Monthly Archives: August 2014

السنة العاشرة – العدد العاشر – تموز 2014  

مختارات آبائية

ما هي العدالة الإلهية وكيف تتحقق؟

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

البشر كمخلوقات ليتورجية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

عظة

ويصير كلّ شيء جديدًا

 الأرشمندريت توما بيطار

 لاهوت

 الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

أربعة أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

الميتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

حيث ينتهي العلم ويبدأ اللاهوت

روبرت جاسترو

تحديد القداسة: طريقة الكثلكة والمنهج الأرثوذكسي

د. ألكسندروس كيرو

حقوق الإنسان والفكر المسيحي

خريسوستوموس خاتزيلامبرو

عن الكاهن الصالح

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

ما هي العدالة الإلهية وكيف تتحقق؟

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

واحدة من أسمى وأفذّ الصفات الإلهية، أو السلطات، أو القوى، هي العدالة. يمنح الله مخلوقاته العدالة وفقاً لاحتياجاتهم لكي يسلكوا بشكل منظّم ويتربّوا. يغذّي الله الكون ويضبطه بطريقتين. الأولى هي قواه الخلاّقة: “لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ” (مزمور 9:33). الطريقة الثانية هي سلطته الحافظة وعنايته التي تجمَع الكون وتعضده وفقاً لغاية كل كائن. لذا، العدالة الإلهية تمنح العناية الضرورية لكل كائن حتّى ينجح في الهدف الذي خُلِق من أجله. بهذه الطريقة، تُحفَظ الطبيعة في التوازن. في كل مرة يهتزّ هذا التوازن لأي سبب من الأسباب تعيد العدالة الإلهية القسطاس وبالتالي يستمرّ ضبط الخليقة أو بالأحرى يتوسّع بما يتوافق مع الإرادة الإلهية.

بعد سقوط المخلوقين العاقلَين، أي الملاك والإنسان، الأمر الذي جذب الباقي من الخليقة نحو الفساد، صارت القوى الإلهية ظاهرة وبالتحديد العدالة الإلهية، التي تصلِح إفرادياً أو جماعياً تلك العناصر التي لا تطيع الوصية، كما كان في نية الخالق في الأصل. العدالة الإلهية تثبّت كل المخلوقات في الترتيب وما من عاملٍ يمكن أن يُفرَض عليها ويغيّر مخططها. هكذا هو الأمر في ما يختصّ بغير الماديات. بالنسبة للكائنات العاقلة وبشكل خاص الإنسان، تُطبّق العدالة الإلهية بشكل كامل، ما عدا بعض حالات التدبير الإلهي حيث تتمّ بأشكال مختلفة بما يتلاءم مع مصلحة كل إنسان. تطبيق العدالة الإلهية متنوّع جداً وقليلون فقط، بشكل خاص المستنيرون، هم الذين يفهمون معاييرها. حذَرُ الرسول بولس يقنعنا بهذا: “لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ.” (1كورنثوس 31:11-32). لأن الله يضبط العالم بعصمة وبطريقة إلهية، تتدخّل العدالة الإلهية كثيراً لكي تعيد تنظيم الأمور وتردّها إلى النظام، لأنّها كانت بلا خطأ عند لحظة خلقها.

إن لم تعِد العدالة الإلهية التوازن، سوف ينشأ الانطباع بأنّ خلق العالم هو سبب الخطأ وليس انحراف الإنسان وسوء تصرفه. العدالة الإلهية، كونها كاملة وعلى المثال الإلهي، كما غيرها من الصفات الإلهية، معروفة بأن لها قوتان: الواحدة هي قوة التناغم والتوازن والأخرى هي الاستمرارية العملية للمحبة الإلهية الكاملة. بالرغم من أننا ننتهك مكانتنا وواجبنا، لا يسحب الله محبته وعنايته التدبيريتان اللتان تسببان التماسك، إذ بحسب الرسول بولس، الصفات الإلهية لا تتغيّر.

يظهر تطبيق العدالة الإلهية بطرق كثيرة. كاتب المزامير والآباء القديسون، كونهم اختبروا الشكل العملي للحرب الروحية، يخبروننا الكثير عن هذا الموضوع. إذا كان الإنسان منتبهاً يمكنه تلافي فرضَ العدالة الإلهية في حياته. عليه أن يصلح تجاوزاته من خلال التوبة والمحبة للعمل الشاقّ المناسب للذة التي نشأ التجاوز منها. “اِلْتَفِتْ إِلَيَّ وَارْحَمْنِي، لأَنِّي وَحْدٌ وَمِسْكِينٌ أَنَا” (مزمور 16:25)، “رُكْبَتَايَ ارْتَعَشَتَا مِنَ الصَّوْمِ، وَلَحْمِي هُزِلَ عَنْ سِمَنٍ” (مزمور 24:109)، “إِنِّي قَدْ أَكَلْتُ الرَّمَادَ مِثْلَ الْخُبْزِ، وَمَزَجْتُ شَرَابِي بِدُمُوعٍ” (مزمور 9:103)، “كَأَنَّهُ قَرِيبٌ، كَأَنَّهُ أَخِي كُنْتُ أَتَمَشَّى” (مزمور 14:35)، “اِسْتَمِعْ صَلاَتِي يَا رَبُّ، وَاصْغَ إِلَى صُرَاخِي” (مزمور 12:39)، “هأَنَذَا بِالإِثْمِ قد حُبِل بي، وَبِالْخَطِيَّةِ ولدتني أُمِّي” (مزمور 5:51).

إذا خالف الإنسان ناموساً أخلاقياً أو طبيعياً في حياته الخاصّة أو ضد بيئته، فهو يسبب ذنباً مضاعَفاً، بحسب قوانين التدبير الشامل التي من خلالها يضبط الله الكون وينمّيه. إحدى المخالفات هي التسبب بأذى طبيعي غير معقول للأشياء بسبب الإهمال أو قلّة الاهتمام. طريقة أخرى لدى الجزء الأهوائي فينا هي في تلقّي الاكتفاء غير الطبيعي من اللذة، التي تسمّى انحرافاً. تتدخل العدالة الإلهية في كلا الحالتين لتعيد التوازن.

هذا بالتحديد هو نوع العدالة الإلهية الذي عناه الربّ عندما قال: “إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (متى 18:5). إذا “كُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً” (عبرانيين 2:2) فماذا نحتاج أيضاً لنؤمِن بأن العدالة الإلهية لا تُرشى. قول مأثور خاصٌ جداً من آبائنا حول هذا الموضوع هو التالي: “إذا كنت لا تريد أن تعاني، تعلّمْ عدم الإساءة”. إن العين الناظرة كل شيء، عين العناية الإلهية الشاملة لخليقته تعمل مع عدالته الشبيهة به المعصومة، حتّى ولو بدا الأمر غير قابل للفهم.

البشر كمخلوقات ليتورجية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

نحن عادةً نصف البشر بأنّهم مخلوقات عاقلة ومستقلّة. هذه صفات صحيحة لكنّها لا تنقل الطبيعة البشرية بكمالها. من خلال الخبرة الليتورجية، نحسّ بأن الناس هم مخلوقات ليتورجية أكثر من أي شيء آخر. لقد خُلِقوا ليخدموا ويقدّموا أنفسهم والعالم إلى الله بامتنان وتمجيد وعبادة، ليتّحدوا مع الله ويتقدّسوا ويعيشوا من خلال هذه التقدمة – التضحية – الخدمة المتواصلة.

العقلانية والاستقلالية وغيرها من الصفات أعطيَت لنا لهذا السبب، حتى نضع أنفسنا في هذه العلاقة الليتورجية مع الإله المثلّث الأقانيم. في هذا الصعود الليتورجي، يسلك الناس على أنهم في “الصورة” ويُرفعون إلى “المثال”. الحياة في الملكوت كانت ليتورجية إلهية. إلى جانب الملائكة، خَدَمَ آدم وحواء الثالوث القدوس. بالسقوط في مركزية الأنا خسرا إمكانية تقدمة ذواتهما والعالم إلى الله بطريقة إفخارستية وبالتالي المشاركة في الخدمة المشتركة في الفردوس. بنفيهما أنفسهما من ليتورجيا الفردوس، وجدا نفسيهم على الأرض من دون الوظيفة الليتورجية. كفّت “الصورة” عن العمل. بعض آثار وشرارات وظيفة ما قبل السقوط بقيت في داخلهم وهي حرّكتهما إلى بناء المعابد وتقديم الضحايا لله.

في أفضل الأحوال، هذه العبادة كانت شظايا، ظلاً أو نموذجاً. لم تحمل البشر إلى الشركة الكاملة مع الله والاتحاد به. لم تعطِنا الروح القدس. لم تخلّصنا من الموت. مع هذا، قد شجّعت فينا الرغبة بالليتورجيا المسيحانية الحقيقية. هذه الرغبة والرؤية مَنَحَتا الأمل للبشر الذين كانوا يقطنون في الظلمة وظلال الموت. لم تستطع محبة الآب السماوي أن تتركنا من دون خدمة ليتورجية. بتدبيره الإلهي، صار الكلمة جسداً. يسوع المسيح، الكاهن الأعظم، بدأ خدمة العهد الجديد المشتركة. لم يكن ممكناً تأسيس ليتورجية العهد الجديد إلا على يد المسيح، لأن المسيح وحده كان القادر على تقديم ذاته والعالم كلّه بشكل كامل إلى الإله المثلّث الأقانيم. لقد كان في العهد القديم أناس قدّموا ضحايا أيضاً، لكن لم يكن هناك قرابين. يسوع المسيح كان الضحية المُثلى وفي الوقت نفسه الشخص الأمثل لتقديم الضحية، الضحية التي لا عيب فيها، حمل الله الرافع خطية العالم.

البشر، والعالم أيضاً، من دون الليتورجيا، صاروا غير مقدسين وسقطوا تحت سلطة الشيطان والموت. بموته على الصليب وقيامته، افتدانا المسيح من هذه العبودية، حررنا ومنحنا فرصة الاشتراك في خدمة العهد الجديد المشتركة، أي أن نقدّم ذواتنا لله، لنشكر الله ونمجّده. بكوننا مقرَّبين ومقرِّبين كلّ شيء مع المسيح لله، نحن نخدم كبشر، أي على “صورة الله”. نصير بشراً حقيقيين.

ليتورجيا العهد الجديد تسمو كثيراً على الليتورجيا في الفردوس. فالآن الكاهن الأعلى هو ابن الله بذاته. والدة الإله والقديسون يشتركون ومعاً يمجدون الثالوث الكلي قدسه بأصوات لا تصمت وتماجيد لا تفتر. كلّ أرثوذكسي معمّد يموت ليعيش يشترك في هذه الخدمة المشتركة. في هذه الليتورجيا المشتركة يجد الناس طبيعتهم الحقيقية وراحتهم الفعلية، وشخصهم الحقيقي الذي على صورة الله. خارج هذه الليتورجيا المشتركة، يكون الناس كائنات عاقلة أو كائنات اقتصادية (Homo Sapiens or Homo Economicus) كما يراهما المجتمع الاشتراكي، لكنهم ليسوا حكّام الخليقة، ولا حتّى نقطة التماس بين العالم المخلوق والعالم غير المخلوق ولا هم على صورة الله.

ليتورجيا العهد الجديد الإلهية بدأت مع تجسد الكلمة وتستمر إلى المستقبل البعيد مع الكاهن الأعظم. كل قداس إلهي يُقام على الأرض هو اشتراك في الزمن في هذه الليتورجية الأبدية غير المحدودة بزمان. “مع هذه القوات المغبوطة، أيها السيد المحب البشر، نهتف أيضاً نحن الخطأة ونقول: قدوس أنت حقاً وكليً القداسة…” كل كاهن أو أسقف يقيم قداساً على مذبح أرضي “يمارس وظيفة المسيح الكهنوتية في الكنيسة” (قانون قرطاجة). ليس له كهنوت خاص به بل هو يشترك في كهنوت المسيح الوحيد. خطيئتنا العظمى اليوم هي أننا بلا دور ليتورجي. نحن لا نقدِّم ولا نُقَدَّم إلى الله وإلى إخوتنا البشر. في وقت ما كان وصف إنسان ما بأنه غير ليتورجي إهانة. أما اليوم فبسبب قلة إيماننا وقساوة قلوبنا صارت قلّة الإيمان صفة طبيعية بينما غير الطبيعي والعجيب هو أن يمارس الناس دوراً ليتورجياً.

حتّى عندما “يذهب” الناس إلى الكنيسة، من الصعب تبيان ما إذا كانوا يمارسون الليتورجيا، أي أنهم يشتركون في سرّ الإفخارستيا الكوني وسر الكنيسة، ما إذا كانوا يفهمون القداس الإلهي ليس كواجب ديني واجتماعي وحسب بل كتقدمة وضحية لله، بالمسيح. من الممكن لشخص ما أن يقيم القداس الإلهي ككاهن بينما في الجوهر هو خارج الليتورجيا لأنّه لا يقدّم نفسه وكلّ الأشياء لله. هؤلاء المسيحيون خارج الليتورجيا، كهنة وعلمانيون، لا يحيون من حيث المبدأ. بحسب الرؤيا “أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ” (1:3).

الناس الذين يقدّمون “التي لك مما لك، عن كل شيء ومن أجل كل شيء” يخدمون الله بحق وبفرح. إنهم أناس يعرفون أنّ كل ما لديهم هو منحة من الله. إنهم يؤمنون بأن لا شيء لهم من عندهم ليقدّموه، بل كل شيء هو من الله ومنه يأخذون ويقدّمون إليه، إلى جانب ذواتهم وعالمهم وعلاقتهم بالعالم. إنهم لا يحتفظون لأنفسهم بشيء عن أنانية، إنّما يقدّمون أنفسهم من دون تحفّظ، يعطون كلّ شيء لكي يأخذوا لا شيء، يموتون ليحيوا، ويمنحون كلّ شيء في المسيح ومن أجل المسيح، عن كل شيء (دائماً) ومن أجل كل شيء (من أجل هبة الله). هكذا حياة الناس، حتّى بعد القداس وخارج الكنيسة، تصير خدمة وتقدمة وعلاقة وتضحية وشركة وشكراً. تتحوّل الحياة بكليّتها إلى حياة إلهية إنسانية.

إن ليتورجيا الأحد ذات الساعتين تمتد إلى أربع وعشرين ساعة. كأرثوذكسيين، عندما نتحدّث عن الحياة الليتورجية، لا نعني تقدمتنا الليتورجية القصيرة في الكنيسة، بل حياتنا بالكامل، التي تبدأ بالنشاطات الليتورجية في الكنيسة وتصير ليتورجية واحدة وعبادة واحدة. المسيحيون الأرثوذكسيون ليسوا منفصمين. لا يحيون حياة ليتورجية في الكنيسة وأخرى غير ليتورجية في الخارج. إنهم يقضون في الكنيسة ما استطاعوا من الزمن (في القداديس والخِدَم) حتى يصيروا قادرين على العيش خارج الكنيسة بطريقة أقرب ما تكون إلى الروح، إلى جو القداس الإلهي وخلقيته. من خلال العبادة في الكنيسة، تترسّخ الحياة الإلهية الإنسانية فيهم وتصير قادرة على تغيير كل أوجه حياتهم اليومية.

إذاً، إذ تتغلغل الحياة الليتورجية في المسيحيين، يسلكون في وحدة الإيمان والحياة، الإلهي والبشري، المخلوق وغير المخلوق، الحي والراقد، الحاضر والمستقبل، شخصهم والآخرين.  هذه الوحدة يختبرها الشعب الأرثوذكسي طالما تكون حياته كنسية. ما زال يوجد إلى اليوم شعب تقليدي أرثوذكسي وجماعات تسلك في هذه الوحدة. مركز كلّ الحياة في التجمّعات الأرثوذكسية التقليدية (قرى وأحياء) كان الكنيسة الرعية، على غرار ما هي الكاثوليكو (الكنيسة الرئيسية) في الأديار. الولادة، الموت، العمادة، الزواج، المدرسة، العمل، العلاقات الاجتماعية، الأفراح والأحزان وكل تعابير الحياة الاجتماعية كانت مرتبطة بالليتورجية والكنيسة. في النهاية، هذه تصير الكنيسة. أعمال الحياة اليومية تجد وحدتها وترتيب أسبقيتها ضمن القداس الإلهي.  بقدر ما يبعِد الشعب الأرثوذكسي نفسه عن أصوله الأرثوذكسية وعن تقليده الإلهي الإنساني المحيي، يضعف الارتباط العضوي بين الأعمال المختلفة والليتورجية الإلهية، لهذا يكفّ الشعب عن العمل بنحو لائق، أي أنهم يفشلون في توحيد الناس أو مساعدتهم على العيش كصُوَرٍ لله.

إن الأعمال المتنوّعة خارج الليتورجيا المقدّسة تفكّك الشخص البشري. هذا واضح في وظيفة الحياة الأساسية أي الإنجاب. ضمن الليتورجية المقدّسة والكنيسة تتحوّل هذه الوظيفة الجوهرية وتُبارَك بالنعمة وتساهم نحو ملء الشخص البشري. خارج الكنيسة، تصير هذه الوظيفة أَمَةً للأنانية، إلغاءً للشخصية وعذاباً. يتمرمر الناس اليوم من هذه الخبرة.

الأديار الأرثوذكسية المشتَرَكة هي نماذج لكيفية عمل الشعب والجماعات. المركز هو الكنيسة الرئيسية. كل المباني والقلالي منظمة حول الكنيسة. نقطة البداية في الحياة المشتركة هي الاحتفال اليومي بالقداس الإلهي. الهدف هو عبادة الله وتقديم كلّ الحياة للمسيح. هكذا تكون الحياة مشتركةً، الإيمان والمحبة كونيَّين، يُغلَب الموت وكلّ شيء يصير جديداً ويُعطى دورٌ مختلف في تكيّف غريب ومناسب جداً. عندما تترسّخ في الأرثوذكسيين روح الشركة الرهبانية الليتورجية، التي هي روح الأرثوذكسية الليتورجية، يُحفَظون من النزعة الباطلة نحو الدهرية. بالجوهر، الدهرية هي مسعى لتنظيم الحياة خارج الليتورجيا والكنيسة.

لا يستطيع الأرثوذكسيون إلا أن يعيشوا ليتورجياً. القداس الإلهي والعبادة ليسا “مناسبات” ولا مجرّد جزء من برنامجهم، بل هما بالمقابل الطلقة المطعِّمة حياتهم التي تحوّلهم، المركز، الأساس، البداية والنهاية. فقط من خلال “التي لك مما لك” في القداس الإلهي يصير الناس ذواتهم، أي صوراً لله.

* كلمة ليتورجيا في اليونانية متعددة المعاني فهي تعني القداس، الخدمة، الكهنوت والوظيفة.

ويصير كلّ شيء جديدًا

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، كلّ تصرّف يأتيه الرّبّ يسوع إنّما هو ناجم من حنانه. الرّبّ الإله يكون مدفوعًا بحنانه، حين يطعمنا؛ ويكون مدفوعًا بحنانه، أيضًا، حين يؤلمنا. ليس في يسوع أيُّ أثر للقسوة. يسوع كلّه حنان؛ ومن حنانه نستمرّ ونثبت؛ ومن دونه، لا نستطيع شيئًا، على الإطلاق. الجموع مكثت مع يسوع، ثلاثة أيّام. كانت مأخوذة به، وكان هو كلّ شيء، بالنّسبة إليها. كانت كأنّها خارج ذاتها. الرّبّ يسوع فيه من الحلاوة والجاذبيّة ما يستأثر بالنّفوس، إذا ما انفتحت عليه، إذا ما التمسته بكلّ صدق وأمانة. والحقّ أنّ الإنسان كان أصلاً من أجل أن يمكث مع الله. بمكوثه مع الله، يحقّق الإنسان إنسانيّته؛ وبانصرافه عنه، يفقد إنسانيّته. إلى ذلك، نحن، هنا، على الأرض، لا همّ لنا ولا اهتمام سوى يسوع. “إن عشنا، فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا، فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا، فللرّبّ نحن” (رو14: 8). يسوع هو طعامنا، حتّى في مستوى الجسد. لهذا السّبب، أعطانا جسده ودمه خبزًا وخمرًا، لندرك أنّه يعطينا ذاته مَنًّا سماويًّا، لنأكل ونشبع في النّفس وفي الجسد، أيضًا. كثيرون بين القدّيسين كانوا يكتفون بهذا الخبز السّماويّ. كانوا يكتفون، إلى ذلك، بما يرسله إليهم الرّبّ، بملاكه، من فوق. القدّيس مرقس النّاسك الأثينائيّ نسك، في ما قيل، أكثر من تسعين سنة، وكان كلّه متّجهًا إلى فوق. نسك في موقع دلّه عليه ملاك الرّبّ، على الحدود اللّيبيّة، وكانت النّاحية الّتي أقام فيها جرداءَ بالكامل. لذا، نقرأ في سيرته أنّه كان يأكل ترابًا، على مدى ثلاثين عامًا. وقد عاش إلى سنّ المئة والسابعة عشرة. وقد ورد، أيضًا، أنّه، حين كان يحتاج إلى طعام، كان ينظر إلى زاوية من زوايا الموضع الّذي نسك فيه، فيجد المائدة السّمويّة ممدودة. وكان يأكل؛ وبعد ذلك، يرفع ملاك الرّبّ الطّعام المتبقّي إلى فوق. وقد شهد لذلك راهب أوفده الرّبّ الإله إليه، إلى مرقس، قبل وفاته بقليل. وفيما كان مرقس يكلّم الرّاهب بشأن سيرته، إذا بملاك الرّبّ يُنزل من فوق طعامًا ساخنًا؛ فقام الاثنان إلى المائدة، وتناولا منها.

يا إخوة، إنّ الرّبّ يسوع، إذ يعطينا جسده طعامًا جديدًا، يعطينا، في الحقيقة، العالم كلّه جديدًا، ويعطينا إيّاه طعامًا سماويًّا، أيضًا. جسد الرّبّ يسوع من تراب الأرض. الرّبّ يسوع اتّحد، بالجسد، بكلّ شيء في هذه الخليقة، سوى الخطيئة، طبعًا. لهذا السّبب، الإنسانُ الجديد، الّذي اعتمد بالماء والرّوح، لم يبقَ تعاطيه لهذا العالم تعاطيًا مادّيًّا، أو نفسيًّا، إنّما صار تعاطيًا بشريًّا إلهيًّا. نحن في كلّ شيء نلتمس النّعمة الإلهيّة، نلتمس الحضرة الإلهيّة. الرّبّ الإله منبَثٌّ، كنور، في كلّ العالم. ممّا يُقال عن القدّيس غريغوريوس بالاماس إنّه كان يرى العالم كلّه يسبح في نور الله الخارج من جنب يسوع. العالم، بعدما تجسّد ابن الله، صار يسبح في النّور الإلهيّ. النّور الإلهيّ نفذ في كلّ شيء، في كلّ الخليقة. لذلك، تعاطينا للعالم الجديد – وعالمُنا تجدّد بيسوع – هو تعاطٍ أسراريّ، هو تعاطٍ للإلهيّات في علامات محسوسة بشريّة. عمليًّا، إذًا، الرّبّ يسوع المسيح، إذ يعطينا جسده ودمه، يعطينا العالم كلّه جديدًا. وحركة “ضدّ المسيح”، في العالم، هي الحركة الّتي تُصرّ على الفصل بين ما لله وما لهذا العالم، على جعل الرّوحيّات كأنّها خارج الخليقة الّتي نحن فيها. حركة “ضدّ المسيح” تسعى، أبدًا، للتّنكّر للتّجسّد الإلهيّ، ولإفساد مفاعيله في أذهان النّاس، وللجـِدّة الّتي دخلت العالم.

من هنا، يا إخوة، نحن، كبشر مؤمنين، لا نتعاطى شيئًا، أبدًا، في حياتنا، إلاّ أسراريًّا. غير صحيح أنّ هناك، فقط، سبعة أسرار. طبعًا، هذه أسرار بارزة، يعطينا الرّبّ الإله نفسه فيها، بصورة مميّزة. لكن، كلّ شيء في حياتنا بات أسراريًّا، بعدما تجسّد ابن الله من البتول. نحن، حين نريد أن نتناول بعض الأدوية، مثلاً، لا نتعاطى الأدوية باعتبارها أدوية، فقط؛ بل باعتبارها علامات منظورة لحضرة الله غير المنظورة. لهذا السّبب، حين نأخذ حبيبات من الأدوية، نصلّب عليها. ومن دون إشارة الصّليب، لا يليق بالإنسان المؤمن أن يتعاطى شيئًا، في هذا الدّنيا. ما لا يُصَلَّب عليه، فلا يجوز أن يُتناول. لذلك، علامة الصّليب هي علامة الحضرة الإلهيّة؛ وهي، من قـِبَلـِنا، فعل إيمان أنّنا نؤمن بأنّ العالم كلّه قد انبثّ فيه نور الله؛ وبتنا نشارك، من خلال المنظورات، في غير المنظورات، في النّور الإلهيّ، أوّلاً وقبل كلّ شيء. المهمّ أن نمتلئ من نعمة الله، من روح الله، أن نصير كائنات نورانيّة، بكلّ معنى الكلمة: “أنتم نور العالم”! نور العالم لا بالمعنى المجازيّ، أبدًا، بل بالمعنى التّجسّديّ. نحن نور العالم، وباقون نور العالم؛ لأنّ الرّبّ الإله ارتضى أن يتّخذنا، وأن يقيم فينا. بعد ذلك، كلّ شيء، في سيرتنا كمؤمنين، هو تفصيل. لكن، إذا ما افتقدنا هذ الرّؤية للأمور، هذا الموقف من الخليقة؛ فإنّنا، إذ ذاك، نجعل أنفسنا خارجًا، ولا يمكننا أن ندخل، ولا بحال من الأحوال، في التّيّار التّجسّديّ، تجسّد ابن الله؛ فإنّ ابن الله، إذ تجسّد، نقلنا من واقع الإنسان العتيق إلى واقع الإنسان الجديد، ومن واقع الخليقة العتيقة إلى واقع الخليقة الجديدة، ومن الواقع البشريّ البحت، الجسدانيّ والنّفسانيّ والفكريّ، إلى الواقع البشريّ الإلهيّ.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

  • * عظة في السّبت 8 آب 2009 حول متّى15: 32- 39

حيث ينتهي العلم ويبدأ اللاهوت*

روبرت جاسترو**

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

يوجد اليوم ثلاث خطوط من البراهين: حركات الكواكب وقوانين الديناميكا الحرارية (thermodynamics) وقصة حياة النجوم. هذه كلّها تشير إلى نتيجة واحدة، وكلها تعبّر عن أنّ للكون بداية. قلّة من العلماء يسلّمون ويتجرؤون على السؤال: “ماذا أتى قبل البداية؟” آدموند وايتاكر، عالم فيزياء بريطاني، كتب كتاباً عن الدين وعلم الفلك الحديث عنوانه “بداية العالم ونهايته” وفيه قال: “ما من أساس للافتراض بأن المادة والطاقة تواجدتا قبلاً وأنهما فجأة دُفعَتا إلى العمل. إذ ما الذي يميّز تلك اللحظة عن كل اللحظات الأخرى في الأزلية؟” يستنتج وايتاكر: “إن التسليم بأنّ الخلق كان من العدم هو أكثر بساطة: الإرادة الإلهية تكوّن الطبيعة من اللاشيء”.  آخرون كانوا أكثر جرأة وسألوا: “مَن كان المحرّك الرئيسي؟” المنظّر البريطاني آدوارد ميلن كتب مقالة في الرياضيات حول النسبية اختتمها بقوله: “في ما يتعلّق بالسبب الأول للكون، في إطار التوسّع، الأمر متروك للقارئ ليضيف، لكن صورتنا غير مكتملة من دونه (الهاء هنا تعود إلى الله without Him – المترجم)”.

لكن آراء الكثيرين من علماء الفيزياء والفلك هي أكثر قرباً إلى موقف أوغسطين الذي سأل نفسه عمّا كان الله يفعله قبل خلقه السماء والأرض، وأجاب “كان يخلق الجحيم للبشر الذين يسألون أسئلة من هذا النوع”. بالحقيقة، بعض العلماء أصحاب الشهرة بدؤوا يشعرون بالضيق من الكون المتمدد الذي عبّر عنه أنشتاين سابقاً. كتب آدينغتون في 1931: “أنا لا أجد هدفاً شخصياً أسعى إلى تحقيقه في هذا النقاش”، لكن “فكرة وجود بداية ما مكروهة عندي… أنا ببساطة لا أؤمن بأن نظام الأمور الحالي بدأ بضربة مفاجئة… الكون المتمدد منافٍ للعقل… غير معقول… إنه يبثّ فيّ البرد”. كتب عالم الكيمياء الألماني والتر نيرنست: “إنكار عدم محدودية الزمن هو خيانة لأسس العلم”. لاحقاً، فيليب موريسون من معهد ماساتشوستس للنكنولوجيا (MIT) قال في أحد أفلام BBC  حول علم الكونيات: “أجد صعوبة في قبول نظرية البيغ بانغ؛ أميل إلى رفضها”. ألن سانداج، من مرصد بالومار، وهو الذي برهن انتظام امتداد الكون إلى نحو عشرة بلايين سنة ضوئية قال: “إنه لاستنتاج غريب… لا يمكن أن يكون صحيحاً”. هناك حلقة غريبة من الشعور والعاطفة في هذه التفاعلات. إنها تأتي من القلب بينما يُتوقَّع أن تكون الأحكام من الدماغ. لماذا؟

أظنّ أنّ جزءاً من الجواب هو أنّ العلماء لا يتحمّلون فكرة وجود ظاهرة طبيعية لا يستطيعون تفسيرها، حتى في فترة غير محددة وبتمويل غير محدود. هناك نوع من الدين في العلم؛ إنه دين شخص يؤمن بوجود نظام وتناغم في الكون، وكل حَدَث يمكن شرحه بطريقة عقلانية على أنه نتاج بعض الأحداث السابقة؛ كل نتيجة يجب وجود سبب لها؛ لا مكان لسبب أوّل. كتب أنشتاين: “العالم مسكون بحس السببية الشاملة”. هذا الإيمان الديني لدى العالم ينتهكه اكتشاف وجود بداية للعالم بشروط لا تسري عليها قوانين الفيزياء المعروفة، وكنتيجة لقوى أو أسباب لا يمكننا اكتشافها. عندما يحدث ذلك يفقد العالم السيطرة. إذا تفحّص الآثار تصيبه الصدمة. كالعادة، تحت الصدمة، ردة فعل العقل هي تجاهل الآثار، هذا ما يُسمّى في العلم رفض التكهّن، أو تتفيه أصل العالم بتسميته بيغ بانغ وكأن الكون كان مفرقعة نارية.

فلننظر في ضخامة المشكلة. لقد برهن العلم أن العالم انفجر في لحظة ما. السؤال هو ما السبب الذي أدّى إلى هذه النتيجة؟ مَن أو ما الذي بثّ المادة والطاقة في الكون؟ هل خُلِق الكون من اللاشيء أو تمّ تجميعه من مواد سابقة؟ لا يستطيع العلم الإجابة على هذه الأسئلة لأنّه، بحسب علماء الفلك، في لحظات وجود الكون الأولى كان الكون مضغوطاً إلى درجة غير عادية، ومستهلَكاً من حرارة نار تفوق الخيال البشري. في تلك اللحظة، المفروض أنّ الصدمة أبادت كل جسيمات الأدلة التي يمكن أن تسفِر عن فكرةٍ ما توضح سبب الانفجار العظيم. إن عالماً كاملاً غنياً بالبنية والتاريخ ربّما كان موجوداً قبل أن يظهر كوننا؛ ولكن إذا وُجِد لا يستطيع العلم أن يخبّر أيّ نوع من العوالم كان. قد يوجَد تفسير متين لولادة كوننا من انفجار لكن العلم لا يستطيع تحديد هذا التفسير، إن وُجِد. إن سعي العلماء نحو الماضي ينتهي في لحظة الخلق. هذا تطور غريب للغاية، لا يتوقعه أحد، إلا اللاهوتيين الذين يقبلون دائماً كلمة الإنجيل: “في البدء خلق الله السماء والأرض”، ما أضاف إليه القديس أوغسطين: “مَن يستطيع فهمَ هذا السر أو شرحه للآخرين؟” هذا غير مُتوَقَع. لقد نجح العلم استثنائياً في تعقب سلسلة السبب والنتيجة ارتجاعياً في الزمن، فكان بمقدورنا ربط ظهور الإنسان على هذا الكوكب بعبور عتبة الحياة، وتصنيع المكونات الكيميائية للحياة في نجوم انقضت منذ فترة طويلة، وتشكّل تلك النجوم من السحب البدائية، وتوسع سحابة الغازات الأم وتبريدها من كرة النار الكونية. الآن، نود أن نتابع هذا التحقيق بالعودة في الزمن إلى أبعد من ذلك، ولكن العائق أمام المزيد من التقدم يبدو مستحيلاً. لا يتعلّق الأمر بسنة أخرى من العمل أو بعشر سنوات، ولا بنظام مقاييس آخر أو نظرية أخرى. في هذه اللحظة، يبدو وكأنّ العلم لن يكون قادراً على رفع الستار عن سر الخلق. بالنسبة للعالِم الذي عاش إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة وكأنها حلم مزعج. لقد تسلّق جبال الجهل وهو على وشك أن يغزو أعلى قمة؛ وفيما يسحب نفسه على الصخرة الأخيرة، تستقبله جماعة من اللاهوتيين الذين كان يجلسون هناك لعدة قرون.

 

* Robert Jastrow, God and the Astronomers, Chapter 6: “The Religion of Science”

** روبرت جاسترو (1925 – 2008) هو عالم فلك أميركي، عالم فيزياء ودارس في الكونيات (cosmologist). كان من علماء الناسا (وكالة الفضاء الأميركية) المميزين، كاتباً شعبوياً ودارساً للمستقبل (futurist). لقد عبّر عن آراء مهمّة حول الخلق. فهو مع كونه “لاأدري وغير مؤمن”، لكنّه كان يرى أنّ “الستار المطروح على سرّ الخلق لن يرفعه الجهد البشري، أقلّه في المستقبل المنظور” بسبب “نتائج البيغ بانغ التي هي محرقة أتلفَت كلّ مدوّنات الماضي”. في مقابلة مع المسيحية اليوم (Christianity Today)، قال جاسترو “يجد علماء الفلك اليوم أنّهم لوّنوا أنفسهم في زاوية لأنّهم أثبتوا، من خلال أساليب خاصة بهم، أن الكون بدأ فجأة من فعل خلقٍ يمكن أن نردّ إليه بذار كل نجمة وكل كوكب وكل كائن حيّ في هذا الكون وعلى هذه الأرض. وقد وجدوا أنّ كل هذا تمّ كنتاج لقوى لا يتمنون أن يكتشفوها. ما أسميه أنا أو أيُّ شخص آخر وجودَ قوى فائقة الطبيعة تعمل، هو الآن على ما أرى حقيقة مبرهنة علمياً.”

اقتباس آخر من روبرت جاسترو: ” ليس لدى العلماء دليل على أن الحياة لم تكن نتيجة لفعل الخلق، ولكنّهم مُحرَّكون بطبيعة مهنتهم للسعي إلى تفسيرات لأصل الحياة تقع داخل حدود القانون الطبيعي” (The Enchanted Loom: Mind in the Universe, (1981), p. 19.).

 

أربع أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

الميتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

سؤال: كمؤمن بالله، ما هي وجهة نظركم حول مَن يريد أن يتعاطى البحث العلمي الحديث خاصةً ذاك الذي ينتهي إلى تحدّي الله كالهندسة الوراثية، وعلم الكون وعلم الأعصاب؟

جواب: البحث العلمي الذي يجري لتحدّي الله مصابٌ بمرض الإجحاف. في الأصل يكون البحث لاكتشاف الحقيقة العلمية. ما هي مشكلة شخص يريد أن يوسّع آفاق فكره ومعرفته؟ قد تكون مقاربة الله أفضل بهذه الطريقة. الله ليس إيديولوجيا علينا الدفاع عنها بكل السبُل، لكننا نؤمن به لأنّه الحقّ. بهذا المعنى، حتّى الحقيقة العلمية تعلنه. طالما الله ما يزال موضوع سؤال، فالوقت مناسب للبحث عنه. المؤمن الذي يخشى البحث العلمي يخشى الحقيقة، لا بل قد يكون مؤمناً لا يؤمن.

سؤال: ماذا لديكم للقول عن نظرية التطوّر؟ هل تتعارض مع تعليم الكنيسة؟

جواب: في هذا الموضوع، تعليم الكنيسة قائم على كتاب التكوين الموحى به. هذا ليس كتاباً حول الفيزياء ولا علم الحياة. الأمر المهمّ الذي يتكلّم عنه ليس ما إذا كان الله قد جبل الإنسان من تراب واين وجده، بل أن الله مخلوق على صورة الله ومثاله. كلّ ما تبقّى يقع في إطار التفاصيل. كيف للعلم أن يقوّض هذا؟ إلى ذلك، إذا كان العلم يحسّن فهمنا لهذا العالم وصورة الله فينا، لماذا نعترض عليه؟ أقصى ما يمكن قوله هو أننا نفهم بعض الأمور بشكل أفضل. إن شَبَه الإنسان بالله يعني أنه مخلوق بحياة إلهية ومنقوش لهدف التشبه بالله وهذا لا يستطيع العلم أن يغيّره، بالرغم من أنّ بعض العلماء يمكنهم أن يعترضوا عليه بغرور.

سؤال: إذاً لا يهمّ إذا كان أصل الإنسان حيواناً؟

ما يهمّ هو أصل الإنسان الإلهي وعلاقته بالله، أي أنّ الله خلقنا وليس كيف خلقنا. إلى هذا، ليس الخطر في أنّ أصل الإنسان حيواني، بل أن يصير مثله: “وَالإِنْسَانُ فِي كَرَامَةٍ لاَ يَبِيتُ. يُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ” (مزمور 12:49). أنحاول أن نبرهن أننا حيوانات فيما غايتنا هي أن نكون على شبه الله؟

إذاً، ليست المشكلة تأكيد التطوّر علمياً بل بالالتزام بتفسيرها المريض الذي لا يبرهن عدم وجود الله بل يؤكّد مدى قصر النظر لدى الإنسان. استبدال الغاية الإلهية بالانحطاط الطائش إلى حيوان: حتّى الحيوانات لا ترغب ذلك.

سؤال: لكن لدينا تشابهات مهمّة بالحيوانات ونحن بحاجة إلى اكتشاف أهميتها.

جواب: يفاجئني الاهتمام بالشبه بيننا وبين الحيوانات. كم كانت الأمور مختلفة لو كان هناك اهتمام مماثل بشبهنا لله. علينا اكتشاف أهمية هذا الشبه. أمّا بالنسبة للحيوانات، على الأكيد هناك تشابهات. جسدنا بطريقة أو بأخرى يشبه القرود العليا. حتّى يمكننا أن نعلّم الحيونات الفضائل الغريزية. يوجد الكثير من الأمثلة في الكتاب المقدّس. المسيح نفسه يقول في العظة على الجبل: “انظروا إلى طيور السماء” وبأي طريقة يمكننا تقليدها. لكن المهم هو اختلافنا عن الحيوان. الإنسان نفساني – جسدي. هذا مصدر هذه القيمة. آن الأوان لتحويل انتباهنا بعيداً عن مشابهتنا للحيوانات نحو إمكانية مشابهتنا لله.

تحديد القداسة: طريقة الكثلكة والمنهج الأرثوذكسي

د. ألكسندروس كيرو*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن التغطية الإعلامية لقداس الفاتيكان في السابع والعشرين من نيسان (2014) كان تقريباً بلا مثيل سابق، ومثله أيضاً كان سبب الحماس، ألا وهو أن بابوين يترأسان إعلان قداسة بابوين آخرين. في الخدمة التي طالت ساعتين والتي حضرها أكثر من خمسين رئيس دولة، ألف أسقف، وشاهدها أكثر من مليون متفرّج، أعلن البابا فرنسيس، ومعه البابا الفخري بندكتوس السادس عشر، قداسة سلفين بابوين: يوحنا الثالث والعشرين ويوحنا بولس الثاني.

إن الاهتمام الكوني الناتج عن الطقس المنظّم بتأنٍّ، طقس إعلان قداسة بابوين أنتج ارتفاعاً إضافياً لشعبية فرنسيس المرتفعة أصلاً. هذا الإعلان المزدوج للقداسة هو عمل غير مسبوق وقد أظهر مهارات فرنسيس السياسية والقيادية الاستثنائية. بالواقع، المجاز الأساسي في التحقيق الصحفي تركّز حول الفطنة الدبلوماسية لدى البابا فرنسيس، الذي رفع عصاه ببراعة في وجه كل من الكاثوليك التقدميين والمحافظين، بإكرامه لكل من المجموعتين باباها المحبوب: ففي النهاية هو ترأّس في نفس الوقت إعلان قداسة البابا الليبرالي يوحنا الثالث والعشرين الذي أسّس حركة إصلاح الكثلكة، أي الفاتيكان الثاني في مطلع الستينيات من القرن الماضي، ويوحنا بولس الثاني أي البابا المحافظ بشدة الذي أوقف الإصلاح. مسؤولو الفاتيكان كانوا سريعين في التقليل من أهمية المهارة السياسية التي تضمّنها الإعلان المزدوج للقداسة، إلا إن الحقيقة تبقى أنّ النية خلف هذه الحيلة كانت منح السلطة لفرنسيس فيما هو يتقدّم نحو توطيد نظرته الخاصة للكثلكة، متحررة من ظلّ كلّ من البابوين يوحنا ويوحنا بولس.

قد لا يكون مفاجئاً أن اهتمام أغلب المعلّقين بالأبعاد الدينية للإعلان المزدوج كان أدنى بكثير من الاهتمام الذي أبدوه بالأوجه السياسية والرمزية والتاريخية للحدث. لقد غابت تقريباً قضايا الإيمان عن أغلب مناقشات الإعلان كما غاب كلّ شرح للقداسة بحدّ ذاتها. مع أن القديسين مركزيّون في تعاليم كل الكنائس الرسولية، إلا إن فهم القداسة ومعناها ليسا متشابهين في الكثلكة والأرثوذكسية. إلى هذا، الاختلافات في فهم القداسة تؤكّد وجود افتراق أساسي في اللاهوت والنظرة إلى العالم بين الكنيستين الشرقية والغربية.

هذا التمييز يمكن تصويره بمقارنةِ مقاربة كل من الأرثوذكسية والكثلكة للقداسة. كيف تصيّر الكثلكة شخصاً ما قديساً؟ يصير الإنسان قديساً في الكثلكة الرومانية من خلال عملية رسمية للإعلان. لإتمام العملية ينبغي تحقيق خمس أحكام مع ما يتعلّق يها من الخطوات. تشرف على كل خطوة في العملية دائرة محددة في الفاتيكان تتعامل مع نظام إسباغ القداسة. أولاً، ينبغي مرور خمس سنوات على موت المرشّح للقداسة قبل الابتداء بالعملية التي تؤدّي إلى إعلان القداسة. ثانياً، بالاتفاق مع مسؤولي الفاتيكان، يباشر أسقف الأبرشية التي مات فيها المرشّح تحقيقاً في حياة المرشح ليحدد ما إذا كان الميت خادماً لله، أي إذا ما كان قد سلك بقداسةِ حياةٍ كافية لقبول ترشّحه للقداسة. ثالثاً، تقوم لجنة بابوية “مجمع دعاوى القديسين” بتقييم الدلائل والتوصيات المقدمة من أسقف الأبرشية، وتحديد ما إذا كان المرشح قد أثبت أنه عاش حياة من البرّ البطولي، وترفع استنتاجاتها للبابا. لبلوغ المرحلة الرابعة، أي التطويب، يجب أن تتحقق لجنة من كبار مسؤولي الفاتيكان من أن معجزة واحدة على الأقلّ قد تكون تمّت بصلوات المرشّح كاستجابة لطلب شفاعته. الخطوة الخامسة هي إعلان القداسة. بالرغم من أنه ليس مطلوباً من الشهداء سوى معجزة محققة واحدة، فإن معجزة ثانية مرتبطة بصلوات المرشّح بعد تطويبه هي الشرط الرسمي الأخير لإعلان القداسة أي لأن يعلن البابا هذا الشخص قديساً.

قد يكون لدى الطريقة الكاثوليكية المنظّمة لتحديد القداسة كلّ سِمات العملية التشريعية أو القضائية الفعاّلة والمنطقية، لكن لا علاقة لها بروح القداسة المسيحية وتقليدها. خلال الألفية المسيحية الأولى اعترفت الكنيسة بقديسين من دون اللجوء إلى أي إجراء رسمي أو قانوني لإعلان القداسة. في الفترة المبكِرة من حياة الكنيسة اختير القديسون بناءً على هتاف الشعب المؤمن. لمدة ألف سنة، في أراضي المسيحية الشرقية كما الغربية، كانت جماعات المؤمنين المحلية تذكر الرسل والشهداء وغيرهم في اجتماعاتها الليتورجية، تستدعيهم في صلواتها، توقّر رفاتهم، وتؤمن بأنهم مَركَبات للروح القدس. لقد عرفت الكنيسة الأولى ستّةَ أشكال أو فئات من القديسين بحسب دورهم في حياة الكنيسة: أجداد المسيح والأنبياء، الرسل والإنجيليين، الشهداء والمعترفين، آباء الكنيسة ورؤسائها، النساك والرهبان، الأبرار والمتقدّسون في المسالك الأخرى من الحياة. لكن الكنيسة لم تطوّر أيّ إجراء جامد وقضائي لإعلان القداسة.

ما تعليل انفصال الغرب عن تقليد الكنيسة المسيحية القديم الجامع؟ عندما بدأت البابوية بتأكيد طموحاتها إلى سلطة عليا على كل المسيحية، بدأت كنيسة الغرب بتحريك عملية متصلّبة قادت إلى تغرّب روما عن أصولها الأرثوذكسية. ببساطة، اهتمام البابوية بالقوة والسلطة الكنسية العليا يشرح سبب إصرار روما منذ نهاية القرن العاشر على أن يتمّ تسجيل القديسين بصورة منهجية رسمية ليصادق عليها البابا. لتبرير اغتصاب البابوية لسلطة تحديد القداسة والسيطرة عليها، طوّرَت الكنيسة في الغرب طريقة قانونية للغاية ودقيقة بالظاهر لتحديد مَن هم القديسون، وما زالت هذه الطريقة قيد الاستعمال إلى اليوم في الفاتيكان. وبما يتفق مع تطلعات إلى السلطة المطلقة والقوة، انتقلت كنيسة الغرب لإخضاع كامل الإجراء القانوني إعلان القداسة لسلطة البابا الاستبدادية. بتعبير آخر، احتفظ البابوات لأنفسهم بامتياز يتيح لهم التخلي عن أو تغيير أيٍ من المتطلبات أو الإجراءات بحسب إرادتهم.

لم تطوّر الكنيسة الأرثوذكسية أيّ نظام قانوني للقداسة. بالواقع، هذه الممارسة تتناقض مع التقليد الأرثوذكسي القائم على التكامل الكليّ بين العقيدة والممارسة. تستمر الأرثوذكسية باتّباع مبادئ ومواثيق الكنيسة الأولى. إذاً، كيف تصيّر الكنيسة الأرثوذكسية إنساناً ما قديساً؟ تعمل الكنيسة الأرثوذكسية من افتراض أساسي بأن الكنيسة لا تصيّر قديسين بل الله وحده. بهذا المعنى، إعلان القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية لا يتضمّن منحاً للقداسة. على الأصحّ، الكنيسة بملئها تسلّم بصحّة أن الشخص هو قديس من قبل، وهذا مفهوم منبثق من مبدأ لاهوتي قوامه أن المرء يكتسب القداسة بالتألّه أي العيش بالتناغم مع نعمة الله إلى حدٍ تصير فيه القداسة كاملة.

جورج بابيس، اللاهوتي اليوناني المعروف، يوضح أن للرئاسة الكنسية، خاصةً البطريرك المسكوني، دور رئيسي يلعبه لصيانة إعلان القداسة من التعسّف، ويقدّم لنا خلاصة ممتازة عن الطريقة الأرثوذكسية التي هي تقليد يكرّم ويحترم دور الشعب المركزي في تحديد القداسة: “لا تتبع الكنيسة الأرثوذكسية أيّ إجراء رسمي للاعتراف بالقديسين. بالأصل، تقبل الكنيسة كقديسين أولئك الذين احتملوا الشهادة من أجل المسيح. القديسون هم قديسون بنعمة الله، وليسوا بحاجة للاعتراف الكنسي الرسمي. الشعب المسيحي، إذ يقرأ حياتهم ويشهد على اجتراحهم المعجزات يقبلهم ويكرّمهم كقديسين. القديس يوحنا الذهبي الفمّ، اضطُهِد ونُفي من قبَل السلطات المدنية والكنسية، قُبِل كقديس في الكنيسة إذ نادى به الشعب. القديس باسيليوس الكبير أعلنه الشعب قديساً في الكنيسة مباشرة بعد موته”.

بقدر ما هم القديسون أساسيون لتاريخ وتعاليم الكنيسة، يتّخذ التناقض الصارخ، بين نظام الكثلكة والطريقة الأرثوذكسية في تحديد القداسة، أهمية بذاته ومن ذاته، كما بالنسبة لما يكشفه حول نقاط الاختلاف الواسعة والعميقة بين الجماعتين، حيث من جهة تتبنّى الكثلكة القوننة والتركيز على الخلاص بالمنطق والطاعة والإجراء، بينما الأرثوذكسية تؤمن بالفداء من خلال الحرية والنعمة وسرّ الله.

الكثير من القديسين مشترَكون بين الأرثوذكسيين والكاثوليك، كما أنهم يشتركون في توقير القديسين في حياة المسيحيين. في الوقت عينه، تتباعد كنائس الشرق والغرب حول مفهوم الطريق إلى القداسة. التوفيق بين الجوهر مقابل النهج المتعلق بالقديسين والقداسة هو فرق لم يتمّ التعبير عنه كخلاف لاهوتي مفتوح، وبالتالي هو أمر يحمل إمكانيةً لحوار وقرار لا يثيران النزاع ويفتح الطريق نحو الردم المستمر للهوة بين القسطنطينية وروما. إن حوار المحبة المعبَّر عنه في حجّ الإخوة، رحلة البطريرك المسكوني برثلماوس والبابا فرنسيس إلى أورشليم، يطرح إمكانيات لترميم الجراح في جسد الكنيسة المسيحية. إن فعل شفاء مثل هذا سوف يكون عجائبياً بالطبع، وهو عمل لطالما كُرِّم القديسون، الأرثوذكس والكاثوليك، ووُجِّهَت لهم المحبة من أجله.

* د. ألكسندروس كيرو هو أستاذ تاريخ في جامعة ولاية سالم الأميركية حيث يدرّس عن البلقان وبيزنطية والإمبراطورية العثمانية

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو صوت وكلمة الكنيسة الأرثوذكسية. ليس علم اللاهوت الأرثوذكسي ولا الكنيسة الأرثوذكسية نظريات، ولكنهما وسائط للشفاء. بمعنى أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وعلم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو الإعلان عن الله ومعرفته، يعرف كيف يشفي الناس.

1- ما هي الأرثوذكسية؟

لكلمة أرثوذكسيةمعنيان: العقيدة المستقيمة عن الله وكل الحقائق الخاصة بالإنسان وخلاصه، والتسبيح المستقيم لله الثالوث القدوس. هذان المعنيان مرتبطان ببعضهما البعض بشدة. فلكي نستطيع أن ننشد تسابيح الرب ينبغي علينا أن نعرف من هو الله. فمثلاً لو كان لدينا انطباعاً أن الله ليس مثلث الأقانيم ولكنه فكرة مجردة أو قوة خفية تحكم كل شيء، لكنا عندئذ نقدم العبادة لهذا الإله المجرّد. وحيث أن هذا الإله المجرد غير موجود في الواقع، تكون عبادته أيضاً تجريدية وغير شخصية. يقر القديس يوحنا الدمشقي في إحدى عظاته عن التجلي حقيقة أن الأرثوذكسيين هم فقط الذين يحتفلون بالأعياد ويحافظون عليها، لأن الأعياد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الحقيقية. “من لديه الأعياد والاحتفالات؟ من لديه البهجة والتهليل سوى أولئك الذين يخافون الرب ويعبدون الثالوث؟“. يستطرد القديس مؤكداً: “إن كل السعادة البهيجة والفرح هما لنا (كمسيحيين أرثوذكسيين). لقد صنع الله الأعياد من أجلنا، فهي ليست من أجل أن يتمتع بها غير المؤمنين“. ينتمي فرح وبهجة الأعياد للمسيحيين، الذين هم مؤمنون بحق، وليس لغير المؤمنين.

حيث أن عبادة الله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة عن الله، بذل الآباء القديسون مجهوداً كبيراً لكي يحافظوا على الإيمان. عندما يشوَه الإيمان، يشوَه الخلاص أيضاً. عندما يفسد الإيمان، تفسد أيضاً المحبة والرجاء وكل الفضائل الإنجيلية الأخرى. يرى القديس مكسيموس المعترف أن الإيمان بالمسيح يولد المخافة، والمخافة تولد ضبط النفس، وضبط النفس الكامل يؤدي إلى الفضائل مثل الرجاء والصبر والاحتمال. يولد الرجاء بالرب اللاهوى، ومن اللاهوى يولد الحب. من الواضح من ذلك أنه عندما يتأثر الإيمان تتأثر على الفور باقي الفضائل أيضاً، وعندئذ يصبح الإنسان غير قادر على اكتساب اللاهوى الحقيقي والحب الأصيل. يحث القديس مكسيموس قائلاً: “فلنحفظ العلاج الأول الأعظم لخلاصنا الذي هو ميراث الإيمان الصالح“. الذي لديه إيمان مطلق بالمسيح يمتلك مجموع كل مواهب النعمة الإلهيةكما يقول القديس مكسيموس. بالطبع ليس أن يكون المرء أرثوذكسياً تقياً مؤمناً هو مجرد كلمات، ولكنه طريقة حياة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي:”لا تكمن تقوانا في كلماتنا ولكن في أعمالنا“. يعطينا الثبات في الإيمان الأرثوذكسي إمكانية الخلاص.

بمعنى أشمل، نستطيع أن نقول أن وصايا المسيح تظهر لنا طريق الحياة الطبيعي الكامل. عندما يصف الطبيب العلاج يكون في ذهنه تصوراً عن شخص سليم تماماً ويهدف إلى قيادة الشخص لهذه الحالة، هكذا أيضاً تعمل وصايا المسيح بنفس الطريقة. يرينا الإيمان الأرثوذكسي المنهج، منهج الشفاء، بحيث نصل إلى الصحة الروحية ونعبد الله بحق. عندما يشوه الإيمان، تشوه أيضاً وسائط وطرق العلاج. نستطيع ملاحظة ذلك في الطوائف المسيحية الأخرى وفي الديانات الأخرى.

يكمن الفرق الرئيسي بين الأرثوذكسية والطوائف والديانات الأخرى في كيفية شفاء الناس. لدى الأرثوذكسية نظام علاجي متكامل. فهي تدرك حالة الشخص الصحية، وترى جراحاته بوضوح وتوصي بالطريقة المثلى للعلاج. عندما يتغير الإيمان، يتغير أيضاً العلاج المقدم للناس. ولأنهم لا يستطيعون أن يحصلوا على الشفاء فإنهم لا يقدرون على الدخول في علاقة حقيقية مع الله وفي شركة معه.

2- الآباء القديسون

يشير الآباء القديسون إلى هذا النظام العلاجي ويصفونه. لقد جاهدوا للحفاظ على الإيمان لكي يحافظوا على منهج العلاج هذا، الذي هو المنهج الذي يحقق به الإنسان الشركة مع الله. وفي رأيي الشخصي، تكمن هنا القيمة الحقيقية للأدب الآبائي.

كان الشعار السائد من عدة سنوات مضت هو عودة إلى الآباء!”. لأننا فشلنا بمنطقنا البشري الخاص، أدركنا أنه ينبغي علينا أن نعود للآباء القديسين. إلا أنه مؤخراً وجدت تحفظات على هذا التوجه بحجة أنه قد يمثل نوعاً من العودة للماضي، وهكذا تم وضع شعار آخر وهو: “إلى الأمام مع الآباء!”. مع ذلك، حتى هذا الشعار لا ينقل بصورة مطلقة حقيقة الكنيسة. شعار عودة إلى الآباءغير صحيح لأن الآباء هم أبناء الكنيسة الذين وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله، وبالتالي كانوا قادرين على تجسيد خبرة الكنيسة. تلد الكنيسة الآباء وتجعلهم على ما هم عليه؛ وليس الآباء هم الذين يصنعون الكنيسة. يوجد أناس اليوم وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله ويستطيعون التكلم عن مسائل تخص معاصرينا. كل حقبة آبائية هي حقبة للكنيسة؛ أو بتعبير أدق، هي تمثل حياة الكنيسة. أما بالنسبة لشعار:”إلى الأمام مع الآباء!” فهو ربما يشير لكبرياء الإنسان وخطورة تفسير الآباء بواسطة معلقين ضالين يختزلون لاهوت الآباء وحياتهم إلى تأمل عقلي وارتجال. خطة العمل السليمة هي طاعة الآباء المتحدين بالله العائشين اليوم، الذين هم حاملون حقيقيون لحقيقة الإعلان المحفوظ في الكنيسة.

مع الأسف، نشهد في هذه الأيام تحول الأرثوذكسية إلى نظريات. فالحقائق الهامة عن الحياة تحولت إلى مجرد أفكار بين أفكار أخرى كثيرة، وتُقَدَم المسيحية كفشل غير فعال وضعيف جداً لكي يستجيب لمتطلبات عصرنا. يمقت العامة من الأرثوذكس، الذين يتلقون الأمور بطريقة أرثوذكسية، هذه المحاولة لاختزال الأرثوذكسية إلى نظريات غير مرتبطة بالحياة.

لا يرى العديد من الناس الآباء كأناس أحياء ولكن كمعروضات في متحف، لدرجة أنهم يدرسون الآباء ويقتربون منهم بطريقة عاطفية أو عقلية. حتى أولئك الذين لهم ذهن وطريقة حياة غربية مازالوا يدرسون الآباء. إلا أنه كما أكد المسيح: “لا يجعلون خمراً جديدة في زقاق عتيقة بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة“(مت17:9). ينبغي على طريقة تفكير المرء أن تتغير تماماً لو أراد أن يتذوق خمر المسيحية الجديد. هذا التغيير يسمى توبة. لا يستطيع من له ذهن منطقي أو توجه عاطفي، الذي أعماله غير أرثوذكسية، أو ممارساته مضادة للكنيسة أن يحصل على روحالآباء القديسين. تطهرنا التوبة العميقة غير السطحية من كل شيء عتيق، وتنقذنا من فساد الحياة الساقطة، ومن كل ضلالات الإنسانية الساقطة.

ينبغي علينا أن ننظر للكتابات الآبائية وللعهد الجديد على أنها نصوص علاجية تشفي الناس. ولكن لننظر لها أيضاً على أنها ثمرة للشفاء، وليس كفرصة لإعطاء انطباع لاستثمار أحدث صيحة وتوجه. سوف يجعلنا تحولنا داخل الكنيسة الأرثوذكسية أرثوذكسيين في كل من الإيمان والحياة. إنه سوف يشفينا بحيث نصبح قادرين على تقديم عبادة حقيقية لله.

عن الكاهن الصالح

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

قصة: بكاء الكاهن

أثناء فترة الصوم الكبير المقدّس علم كاهن الرعيّة في إحدى القرى الصغيرة، والتي معظم شعبها من المسيحيّين، أنّ ثلاثة من أبناء الكنيسة عازمون على ترك المسيح، والالتزام مع جماعة من الشباب متفلّتة أخلاقيًّا، ولا تؤمن بوجود إله.

 لم تفلح محاولات الكاهن في إقناعهم رغم الإيضاحات الوافية التي قدّمها لهم، ورغم التوسّلات الكثيرة التي توسّلها مبيّنًا مدى خطورة هذه الخطوة على مستقبلهم الروحيّ، لا بل على مستقبلهم بشكل عامّ. ولكن، لمّا وجد الكاهن أنّ هذه الوسائل كلّها لم تجدِ نفعًا، لجأ إلى رفع الصلوات الحارّة إلى الله، مُتشفّعًا بالسيّدة العذراء والقدّيسين وتقديم القرابين من أجل هدايتهم وخلاصهم، كما طلب من أقرّب المقرّبين إليه أن ينضمّوا إليه في صلاته، مذكّرًا إيّاهم بقول الربّ: “إن اتّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيء يطلبانه فإنّه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السموات” (متّى 18: 19) .

ويوم الأحد، وأثناء القدّاس الإلهيّ، بينما كان يعظ الشعب انفجر الكاهن ببكاء شديد على أولاده المُصرّين على ترك المسيح. ومن حرارة الصلوات وغزارة انسكاب دموع الكاهن، لاحظ الحاضرون في الكنيسة أنّ أعمدتها تسيل منها قطرات من الماء وكأنها دموع تشارك الكاهن بكاءه، فتأثّر الحاضرون، وارتفعت صلواتهم مصحوبة بالبكاء أمام الله، ولمّا علم هؤلاء الثلاثة بالأمر الحاصل، نُخست قلوبهم، وعادوا إلى الكنيسة مُعترفين بخطاياهم.

أحبّاءنا، إذا رأيتم إنسانًا يبتعد من طريق الله، فقدّموا صلوات من أعماق قلوبكم حتّى تتحرّك مشاعره ويرجع بالتوبة، وإن تمادى في أخطائه ورفضه لله لا تنزعجوا، بل ثابروا على صلواتكم مُستعينين بشفاعة والدة الإله الكلّيّة القداسة وشفاعة القدّيسين القادرة أن تهزّ أركان الشرّ كلّه، وأن تليّن القلوب مهما كانت قاسية.

قدّموا محبّتكم للبعيدين، واستمرّوا فيها مهما بدت الظروف صعبة، واسندوها بالصلاة والصوم، واعلموا أنّ دموعكم المُنسكبة أمام الله غالية جدًّا، وإيمانكم الظاهر في لجاجتكم يفيض عليكم مراحم الله فتنمو علاقتكم معه وتختبرونه في حياتكم، بل وتستطيع صلاتكم المُنسحقة أن تهزّ حتّى الجبال.

إن أقوى الصلوات هي التي تُقدّم في ساعة الضيق، وثقوا أنّ الله لا يسمح بضيق فوق الطاقة، ولا بدّ أن يتدّخل ولو في آخر لحظة ليُخلّص أولاده، فلا تضيّعوا صلواتكم هباء.

لا تنسوا في صلواتكم اليوميّة أن تذكروا البعيدين عن الكنيسة، وكلّ من يمرّ في ضيق أيًّا كان نوعه، وكذلك الذين طلبوا منكم الصلاة لأجلهم، فيرحمكم الله ويرحمهم ويُبارككم ويُباركهم.

متذكرين أنّي ثلاث سنين  ليلاً ونهاراً، لم أفتر عن أن أنذر بدموع كلّ واحد” (أع20:31).

مختارات: خواطر كاهن

إن كانت قمّة جبال إفرست أعلى قمّة في العالم، فإنّ قمّة الجلجلة هي أعلى قمّة في الفضائل: المحبّة.

يوجد في القدس حائط المبكى، ويوجد في قدس أقداسك (في داخلك) حائط مبكى على هيكلك المهدوم يحث يسكن روح الله.

قطع يهوذا حبل أناة الله الطويل الذي كان يجذبه إلى الأعلى، وتعلّق بحبل اليأس القصير الذي هوى به إلى الأسفل.

مقصلة الاضطهاد تقطع رأس الجسد ولا تمسّ شريان الروح.

الرهبنة موت والخطيئة موت. الأولى تلد حياة، وأمّا الثانية، فتلد موتًا فموتًا.

كثيرون امتطوا جواد الأحقاد عازمين على تعذيب المسيحيّين فرجعوا حفاة الأقدام حاملين صليب إله المسيحيّين.

حقوق الإنسان والفكر المسيحي

خريسوستوموس حاجي لامبرو

نقلتها إلى العربية جولي عطية

يوجد ارتباط مباشر بين تشديد اللاهوت الأرثوذكسي على خلق الناس على صورة الله وبين فهم الأرثوذكسية لمفهوم الحقوق. كونهم خليقة الله (متى 19: 14، أعمال 17: 28)، مُنحَ الناس إمكانية التشبّه بخالقنا ومشاركته ملامح طريقة  وجوده. نحن نتفاعل مع الآخرين في علاقة اجتماعية حرّة في المحبة من دون الحاجة لقيود قانونية ومعاهدات اجتماعية وحدود. هذه مقاييس وُضعت للحدّ من إمكانية خرق القوانين.

بالنسبة للمسيحي، لا يُعتَبَر الله الخالق وحَسْب بل هو أبّ لنا كلّنا، لذلك فكلّ المسيحيين أخوة. البشرية جمعاء هي وحدة واحدة غير منقسمة، والله الثالوث هو في مركز وجودها. لذلك، نُدعى للارتقاء من مجرّد التعايش البيولوجي مع المختلفين عنّا إلى تأليف جماعة أصيلة وإلى تقبّل التنوّع والاختلاف. يجدر بنا العيش بانسجام مع الخليقة بأجمعها في شركة محبة وفقًا لمثال الخالق، لكي تنتفي الحاجة إلى تقديس الحقوق الفرديّة، فهذه الحقوق سوف تزدهر كنتيجة للحرية والمحبة غير الأنانية، على مثال الثالوث القدوس.

فيما يتعلّق بمسألة قبول حقوق الإنسان واحترامها في أيامنا، تكمن المشكلة الأساس في تزايد القومية والقدرة المثيرة للإعجاب التي تملكها مختلف الحكومات والتحالفات الحكومية في العالم على الدفاع عن نفسها وعلى حماية مصالحها السياسية والاقتصادية، وذلك على حساب حرية الإنسان وكرامته، وعبر استعمال أيّ طريقة متاحة تقوم على القمع والعنف. لقد قامت حقوق الانسان على القناعة القائلة إنّ كرامة الإنسان تساوي حريته لا إبداعه الثقافي. لا تُستَمَدّ الهويّة من التقاليد الثقافية بل من مجموع الحضارة الإنسانية.

إنّ إدراج حقوق الإنسان ضمن القانون الدولي يعني أنّ الدولة لم تعد الضامن الوحيد للحقوق. مع هذا فإنّ تسليع الثقافة (أي تحويلها إلى سلعة) وتدخّل المصالح الاقتصادية والسياسية لا يمنعان خرقها. بالنسبة للاّهوت الأرثوذكسي، البحث عن حقوق الانسان وبناء هذه الحقوق لا يكمنان في القانون الطبيعي ولا في حسن سير المجتمع، بل يرتكزان على قاعدة مركزيّة مختلفة وهي الوجود الأخروي للإنسان ضمن جماعة أشخاص يتقدّسون، بحرية ومحبة للآخرين وبعيدًا عن الأنانية. رغم أنّ اللاهوت الأرثوذكسي لا ينكر القانون الطبيعي، كما تفعل البروتسانتية، ولا ينكر المؤسسات الاجتماعية المنبثقة منه، إلا إنّه لا يعتبره مطلقًا مثلما تفعل كنيسة روما، بل يضعه في إطار تجديد العالم “في المسيح”.

لا ترتبط حقوق الإنسان بالمبادئ المجرّدة أو بالمراسيم الرسمية بل بالناس وبكرامتهم. هي ليست صيغ أو تعابير جامدة بل واقع متحرّك يتطوّر مع تطوّر مظاهر الظلم في جميع أنحاء العالم. تؤكّد المادّة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على قيمة الحرية ومساواة الإنسان مع الآخرين. وتنبع هذه المظاهر من العقل والوعي للوجود الإنساني، وترتبط بالأخوّة كما بالتعاون والتعايش السلميَين.

رغم أنّ تشريعات حقوق الإنسان تعتبر أسمى هدفٍ للبشرية، نراها تُخرق في حالات من “الشرعية”، في كل يوم وفي جميع أنحاء العالم. إنّ النقلة الانتروبولوجية على مستوى الحداثة بالإضافة إلى طريقة فهم الأخلاقيات المستقلة أدّتا إلى نشوء إنسانية أخلاقية وفردانية غير محدودة. تحوّل الناس إلى حكّام على الواقع، وأخضعوا كلّ شيء لمصالح تنفعهم وتتمحور حولهم. تشكّلت المؤسّسات والتركيبات الاجتماعية، كما وتنظيم الحياة الخاصة والاجتماعية، على أساس إرادتنا الحرّة. في سياق هكذا حرية شخصية، يصوغ كلّ إنسان أخلاقياته الفردية والشخصية، ويضعها فوق كل شخص آخر، وبالتأكيد فوق الأخلاقيات الأخرى، مما يسبّب انتهاكًا لحقوق الإنسان.

يكمن الخطر الأكبر لحقوق الإنسان في توسّعها. بات كلّ ادّعاء شخصي وطلب فردي يمثّل حقًّا فرديًّا يبذل الإنسان كلّ جهده لتحقيقه. أمّا الأرثوذكسية فهي ضدّ الفردانية. يرتكز انتقاد الأرثوذكسية لمسألة حقوق الإنسان على مسألة الذاتية. فالخلاص الفردي غير ممكن من دون خلاص الآخرين، وحرية الأشخاص ليست سوى مسألة مجتمعية واجتماعية. بالنسبة للاّهوت الأرثوذكسي، تكمن مشكلة انتهاك حقوق الانسان في نقص البعد الروحي في المجتمع المعاصر.

بالتأكيد، الطريق إلى الخلاص الفردي تمرّ عِبرَ مؤسّسات العالم الاجتماعية والثقافية، ولهذا السبب لا تستطيع الكنيسة أن تفصل نفسها عن العالم ولا تنسب خلاص البشر إلى حالة غامضة بعد الموت. نموذجها الانتروبولوجي هو المسيح نفسه. فمن أجل خلاص العالم، يتمّم المسيح مهمته في توحيد الناس مع الله وفي تجديد الإنسان، وذلك بمثابة عطية حرّة. هنا لا يتمّ فهم الحرية على مستوى فردي بل من حيث المحبة، فهي شركة أشخاص، “كما هو معلن في الاتحاد الأقنومي للثالوث القدوس، في شركة ذات بُعد عمودي مرتكز في القداس الإلهي”.

بالنسبة للأرثوذكسية، الحرية والمحبة المجانية غير الأنانية هي عناصر جهد سياسي معافى يهدف إلى تحسين الحياة السياسية بدلاً من التقديس القانوني للحقوق. لا تلحّ الحرية الإنسانية، والتي هي عطية النعمة الإلهية، على المطالبة بالحقوق، بل تستقرّ في نسيج محبة مغزول بحركة سامية تجاه القريب. قبول اختلاف الآخر يعطي أهمية نسبية لشخصية الإنسان الاجتماعية والسياسية لكن من دون رفضها. طموح الكنيسة هو أكثر جذرية من أي طموح سياسي أو فلسفي. هي لا تهتم فقط بالسلام والعدل ورفاهية الشعب، بل تهتمّ بالأكثر بأن يصير الناس أشخاصًا حقيقيين: بأن يعيشوا كأشخاص لا كمجرّد أفراد في مجموعة، بأن يبدأوا باختبار الأبدية بدل أن يمضوا حياتهم بسلام بوجود قوانين شرعية لا قيمة لها و