Monthly Archives: April 2014

السنة العاشرة – العدد السادس – آذار 2014

السنة العاشرة – العدد السادس – آذار 2014

 

مختارات آبائية

لقد وجدنا الفردوس

الأرشمندريت أميليانوس رئيس دير سيمونوبترا


فائدة القراءة الروحيّة

من كتاب بستان الروح


عظة

نضوج المقاصد الإلهيّة

الأرشمندريت توما بيطار


حياة روحية

انتصار الأرثوذكسية ليس انتصار الشعب الأرثوذكسي على شعب آخر

أنطوني متروبوليت سوروز


تربية مسيحية

ما هي صورة الله التي يجب أن يعرفها الطفل

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع


رموز في الكنيسة

الخورية سميرة عوض ملكي


رعائيات

في السنة الثانية والسبعين

الأب أنطوان ملكي


قصة قصيرة

طبيـــب يحيا حياة الصلاة


أطفالنا

الطفل وشجرة التفّاح

هل تعلم؟

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

هل تعلم؟

هل تعلم؟

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

** هل تعلم ما هي الخدم الكنسيّة اليوميّة؟

++ إنّها صلاة نصف الليل (قليل من الناس يعرفونها بينما تقام في الأديار صباحًا باكراً). وصلاة السحر وتُقام عادة بعد صلاة نصف الليل. الساعة الأولى وترمز إلى ساعة القيامة (حين أتت حاملات الطيب إلى القبر باكرًا جدًّا) وإلى وظهور النور، وهي صلاة قصيرة تلي خدمة السحر، وفي نهايتها نتلو الرسائل والإنجيل المختصّيْن باليوم.

++ الساعات (وتقال، حاليًّا، في الأديار فقط ما عدا يوم الجمعة العظيم حيث تقال في كلّ الكنائس)، وهي: الساعة الثالثة (وفي هذا الوقت حلّ الروح القدس على التلاميذ)، والسادسة (وفيها عُلّق السيّد على الخشبة)، والتاسعة (وفيها مات يسوع على الصليب).

++ ويجب أن نعلم أنّ هذه الساعات ليست كما هي أوقاتنا اليوم، فمثلاً الساعة الثالثة هي التاسعة صباحًا تقريبًا، والسادسة هي الساعة الثانية عشرة ظهرًا، والتاسعة هي الساعة الثالثة بعد الظهر تقريبًا.

** هل تعلم متى يبدأ اليوم الكنسيّ، ومتى ينتهي؟

يبدأ اليوم الكنسيّ في خدمة صلاة الغروب، وينتهي في الساعة التاسعة التي نتلوها قبل صلاة الغروب.

الطفل وشجرة التفّاح

الطفل وشجرة التفّاح

 

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

كان هناك شجرة تفاح في غاية الضخامة، وكان طفل صغير يلعب حول هذه الشجرة يوميًّا، ويتسلق على أغصانها ويأكل من ثمارها، ثمّ يستلقي قليلاً ليغفو في ظلّها. كان الطفل يحبّ الشجرة، وكانت الشجرة، بدورها، تحبّه وتفرح بلعبه معها.

مرّت الأيّام، وكبر هذا الطفل، وعاد لا يلعب حول الشجرة، ولا ينام في ظلّ أغصانها، فقالت له الشجرة ذات يوم: “تعال والعب معي كما كنت تفعل”. فأجابها الولد: “لقد كبرت، يا شجرتي العزيزة، وتبدّلت طريقة لعبي، فأنا أريد أن يكون لديّ بعض الألعاب كرفاقي، ولكنّي أحتاج إلى كمّيّة من النقود لشرائها”. فأجابته الشجرة: “أنا، للأسف، ليس لديّ نقود، غير أنّه يمكنك أن تقطف التفّاح الذي على أغصاني، وتبيعه، فتحصل، بذلك على النقود التي تحتاجها”. سُرّ الولد كثيرًا، وأسرع فتسلق الشجرة، وجمع كلّ ثمار التفّاح، ثمّ نزل وبدأ يركض ليبيعها. ومنذ ذلك اليوم لم يعد الولد للقاء الشجرة، التي حزنت غاية الحزن لغيابه.

وذات يوم رجع هذا الولد إلى الشجرة، ولكنّه كان قد أصبح رجلاً، فعرفته الشجرة، وفرحت غاية الفرح وهي تراه قد عاد إليها، وقالت له: “هل جئت لتلعب معي؟”. فردّ قائلاً: “أنا لم أعد طفلا لألعب حولك، فقد أصبحت رجلاً، ولديّ عائلة. لذا، فأنا أحتاج إلى بيت يكون لهم مأوى من تقلّبات الطقس. فهل يمكنك أن تساعديني؟”. فقالت الشجره : “آه، إنّي آسفة جدًّا، فأنا لا أملك بيتًا، ولكن يمكنك أن تأخذ جميع أغصاني لتبني بها لك بيتًا”. فقطع الرجل كلّ الأغصان التي كان بحاجة إليها، ثمّ ترك الشجرة وهو سعيد، وكانت الشجرة، أيضًا، سعيدة لسعادته.

ومرّ، أيضًا، وقت طويل دون أن يعود الرجل لتفقّد الشجرة، فحزنت لغيابه، وظلّت تترقّب متى يأتي إليها. وذات يوم حارّ جدًّا عاد الرجل مرّة أخرى، فرأته الشجرة عن بعيد، وفرحت جدًّا لرؤيته يسرع إليها، فقالت له: “ألعلّك أتيت لتتذكّر طفولتك وتلعب معي؟”. فقال لها الرجل: “أنا في غاية التعب، وقد بدأت أشيخ، وأريد أن أبحر إلى مكان لأرتاح فيه، فهل بإمكانك أن تؤمّني لي مركبًا؟. فأجابته بابتسامة رقيقة: “يمكنك أن تأخذ جزعي، وتصنع منه مركبًا يساعدك على الإبحار أينما شئت، فترتاح وتفرح”. فسمع الرجل كلام الشجرة، وهوى بفأسه وقطع جذعها. وما هي إلاّ أيّام قليلة حتّى صنع مركبه، وسافر مبحرًا ولم يعد لمدّة طويلة جدًّا.

وبعد غياب طويل دام سنوات عدّة، عاد الرجل إلى الشجرة، ولكنّها قالت له هذه المرّة: “إنّي آسفة جدًّا، يا ابني الحبيب، لم يعد عندي أيّ شئ لأعطيه لك، فهل أتيت لتأخذ تفّاحًا؟” قال لها مبتسمًا: “لا، لم يعد عندي أسنان لأقضمها “. فسألته ثانية: “وهل أتيت لتتسلّق أغصاني؟”. فأجابها الرجل بحزن: “كلا، لقد أصبحت عجوزًا، وعدت لا أستطيع التسلّق”. فقالت: “وأنا، كذلك، لا يوجد لدي ما أقدّمه، فكلّ ما أملك الآن هو جذور ميّتة”. قالت هذا وبدأت تبكي. فأجابها وقال لها: “كلّ ما أحتاجه في هذه الأيّام هو مكان لأستريح به من تعب السنين”. فأجابته وقالت له: “جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة، فتعال، تعال واجلس معي هنا تحت الأرض، واسترح إلى الأبد. فنزل الرجل إليها، وكانت هي تتأمّله أثناء نزوله وهي سعيدة به والدموع تملأ عينيها، وقد علت على فمها ابتسامة حزينة، فلقد أتى الوقت، أخيرًا، ليبقى معها ولا يعود يتركها.

أحبّاءنا، هل عرفتم من هي هذه الشجرة؟ إنّه والديكم الذين يقدّمون كلّ ما عندهم لتعيشوا حياة هانئة سعيدة وهم في غاية الفرح؟ فماذا تقدّمون أنتم لهم؟!!

طبيـــب يحيا حياة الصلاة

 

 

طبيب يحيا حياة الصلاة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

الأطبّاء الذين يتعاملون مع جسد الإنسان حين يضعف وتعصف به الأمراض هم أقدر الناس على معرفة حقيقة الإنسان وضعفه وسرعة زواله.

كانت تربطني صلة ببعض الأطبّاء، وكنت أوجّه نظرهم دائمًا، كوني كاهنًا، إلى أمور غاية في الخطورة لكي يتمجّد الله بهم وفيهم. فالأمر الأوّل الذي لا يحتاج إلى برهان هو أنّ الجسد الذي نحيا فيه هو غاية في الضعف، فلا مجال، إذًا، للاتّكال على الذات، أو التباهي بالمعرفة أو الخبرة التي تقود الإنسان إلى هوّة الكبرياء. فرؤية الجسد على حقيقته في المرضى، هو رؤية الإنسان لذاته، وإدراكه مقدار حقارة طبيعتنا وضعفها. هذا هو سبيل الاتّضاع في حياة الطبيب.

وقد قرأت قصّة عن طبيب كان قد فاق في علمه أهل زمانه، فهو من روّاد علاج مرض السرطان، ولكنّه كان يتعامل مع المرضى كإله متعالٍ. يتكلّم عبارات مقتضبة، وكلمات قليلة وكأنّ قلبه قد قُدّ من صخر، فهو بالنسبة للمرضى بلا إحساس وبلا تقدير للآلام.

وقد حدث في حياة هذا الطبيب ما لم يكن في الحسبان، فقد أصيب هو نفسه بمرض السرطان، ثمّ بدأ في سلسلة الآلام والعلاجات أي نفس المشوار الذي كان يرى الناس تمشيه. ولكن بطريقة مختلفة هذه المرّة، إذ أصبح ملموسًا محسوسًا لدرجة كبيرة، ولحسن حظّه فإنّ العلاج أتى بنتيجة إيجابيّة، فشفي من مرضه. وبالحقيقة كان قد شفي من المرض الأخطر وهو الكبرياء، فعاد إلى عمله وإلى مرضاه إنسانًا جديدًا رحيمًا شفوقًا غاية الشفقة، إذ صار المرضى بالنسبة له كجسده الخاصّ.

هكذا كنّا نوجّه نظر الأحبّاء إلى هذه الحقيقة منذ بداية حياتهم المهنيّة. وهكذا نما الكثيرون نموًّا مطرَدًا ليس من جهة ما أصابوا من النجاح والشهرة في المجال الطبّيّ، بل من جهة نموّهم الروحيّ، وانفتاح وعيهم على هذه الحقيقة والعيش بمقتضاها.

ثمّة أمر آخر كنّا ننبّه إليه الأذهان. إنّ قدرات الإنسان محدودة مهما سمت، و”إن لم يبن الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون” على ذلك يتفكّر الإنسان، دائمًا، أنّ الله هو الوحيد الذي يعرف سرّ مرض الإنسان لأنّه صُنع يديه وهو مكوّنه في الأحشاء قبل أن يولد.

فالطبيب الناجح يدرك، دائمًا، أنّ يد الله هي التي تمنح شفاء النفس والجسد معًا. فالمسيح هو طبيب الأرواح والأجساد، فإن سمح الربّ واستخدم آنية ضعيفة، فلكي يتمجّد هو، ولذلك نعطي المجد اللاّئق لله حين ينجح طريقنا ونشكره إن استخدمنا لمجده.

من الأمثلة الحيّة التي شهدت لنعمة المسيح وعمل الروح القدس، طبيب مشهور التصق بالربّ منذ شبابه المبكّر، إذ كان يتردّد على أب روحيّ ليعترف ويسترشد بنصائحه الأبويّة، إلى أن تخرّج من كلّيّة الطبّ، وصار طبيبًا لأبيه الروحيّ الذي راح يشجّعه في السير قُدمًا في طريق الجهاد.

ولقد ذاع صيت فضائله وعلمه وصار من أشهر الأطبّاء، إذ كان طويل الروح دائم البشاشة كثير الصلاة. لم يكن يضع يده ليكتب دواء إلاّ ويرفع قلبه لله في صلاة قصيرة، وكان الناس يظنّون أنّه يعصر فكره ويركّزه لكي يكتب الدواء المناسب، بينما كان هو يطلب نعمة الله ومعونته، ويمجّده من أجل حبّه ورحمته.

وقد أكرم الله هذا الأخ بقلب عجيب في المحبّة وعميق في الاتّضاع، سخيّ في العطاء، فصار عمله مجال خدمة لإخوة المسيح. فقراء كثيرون كانوا يجدون فيه حبّ السيّد الحنون، إذ يعالجهم مجّانًا وهم عاجزون عن الدفع، ويتبرّع بعيّنات الدواء، أو يساهم بجزء من ثمنه.

لقد مارس عمل الخدمة الباذلة آلاف المرّات ومع مختلف الناس وبلا تمييز أو محاباة، فحين كان يعالج أحد المرضى، ويشعر أنّ حالته حرجة، ما كان يترك منزله، بل يكرّس وقته حتّى إلى ساعات طويلة إلى جواره. وإن لزم الأمر ينزل بنفسه مسرعًا في منتصف الليل أو قبل الفجر إلى أقرب صيدليّة يتوفّر فيها الدواء، ويعود بلهفة ليتابع حالة المريض، ويسهر بنفسه عليه دون تكليف من أحد، وغير ناظر إلى أيّ شكر أو مكافأة، أو أجر.

كان تصرّفه عجيبًا في عيون الناس، لم يكن كباقي الأطبّاء الذين يؤدّون واجبًا، بل كانت محبّته لله تدفعه ليعمل الرحمة مع الجميع. فأحبّه الناس حبًّا فائقًا، إذ رأوا فيه صورة نادرة من صور الحبّ المجّانيّ الذي اقتناه من الذي بذل نفسه لأجلنا.




في السنة الثانية والسبعين

في السنة الثانية والسبعين

الأب أنطوان ملكي

لو كانت الحركة رجلاً لكان متقاعداً منذ ثماني سنوات يقضي وقته في استرجاع ذكرياته أو ربما كتابتها، متنقلاً بين الكتب والكنيسة والأولاد والأحفاد. ولو كانت الحركة امرأة لكان شغلها الأول أن تتأكّد من أن أولادها يهتمّون بتربية أولادهم كما اهتمّت هي وأكثر. لكن الحركة ليست رجلاً ولا امرأة، إنها رجال ونساء وشباب وشابات وصبيان وبنات في قالب واحد وقلب واحد في مسيرة واحدة نحو الواحد، لا تتقاعد ولا تشيخ، لا تكتب ذكريات إلا لتكون حجر زاوية غدِها. كي لا يكون الكلام شاعرياً وينفر منه الصادقون، أقول أن هكذا أرادها مؤسسوها. فأين هي من ذلك في سنتها الثانية والسبعين؟

تصل حركة الشبيبة الأرثوذكسية في كنيسة الرسولين بطرس وبولس إلى سنتها الثانية والسبعين، فيما معاناة هذه الكنيسة تتخطى الألم لتلامس الخطر. أقول الخطر ليس لأن أبناء هذه الكنيسة وكهنتها ورهبانها ورؤساءها يتعرضون للحرب والموت والتهجير والخطف والاعتقال في سوريا، ولا لأن أراضيها في قطر تتعرّض للسلب غير الشرعي على يد بطريرك غير شرعي حصّل كرسيه بالسلب، ولا لأن أبناءها في لبنان مشرذمون موزعون على مختلف دكاكين سياسة البلد، بل لأن الوحدة الفعلية لهذه الكنيسة بخطر. فكل هذه المعاناة في هذه البلدان تُواجَه بالوحدة، بالالتفاف حول المجمع برئاسة البطريرك، في العمل على إيجاد جو السلام وزرع روح الصلاة والتواضع ونشر ثقافة الإلفة. الواقع يغاير هذا الكلام.

تصل الحركة إلى سنتها الثانية والسبعين فيما أصابع الاتهام موجّهة نحو أمانتها العامّة، بأشخاص أكثر من أمين عام سابق، بأنها ساهمت في إيجاد أكبر انشقاق تعاني منه كنيسة أنطاكية. الانقسام شامل اليوم، فالعلمانيون منقسمون في ما بينهم، والأديار منقسمة على بعضها البعض، والكهنة منقسمون. حتّى الحركة نفسها تعاني من الانشقاق كنتيجة طبيعية لغربتها عن نفسها وعن ناسها وعن أصلها. لأعوام والحركيون في وادٍ فيما أمانتهم العامّة في وادٍ آخر وما من أحد عمل على رأب الصدع. في كل مرة يطفو الخلاف إلى السطح يصار إلى تدوير الزوايا: اجتماع أو سلسلة من الاجتماعات فوثيقة  تُضاف إلى أرشيف الأوراق بانتظار عدد جديد من “أنطاكية تتجدد”. الوثائق لم تعد تقنع الشباب، ولا يكفي أن تُتّخذ القرارات بتفعيل دور الشباب. ليست هنا الحاجة، بل الحاجة هي إلى تفعيل دور الروح القدس.

كان من الجميل جداً أن تقف الحركة في سنتها الثانية والسبعين وتفكّر في ما الذي فعلته في سنواتها الأخيرة. أين هم الذين كانوا من قبل؟ لماذا ابتعدوا عن الحركة أو لماذا عادوها؟ قبل ربع قرن كانت الحركة رمزاً للوحدة الأنطاكية حين لم يكن المجمع كذلك، فأين هي اليوم؟ لماذا ترتضي أن ينظر إليها الرؤساء على أنها حزب مطران واحد، وماذا سوف تعمل من بعده؟ ما وزن كلمتها في أي أمر؟ ما الذي كان ممكناً ولم يتمّ التعاطي معه بحكمة؟ أين بادرنا وأين أحجمنا؟ هناك سيل من كيف ولماذا ومتى وأين ومَن. الأسئلة كثيرة ومتعبة لمَن بلغ الثانية والسبعين، كائناً مَن كان.

في ما مضى كان حلمنا الكنيسة عروساً المسيح، فيما الحركة تحمل الطرحة وتزغرد. أنطاكية لنا كانت حفلة عرس والحركة أم العروس تخرج كل لحظة إلى الأسيجة والطرقات تنادي على الناس أن ادخلوا ما زال هناك متسع لكم جميعاً. في السنة الثانية والسبعين، نحن نعاين الكنيسة عروساً، لأن عروسيتها تستمدها من عريسها ومنه وحده. وها نحن نرى العروس في بهاءٍ لأن عريسها القادر أن يخلق من الحجارة أبناءً لإبراهيم هو الزينة وهو العرس. الأولون لم يعودوا أولين والطرحة لم تقع، لكن الزغاريد تختنق في حناجر جفّفها القلق. أُمُّ العروس مهتمّة بنفسها، لكن محبي العريس وأصدقاءه كثر لا يتركونه لوحده. يمكن للعيد الثاني والسبعين أن يكون أكثر عمقاً من حفل خطابي، وأكثر فعلاً من كلام يتكرر، وأكثر حميمية من صورة نحمّلها على الفايسبوك ونحصي الذين أعجبتهم، إذا عاد المعيّدون إلى أصل العيد لا شكله. لا يكون العيد عيداً إلا إذا جئناه بثياب العرس ودخلنا بهاءه بزغاريد لا بدّ منها، لأن العيد عيد شهداء. فهل نحن على ذلك؟

انتصار الأرثوذكسية ليس انتصار الشعب الأرثوذكسي على شعب آخر

انتصار الأرثوذكسية ليس انتصار الشعب الأرثوذكسي على شعب آخر

أنطوني متروبوليت سوروز

نقلتها إلى العربية جولي عطيه

نعيّد اليوم، كما في كلّ عام، في نهاية الأسبوع الأوّل من الصوم، لانتصار الأرثوذكسية. وفي كلّ سنة، يجدر بنا التفكير بمعناه، ليس فقط بمثابة حدث تاريخي، بل أيضًا في حياتنا الشخصية. بدايةً، علينا أن نتذكّر أنّ انتصار الأرثوذكسية لا يُقصد به انتصار الشعب الأرثوذكسي على شعب آخر. هو انتصار الحقيقة الإلهيّة في قلوب المنتمين إلى الكنيسة الأرثوذكسية، الذين أعلنوا الحقيقة التي كشفها الله، في استقامتها وصراحتها.

اليوم، علينا أن نشكر الله من كلّ قلوبنا لأنّه أظهر ذاته لنا، لأنّه بدّد الظلمة من عقول آلاف الناس وقلوبهم، لأنه، وهو الحقيقة، شاركنا بمعرفة الحقيقة الإلهية الكاملة.

مناسبة هذا العيد هي الاعتراف بشرعية تكريم الأيقونات. عبر هذا التكريم، نعلن عن أنّ الله – غير المنظور، غير الموصوف، الله الذي لا نستطيع إدراكه – صار حقًّا إنسانًا، أنّ الله اتخّذ جسدًا، وعاش بيننا متواضعًا وبسيطًا، لكن ممتلئًا مجدًا. وبإعلاننا هذا، نحن نكرّم الأيقونات لا بمثابة قدوة لنا، بل كونها إعلانًا لحقيقة التجسّد.

لا ننسَ أنّ تكريمنا هذا ليس للأيقونات المصنوعة من الخشب والألوان، بل تكريمًا لله الذي يكشف ذاته لنا في هذا العالم. خُلق كلّ واحد منّا وخُلق البشر كلّهم على صورة الله. كلّنا أيقونات حيّة، وهذا يلقي علينا مسؤولية كبيرة لأنّ الأيقونة قد تتشوّه، قد تُحوَّل إلى رسم كاريكاتوري وإلى تجديف. علينا أن نفكّر وأن نتساءل: هل نستحقّ أن ندعى “أيقونات” وصورًا لله؟ وهل نحن قادرون على ذلك؟ عند لقاء شخص مسيحي، وكما قال كاتب غربي، على الناس أن ينظروا إليه كأنّه رؤيا، كأنّه كشف لشيء لم يسبق لهم أن رأوه من قبل. وقال إنّ الفرق بين غير المسيحي والمسيحي هو كبير وأساسي وبارز مثل الفرق بين التمثال والشخص الحيّ. قد يكون التمثال جميلاً لكنّه مصنوع من الحجر أو الخشب، وهو ميت. وقد لا يظهر الكائن البشري جميلاً في البداية، لكن على الذين يلتقون به أن يكونوا قادرين، وكما عند إكرام الأيقونات المباركة التي كرَّستها الكنيسة، على رؤية إشراق حضور الروح القدس فيه، وعلى رؤية الله مُظهرًا ذاته في الهيئة المتواضعة لكائن بشري.

طالما أنّنا لسنا قادرين على تحقيق هذه الرؤيا للمحيطين بنا، نفشل في مهمّتنا، ولا نعلن انتصار الأرثوذكسية من خلال حياتنا، بل نكذّب ما نعلنه. لذلك، يجدر بكلّ واحد منّا، وبنا جماعة، أن نتحمّل المسؤولية جرّاء عدم اهتداء العالم، إثر لقائه بالمسيحيين، عبر رؤيته لحضور الله في وسطهم، محفوظًا في أوان خزفية، لكن ممجّدًا ومقدّسًا ومتجلّيًّا.

ما ينطبق علينا كأشخاص ينطبق تمامًا على كنائسنا. دعا المسيح كنائسنا، باعتبارها عائلة وجماعة من المسيحيين، إلى أن تكون مجموعة أشخاص متّحدين الواحد مع الآخر بالمحبة الكاملة، بالمحبة المضحّية، بمحبة هي محبة الله لنا. دُعيت الكنيسة وما زالت تُدعى إلى أن تكون مجموعة أناس ميزتها هي في كونها محبة الله المتجسّدة. للأسف، ما نراه في كنائسنا ليس معجزة الحب الإلهي.

من البداية، وللأسف، بُنيت الكنيسة على صورة السلطة – هرمية وصارمة ورسمية. فشلنا في أن نكون على ما كانت عليه الجماعة المسيحيّة الأولى. كتب ترتليان لحاكم روما مدافعًا عن المسيحيين فقال: “عندما يلتقي الناس بنا، يتوقّفون ويقولون: “كم يحبّ هؤلاء الناس بعضهم بعضًا!””. نحن لسنا مجموعة من الناس يُقال عنها ذلك. وٍعلينا أن نتعلّم إعادة إحياء ما أراده الله لنا وما كان موجودًا في السابق: إعادة إحياء الجماعات، الكنائس، الرعايا، الأبرشيات، البطريركيات، والكنيسة بكاملها، بحيث يصبح كامل الحياة وواقعها محبّة. للأسف، لم نتعلّم ذلك بعد.

بالتالي، عندما نعيّد لانتصار الأرثوذكسية، علينا أن نتذكّر أنّ الله انتصر، وأنّنا نعلن الحقيقة، حقيقة الله الكاملة، هو الذي تجسّد وكُشف لنا. وإنّنا، جماعة وأفراد، نأخذ على نفسنا التزامًا عظيمًا بأن لا ننقض إعلاننا عبر طريقة حياتنا. قال لاهوتي غربي إنّنا قد نعلن الحقيقة الارثوذكسية الكاملة ونشوّهها في الوقت عينه، ونحوّلها إلى كذبة من خلال طريقة عيشنا، مظهرين عبر حياتنا أنّها عبارة عن كلمات لا عن واقع. علينا أن نتوب عن ذلك، علينا أن نتغيّر، لكي يرى الناس فينا، عند لقيانا أفرادًا وجماعة، حقيقة الله ونوره ومحبته. ما دمنا لم نفعل ذلك، لن نشارك في انتصار الأرثوذكسية. انتصر الله، لكنه كلّفنا بأن نجعل من انتصاره انتصارًا لحياة العالم أجمع.

إذًا، لنتعلّم العيش وفق الانجيل الذي هو الحقيقة والحياة، ليس فقط فرديًّا بل أيضًا جماعيًّا، وأن نبني مجتمعات مسيحيّة تكون كشفًا لذلك، حتى عندما ينظر العالم إلينا يقول: “لنُعِد تشكيل مؤسّساتنا وعلاقاتنا، لنجدّد كل ما انقضى أو ما زال قديمًا، فنتحوّل إلى مجتمع جديد تزدهر فيه حياة الله وتنتصر. آمين.

رموز في الكنيسة

رموز في الكنيسة

الخورية سميرة عوض ملكي

 

حدّق أحد الأولاد في أعلى الأيقونسطاس (حامل الأيقونات) حيث يوجد الصليب وسأل والده: لماذا رُسمَت بعض الحيوانات حول الصليب يا أبي؟

فتحيّر الوالد من هذا السؤال ولم يدرِ بماذا يجيب فقال: دعْنا نسأل الكاهن وهو يجيبك عن سؤالك.

فهرع الولد إلى الكاهن متلهّفاً لطرح السؤال عليه والحصول على الجواب. أخذ الكاهن الولد بين ذراعيه وأجلسه في حضنه وقال: إن سؤالك جميل حقّاً، فالكثير من الناس ينظرون إلى الصليب ولا يلاحظون ما لاحظتَه أنت. كما أن ليس كل الكنائس يرسمون هذه الحيوانات حول الصليب. فهذا يختلف من كنيسة إلى أخرى. لكن قل لي هل تعرف ما هي هذه الحيوانات؟

– نعم، إنها نسر وأسد وثور.

– وماذا ترى أيضاً؟

– أرى إنساناً بهيئة ملاك.

– هل تعلم ما هي الكتب التي يحملها كل واحد منهم؟

– كلا يا أبتي!

– إنها الأناجيل يا بنيّ.

– الأناجيل! ولماذا يحملون الأناجيل؟

– هذا هو أساس موضوعنا. بأيّ منهم تريد أن نبدأ؟

– بالنسر

– النسر يرمز إلى الإنجيلي يوحنا. فكما يحلّق النسر في السماء، هكذا حلّق الرسول يوحنا في اللاهوت إذ يتكلّم دائماً عن يسوع على أنّه ابن الله وهو الله، كما أنّه يتعمّق بالحوارات بين الربّ يسوع والله الآب.

– والأسد؟

– الأسد يرمز إلى الإنجيلي مرقس. فأنت تعلم أنّ زئير الأسد، أي صوته، قوي جداً في الغابة. هكذا كان صوت القديس يوحنا المعمدان الذي يبدأ القديس مرقس إنجيله بالكلام عنه في الآية “صوت صارخ في البرية”.

– والثور؟

– يرمز الثور إلى الإنجيلي لوقا الذي يبدأ إنجيله بالحديث عن الهيكل حيث كانت تُقَدَّم الذبائح والمحرَقات التي هي بدورها رمز للذبيحة الإلهية الحقيقية يسوع المسيح الذي افتدانا بدمه الكريم على الصليب

– بقي لدينا الإنسان الملاك

– حسناً! الإنسان الملاك يرمز إلى الإنجيلي متّى لأنّه يتكلّم كثيراً عن ملاك الرب في بداية إنجيله كما أنّه يسرد الكثير من القصص المتعلّقة بيسوع المسيح على أنّه ابن الإنسان. هل رأيتَ الآن يا بنيّ لماذا تحمل هذه الرموز الأربعة الأناجيل؟

– نعم يا أبتي! لقد علمت الآن أنّها ترمز إلى الإنجيليين الأربعة. لكن بقي سؤال صغير وأخير.

– تفضّل يا بنيّ

– إني أرى حمامة مرسومة فوق الباب الملوكي أي الباب الوسطي فإلامَ ترمز هي أيضاً؟

– إنّها ترمز إلى الروح القدس. ونحن نراها تُرسَم في أيقونات عديدة كأيقونة البشارة وأيقونة الظهور الإلهي والتجلّي. كما أنّها تذكّرنا بانتهاء الطوفان أيام نوح وبدء عهد جديد من الربّ.

تنهّد الولد بفرح وقبّل يدَ الكاهن وشكره من كل قلبه، فباركه الأب ورجع مع أبيه مسروراً.

ما هي صورة الله التي يجب أن يعرفها الطفل

ما هي صورة الله التي يجب أن يعرفها الطفل

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

أشهر الأخطاء السلبيّة وتأثيراتها على صورة الله التي تتكوّن لدى الأطفال

الصورة الأولى

** ما هو السبب:

في أنّ الطفل يرى صورة الله الحنون بأنّه قاسٍ يمسك عصًا بيده ويصعب إرضاؤه جدًّا:

1)    ترديد كلمة: يسوع سوف “يزعل” منك.

2)    ترديد كلمة: لأنّك عملت كذا، فسوف يعمل الربّ يسوع معك، أيضًا، كذا.

3)    تعليل سبب مرضه أو فشله (إن كان في الدراسة أو بأيّ عمل آخر)، وكلّ ما يتعرّض له هو نتيجة ما ارتكبه من أخطاء تجاه الله.

4)    ذكر كلمة “الربّ أخذه لعنده” حينما ينتقل شخص يحبّه.

** النتيجة:

تبدأ أن تتكوّن هذه الصورة تدريجيًّا لدى الطفل مرورًا بالمراحل الآتية:

1)    خوف شديد من الله، ولذلك يصبح الطفل عنيدًا في كلّ ما يتعلّق بالله.

2)    لا مبالاة الطفل الظاهرة، والتي يعبّر عنها بقوله: “وهل يوجد الربّ يسوع فعلاً في السماء لكي “يزعل” منّا؟!

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    الله يحبّ كلّ واحد منّا ولو أخطأ. فهو يحبّ خليقته، ولكنّه لا يحب الخطأ “لأنّ الله غير مجرِّب بالشرور وهو لا يجرّب أحدًا” (يع 1: 13).

2)    الانتقال إلى السماء بالوفاة وليس “الربّ أخذه” وإنّما هو انتقال إلى حياة أخرى أجمل من هذه الحياة أعدّها الله لكلّ الذين يحبّونه. ولكن، هناك وقت محدَّد لكلّ واحد منّا لكي يسافر فيه إلى السماء.

الصورة الثانية

** ما هو السبب:

في أنّ الطفل يرى صورة الله القريب منّي بعيدًا أو كأنّه موجود وغير موجود:

1)    لو كنت تصلّي كما يجب، فالله سوف يحقّق لك حالاً ما تريد، ولكن لا يحدث ما يريد!

2)    الله لا يراه أحد أبدًا، فهو في السماء، بعيدًا جدًّا عنّا.

3)    عندما يطلب الطفل طلبًا ما من الربّ، ثمّ يسألك عن عدم الاستجابة، فتجيبه بأنّ الله يهتمّ بكثير من الناس، ويسرع في تلبية طلباتهم، ولذلك عليك بالانتظار ليأتي دورك!!

** النتيجة:

1)    يفقد الطفل هويّته كونه ابن الله، إذ كيف يكون ابنًا لأب لا يشعر بوجوده؟

2)    يشعر أنّه دون الآخرين ويستحوذ عليه صغر النفس (وبخاصّة كلّما كان سنّه صغيرًا)، ويحسّ أنّ قيمته عند الله ضئيلة، لا بل مهمَلاً.

3)    يشعر بهوّة عظيمة بينه وبين الله، فهو يعيش على الأرض بينما الله يعيش في السماء فقط.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    درّبْ طفلك على أنواع استجابات الصلاة، ولا تقل أنّ طلبه سيتحقّق حالاً، فهناك استجابة بعدم الاستجابة.

2)    الله في كلّ مكان. أمّا فكرة الله أنّه في السماء فقط، فهذا فكر غير مسيحيّ.

3)    عرّفْه بمثل الابن الشاطر ليعرف قيمة النفس الواحدة عند الربّ.

الصورة الثالثة

** السبب:

صورة الله الذي يحسّ بنا، يراها الطفل بأنّ الله لا يفرح لفرحه ولا يشعر بما يمرّ به:

1)    عدم مبالاة الأهل، أو مدرّس التربية الدينيّة، بأيّ نجاح يمرّ به الطفل ويجعله سعيدًا.

2)    عدم تذكير الطفل بفرح الربّ بما يفعله.

** النتيجة:

1)    يتكوّن لدى الطفل صورة عن الله بأنّه لا يهمّه أيّ حدث يمرّ به، ولا يشعر معه.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    فرحُك بنجاحه يجعله يشعر بفرح السماء له.

2)    قولُك له بأنّ الربّ يحبّه دائمًا ويفرح به دائمًا لا سيّما عندما يفعل أمورًا حسنة.

الصورة الرابعة

** السبب:

صورة الله الذي يحبّ بلا شروط يراها الطفل معكوسة أي أنّ الله يحبّ محبّة مشروطة:

1)    قولُك له بأنّ الربّ سيحبّك أكثر لو عملت (هذا العمل الحسن)، فأنت ولد صالح لأنّك… (وهنا أعطِه صفة حسنة).

** النتيجة:

1)    أخطر صورة عن الله لدى الطفل عندما تكون بأنّ الله يحبّه وفقًا لمزاجه (أي لمزاج الله) أو في الوقت الذي يكون فيه الطفل هادئًا مثلاً.

2)    تتكوّن لدى الطفل فكرة بأنّ الله يحبّ الأولاد المطيعين، مثلاً، الذين يسمعوا كلام والديهم فقط.

** الصورة الحقيقيّة والعلاج:

1)    الله لا يشترط عملاً ما لكي يحبّنا فهو الذي خلقنا، وهو أبونا.

2)    أعطِه مثل الابن الشاطر، وكيف أنّ الأخ الأصغر لم يكن ولدًا حسنًا لكي يحبّه أبوه، ومع ذلك أحبّه وغفر له.

أحبّاءنا،

–       الله يعرفكم باسمائكم.

–       الله يهتمّ بكم منذ ولادتكم وحتّى نهاية أعماركم.

–       احذروا أن تجعلوا أطفالكم يشعرون كما قيل: “صرنا أيتامًا بلا أب” (مرا 5: 3).

–       احكوا لأطفالكم عن الله من الكتاب المقدّس بسرور وفرح.

–       يجب أن تشعروا أنتم، أوّلاً، بوجوده الحيّ في حياتكم، لكي يشعر بذلك أطفالكم.

–       صحّحْوا نظرتكم إلى الله قبل أن تقدّموها لأطفالكم لئلاّ يروا فيكم صورة الله مشوَّهةً.

 

نضوج المقاصد الإلهيّة

نضوج المقاصد الإلهيّة

الأرشمندريت توما بيطار

 

“خرج يسوع من تخوم صور وصيدا، وجاء فيما بين تخوم العشر المدن إلى بحر الجليل”. أوّلاً، علينا أن ندرك أنّ صور وصيدا هما ناحية وثنيّة، وكذلك العشر المدن. يسوع، إذًا، كان يتنقّل بين المناطق الوثنيّة والمناطق اليهوديّة. لكنّ الكلام على هذه النّواحي الوثنيّة يبقى وكأنّ يسوع يلامسها لمسًا، يبقى في حدود تخومها؛ فهو لم يشأ أن يُعثر اليهود. وعلى الرّغم من ذلك، صنع أشفية عديدة عند الوثنيّين. السّاعة لم تكن قد حانت، بعد، ليخرج يسوع إلى الوثنيّين بالكامل، لكنّه كان يشير إلى ما هو آتٍ. تعامله مع الوثنيّين دلّ على أنّ الوثنيّين، أيضًا، سوف يكونون شركاء في الخلاص، وفي عمل الله. شهادته، مثلاً، لإيمان المرأة الكنعانيّة وقائد المئة دلّت على أنّه كان يجد الكثير من الخير والبركة فيما بين الوثنيّين. علينا أن نفهم من هذا الكلام أنّ النّاموس الطّبيعيّ، عند العديدين من الوثنيّين، لم يكن منثلـِمًا، لم يكن مجروحًا. كثيرون منهم كانوا أنقياء، إلى حدّ بعيد. هذا معناه أنّ الوثنيّة لم “تضرب” النّفوس، في المناطق الوثنيّة، بصورة كاملة. الرّبّ الإله كان عنده شهود، بمعنًى من المعاني، في هذه النّواحي الوثنيّة. وهذا يؤكّد ما ورد في سفر أعمال الرّسل أنّ الرّبّ الإله لم يترك أمّة من أمم الأرض من دون شاهد (أع20: 21).

إذًا، على الرّغم من الوثنيّة وممّا فعلته الوثنيّة، وعلى الرّغم من كون الشـّيطان قد عشـّش بين الوثنيّين بشكل كبير؛ فإنّ الرّبّ الإله كان يفتقد الأمم بطرق هو يعرفها. كان لهذه الأمم شهود عديدون يشهدون لله. طبعًا، هذا نجد له صدًى، حتّى منذ العهد القديم. ملكصادق، مثلاً، لم يكن يهوديًّا، بل أمميًّا. ومع ذلك، استبان باعتباره إناءً لله، باعتباره إنسانًا مستعدًّا لأن يتقبّل ما هو لله. إذًا، يسوع، من خلال الأشفية الّتي كان يقوم بها، ومن خلال تماسّه وتخومَ المناطق الوثنيّة؛ كان يشير، دائمًا، إلى حنانٍ تجاه الوثنيّين وما يعانونه، سيّما وأنّه أتى “ليخلّص ما قد هلك” (متّى18: 11). كلام الرّبّ يسوع كان، دائمًا، أكثر بكثير من حدود الذّهنيّة اليهوديّة العنصريّة. وهذا هو ما كان سببًا لسعي اليهود للتّخلّص منه.

“فجاؤوه بأصمّ أخرس”. كان مرقس الإنجيليّ يتحدّث عن كون يسوع في تخوم مناطق وثنيّة، ثمّ يأتي الكلام على أصمّ أخرس. هل كان أمميًّا؟! ليس واضحًا. لكن، وقوع الكلام على الأصمّ الأخرس بعد الكلام على النّواحي الوثنيّة، ربّما، يشير إلى ارتباط الأمرين معًا. ربّما كنّا، هنا، بإزاء عمليّة شفاء لها معنًى، بالنّسبة إلى الوثنيّين، بعامّة. إذًا، “جاؤوه بأصمّ أخرس، وطلبوا إليه أن يضع يده عليه”. مرقس الإنجيليّ يحبّ، دائمًا، أن يصوّر يسوع وهو يستعمل حواسّه: يضع يده، يضع أصابعه… مرقس يؤكّد أنّ تعاطي الرّبّ الإله مع النّاس هو تعاطٍ في الحسّيّات، أيضًا. “طلبوا إليه أن يضع يده عليه”: عبارة “أن يضع يده عليه” لها معنيان: المعنى الأوّل، أن يشفيه، أن ينقل إليه نعمة تشفيه. والمعنى الثّاني، أن يصير سيّدًا عليه، وكأنّ الأمم توجَد، هنا، ممَثَّلةً بالأصمّ الأخرس، بالأصمّ الـ”مضروب”، الّذي لا يستطيع أن يسمع كلام الله. وهو، أيضًا، أخرس؛ لأنّ الأصمّ لا يستطيع أن يتكلّم. الّذي لا يسمع كلام الله، لا يستطيع أن يتفوّه به. وهنا، إذا ما ربطنا ما بين الأمرين، ما بين الوثنيّين وهذا الإنسان الأصمّ الأخرس؛ فإنّنا نكتشف أنّ الصَّمَمَ والخَرَسَ ناتجان من الشـّيطان. هناك نزعة لدى بعض الإنجيليّين، بصورة عامّة، إلى تصوير الأمراض وكأنّها، دائمًا، من آثار عمل الشـّيطان في نفوس النّاس. إذًا، يسوع مدعوّ إلى أن ينتزع “ملكيّةَ” هذا الإنسان المريض. يسوع مدعوّ إلى أن ينتزع “ملكيّةَ” الأمم من الشـّيطان.

“فأخذه من بين الجمع على حـِدة”. طبعًا، الرّبّ يسوع لا يميل، أحيانًا كثيرة، لا سيّما عند مرقس، إلى إظهار الأخبار، بشأن قوّته الإلهيّة، وإشاعتها. لا يحبّ أن يجعل ممّا يفعله مشهدًا للنّاس، لكي لا يُحدث بينهم اضطرابًا ليس ضروريًّا، ولا لزوم له. إذًا، “أخذه من بين الجمع على حدة، وجعل أصابعه في أذنيه، وتفل، ولمس لسانه”. لاحظوا الكلمات الحسّيّة الّتي يستعملها الإنجيليّ مرقس: “جعل أصابعه في أذنيه”! لم يجعل إصبعًا واحدًا في أذنيه، بل أصابعه، “وتفل، ولمس لسانه”. كلّ هذا تأكيد لإنسانيّة الرّبّ يسوع، ولكونه يجعل الحسّيّات مجالاً لتجلّي الإلهيّات، ولا يكتفي بالكلمة. بهذا المعنى، يصوّر القدّيس مرقس الرّبَّ يسوع باعتباره إنسانًا مشرقيًّا، بكلّ معنى الكلمة؛ إنسانًا يستعمل حواسّه، بشكل كليّ وكامل. “ثمّ نظر [يسوع] إلى السّماء متنهّدًا، وقال: إفّثا، أي انفتح”. إذًا، هناك شيء كان مُغلَقًا على الأمم، بفعل الشـّيطان، لئلاّ يسمعوا، ولئلاّ يتكلّموا بالكلام الإلهيّ. هنا، كأنّي بيسوع يفتتح عهدًا جديدًا، بالنّسبة إلى الأمم: “إفّثا”! الرّبّ يسوع يشاء لهذا الانغلاق، بين الأمم، أن يأتي إلى نهاية. يريد أن يُزيل كلّ حاجز يفصله عن الأمميّين، ويفصل الأمميّن عنه. “نظر إلى السّماء متنهّدًا”! تَنَهُّدُ الرّبِّ يسوع له، دائمًا، دلالة؛ لأنّ فيه شيئًا من توجّع، وشيئًا من صلاة، أيضًا. الرّبّ يسوع كان، دائمًا، في وضع الصّلاة، في علاقته مع أبيه. نظر إلى السّماء، لأنّ الانفتاح يأتي من فوق. الله هو الّذي يأخذ المبادرة. نحن لا يمكننا، أبدًا، أن نخرج من الحفرة الّتي أسقَطَنا فيها الشـّيطان، منذ السّقوط إلى اليوم. إنّما الرّبّ يسوع هو القادر، بنعمة منه، على أن يُخرجنا من هذا الضّياع، من هذا الضّلال، من هذا السّقوط.

ويتابع مرقس الإنجيليّ كلامه بعبارة مفصليّة، كثيرًا ما تتردّد عنده: “في الحال، انفتح مسمعاه، وانحلّت عقدة لسانه، وتكلّم بطلاقة”. في أوّل الأمر، انفتح مسمعاه، فأخذ يسمع. بعد ذلك، بصورة تلقائيّة، وكنتيجة لِما حدث من جهة مسمعيه، انحلّت عقدة لسانه، وصار بإمكانه أن يتكلّم. ولاحظوا ما يقول: “وتكلّم بطلاقة”. لم يتكلّم بلعثمة، بل بطلاقة! الله يشاءُ للأمم أن يتكلّموا بالكلام الإلهيّ بطلاقة؛ لأنّه هو، من ناحيته، فتح مسامعهم، وحلّ عُقَدَ ألسنتهم. بعد ذلك، يقول مرقس إنّ يسوع أوصى الجموع، ولا يقول إنّه أوصى هذا الإنسان الأصمّ الأخرس. هذا، بمعنًى من المعاني، يشير إلى أنّ المقصود كان الأمميّين، وليس شخصًا واحدًا. يسوع، دائمًا، من خلال ما يفعله بصورة ظاهرة، يشير إلى ما هو غير ظاهر، إلى ما هو أبعد ممّا يفعل. إذًا، “أوصاهم ألاّ يقولوا لأحد”. إذا كانوا أمميّين، فطبعًا، نحن بإمكاننا أن نفهم أنّ يسوع لا يشاء أن يُعثر اليهود. وإذا كانوا يهودًا، فنحن نعرف، أيضًا، أنّ يسوع لا يشاء أن يُغيظ رؤساء الكهنة، والفرّيسيّين، والكتبة، والصدّوقيـّين، والهيرودسيّين، الّذين يتربّصون به شرًّا. ساعته لم تكن قد حانت، بعد. لهذا، كان، دائمًا، يوصي، بخاصّة في إنجيل مرقس، بعدم إشاعة أخباره كثيرًا، حتّى لا يستعجلَ السّاعةَ الأخيرة. يسوع كان ضابطًا للوقت، وكان كمَن يشدّ الحبال بطريقة تتيح له أن يتحكّم بالحاضر وبالآتي.

“غير أنّهم، كلّما أوصاهم، يزدادون نداءً”. على الرّغم من أنّه أوصاهم، إلاّ أنّهم، بعض الأحيان، كانوا لا يسمعون، وكأنّ نفوسهم ملّت الصّمت. كانوا يحتاجون إلى أن يتكلّموا؛ وكيف لا، وقد فتح مسامعهم، وحلّ عُقَدَ ألسنتهم؟! كانوا يزدادون نداءً، ينادون بيسوع، ينادون بما فعله يسوع! كأنّي بالحالة العامّة، إذًا، في ذلك الحين، وقد أخذت بالانتفاخ، إلى أن بلغت حدًّا نضجت معه المقاصد الإلهيّة؛ فصار كلّ شيء يسير باتّجاه الصّليب والقيامة. “وكان يشتدّ دهشهم قائلين: لقد أحسن في كلّ ما صنع! جعل الصّمّ يسمعون والبكم ينطقون”. عند أشعياء النّبيّ، حين يأتي المسيح، في الزّمن المسيحانيّ، هناك علامات تظهر، كأن يتكلّم البكم، والصّمّ يسمعون؛ وكأن تنفتح أعين العميان، وتُطرَد الشـّياطين، ويتنبّأ الصّغار والكبار… كلّ هذه علامات أخذت تظهر، هنا وهناك؛ ممّا شكّل تأكيدًا أنّ الزّمن المسيحانيّ قد حلّ، ونبوءة أشعياء وسواه من أنبياء العهد القديم تتحقّق، الآن، في شخص يسوع المسيح.

نحن، دائمًا، عرضة لأن نعود إلى وثنيّاتنا، بعودتنا إلى خطايانا، وأهوائنا، وسلوكنا على نحو وثنيّ. هذا كلّه، الّذي قرأناه وشرحناه، يدعونا، بصورة متواترة، إلى أن نلتمس مجاورةَ يسوع، ملامسةَ يسوع، مجالسةَ يسوع؛ حتّى يتسنّى لنا أن تنفتح مسامعنا، مرّة بعد مرّة، وأن تنحلّ عقد ألسنتنا؛ لأنّنا نحتاج، ما دمنا على قيد الحياة، هنا، إلى يقظة وانتباه؛ ونحتاج إلى عمل الله المتواتر؛ إذ إنّنا معرَّضون، بصورة دائمة، لانتكاسة، وللعودة إلى خنزيريّة المسرى، إذ بذلك ننتبه ونحرص على أن نبقى، دائمًا، في حال من التّوبة؛ حتّى يتسنّى لنا أن نثبت إلى المنتهى. ومَن يثبت إلى المنتهى، فهذا يخلص.

آمين.

عظة حول مر7: 31- 37، السّبت 28 آذار 2009

فائدة القراءة الروحيّة

فائدة القراءة الروحيّة

من كتاب بستان الروح

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

 

هناك أنواع كثيرة من القراءات الدينيّة. ولكنّنا نخصّ هنا نوعّا معيّنًا منها هو القراءات الروحيّة أي القراءات التي تهدف إلى إلهاب الروح بمحبّة الله، وإلى تقويم الشخصيّة وتنقية النفس والجسد من أدناسهما.

توجد ثلاثة مصادر أساس للقراءات الروحيّة وهي:

1-  الكتاب المقدّس بعهديه.

2-  أقوال الآباء والكتب النسكيّة.

3-  سير القدّيسين سواء كانوا قدّيسي البرّيّة أم الشهدء أم أبطال الإيمان.

وهذا النوع يعطي أمثلة حيّة للفضائل المسيحيّة في أعلى صورها، وفيه قال القدّيس إسحق السوريّ “شهيّة جدًّا أخبار القدّيسين في مسامع الودعاء”.

القراءة، بوجه عامّ، تجمع العقل من تشتّته، وتقتاده من طياشته في أفكار وموضوعات كثيرة إلى التركيز في موضوع القراءة. أمّا القراءة الروحيّة، فإنّها لا تكتفي، فقط، بأن تجمع العقل من جولانه في العالميّات، وإنّما، أيضًا، ترفعه إلى عالم الروح، وتفتح أمامه أبواب الإلهيّات ليذوق ما أطيب الربّ. لذا، فهي بهذا ذات فائدتين:

1-  منع الأفكار الزائلة الباطلة عن العقل أو الأفكار الشرّيرة، ولذا تُستخدم القراءة الروحيّة، أحيانًا، كسلاح للعفّة وطرد الأفكار النجسة، وكسلاح لطرد الغضب وتسكين النفس.

2-  السموّ بالفكر إلى الإلهيّات حتّى يصل الإنسان إلى حالات سامية جدًّا بدوام ارتباطه بالله.

إنّ القراءة الروحيّة باب يدخل منه الإنسان إلى حرارة النفس. فالنفس التي بردت حرارتها الروحيّة لانشغالها بالمادّيّات، أو لاحتكاكها بالخطيئة، أو لتفكيرها بما لا يليق، أو لتغرّبها عن الروحيّات مدّة طويلة، هذه النفس تعود إليها حرارتها تدريجيًّا بالقراءة الروحيّة، فتعود النفس لتتذكّر طبيعتها النقيّة، وتشتاق إلى السموّ، وتشعلها الحرارة بحبّ الله وقدّيسيه، والرغبة في محاكاة ما تقرأ من سير وفضائل عالية، ولقد قال القدّيس أمبروسيوس “لتكن قراءتنا الروحيّة غذاءنا اليوميّ، ولتكن بتأمّل، محاولين تطبيقها. ولنجاهد، على الأخصّ، بتطبيق الفضيلة التي توبّخنا مطالعتنا لها”.

من طبيعة الحرارة التي تشعل النفس أنّها تقتل كلّ ما يحارب هذه النفس من ملل أو ضجر أو توان أو كسل، وتجعل الفضائل سهلة وخفيفة في عينيّ القارئ، وتوجِد في قلبه استعدادًا لها، وتنخسه حاثّة إيّاه على البدء بالعمل. فيجد الإنسان قلبه كما لو كان فيه نار متّقدة، وعندها تتضائل الشهوات العالميّة أمام عينيه، ويشعر باحتقار لها، لا بل تختفي، أحيانًا، بالكلّيّة من ذاكرته.

إنّ الذي يقرأ عن وصايا الله وشرائعه وعن الفضائل في تنوّع صورها، يجد في القراءة مرآة سليمة ينظر فيها إلى نفسه، أو يجد فيها ميزانًا يزن به شخصيّته وأعماله. وبهذا تكون القراءة مادّة لمحاسبة النفس، إذ يحاسب الإنسان نفسه مفتّشًا فيها ليرى هل توجد فيها تلك الفضائل التي قرأ عنها، أم هي محرومة منها بعيدة عنها. وكلّما قرأ الإنسان سير القدّيسين، وكلّما نظر إلى المستويات العالية التي ارتقوا إليها في تعب وجهاد ومثابرة وصبر، حينئذ يشعر بصغر قيمته وضآلة شأنه، ويرى أنّه مجرّد مبتدئ في الطريق لم يخطُ فيه بعد أيّة خطوة ذات قيمة، وهكذا تقتاده القراءة إلى التواضع الحقيقيّ المبني على معرفة سليمة للنفس. وكلّما تزداد قراءته يزداد اتّضاعه، لأنّه يتذكّر قول الربّ “من يعرف كثيرًا يطالب بأكثر”.

حسن جدًّا أن تكون فضائل القدّيسين وحياتهم طريقًا لتواضعنا، وإنّما الأحسن أن تكون هذه الفضائل حافزة لنا على الغيرة المقدّسة ومحاولة محاكاتهم. ولكن على الإنسان هنا أن يعرف مقدار قامته الروحيّة، فلا يضع لنفسه – وهو مبتدئ- تدريبًا أو فضيلة وصل إليها قدّيس بعد جهاد طويل دام سنوات مديدة، ويريد هو أن يقفز إليها قفزةً واحدة مستهينًا بالأمر، إنّما يجب أن يكون ذلك بإفراز وحكمة، فنختار منها ما يناسبنا وما تساعد عليه ظروفنا الشخصيّة ودرجتنا الروحيّة.

القراءة الروحيّة هي، أيضًا، مادّة للصلاة، ويختلف نوع الصلاة باختلاف نوع القراءة. فهناك قراءة تُشعر الإنسان بخطاياه ونقائصه، فيحني هامته في استحياء وانسحاق وندم، معترفًا أمام الله بذنوبه وآثامه الكثيرة طالبًا منه الرحمة والمغفرة. وقراءة أخرى تبسط أمامه الفضائل في سموّها، فيصلّي بلجاجة وإلحاح طالبًا من الله عونًا ونعمة ليستطيع أن يسير في طريق الآباء، ويقوى على محاكاتهم. وقراءة ثالثة تحرّك في القارئ محبّة الآخرين، فيرفع يديه إلى فوق طالبًا من أجلهم. وهناك قراءة تعرض أمام الإنسان صفات الله وعظمته التي لا تحدّ، فيسجد في خشوع ممجّدًا الله ومباركًا إيّاه، شاعرًا بعدم استحقاقه للتحدّث معه على هذه الدرجة من المجد. وهناك قراءة أخرى تلهب القلب بمحبّة الله، فيلهج باسمه وهو لا يدري ماذا يقول، وبين الحين والآخر تخرج من كلّ جوارحه عبارات الشكر والاعتراف بالجميل.

وكما أنّ القراءة مادّة للصلاة فهي، أيضًا، مادّة للتأمّل، فقد تقرأ قصّة من قصص الآباء، وتتأمّل مقدار النعمة التي أعطاها الله لهذا الأب، أو تتأمّل مظاهر الحبّ الذي ربط بين هذا المخلوق وخالقه، أو يسبح عقلك في سلّم الفضائل الذي صعد به القدّيس درجة فدرجة إلى الله. كذلك، أيضًا، قد يقرأ الإنسان موضوعات روحيّة سامية يكتنزها في عقله، ثمّ يعود فيجترّها وتغتذي بها روحه ويجد فيها مادّة للتأمّل في خلواته وفي صلواته.

القراءة الروحيّة مرشد في الطريق إلى الله، تعرّف الإنسان مشيئة الله، وتكشف إرادته المقدّسة وتنير سبله، لذلك قال المرنّم “سراج لرجلي كلامك ونور لسبلي”. يقرأ الإنسان كلام الله وسِيَر الآباء الذين امتلأوا من روحه القدّوس، فيكتسب جانبًا كبيرًا من المعرفة النافعة، وتنكشف أمامه طرق الحياة الطاهرة والسلوك السليم والتصرّفات الحسنة، وتعطيه نوعًا من الإفراز والحكمة، وإن كان ذلك يكمل بالخبرة والممارسة.

للقراءة فوائد أخرى تتنوّع بتنوّع المناسبات والأسباب الداعية لها. فهناك إنسان حزين النفس متعب بالتجارب والضيقات، يلجأ إلى القراءة منتقيا فصولًا معيّنة لتعزّيه وتقوّيه وتعرض له معونة من الله في ظروف مماثلة، أو تصرّفات الآباء في حالات أشدّ، وتشرح له حكمة الله في السماح بالتجارب، فتفرح نفسه وتزول كآبتها. أو هناك إنسان أخطأ إلى الله خطيئة شنيعة، يقرأ عن التوبة والتائبين وقبول الله لهم، فيدخل الرجاء إلى قلبه، ويتشدّد ويعود، فيقترب إلى الله بلا يأس. أو شخص ثالث صلّى كثيرًا من أجل موضوع خاصّ ولم يرى لصلاته أثرًا، فظنّ أنّ الله رفض طلبه وعاد لا يسمع له، يقرأ هذا كتابًا روحيًّا أو فصلًا من الكتاب المقدّس يتصّل بهذا الموضوع، فيطيب قلبه، ويتأكّد أنّ الله قد سمع واستجاب، ولكنّه سيرسل حلّه في الوقت المناسب المفيد وبطريقته الخاصّة.

إبدأ دومًا قراءتك بالصلاة حتّى لا تكون معتمدًا على فهمك البشريّ الذي يخطئ، بل بالحري أطلبْ تدخّل الروح لإرشادك. صلِّ إن استطعت صلاة طويلة قبل أن تقرأ، إشرح لله ضعفك وقصور فهمك وعجز عقلك المحدود عن الوصول إلى أعماق الكلمات الإلهيّة التي قال عنها داود النبيّ “لكلّ كمال رأيت منتهى وأمّا وصاياك فواسعة جدًّا”. أطلبْ من الله أن يفتح عقلك لتفهم، ويفتح قلبك لتقبل ما تفهمه. لذلك يقول القدّيس إسحق السوريّ محذّرًا “لا تدنُ من أقوال الأسرار الموجودة في الكتب خلوًا من الصلاة والتماس معونة الله تعالى، وقل جدْ عليّ بإحساس القوّة الموجودة فيها”.

أدخلْ نفسك في موضوع القراءة، واعتبره درسًا خاصًّا موجَّهًا لك، والذي تقدر على عمله إعملْه بحكمة، والذي لا تقدر عليه، إحزن من أجله في قلبك، وارثِ لضعفك، واتّخذه وسيلة للاتّضاع، واطلب شفاعة القدّيسين الذين نبغوا فيه.

اعلم أنّ القراءة هي مجرّد وسيلة إلى غاية، وليست غاية في حدّ ذاتها. فإذا ما أوصلتك القراءة إلى هدفك اتركها وانشغل بهذا الهدف الذي من أجله قرأت. القراءة هي مجرّد عود ثقاب يشعل النفس فتلتهب بحبّ الله. فإذا ما التهبت النفس لا تنشغل بعد بعود الثقاب. اترك القراءة إلى حين، واعمل عمل الروح الذي أثارته فيك سواء أكان تأمّلًا أو صلاة أو محاسبة للنفس أو بكاء على خطاياك، وإيّاك أن تهمل هذه الحرارة وتستمرّ في القراءة لئلّا تبرد منك وتطلبها فلا تجدها. ولقد قال القدّيس إيرونيموس “ثبّتوا قلوبكم ببضع فقرات من مطالعتكم الروحيّة، ولا تهملوا هذا الأمر البتّة، بل لتهدِ قلوبكم دومًا لما يقوله الآباء”.