ومعالجهم. بالطبع، عندما يقيم الكاهن الليتورجيا ويصلّي يشعرون بوجود الله. الله ليس فكرة، ولا هو كائن غير شخصي، أو قيمة وهو وإن كان الأكثر كمالاً إلا إنه عشق وعاشق ولهذا هو يتحرّك نحو الإنسان وكمحبّ يشد إلى ذاته الذين يستحقون العشق.

السؤال الرابع: لماذا يبتعد الناس عن الكنيسة، وبخاصة الشباب؟

جواب: أن ينأوا بأنفسهم لأنهم لا يشعرون بالكنيسة كما هي فعلياً، فهم يشعرون بأنها شيئاً من الدين، أو كمتجر للهدايا التذكارية، أو دار للرعاية، وما إلى ذلك. ونحن جميعنا نتحمّل اللوم  في هذا، ككهنة لأننا لا نظهر ماهية الكنيسة الحقيقية والشباب أيضاً كونهم لا يسعون إلى كيان الكنيسة الأعمق. للعثور على ما هو عميق يجب أن تحبوه، وتشعروا بالألم من أجله وتبحثوا عنه. ليست الكنيسة مكاناً للثورة على المتسلّطين وعلى جميع النفاق، بل هي منارة روحية تنير وتقود.

السؤال الخامس: ما هو دور الكنيسة في أزمة اليوم وكيف ينبغي أن يكون؟

جواب: دورها هو نفسه دائماً، وهو أن توحّد وتشفي. عندما يوجد كاهن حساس في رعية ما، فهو ينظمها ويفعلها كجماعة علاجية روحية واحدة. الكنيسة هي أم الجميع، وهي تستقبل الكل من دون تمييز وتمنحهم معنى الحياة. ومع ذلك، أتحدث عن الكنيسة فأنا لا أتكلم مع مؤسسة قائمة، عن مجمع أساقفة ومجموعة من الكهنة، بل عن اتحاد الإكليروس والعلمانيين المعمّدين السالكين بحسب كلام المسيح . أنتم أيضاً أعضاء في الكنيسة. لا تفصلوا أنفسكم عنها.

السؤال السادس: كيف تستخدم الكنيسة ثروتها؟

الجواب: أولاً  أنّ الكنيسة لديها الكثير من الثروات هو أسطورة معقدة، ما يسمى بأسطورة من ثروة هائلة. لدى الكنيسة حالياً 4٪ من الملكية الأصلية التي كانت لها وهي تعطي منها أحيانا لإنشاء المستشفيات والمدارس والجامعات، والمؤسسات، وغيرها، والآن، ما كان هو متاح لها، تعطي منه لعمل الخير. لطالما ساعدت الكنيسة الدولة حتى لا تفلس. هذه هي الحقيقة التي لا ينبغي لأحد أن ينسى أي وقت مضى. علاوة على ذلك، الثروة الحقيقية للكنيسة هو لاهوتها وعبادتها وأعضاؤها، أي المسيحيين.

قوّتي في الضّعف تـُكمَل

قوّتي في الضّعف تـُكمَل

الأرشمندريت توما بيطار

“لا تخف، أيّها القطيع الصّغير”. الرّبّ يسوع هو الرّاعي، ونحن القطيع. والقطيع صغير، لا بمعنى العدد، بالضّرورة؛ بل بمعنى أنّه ضعيف، وأنّه معرَّض لهجمات الذّئاب؛ لأنّ اتّباع السّيّد يفترض أن يكون الإنسان خروفًا لله. وما دام خروفًا؛ فهو، في عالم الذّئاب، في موقع الضّعف؛ لأنّ الخروف لا يمكنه أن يصير ذئبًا؛ وإن تصرّف كذئب، كفّ عن أن يكون خروفًا للمسيح.

إذًا، طبيعة الحياة المسيحيّة تجعل الإنسان في حالٍ دائمة من الضّعف. وهذا، وإن كان صحيحًا بصورة دائمة، وإن كان يشكّل عثرة للعديدين، فإنّه مجال لنزول قوّة الله علينا. الله لا يستقرّ فينا، إذا كنّا أقوياء، بل ونحن في حال الضّعف؛ لأنّه يريد أن يكون هو قوّتنا. لذلك، نردّد في المزامير: “قوّتي من عند الرّبّ الّذي صنع السّماء والأرض” (مز120: 2). والرّسول بولس ينقل، صراحة، حوارًا له مع ربّه، يقول فيه الرّبّ: “قوّتي في الضّعف تُكمَل” (2كور12: 9). لذلك، وإن كان بعضنا يعثر لأنّه ضعيف؛ فإنّ علينا، بالإيمان، أن نثبت حتّى تحلّ علينا قوّة المسيح. تجربة المسيحيّين، عبر التّاريخ، كانت أنّهم كثيرًا ما أرادوا أن يكونوا أقوياء، ورفضوا أن يكونوا ضعفاء، وقالوا إنّ الرّبّ الإله يعينهم في مسعاهم. استعملوا السّيف، وقتلوا، والرّبُّ الإله كان قد قال لهم ببطرس: “ردّ سيفك إلى غمده، لأنّ كلّ مَن يأخذ بالسّيف، بالسّيف يُؤخذ” (متّى26: 52). المسيحيّون، في التّاريخ، كانوا، دائمًا، مجرَّبين بأن يكونوا ذئابًا. والرّبّ الإله أعطانا نفسَه ذرّيّةً جديدة: “هذا هو حمل الله الرّافع خطيئة العالم” (يو1: 29). ما دام الإنسان لا يقبل منطق الضّعف، فلا يمكن أن تحلّ عليه قوّة المسيح، بل يبقى في بشرته، ويستعمل الله ليدعم منطقه، وغروره، وتمسّكه بالقوّة، بحسب هذا الدّهر. يسوع يقول لهذا القطيع: “لا تخف”. المسيحيّون كانوا، وما زالوا، يتصرّفون بدافع الخوف، مع أنّ يسوع أعطاهم نعمة خاصّة لكي يقوَوا على الخوف الّذي فيهم. الإنسان المسيحيّ خائف، في كلّ الأحوال: خائف على مستقبله، على مصيره، على صحّته، على ممتلكاته… خائف كيفما تحرّك. ومَن كان في الخوف، فهو ليس مكَمَّلاً في الحبّ الإلهيّ؛ لأنّ الحبّ يطرح الخوف إلى خارج. لذلك، الرّبّ الإله يُسبغ على هذا القلب سلامه. لكنّ هذا السّلام لا يأتينا بصورة تلقائيّة. لا بدّ لنا من أن نمرّ بمراحل حتّى نقتني سلام المسيح وقوّته، وحتّى يتبدّد الخوف من أفقنا. أوّلاً، لا يمكن الإنسان إلاّ أن يشعر بالخوف. المهمّ ألاّ يستسلم له، وألاّ يجعل تصرّفاته بمثابة ردّ فعل على الخوف الّذي فيه. إذا انتابنا الخوف حيال أمر ما، كائنًا ما يكون، فإنّنا؛ أوّلاً، نصرخ إلى الرّبّ الإله: “أللّهمّ بادر إلى معونتي! يا ربّ، أسرع إلى إغاثتي” (مز69: 1)؛ وثانيًا، نتمسّك بما يَعـِدنا الرّبّ الإله به، ولو كنّا نشعر، في قرارة نفوسنا، بمَيل قويّ، وأحيانًا جامح، إلى فعل العكس. لا بدّ للإنسان من أن يعبر بمرحلة صراع مع نفسه: الرّبّ الإله يقول له شيئًا، ونفسُه تقول له شيئًا آخر! مَن يصدّق؟! عليه، إذا كان مؤمنًا بالرّبّ يسوع، أن يصدّق يسوع، ولو كان صعبًا عليه أن يقتبل كأسه! الكأس، في بداية الأمر، تكون مُرّة. لكن، بالصّلاة والثّبات، تتحوّل المرارة في نفوسنا إلى حلاوة. “مِن قِبَل الرّبّ كان هذا، وهو عجيب في أعيننا” (مز117: 23). إذًا، لا بدّ لنا من أن نصارع. نفسُنا ستقول لنا أشياء تخيفنا، وستبثّ فينا الشـّكوك، وسينتابنا الاضطراب. لكن، بالصّلاة والثّبات والانتظار، لا نلبث أن نجد أنّ المعادلة تتغيّر. مهمّ جدًّا أن نعي أنّ الله حيّ! الله ليس فكرة، وليس ميتًا! هو يريدنا، أوّلاً، أن نتعب ونجاهد، ولو قليلاً. وهو، لرقّته، لا يُحمِّلنا أكثر من طاقتنا. على العكس، حين نجد أنفسنا على وشك أن نغرق؛ إذ ذاك، نجد يده تمتدّ إلينا للخلاص. أليس هذا ما فعله الرّبّ يسوع ببطرس؟! بطرس أخذ يغرق، لكنّه صرخ: “يا ربّ، أَغـِثـْني”! للحال، لأنّه كان يغرق، مدّ يسوع يده وانتشله (متّى14: 30- 31). هكذا يفعل الرّبّ يسوع بكلّ واحد منّا، مهما كانت التّجربة الّتي يكون عُرْضَةً لها. الّذي لا يجاهد لا يمكنه أن يختبر أنّ الله حيّ. يبقى الله، بالنّسبة إليه، فكرة. الّذي يظنّ أنّ الله يكون معه إذا عرف أن يدبّر أموره حسنًا، في كلّ حين، فإنّه يضلّل نفسه. الله، في الحقيقة، لا نعرفه إلاّ في التّجارب؛ لأنّ الإنسان، في التّجربة، يختبر ضعفه. ومتى اختبر ضعفه، أمكنه لا فقط أن يختبر قوّة الله، بل أيضًا أن يميّز قوّة الله، بشكل واضح وصريح. في كلّ التّاريخ القديم، الرّبّ الإله كان يعمل في ضعف إسرائيل، ولم يعمل، ولا مرّة واحدة، في قوّة النّاس. كان ينتظر، دائمًا، أن يصيروا في الضّعف؛ وبعد ذلك، متى صرخوا إليه، يبادر إلى معونتهم. لهذا، فقط في التّجارب، يُعطى الإنسان فرصة أن يعرف الله إلهًا حيًّا، وإلاّ يسترسل طول عمره في التّنظير. ينظّر كثيرًا عن الله، ولا يعرفه. إذا كان قد قيل: “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات” (أع14: 22)، فهذا معناه أنّنا بضيقات كثيرة نأتي إلى معرفة الله كإله حيّ، وإلى علاقة حقيقيّة أصيلة به.

لهذا السّبب، إذا كان القطيع صغيرًا، فهذا من تدبير الله ومن بركاته، حتّى يتسنّى لهذا القطيع أن يتشدّد من فوق! “لأنّ أباكم قد ارتضى أن يعطيكم الملكوت” (لو12: 32). لهذا، لا تخافوا شيئًا! “بيعوا ما هو لكم وتصدّقوا”! اسلكوا كأحرار! الإنسان يحتاج إلى أن يتحرّر من خوفه، ومن كلّ موضوع له علاقة بهذا الخوف. هو يحتاج إلى أن يتحرّر من تمسّكه بأمواله، مثلاً! بيعوا وتصدّقوا! لا تخافوا! لأنّكم إن فعلتم ذلك، تجعلون لكم “أكياسًا لا تبلى وكنزًا في السّموات لا ينفد، حيث لا يقرب سارق ولا يُفسد سوس”. بقدر ما يسعى الإنسان لأن يتحرّر من موضوع خوفه – طبعًا بنعمة الله، إنّما بالوعي والجهاد، في آن معًا – ينمو في النّعمة والقامة، إذ “حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم”. الإنسان الّذي يكون كنزُه اللهَ، هذا يجد قلبَه في الله، ويصير حرًّا كالعصفور. لا شيء، على الإطلاق، يبلّل جناحيه ويمنعه من التّحليق في آفاق الله. “لتكن أحقاؤكم مشدودة وسرجكم موقَدة”. بكلام آخر، كونوا، دائمًا، مستعدّين للتّجربة. التّجربة لا بدّ من أن تأتي، على كلّ صعيد. يُجرَّب الإنسان بأمواله، بصحّته، بالوضع الأمنيّ في البلد… يُجرَّب في كلّ الأحوال، ولا يعرف متى تأتي السّاعة الّتي يكون فيها عرضة للتّجربة. المهمّ أن تكون أحقاؤنا مشدودة. والحـِقّ هو ما نلبس في جهته السَّير لأجل الانطلاق، لأجل السّفر. الإنسان، حين يريد أن ينام ويسترخي، يفكّ سَيره. أمّا إذا أراد أن ينطلق، فيشدّ حقويه، يشدّ سيره وينطلق لأنّه في سَفَرٍ. نحن في حال سَفَر إلى وجه الله. هذا نفعله ليل نهار. “وسُرُجكم لتكن موقَدة”. طبعًا، ليس المقصود السّرُج المحسوسة، بل أنّ استعدادنا ينبغي أن يكون كاملاً، وعينا ينبغي أن يكون كاملاً، صلاتنا ينبغي أن تكون حاضرة، في كلّ حين: “صلّوا في كلّ حين. صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1). هذا هو السّراج الّذي يحتاج إليه الإنسان، وإلاّ يعيش في ظلمة قلبه، وتأتيه التّجربة ولا يقدر أن يحتملها؛ فيسقط. “وأنتم كونوا مثل أناس ينتظرون سيّدهم”. نحن في حال انتظار، دائمًا. مهما كانت التّجربة، نحن ننتظر مجيء السّيّد. السّيّد في حال مجيء دائم. “كونوا مثل أناس ينتظرون سيّدهم متى يرجع من العرس، حتّى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت”. أيّ عرس؟! العرس السّماويّ! الرّبّ يسوع قام من بين الأموات! السّماء في عرس، نحن مدعوّون إليه، ولا بدّ للمعلّم من أن يأتي ويأخذنا إليه! هذا ما وعدنا به! يأخذنا إليه، لكي تكون لنا شركة في عرسه، لكي نجلس إلى مائدته السّمويّة، لكي نفرح! هذا هو التّعبير عن الفرح في الملكوت. المهمّ أن نكون مستعدّين، دائمًا؛ حتّى يجدنا سيّدنا، متى جاء، في اليقظة، والانتباه، والوعي، والحضرة، لا متكاسلين، ولا سالكين في التّهاون، بل صاحين منتبهين، نؤدّي عملنا بحرص، وانتباه، وأمانة لله. “طوبى لأولئك العبيد، الّذين إذا جاء سيّدهم وجدهم ساهرين”. يسهر الإنسان، ليل نهار، على حفظ الأمانة لله، وعلى تسليم نفسه إليه. “فالحقّ أقول لكم إنّه يشدّ وسطه، ويُتكئهم، ويدور يخدمهم”. الرّبّ يسوع، حين يجد الإنسانَ تعـِبًا من الانتظار والجهاد، يعزّيه شخصيًّا. هو يشدّ وسطه. الّذي يشدّ وسطه، هنا، ليس المسافر، بل مَن يريد أن يغسل أقدام النّاس، كالعبد الّذي يشدّ وسطه حتّى يغسل قدمي معلّمه. الرّبّ يسوع، حين يجدنا في حال الجهاد، يجعل نفسه خادمًا لنا، “يشدّ وسطه، ويُتكئهم، ويدور يخدمهم”! يفرح بهم! لم يأتِ الرّبّ يسوع لكي يُخدَم بل ليَخدم (متّى20: 28). “وإن جاء في الهجعة الثّانية [أي في منتصف اللّيل]، أو جاء في الهجعة الثّالثة [أي بين السّاعة الثّانية عشرة والسّاعة الثّالثة فجرًا]، ووجدهم كذلك، فطوبى لأولئك العبيد”! إذا وجدهم ساهرين في كلّ حين، طوباهم! “واعلموا هذا، أنّه لو علم ربّ البيت في أيّة ساعة يأتي السّارق، لَسَهر ولم يدع بيته يُنقَب”. بكلام آخر، نحن لا نعرف متّى يأتي السّيّد ليعزّينا، ويفتقدنا، ويشدّدنا، ويخدمنا. لكن، علينا أن نسهر في كلّ حين وفي كلّ حال، لئلاّ تنقب بيوتنا الذّئابُ العقليّة، والخوفُ، والاستسلامُ للخطيئة، والسّلوكُ في أهواء النّفس والجسد…

“فكونوا أنتم أيضًا مستعدّين، لأنّ ابن البشر يأتي في ساعة لا تظنّونها”. الحقيقة أنّ السّاعة هي السّاعة الأخيرة، لأنّ الرّبّ الإله يريدنا أن نجاهد إلى المنتهى. القدّيس سلوان الآثوسيّ جاهد جهاد الجبابرة. كان ينام ساعة واحدة في الأربع والعشرين ساعة، وكان يصلّي ويصوم. أخيرًا، استنفد نفسه، وصار لا يستطيع أن يجاهد أكثر. وفي اللّحظة الأخيرة الّتي قال فيها: “الله قاسٍ” – لأنّه ظنّ أنّ الله يأتي نتيجة جهاد النّاس – رأى الرّبَّ يسوعَ وجهًا لوجه. الله لا يطالبنا بأكثر ممّا نستطيع. هو يريدنا أن نجاهد إلى الأخير. لكنّ مجيئه ليس ثمرةَ جهادنا، بل ثمرةُ تمسّكنا بالرّجاء به إلى المنتهى، لأنّه يعطينا نفسه مجّانًا. “ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه” (متّى16: 26)؟! الإنسان لا يستطيع أن يعطي فكاكًا عن نفسه، حتّى ولو كدّ إلى الأبد، أو عاش ما طال الأمد (مز48: 7- 8). الرّبّ الإله يعطينا نفسه مجّانًا: “بالنّعمة أنتم مخلّصون، وذلك ليس منكم” (أف2: 8). إنّها عطيّة الله. المهمّ أن نبقى مستعدّين، وثابتين في الرّجاء الصّالح إلى المنتهى، لأنّ ابن البشر يأتي “في ساعة لا تظنّونها”.

آمين.

عظة في السّبت 24 تشرين الأوّل 2009 حول لو12: 32- 40

 

خبرة القديسين

خبرة القديسين

القديس نقولاي فيليميروفتش

ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان*

82-  يقول بعض المنحرفين عن الإيمان إنّ بولس لم يفهم المسيح، بل إنّه أعلن إنجيلاً مختلفًا عن إنجيل المسيح. يا للسّخافة والجهل! فالمسيح كان حيًّا في بولس (غلا 20:2)، فأضحى بولس على شبه الله، وابنًا لله. هل يتكلّم المسيح ضدّ المسيح، أو الله ضدّ ذاته؟ لعلّ ذاك الّذي قال “ونحن جميعًا نشاهد مجد الرّب بوجه مكشوف، كما في مرآة، سوف نتجلّى فنصير على تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرّب الروح” (2 كو 81:3). لعلّه أخطأ في فهم المسيح؟ ماذا يريد المسيح سوى أن نعاين مجده ونتجلّى، ومن أشرار وديدان نصبح صورته؟

83-  هذا الرسول بولس المغبوط هو نفسه قد كتب إلى أهل كورنش: ” لأننا نسلك بحسب الإيمان، لا بحسب ما هو منظور (2 كو 7:5). ولكن بأيّ إيمان؟ الإيمان بالإنجيل. ولِمَن؟ للمسيح. فالإيمان به وبكلامه أثمن بكثير من الإيمان بما نراه بأمّ العين. فهو الّذي نزل من السموات، وصعد إلى السموات. هو وحدَه المرشِد والطريق. وهو العليم بأسرار لا يمكننا أبدًا أن نُدرِكَها لا بالنّظر، ولا بأيّ أبحاثٍ محسوسة. لهذا ينبغي أن نؤمن به، وبه وحدَه. لقد أَعلَنَ لنا ما في طاقتنا أن نحتمله، لا أكثر. وليس باستطاعة إنسانٍ من لحم ودم، قابلٍ للموت، أن يحتمل المزيد.

84-  أمّا الناس الّذين اقتنوا الروح القدس، فأدركوا ما يتخطّى إعلانات المسيح للرّسل. فهموا أكثر، ولكن ليس بالنّظر، ولا بالأمور الحسّيّة، ولا من تلقاء أنفسهم، بل بواسطة الله الروح القدس، الّذي سَكَنَ فيهم، بعد أن تابوا وتطهّروا من خطاياهُم. إنّ حاملي الروح هؤلاء أَغنَوا الكنيسة من خُبُراتهم، وما زالوا يزيدونها غنًى. أمّا المنحرفون الغربيّون، فيرفضون الخبرة الروحيّة القديمة الّتي عرفها أجدادهم… ولم يكتسبوا خُبُرات جديدة، فافتقروا. فيما تبقى الكنيسة الأرثوذكسيّة أمينة لخبرات القدّيسين القديمة، وتغتني باكتساب خبرات جديدة. “لأن من له يُعطَ ويُزاد، ومن ليس له، فالّذي له يؤخَذ منه” (2كو 17:5).

85-  إنّ المسيحيّين المستقيمي الرّأي يسعَون بلا توقّف إلى الاتّصال بالله اتصالاً مباشرًا. وأهمّ وسيلتان لتحقيق هذا التواصل هما المناولة الإلهية والصلاة الدّاخليّة. فنحن، عندما نتلقّى جسد المسيح ودمَه، نجدِّد كياننا كلّه ونحوّله إلى المسيح. نلبس المسيح (1كو10: 16-17 وغلا 3: 27-28 و19:4). هكذا يحتلّ المسيح مكان ذواتنا في داخلنا، شيئًا فشيئًا، فيحيا ويؤمن فينا، إلى أن يصبح هو الفاعل ونحن المفعول، إلى أن نتمكن من الهتاف مع الرّسل، وقد انفصلنا عن أنانيّتنا، وتألَّهْنا: “زال القديم وها حضَرَ الجديد” (2كو 17:5). في عمليّة الولادة الجديدة للإنسان هذه، تجد عقيدة تجسّد ابن الله من جسد العذراء أهمّيتها العمليّة لكل واحد منّا.

86-  كلّ مسيحيّ يستطيع أن يمارس الصلاة الدّاخليّة، ولكنّها أساسًا مطبّقة عند الرّهبان الأرثوذكس الّذين لا ينفكّون يردّدون في قلبهم: “يا ربيّ يسوع، ارحمني أنا الخاطئ”. هذه هي الكلمات الخمس الّتي يتكلّم عنها بولس الرّسول (1 كو 19:14). بهذه الصلاة البسيطة ولكن الكاملة، يمكن أن نحفظ وصيّة الرّب: “صلوا بلا انقطاع” (1تس 17:5). أمّا الثمار النافعة لهذه الصلاة، فيعرفُها كلّ مَن يُمارسها، وكلّ مَن عاشَرَ الرّهبان والرّاهبات الّذين يمارسونها، وكلّ من قرأة سيرة القديس ماكسيموس حَرّاق الأكواخ Kavsokalyvite)) وسيرة القدّيسَين أندراوس وباسيليوس المتبالهَين من أجل المسيح، وسواها من سِيَر الآباء والأمّهات القدّيسين وسواها من سِيَر الآباء والأمّهات القدّيسين على مدى تاريخ الكنيسة الطويل وإلى أيّامنا هذه.

87-  أمّا الثمرة الجوهريّة لهذه الصلاة، فهي أنّ نفس الإنسان تبقى على اتصال دائم بالله. ومن هذا الاتّصال، يشتعل في القلب حُبُّ الله، فنبلغ إلى الّلاهوى، وإلى عدم التّأثّر بهذا العالم وشهواته. تمتلك الإنسان رغبة متنامية في الموت على أسرع ما يُمكن ليلتقي الرّبّ الحلو في عالم الآخرة (في 23:1). فالقدّيس بافنوتيوس الّذي من بوروف Borov، لمّا شعر باقتراب أَجَله، هتف بفرح: “هوذا يوم الرّب، افرحوا يا معشَر البشَر فقد اقترب اليوم الّذي طالما انتظرتُه!” إنّ الشجاعة في مواجهة الموت، وكذلك الرّغبة عند الإنسان في مغادرة العالم بأسرع ما يُمكِن جعلتا من هؤلاء المتوشِّحين بالروح القدس أعظم الأبطال في تاريخ العالم.

88-  إنّهم يعيشون في هذا العالم، ولكن ليسوا من هذا العالم. هُم مواطنو السَّماء، ملائكة في الجسد. هم شبه آلهة، وابناءُ لله، و أبناءُ النّور عندما أراد المغبوط سمعان (21 حزيران) أن يترك الصحراء بعد نسك طويل قضاه فيها برفقة صديقه يوحنا، ليعود ويعيش بين الناس، ويعلّمهم، أسدى له يوحنّا النّصيحة التّالية: “احفظ قلبك من كُلّ ما تراه في هذا العالم. لا تَدَع قلبك يلمس ما تلمسه يداك. فإذا تغذّى فمك بالطّعام، لا يبتهجنّ به قلبك. وإذا مَشَت رِجلاك احفظ في داخلك السلام. إيّاك أن تقطع اتّصالك بالله ولا لحظة واحدة”!

89-  قال بولس المجيد إن الله شاء “أن يُعلِنَ ابنَه فيّ (غلا 16:1). ففهم بولس ذلك وتقصّى جيِّدًا الطريقة الّتي أتى بها المسيح وسكن فيه، حتى أضحى قادرًا أن يهتف: ” لستُ أنا أحيا بعد بل المسيح يحيا فيّ (علا 20:2). يا لبولُس! هذا الرّجل النّحيف الأحدب، الأصلع البطيء في الكلام، ذو اللّباس الفقير والغذاء البائس، الحسير النّظر، القصير القامة. خلف هذا المظهَر الغشّاش اختبأ إنسانٌ متألّه، وابنٌ لله، وملك، وكاهن. آلاف الآلاف أمثاله تتالَوا من بعده، وربوات الرّبوات في بني البشَر كانوا الآخِرين من خارج، والأوّلين من داخل. “ولم يكن العالم مستحقاًّ لهم”، كما قال بولس نفسه (عب 38:11). هؤلاء هم الّذين غلبوا ذواتهم والعالم، وأصبحوا الآن يسطعون كالشمس في الملكوت السماويّ، ويتهلّلون مع الملائكة حول ملك المجد، وهو حمل، ومخلّص العالم، يسوع المسيح.

90-  منذ ألفَي سنة تقريبًا والمسيح سيّد العالم يجني حصادَه، ومخازن قمحِه في السماء تكاد تمتلئ. دولتُه عددُ سكانها أكثر من دُوَل العالم كلّها مجتمعة. مملكتُه هي الأقوى، كلّ ما فيها يزداد نموًّا بالعدد وبالقوّة. هذه ثمرة أعراق المسيح وكَدُّه ودموعَه ودماؤه. ونحن المسيحيّين المستقيمي الرّأي على اتصال بملكوت المسيح هذا : نحن على تواصل والله الآب والابن، والروح القدس، ورؤساء الملائكة والملائكة والقوّات السماويّة كافّة، كما نتواصل مع الأبرار جميعًا وسائر الّذين أرضوا الله من أنبياء ورسل وشهداء وآباء متوشّحين بالله، ومعلّمي الكنيسة، والّذين عاشوا في البتوليّة من الرجال والنّساء، والنسّاك، وكلّ الّذين أحسّوا بالله جسديًّا، وحملوه في داخلهم، وفرحوا بالله، وصاروا شِبْهَ آلهة وأبناء لله.

91-  الذّبيحة غير الدمويّة… هي الجزء الافتتاحيّ من القدّاس الإلهيّ، والمقدِّمة منه. فيها تواصلنا مع الملكوت السماويّ، ومع مواطني السموات. فمن حول “الحمَل”[1]، يفصِّل الكاهن من القربانة جزءًا لوالدة الإله، – هي أوّلاً لأن الله تجسّد من حشاها – ثمّ للقدّيس يوحنّا المعمدان وسواه من الأنبياء، وللرُّسُل ولآباء الكنيسة، وللشُّهداء والمعترفين، وأمّهاتنا القدّيسات، والقدّيسين ماقتي الفضّة وصانعي العجائب كلّهم. يا لها من ثروة، ويا له من مجد! ثمّ من أجل المتوفّين من آبائنا وأمّهاتنا، وإخوتنا، ثمّ من أجل المسيحيّين الأحياء. يا لها من ثروة، ويا له من مجد! فالزّمان والمكان يضمحلاّن، ولا يبقى للجنسيّات والإنتماءات الأرضيّة من حساب، بل وحدَه حمل الله ومواطنوه. ثمّ توضع أجزاء القربان من أجلهم جميعًا في الكأس، الكأس الأكثر قدسيّة مع المشروب السماوّيّ، ونتناول منها. هذا هو اتصالنا بهم: إنّه اتّحادنا بهم. إنّه ملكوت واحد، وانتماء وطنيّ واحد، وإيمان واحد، وعائلة الله الواحدة (أفسس 4: 4-6).

92-  هذا كلُّه ليس عند المنحرفين عن الإيمان. فحتى لو حافَظَ بعضهم على الاحتفال بالقدّاس الإلهيّ، لا يقيمون الذبيحة أوّلاً… يريدون أنّ يعرفوا الله وحده، من دون قدّيسيه، حسب زَعمِهم. لا يودّون أن يرتبطوا سوى بالله وحدَه، من دون أبنائه. يرغبون في توقير المسيح، ويرذلون حصاده وغلال أتعابِهِ ودموعِه وآلامهِ وموتهِ. لا يريدون أيّ اتّصال بالله، وبآلاف وربوات الناس الّذين خلصوا وأرضَوا الله. ولكن المسألة هي أن نعرف هل يبغي الله اتحادًا مع الّذين يرذلون أولادَه. أم سيقصيهم عنه في غضبه، كما أقصَوا هُم أبناءَه.

93-  المنحرفون عن الإيمان يدعون الكنيسة “مؤسّسة”، ويضعونها في مصفِّ سواها من المؤسّسات ، راغبين في توحيد مستقبليّ لا معنى له، وينظرونها نظرتهم إلى أيّ مؤسسة سياسيّة او اقتصاديّة او اجتماعيّة … ولكنّ الكنيسة ليست مؤسّسة إنها تُنجِب أولادًا. هي عائلة على مستوى رحب جدًّا، لا تنفكّ تهزّ الأسرّة لأطفالها لهذا يقول بولس الرسول إلى أهل غلاطية: “يا أولادي الّذين أتمخّض فيهم إلى أن يتكوّن المسيح فيكم” (غلا 19:4). على مدى العصور، ما زالت الكنيسة تلد أبناءً لله في آلام المخاض، أولادًا وبنات لله، وأسباه آلهة، وارثين مع المسيح في ملكوت الحياة الأبديّة والنور الخالد.

94-  أيّتها الكنيسة الأمّ! هكذا يدعو الأرثوذكسيّون الكنيسة… وهذا الاسم لا يليق إلاّ بالكنيسة، وهي تُسمّى “أُمًّا” بحقّ. فهي تلد أبناء الله وبناته. والعهد الجديد كلّه يتكلّم على التوليد، والولادة الجديدة، والولادة من جديد، من خلال المسيح والرسل، كما فيما بعد سيتكلّم عنها الآباء والأمّهات القدّيسون. طبعًا من الواضح أنّ الكلام هنا هو على الولادة الروحيّة، تلك الولادة الّتي لم يفهمها نيقوديموس(يو 3: 4-5)، ولكن فهمها ربوات وربوات من المسيحيّين من بعده، وأحسّوا بها في ذواتهم.

95-  ليس ولادة من دون تواصل، لا ولادة جسديّة، ولا ولادة روحيّة. الحبّ يعبَّر عنه بالتّواصل، وأعني الحبّ الجسديّ، كما الحبّ الروحيّ. إنّ الكنيسة الأمّ تلِدُ أبناءَها الرّوحيّين باتّصالها مع الله الرّوح القدس. كيف؟ كما وُلِدَ المسيح من العذراء الفائق قدسُها مريم. فمريم أيضًا سألت الملاك: “كيف يكون لي ذلك ولست أعرف رجلاً؟” (لو 1: 34-35) فأجابها الملاك: “الروح القدس يحلّ عليك، وقوّة العليّ تظلّلك. لذلك الّذي سيولَد منك سيكون قدّوسًا ويُدعى ابن الله”. أجل، المقصود هنا ولادة المسيح بالجسد، فيما نحن نتكلّم حول الولادة الروحيّة من روح الله بوساطة الكنيسة. ولكن “كلّ شيء مستطاع عند الله” (متى 19:26). فمن الّذي ابتكر الولادة أوّلاً سوى الله؟ فبما أنّه ابتكر الولادة الجسديّة، ابتكر كذلك الولادة الرّوحيّة. ولمّا ولّد تلك، ولّد هذه أيضًا. المهم أنّ الكنيسة كانت ولم تزل أُمًّا على مدى الدّهور. ما أعذب هذا الاسم: الكنيسة الأمّ!

96-97 بالنسبة إلى الرّباط ما بين الكنيسة على الأرض والكنيسة في السماء، اللاهوتيّون المنحرفون عن الإيمان يرفضونه وينكرونه… بين الله و الناس ليس من وسيط، كما يزعمون، ولا من شفاعة. يفتخرون بالصّلاة الى الله وحده…

إنّ كلمة “شفاعة” ظهرت أثناء الخلافات فيما بين الطوائف الغربيّة، أمّا الكنيسة الأرثوذكسية فتفسّر الرباط ما بين شعب الله في السماء، في أورشليم السماوية، وشعب الله على الأرض بالمحبّة، لا بالشفاعة. شعب الله في السماء له الحياة، والقوّة، والمحبّة بمقاييس أكبر منّا بكثير، فيما نحن يعيقنا الجسد. وبمحبّتهم لنا، يصلّون لأجلنا. ونحن محبّةً بهم، نحيي ذكراهم بالاحتفال على الأرض، ونقيم لهم كنائس، ونقرّب القرابين باسمهم، ونتوجّه إليهم بالأدعية، والتوسّلات، كما لو كانوا أقرباء لنا مشرّفين، أو أعضاء حاشية الملك الرّبّ، حتى يعينونا بمعونة إلههم وإلههنا.

98-  الكنيسة الأرثوذكسيّة تَعلَم، من خلال خبرتها الكبيرة، أنّ قدّيسي الله أحياء، يَرَوننا ويسمعوننا، ويساعدوننا. هم يساعدوننا سواءٌ علمنا ذلك أم لم نعلم. إنّهم بقربنا، ونحن نشعر بحضورهم، وهم بروحنا. هذا أيضًا ما شعره بولس الرّسول في أوائل أيّام المسيحيّة فأعرب عنه هكذا:

“بل قد أَتيتُم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحيّ اورشليم السماويّة، وإلى الله ديّان الجميع، والى أرواح الأبرار المكمَّلين” (عب 12: 22-23). هؤلاء ليسوا سوى الّذين خلّصهم الرّبّ عندما نزل إلى الجحيم. فماذا نقول اليوم، وقد مضى تسعة عشر قرنًا على بولس؟ كم تنامى وكثر شعب الله السّماويّ، وكم اغتنت أورشليم السماويّة من المُعَمَّدين!

99-  نحن نعلم أنّ القدّيسين كلّهم أبناء الله، أبناء الملك السماويّ، المشابهين لله بالنعمة والتبنّي، وأنّ كلّ الحياة والقوّة والمحبّة الّتي تنتقل منهم إلينا آتية من مصدر وحيد أزليّ، من الله الوحيد الواحد السرمديّ، الثالوث في وحدانيّة. فقد قال المسيح للعبرانيّين: “إذا لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال” ( يو 10: 38). فما هم القدّيسون، أي شعب الله الّذي لا يُعَدّ في أورشليم السماويّة، وما هم ربوات المُخَلَّصين والمحتفَل بذكرهم منذ ألفي سنة إلى اليوم إلاّ أعمال المسيح؟ فها نحن نسأل المنحرفين عن الإيمان: كيف تؤمنون بالمسيح، ولا تؤمنون بعمل المسيح هذا، العمل الإلهيّ العظيم؟

100- الانجيل بشرى الخلاص! حقًّا إنها البشرة الوحيدة العظيمة للبشر كافّة على الأرض، منذ أن عَصَت حوّاء وصيّة الله، وولدَت قايين، قاتِل أخيه، إلى يومنا هذا، وإلى منتهى الدّهور. هذه هي البشرى الّتي أعلنها الربّ يسوع المسيح للعالم. والحق إنّه هو البشرى. والكنيسة الأرثوذكسيّة حفظَت كمال الإيمان بهذه البُشرى، الإيمان بالمسيح. ولكنّ الحفاظ على هذا الكنز الفريد لم يتمّ من دون نزاع مرير من الداخل ومن الخارج. إلاّ أنّها ظفَرت، بمعونة الله ووالدة الإله وسائر القدّيسين. وهي لم تفعل ذلك لمجدها الخاصّ، بل لمجد المسيح، ليس لخلاص الشعوب كلّها وحسب، بل لأجل الأجيال الآتية كافّة، في كلّ أمم الأرض، اللّهم إن يقبل هؤلاء أن يفتحوا قلوبهم وأذهانهم ليروا أين يكمن خلاصهم.

إنّ مستقبل البشرّية لمرتبط بالأرثوذكسيّة لا مَحالة. “اسمعوا ايّها الشعوب كلّكم وارتعدوا، لأن الله معنا” (إشعيا 8: 9-10).

*  من “الإيمان و الحياة بحسب الإنجيل، بشرى الخلاص في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ( مقتطفات من”مئويّة ليوبوستينيا” Lioubostinia)” ترجَمته عن الفرنسيّة بتصرّف السيدة مايا اسطفان، مراجعة راهبات دير رقاد السيدة – كفتون، المصدر الأساسي:

«Centurie de Ljubostinia» in Vélimirovitch, St Nicolas. La foi et la vie selon l’Evangile. Editions l’Age d’Homme (10 mai 2007). Col.Grands Spirituels Orthodoxes du XXe siècle. Traduit du serbe par Zorica Torzic.

 


[1] القسم الوسطيّ من القربان الّذي بشكل مربّع فيه صليب وعلامة المسيح IC XC NI KA هو الّذي يُقدَّس وقت الاستحالة في القدّاس.