Monthly Archives: September 2015

السنة الحادية عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2015

السنة الحادية عشرة، العدد الحادي عشر، آب 2015

مختارات آبائية

مختارات، مجموعة من القديسين

أبطال روحيون

تواضع الشيخ صوفروني وفكاهته، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عظة

المحبة الحقيقية، اﻷرشمندريت توما بيطار

ﻻهوت

معنى النسك المسيحيّ، الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

الإيمان والثقافة بحسب اﻷب جورج فلوروفسكي، اﻷب أنطوان ملكي

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟ الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

رعائيات

العِصاب الروحي، اﻷب ميخا هيرشي

الإنترنت والخبرة الروحية، الشيخ أفرام الفاتوبيذي

مختارات آبائية

مختارات آبائية

الشيخ أرسانيوس بوكا الروماني

التواضع

إذا اتّهمك أحدهم بخطيئة لم تقترفها، واضِعْ نفسك فَتَرِث تاج عدم الفساد… تكون حكيماً عندما بصمتك ﻻ بغضبك تسكِت أفواه اﻵخرين الذين ينطقون بالشر… ﻻ تغضب وﻻ تنفعل إﻻ على ذاتك. الغضب والعناد هما قوتان في النفس يتعذّر ضبطهما…

للوداعة والصبر قوة أكبر من الغضب والعناد… ﻻ يمكنك أن تطفئ النار بنار بل باماء. على المنوال عينه، الغضب ﻻ يغلب الغضب بل الوداعة والكثير من الصبر… من اﻷفضل أن توقف سخطك بابتسامة من أن تندفع كمثل حيوان برّي.

القديس مكسيموس المعترف

من الكبرياء إلى التوبة

الناس المفتخرون بالمواهب التي أعطيَت لهم وهم يستكبرون وكأنهم لم يأخذوها من الله (1كو7:4) فهم يستجلبون على أنفسهم غضب الله باستحقاق، ما يسمح للشيطان بأن يثير حرباً عقلية ضدهم، ويشوّش عليهم سلوك ممارسة الفضائل ويكدّر معرفتهم الشفافة في التأمّل. بهذه الطريقة، يتعلّمون عن مرضهم ويتعرّفون إلى القوة الوحيدة التي فينا والتي تحارب اﻷهواء. وعندما يتوبون ويتواضعون يقضون على غرورهم المتبجّح، يرحمهم الله ويتجنّبون الغضب الذي ينزل على غير التائب ويبعِد النعمة التي تحرس النفس وتترك الفكر غير الشكور في مكان صحراء.

أن ندرك فقرنا الطبيعي

إن الذين يعتقدون أنهم قد حققوا حدّ الفضيلة لا يسعون من ثمّ نحو السبب الأولي الذي يوفر جميع الأشياء الجيدة، لأنهم قيّدوا قوة رغبتهم بذواتهم فقط وفقدوا شرطاً ضرورياً لخلاصهم. أعني به الله. أمّا أولئك الذين هم على بينة من فقرهم الطبيعي لا يتقفون عن الجري على عجل نحو ذاك القادر أن يعوّض عن عيوبنا. إن الذين قد فهموا أن الفضيلة لا حدود لها لا يتوقفون عن السعي نحوها، أولاً حتى لا يفوتهم بداية الفضيلة ونهايتها، أي الله، بتقييدهم لحركة رغبتهم في أنفسهم، وثانياً في حال اعتقدوا، من دون أن يدركوا، أنهم قد بلغوا الكمال، وبالتالي يسقطون بعيداً عن الكائن الحقيقي الذي يسعى الكلّ مسرعين للوصول إليه.

الشيخ أفرام أريزونا

بقدر ما يعظم الجهاد يعظم الانتصار

يعظم الانتصار بقدر ما يعظم الجهاد… في السوق السماوي ﻻ يوجد سلع رخيصة. لحظات الألم والتضحية هي لحظات بَرَكة… إلى جانب كلّ صليب هناك قيامة. فماذا لو كنا الآن متألمين وباكين من دون توقف؟ لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2 كورنثوس 17:4).

أتون الأحزان

كل الذين تقدّسوا ومن ثمّ الذين خلُصوا، جميعهم مرّوا بأتون الأحزان… البعض من خلال المرض، البعض عِبر الجهاد ضد اﻷهواء وغيرها من قائمة اﻷحزان اﻹلهية… لهؤﻻء جميعاً الراحة اﻷبدية.

تواضع الشيخ صوفروني وفكاهته

تواضع الشيخ صوفروني وفكاهته

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

عندما يقترب المرء من الشيخ، يشعر بما عنده من تواضع عميق جداً، تواضع لم يكن نتيجة جهود التقشف بحد ذاته، وﻻ كان محاولة للظهور بمظهر المتواضع، ولكنه كان تغييراً وتبدلاً في كيانه. لطالما ردد هو نفسه كلمات القديس سلوان الذي قال أيضاً أن التواضع النسكي هو شيء وتواضع المسيح الذي يظهر بتجلي كامل كيان اﻹنسان وتألهه هو شيء آخر. لهذا السبب، ترون الشيخ صوفروني في حالة جيدة، حتّى في لحظات مشاركته بالمزاح ﻷن فكاهته هادفة جداً.

لهذا، عند لقائه، ﻻ يستطيع المرء أن يفهم من الصفات الخارجية واﻷخلاقية أنه قديس. هو شخصياً لم يكن يرتاح للإحساس بأن البعض يقاربونه كقديس. لذاىكان يلجأ إلى الفكاهة، ويحكي قصصاً متنوّعة، ويخلق جوّاً لكنك ترى فيه عمقاً. فكاهته لم تكن من النوع الذي يزعجك أو الذي يخلق وضعاً مشوّشاً مبعثراً أو ينهمر كتسلية للفكر. على العكس، حتّى نكاته كانت ذوات عمق عظيم. وبالنهاية، في كل اللحظات التي يكون المرء قريباً من الشيخ، حتّى عندما يهب الله للإنسان أن يمشي مع الشيخ ويتحدّث إليه ويضحك معه، يفهم المرء أن كل هذا ينبع من نفس وقلب رجل قد تجلّى بشكل كامل. لهذا السبب، حتّى نكات الشيخ وفكاهته الرفيعة تلمس اﻹنسان بشكل شخصي.

المحبّة الحقيقيّة

المحبّة الحقيقيّة*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، تعلمون أنّ إحدى الوصايا العشر، قديمًا، كانت أَكرِم أباك وأمّك” (مر10: 19). الرّبّ يسوع، في إنجيل اليوم، لا يتكلّم على إكرام الأب والأمّ، بل يتكلّم على شيء آخر. “مَن أحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني“. في كلّ حال، على الإنسان أن يُكرم والديه. لكنّ المحبّة، هنا، لها معنًى آخر.

إذا كان الإنسان يحبّ أبوَيْه، فهذا معناه أنّ عليه أن يطيعهما. المحبّة تعبّر عن نفسها بالطّاعة. الّذي أطيعه هو الّذي أحبّه. لهذا السّبب، حين كان الرّبّ يسوع يعلّم، وجاءت أمّه وإخوته، وقيل له: “أمّك وإخوتك في الخارج، قال لهم: “مَن أمّي وإخوتي؟! الّذي يسمع كلام الله هو أخي، وأختي، وأمّي” (مر3: 31- 35). “الّذي يسمعبمعنى الّذي يطيع. نحن، وفق الوصيّة الّتي يُسلمنا إيّاها الرّبّ يسوع، لا يليق بنا أن نطيع أحدًا، في الدّنيا، أكثر من الرّبّ يسوع. لذلك قيل: “ينبغي أن يُطاع الله، لا النّاس” (أع5: 29). محبّة النّاس بصورة عامّة، ومحبّة الوالدَين بصورة خاصّة، ينبغي أن تنبعا من محبتّنا لله. نطيع الله، نحبّه؛ ومن هذه الطّاعة وهذه المحبّة تنبع محبّتنا لكلّ النّاس. لهذا، الوصيّة الأولى كانت: “أَحِبَّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، والوصيّة الثّانية، الّتي أتت بعدها، والّتي يُفترَض أن تخرج منها هي: “أَحِبَّ قريبك كنفسك” (مر12: 30- 31). إذا لم يحبّ الإنسان اللهَ من كلّ القلب، ومن كلّ النّفس، ومن كلّ القدرة؛ فلا معنى، أبدًا، لمحبّته لقريبه؛ ولا يستطيع، أبدًا، أن يحبّ قريبه محبّة حقيقيّة. يكون موهومًا، إذا تكلّم على محبّة يتعاطاها مع النّاس. إذًا، لكي تستقيم الأمور ينبغي أن تبدأ بمحبّتنا الكاملة لله، بسعينا الكامل لمحبّة الله، بسعينا الكامل لطاعة الله.

وإذا تكلّمنا على الطّاعة، كان هذا معناه أنّ علينا أن نعرف الوصايا؛ لأنّ الطّاعة تكون بمعرفة الوصايا، وبالسّلوك فيها. لهذا السّبب، قال الرّبّ يسوع: “مَن يحبّني، يسمع كلامي” (يو14: 23). “يسمع كلاميبمعنى أنّه يتعلّم وصاياي؛ ومن ثمّ، يسلك فيها، يعيش بحسبها. أحيانًا كثيرة، الآباء والأمّهات، والنّاس عمومًا، قد يطلبون منّا أشياء لا يرضى عنها الله. مثلاً، إذا طلب منّي أبي أن أكذب، أيجوز لي أن أكذب؟! لا، أبدًا! لماذا؟! لأنّ الله ينهى عن الكذب. وإذا طلبت منّي أمّي، مثلاً، أن أسرق، أأسرق؟! لا، أبدًا؛ لأنّ الرّبّ يسوع ينهى عن السّرقة. إذًا، علاقتي بوالدَيَّ، وعلاقتي بالنّاس عمومًا، لا يمكن أن تستقيم، إلاّ إذا كنتُ سالكًا في محبّة الله، إلاّ إذا كنتُ مطيعًا لله، إلاّ إذا كنتُ سالكًا في وصاياه. وما يسمّيه النّاس، في العادة، محبّة، إذا لم يكن في إطار هذه المحبّة لله الّتي وصفتها؛ فإنّه لا يكون محبّة، أبدًا. حتّى لو قال الزّوج إنّه يحبّ زوجته، مثلاً؛ أو إذا قالت الزّوجة إنّها تحبّ زوجها؛ أو إذا قال الأهلون إنّهم يحبّون أولادهم؛ لا تكون محبّتهم، في الحقيقة، محبّةً، بكلّ معنى الكلمة، إذا كانت خالية من محبّتهم لله. ما نسمّيه، إذ ذاك، محبّةما هو إلاّ محبّة لأنفسنا في الآخرين. الأهلون، مثلاً، في الكثير من الأحيان، يحبّون أولادهم بمعنى أنّهم يحبّون أنفسهم فيهم؛ لذلك، يريدون من أولادهم أن يتصرّفوا بطريقة معيّنة ترضيهم، وأن يعملوا ما يرضيهم، وأن يتخصّصوا، مثلاً، في الجامعات، في الموادّ الّتي ترضيهم. الأهلون، إذ ذاك، تحت ستار المحبّة، يسيطرون على أولادهم، يتملّكون عليهم. وهذه ليست محبّة، أبدًا! على العكس، هذه المحبّة مزيّفَة؛ وهي، في العادة، تأسر الأولاد، وتأسر النّاس عمومًا. الّذي أتوقّع منه أن يرضيني في كلّ أمر؛ فهذا، أوّلاً، لا أحبّه في ذاته؛ وثانيًا، أكون في سعيﹴ لأسره لذاتي، أعمل على أسره لنفسي! المحبّة الحقيقيّة تحرّر. إذا ما قيل، مرّاتٍ كثيرة، أولادكم ليسوا لكم؛ فهذا صحيح! عمليًّا، الكلّ هو لله، ونحن ليس لنا شيء، على الإطلاق. فإذا تعلّم الإنسان أن يحبّ الله في كلّ إنسان آخر، إذا تعلّم الإنسان أن يحبّ الله في كلّ أمر: في عمله، في خدمته، في اهتمامه بالنّاسإذا كان همّه، أوّلاً وأخيرًا، أن يقدّم الله على كلّ شيء آخر، أن يقدّم مجد الله على مجده هو، إذا كان مستعـِدًّا لأن يَمّحي من أجل أن يَظهر اللهُ في هذه العلاقة، أو في هذه المحبّة للآخرين؛ إذ ذاك، تكون محبّته محبّة أصيلة؛ وإذ ذاك، تكون علاقته بالآخرين علاقة أصيلة. غير صحيح أنّ القرابة بين النّاس تكون قرابة طبيعيّة، أي بحسب الدّم. هذه لا قيمة لها، أبدًا. قريبي ليس مَن ينتمي إليّ بالدّم. قريبي هو مَن أصنعه أنا بنفسي! أنا أجعله قريبًا لي! قد يكون بعيدًا جدًّا عنّي! قد أكون لا أعرفه! لكن، إذا التقيتُه، إذا التقيتُ إنسانًا غريبًا، إنسانًا في الشـّارع، وتحرّك قلبي تجاهه، وكان يمسك بيده، مثلاً، وصفةً طبّيّة، ويبدو أنّه لا يملك مالاً ليشتري الدّواء الّذي يحتاج إليه؛ إذا تحرّكتُ أنا، وتصرّفتُ باعتبار أنّي قريب لهذا الإنسان، قريب إليه بالمسيح، لا بالدّم؛ إذا تكلّمتُ إليه، إذا أخذتُه واشتريتُ له الدّواء، مثلاً، بكلّ نيّة صافية، بكلّ استقامة قلب؛ فإنّي، إذ ذاك، أكون قد اكتسبتُ قريبًا! أكون قد صنعتُ قريبًا لنفسي! قد تقولون لي: “لكنّ النّاس يكذبون، ويمثّلون؛ وإذا كنتُ أنا لأَِتصرّف بهذه الطّريقة؛ فقد أكون ساذجًا“. ربّما يكون الإنسان، أحيانًا، ساذجًا، إذا تصرّف بطريقة يُقدِم فيها على تبنّي حاجات الآخرين في المسيح، وعلى جعلهم أقرباء له. طبعًا، أنا لا أقول، أبدًا، بالضّرورة، إنّ علينا أن نصدّق كلّ ما نسمعه من الآخرين. إذا أُعطينا هذه السّذاجة النّابعة من طيبة القلب، وتصرّفنا ببساطة قلب، والتزمنا حتّى النّاسَ الّذين يكذبون علينا في حاجاتهم، ويدّعون أنّهم محتاجون، وهم ليسوا، بالضّرورة، محتاجين؛ إذا كنّا، ببساطة قلوبنا، نُقبل عليهم، ونعاملهم كأقرباء لنا؛ فمن جهتنا نحن، الرّبّ الإله يحسبنا قد جَعَلـْنا هؤلاء النّاس أقرباء لنا. أمّا هذا الإنسان نفسه، من جهة الله، فإنّه يكون كاذبًا، وسوف يُطالَب. في كلّ حال، على كلّ واحد منّا أن يعمل ما في استطاعته. قد يكون الإنسان، أحيانًا، حذِرًا، بعض الشـّيء؛ فلا بأس! لكن، إذا كان الإنسان لـِيكون حذِرًا بعض الشـّيء، فلا يليق به أن يُعرِض عن حاجات النّاس. طبعًا، بإمكاننا، دائمًا، أن نتذرّع بأنّ النّاس كسالى، أو يكذبون، أو ما إلى هنالك من ذرائع. هذا يعطّل، في الحقيقة، عمل الله في حياتنا. صحيح، ينبغي أن نميّز. لكن، علينا، في آن معًا، أن نكون منعطـِفين على النّاس، أن ننتبه للنّاس. أحيانًا كثيرة، قد نلتقي إنسانًا محتاجًا ونظنّه إنسانًا عاديًّا. لكنّ هذا الإنسان قد يكون مُرسَلاً من عند الله ليمتحننا. هذا حَدَثَ كثيرًا في سـِيَرِ القدّيسين. حين يقرأ الإنسان سـِيَرَ القدّيسين، يلتقي أقوامًا كثيرين، ويلاحظ أنّهم كانوا يلتقون سواهم، ويكونون مرسَلين من عند الله.

إذًا، علينا أن نكون منتبهين، علينا أن نكون حذِرين. على كلّ واحد منّا أن يفتح قلبه لله، أن يطلب من الرّبّ الإله أن يعطيه بصيرة حسنة؛ حتّى يميّز العلامات الإلهيّة، حتّى يتحرّك قلبه باتّجاه الّذين يشاء الرّبّ الإله له أن يعينهم، وأن يجعلهم أقرباء له. طبعًا، هذا الموضوع مرتبط بنقاوة القلب، مرتبط بالجـِدِّيـَّة في الحياة الرّوحيّة، مرتبط بالطّاعة العميقة للرّبّ الإله. إذا كان الإنسان ليكون، فعليًّا، بصورة عميقة، مطيعًا لله؛ فإنّ الرّبّ الإله يعطيه بصيرة حسنة؛ فيعرف أن يميّز، ويعرف أن يذهب مباشرة إلى القوم الّذين يشاء الرّبّ الإله له أن يذهب إليهم، وأن يعينهم، وأن يجعلهم أقرباء له. إذًا، هذه عمليّة لا نحسبنّها سهلة وبسيطة. هذه عمليّة تتطلّب جهدًا: تتطلّب، في الدّرجة الأولى، أن يتعاطى الإنسان وصيّة الله بجدّية كبيرة؛ وثانيًا، أن ينتبه لِما يجري معه، في كلّ يوم؛ حتّى لا يضيّع على نفسه فرصًا يحظى فيها ببركات عظيمة من عند الله. اسمعوا هذه القصّة. إنسان كان مسافرًا على فرسه؛ وفي الطّريق، التقى فجأةً إنسانًا مُلقًى على الأرض وكأنّه ميت. فتوقّف على الفور، ونزل عن حصانه، واقترب من الإنسان الّذي كان مطروحًا أرضًا، فرآه ميتًا. وكان هذا الإنسان عريانًا. يبدو أنّ اللّصوص نالوا منه، وجرّدوه من ثيابه. الثّياب، في تلك الأيّام، كانت لها قيمة أكثر ممّا لها اليوم. فماذا فعل؟! أخذ رداءه، وغطّى به هذا الإنسان الميت، ثمّ تابع طريقه إلى بيته. ومضى عليه أسبوع. وذات يوم، كان يعمل في حديقته، فإذا به، وهو يعمل، يُصاب بوخز شوكة في رجله. أحسّ بها، لكنّه لم يُعـِرها أيّ اهتمام. في اليوم التّالي، تورّمت رجله، وأخذت الأمور تتفاقم، بالنّسبة إليه. ذهب إلى الطّبيب، فلم ينفعه في شيء. أعطاه أن يجعل عليها زيتًا وبعض الأعشاب، لكنّه لم ينتفع. وما إن مرّ أسبوعان على الحادث حتّى حكم الأطبّاء بضرورة قَطـْع الرِّجل، وإلاّ يُصاب هذا الإنسان بـالغرغرينة، أي الأُكال؛ لأنّ العظم كان قد أُصيب. وقرّر الأطبّاء أن يأتوا في اليوم التّالي ليقطعوا رِجله. في تلك اللّيلة، لم ينم هذا الإنسان؛ لأنّه كان يبكي، ويصلّي، ويسترحم الله، قائلاً: “أعنّي يا ألله! إذا فقدتُ رِجلي، فقدتُ عملي؛ وإذا فقدتُ عملي، فكيف سأعيل عائلتي؟!”. وقد بكى كثيرًا. ثمّ، من التّعب، غفا. وفجأة، حضره، في الحلم، إنسانٌ، واقترب منه، فيما كان هو يئنّ من الألم لأنّ رِجله كانت تؤلمه. اقترب منه، وقال له: “يا هذا، قم!”، فتطلّع، وهو في الحلم، في وجه هذا الإنسان، وقال له: “كيف أقوم من سريري وأنا متألّم؟!”، فقال له: “انظر في وجهي جيّدًا!”، فتطلّع فيه، فقال له: “أما عرفتني؟!”، فأجابه: “لا، قال له: “أتذكر ذاك الإنسان الّذي مررتَ به، وكان ميتًا على قارعة الطّريق، وغطّيته بردائك؟! ذاك الإنسان هو أنا. وقد أرسلني الرّبّ الإله إليك لكي تُشفى رِجلك“. ثمّ اقترب إليه، ومسّ رِجله. وصحا هذا الإنسان من النّوم؛ فشعر بأنّ رِجله كانت في حال جيّدة. حاول أن يحرّكها، فتحرّكت؛ فقام من سريره، مشى قليلاً هنا وهناك؛ ففرح فرحًا عظيمًا! شعر بأنّه قد شـُفي فعلاً من مصيبته. ثمّ، في الصّباح الباكر، نزل إلى عمله كأنّ شيئًا لم يكن، وكان الأطبّاء قد جاؤوا وهم يرومون أن يقطعوا رِجله؛ فوجدوه قد شـُفي تمامًا.

أخبركم هذه القصّة لأقول لكم إنّ أحدًا منّا لا يعلم ماذا ينتظره كلّ يوم، وكيف يمتحنه الرّبّ الإله كلّ يوم. لذلك، علينا، دائمًا، أن ننتبه؛ لكي نتعلّم كيف نكون شفّافين، وحسّاسين لوصيّة الله، وعمله، وروحه. فبقدر ما نقترب من الله، نقترب من النّاس؛ وبالمقدار عينه ننتبه لأمور لا ينتبه لها، في العادة، العاديّون من النّاس. هذا مهمّ جدًّا، لئلاّ يضيّع أحد منّا فرصًا يعطيه إيّاها الرّبّ الإله لكي يتبرّك، لكي يتقدّس. الله يروم، دائمًا، قداستنا. يشاء أن نتقدّس، يشاء أن نتبرّك. وهو يعطينا هذه الفرصة في كلّ حين، لا بل في كلّ لحظة، في الحقيقة! كلّ لحظة نمرّ بها هي لحظة لله! لحظة لنغتذي بها من نعمة الله، ومن حضوره، ومحبّته! الله يريد أن يعطينا نفسه بالكامل، بالكلّيّة. هو أعطى الرّوح القدس بلا حساب! لكن، علينا نحن أن ننتبه، دائمًا، لكي ننتفع من عطايا الله الّتي لا تُقدَّر. إذ ذاك، تكون محبّتنا لله محبّة أصيلة. وفي النّتيجة، تكون محبّتنا للآخرين محبّة أصيلة، أيضًا.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 10 أيلول 2011

معنى النسك المسيحيّ

معنى النسك المسيحيّ

الأستاذ قسطنطين سكوتيريس

ترجمة راهبات دير السيدةكفتون

على مدى وجودها التاريخيّ، استمرّت الكنيسة تدلي بشهادتها عبر تبشير لاهوتيّيها، الذي هو عبادتها العقليّة، كما عبر الحياة النسكية الشخصية التي عاشها قدّيسوها وشهادتهم. فالحياة النسكيّة لم تكن قطُّ خاصّيّة بعض أعضاء جسد المسيح. كانت بالأحرى دعوة كلّ مؤمن وطريقة حياته. في حياة الكنيسة القديمة، لم يشكّل اللاهوت والعبادة والممارسة النسكيّة قط ثلاثة مستويات منفصلة من الممارسة الكنسيّة، إنّما جاءت تعابير عن ضمير الكنيسة الواحد.

إنّ آباء الكنيسة لم يفهموا اللاهوت الكنسيّ كفرع من فروع الفلسفة، ولا كمذهب عقلانيّ أكاديميّ لإدراك المعاني المجرّدة. فهموه كخبرة الإيمان المُعاش، كما مارسها وعلّمها القدّيسون، وهم أفضلُ وأصدق حفَظَة للفكر اللاهوتيّ. يشدّد القديس باسيليوس الكبير على أنّ سرّ اللاهوت بحاجة إلى تصديق الإيمان غير المتزعزع: “عسى أن يأتي كلام اللاهوت مَقودًا من الإيمان. الإيمان لا البرهان. الإيمان الذي يجتذب الوسائل العقليّة من النفس إلى التسليم بالله. هذا الإيمان لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة لا يتولّد عن الضرورة المنطقيّة الهندسيّة، إنّما من فعل الروح القدس“. ويشير القديس غريغوريوس اللاهوتيّ إلى أنّ الإيمان هو كمال المنطق. فعلى العموم، الإيمان والحياة العمليّة متشابكتان باللاهوت. يقول:”هل تودّ أن تصير لاهوتيًّا؟ احفظ الوصايا واسترشد بها. فالأمورالعمليّة تستند على الأمور النظريّة“. بالتالي، إنّ لاهوت الكنيسة الحيّ أتى ثمرة الرحلة الروحية للمؤمن، ونتيجة دخوله في خبرة التقديس المتوفّرة له كلّما دخل في شركة مع الله.

إنّ رحلة المؤمن الروحيّة هذه محبوكة بشهادة العهد الجديد، وبشركة الكنيسة، كما تعبّر عنها جماعة المؤمنين يوميًّا في عبادتها العقليّة، لاسيّما في اجتماع الإفخارستيا. بفضل حياة العبادة، والإفخاريستيّا بشكل خاصّ، يرتقي المؤمن إلى مستوى جديد وفريد معًا من العلاقة بالله، وبقريبه، وحتى بنفسه. فدورة العبادة في الكنيسة تشهد لسرّ خلاص الإنسان وتاريخ العالم. في كلّ اجتماع إفخارستيّ للمؤمنين، يتحقّق سرّ الكنيسة، هذا الاتحاد الفريد بين الله والإنسان، بين الإنسان وأخيه، وبين الإنسان والعالم. في الإفخاريستيّا تصبح المجموعة واحدًا. ” فنحن على كثرتنا خبز واحد وجسد واحد، لأنّنا نحن كلّنا نشترك في هذا الخبز الواحد“(1كور10: 17). وليست الوحدة الإفخاريستيّة، أي وحدة الكنيسة، تآلفًا خُلُقيًّا، أعني اتحادًا شكليًّا مبنيًّا على العواطف، أو على الخبرة البشريّة والمصالح، أو على السلوك الخارجيّ، بل هي علاقة جوهريّة بسرّ المسيح. إنّها الخبز الذي يحفظ الحياة وتكامل الجسد. “ما أعطاكم موسى الخبز من السّماء، أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء. لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي العالم الحياةأنا هو خبز الحياة من جاء إليّ لا يجوع، ومَن آمن بي، لا يعطش أبدًا“(يوحنا 6: 32-33، 35).

الحياة في الكنيسة، أعني الاشتراك في خبز الحياة، تفترض التسليم بحرّيّة الإنسان. لا يمكن قصر حرّيّة الإنسان في أيّ ظرف من الظروف. وإنّما يصبح المؤمنون سرّ الجماعةلأنّهم يقبلون بحرّية الحياة الجديدة في المسيح. يعني هذا أنّ كلّ مؤمن يحدّد مَسار وجوده في خطّ مستقيم هو خطّ الحياة في المسيح، وذلك بقدر ما يمكنه، وبحسب عطيّة الله له، لكلّ إنسان هبة خصَّها الله بها، فبعضهم هذه، وبعضهم تلك” (1كور7:7). في الكنيسة، ليس ما يتمّ بالسِّحر، من دون رضى المؤمن وجهاده الشخصيّ. فمشاركة سرّ المسيح عطيّة مجّانيّة ونتيجة جهد المؤمن الخاصّ في آن. وحياة الكنيسة، هذه العطيّة من الله الذي يحيي كلّ شيء” 1تيم6: 13)، هي دعوة دائمة إلى اجتهاد المؤمن الشّخصيّ. هذا يعني أنّ حياة المسيحيّ هي صراع ليس فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحم ودم، بلضدّ الرّئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر” (أفس6: 12). ينصح القدّيس غريغوريوس النّيصصي الإنسان المستنير حديثًا بأن يأخذ الوزنة ويبذل جهده، مشيرًا إلى الموهبة المجّانيّة التي يتلقّاها المؤمن في المعموديّة. هكذا، تظهر حياة الكنيسة وهي فريدة من نوعها، إلهيّة وبشريّة معًا، تظهر في كلّ مؤمن، على قدر مساهمته الفرديّة. فبقدر ما يدلي المؤمن بشهادته الخاصّة وبرهانه العمليّ، بقدر ما يلقى نصيبًا في الشركة الإلهيةّ. بكلام آخر، الشركة في الكنيسة حقيقة مطروحة أمام كلّ مؤمن، وواقع يكتسبُه باستمرار. لا جمود هنا، بل اطّراد وتقدّم لا يتوقّفان، يحقّقهما المؤمن يوميًّا بجهده الشخصيّ اليوميّ. إنّ عنصر الديناميكيّة من مزايا الحياة المسيحيّة، لأنّ الاتحاد بالله ليس له انتهاءٌ ولا حدود. الله غاية المشتهى، والرحلة إليه مسيرة إلى نهاية الكمال الذي لا ينتهي.

يتوفّر الاتحاد بالله ضمن الكنيسة بحسب العمر الروحيّ لكلّ مؤمن. معنى ذلك أنّ الجهاد الشّخصيّ، والنسك المسيحيّ شرطان مسبقان يحدّدان وجوده كعضو في جسد المسيح. النسك طريقة حياة كلّ الذين نالوا بركة الانتماء إلى الأسرة الجديدة في الكنيسة. إنّه لمن الخطأ أن ننظر إلى النسك كنهج حياة يخصّ الرهبان، أو الذين وقفوا أنفسهم لخدمة الكنيسة، دون سواهم. طبعًا إنّ الرهبان والراهبات منوطين بتكريس ذواتهم لحياة النسك بكلّ ما في كيانهم من طاقة. إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ العلمانيّين الذين يعيشون ويعملون في العالم لا يمكنهم تذوّق ثمار النسك المبارك الطيّبة. فالحياة المسيحيّة تستند أوّلاً وأخيرًا على التعاطي اليومي لتعاليم الكنيسة. وعيش تعليم الإنجيل هذا هو واحد، مطروح من غير تمييز أمام أعضاء جسد الكنيسة كافّة. إذًا فالحياة النسكيّة هي نهج حياة يتّصل بكلّ مسيحيّ، وينفذ إلى كلّ تعبير في السلوك. الممارسة النسكيّة التي يتعهّدها كلّ مؤمن يدخل جسد الكنيسة تعبّر عن خبرته الشخصيّة الحيّة لوديعة الإيمان الواحد وللتصرّف المسيحيّ الفريد. في رئالته إلى أهل أفسس، يحدّد بولس الرسول الصراع الذي يتعهّد المؤمنون خوضه عندما يختارون الانضواء تحت لواء المسيح كجنود وخدّام له:

أخيرًا يا إخوة، تقوّوا في الرب وفي عزّة قدرته، إلبسوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا أن تقفوا ضدّ مكايد إبليس، فإنّ مصارعتنا ليست ضدّ لحمٍ ودمٍ، بل ضدّ الرئاسات، ضدّ السلاطين، ضدّ ولاة العالم، عالم ظلمة هذا الدّهر، ضدّ أجناد الشرّ الروحيّة في السماويّات. فلذلك احملوا سلاح الله الكامل لتستطيعوا المقاومة في اليوم الشرّير، حتى إذا تمّمتم كلّ شيء تثبتون. فاثبتوا إذن، ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البرّ، وأنعِلوا أقدامكم باستعداد إنجيل السلام، واحملوا علاوة على كلّ ذلك ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرّير الملتهبة، واتخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أفسس6: 10-18).

لم تكن الحياة النسكيّة قط في الكنيسة غاية بحدّ ذاتها. ولا كانت يومًا استعبادًا للجسد يؤدّي إلى نوع من الأنانيّة المريضة. النسك الذي تنادي به الكنيسة هو حفظ وصايا الإنجيل، وهذا غايته أن يرفع الإنسان إلى مستوى دعوته الحقيقيّ. إنّه طريق تقود إلى الشركة مع الله والمشاهدة الإلهيّة (ثيوريا). النسك يستند على الإيمان، يعني على تراث الكنيسة العقيديّ، وهو يرمي إلى الكمال الروحيّ للإنسان. ويتراوح النسك المسيحيّ بين قطبين: “أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك ومن كلّ عقلك، وأحبَّ قريبك كنفسك” (متى 22: 37-39). فتلعيم الكنيسة كلّه فيما يختصّ بالسلوك المسيحيّ يستند إلى هتين الوصيّتين. وكلّ مؤمن مدعوٌّ إلى بذل قصارى جهده في معركته الروحية الشخصيّة إجابةً إلى تلك الدعوة الإلهيّة. فالنسك إذًا هو أن يقف المرء نفسه كلّها لمحبّة الله ومحبّة إخوته البشر، أعني بكلّ ما يؤتاه الإنسان من قوّة.

إنّ النهج النسكيّ دعوة توجّهها الكنيسة إلى سائر أعضائها. فالنسك فلسفة وموقف من الحياة. عبر طريق النسك يُرفَع الإنسان إلى مستوى الحرّية الحقيقيّة. ينعتق من كلّ الواجبات التي يتطلّبها المجتمع المبنيّ على محوريّة الأنا، لا سيّما المجتمع المعاصر. في الواقع، إنّنا نعيش في عالم يعطي الأولوية لكلّ ما هو سهل المنال ومريح، ولكسب الخيرات المادّيّة وبحبوحة العيش الرغيد. مجتمعنا مجتمع جشع، يعلّق وسام النجاح لكلّ من يعيش في الرفاهيّة، وويتمتّع بوفرة الممتلكات والتسهيلات بأقلّ جهد ممكن. ولكنّ الذهنيّة الجشعة لها عواقب وخيمة على الإنسان، لأنّه، في آخر تحليل، يضيّع حياته جريًا خلف أحلام واهية. إنّما الجشع لا يعرف حدودًا، ولا يوفّر للإنسان السعادة والرضى الداخليّ إطلاقًا. وذلك لأنّ الإنسان الذي يعيش في هذا العالم يبقى يشتهي الأشياء المادّية، مهما يعطى له ، ومهما توفّرُه له فرص الحياة. اإنسان الجشع لا يرضى بما يملكه، ولو ملك كلّ ما يمكن أن تطاله يده في هذه الدنيا. والعكس صحيح، فالإنسان الروحانيّ، يتمتّع بغنى لا حدود له، لأنّه تعلّم أن يرضى بضروريّات المعيشة لا أكثر. “فما جئنا العالم ومعنا شيء، ولا نقدر أن نخرج منه ومعنا شيء. يكفينا القوت والكسوةفحبّ المال أصل كلّ شرّ، وبعض الناس استسلموا إليه، فضلّوا عن الإيمان وأصابوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة“(1تيم6: 7-9).أمّا الذين أدركوا معنى النسك المسيحيّ وتقشّف الإنجيل، أعني القدّيسين في كنيسة الله، فهؤلاء فقراء ويغنون كثيرًا من الناس، لا شيء عندهم وهم يملكون كلّ شيء” (2كور6: 10).

إنّ غياب الذهنيّة النسكيّة عن الإنسان، عدا عن أنّه يرميه في بحر من الشكوك والقلق الشخصيّ، له عواقب وخيمة على صعيد العالم كلّه. فالمشاكل المتعلّقة بتدمير البيئة وبالمواد الغذائية المغشوشة والمضرّة تُعزى لحدّ كبير إلى الطمع، حيث يتعدّى الإنسان على الطبيعة من أجل كسب مقدار أوفر من الثروة الماديّة. بالتالي، فإنّ الخليقة كلّها تئنّ حتّى اليوم من مثل أوجاع الولادة” (رو8:22). في نهاية المطاف، لقد أدخل الإنسان نفسه، بسبب جشعه، في دوّامة لا يستطيع الخروج منها، إلاّ إذا أدرك بكامل وعيه أنّ طريق النسك المرضيّة لله هي مخرجه من المأزق الذي وصل إليه اليوم. بحياة النسك يتمكّن الإنسان من إدراك قيمة الأمور، وتسبيح الله على هباته، والأهمّ أنّه يدرك حدوده، ويتسنّى له أن يقيس تقدّمه في حياته على ضوء الأبديّة.

لا بدّ من التشديد على أنّ الحياة النسكيّة ليست إطلاقاً انكفاءًا عن الحياة، ولا ازدراءً بالخيرات المادّية التي وهبنا الله إيّاها لنتمتّع بها. إنّما هي مجرّد تقييم للأمور، وجهاد المؤمن حتى يبقى على مسافة منها، فلا يمسي ما يقدّمه له هذا الدهر جوهرَ حياته وغاية وجوده. إنّ النسك يقظة مستمرّة، بها يعي الإنسان أنّ الحياة وأمور هذه الدنية كلّها زائلة، والآن يبقى الإيمان، والرجاء، والمحبّة، وأعظم هذه الثلاث هي المحبة” (1كور13:13). والمؤمن الذي يعيش بحسب شريعة الإنجيل ووعد الكنيسة لا يرفض العالم. فالنسك المسيحيّ يعترف بالجسد وبالخيرات المادّية التيي يهبها الله، شرط ألاّ تُعطى صفةً مطلقة، ولا تصير حاجزاً يحول دون الحفاظ على محّبتنا لله ولأخينا الإنسان، ودون تنمية هذه المحبة. لهذا فالنسك المسيحيّ ينظر نظرة إيجابية إلى الدنيا وإلى الخيرات المادّيّة، عندما لا تحيد بالإنسان عن التكريس لله وعن محبّة القريب.

إنّ تراث آباء الكنيسة يفهَم النسك كعلاج لشخص الإنسان. فالإنسان يحيا حالةَ مرَضٍ منافية لطبيعته بسبب الخطيئة. لقد ابتعد عن الله، وتغرّب عن أخيه الإنسان، وأمسى منقسماً في عمق كيانه. أجل، إنّ الإنسان الخاطىء لمريض، وهو شخصيّة منفصمة، بحاجة إلى تسوية وشفاء. ليس من باب الصدفة أن نجد في عصرنا ازدياداً للأمراض النفسيّة والاضطرابات العصبيّة في المجتمعات الميسورة. ونجد عند بولس الرسول وصفاً لحالة الإنسان الذي يمزّقه هذا الانقسام: “وأنا في أعماقي أبتهج بشريعة الله ولكنّي أشعر بشريعة ثانية في أعضائي تقاوم الشريعة التي يقرّها عقلي، وتجعلني أسيراً لشريعة الخطيئة التي في أعضائي. ما أتعسني أنا الإنسان! فمن ينجّيني من جسد الموت هذا؟!” (رو7: 22-24). ولكن، بالنسك وبالتطبيق الصادق للإنجيل، بلغ القديس بولس من سموّ القداسة ما حمَلَه على القول: “مع المسيح صُلبتُ فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا2:20). إنّ النسك المسيحيّ يحرّر الإنسان حقيقةً من تلك القيود والعواقب التي تسمّره في نهج حياة مادّيّ النزعة.

عندما نتكلّم على النسك كوسيلة تمنح الإنسان التوازن والشفاء، طبعاً لا نعني به جَهداً فرديًّا أو تمرينات روحية قائمة على أساس قدرات الناسك الذي يمارسها وطاقته وحدها. إنّما النسك المسيحيّ هبة من الله، عطيّة يخصّ الله بها، ضمن الكنيسة، جميع الذين ينظرون إلى تعاليم الإنجيل بعين الجدّيّة. النسك المسيحيّ يتداخل ونعمة الله، وهو نمط حياة كنسيّ. هذا معناه أنّ النسك لا يتمّ فعلاً ولا يثمر إلى مئة ضعف إلاّ ضمن الكنيسة. هذا لا يتحقّق إلاّ بالوسائل المختبرة الممحّصة التي لا تنفكّ الكنيسة تعلّمها وتطبّقها. في شركة الكنيسة، وبمؤازرة الله، تتوفّر للمؤمن الشروط المسبقة الوافية لكي يفلح في جهاداته. والمؤمن يستمد قوّة من الجهادات التي يبذلها في النسك إخوته وأخواته، ضمن الكنيسة. وله في قدّيسي الكنيسة مثالاً لحياته. إنّ القدّيسين الذين عاشوا في مختلف العصور خبِروا في العمق التجارب نفسها. هؤلاء، بالنسك ومزاولة الكلمة الإلهية بحرارة، ونجحوا في أن يصبحوا لله أصدقاء مختارين. القديسون أمثلةٌ حيّةٌ تضعها الكنيسة إزاء المؤمنين لتؤكّد لهم أنّ طريق النسك والقداسة ليست سراباً بل مكسباً في متناول اليد يجعل من الإنسان صورة حيّةً لله.

إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النسك المسيحيّ يعمل ضمن إطار شركة الكنيسة. فليس النسك هنا معركة يخوضها فرد منعزل لكي يبلغ إلى درجة معيّنة من كمال الأخلاق. إنّما النسك نمط حياة يتحقّق في إطار العيش مع عدد من الإخوة والأخوات، هم رفاق النسك. ويؤكّد الطابع الكنسيّ الذي يتّصف به النسك المسيحيّ أنّ المؤمن لا يسير في رحلة النسك تلك على مقاييسه الخاصّة، بل يفحص أبوه الروحيّ جهاده، على ضوء ما أوتي هذا الأخير من حكمة وخبرة. من دون أبٍ روحيٍّ ينصح ويعزّي ويوجِّه، مصير النسك فشل محتَّم، وقد يؤدّي إلى التطرّف المتشدّد fanatism أو إلى التركيز المفرط على الأنا. وقد يُستنفَد كلّه في محاولة اكتساب فضائل معيّنة. أمّا النسك ضمنَ الكنيسة فيخضع لحكم الأب الروحيّ، الذي يستطيع أن يحمي الإبن الروحي، ويوجّهه إلى الطريق الصحيحة بفضل خبرته النسكية الخاصّة ونعمة الكهنوت. هذا النسك الذي يمرّ بعلاقة الأبوّة والبنوّة الروحيّتين مبنيّ على تراث الكنيسة العريق وخبرتها الطويلة.

النسك ضمنَ الكنيسة هو مسيرة توبة لا تنتهي، واستعداد مستمرّ للتغيّر والعودة إلى الله. هذا ينطبق على كلّ مسيحييّ من دون اشتثناء، سواءٌ يعيش في العالم او يسلك في التكريس الرّهبانيّ. في الكنيسة، ليس المقياس الذي على أساسه يُدان الإنسان ما عنده من فضائل أو رذائل، بل عزمه الواعي على تغيير حياته بوساطة توبة صادقة، وعلى التوجّه بكامل وجوده نحو حياة الله. بالتوبة يلبّي المرء دعوة المسيح، وهو الذي استهلّ كرازته باستدعاء الناس كافّة إلى التوبة. “وبدأ يسوع من ذلك الوقت يبشّر فيقول: “توبوا لأنّ ملكوت السموات اقترب” (متى4:17). إنّ التوبة، وهي رذل الخطيئة والعودة إلى الله، تشتمل على موقف المسيحيّ بعامّة. التوبة تعني موقفاً من الحياة، وليست وصيّة خلُقيّة يجدر بالمرء اتباعها. إنّها تغيير جذريٌّ للذهن، وخيار وجوديّ حرّ يعود بموجبه المرء إلى أبيه، كالابن الشاطر في المثل الإنجيليّ، الذي كان ميتاً فعاش، وكان ضالاًّ فوُجِد“(لو15:11-32).

إنّ الحياة الرّهبانية، بشكل خاصّ، هي حياة توبة مستمرّة مكثّفة، حياة موجّهة صوب العودة إلى الله. بالعفّة والفقر والصوم والأسهار، وسواها من أعمال النسك، يحاول الرّاهب أن يتخلّص من التفكير الدّنيويّ، وأن يغيّر طريقة تفكيره ويحيا حياة مختلفة من حيث قيمتُها الروحيّة. يرمي الراهب أو الراهبة إلى عيش سرّ التوبة التي بحسب المسيح عيشًا مطلقًا أصيلاً. من هنا أنّ الرهبانيّة هي شكل من أشكال الحياة المسيحيّة يهدف إلى الاشتراك في حياة الله وإلى الصلاة المتواصلة. في الحياة الرّهبانيّة، يتآلف النسك والمحبّة، والعشق الإلهي، كما يقول الآباء الهدوئيّون. ومثل أيّ نسك آخر، ليس النسك الرّهبانيّ أمرًا كرهيًّا، ولا هو رفض لحرّيّة المرء، بل يأتي نتيجة الخيار الحرّ والمحبّة عند الراهب أو الراهبة.

ولا يقتطع النسك والعشق الإلهيّ الراهبَ عن جسد الكنيسة. ليس الرّاهب فقط مَن زهد بالعالم وبأمور الدّنيا. فالراهب لا يترك جماعة الكنيسة، بل يحيا ضمنها، وحياته كلّها انعكاس للحياة الكنسيّة. الراهب مشغوف بالله ويحاول نيل رضى الله بذبائحه النسكيّة، وبهذا يحاول أن يوطّد قداسة جسد الكنيسة بأسره. فقداسة الراهب تنتقل سرّيًّا إلى جسد الكنيسة بكامله، لسَدِّ حاجات الإخوة القدّيسين” (2كور9: 12). بحياة القداسة التي يعيشها، يشفي الراهبُ الإنسانَ ويقدّس الخليقة. إنّ موهبة الراهب الخاصّة ضمن الكنيسة توضحها جليًّا أقوال إفاغريوس البنطيّ الأربعة في الحياة الرّهبانيّة:

  1. طوبى للراهب الذي يرى بفرح وابتهاج خلاص الآخرين كلّهم وتقدّمهم كأنّهما لنفسه

  2. طوبى للراهب الذي ينظر إلى كلِّ إنسان، بعد الله، كأنّه الله نفسه

  3. الراهب دائماً منفصلٌ عن الناس، ومتّحدٌ بهم جميعاً

  4. الراهب هو من يرى نفسه في كلّ إنسان من دون استثناء

إنّ النسك يشفي إرادة الإنسان، أيًّا يكن الشكل الذي يتّخذه ضمن جسد الكنيسة. بالنسك يتّجه الإنسان نحو الله فيأتي عمله للخير طبيعيًّا، لا كمن يطبّق وصيّة خلُقيّة، لأنّ إرادته تحرّرت من سائر العناصر التي تخلّ بكيانه. بالنسك المبارك، الذي يتمّ ضمن الكنيسة ووفقًا لمناهج الكنيسة المجرّبة المختبرة، يُزال الانقسام الناجم عن الخطيئة في مختلف مستوياته، وتُستعاد شركة الإنسان بالله وبأخيه الإنسان، وهكذا يتمّ بناء الإنسان الجديد الذي خلقه الله على صورته” (أفس4:24).

الإيمان والثقافة بحسب اﻷب جورج فلوروفسكي

الإيمان والثقافة بحسب اﻷب جورج فلوروفسكي

اﻷب أنطوان ملكي

من أبرز مقالات الأب فلوروفسكي واحدة عنوانها الإيمان والثقافة، وهي محطة مهمّة لا بدّ من التوقّف عندها خلال التعرّف على فكر هذا المعلّم. هذه المقالة كغيرها من مقالاته هي نتاج تحليل لاهوتي وفلسفي. فقد تبدو معالجة فلوروفسكي للثقافة في بعض الأحيان غامضة ومترددة لكن على القارئ ألاّ ينسى أن الأسئلة المطروحة هي ردود على الحركات الفلسفية التي أثّرت باللاهوت في الشرق والغرب. والمقالة المذكورة هي ردّ لاهوتي مشحوذ بالبحث الفلسفي. ما ينقص هذه المقالة لناحية وضوح تحديد الثقافة سببه إدراك فلوروفسكي للتحديات التي طرحتها الحضارة على الكنيسة منذ البدايات والرؤية الضرورية للردّ على هذه التحديات.

يظهر جلياً عدم ثقة فلوروفسكي بتيارين فلسفيين أساسيين كان لهما تأثيرهما على فهم الثقافة وقبولها. بالنسبة له، هذان التياران، وهما المثالية الألمانية والفلسفة الوضعية، أبطلا حرية الإنسان. فكلاهما ساهما في تقديم أساس ماورائي وبالتالي دائم للثقافة حَمَل الإمكانية على أن يحدّ أو يحذف الإبداع الفردي والسيادة الإلهية.

فيما المثالية الألمانية مثّلت عالم المُثُل الأفلاطوني الثابت والأبدي والذي يحفظ ماورائية الناموس الطبيعي، فإن الفلسفة الوضعيّة برفضها الماورائي والفائق، قدّمت الأساس للعلم لكي يصير قانونها الذي منه تأتي كل تعريفات الظواهر الاجتماعية والطبيعية. فبالنسبة للوضعيين، كما يعبّر عنهم أوغسط كانت (1798-1857) لقد حصل تغيّر تصاعدي في النظرة إلى التاريخ والحقيقة ويمكن اقتفاء أثره من اللاهوتي إلى الماورائي إلى الوضعي. فاللاهوت سعى إلى تفسير الظواهر الطبيعية بالإشارة إلى كائنات روحية بينما الماورائيات حوّلت هذه الكائنات إلى قوى وجواهر (جمع جوهر) تحمل النموذج المثالي لكل وجود. لذا يعبّر روبرت باك بأن الفكر الوضعي يحجز نفسه بالمعلومات المستخرجة من الاختبار ويرفض كل تفكّر متعالٍ، ماورائي أو مجرّد. فالمعلومات المقتطفة من الاختبار العلمي منها تُستَخرَج القوانين التي تحكم كل الظواهر.

في هذا رأى فلوروفسكي أن التيارين يخضِعان الإنسان وحريته لقوانين محددة. وهو إذ تعرّف جيداً إلى تأثير هذه التيارات على نظرية المعرفة وفلسفة العلم أكّد على استقلالية التخصصات التاريخية وانتقد بشكل حاد الافتراضات القطعية والمادية التي أُخِذَت من عالم العلوم الطبيعية وطُبِّقَت في المسائل الروحية والفكرية.

من جهة أخرى، يرد فلوروفسكي على المذهب العملي الذي، بحسب ديوي، هو النظرية التي تحدد عمليات المعرفة وموادها من خلال الاعتبارات العملية أو الهادفة، ما يعني استحالة تحديد المعرفة من خلال الاعتبارات النظرية أو التأمّلية والفكرية المجرّدة. إلى هذا، يشير ديوي إلى مساهمة داروين من خلال تركيزه على أفضلية التحوّل على الثبات وأفضلية الصيرورة على الكينونة. بالنسبة للعمليين ما من أشكال أبدية وما من قوانين ثابتة للطبيعة وما من بُنى اجتماعية أو ثقافية دائمة. في مختلف الأحوال، المعرفة بالنسبة للعمليين ينبغي تفحصها. هذا يؤدّي إلى وجوب التثبّت من الفرضية التي تنوقّع النتائج من خلال الاختبار العلمي. ولكن على خلاف الوضعيين، فإن الاختبار العلمي عند العمليين يشير إلى ما أسماه فلوروفسكي النسبية المنطقية. فبالنسبة للعمليين، حتّى عندما يقدّم الاختبار حلاً لمسألة اجتماعية ما فإن الحلّ ليس مطلقاً. على خلاف الوضعيين، لا يعطي العمليين الكلمة الأخيرة للاختبار العلمي لأن العلم والاختبار مستمران.

عرفت روسيا في مطلع القرن العشرين، عبر فلاسفتها الأكاديميين، تململاً ورفضاً لمختلف هذه المدارس الفلسفية وهذا الخط حمله معهم المهاجرون. فلوروفسكي كان من أوائل الذين علّموا في ضحد هذه التيارات. ففيما يتعلّق بالثقافة، رأى فلوروفسكي أن ليس لها أقنوم بذاتها وبالتالي لا تحمل أي علامات للثبات التاريخي والاجتماعي وبالتالي الماورائي. إن إصرار فلوروفسكي على حرية الشخص لم يتقدّم على الفلسفة والثقافة والإيديولوجيا الحتمية لا بل كان بمثابة ثورة عليها. فالظاهر أنه رأى الثبات في العلاقات الشخصية (περιχωρησις) بين أقانيم الثالوث وفي العلاقة اللامتناهية بين الإله والإنسان والتي تحققت في تجسّد الكلمة ونزول الروح القدس.

إن ما قدّمه فلوروفسكي في موضوع الإيمان والثقافة يقدّم تحدياً مستمراً للمسيحي الأرثوذكسي طالما أن دينامية العلاقة بين الإيمان والثقافة قائمة. الثابت في ما قدّمه فلوروفسكي هو التوتّر المبدِع أحياناً والمستَمَد من حضور الكنيسة في العالم، هذا التوتّر الذي يظهِر نفسه في كيفية استجابة الكنيسة للعالم. فالكنيسة الأرثوذكسية قدّمت موقفين وما زالت تقدمهما. الموقف الأول يلتزم العالم ويستعمل ثقافة العالم ليقدّم الإنجيل. ضمن هذا التوتّر البنّاء تطوّرت تدريجياً الثقافة والحضارة المسيحيتان. الموقف الثاني هو في التيارات التي ظهرت عبر تاريخ المسيحية وانسحبت من العالم معتبرة أن الثقافة لا تلائم كمال شخصية الإنسان وما هي إلا خرقة خارجية يحتاجها الإنسان في بعض المناسبات لكنها لا تنتمي إلى جوهر الوجود المسيحي.

إن أهم تحدٍ في تعليم فلوروفسكي هو الاعتراف بمسؤولية الكنيسة في الرد على تبدّل (mutability) الثقافة، رداً لاهوتياً من خلال إعلان حقيقة الإنجيل الثابتة والخلاصية في كل زمان بالشكل الذي يلائمه.

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو صوت وكلمة الكنيسة الأرثوذكسية. ليس علم اللاهوت الأرثوذكسي ولا الكنيسة الأرثوذكسية نظريات، ولكنهما وسائط للشفاء. بمعنى أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وعلم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو الإعلان عن الله ومعرفته، يعرف كيف يشفي الناس.

1- ما هي الأرثوذكسية؟

لكلمة أرثوذكسيةمعنيان: العقيدة المستقيمة عن الله وكل الحقائق الخاصة بالإنسان وخلاصه، والتسبيح المستقيم لله الثالوث القدوس. هذان المعنيان مرتبطان ببعضهما البعض بشدة. فلكي نستطيع أن ننشد تسابيح الرب ينبغي علينا أن نعرف من هو الله. فمثلاً لو كان لدينا انطباعاً أن الله ليس مثلث الأقانيم ولكنه فكرة مجردة أو قوة خفية تحكم كل شيء، لكنا عندئذ نقدم العبادة لهذا الإله المجرّد. وحيث أن هذا الإله المجرد غير موجود في الواقع، تكون عبادته أيضاً تجريدية وغير شخصية. يقر القديس يوحنا الدمشقي في إحدى عظاته عن التجلي حقيقة أن الأرثوذكسيين هم فقط الذين يحتفلون بالأعياد ويحافظون عليها، لأن الأعياد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الحقيقية. “من لديه الأعياد والاحتفالات؟ من لديه البهجة والتهليل سوى أولئك الذين يخافون الرب ويعبدون الثالوث؟“. يستطرد القديس مؤكداً: “إن كل السعادة البهيجة والفرح هما لنا (كمسيحيين أرثوذكسيين). لقد صنع الله الأعياد من أجلنا، فهي ليست من أجل أن يتمتع بها غير المؤمنين“. ينتمي فرح وبهجة الأعياد للمسيحيين، الذين هم مؤمنون بحق، وليس لغير المؤمنين.

حيث أن عبادة الله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة عن الله، بذل الآباء القديسون مجهوداً كبيراً لكي يحافظوا على الإيمان. عندما يشوَه الإيمان، يشوَه الخلاص أيضاً. عندما يفسد الإيمان، تفسد أيضاً المحبة والرجاء وكل الفضائل الإنجيلية الأخرى. يرى القديس مكسيموس المعترف أن الإيمان بالمسيح يولد المخافة، والمخافة تولد ضبط النفس، وضبط النفس الكامل يؤدي إلى الفضائل مثل الرجاء والصبر والاحتمال. يولد الرجاء بالرب اللاهوى، ومن اللاهوى يولد الحب. من الواضح من ذلك أنه عندما يتأثر الإيمان تتأثر على الفور باقي الفضائل أيضاً، وعندئذ يصبح الإنسان غير قادر على اكتساب اللاهوى الحقيقي والحب الأصيل. يحث القديس مكسيموس قائلاً: “فلنحفظ العلاج الأول الأعظم لخلاصنا الذي هو ميراث الإيمان الصالح“. الذي لديه إيمان مطلق بالمسيح يمتلك مجموع كل مواهب النعمة الإلهيةكما يقول القديس مكسيموس. بالطبع ليس أن يكون المرء أرثوذكسياً تقياً مؤمناً هو مجرد كلمات، ولكنه طريقة حياة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي:”لا تكمن تقوانا في كلماتنا ولكن في أعمالنا“. يعطينا الثبات في الإيمان الأرثوذكسي إمكانية الخلاص.

بمعنى أشمل، نستطيع أن نقول أن وصايا المسيح تظهر لنا طريق الحياة الطبيعي الكامل. عندما يصف الطبيب العلاج يكون في ذهنه تصوراً عن شخص سليم تماماً ويهدف إلى قيادة الشخص لهذه الحالة، هكذا أيضاً تعمل وصايا المسيح بنفس الطريقة. يرينا الإيمان الأرثوذكسي المنهج، منهج الشفاء، بحيث نصل إلى الصحة الروحية ونعبد الله بحق. عندما يشوه الإيمان، تشوه أيضاً وسائط وطرق العلاج. نستطيع ملاحظة ذلك في الطوائف المسيحية الأخرى وفي الديانات الأخرى.

يكمن الفرق الرئيسي بين الأرثوذكسية والطوائف والديانات الأخرى في كيفية شفاء الناس. لدى الأرثوذكسية نظام علاجي متكامل. فهي تدرك حالة الشخص الصحية، وترى جراحاته بوضوح وتوصي بالطريقة المثلى للعلاج. عندما يتغير الإيمان، يتغير أيضاً العلاج المقدم للناس. ولأنهم لا يستطيعون أن يحصلوا على الشفاء فإنهم لا يقدرون على الدخول في علاقة حقيقية مع الله وفي شركة معه.

العِصاب الروحي: حوار مع الأب إسحق

العِصاب الروحي: حوار مع الأب إسحق

اﻷب ميخا هيرشي

قبل نحو شهر، أثناء العودة من جنازةقررت تشغيل الراديو أثناء القيادة على الطريق الريفي، وبدأت الاستماع إلى البث المحلي حيث كان الناس يتّصلون ويحدّثون المذيع، الذي كان قسّاً، عن الكتاب المقدس. أنا لست متأكدا أيّ آية أو آيات كانت تجري مناقشتها، ولكن ما أدهشني هو قصة رجل اتّصل والمحادثة اللاحقة التي أجراها مع المذيع.

روى الرجل المتّصل للمذيع كيف أنّه بعد فترة وجيزة من تحوّله إلى المسيحية، عانى من القلق الشديد والاكتئاب، لكونه كان مضطرباً داخلياً حول ما إذا كان هو أحد”المخلَّصين”. إلا أن اﻷمر استغرق سنوات من العلاج حتى صار قادراً على حلّ اﻷمور“. لم يكن رد المضيف مفاجئاً، بل بدلاً من ذلك، قَبِل قصة هذا الرجل باعتبارها واحدة من قصص سمعها مرات لا تُعَد ولا تُحصى على ما يبدو من قبل. في ذلك الوقت، صُدِمت جداً من القصة وردّ الفعل، ووجدتها مثيرة للقلق حيث أن شخصاً يبدو طبيعياً ومتوازناً بينما عندما صار متديناً خضع لما وصفه بأنه انهيار.

عندما فكرت في ذلك، خَطَر لي أن هناك عصاباً روحياً ما[1] غالباً ما يكتسبه المتدينون وهو في الواقع ليس جديداً وأن الأرثوذكسيين ليسوا محصنين ضده. يتحدّث أبونا المحبوب المعاصر القديس بورفيريوس حول هذا الموضوع ببعض اﻹسهاب: “بالنسبة لكثير من الناس، الدين هو صراع ومصدر للعذاب والقلق. هذا هو سبب النظر إلى أصحاب التفكير الديني على أنهم تعساء، لأن الآخرين يستطيعون أن يروا حالتهم اليائسة. فهكذا هو اﻷمر. بالنسبة للشخص الذي لا يفهم المعنى العميق للدين ولا هو اختبره، ينتهي الدين عنده باعتباره مرضاً، ﻻ بل مرضاً رهيباًرهيب لدرجة أن المتديّن يصير ضعيف الإرادة وضعيف الشخصية… فهم يقومون بالسجدات وبرسم الصليب في الكنيسة ويقولون: <نحن خطأة غير مستحقين>، وما أن يخرجوا حتى يبدؤون بالتجديف على كل ما هو مقدّس ما أن يزعجهم أحد اﻷشخاص قليلاً”.

يتابع القديس بورفيريوس كلامه بأن لقوة إيماننا المسيحي الشافية والمجليّة شرط مسبَق مهموهو التواضع. لهذا السبب بالضبط اعتبر نجم الصحراء وأبونا بين القديسين إسحق، منذ أكثر من ألف سنة، أن كل نشاط ديني مهما كان هو لا شيء وأسوأ من لا شيء من دون التواضع. فهو يقول لنا: “التواضع، حتى بدون أعمال، يكسب الصفح عن العديد من اﻵثام؛ ولكن من دون التواضع، لا تقدّم أعمالنا لنا أيّ ربح بلّ بالمقابل تهيء لنا شروراً عظيمة”.

بحسب القديس إسحق، التواضع هو الطريق إلى الحياة الحقيقية، والتوازن، وكِلا الكمال والقداسة: “الرجل المتواضع لا يتسرّع أبداً وﻻ يتردد وﻻ يقلق، ليس لديه أي أفكار ﻻذعة أو متقلّبة، بل هو دائماً هادئ. حتى لو قاربت السماء الوقوع على الأرض، فإن الرجل المتواضع لا يفزع“.

يعلّم القديس إسحق أن التواضع عطية من الله. ومع ذلك، يمكننا ويجب أن نعد أنفسنا ونسعى إلى أن نصبح جديرين بمثل هذه العطية السامية.

ويتم ذلك من خلال معرفة دقيقة لخطايا الشخص أو نتيجة الاعتراف بتواضع ربنا أو بالأحرى، نتيجة تذكّر عظمة الله ومدى تنازل هذه العظمة…

يرفع اﻷب إسحق تواضع اﻹنسان إلى هذه المرتفعات بقوله: “الأتعاب الموجّهة حسناً والتواضع تجعل الرجل إلهاً على الأرض.” علينا أن نتذكر أن صعودنا نحو الله على سلم التواضع مؤلّه لأن ربنا نزل إلينا على سلم التواضع أو بالأحرى، هو صار نفسه بالنسبة لنا سلم التواضع موحّداً إيانا بالله.

التواضع هو لباس اﻷلوهة. الكلمة الذي صار إنساناً هو بنفسه لبسهوكل إنسان لبسه صار فعلياً على شبه ذاك الذي نزل من عليائه، وأخفى بهاء عظمته إلى أن تُستهلك الخليقة تماماً بالتأمل فيه.

[1] العصاب (Neurosis) هو نوع من انواع الخوف الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية وفي الأتزان النفسي. وهو اضطراب عصبي وظيفي غير مصحوب بتغير بنيوي في الجهاز العصبي.

الإنترنت والخبرة الروحية

الإنترنت والخبرة الروحية

الأرشمندريت أفرام الفاتوبيذي

ترجمة حنا سمّوع

إن التطور الجنونيّ في مجال التكنولوجيا والمعلومات خلال العقدين الأخيرين، حقّق نتائج غير متوقعة، لم نكن حتّى نتصوّرها في السبعينات والثمانينات. أصبح الإنترنت، والبريد الإلكترونيّ، والمواقع على شبكة الإنترنت، والشبكات الاجتماعية جزء أساسي من حياتنا اليوميّة، والعمليّة، والتربويّة، والثقافيّة، والفنيّة، والترفهيّة. أتاح لنا الإنترنت تقليص المسافة او حتّى إلغائها، فالأخبار يمكن أن تُبث عبر الإنترنت من أحد أطراف الأرض إلى الطرف الآخر ببضع ثوان _كلنا اختبرنا هذا الأمر. اليوم، تجري المحادثات بسهولة، وحتّى أنّها تنطوي على اتصال العين بغض النظر عن المسافة. فالشرط الوحيد للمستخدم هو أن يشترك بشبكة الإنترنت. حقًّا، إنّ استخدام الإنترنت لبسيط جدًّا، بحيث يمكن لأيّ طفل أو عجوز أن يستخدمه بسهولة تامة.

وبالطريقة عينها، يمكن إرسال كلمة الله إلى كل أنحاء العالم، هذا ما يحدث في أثينا، الطريقة نفسها، حيث أنّه يستطيع مئة مستمع تسجيل المحاضرة وإرسالها إلى الآلاف، أو حتى إلى الملايين، أو يقومون بالبث المباشر كما يحدث في مؤتمرنا الآن.

ولكن ينبغي أن ندرك أنّ كلمة الله ليست خطابًا بشريًّا محضًا، بل إنّها تحمل قوّة إلهيّة، حيث تستطيع أن تحُيي الإنسان روحيًّا وتُعزّيه، وهذا الأمر يمكن أن يحدث عبر الإنترنت. أعرف حالات كثيرة، لمختَلَف الأشخاص، من ملحدين، ووثنيّين، من هندوسيّين، ويابانيّين، ونيباليّين، وجدوا الأرثوذكسيّة من خلال الإنترنت، ووُلدوا من جديد، لأنهم وجدوا الحقيقة التي كانوا يبحثون عنها في هذه الحياة. لقد وجدوا المسيح.

منذ فترة قصيرة، زار ديرنا ممثّل في هوليوود يدعى جوناثان جاكسون Jonathan Jackson. سألتُه كيف صرتَ أرثوذكسيًّا، فأجابني أنّ الإنترنت ساعده كثيرًا. من جهة أخرى، بفضل الإنترنت، عاد إلى الله مسيحيّون من الذين تغرّبوا عنه، ووجدوا أنفسهم، ومكانهم في هذا العالم. بعض الأشخاص كانوا على شفير الإحباط التام، وباستماعهم إلى بضع المحاضرات عبر الإنترنت، وجدوا فيها القوّة الروحيّة الضرورية، والأمل، وهم الآن ينمون روحيًّا.

طبعًا، كلمة الله الأرثوذكسيّة هي أقل انتشارًا على شبكة الإنترنت مقارنة بالكلمات الأخرى. عندما أقول كلمات أخرى، فأنا أقصد العلوم الطبيعية، والاقتصاد، والسياسة، وحتّى ظواهر مختلفة مثل الأزياء، والاستعراض، أو حتى بعض المواقع الفاسدة، ولسوء الحظ، غالبًا ما يزورها المستخدمون .

يبدو لي اليوم أنّ كلمة الله يجب أن تحضر حضورًا قويًّا، وتُبَثّ بشكل مباشَر. اليوم، أغلب الناس مضطربون، واقعون دائما بمآزق. في هذا العصر، وحدها كلمة الله تُريح الإنسان، تعطيه معلومات، وتؤكّد له إمكانيّة الحياة الأبديّة. يمكن لكلمة الله المرسلة عبر الإنترنت أن تلعب دورًا في شفاء الإنسان.

ينبغي إنشاء مكتبات إلكترونية ذات محتويات وثيقة، وينبغي مضاعفتها. ويجب استخدام النصوص الملحوظة لتراث الآباء القدّيسين وحكمتهم قدر الإمكان، بأفضل الطرق وأحدثها. إن ترقيم كتابات الآباء القديسين وتصنيفها تتيح لمستخدمي الإنترنت إيجاد النصوص والمعلومات حول الموضوعات التي تهمهم. علاوة على ذلك، إن ترقيم كلمة الله وترويجها على صفحات المواقع الإلكترونية، لا سيّما تعاليم آباء القرن العشرين سوف يجلب فائدة روحية لأهل هذا العصر.

قال الشيخ أفرام الكاتوناكي أوه، يا له من أمر مؤسف أنه لم يكن ممكنًا تسجيل أقوال الشيخ يوسف. نحن نعلم مدى أهميّة كلام الأشخاص الذين عاشوا شخصيًّا الحرب الروحية غير المنظورة واكتسبوا خبرة فيها. قال القديس بايسيوس: “اكتبوا كل تعليم روحي تسمعوه، بالإضافة إلى الخبرات التي تسمعونها من الآخرين، لأنه سيأتي وقت تنفد فيه هذه الخبرات، وتكونون في عوز روحيّ. في الواقع، في السنوات الماضية الأخيرة، نما بشكل كبير إصدار الكتب اللاهوتيّة خصوصًا في اليونان، كما في سواها من البلدان الأرثوذكسيّة.

ولكن يا للأسف، لدى كثير من الأرثوذكس صعوبات لغويّة، ولا يمكنهم الوصول إلى هذه النصوص القيّمة. علاوة على ذلك، إنّ الكتاب العادي المطبوع على ورق يواجه أزمة حقيقيّة اليوم. وفي الوقت عينه، ازدادت مبيعات الكتب الإلكترونية. لذلك، يمكننا الاستفادة من هذا التوجّه . ويمكننا القول إنّ هذه الأمور حسنة، ويُسّر الله بها عندما تسير بالطريقة الصحيحة.

الإنترنت هي أداة عصرية تعزز العولمة. فالّذين يوّدون نشر أفكار العولمة في مجالات التاريخ، والاقتصاد، والدولة، وقيادة العالم، يعرفون كيفيّة الاستفادة من شبكة الإنترنت –وفي الواقع، يستخدمونها بكثافة. لمَ لا ينبغي لنا، نحن الأرثوذكس أن نستخدم هذه الأداة لتعزيز الدور العالميّ للأرثوذكسيّة؟ لمَ لا نستخدمها في توحيد الأرثوذكس ومهمتهم في العالم المعروف؟

إن الاستخدام السليم لشبكة الإنترنت يتوقّف على المستخدم نفسه. طبعًا، لا يمكن استبدال التواصل الحيّ بشبكة الإنترنت، طبعًا، لا يمكن لأحد بلوغ مستوى روحيّ معيّن من خلال شبكة الإنترنت وحدها. الأرثوذكسية تتمحور حول الأشخاص، وتعطي الأولويّة دومًا للقيمة الجوهرية للشخص، والفرد. الإنترنت هي أداة ووسيلة تساعدنا وتفيدنا، ولكن الحياة الروحية الأصيلة لدى المؤمن تتطلب تواصلاً شخصيًّا والأب الروحيّ.

كذلك، من الضروري أن نكون على اتصال بالإخوة الآخرين، بغية إختبار المحبة، والمشاركة في أسرار الكنيسة كلّها. طبعًا، هناك حالات لإستخدام الإنترنت بشكل مفرط، ولو لأغراض جيّدة وروحية، قد تخلق إدمانًا، ممّا يؤدي إلى عزلة اجتماعية، وله تأثير ضارّ على شخصيّة المرء. بالتالي، للإنترنت تبعات سلبيّة: عوضًا من أن تقرّب المستخدم إلى المسيح، تبعده عن الله. لهذا، نحن نتحمّل مسؤولية كبيرة في تعزيز كلمة الله وتبادلها، مستخدمين أحدث الوسائل، وأكثرها إفادة، وحداثةً. ولكن ينبغي أن نعلّم قطيعنا كيفيّة استخدام الإنترنت بشكل مفيد، مشدّدين على التأثيرات السلبية كلّها التي قد يسببها سوء استخدام هذه التكنولوجيا.

هذا إحدى أهداف مؤتمرنا، الذي يجري للمرة الأولى على مستوى عالميّ في الأرثوذكسيّة. إنّها لبركة عظيمة لنا أنّ يتمّ هذا المؤتمر في بلادنا. أوّد أن أشكر المنظمين: مجلة Pemptousia على الإنترنت، ومواقع أخرى، وBogoslovالروسيّة. إنّ ديرنا يدعم دومًا بكثير من المحبة والإهتمام، أعمال معهد القديس مكسيموس اليوناني. نأمل أن يكون هذا المؤتمر قادرًا على مواجهة تحدّيات العالم الحديث، وأن يستخدم كلّ المشتركين هذه التقنيات الحديثة والإنترنت من أجل منفعتهم الروحيّة.