Monthly Archives: December 2013

السنة العاشرة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2013

السنة العاشرة – العدد الثاني –  تشرين الثاني 2013

 

اغْفِر يا ربُّ للذين يُبغِضوننا والذين يَظلموننا، وعامِل بالخيرِ الذينَ يَعمَلونَ الخير، وامْنَحْ اخوتَنا والمختصّين بِنا جميعَ وسائِل الخلاص وحياةَ أبديَّةٍ، وتعاهَدْ الذينَ في الأمراضِ وامنَحْهُم الشِّفاءَ. دبِّر الذين في البحر، رافِق الذين في البرِّ والجو، وامنَحْ الذين يخدِموننا ويرحمونَنا غُفرانَ الخطايا، والذينَ أَوْصَونا نحنُ غير المستحقّين أنْ نُصلِّيَ مِن أجلِهم ارحَمْهُم كعظيمِ رحمتِكَ. أُذكُر يا ربُّ الذينَ سَبَقَ رُقادُهُم من آبائِنا وأخوتِنا، وأَرِحْهُم حيثُ يُفْتَقَدُ نورُ وجْهِكَ، أُذكُر يا ربُّ اخوتَنا المأسورين، ونَجِّهِم من جميعِ الضيقاتِ، أُذكُر يا ربُّ الذين يُقدِّمون الأثمارَ والذين يصنَعونَ الإحسانَ في كنائِسِكَ المقدَّسَة وَهَبْهُم كلَّ وسائِل الخلاصِ وحياةً أبديَّةً. أُذكُرنا يا ربُّ نحنُ أيضاً عبيدَكَ الخطأة الأذلاّء غير المُستحقّين واهْدِنا في سبيلِ وصاياك، بشفاعاتِ أُمِّكَ الكليَّةِ الطهارة سيِّدتِنا والدةِ الإله الدائِمةِ البتوليّةِ مريم، وجميعِ قدّيسيكَ. فإنَّكَ مُباركٌ إلى دهرِ الدّاهرين، آمين.

 

مختارات آبائية

ما العمل مع كاهنٍ سيّء

من رسائل القدّيس ثيوفان الحبيس

 

رعائيات

أن نصير “رعية مع القديسين”

رئيس الأساقفة نيكن ركلتسكي

 

عظة

النّعمة الإلهيّة مِضخّة السّلام في القلب

الأرشمندريت توما بيطار

 

تربية مسيحية

الصلاة كوسيلة لتربية الأولاد

جون سانيدوبولوس

 

خواطر في عيد الميلاد

ترجمة راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

اقطري أيتها السماوات عدلاً

الخورية سميرة عوض ملكي

 

دراسة إنجيلية

شفاء في السبت

الأب أنطوان ملكي

 

قصة قصيرة

قصتان حول النزاع والمصالحة

دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

معجزة  القدّيس نيقولاوس

معجزة القدّيس نيقولاوس

معجزة  القدّيس نيقولاوس

راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

مساء ليلة رأس السنة من العام 1956 دعت زويي سبعةً من أصدقائها لتناول العشاء في منزلها ليقضوا أوقاتهم في الغناء والرقص. راح المدعوّون يتوافدون الواحد بعد الآخر إلاّ نيقولاوس خطيب زويي.

بدأ الرفاق بالرقص والغناء، وفي لحظة من اللحظات وجدت زويي نفسها وحيدة من دون خطيبها، فاعتراها حزن شديد وغضب جنونيّ، إذ كانت تحبّ أن يكون خطيبها إلى جانبها في هذه الليلة لا سيّما وإنّه لم يعلمها عن سبب تأخيره المفاجئ. ومن دون أن تفكّر أخذت أيقونة القدّيس نيقولاوس العجائبيّ من على الجدار وهي تقول: “سآخذ هذا النيقولاوس لأرقص معه”. ذُعر رفاقها لهذا القول، وبدأوا يحذّرونها على عملها هذا قائلين لها بأنّه نوع من التجديف، ولكنّ زويي لم تلتفت إلى أقوالهم، بل راحت تستهزأ بإيمانهم “الحيّ” بالقدّيس قائلة: “إن كان القدّيس عجائبيًّا، كما يدّعون، وإن كان، فعلاً، موجودًا، فليعاقبني”. وبدأتْ بالرقص مع الأيقونة، وما إن قامت بدورتين حتّى حصل ضجيج مفاجئ في الغرفة، وزوبعة هوجاء أطاحت بالستائر، وضوء باهر يعمي أضاء كالبرق.

تحوّل الفرح إلى خوف، وهرب الجميع من الغرفة مذعورين، فقط زويي وقفت من دون حراك متسمّرة في مكانها وجامدة كالرخام مع أيقونة القدّيس نيقولاوس الملتصقة بصدرها.

وصل الأطبّاء بسرعة، ولكنّهم رغم محاولاتهم لم يستطيعوا إعادتها إلى رشدها. كلّ الحقن التي حاولوا حقنها بها تكسّرت عندما لمست جسدها الرخاميّ. أرادوا نقلها إلى المستشفى، لكنّهم عجزوا عن زحزتها من مكانها كما لو كانت قدماها مسمّرتين في الأرض. ولكن رغم كلّ هذا كان قلبها ينبض. بقيت زويي على قيد الحياة غير أنّها عادت غير قادرة على تناول الطعام أو الشراب.

صُعقت الأمّ عندما رأت ما حدث لابنتها، هرعت إلى الكنيسة تمرّغ أرضها بدموعها وهي تطلب من الله أن يغفر لابنتها إثمها، وأن يعيد إليها حيويّتها، ثمّ لجأت إلى أيقونة القدّيس نيقولاوس تطلب منه التدخّل لخلاص ابنتها من هذه الحالة الغريبة التي جرت لها. وبفعل صلاة الأمّ وتضرّعها الحارّ استعادت زويي وعيها، وأخذت تطلب هي الأخرى المغفرة من الله وقدّيسه بدموع غزيرة. لم تُشفَ زويي تمامًا، إذ كانت كلّ ليلة تملأ الدنيا صراخًا وعويلاً يجعلان الناس يتجمّعون حول منزلها وهم يتساءلون عن سبب هذا الصراخ المخيف.

كانت أمّها تركع إلى جانبها وهي تصلّي وتصلّي طالبة شفاعة القدّيس نيقولاوس، ولمّا أبلغوا كاهن الرعيّة بالحدث، قال: “صلّوا إلى الذي عاقبها، فهو الذي سيرحمها أيضًا”.

ومنذ ذلك الحين بدأ الأطبّاء يتناوبون على زيارتها للتأكّد من نبض قلبها الذي كان ينبض بشكل اعتيادي ومنتظم، كما زارها الكهنة محاولين نزع الأيقونة من يديّ زويي، ولكنّهم أخفقوا في محاولاتهم رغم الابتهالات الحارّة التي كانوا يرفعونها إلى الله وإلى القدّيس نيقولاوس.

بقيت زويي على هذه الحالة ثلاثة أشهر حتّى كان عيد البشارة حين دخل الغرفةَ شيخٌ ودود بلحية بيضاء كالثلج وهو يقول لزويي بابتسامة عذبة: “هل تعبت من الوقوف يا ابنتي؟ أتريدين، أيضًا، أن ترقصي معي وأنا شيخ جليل؟ لا تخافي”، ثمّ اختفى. وفي الليلة عينها صرخت زويي بصوت عال: “صلّوا صلّوا. لقد أتى وحلّني من وثاقي. نعم، لقد أتى”. ولمّا سألوها من تقصد، قال: “إنّه الشيخ الوقور، القدّيس نيقولاوس ذو اللحية البيضاء”.

وهكذا بدأت أعضاء زويي تلين، وتمكّن ذووها من نقلها إلى فراشها. ولمّا استفسروا منها كيف استطاعت أن تبقى من دون طعام 128 يومًا، قالت: “كان الشيخ يأتيني بالطعام، ويزوّدني بالقوة”.

ذهبت زويي يوم الفصح المجيد إلى الكنيسة حيث اعترف بخطاياها وتناولت القرابين المقدّسة، وفي اليوم الثالث من الفصح انتقلت إلى الربّ لتعيش الحياة الأبديّة رفقة القدّيسين في السماء.

يا قدّيس الله نيقولاوس تشفّع بنا

قصتان حول النزاع والمصالحة

قصتان حول النزاع والمصالحة

دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

 

النزاع والمصالحة

كان كاهن القرية في شجار دائم مع قارئ الكنيسة الذي كان يحلم بأن يصير شمّاسًا، فكاهنًا. ولكي ينال هاتين المرتبتين الساميتين كان بحاجة إلى شهادة كاهن القرية وأهلها عن حسن سلوكه، ولكنّه، وبما أنّه دائم المشاجرة مع الكاهن، فقد تريّث الأسقف كثيرًا بشأن رسامته.

وذات مرّة تشاجر الكاهن والقارئ حول الخدمة في الكنيسة، فرفع الكاهن صوته ما جعل القارئ أن يردّ بكلمات مهينة قاسية. ازداد غضب الكاهن جدًّا، وحاول أن يضرب القارئ بالمبخرة. فألقى هذا الأخير العديد من الكتب الثقيلة على الكاهن ممّا أثار استياء الناس الحاضرين.

انتشر خبر شجار الكاهن والقارئ في جميع أنحاء القرية، وأبلغوا الأسقف عن الحالة التي وصلا إليها. وكان هذا الأسقف حكيمًا جدًّا. فاستدع إليه كلاًّ من الكاهن والقارئ ليعرف على من يقع اللوم. دعا الكاهن أوّلاً وسأله:

– قل لي كيف حدث كلّ ذلك. اعترف بصراحة وقل الحقيقة كلّها.

– بدأ الكاهن يبرّر نفسه قائلاً:  أنا، يا صاحب السيادة، كنت أخدم في الكنيسة، وقلت للقارئ أن يقرأ ببطء، لكنّه هاجمني بالشتائم، وبدأ برمي كتب الكنيسة عليّ، وحتّى ضربني بقبضته. أمسكت بالمبخرة حتّى أدافع عن نفسي، لكنّني لم أفعل أيّ شيء له.

– إذن، هو المسؤول.

– نعم، يا صاحب السيادة، هو المسؤول.

– إذن، هو الذي بدأ بالقتال.

– أجل، يا صاحب السيادة، هو الذي بدأ.

– إذن أنت شهيد. يا لك من رجل مسكين كم احتملت من هذا القارئ الحاقد، ولم أسمع منك يومًا شكوة عليه. ولهذا سوف أكافئك وأرفعك إلى رتبة إرشمندريت. أتسمع، يا بني، غدًا. استعدّ.

– تأثّر الكاهن جدًّا من هذه المكافأة غير المتوقّعة، وقال: ولكن، لست مستحقًّا، يا صاحب السيادة، أن أكون أرشمندريتًا. أنا مذنب أيضًا. أنا الذي بدأ بالمشاجرة. أنا مذنب أكثر من القارئ. نعم أنا مذنب.

– إذن، يوجد أيضًا فيك شيء من الضمير الحيّ. الشكر لله. ثمّ قال للكاهن بابتهاج: الآن أنت تستحقّ هذه الرتبة بجدارة.

– كلا. لا أستحقّ ثمّ أجهش ببكاء الندامة والتوبة.

أرسل الأسقف بعد ذلك يستدعي القارئ الذي لمّا رأى الكاهن يبكي بمرارة، وأنّ الأسقف متجهّم الوجه صارمًا رغم ابتسامته الأبويّة قلق، ولكنّ الأسقف بادره بالسؤال:

– ماذا تقول أنت؟ من بدأ بالمشاجرة؟

– ( وهو يرتجف) الكاهن.

– ولكنّ الكاهن قال الشيء نفسه بأنّه هو المسؤول، فهل هذا يعني أنّك أنت بريء؟ هل يعني هذا أنّك تحمّلت، كشهيد، شتائم الكاهن لمدّة طويلة؟ حسنًا. استعدّ، فغدًا سوف أرسمك شمّاسًا.

لقد توقّع القارئ العقاب، ولكن أن تُعرض عليه خدمة الشموسيّة فلم يكن يحلم بهذا. اضطرب، وشعر أنّه غير مستعدّ لهذه الخدمة بسبب خلافه مع الكاهن. وفجأة سقط عند قدميّ الأسقف وقال بدموع:

– يا صاحب السيادة، أنا لست مستحقًّا أن أكون شمّاسًا. أنا مسؤول أكثر من الكاهن.

– فاحتضنه الأسقف وقال له: بل أنت اليوم أكثر استحقاقًا، لأنّك اعترفت تائبًا كما فعل الكاهن. لذلك، وبكلّ تأكيد سأرفعه هو إلى رتبة الإرشمندريت وأنت إلى رتبة الشموسيّة. تصالحا أذن.

احتضن العدوّان السابقان بعضهما البعض والدموع تجري من مقلتيهما. وفي اليوم التالي برّ الأسقف بوعده فرفعهما إلى رتبتيهما اللتين وعدهما بهما، وأرسلاهما إلى القرية وهما في سلام وفرح.

فرح بهما أهل القرية، ومنذ ذلك اليوم لم يُسمع أنّهما اختلفا البتّة، بل حاول كلّ منهما أن يرضي الآخر ملبيًّا طلبه بكلّ محبّة وتواضع.

 

كيف يتقاتل الناس

لاحظ أحد الرهبان المستنيرين، ذات مرّة، كيف كانت الشياطين تلقي الناس في التجارب، هامسة في آذانهم شرورًا متنوّعة. ولكن، وبما أنّ الناس كانوا منهمكين مشتّتين بالأمور المعيشيّة، لم يدركوا ألاعيب الشيطان وفنونه، وتاليًا كانوا يقبلون أفكاره الشرّيرة، ويلهجون بها وكأنّها أفكارهم.

وهكذا كان البعض منهم يستسلم للغضب مدّعيًا بأنّ الحقّ معه، وأنّه هو المظلوم وليس الظالم. والبعض الآخر كان يسقط بسهولة في الافتراء على الآخرين أو في إدانتهم. وقسم ثالث يسقط في الخصومات والأحقاد والعداوات. وآخرون يقعون في التشهير بإخوتهم وفضح عيوبهم ونقائصهم…

ففيما كان هذا الراهب المستنير يسير، ذات صباح، متوجّهًا إلى الكنيسة القريبة من ديره، شاهد إنسانًا منهمكًا في عمله يريد أن ينجزه بأقصى سرعة ممكنة. وإذا برجل أسود الوجه جاحظ العينين يقترب منه بطريقة غير منظورة، ويهمس بأذنه بضع كلمات، ثمّ جلس في زاوية الشارع وهو يضحك باستهزاء منتظرًا ليرى نتيجة عمله. ظهرت بوادر الغضب الشديد، فجأة، على وجه العامل، وأخذ يلتفت حوله وكأنّه يستعدّ لهجوم عنيف.

وعلى مسافة قريبة من هذا العامل، كان هناك شخص آخر يعمل. وبغتة ترك العامل الأوّل عمله، وبدأ يركض وهو يلوّح بيديه مهدِّدًا متوعّدًا العامل الآخر، ثمّ بدأ يشتمه ويهاجمه. وعندها اقترب رجل أسود آخر من العامل الثاني، وأيضًا، بطريقة غير مرئيّة، همس في أذنه بضع كلمات أشعلت غضبه، ودفعته إلى لكم وركل العامل الأوّل، ثمّ ما لبث أن ابتعد عنه وهو يفرك بيديه ويقول بلهجة المنتصر الظافر: “لقد تغلّبت عليه، ولقّنته درسًا لا ينسى”. وهنا صافح كلّ من الرجلين ذوي البَشَرة السوداء مهنّئين بعضهما البعض لنجاح عملهما.

وهكذا قام الرجلان الأسودان، واللذان كان بالحقيقة شيطانين خبيثين، بزرع العداوة والخصومة بين العاملين، حتّى إنّهما بقيا مدّة طويلة حاقدين على بعضهما البعض دون أن يدركا فعل الشيطان فيهما، وكيف أنّهما وقعا في فخّه ومصيدته.

حزن الراهب جدًّا لما حصل، واستدعى العامل الثاني، وأخذ ينصحه ويشرح له خطورة تصرّفه سواء كان بالنسبة إلى رفيقه أو إلى نفسه، فقال له:

– لقد رأيتُ، يا ولدي، ما حدث، بل رأيت الشيطانين اللذين لم ترياهما أنتما، وكيف دبّرا لكما هذه المشاجرة. انتبه، يا ولدي، فالعنف دليل الضعف، فإذا لم يتسع قلب الإنسان بالحبّ، وإذا لم يتمكّن عقله من حلّ الأمور بحكمة وهدوء ورويّة، وإذا لم يقدر أن يضبط أعصابه باتّزان، حينئذ يلجأ إلى العنف، ويكون عنفه دليلاً على قلّة الحيلة والعجز عن التصرّف السليم. من يلجأ إلى العنف يدعو الشيطان إلى الاستقرار داخله بسهولة، بل ويرتاح داخله راحة تامّة، لهذا فالعنيف ابن للشيطان بامتياز.

لا تظنّ، يا ولدي، أنّ الضرب واللكم هما، فقط، من أساليب العنف، بل وتحطيم المعنويّات كالزجر الشديد والتوبيخ القاسي والتركيز باستمرار على الأخطاء وتحطيم الشخصيّة والتهكّم اللاّذع والازدراء والتشهير والتجاهل والمقاطعة والسبّ والعتاب العنيف والذي قد يكون لسبب تافه.

– ولكن، يا أبي، هل كلّ عنف مرذول وسيّئ؟!

– طبعًا لا. لا نستطيع أن نسمّي كلّ عنف خطيئة، فهناك مواقف توجب العنف كمعاقبة الخطأة أو اللصوص الذين يهدّدون المجتمع بجرائم تحطّمه. وهناك خطايا يستهتر بها مرتكبوها ويكرّرونها ويكونون قدوة سيّئة لغيرهم، لذا وجب معالجتها بحزم وحسم وسرعة. وهنا طبعًا يكون العنف فضيلة لا رذيلة.

والآن، وبعد أن تكلّمنا بما فيه الكفاية عن العنف، هلمّ بنا نذهب إلى رفيقك لنتصالح معه، فمن صفات الإنسان المسيحيّ الوداعة والصفح. ولا تسمح مرّة أخرى للشيطان أن يلعب بك، بل في كلّ مرّة تحسّ بوشوشته ارسم على نفسك إشارة الصليب، فيختفي للحال مع وشوشاته.

قام هذا العامل المجاهد، وذهب مع الراهب إلى منزل رفيقه الذي كان يعاني من آلام كبيرة نتيجة للضرب واللكم اللذين نالاه، وركع عند سريره يطلب منه المغفرة. ثمّ عاد مع الراهب إلى بيته وهو يحسّ بسلام داخليّ كبير.

لم ينسَ الراهب أن يعظ العامل الثاني بكلام مماثل، مبيّنًا له قيمة التروّي وعدم الانجراف وراء انفعالاتنا.

شفاء في السبت

شفاء في السبت

الأب أنطوان ملكي

يوجد أكثر من أمر ينبغي ملاحظته في هذه القراءة الإنجيلية. بدايةً، نرى الرب يعمل في اليوم السابع الذي حدده هو بنفسه للراحة. فإذا به هو لا يرتاح فيما يطلب من الإنسان الراحة. هنا المسيح، مخلِّص الكل، لم يقدَّم صلاة لإبراء المرأة وإنما تمم الشفاء بسلطانه، شافيًا إيَّاها بكلمة وبلمسة يده. فكونه الرب الإله أعلن أنه يحمل القوَّة لخلاص البشر من أمراضهم. لقد قصد أن يفهم البشر مغزى سرّه. لو كان رئيس المجمع شخصًا فهيمًا كان يليق به أن يدرك من هو المخلِّص وكم هي عظمته من خلال معجزة عجيبة كهذه، لا أن يتفوه بجهل ولا أن يتّهم من نالوا الشفاء بكسر الناموس حسب التقليد الذي يمنع العمل في السبت. حسنًا دُعي رئيس المجمع مرائيًا، لأنه حمل مظهر حافظ الناموس، وأما قلبه فكان مخادعًا وحاسدًا. فما أربكه ليس كسر السبت بل مجد المسيح.

واضح أن الشفاء هو عمل، فهل يكسر الله السبت بإظهار محبَّته في السبت؟ لمن كانت الوصية بالامتناع عن العمل، ألله نفسه أم للبشر؟ يرى بعض آباء الكنيسة أنّه لو كان الله يتوقف عن العمل لتوقفت عنايته الإلهيَّة بنا في السبت، وتوقفت الشمس عن عملها وامتنعت الأمطار عن السقوط وجفت ينابيع المياه وتوقفت مجاري الأنهار، وصمتت الرياح. لقد أمر الله الناس أن بعدم العمل في السبت لكي يستريحوا. وهو يعطي راحة للبشر بتحريرهم من أمراضهم. من هنا أن اعتراض رئيس المجمع هو الكسر لشريعة السبت، إذ إنه اعترض على منح الراحة للمتألَّمين من الأمراض والأوجاع الذين ربطهم الشيطان. نقرأ في الكتاب المقدّس أن عمل الله مستمر بغير انقطاع: “أبى يعمل حتى الآن وأنا أيضًا أعمل” (يو 5: 17). لذا أننا على مثال الله نتوقف عن أعمال العالم لا عن أعمال الله.

أمر آخر نتوقّف عنده هو أنّ هذه المرأة تُفهم كرمزٍ للبشرية التي صارت مستقيمة وسليمة بواسطة الرب بعد أن انحنت بالضعف من خلال رباطات الشيطان لها. فالمسيح أخذ الطبيعة البشرية ليحطم الموت والدمار، وينزع الحسد الذي بثته الحيَّة القديمة ضدنا، هذه التي كانت العلة الأولى للشر. رمزية إشارة هذه المرأة إلى البشرية واضحة في دعوة الربّ لها “ابنة إبراهيم”. لم يسألها عن إيمانها كما فعل في الشفاءات الأخرى بل حلّها من مرضها لأنه أراد أن يظهر سلطانه.

من هنا أن البشر إذ تحني الخطايا رقابهم وتقيد أقدامهم فيعجزون عن رفع رؤوسهم. فالإنسان المريض بسبب مرضه ينحني ناظرًا إلى أسفل، متطلعًا إلى الأرض، ولا يقدر أن يتطلع إلي السماء إلاّ بمعونة الربّ. أمّا الله نفسه فبسلطانه يهب راحة للمربوطين بالخطيَّة ويقوّمهم ويرفعهم. الله حلّو بطبيعته، أما الخطأة فيرونه مرّاً، كما فعل رئيس المجمع.

اقطري أيتها السماوات عدلاً

اقطري أيتها السماوات عدلاً

الخورية سميرة عوض ملكي

 

يُعَدّ العدل لدى كل الشعوب والحضارات قيمة من القيَم الكبرى التي ينبغي للإنسان أن يسعى إلى تحقيقها. أمّا بالنسبة إلى الكنيسة الأرثوذكسية فهو صفة من صفات اللّه مثل البِرّ والحقّ. لهذا، هو لا يتجزّأ ولا يتحيّز. وهذه الصفات، العدل والبرّ والحقّ، دائمة الارتباط في المعنى في الكتاب المقدّس، وهي مطالب حتميّة من مطالب الضمير وتقود إلى القداسة (رو 19:6) واللّه يطوّب الذين يحفظونها (أنظر مز 3:106). إلا أنّ أول مَن سيحققها هو اللّه لأنّه هو الحق ولأنّ أحكامه عادلة كلّها وهي أشهى من الذهب… وأحلى من العسل وقطر الشّهاد (مز 10:19). وبما أنّ الإنسان مخلوق على صورة اللّه ومثاله في البِرّ وقداسة الحقّ فهو مدعوٌ لأن يكون على مثال اللّه في عدله. إذ ليست الاستقامة البشرية سوى انعكاس وثمر لبِرّ الله الأسمى. وكما يقول الإنجيلي يوحنا: “وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ” (يو21:3).

من البديهي أن يكون هذا التداخل في المعنى بين هذه الألفاظ. فكلمة عدل مثلاً تستدعي مباشرة إلى الذهن معنىً قانونياً إذ هي تشير إلى عمل القاضي الذي من الواجب أن يكون بارّاً ليحكم بالعدل “فمَن عمل البِرّ كان بارّاً” (1يو7:3)،  ويكفل لكل واحد حقّه وإن لم يقرّه عُرفٌ أو شريعة “لأن حقّ الإنسان من الربّ” (أمثا 26:29). إنّ الصلة بين الحقّ والعدل هي أيضاً صلة طبيعية، فالحق يستدعي العدل، والعدل بدوره يستدعي الحق، إذ ما قيمة حقٍ لا يضع في اعتباره العدل؟ وما قيمة عدل لا يضمن الحقّ؟

إن كان الإيمان ينقل الجبال، كما يقول الربّ، وهو يؤدّي إلى البِرّ كما حصل لأبينا إبراهيم الذي صار وارثاً للعالم ببرّ الإيمان وليس بالناموس. فإن العدل يثبّت الكون وهو قاعدة كرسي الله (مز 14:119)، لأنّ الله ليس عنده ظلم ولا محاباة ولا يعوِّج القضاء بل غضبه معلَنٌ في السماء على الذين هم من أهل التحزّب ولا يطاوعون الحقّ… فسخط وغضب، بشدّة وضيق على أنفسهم (رو 8:2). والإنسان العادل مكرَّم جداً عند الله وهو أعظم من مدينة: “طُوفُوا فِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ وَانْظُرُوا، وَاعْرِفُوا وَفَتِّشُوا فِي سَاحَاتِهَا، هَلْ تَجِدُونَ إِنْسَانًا أَوْ يُوجَدُ عَامِلٌ بِالْعَدْلِ طَالِبُ الْحَقِّ، فَأَصْفَحَ عَنْهَا؟” (إر 1:5).

افتحوا أفواهكم إذاً يا كلّ البشر و”اِسْمَعُوا لللّه يَا أَشِدَّاءَ الْقُلُوبِ الْبَعِيدِينَ عَنِ الْبِرِّ” (أشع 13:46)، “اقْضوا بِالْعَدْلِ” (أمثا 9:31).

إذاً، إذا قضى كل واحد بالعدل، الأخ مع أخيه، الأب والأمّ مع أولادهما، الأولاد مع أهلِهم، المرؤوسين مع رؤسائهم، الرؤساء مع مرؤوسيهم، الجار مع جاره، الراعي مع رعيته، الرعية مع الراعي… فإن السماوات تقطر عدلاً من فوق وينزِل الجوُ حَقاً، فتنفتح الأرض وتثمر خلاصاً وتُنبِت عدلاً وبرّاً وحقّاً معاً.

 

خواطر في عيد الميلاد

خواطر في عيد الميلاد*

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي، دده – الكورة

 

“هوذا يكون لكم فرح عظيم… لأنّه يولد لكم اليوم مخلّص المسيح الربّ في مدينة داود” (لو 2: 10-11). هذا ما يقوله لنا إنجيل الساعة الثالثة من برامون عيد الميلاد.

كلّ واحد منّا له مسيرته الخاصّة إلى بيت لحم لكي يسجد للطفل المولود جديدًا، الإله قبل الأزل. إنّ منشئي التسابيح الملهمَين من الله يدعوننا من خلال التراتيل العذبة الألحان لكي نسير إلى بيت لحم، مماثلين المجوس، لتقديم فضائلنا بمثابة الهدايا: “هلمّوا يا مؤمنون ننظر أين يولد المسيح” (). وأمّا الكنيسة، أمّنا الحنون، فترشدنا في مسيرتنا هذه وتقودنا عبر التسابيح والقراءات التي تتوالى طيلة الأسابيع التي تسبق العيد، بالإضافة إلى فترة الصوم التي تفرضها بهدف التوبة، لنلاقي طفل المغارة بقلوب نقيّة.

إنّ مشاركة إنسان اليوم الشخصيّة للاحتفال بعيد الميلاد تقتصر على التحضيرات اليوميّة وتقديم التمنيّات، أو تنحصر بالتسليات والسهرات وتبادل الهدايا، معتقدًا أنّه هكذا يُحتفَل بهذا العيد المقدّس، غير مدرك أنّه بهذه الطريقة العالميّة يفرّغ العيد من مضمونه الأساس والجوهريّ.. نعم، هكذا صار الاحتفال بهذا الحدث الإلهيّ بالنسبة للغالبيّة العظمى من الناس، أي اعتباره إمّا فرصة تجاريّة يكدّسون بواسطتها الأموال، أو مناسبة اجتماعيّة يلتقون فيها مع بعضهم البعض، أو تقليد عائليّ تجتمع فيه العائلات حول موقد النار للسهر والسمر، أو للترويح عن النفس من ضغط العمل ومتطلّبات الحياة باللجوء إلى السفر واللهو. كما يكتفي البعض بالإعراب عن مشاركتهم الآخرين إمّا بمدّ الموائد وبسط الأطعمة والأشربة المختلفة بسخاء، أو التعبير عن مشاعرهم من خلال بطاقات المعايدة كأدنى ما تكون المشاركة.

لم يرسل المجوس هداياهم للطفل المولود في بيت لحم بريديًّا كما نفعل نحن اليوم، بل تجشّموا سفرًا طويلاً شاقًّا وخطرًا لكي يسجدوا له، مقدّمين له، أوّلاً، ذواتهم ونفوسهم، ثمّ بعد ذلك هداياهم المادّيّة الثمنية. وعلى هذا، فإنّ مسيرتنا الشخصيّة للسجود للطفل الإلهي تقتضي تعبًا، وتستلزم جهادًا وحياة روحيّة حارّة، وتتطلّب انفصالاً، ليس مكانيًّا، بل معنويًّا، عن الاهتمامات المعيشيّة والمصالح اليوميّة. فالرعيان هجروا قطعانهم التي كانت تشكّل مصدر عيشهم وثروتهم، وبادروا مسرعين إلى المغارة. والمجوس تركوا وطنهم، وتخلّوا عن مركزهم الاجتماعيّ المرموق، وساروا نحو المجهول يقودهم نجم لامع غير حاسبين حسابًا لتعب أونصب. إذًا، المسيرة نحو بيت لحم تتطلّب تضحية وبذلاً.

المسيح يولد: يستعمل عادة كاتبو التسابيح الزمن الحاضر في تآليفهم، مشيرين بذلك إلى ازدواجيّة الزمن لعيد الميلاد. فنحن لا نعيّد لحدث جرى في الزمن البعيد وصار الآن من الماضي السحيق، بل حدث يجري الآن. من البديهيّ القول بأنّ ميلاد المسيح، كحدث تاريخيّ، تحدّد بدقّة، ولكن كنسيًّا ولاهوتيًّا، فميلاد الكلمة الإلهيّ يشكّل حاضرًا مستمرًّا أو ممتدًّا إلى ما لا نهاية، يحصل، كلّ يوم، في نفس كلّ مؤمن. ليس المجوس والرعاة أشخاصًا منفصلين عن الماضي، ولكنّهم يمثّلون البشريّة كافّة في أزمنتها المتلاحقة كلّها. فالرعاة يمثّلون اليهود المتنصّرين بينما المجوس يمثّلون الأمم. الرعاة يمثّلون الشعب البسيط فيما يمثّل المجوس الشعب المثقّف. لذا، فنحن جميعًا نأتي، بشخصهم، لنسجد في المغارة للمولود الإلهيّ.

لهذا السبب، فالصوت الملائكيّ القائل “هاءنذا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب” موجَّه لكلّ واحد منّا. كلّ كلمة في هذه الآية لها معناها الخاصّ وعمقها الخاصّ، ولكنّنا سنتوقّف على معانٍ ثلاث:

1)    هاءنذا: الملاك يبشّر بأمر مفرح للغاية، بأمر وشيك الحدوث، بأمر مقرّر. أبشّركم بميلاد مخلّص. إنّه ليس كميلاد سائر البشر، إنّه ميلاد يحدث لخلاصكم، لتحرّركم من اللعنة القديمة. في حدث تجسّد الكلمة الإله تعترضنا تجربة لا يدركها إلاّ الذين يملكون عيونًا روحيّة مفتوحة فقط، وآذانًا روحيّة رهيفة السمع. تجربة تعرّض لها رؤساء الكهنة والكتبة الذين أجابوا، للحال، على سؤال هيرودس: “أين يولد المسيح؟”، فأوردوا نبوءة كانوا يعرفونها حقّ المعرفة بدليل أنّهم أجابوا بها من دون تلكّؤ ولا تفكير، بيد أنّهم كانوا عاجزين عن إدراك كنهها ومدلولها بأنّ معطي الشريعة وتمام رجاء إسرائيل وماسيّا المسيح وُلد قريبًا منهم جدًّا. نعم، كانت لهم عيون ينظرون بها ولكنّهم لا يبصرون، ولهم آذان يسمعون بها، ولكنّهم لا يفهمون “فمن أجل هذا خطيئتهم ثابتة” (يو 9: 41). المسيرة نحو بيت لحم تتطلّب عيونًا تبصر الخلاص، وآذانًا تصغي لكلمة الخلاص، وإلاّ لوقعنا، نحن أيضًا، في تجربة رؤساء الكهنة والكتبة عينها.

2)    أبشّركم: إنّ بُشراي هي لكم، أنتم القلّة، وليس لجميع الناس. الإنجيل هو رسالة الخلاص المفرّحة، رسالة ميلاد المسيح هي رسالة شخصيّة. فالربّ يتكلّم مع كلّ واحد منّا بلسانه، من خلال تجاربه، بحسب عاداته وتقاليده. فللمؤمنين البسطاء من الرعاة واليهود كلّمهم بظهور الملائكة، بالقوّات السماويّة غير الهيوليّة الذين كانوا يعرفونها ويقرأون عنها. وللمجوس، الذين لم يكونوا على عبادة بني إسرائيل، كلّمهم بظهور نجم غير اعتيادي في قبّة السماء كانوا يلحظون تحرّكاته يوميًّا. الربّ يتكلّم مع كلّ واحد منّا محترمًا حرّيّته وشخصيّته من دون أن يرغمه على اتّباع إيمان محدَّد أو معيّن.

لم يظهر الملاك لجميع قاطني بيت لحم، بل، فقط، للذين كانوا مهيَّئين روحيًّا لتقبّل الرؤيا الإلهيّة. لم يكن النجم باديًا لكلّ منجّمي بابل، بل، فقط، لأولئك المجوس الثلاثة الذين ذكرهم الإنجيل. كان المارّون كثرًا أمام المغارة المقدّسة، ولكنّ الساجدين كانوا قليلين، فإلى أيّ فريق نحن ننتمي؟

3)    فرح عظيم لكلّ الشعب: إنّ هذا الفرح، فرح الخلاص هو لكلّ الشعب. أشخاص قليلون استحقّوا، أو بالأحرى أُهِّلوا، للسجود للمولود الجديد المخلّص، وتلقّوا الوصيّة والرسالة وواجب إعلان الفرح لكلّ المشاركين لهم بالطبيعة البشريّة. صار الرعاة رسلاً في محيطهم، لأنّ الإنجيل يقول: “بأنّ كلّ من سمع تعجّب ممّا قال لهم الرعاة” (لو 2: 18). وفي البيت العاشر من مديح العذراء نقرأ: “إنّ المجوس لمّا صاروا كارزين متوشّحين بالله عادوا إلى بابل إذ قد أكملوا وحيك وبشّروا الكلّ أنّك المسيح…”. من هنا نفهم أنّه توجد دعوة لكلّ واحد منّا ليصير رسولاً بين قومه حيث اللغة الواحدة التي تجعل الكرازة أكثر سهولة، ومن دون خطر. يقول القدّيس غريغوريوس اللاّهوتيّ: “المؤمن الحقيقيّ هو من ينيره الروح القدس ليعرف كيف وماذا سيقول. هو من يحيا كلمة البشارة فعليًّا قبل أن ينقلها للآخرين، وعندها سيحتفل بعيد الميلاد ليس احتفاليًّا دنيويًّا،  بل دينيًّا. ليس عالميًّا، بل ببهجة سماويّة تفوق العالميّات”.

ميلاد مجيد هكذا نقول وهكذا نكتب، ولكنّ الإنسان، إنسان هذا العصر الذي يعيش الاضطراب والظلام ينتظر منّا أن نقول له كلمة أخرى أكثر شموليّة. فلنقرأ، إذًا، القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم ماذا دوَّن عن هذا العيد:

“تعالوا لنعيّد. تعالوا لنبتهج.

إنّ طريقة التعييد اليوم هي غريبة بقدر ما هو غريب الكلام عن ولادة المسيح.

فاليوم حُلّت الأربطة الدهريّة وخزي الشيطان.

اليوم هربت الشياطين وأُبطل الموت.

اليوم فُتح الفردوس، واللعنة بادت.

اليوم طُردت الخطيئة، والضلالة ابتعدت.

اليوم ظهرت الحقيقة، وعمّت البشارةُ المسكونةَ.

اليوم أزهر ملكوت السماوات في الأرض، والملائكة يتحادثون مع البشر،

وكلّ شيء أصبح واحدًا، لأنّ الإله نزل إلى الأرض، والإنسان صعد إلى السماوات.

نزل الإله إلى الأرض وهو لا يزال موجودًا، أيضًا، في السماء.

كلّه موجود في السماء وكلّه موجود على الأرض.

صار إنسانًا وهو إله. هو إله ولكنّه تلقّى جسدًا بشريًّا.

أُمسك في الحضن البتوليّ، وهو الذي يمسك بيديه المسكونة كلّها”.

والآن، هلمّ بنا نلقِ نظرة كيف يعيّد إنسان اليوم؟

–       المنغمس في ملذّات هذا العالم يجد عيد الميلاد فرصة للسهر وللنزهة…

–       التاجر الذي يرى كلّ شيء من منظار الاقتصاد والمال يفهم عيد الميلاد كحدث تجاريّ به يزيد أمواله ليودعها المصارف.

–       العاطل عن العمل الذي لا يجد أمامه سوى الأبواب المغلقة، يتقوقع على ذاته لا يحسّ بآفاق جديدة مع الميلاد المجيد.

–       الفقير الذي يجاهد لإيفاء ديونه لكي لا يفقد منزله يقبع حزينًا لا يشعر بفرح تنازل الطفل الإلهيّ اللاّمدرَك.

–       المريض الذي تجعله علّته غير مبال بالأضواء والاحتفالات لا يهزّه الرجاء بمجيء طبيب الأنفس والأجساد إلى الأرض.

–       السجين… رجل المخدّرات… الطالب الهائم بأنغام الأغنيات الصاخبة أو الغارق في ازدراد أطعمة المقاهي… كلّ هؤلاء يرون عيد الميلاد من منظار أهوائهم وضياعهم وشقائهم، ناسين أنّ من جاءنا إنّما جاء لهم ومن أجلهم.

لكلّ هؤلاء نوجّه إليهم الدعوة ليروا ابن الله المتجسّد الآتي ليرفعهم من شقائهم وعماهم، ويقودهم بيده نحو الخلاص الأبديّ. لكلّ هؤلاء نقول: انزعوا عنكم القناع الأرضي، واكتسبوا آخر روحيًّا، فتقودم خطاكم، عفويًّا، إلى المغارة لتسجدوا لمن هو الكلّ في الكلّ، والفقير الذي يغني الكلّ، والطبيب الذي يبرئ الكلّ.

* من مقالة باليونانيّة.

الصلاة كوسيلة لتربية الأولاد

الصلاة كوسيلة لتربية الأولاد

جون سانيدوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لطالما وُجدت، إلى حدّ ما، “هوّة بين الأجيال”، لأنّ “الاختلافات بين الناس هي طبيعية بالاستناد إلى العمر والمواهب الروحية والخبرة والحالة الروحية “، كما يشير المتروبوليت يروثيوس الذي من نافباكتوس في دراسته البارزة تحت عنوان “العلاقة بين الأهل والأولاد”(1989). اليوم، في عصر تسوده أزمة على صعيد القيم والمؤسّسات والقيادة والناس، نجد أيضًا أزمة متعددة الأوجه في العلاقة بين الأهل والأولاد.

في سبيل تخطّي هذه المصاعب والفروقات، علينا أن نتحلّى بالجدّية والهدوء وخاصّة بالمحبة. نحتاج أيضًا إلى معيار ثابت في الحياة، وذلك نادر اليوم، في عصر نعيش فيه بضياع كبير. فماذا يمكن للأهل أن ينقلوا لأولادهم، وكيف يتوصَّلون إلى وفاق معهم، بينما، هم بدورهم، يعيشون حالة ضياع ويحتاجون المساعدة أوّلاً؟

ما هي الصلاة؟

كتب القدّيس يوحنا السينائي في كتابه السلّم إلى الله قائلاً: “الصلاة هي حوار الانسان مع الله واتحاده به، وتأثيرها يرفع العالم ويجلب المصالحة مع الله… هي… جسر فوق الاغراءات، حائط في وجه المحن، سحق للصراعات (مع الشياطين)،… مصدر للفضائل، وسيلة لاقتناء النعم الروحية …، استنارة النوس، فأس ضدّ اليأس، إعلان للأمل، علاج للحزن…، تخفيف للغضب،…دلالة على الحالة الروحيّة للشخص  (الدرجة 28). تفترض الصلاة القلبية حبًّا واهتمامًا للذين تُرفع من أجلهم (في هذه الحالة الأولاد)، كما تفترض ثقة بالذي تُرفع إليه (أي الله)، الثقة بأنّ لديه الحب والقوّة لمساعدتنا.

عندما نتكلّم عن الصلاة كأسلوب حياة للأهل، نتكلّم عن أولئك الأهل الذين يعيشون الصلاة، الذين هم أناس صلاة وشعب الله وشعب الكنيسة، والذين يملكون أبًا روحيًّا ويشاركون بانتظام في الأسرار، ويعيشون حياتهم باهتمام روحي.

الأسلوب الأكثر فعاليّة

إنّ الأسلوب الأكثر فعاليّة في تربية الأهل لأولادهم هو استعمال أقلّ كلمات ممكنة والتربية بواسطة المثل. كتب الأب باييسيوس الآثوسي في رسائله قائلاً: “مغبوطون هم الأهل الذين لا يستعملون كلمة “لا تفعل” مع أولادهم، بل يكبحون الشرّ بواسطة حياتهم المقدّسة التي يقلّدها الأولاد ويتبعون المسيح بشهامة روحيّة وبفرح. لقد تكلّم قدّيسون عدّة عن الدور الايجابي الذي تؤدّيه قداسة الوالدين في حياة الولد. بالتالي، حين يكون الوالدان مصلّيين، هما يعيشان الصلاة، يحيان في المسيح والمسيح يحيا فيهما. حينها، يمكنهما إيصال المسيح إلى أولادهما.

الوالدان الحقيقيّان ليسا مجرّد من ولدا ابنًا بالجسد، إنّما من يربّيانه بطريقة صحيحة. هما أُنشئا بحسب المبادئ والقيم الارثوذكسية، ويعرفان أنّ سبب وجودنا على هذه الأرض هو في كوننا وارثي ملكوت الله، الأمر الذي يتحقّق فقط باستعمال الطرق الشفائيّة التي حدّدها التقليد الآبائي الارثوذكسي: التطهّر، الاستنارة والتمجيد. إنّنا، بتطهير قلوبنا من الأهواء الخاطئة، نستنير بالروح القدس ونصبح متّحدين بالله عبر نعمته. عندما ينشئ الوالد ابنه متّخذًا هذا الهدف بعين الاعتبار، وهو بأنّه مدعوّ لأن يكون “إلهًا بالنعمة”، حينها، وكما يقول القديس باسيليوس الكبير، سيتّخذ كلّ شيء موقعه المناسب ويكتسب معناه الحقيقي.

الأمور المهمة أولاً

إنّ الانسان المصلّي الذي يجاهد الجهاد الحسن لاقتناء الفضيلة، هو الأنسب، بمؤازرة الله، لتزويد أولاده بالتربية الحقيقية. هذا الانسان يعتبر الآخر شخصًا فريدًا ويحترم حريّته. كتب المتروبوليت يروثيوس قائلاً: “يجب أن تتميّز علاقتنا مع أولادنا بالحب والحرية، اللذين عليهما، في الواقع، أن يتلازما وأن يعبّر عنهما سويًّا: الحب الذي لا يحترم الحرية هو تسلّط، والحرية من دون حب حقيقي هي فوضى”. ويضيف:” يبرّر الأهل عادة كلّ تصرّف لهم بمدى محبّتهم لأولادهم. بالطبع، الحبّ عظيم ، فكما يقول آباؤنا القديسون إنّ الحب ثمرة اللاهوى، لذا فهو يتطلّب تطهيرًا للقلب”. ثمّ يضيف قائلاً: “وأيضًا، يبرّر الأولاد عادة تصرّفاتهم بأنّهم أحرار في فعل ما يشاؤون، وبالتالي لا يقبلون إرشاد والديهم. إلاّ أنّ الحريّة ليست في فعل ما أشاء، وهي ليست مجرّد اختيار حرّ، الحريّة الحقيقيّة يعبّر عنها بالحبّ.

يعتبر الانسان المتواضع نفسه أسوأ من الجميع ولا يدين بسهولة أخطاء الآخرين. وإن فعل ذلك فإنّما بهدف تأديب الولد وبنائه وليس بهدف إيذائه وتبرير أنانيته (أنانية الولد)، كما يقول الكتاب: “ليؤدّبني الصدّيق ويوبّخني” (المزمور 141: 5).

الانسان المحبّ والمتواضع يعرف كيفيّة المسامحة والصبر والإصغاء للآخرين. لكن بدلاً من هذه الفضائل، غالبًا ما نجد في داخلنا ما يقابلها من الرذائل. إنّنا نميل في أيامنا هذه إلى أن نحمل، بأنانيّة، الضغينة والحقد. تتمحور حياتنا حول التوتّر الذي نراكمه على أنفسنا من دون بساطة وصوابية في وجهة النظر. كما أنّنا نحبّ التكلّم على أنفسنا وعلى آرائنا، رافضين التغيّر والإقرار بأخطائنا.

الانسان المصلّي لا يغضب بسهولة، بل هو حليم ومسالم. هو يعرف المعاناة والبهجة الحقيقية، لأنّ الألم يهذّب الروح ويمنحنا الفرصة لتمجيد الله في وقت يكون ذلك آخر ما يُتوقّع منّا. إذا وصل أحد الوالدين إلى البيت غاضبًا وحزينًا أو فاقدًا السيطرة، سينتشر هذا الفيروس في المنزل مثل مرض معدٍ. إنسان الله عنده إيمان ويثق بالله لا بأفكاره وقدراته الخاصّة. الإنسان المؤمن لا يقع في اليأس والإحباط، اللذين هما ثمرة الكبرياء، بل يعترف بفشله بتواضع ويلتفت إلى الله طالبًا العون، كما يقول الأب باييسيوس: “عندما نوكل الله بكلّ شيء، فهو يكون مُجبَرًا على مساعدتنا”.

هذه هي صفات الوالد الناضج والروحاني الذي لا يكون أنانيًّا وقاهرًا أو مفرط الاهتمام. يدرك أنّ أولاده ليسوا ملكًا له. -هم لا ينتمون إلينا، نحن لم نخلقهم بأنفسنا بل كنّا مشاركين في الخلق مع الله. نحن نساعد في وهب الجسد لكنّ الله هو واهب الروح-. لا يضع نفسه أولاً، لا يعطي وعودًا كاذبة، لا يقمع ويسيطر ويصدر باستمرار تعليقات سلبية وانتقادات.

أخيرًا، الوالد الناضج والروحاني لا يكلّم أولاده عن الله فقط، إنّما بالأخصّ يكلّم الله عن أولاده. فالصلاة، بالنسبة له، هي راحة وليست عبءًا. يدرك أنّ وطأة النضال يجب أن تُسلَّم للصلاة وألّا تقتصر فقط على الكلام.

الأمل موجود

إضافةُ، علينا أن نفهم أنّ الشباب لا يفتّشون عن عالم فيه وفرة من السلع الاقتصادية، بل عن عالم خالٍ من الملل” (المتروبوليت يروثيوس). ينشأ الملل عندما لا يجد الانسان معنى لحياته. كتب الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، مؤسّس العلاج بالكلمة: ” قام مجلس التعليم الاميركي ببحث (استطلاعات) شمل 171500 طالب، 68.1 % منهم أجابوا بأنّ الهدف الأسمى في الحياة هو إيجاد فلسفة حياة ذات معنى”.

يفتّش الشباب ذوي الاهتمامات الروحيّة عن أجوبة لأسئلتهم الوجودية: من أنا؟ من أين اتيت؟ إلى أين أنا ذاهب؟ ما هو معنى حياتي؟ هل هناك حياة بعد الموت؟ ما هو الهدف من حياتي؟ ليس المجتمع المعاصر في موقع مناسب للإجابة على هذه الأسئلة المشروعة ومساعدة الشباب.

يُزدرى، عن جهل وحكم مسبق، بأجوبة الكنيسة السليمة والمثبتة، خاصّة وأنّ عدوّ خلاصنا، الشرير، يدفع الناس للانشغال بمعرفة كاذبة وبأساليب ومعتقدات، بغية الإجابة على هذه الأسئلة وإعاقة خلاصهم.

لقد سئم الأولاد من النزعات الاستهلاكية والعلمانية والمادية، وأصبحوا، بسهولة، ضحايا لمخاطر عدّة محيطة بهم. كآباء، نحن مدعوّون لتوجيههم إلى مَثَل المسيح. هذا ليس سهلاً، لكنّ قوّة الله بإمكانها أن تحوّل الناس وتملأهم، حين يبدو كل شيء آخر مستحيلاً. بواسطة هذا الأسلوب، يمكننا سدّ تلك الهوّة الموجودة بين جيل وآخر.

John Sanidopoulos holds a BA in Religious Studies from Hellenic College and an M.T.S and Th.M from Holy Cross School of Theology

النّعمة الإلهيّة مِضخّة السّلام في القلب

النّعمة الإلهيّة مِضخّة السّلام في القلب

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، الحلقة بين الرّبّ يسوع والآب السّماويّ والمؤمنين بالرّبّ يسوع هي حلقة مغلَقة. “ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب”. إذًا، مستحيل على أحد أن يعرف ابن الله، إلاّ بنعمة من الآب السّماويّ. “ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن”. إذًا، مستحيل على أحد، أيضًا، أن يعرف الآب السّماويّ، إلاّ بالابن. بهذا المعنى، مَن يدّعي أنّه يعرف اللهَ الآبَ ولا يعرف الابن، فهو كاذب، وليس الحقّ فيه. ومَن قال إنّه يعرف الابنَ ولا يعرف الآب الّذي أرسله، فهو كاذب، وليس الحقّ فيه، أيضًا. هذه الحلقة مغلَقة. لكنّ الابن هو الّذي يكشف حقيقةَ الآب السّماويّ؛ ومن ثمّ، حقيقةَ نفسه؛ لأنّه يقول، هنا: “لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومَن يريد الابنُ أن يكشف له”. الموضوع هو موضوع كَشـْفٍ. مستحيل على الإنسان أن يعرف الآب والابن بالفلسفة والعلم. لا يمكن أن يُعرَف الآب، ولا الابن، إلاّ بكَشـْفٍ من فوق. هذه فكرة أولى. تداعياتها أنّ كلّ الّذين يدّعون، في العالم، أنّهم ديانات، ولا يعرفون ابن الله، ولا يسمّون بابن الله، ولا يحفظون وصيّة ابن الله، هم أصحاب ديانات من صُنْع الأرض، وليست، أبدًا، من الله.

في الفكرة الثّانية، يقول الرّبّ يسوع: “تعالَوا إليّ، يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال، وأنا أريحكم”. قبل ذلك، تحدّث الابنُ عن كَشـْفِ نفسه والآب للّذين يؤمنون به. وهؤلاء، الّذين يؤمنون به، هم الّذين يأتون من التّعب والأحمال الثّقيلة. لذلك، يناديهم الرّبّ يسوع: “تعالوا إليّ، يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال، وأنا أريحكم”. على أيّ تعب يتكلّم؟! بالنّسبة إلى الإنسان، هناك ثلاثة أنواع من التّعب: التّعبُ الجسديّ، حين تكون عضلاته مُتعَبة على أثر عمل شاقّ. إذًا، الجسد يتعب. والتّعبُ النّفسيّ، وهو القلق، والهموم، والمشكلات الّتي يواجهها الإنسان، في حياته، وفي يوميّاته. هذه كلّها، متى زادت عليه، أتعبته، وأثقلت نفسه. والتّعبُ الرّوحيّ الّذي منه ينشأ، في الحقيقة، كلّ تعب، سواء على مستوى الجسد أم على مستوى النّفس. كيف ذلك؟! التّعب الرّوحيّ هو أن يكون الإنسان ضمن دائرة تأثير الشـّيطان فيه. والإنسان يكون ضمن دائرة تأثير الشـّيطان فيه، حين يتعاطى الخطيئة. الخطيئة هي من نَفَس الشـّيطان، وترتبط بأهواء الإنسان. أهواء الإنسان هي بمثابة “فيروسات” شيطانيّة، في حياته، ومنها الشـّراهة، والغضب، والعُجْب، والكبرياء. حين يكون الإنسان مُثقَلاً بتأثير الشـّيطان فيه، فإنّ هذا ينعكس عليه تعبًا كيانيًّا، بحيث إنّ التّعب الجسديّ والتّعب النّفسيّ لا يَلقيان راحة، ما دام الإنسان داخل دائرة التّأثير الشـّيطانيّ، في حياته. الإنسان يتعب، إذ ذاك، جسديًّا ونفسيًّا، ولا يمكنه أن يرتاح. الحياة لا تريح! تفاصيل الحياة اليوميّة ليست مريحة! الإنسان، دائمًا، في حلقة من التّعب، سواء على صعيد الجسد أم على صعيد النّفس. والرّبّ يسوع يدعو المتعَبين إليه، لأنّه يريد أن يريحهم: “أنا أريحكم”! طبعًا، الإنسان الّذي يدخل دائرة تأثير الله يتعب جسديًّا، لكنّه لا يتعب نفسيًّا؛ لأنّ نعمة الله تجعله، دائمًا، في السّلام، والأمان، واليقين أنّه محفوظ من فوق. الإنسان الّذي يكون مرتاحًا، على المستوى الرّوحيّ، فإنّ تعبه، حتّى الجسديّ، يصبح خفيفًا؛ لأنّ امتلاء القلب من نعمة الله يجدّد الإنسان كلّه: يجدّد طاقاته الجسديّة؛ ويجدّد، أيضًا، ما له علاقة بالنّفس، ويشدّده؛ فلا يبقى الإنسان، إذ ذاك، محكومًا بالقلق والهَمِّ، لأنّ روح الرّبّ دافئ، رفيق بالنّاس، سلاميّ: “سلامي أعطيكم، لا كما يعطيكم العالم” (يو14: 27). والرّبّ يسوع، هنا، يدعو المتعَبين والمثقَلين إليه، لأنّه يريد أن يريحهم. كيف يريحهم؟! كيف يعطيهم نعمة الله؟! الحقيقة أنّ الرّبّ يسوع لا يريح أحدًا خارجيًّا، بل يريح مَن يأتي إليه داخليًّا، أي إنّه يعطيه روحه. حين يقيم روح الرّبّ القدّوس في الإنسان؛ إذ ذاك، تكون له راحة من فوق. الرّوح والرّاحة من جَذْرٍ واحد. الرّاحة الحقّ تأتي من روح الحقّ. لذلك، نحن نسعى، في كلّ يوم، من خلال حـِفـْظِ الوصيّة الإلهيّة، والسّلوك في الفضيلة المسيحيّة، والاشتراك في الأسرار الإلهيّة، لأن نبقى ضمن دائرة التّأثير الإلهيّة، أي أن نبقى في عشرة الله، نبقى مع الله، ندخل في علاقة وِدٍّ مع الرّبّ الإله. وهذا يستنزل روح الرّبّ القدّوس، الّذي يأتي ويسكن فينا. ونحن، في صلواتنا، نستدعيه دائمًا: “هلمّ واسكن فينا؛ وطهّرنا من كلّ دنس؛ وخلّص، أيّها الصّالح، نفوسنا”! فقط، إذ ذاك، تكون للإنسان راحة. ومن دون ذلك، يبقى في تعب. حتّى لو لم يعمل جسديًّا، ولم يكن له روح الرّبّ؛ فإنّه يكون متعَبًا جسديًّا، لأنّ النّفس والجسد والقلب مرتبطٌ الواحدُ منها بالآخر، والمصدر هو القلب. حين لا يكون القلب في وضع ضَخِّ النّعمة الإلهيّة في الإنسان، فإنّ هذا الأخير، عَمـِلَ أم لم يعمل شيئًا، يكون متعَبًا. كذلك الأمر، سواء واجه الإنسان مشكلات يوميّة أم لا، فإنّه يكون متعَبًا. لماذا؟! لأنّ ما يؤثّر فيه، في الدّرجة الأولى، هو الخوف، لا سيّما من الموت. حين يجد الإنسان نفسه، في قرارة نفسه، غيرَ مُحتَضَن بروح الله، فإنّه يعاني فراغًا كبيرًا، وهذا الفراغ يتولّد منه كلّ خوف، وكلّ قلق، وكلّ ضيق، وكلّ تعب. لهذا، سعينا، في كلّ يوم، هو لاقتناء روح الرّبّ، حتّى تكون لنا راحة.

أمّا في الفكرة الثّالثة، فيقول الرّبّ: “احملوا نيري عليكم، وتعلّموا منّي، فإنّي وديع ومتواضع القلب”. الرّبّ يسوع سبق، في الفكرة الثّانية، أن دعا النّاس المتعَبين والمثقَلين إليه، وقال إنّه يريحهم. كيف يريحهم؟! يريحهم إذا عرفوا أن يحملوا نيره عليهم، ويتعلّموا منه. ما هي وظيفة النّير؟! النّير هو للفلاحة. الإنسان يحتاج إلى أن يفلح، أي يحتاج إلى أن ينقّي الأرض؛ حتّى تكون الأرض في حالة التّهوئة، فلا تكون فيها عفونة. على الإنسان أن يَفلَح لكي يُفلـِح، لكي ينجح. والمهمّ أن يحمل نير المسيح، أي أن يفلح بكلمة الله، وعلى كلمته. لذلك، قال الرّبّ: “تعلّموا منّي”، أي [تعلّموا منّي حَمْلَ النّير، تعلّموا منّي الفلاحة]. والمُبتغى هو أن يصير الإنسان، باتّباعه الوصيّةَ الإلهيّةَ وبحَمْلـِه النّيرَ الإلهيَّ، وديعًا ومتواضعَ القلب. الغاية من كلّ وصيّة أن يبلغ الإنسان الوداعة وتواضع القلب. بهذا، يصير شبيهًا بالرّبّ يسوع. كلّ سعينا، في الحقيقة، هو لاقتناء الوداعة وتواضع القلب. ما هو تواضع القلب؟! هو أن يبلغ الإنسان حدًّا يشعر معه، كيانيًّا، بأنّه لا شيء، وبأنّ كلّ ما له هو عطيّة من عند أبي الأنوار. متى بلغ هذا الحدّ من الحسّ الدّاخليّ الكيانيّ، فإنّه يتحرّر من تأثير الأهواء فيه، ومن تأثير كلّ العناصر الخارجيّة فيه، أيضًا. يبلغ، إذ ذاك، بالتّواضع، السّلامَ، أي الوداعة. الوداعة هي أن يقتبل الإنسان أن يُساق إلى الموت، كالحَمَلِ، ولا يفتح فاه! إذ يتحرّر الإنسان من الخوف، والقلق، والغضب؛ فإنّه يصير وديعًا كالمعلِّم. ومتى سلك على هذا النّحو، فإنّه يجد راحة لنفسه، بمعنى أنّ روح الرّبّ يُسَرّ بالسّكنى فيه، فيرتاح. كلّ شيء، إذ ذاك، حتّى التّعب الجسديّ، يصير مجالاً للرّاحة. يعمل الإنسان قليلاً أو كثيرًا، فيكون هذا، في الحقيقة، مجالاً للرّاحة، لا مجالاً للتّعب. طبعًا، نحن عندنا خبرة في هذا المجال، ونعرف معنى هذا الكلام. الإنسان إذا أحبّ، فإنّه يتعب بفرح، يتعب براحة! أمّا الإنسان الّذي لم يحبّ؛ فهذا، ولو تعب قليلاً، فإنّ تعبه يكون كبيرًا. لهذا، بسكنى روح الرّبّ فينا، كلّ شيء يصبح مجالاً لتَفَتُّح روح الرّبّ. هذه هي الرّاحة الحقّ. يتفتّح روح الرّبّ فينا؛ فنفرح، ونتهلّل، ونمجّد، ونشكر، ونسبّح.

هذه هي، إذًا، الطّريق، “لأنّ نيري ليّن، وحملي خفيف”. النّير اللّيّن هو الّذي لا يجرح، ولا قسوة فيه. الرّبّ الإله يجعل كلّ حـِمْلٍ على عواتقنا ليّنًا. وحملي خفيف“! فليتوقّف الّذين يقولون إنّ الوصيّة صعبة، لا بل مستحيلة؛ لأنّ الرّبّ يسوع يقول، بوضوح، إنّ حمله خفيف! الوصيّة خفيفة، وليست ثقيلة، أبدًا! ما يجعل الحمل ثقيلاً هو عدم رغبتنا في أخذه على عواتقنا. المشكلة تكمن فينا نحن! الإنسان، إذا رغب في أمر من كلّ قلبه، لا يلقى صعوبةً إلاّ وتكون قابلةً للتّجاوز. أمّا مَن ليس في نيّته أن يحمل حملاً ما؛ فإنّه، متى حمله رغمًا عنه، يجده مُتْعـِبًا، ثقيلاً، ويزداد تعبه وثقله حتّى يتخلّى عنه. لهذا، الرّبّ الإله لا يمكن أن يُحمِّل أحدًا فوق طاقته، ولا يطلب من أحد ما ليس هو (أي الرّبّ يسوع) مستعدًّا لأن يجعله قادرًا على حَمْله. المطلوب، فقط، هو الإرادة؛ وأن نطلب، من كلّ القلب، ومن كلّ النّفس، ومن كلّ القدرة، ما يعرضه علينا الرّبّ الإله. بعد ذلك، كلّ شيء يكون مُيَسَّرًا في حياتنا، وفي يوميّاتنا. لا تبقى هناك مشكلة، على الإطلاق. كلّ المشاكل، كلّ الصّعوبات، كلّ الضّيقات تكون تحت ضَبْطِ الضّابط الكلّ، الّذي يجعل كلّ شيء لمنفعتنا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

عظةحول متّى11: 27- 30 في السّبت 5 كانون الأوّل 2010

أن نصير “رعية مع القديسين”

أن نصير “رعية مع القديسين”

رئيس الأساقفة نيكن ركلتسكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يكلّم الرسول بولس الأفسسيين منادياً إياهم بـِ”الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”، قائلاً لهم بأنّهم بعد أن صاروا مسيحيين “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ،مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ.” (أفسس 19:2-22).

هذا الدرس من معلّم إيماننا العظيم يتعلّق بكلّ الجنس البشري، بمَن فيهم نحن الخطأة، وهو نفسه لنا جميعاً: رهبان وعلمانيين وكهنة وأساقفة، متعلّمين وأميين، فقراء وأغنياء، رجال ونساء، شيوخ وشبّان، وبتعبير آخر، لكل البشرية.

كل واحد منا، إذ يعبر هذه الحياة الأرضية القصيرة، عليه أن يعمل على نفسه، أن يجعلها مسكناً للروح القدس. علينا جميعاً أن نعبر بوابات الموت ومن ثمّ نرث إمّا الحياة الأبدية المباركة، حياة المحبة والفرح، أو الحزن الأبدي والعذاب الذي لا ينتهي.

ولكي لا نفتكر أنه بسبب نقص تربيتنا اللاهوتية أو عدم استعدادنا لاستيعاب أسرار المعرفة الروحية أو عدم درايتنا بتوجيه قلوبنا نحو التحوّل إلى رعية مع قديسي الله وأبراره، تقدّم لنا الكنيسة في القراءة الإنجيلية لليوم نفسه مقطعاً عن كيف ينبغي الاقتراب من الله. هذا ظاهر في المثل عن المرأة البسيطة التي لم يُذكَر حتّى اسمها. فالإنجيل يورِد قصتي شفاء النازفة الدم وإقامة ابنة ياييرس.وعلى أساس الاختصار الملحوظ في سرد الإنجيل لحياة ربنا يسوع المسيح، يمكننا إعادة تكوين الصورة الكاملة:

شفاء المرأة النازفة جرى بعد أن ذاع صيت تعاليم يسوع المسيح والمعجزات العظيمة التي قام بها في كل اليهودية، وصارت الجموع تتبعه حيثما يذهب وتنظر إليه كمعلّم كبير وصانع عجائب، ما أن عاد من بلاد الجدريين، بعد أن أخرج جيش الشياطين من الممسوس إلى قطيع الخنازير الذي غرق في البحر جزاءً لأهل تلك الديار الذين خالفوا الناموس الموسوي. من ثمّ “طَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ، لأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ” (لوقا 37:8).الظاهر هو أنهم كانوا يسلكون في الفوضى وقد خشوا أن الرب سوف يشجبهم في خطايا أخرى، ويتلف ملذاتهم الخاطئة.

لكن معاملة الناس للرب اختلفت في اليهودية: “وَلَمَّا رَجَعَ يَسُوعُ قَبِلَهُ الْجَمْعُ لأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ. وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ قَدْ جَاءَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، لأَنَّهُ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَحِيدَةٌ لَهَا نَحْوُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ” (لوقا 41:8-42).

عندما ذهب الرب إلى بيت ياييرس جرى حدث يمكننا تصوّره أمام أعيننا. تبع الجمعُ الربَّ وكأنّهم يصارعونه بشكل غير رسمي. هؤلاء كانوا بالأساس شعباً فضولياً يقاتل ليحظى بأن يرى عن كثب هذا الرجل الشهير أو ليسمع شيئاً عنه أو ليشهد معجزة، والجمع بلا رحمة في فضوله. أمر مشابه حدث في زمن لاحق للقديس يوحنا كرونشتادت. حيثما يذهب كان الناس يركضون إليه حتى يكادوا يسحقونه. كانت الشرطة تُبعِد الجموع عن القديس يوحنا، لكن بالطبع، السيّد ليس عنده شرطة مرافقة وبالتالي كان كلّ الناس يصرخون إليه، ويتدافعون طمعاً بفرصة الاقتراب منه. السيّد على ما يبدو تحرّك ببطء وراء ياييرس محتملاً بتواضع زحمة الشعب.

لكنّه توقّف فجأة وسأل بسلطان: “مَن لمسَني؟” وقد نطق بهذه الكلمات بقسوة فساد الصمت. الجميع توقفوا وأنكر ذلك كل الذين كانوا يزحمونه. من ثمّ، بطرس والتلاميذ الآخرون، بهدف تنفيس خوف الجمع وحيرتهم، قالوا بشيء من التأنيب: “أيها السيد، إن الجموع يزحمونك وأنت تقول مَن لمسني”. الرب بمعرفته غير المحدودة كان يعرف مَن لمسه ولماذا، لكنّه رغب في أن تعترف مرتكبة هذه اللمسة وتعلن نفسها أمام العالم، وكيف ولماذا لمست السيد وصارت معلمة لكل الجنس البشري حول كيف ينبغي مقاربة السيد.

“قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي”، قال الرب لتلاميذه المرتبكين. هنا، بقرب السيد كانت المرأة المباركة. إذ رأت أنه ليس بمقدورها الاختباء وأحسّت أنّ الربّ يشير إليها ويعتيها بكلامه “جَاءَتْ مُرْتَعِدَةً وَخَرَّتْ لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ” (لوقا 47:8).

لقد أعلنت للعالم، ولنا نحن الخطأة، كيف أنها لاثنتي عشر سنة عانت من مرض رهيب، ونزف دائم، وكيف صرفت ثروتها على الأطباء الذين لم يقدّموا لها الشفاء، وكيف وقعت في الفقر وهي مريضة. لكن الأخبار بلغت أذنها بأن الذي يحرِّر من الألم أتى إلى العالم وآمنت من كل قلبها بأنه هو الإله الحقيقي القادر على كل شيء وهو مَن يستطيع أن يعمل لها ما لم يستطع كل الأطباء أن يفعلوه، فهو الإله الكلي المعرفة الممتلئ محبة وتحنناً، وأنها غير مستحقة أن تدخل في اتصال مباشر معه وتحكي معه، ولكي تحصل على الشفاء منه يكفي أن تلمس هدب ثوبه لأن كل ما هو معه وكل ما له كان مستنيراً بالنعمة الكلية القدرة. وهكذا بذلت جهداً عظيماً لشق طريقها عبر الحشود المحيطة به، وبتقوى صلاتية لمست طرف ردائه، وللحال شفيت. بحسب ناموس العهد القديم (لاويين 25:15)، فإن امرأة في هذه المحنة كانت تُعتَبَر نجسة ولا ينبغي أن تلمس أحداً. لكن لمس هذه المرأة لثوب المسيح لم يكن عادياً بل كان مُشبَعاً بالصلاة.

الإثبات على أن ما كان يدور في فكر هذه المرأة هو ما اعترفت به أمام السيد وشفيت، هو في كلمات الرب: “ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لوقا 48:8). هذه كانت المرأة الوحيدة التي استحقت أن يدعوها الرب “ابنة”. للآخرات قال الرب “يا امرأة عظيم إيمانك” (متى 28:15). في حادثتين أخريين، سمّى الرب النساء بنات ولكن بشكل مختلف: المنحنية الظهر لثمانية عشرة سنة التي شفاها في الهيكل سمّاها “ابنة ابراهيم” (لوقا 16:13)، وعند اقتياده إلى الصلب، رأى نساء أورشليم فتوجّه إليهنّ بهذه الكلمات “يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ”  (لوقا 26:23). هذه المرأة المباركة استحقت اسم “ابنة” من الرب. بالإجمال، في حياته على الأرض، نادى الناس “أولاد” فقط في الحوادث التي كشف فيها ستار ألوهته. وهكذا قال للمفلوج : “ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ” (متى 2:9)، ومن ثم لحيرة سامعيه شرح أنه هو مَن عنده سلطان حلّ الخطايا، أي الله. ثم سمّى زكّا ابن إبراهيم بعد أن اعترف زكّا بإيمانه وتوبته (لوقا 8:19). قبل آلامه، تحدّث إلى تلاميذه عن ألوهته قائلاً: “يَا أَوْلاَدِي، أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ” (يوحنا 33:13). وعندما ظهر لتلاميذه بعد قيامته دعاهم مباشرة أبناءه “أيها الأولاد هل عندكم شيء من المأكول؟” (يوحنا 5:21).

بهذه الطريقة، بتسمية المرأة التي شفاها “ابنة”، يظهر أنها بالحقيقة تمتلك الإيمان الخلاصي، إذ كما يشهد اللاهوتي يوحنا: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يوحنا 12:1).

الرب، من ناحية أخرى، أكّد هذا الكلام بقوله للمرأة: “إيمانك خلّصك إمضي بسلام”. لم يقل “إيمانك جعلك صحيحة”، بل ما هو أعظم من ذلك “إيمانك خلّصك”، أي أن إيمانها حررها من المرض وجعلها على الطريق التي تقودها إلى الحياة الأبدية. هذه المرأة صارت إذاً معلّمة الإيمان الخلاصي العالمية، مظهرة مثالاً على تجليه.

يقول الشيخ أنطوني خرابوفتسكي المبارك الذكر معلِّماً أن الإيمان الخلاصي ينبغي أن يكون إيماناً مطهّراً بالمحبة الفاعلة: “لكي نكتسب الإيمان الخلاصي بالمسيح، على المرء أن يرفض، من جانب واحد، أهواء هذا العالم وينمّي المحبة في داخله ويرعاها ويعترف بأنّ حامل المحبة المثلى هو ابن الله الحقيقي، وبهذا الاعتراف يرفع محبته إلى الأبدية.”

هذه هي الحياة الحقيقية التي من أجلها ينبغي أن نصير “رعية مع القديسين”.

ما العمل مع كاهنٍ سيّء

ما العمل مع كاهنٍ سيّء

من رسائل القدّيس ثيوفان الحبيس

نقلها إلى العربية ريشارد صبوح

 

سؤال: “كان في رعيّتنا كاهنٌ صالح؛ لكنّه نُقِل إلى رعيّة أخرى. وأتى مكانه آخر، غمٌّ على القلب. في أدائه الخِدم، هو مستهترٌ ومتعجّل؛ في الحوارات، يتكلّم عن أشياء تافهة؛ إذا بدأ الكلام عن أمور الله، فكلّه يكون باختصار واقتطاع للحقيقة الصارمة. كيف ننجو من تجربةٍ كَهذه؟”

جواب: أنتم هُم مَن على خطأ. لم تستفيدوا كما يجب من الكاهن الصالح، فأخذه الربّ منكم. قُل لي، هل أصبحتم أفضل مع كاهنكم السابق الصالح؟ عند هذا السؤال تتلعثم وتجيب “نعم”. لكن أنا، من بعيد، أقول أنّكم لم تصبحوا أفضل، على أساس حقيقة أنّكم تدينون الكاهن الجديد، غير عارفين كيف تضبطون مشاعركم تجاهه كما يجب. بالحقيقة، كان عندكم كاهنٌ صالح حتّى قبل هذا الكاهن الصالح الذي غادركم الآن، والذي قبله كان صالحًا أيضًا. أترى كم من الكهنة الصالحين أرسل الربّ إليكم؛ لكنكّم كلّكم لم تصبحوا أفضل. حتّى قرّر الربّ الآن: لماذا هدر (أو إضاعة) الكهنة الصالحين على هؤلاء القوم؟ أُرسلُ لهم واحدًا ليس حسنًا جدًا. وهكذا فعل. نظرًا لهذا، وجب عليكم مرّةً واحدة أن تنتبهوا لأنفسكم، أن تتوبوا وتتحسّنوا، لكنّكم فقط تدينون، وتستمرّون في الإدانة مرارًا وتكرارًا. تحسنّوا أنتم، وثمّ الكاهن يتغيّر فورًا. سيفكّر: “مع هؤلاء الناس لا أستطيع أن أستمرّ في عملي المقدّس بتهاون؛ يجب أن أخدم بوقار وأتكلّم للبنيان.” وسوف يصلح طرقه. إذا كان الكهنة مقصّرين ومتعجّلين في أداء الخِدم وتافهين في الأحاديث، فأغلب الأحيان يكون هذا تكيّفًا مع أبناء الرعيّة.

في قولي هذا، لا أبرّر للكاهن، فهو بلا عذر، إذا كان يُعثر النفوس الموكَلة إليه، ]إذ يعمل لا فقط بعكس ترتيب الكنيسة، بل أعمالًا غير حكيمةٍ[. بل أقول فقط ما هو نافعٌ بالأكثر لكم لتصنعوه في هذه الحالة. والشيء الأهمّ الذي سبق وقلته: لا تدينوا، بل انتبهوا لأنفسكم، وتحسّنوا أنتم في الصلاة وفي الحديث وفي كلّ سلوككم. صلّوا من أجل هذا من كلّ قلوبكم، أن يصلح الربّ الكاهن. وهو سيصلحه. فقط صلّوا كما ينبغي. قال الربّ، إذا اتّفق اثنان في أيّ شيءٍ وبدآ بالصلاة، يكون لهما ما طلبا (متى 18: 19). لذا، يا كلَّ أبناء الرعيّة الصالحي الفكر، اجتمعوا معًا وقرّروا أن تصلّوا من أجل الكاهن؛ رافقوا صلاتكم بالصوم وضاعفوا صدقاتكم؛ واصنعوا هذا لا فقط ليوم أو اثنين، بل لأسابيع، لأشهر، لسنة. جاهدوا وتذلّلوا بانكسارٍ طالما الكاهن لم يتغيّر. وسيتغيّر؛ تأكّدوا من هذا.

سمعتُ مؤخّرًا عن جهادٍ مشابه وعن ثمرِه. إمرأةٌ عجوز، قرويّة بسيطة، تقيّةٌ جدًّا، لاحظَت أنّ شخصًا تحترمه بدأ يحيد عن صرامته المعتادة في الحياة، فحزنت جدًّا وشعرت بالأسى من أجله. ذهبت إلى بيتها، وأغلقت على نفسها في كوخها، وبدأت تصلّي بعد أن قالت للربّ: “لن أترك هذا المكان، أو أذوق كسرة خبز، أو أشرب قطرة ماء، أو أعطيَ لعينيّ دقيقة نوم إلى أن تستمع لي، يا ربّ، وتعيد هذا الشخص إلى طرقه الأولى.” وعملت تمامًا كما قرّرت: جاهدت في الصلاة وتذلّلت في دموعٍ من قلبٍ حزين، ملحّةً على الرب حتى يستمع لها. وقد تعبت، وبدأت قوّتها تفارقها؛ لكنّها أيضًا صلّت تكرارًا: “ولو متُّ، لن أتوقّف عن الصلاة حتّى يستمع لي الربّ”. واستمعَ لها. التأكيدُ وَصَلَها أنّ هذا الإنسان الذي تصلّي من أجله بدأ مجدّدًا يحفظ نفسه كما في السابق. أسرعت لتنظر، فرأت الأمر هكذا، وابتهجت كثيرًا حتى انهمرت دموع شكرها.

وهذا هو نوع الصلاة الذي يجب أن توطّدوه – لا في الشكل، لأنه قد لا يكون ملائمًا لكم كما عملت هي – لكن بحماسةٍ مماثلة، وتضحية ومثابرة. وبالتأكيد تنالون ما تشتهون. إذا كنتم تقولون أحيانًا، “أعطِ، يا ربّ، أن يصبح هو صالحًا” فقط عَرَضًا، إن في المنزل، أو في الكنيسة، أو في الأحاديث، فأيّ نوعٍ من الثمر مُتوقّعٌ من صلاة كهذه؟ لأنّ هذه ليست صلاة، بل كلماتٌ فقط.

قلتُ لكم ما هو أساسي. يجب أن أضيف أيضًا شيئًا واحدًا؛ لكنّه من الأمور التي يصعب جدًّا أن تُعمل بالشكل الذي تُحقِّق به غايتها. هذا ما أفكّر به! قد يكون من الممكن لكم، أنتم الصحيحي الفكر والمحتَرمين أن تأتوا إلى الكاهن وتسألوه أن يغيّر أفعاله التي تزعجكم وتودي بكم في تجربة. أن تعملوا هذا – ليس من شيء أبسط؛ لكن أن تعملوه بالشكل الذي يؤتي ثمرًا صعبٌ جدًّا. كلّ شيء يجب أن يتنفّس بالحبّ الأكثر صدقًا وغيرةً – لا فقط ما تقولونه، بل أيضًا نظراتكم، تعبيركم، والنبرة في صوتكم. حينئذٍ قد يُرجى أن يحقّق هذا غايته. لكن من دون هذا الحبّ، الأفضل عدم الإقدام على مثل هذه الخطوة: ستؤدّي إلى الأسوأ، وتسبّب خلافًا محزنًا أكثر. يستطيع أحدهم ربّما أن يكتب له كلّ شيء بأسلوب مماثل، لكن مجدّدًا، كلّ المسألة يجب أن تُعالَج بروح المحبّة المنتصِرة على كلّ الشيء. من الممكن أيضًا إفساد الموضوع كلّه بهذه الطريقة تمامًا كما برؤية الكاهن شخصيًّا. لهذا لستُ أوصي بهذه المقاربة بغير قَيد. أعلم أنّها قد تُتوّج بالنجاح، لكنّ الأمر الأساس هو التطبيق السليم. قد يوجَد أشخاص جيّدون عديدون يأتون إلى الكاهن أو يكتبون له من دون رؤيته، ويعبّرون عن كلّ شيء بألطف طريقة؛ لكن من أجل النجاح، تحتاج شيئًا آخر غير اللطافة. اللطف بغير محبّة لدغةٌ جارحة. أعلم أنّه في أماكن أخرى يتصرّفون على هذا النحوِ ثمّ يتباهون: “لقد أتممنا دورنا!” لكن أقول أنّه كان أفضل لو لم يفعلوا.

لن أضيف أيّ شيءٍ حول هذا الموضوع – ربّما أمرًا واحدًا: كونوا صبورين. هناك أيضًا طرقٌ أخرى قانونيّة؛ لكنّها ليست من اختصاصي، وأبقى صامتًا بشأنها.