Monthly Archives: October 2015

السنة الحادية عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2015

السنة الحادية عشرة، العدد الثاني عشر، أيلول 2015

مختارات آبائية

أسئلة للمنفعة الروحية، الشيخ أرسانيوس باباكيوس

مختارات من تعاليم الشيخ تداوس من دير فيتوفنيشا (الصربي)

عظة

خارطة المسير إلى عالم الله، اﻷرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

الخيال والتخيّل في الحياة الروحية، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

هل يجوز للمسيحيين أن يقتلوا؟ الأب فيليب لوماسترز

رعائيات

الشباب والرعية، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

شريك العمر، الخورية سميرة عوض ملكي

ما هو عمل الكنيسة التبشيري؟ الأب يوحنا رومانيدس

أسئلة للمنفعة الروحية

أسئلة للمنفعة الروحية

الشيخ أرسانيوس باباكيوس*

نقلها إلى العربية الأب انطوان ملكي

سؤال: أيها اﻷب أرسانيوس، كيف يمكننا التخلّص من همومنا الدنيوية الكثيرة، بحيث يكون لدينا المزيد من الوقت للصلاة؟

جواب: أيها اﻷب يوانيكيوس، الصلاة النقية من القلب والشفاه إلى الله هي عمل عظيم! الصلاة هي سهم حادّ وجّهه جميع القديسين إلى السماء لآلاف السنين، وليس هم وحسْب، بل وأيضاً أبسط المسيحيين. لقد اخترقت الصلاة قلب السماء، ولربما وصلت إلى مَن هم غير راضين عن سكان الأرض، فعادت الردود الخلاصية على نفس الطريق. هكذا حُفِظ الإيمان على الأرض من جيل إلى جيل.

أخي المسيحي، أنتَ أيضاً لديك تاريخك الخاص بك: لقد دخلت إلى الوحدة المسيحية العظيمة أي الكنيسة، وأنتَ مُفتدى إلى الأبد بتضحية المخلّص. وهذا يعني أنّ قيمتك كبيرة، وأنّ عليك مسؤولية عظيمة ونبيلة. أمِنَ الصعب جداً لكلّ واحدٍ منّا أن يسأل الله ببساطة ومباشرة لأن يوفقنا في مشاكلنا ومعاناتنا، وأن يشكره؟

أين هو الرجل الذي ليس لديه ما يطلبه من ربنا يسوع المسيح ومن والدة الإله؟ يقولون أنّ والدة الإله تشعر باﻹساءة من الذين لم يسألوها يوماً عن أي شيء! إنّها الشفيعة المصليّة للناس. وصلاتها على نفس اقتدار قوة الله. أَظهِر أنّك ابن والدة الله وأنّ في صدرك قلب طفل!

ونحن يمكن أن نتحرر من همومنا الأرضية فقط إذا كنا نريد ذلك، ففي النهاية خلاصنا يعتمد علينا. كوننا نفوس من الله، يجب علينا أن نظهر إرادة أكبر لكي لا نزجّ أنفسنا في هذه الهموم الدنيوية ونتّخذها عبئاً على أنفسنا إلى هذا الحد الكبير. يجب أن نتدبّر حياتنا كأناس ذوي فكر عالٍ، وكبشرٍ مسؤولين. إذا كان لنا أن نسأل المخلَّصين الذين يعيشون في السماء، ماذا تكلّفت لبلوغ هذا النعيم؟فأنهم سيردّون الوقت! قليل من الوقت الذي أُنفِقَ بشكل جيد على الأرض!” هذا يعني أنّه ليس لدينا على الإطلاق وقت آخر لتكميل نفوسناوهي النفوس المدعوّة، الموهوبة، والكاملة لهذه العزيمة.

يجب علينا أن نتأمّل في حقيقة أننا مدعون إلى المصاف الملائكيةحيث الملائكة تصلي دون انقطاع طوال الوقت حتّى الأبدية.

ﻻ تخافوا بل خذوا قوة من اسم يسوع

القديس لوقا (الطبيب) رئيس أساقفة القرم

تذكّرْ، تذكّرْ با ابني الحبيب، أن جميع مجريات حياتنا هي جزء من تدبير الله غير المعروف.

هناك أحد آخر أيها اﻷخ يحكم كلّ شيء وليس فقط عظائم هذا العالم. فليكن يسوع اﻷكثر عذوبة في في أفكارك دائماً، فيصير الميناء الذي تعود إليه مرّة بعد مرّةوعلاوة على ذلك، لا تتوقف عن استدعاء السيّدة والدة اﻹله للمساعدة عند كلّ حاجة، لا بلّ وأكثر من ذلك. فلنحافظ على إيماننا الذي هو حقيقة أزلية محددة.

من الكلمات اﻷخيرة للقديس

أيها اﻷبناء، أتوسل إليكم كثيراً، تسلّحوا بالدرع الذي يعطيه الله حتى تتحمّلوا حيَل الشيطان. أنتم ﻻ تستطيعون أن تتخيّلوا مدى شرّه. لا ينبغي بنا أن نقاتل الناس بل الرؤساء والقوّات، أي بالحقيقة اﻷرواح الشريرة. احذروا. ليس من مصلحة الشيطان أن يفتكر أي ما أنه قريب منه. إن عدواً مجهولاً ومخباً أكثر خطراً من العدو المنظور… لكن لا تخافوا بل خذوا قوة من اسم يسوع.

* شيخ روماني رقد بالرب في 19 تموز 2011

مختارات من كتاب

مختارات من كتاب

أفكارنا تحدّد حياتنا: حياة وتعاليم الشيخ تداوس من دير فيتوفنيشا (الصربي)”

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

سيروا نحو الله من دون أن تنظروا إلى الخلف.

غالباً ما نجد أن أولئك الذين لم يسبق لهم أن يعرفوا الله عندهم من الإيمان أكثر من الذين يدّعون أنهم كانوا ملتزمين طوال حياتهم. عندما يعود إنسان لم يعرف الله إلى رشده ويبدأ بالصلاة إلى الله، فهو يعرف كيف كانت حياته من قبل ويعرف مَن هو الذي أعانه على إيجاد النور في آخر النفق.

كلّنا نخطأ بشكل دائم، ننزلق ونقع. في الحقيقة، نحن نقع في فخاخ يضعها الشياطين. يقول لنا اﻵباء والقديسون من المهم أن تسارعوا إلى القيام مباشرة بعد كل سقطة وتتابعوا السَير نحو الله“. حتّى ولو وقعنا مئة مرة في اليوم، ﻻ يهمّ. علينا أن نقوم ونتابع السير نحو الله من دون أن ننظر إلى الخلف. ما جرى قد جرى، إنّه في الماضي. فقط تابعوا السير، وفي الوقت عينه تابعوا طلب المعونة من الله.

كل شيء، سواء كان حسناً أو سيئاً، يأتي من أفكارنا. فأفكارنا تصير حقيقة. حتّى في هذا اليوم يمكننا أن نرى أن كلّ الخليقة، كلّ ما هو موجود على اﻷرض وفي الكون، ما هو إﻻّ فكرة إلهية تجسّدت في الزمان والمكان.

نحن البشر خُلِقنا في صورة الله. لقد مَنِح الجنس البشري هبة عظيمة، لكننا بالكاد نفهم ذلك. قوة الله وحياته هي فينا، لكن نحن ﻻ ندرِك ذلك ولا نفهم أننا نؤثّر باﻵخرين بأفكارنا.

لا يمكنك أن تتعلم التواضع حتى تعاني الكثير في قلبك.

الفرح هو الشكر، و أفضل ما يمكننا أن نقدمه للرب، الذي يخلّصنا من الحزن والخطيئة، تعبيراً عن الشكر هو أن نكون فرحين.

تعتمد حياتنا على نوع الأفكار التي نغذيها. إذا كانت أفكارنا سلمية، هادئة، وديعة ورقيقة، تكون حياتنا على هذا المنوال. إذا حوّلنا انتباهنا إلى الظروف التي نعيش فيها، فسوف ننجذب إلى دوامة من الأفكار ولن يكون عندنا ﻻ سلام ولا هدوء.

إن إيماننا بالرب ضعيف، وثقتنا به قليلة جداً. لو كنّا نثق بالرب بقدر ما نثق بصديق عندما نطلب منه أن يفعل أي شيئ لنا، لما كنا نعاني بهذا المقدار لا كأفراد ولا كبلاد.

إن وجود شخص يصلّي حقاً في الأسرة هو أمر ذو أهمية كبيرة. فالصلاة تجتذب نعمة الله وجميع أفراد الأسرة يشعرون بها، حتى الذين صارت قلوبهم باردة. صلّوا دائما.

يجب على المرء أن يحب الله أولاً، وبعد ذلك فقط يمكن للمرء أن يحب أقرب الأقرباء والجيران. ﻻ ينبغي أن نكون أصناماً بالنسبة إلى بعضنا البعض، فهذا ليس من إرادة الله.

عندما نتحدث إلى إخواننا البشر ويخبروننا عن مشاكلهم، نحن نستمع إليهم بعناية إذا كنّا نحبهم. نحن نتعاطف مع معاناتهم وألمهم، لأننا مخلوقات الله ومظهر من مظاهر محبته.

لا ينبغي أن يعظ الإنسان من عقله المنطقي بل من القلب. وحده ما هو من القلب يمكن أن يلمس قلباً آخراً. ﻻ ينبغي بالمرء أبداً أن يهاجم أو يعارض أيٍ كان. إذا كان على الواعظ أن يرشد الناس إلى الابتعاد عن شرٍ ما، فعليه أن يفعل ذلك بخشوع وبكل تواضع، وبخوف الله.

المحبة هي التضحية. المحبة تضحي بنفسها من أجل اﻷخ. المحبة تهزم كلّ شيء.

نحن بحاجة إلى التوبة. أنتم ترون، ليست التوبة في أن نقصد الكاهن ونعترف وحسْب. يجب أن نحرر أنفسنا من هاجس الأفكار. نحن نقع مرات عديدة في حياتنا، ومن الضروري جداً أن نكشف كلّ شيء [في الاعتراف] إلى الكاهن الذي هو شاهدٌ على توبتنا.

التوبة هي تجديد الحياة. هذا يعني أننا يجب أن نحرر أنفسنا من جميع صفاتنا السلبية ونتحوّل نحو الخير المطلق. ما من خطيئة لا تُغتفَر إلا خطيئة عدم التوبة.

منطلقنا هو دائماً خطأ. إذ بدلاً من أن نبتدئ بذواتنا، نحن نريد دائماً أن نغيّر الآخرين أولاً وأنفسنا في اﻷخير. لو كان الجميع يبدؤون أولاً بأنفسهم، لَعَمّ السلام في كل مكان!

التواضع هو خاصية إلهية وكمال الحياة المسيحية. يتحقق التواضع من خلال الطاعة. مَن هو بلا طاعة لا يستطيع أن يكتسب التواضع. قليلون جداً في عالمنا اليوم مَن عندهم الطاعة. نحن يكون لدينا التواضع على نسبة ما تكون لدينا الطاعة.

لا يعمل البر أبداً لمصلحته، بل لمصلحة اﻹخوة.

خارطة المسير إلى عالم الله

خارطة المسير إلى عالم الله*

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في هذا الإنجيل من لوقا، تُطرَح مسألة يوم السّبت. ربّما تعلمون أنّ اليهود، بعدما جرى سبيهم إلى بابل، حُرموا من الهيكل، الّذي كان محورَ عبادة إسرائيل لله، محورَ الحياة العباديّة عند اليهود. اليهود من دون هيكل كانوا كأنّهم بلا إله. لهذا السّبب، فيما كان اليهود في بلاد ما بين النّهرين، فيما كانوا مسبِيّين إلى بابل، ابتدعوا طرقًا، لتكون بمثابة تعويض عن الهيكل، وتمسّكوا بها تمسّكًا كاملاً.

ممّا ابتدعوه، هناك، مثلاً، ما يُسمّى بالمجامع. المجمع، كما نعرفه، هو المكان الّذي يلتقي فيه اليهود، لكي يصلّوا، ولكي يقرأوا من الشـّريعة والأنبياء، ولكي يفسّروا ما ورد في الكتب. والمجمع كان مثل بيت يلتقون فيه، عليه رئيس، وله خادم. اليهود، الّذين حُرموا من الصّعود إلى الهيكل، صاروا يتردّدون إلى مثلِ هذه البيوت، إلى هذه المجامع. طبعًا، هذه المجامع كانت عديدة. في أورشليم كان هناك هيكل واحد. أمّا في بابل، فكانت هناك مجامع عديدة.

بالإضافة إلى المجامع، تمسّك اليهود بإكرام يوم السّبت. وتمسّكوا بيوم السّبت إلى درجة أنّهم ابتدعوا أحكامًا ترتبط به، تعبيرًا عن غيرتهم على ما هو لله. ابتدعوا أحكامًا لم تكن لِتَرِدَ في ناموس موسى والأنبياء. كان الفرّيسيّون، بصورة خاصّة، هم الّذين اهتمّوا بهذه الأحكام. مثلاً، لم يكن مسموحًا لليهوديّ التّقيّ بأن يسافر، يوم السّبت. كان بإمكانه أن يتحرّك من نقطة إلى أخرى؛ لكن، ضمن ما يُسمّى بـمسافة سبت“. إذا كان يريد أن ينتقل من بيت إلى بيت، مثلاً؛ فهذا كان ممكنًا. مسافة السّبت كانت مسافة قصيرة، تقلّ عن النّصف كيلومتر. إذًا، كان ممنوعًا على اليهود أن يسافروا، يوم السّبت، لمسافات طويلة. أيضًا، في يوم السّبت، لم يكن مسموحًا لليهوديّ التّقيّ أن يُشعل نارًا، مثلاً؛ ولم يكن يحقّ له أن يعمل؛ وذلك لأنّهم اعتبروا أنّ الرّبّ الإله خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام، واستراح في اليوم السّابع، الّذي هو يوم السّبت. إذًا، يوم السّبت كان يوم الرّاحة، بالنّسبة إلى اليهود، إجلالاً لله.

هكذا، قيّد اليهود أنفسهم بسلسلة أحكام، واعتبروا أنّ التّقوى تفترض أن يسلك الإنسان اليهوديّ وفق هذه الأحكام. طبعًا، طوّروا هذه الأحكام، شيئًا فشيئًا. لا ننسينّ أنّ اليهود ظلّوا في السّبي حوالَي سبعين عامًا. هذه الأحكام، وغيرها، لا علاقة لها بما ورد في الكتاب المقدّس، ولا علاقة لها بمقاصد الله. لهذا السّبب، الرّبّ يسوع كان، دائمًا، في حال صدام مع اليهود بشأن يوم السّبت. كانوا، دائمًا، يعيّرونه بأنّه يكسر أحكام يوم السّبت، ويفعل ما لا يحلّ فعله في يوم السّبت. وكان هو، في المقابل، يؤكّد لهم أنّهم، إنّ تصرّفوا بهذه الطّريقة، كانوا مُرائين. ما قصّة يوم السّبت؟!

قبل السّقوط، يوم السّبت عنى كمال الخليقة، لأنّ الرّبّ الإله كان قد خلق كلّ شيء، وكان كلّ شيء حسنًا. ماذا بقي للإنسان، بعدما أكمل الرّبّ الخليقة؟! بقي له أن يمجّد الله. إذًا، يوم السّبت، كان، عمليًّا، يومَ تمجيد الله، يومَ تسبيح الله، يومَ شكران الله على ما أعطاه؛ ومن ثمّ، يوم السّبت، بصورة خاصّة، كان يومَ صلاة. وبعدما سقط الإنسان، وصار عرضةً للألم، عرضةً للموت، وأصاب الخليقةَ العطبُ؛ صار يومُ السّبت، بالإضافة، طبعًا، إلى أنّه يومُ تمجيدِ الله وتسبيحِه وشكرانِه على كلّ شيء، صار هو يومَ ترميم خليقة الله؛ حتّى تستعيد كمالهاَ، بعد أن انثلمت، بعد أن انجرحت، بعد أن دخل عليها الفساد بسبب خطيئة آدم وحوّاء. كيف يمكن الإنسان أن يشارك في عمل التّرميم هذا؟! هنا، في الإنجيل، الّذي تُلي على مسامعكم، هذا التّرميم يتمّ بطريقتين: أوّلاً، بعمل المحبّة؛ وثانيًا، بمساعدة النّاس. عمليًّا، الكلّ يعود إلى أصل واحد، وهو عمل الرّحمة. يوم السّبت أصبح، إذًا، يومَ تمجيد الله، ويومَ الرّحمة، في آن معًا. ومن ثمّ، الإنسان، إذا ما استزاد من عمل الرّحمة، إذا ما استزاد من عمل الصّلاة، إذا ما استزاد من شكران الله وتسبيحه وتمجيده؛ يكون، فعلاً، في صدد معاونة الله على ترميم الخليقة، حتّى تستعيد الخليقةُ بهاءها الأوّل. إذًا، بالحبّ، في الحقيقة، تستعيد الخليقة بهاءها. لهذا السّبب، كان اليهود يتكلّمون على أحكام جامدة على كلّ واحد أن يسلك فيها، فيما كان يسوع يتكلّم لغةً أخرى مختلفة، تمامًا! مثلاً، قال لهم في شأن الإنسان الّذي كانت يده يابسة: “أسألكم شيئًا: هل عمل الخير يحلّ في السّبت، أو عمل الشـّرّ؟! أن تُخلَّص نفس أو أن تُهلَك؟!”. طبعًا، لم يكن عندهم جواب، لأنّهم كانوا ينظرون إلى يوم السّبت نظرتهم إلى فرض من الفروض؛ فيما كان الرّبّ يسوع يؤكّد أنّ السّبت هو سبت الرّحمة، سبت المحبّة، سبت الخلاص، سبت التّوبة، سبت إعانة الإنسان على استعادة موقعه لدى الله. إذًا، كلّ ما يمكن أن يعيد الإنسان إلى الله، هذا كان السّبت رمزًا له. لهذا، قال الرّبّ يسوع: “السّبت هو للإنسان“! هو لخلاص الإنسان، هو لإعادة الإنسان، هو لسيادة المحبّة بين النّاس! والحقيقة أنّ اليهود ما كانوا مستعدّين لأن يقبلوا ما كان يعرضه الرّبّ يسوع. في نهاية المطاف، كان كسْرُ أحكام السّبت سببًا أساسيًّا من أسباب سعي اليهود للتّخلّص من يسوع، إلى أن تمكّنوا، أخيرًا، من تسليمه إلى الأمم، والحكـْمِ عليه بالصّلب.

هذا الّذي قلناه يفترض أنّ الكلّ ينطلق من الوصيّتين، اللّتين عبّر عنهما يسوع باعتبارهما أعظم الوصايا. الوصيّة الأولى: “أحبّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، والوصيّة الثّانية: “أحبّ قريبك كنفسك” (لو10: 27). إذًا، يوم السّبت، عمليًّا، يشير إلى هذه المحبّة، الّتي علينا أن نتعاطاها فيما بيننا إلى الحدّ الأقصى، الّذي هو أن يحبّ الإنسان قريبه كنفسه! طبعًا، الكلام على القريب يعني أنّ الإنسان لا يهتمّ بأقربائه من جهة اللّحم والدّم؛ بل يسعى، بمحبّته، بعمل الرّحمة الّذي يتعاطاه، لأن يُكوّن لنفسه أقرباء، في هذا العالم. كلّ واحد منّا يصنع أقرباءه، في هذه الدّنيا. إذًا، القول أحبّ قريبك كنفسكيعني أنّ عليك أن تحبّ الغريب، وأن تحبّه كنفسك، وكلّ ما تريده لنفسك عليك أن تعمله له! “كلّ ما تريدون أن يفعل النّاس بكم افعلوا هكذا أنتم، أيضًا، بهم” (متّى7: 12)، والمقصود بالنّاس هو النّاس الغرباء! إذًا، الإنسان عليه أن يخرج من قبليّته، عليه أن يخرج من قوقعته، من أنانيّته الفرديّة والجماعيّة؛ لكي يكون منفتـِحًا، بصورة خاصّة، على الغريب. والحقيقة أنّ الرّبّ يسوع أتى كغريب. ونحن، بالنّسبة إليه، كنّا غرباء، لأنّنا كنّا في الخطيئة: “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 23)؛ ومع ذلك، عامَلَنا باعتبارنا أقرباءه، حتّى إنّه سمّانا إخوته“: “لا أدعوكم، بعد، عبيدًا؛ بل إخوة” (يو15: 15)! هو جعلنا أقرباءه! وهو فعل ذلك، لكي يعطينا ذاته مثلاً؛ حتّى، كما عامَلَنا، يعامل أحدُنا الآخرَ، في يوم السّبت، الّذي هو هذا الزّمن، ما دمنا على قيد الحياة، هنا، على الأرض. إذًا، السّبت، بهذا المعنى، هو فسحة العمر، الّتي علينا أن نتعاطى فيها المحبّة فيما بيننا.

وماذا عن محبّة الله؟! في العهد القديم، بلغ الإنسان يوم السّبت، الّذي هو خاتمة الخليقة. وبعد يوم السّبت، كان يبدأ، من جديد، يوم الأحد، الّذي هو اليوم الأوّل من الأسبوع. إذًا، هناك شيء يتكرّر. الزّمن يتكرّر، نحن نعلم ذلك. الشـّمس تشرق، ثمّ تغيب، ثمّ تشرق من جديد، ثمّ تغيب من جديد، وهكذا دواليك. هذا هو الزّمن، في هذه الخليقة. لكنّ الجديد، الّذي طرأ، هو تَجَسُّدُ ابن الله. الرّبّ يسوع، بتجسّده؛ ومن ثمّ، بما علّمه، وبمحبّته الّتي سكبها على النّاس؛ وبعد ذلك، بصلبه، وقيامته، وصعوده إلى السّماء، وإرساله الرّوح القدس؛ أدخـَلَنا، عمليًّا، في زمن جديد! لم نعد أسرى للزّمن الأوّل، الّذي كان إلى الرّبّ يسوع. إلى الرّبّ يسوع، الزّمن كان دائريًّا، كانت الأمور تعود وتتكرّر، وقد كتب كاتب سـِفـْر الجامعة، معبِّرًا عن ذلك بقوله: “لا جديد تحت الشـّمس. الكلّ باطل” (جا1: 9؛ 1: 2)؛ وكأنّه، في نهاية المطاف، يقول إنّ الإنسان يحتاج إلى أكثر من هذه الحركة الدّائريّة؛ يحتاج إلى أكثر من الدّوران في ما هو لهذه الخليقة، وفي ما هو لهذه الأرض. بطريقة غير مباشرة، كان يشتاق إلى الحياة الأبديّة. وهذا، بالضّبط، هو ما أتى به الرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع أتانا بزمن جديد، نعيش فيه إلى حياة أبديّة. لهذا السّبب، نحن اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس؛ وأُدخلنا في حياة جديدة! نحن وُلدنا، من جديد، بالماء والرّوح. وما دمنا وُلدنا من جديد، فهذه الولادة لها مقوّماتها، لها عالمها، لها زمنها. هذا هو الزّمن الجديد. إذًا، نحن نعيش في زمن عتيق، وفي زمن جديد. في الزّمن العتيق، نحن معرَّضون لِما هو من هذه الأرض. لكن، بحسب الزّمن الجديد، نحن ننمو، إلى ما لا نهاية، في معرفة الله، في محبّة الله، في عشرة الله، في عالم الله، في نور الله.

إذًا، هناك أمران، بتنا، نحن المؤمنين بالرّبّ يسوع، نشترك فيهما. وهذا ما عبّرت عنه الكنيسة بالحديث عن اليوم الثّامن. يوم الأحد، بالنّسبة إلى اليهود، كان اليوم الأوّل من الأسبوع. أمّا بالنّسبة إلى المؤمنين بالرّبّ يسوع، فقد صار يوم الأحد هو اليوم الأوّل واليوم الثّامن، في آن معًا. هو اليوم الأوّل، لأنّ الرّبّ يسوع قام في ذلك اليوم، وقيامته من بين الأموات هي بدء حياتنا على الأرض لا على أساس الخليقة الأولى، الّتي كانت بآدم وحوّاء؛ بل على أساس الخليقة الجديدة الّتي صارت بآدمَ الجديد الرّبِّ يسوع المسيح. إذًا، نحن لا نسلك في الزّمن الأرضيّ كما كان يسلك الّذين جاؤوا من قَبْلـِنا، كما يسلك الّذين لا يؤمنون! بل نحن نجعل مسلكنا، على هذه الأرض، للرّبّ الإله، بالكامل. لهذا السّبب، حين نقرأ، مثلاً، الرّسول بولس، نقرأه يقول لنا: “إن عشنا فللرّبّ نعيش؛ وإن متنا فللرّبّ نموت؛ فإن عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن” (رو14: 8). من هنا، حياتنا على الأرض أصبحت، بكلّ بساطة، تعبيرًا عن إيماننا بالرّبّ يسوع؛ تعبيرًا عن محبّتنا للرّبّ يسوع؛ شهادةً للرّبّ يسوع. كلّ ما نفعله، مهما كان، إنّما نفعله، بحسب الرّسول بولس، لأجل الرّبّ يسوع. الإنسان لا يعيش لنفسه، ولا يموت لنفسه، ولا يعيش لأحدٍ آخر، غير يسوع، في هذا العالم، ولا يموت لأجل غيره، أبدًا! الإنسان، في هذا الدّهر، يعيش ويموت من أجل يسوع! طبعًا، هو يفعل ذلك، ويحمل في ذهنه أنّ حياته، هنا، على الأرض، تأتي من باب الإعداد للحياة الأبديّة. نحن هنا، لنُعدّ أنفسنا للحياة الأبديّة. نحن نعيش في الحياة الأبديّة، عمليًّا، منذ الآن. لكنّ هذا المسير في الحياة الأبديّة يكتمل بالموت. بالموت، يكون الإنسان قد أعدّ نفسه بالكامل؛ يكون، عمليًّا، قد استقرّ في أورشليم السّمويّة. العبور، الّذي عبره اليهود من مصر إلى أرض الميعاد، نحن، المؤمنين، نعبره روحيًّا من الأرض إلى السّماء. لذلك، حياتنا على الأرض هي، عمليًّا، عبور في صحراء هذا العمر. يعبر الإنسان عبورًا؛ لذلك، لا يقيم في مكان ما في هذا العمر؛ لا يقيم في مكان ما في الصّحراء؛ لأنّ وجهة سيره هي أورشليم، وأورشليم العلويّة. لهذا السّبب، يقول لنا الرّسول بولس، بوضوح: “ليست لنا ههنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية(عب13: 14). نحن نعبر، هنا، عبورًا. وما دمنا نعبر، في برّيّة هذا العمر، عبورًا؛ فإنّنا نستعمل ما نحتاج إليه في هذا العمر، ونترك الباقي. وهذا، أيضًا، عبّر عنه الرّسول بولس بالقول: “إن كان لنا قوت وكسوة، في هذا الدّهر؛ فلنكتفِ بهما” (1تيمو6: 8). نحن لسنا في حاجة، هنا، إلى أكثر من أن نسدّ حاجتنا، إلى قليل من الطّعام، قليل من الشـّراب، بعض اللّباس، بعض الأمور الأساسيّة هنا وهناك. لكن، الهمّ الأساسيّ ليس هنا، ولا يجوز أن يكون هنا! لا يجوز أن يكون همُّنا جمعَ المال، مثلاً، أو جمعَ المقتنيات، أو جمعَ الأرزاقهذا كلّه لا ينفع! هذا سمّاه الرّبّ يسوع، في مثل الغنيّ، غباءً“. الإنسان الّذي يجمع في الصّحراء يضيّع وقته، ويجمع باطلاً؛ لأنّه ذاهب إلى أورشليم. الكلّ ينبغي أن يصبّ هناك. نأخذ معنا كلّ ما نحتاج إليه في أورشليم. أمّا في الصّحراء، فنستعمل ما نستعمله، ونترك الباقي، ونسير! وما نحتاج إليه في أورشليم السّمويّة، في أورشليم العلويّة، هو أن نترسّخ في الحبّ، لأنّ الله محبّة؛ أن نترسّخ في الاتّضاع، لأنّ معلّمنا متّضِع؛ أن نترسّخ في الوداعة، لأنّ معلّمنا وديع؛ أن نترسّخ في الرّحمة، لأنّ إلهنا رحيم؛ أن نترسّخ في كلّ هذه الفضائل الّتي نماثل بها الرّبَّ الإله. هذا ما علينا أن نتزوّد به. إذا كان علينا أن نحمل حِملاً على أكتافنا، فينبغي أن يكون هذا الحـِمل حملاً روحيًّا بهذا المعنى. هذا الحـِمل يحمله الإنسان، في الحقيقة، في قلبه. وكلّه يُختَصَر بكلمة واحدة: نقاوة القلب. علينا أن نسعى، دائمًا، لتنقية قلوبنا؛ لأنّ ما يقابل نقاوة القلب هو سكنى الله فينا. بكلام آخر، كلّ المحبّة تصير فينا، كلّ الرّحمة تصير فينا، كلّ العطف يصير فينا!… هذا هو حال القدّيسين! القدّيسون هم آنية إلهيّة، ممتلئة من هذه البركات الإلهيّة، من هذه الحضرة الإلهيّة، من هذا النّور الإلهيّ. إذًا، نحن نتعب هنا، لا فقط من أجل أن نأكل، وأن نشرب، وأن نقتني بيوتًاهذا لا بدّ منه، إلى حدّ ما. لا بدّ لنا من أن نفعل شيئًا من هذا. لكنّ الأساس هو، بالضّبط، أن نتزوّد بكلّ ما نحتاج إليه في الملكوت. لهذا السّبب، الرّبّ يسوع، في الموعظة على الجبل، كان يقول: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السّوس والصّدأ، وحيث ينقب السّارقون ويسرقون؛ بل اكنزوا لكم كنوزًا في السّماء، حيث لا يفسد السّوس، ولا ينقب السّارقون ويسرقون” (متّى6: 19- 20). ماذا بإمكان الإنسان أن يكنز في الملكوت؟! الإنسان يكنز في الملكوت وللملكوت هذه الكنوز الرّوحيّة، هذه العطايا الرّوحيّة، الّتي تكلّمت عليها. وهذا كلّه، إذًا، موضوع تحت علامة يوم الأحد.

إذًا، يوم الأحد هو اليوم الأوّل؛ لأنّي أحيا، هنا، على الأرض، في نور وصايا الله. لكن، أنا أفعل ذلك لأنّي، عمليًّا، في حال صعود دائم، بلوغًا إلى اليوم الثّامن الّذي أحياه، في الحقيقة، منذ الآن! لكنّ ملءَ هذا الزّمن، ملءَ اليوم الثّامن، ملءَ زمن الملكوت يأتي، حين يبلغ الإنسانُ نهايةَ مرحلةِ عمره على هذه الأرض. إذ ذاك، يصير الإنسان في ملء اليوم الثّامن، يصير الإنسان في ملء الزّمن الجديد، يصير الإنسان في عالم النّور، في عالم الله. المسير هو هذا! هذه هي الخارطة! إذًا، نحن نحيا، في الحقيقة، لا، بعدُ، على أساس ما هو لهذا الدّهر وحسْب، بل نحن قد انتقلنا من السّبت إلى الأحد. طبعًا، الأحد لا يزال يتضمّن تمجيد الله على كلّ شيء، ولا يزال يتضمّن عمل الرّحمة والمحبّة للآخرين! لكنّنا، في الحقيقة، نحن لا نتوقّف عند حدود الآخر. نحن نعبر، من خلال الآخر، لنبلغ إلى وجه الله. الآخر ليس، أبدًا، غاية في حدّ ذاته! نحن نحبّه، لأنّ الرّبّ الإله جعل طريقنا إليه تمرّ بالإخوة. لهذا السّبب، نحن نحبّهم، ولا بدّ لنا من أن نحبّهم. لكن، نحن لا نتوقّف عندهم! نحن نعبر من خلالهم، لنصل إلى وجه الله. وقد أدرك، في الحقيقة، الرّهبانُ النّسّاكُ، قديمًا، هذا الأمر جيّدًا، حين قالوا قولاً يبدو، للوهلة الأولى، غريبًا. قالوا: “الغربة أهمّ من الغرباء“. وكانوا يقصدون بالغربة الغربةَ عن كلّ ما هو في هذه الدّنيا. طبعًا، نحن نحبّ النّاس، نحن نحبّ الغرباء، نحن نحبّ كلّ النّاس؛ لكن، في آن معًا، نجعل بيننا وبينهم مسافة؛ نختار هذه الغربة، لأنّ الرّبّ الإله يأتينا، عمليًّا، كغريب. حين نتحرّر من ثقل ذواتنا، ومن ثقل أهوائنا، ومن ثقل ما هو من هذا الدّهر، وننطلق إلى وجه الله في هذه الغربة الكاملة عمّا هو لنا كبشر، وعمّا هو في عالمنا؛ إذ ذاك، في هذه الغربة، في هذه العتمة الكاملة، ينبلج نور الله لنا؛ لندخل فيه! وهو نور يفوق ضياءً كلّ ما في هذا الدّهر من أنوار. إذًا، وجهك، يا ربّ، أنا ألتمس(مز27: 8).

آمين.

* عظة حول لو6: 1- 10 في السّبت 15 تشرين الأوّل 2011

التخيّل والخيال في الحياة الروحية

التخيّل والخيال في الحياة الروحية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

بحسب تعليم آباء الكنيسة القديسين ، التخيل هو أحد قدرات النفس التي تلعب دوراً مهماً في عمل وتكون الأهواء. إنه يشكل صورة شخص أو شيء ما داخلنا، ثم يثير اللذة الحسية لكي تأسر نوسنا، وبمجرد أن نقع في الأسر فإننا نرتكب الخطيئة.

ينبغي علينا بالتالي أن ندرس الدور المهم للتخيل والخيال في ارتكاب الخطايا، وأيضاً مدى أهمية التحرر من الخيال لكي نحيا حياة مسيحية. هذا هو أحد المواضيع الرئيسية للتعليم النسكي في الكنيسة الأرثوذكسية. يساعدنا الآباء القديسون، كخبراء في الطريقة النسكية للحياة، على رؤية هذه المسألة بوضوح.

1- المصطلحات المستعملة من قِبَل الآباء القديسين

لم يبدأ الآباء القديسون، الذين اهتموا بهذا الموضوع وكتبوا عنه، بعمل بحث نفسي أو بمحاولة دراسة عالم الإنسان الداخلي بطريقة علمية. نحن نعلم من تعليم الكنيسة الأرثوذكسية أن الآباء لم يكونوا أكاديميين، لكنهم كانوا رعاة لشعب الله. لقد عرفوا من الخبرة كيف تعمل نعمة الله في البشر.

لقد كان الآباء القديسون خبراء في حالة نفس الإنسان بعد حادثة السقوط المدمرة، وبالتالي تعلموا ما هو شكل النفس وكل الحالة الداخلية للإنسان عندما تجددت بنعمة الله. لم تكن ملاحظاتهم عن موضوع الخيالات والتخيل مدفوعة ببحث علمي في علم النفس، ولكن بخبرتهم الشخصية خلال الروح القدس. لقد كان هدفهم هو قيادة الناس للخلاص. لقد كانوا واعين بالطريقة التي بعمل بها الخيال والتخيل في الإنسان الساقط وفي الشخص الروحاني والملهم بواسطة الروح القدس.

فعلى سبيل المثال، عندما كان الآباء القديسون يستعملون مصطلحات فلاسفة وعلماء عصرهم، فإنهم لم يكونوا يقبلون آراءهم بصورة كاملة. يكتب القديس غريغوريوس بالاماس قائلاً: “لو أن أحد الآباء يعبر عن شيء ما بنفس الطريقة التي يعبر بها الذين هم من خارج، فهذه مجرد مسألة كلمات، أما من جهة المعاني فيوجد فرق كبير. بحسب بولس، يقتني الآباء فكر المسيح، على حين أن الذين هم من خارج يتكلمون بفهم بشري إن لم يكن مما هو أسوأ من ذلك أيضاً“. يستحق هذا النص أن ننتبه إليه. إنه يُظهر أنه على الرغم من أن بعض الآباء استعمل نفس المصطلحات التي استعملها الفلاسفة، إلا أنه يوجد فرق كبير بينهم. لقد تكلم الآباء القديسون، بنوسهم الطاهر، من إعلان، على حين تكلم الفلاسفة من فهمهم الخاص ومن تأملهم البشري الشخصي.

إنني أذكر ذلك لأنه ينبغي علينا، عندما نتحدث عن الخيال أو التخيل، أن نعطي هذه الكلمات نفس المعنى الذي يعطيه لها علماء النفس والمحللون النفسيون المعاصرون المهتمون بهذا الموضوع. يوجد فرق شاسع بين الناس أصحاب خبرة الروح القدس، وأولئك المهتمين بالخيال والتخيل بطريقة متمركزة حول الإنسان. حتى لو كانوا في بعض الأحيان يستعملون نفس المصطلحات، إلا أنها تشير إلى أمور مختلفة.

يكتب الشيخ صوفرونيوس ساخاروف عن الخيال والتخيل قائلاً: “إنني لا أستطيع أن أرجو أن أعالج موضوعاً بهذه الصعوبة وهذا التعقيد بطريقة مشبعة. حيث أن مهمتى الرئيسية هي أن أقدم للقارئ عرضاً لخبرة محددة وملموسة، سوف أنحصر في فحص الآراء والمفاهيم الموجودة هذا اليوم في الجبل المقدس، هذه الآراء والمفاهيم التي تبناها الأب سلوانس أيضاً. قد نترك جانباً نظريات علم النفس المعاصرة، حيث أنها لا تشترك في الكثير مع المفاهيم الأرثوذكسية الإنسانية“.

في المناقشة التالية للخيال والتخيل لن أعقد أية مقارنة بين تعليم الآباء القديسين، وآراء علماء النفس والمحللين النفسيين المعاصرين. سوف أقوم بوصف الطريقة التي يتكلم بها الآباء القديسون عن الخيال والتخيل في ضوء الخبرة المعاصرة المحفوظة في الكنيسة، والتي يعيشها رهبان أيامنا المتأصلون في المنهج العلاجي الخاص بالكنيسة الأرثوذكسية.

كما نعلم، لا يهتم الآباء بمجرد الاتزان النفسي للإنسان، ولكن باتحاده بالله. لكي يصل المرء لهذه النقطة، ينبغي عليه أن يتخلص من استعمال خياله حتى لو كان يعمل بطريقة إيجابية. لكي يصل النوس إلى معاينة الله، ينبغي عليه أن يتحرر تماماً من كل الصور العقلية مهما كانت جيدة، بل ويتحرر حتى من الأفكار بغض النظر عن كونها نافعة للنمو الثقافي أو لاندماجنا في المجتمع.

على الرغم من أنه في بعض الأحيان يوجد بعض التشابه بين التعبيرات والمصطلحات التي يستعملها الآباء القديسون والتي يستعملها علماء النفس والمحللون والمعالجون النفسيون، إلا أن معنى كل من هذه التعبيرات والمصطلحات مختلف تماماً. يكون من الخطأ، في رأيي، أن نحاول تفسير النصوص الآبائية بحسب علم النفس والتحليل النفسي الحديث، تماماً مثلما هو خطأ أن نرى الظواهر النفسية على أنها خبرات روحية.

من المؤكد أن عمل الروح القدس في قلب الإنسان له أيضاً آثاره على المستوى النفسي ويؤثر على سلوكه ككيان إنساني. بنفس الطريقة، غياب الروح القدس من قلب المرء له نتائج عديدة على كل شخصيته بما في ذلك الأعراض النفسية. ومع ذلك، تختلف الآثار النفسية عن الخبرات الروحية.

2- تعريف القدرة على التخيل والخيال

يُعِّرف القديس يوحنا السلمي التخيل أو الخيال كالتالي: “الخيال هو توهم العينين عندما يكون الذهن نائماً. الخيال هو نشوة النوس عندما يكون الجسد مستيقظاً. الخيال هو رؤية شيء غير موجود في الواقع“. الخيال هو رؤية شيء ليس له وجود حقيقي وليس له أساس. ينشط الخيال عندما يكون الذهن متكاسلاً. يكون ذلك واضحاً في الأحلام عندما يكون الذهن غير يقظ. إلا أن الخيال يكون موجوداً أيضاً عندما نكون مستيقظين، وعندئذ يكون من الممكن للنوس أن يخرج خارج نفسه.

ينبغي علينا أن نوضح الفارق بين القدرة على التخيل من جهة، والخيال والتخيل من جهة أخرى. القدرة على التخيل هي قدرة طبيعية للنفس، على حين أن الخيال والتخيل هو تنشيط هذه القدرة بصور ومشاهد متنوعة تأتي من الخارج. تقع القدرة على التخيل بين النوس والحواس. إنها ليست خاصية بحتة خاصة بالنوس، ولا هي خاصية تخص الحواس. يكتب القديس غريغوريوس بالاماس قائلاً: “هذه القدرة على التخيل التي للنفس تقع بين النوس والحواس في الكيان الإنساني“. بحسب القديس غريغوريوس، تقع القدرة على التخيل على الخط الفاصل بين النوس والإدراك الحسي، ونشاطات التخيل (الخيالات) لم تكن موجودة في آدم قبل السقوط كما سنرى فيما يلي. إنها تنتمي للحالة الساقطة للإنسان.

يميز القديس يوحنا الدمشقي في نص بليغ جداً بين القدرة على التخيل، والشيء المتخَيَل، والخيال، والوهم. إنه يكتب قائلاً: “القدرة على التخيل هي خاصية للجزء غير العاقل من النفس. إنه يعمل من خلال أعضاء الحواس ويعبر عنه كإحساس. يكون شيء ما قابلاً للتخيل والإدراك عندما يقع داخل مجال خاصية التخيل والحواس. بطريقة مشابهة، يكون البصر هو الخاصية البصرية نفسها، ولكن يكون الشيء مرئياً عندما يأتي داخل مجال خاصية البصر سواء كان صخرة مثلاً أو أي شيء آخر. الخيال هي خبرة سلبية للجزء غير العاقل من النفس الذي يصادفه شيء متخَيَل. إلا أن الوهم هو خبرة سلبية للجزء غير العاقل من النفس لا يصادفه أي شيء متَخَيَل. عضو التخيل هو البطين الأمامي للمخ“.

يوضح هذا النص أن خاصية التخيل هي قدرة خاصة بالجزء غير العاقل من النفس، وهو يعمل من خلال الحواس. يعني ذلك أنها تعمل عندما تعمل الأعضاء الحسية. يكون الشيء قابلاً للتخيل (أو الإدراك) عندما يقع في مجال التخيل أو الحواس. الخيال أو التخيل هو خبرة سلبية متكونة في جزء النفس غير العاقل بواسطة شيء مُتَخَيَل، على حين أن الوهم لا يأتي من أي شيء قابل للتخيل. يوجد بالتالي عضو يسمى القدرة التخيلية، وهو قدرة تخص جزء النفس غير العاقل. توجد أشياء قابلة للتخيل تقع داخل مجال القدرة التخيلية. توجد أحلام يقظة أو خيال مرتبطة بالحواس، كما يوجد الوهم الذي يتكون في القدرة التخيلية دون أي مُدخلات من الأعضاء الحسية.

تُستعمل في بعض الأحيان تعبيرات القدرة التخيليةوالخيالفي النصوص الآبائية بنفس المعنى. إنها تشير إلى الخيال أو التخيل على أنهما القدرة التخيلية والعكس بالعكس، بسبب التداخل بينهما.

إذ يعلق القديس مكسيموس المعترف على القديس ديونيسيوس الأريوباغي، يكتب قائلاً أن الخيالات والتخيل لا يشبهان التفكير. هذا الفرق واضح من الطرق المختلفة التي يعملان بها: “التفكير إيجابي وخلاق، على حين أن الخيال أو التخيل سلبي إذ هو بصمة صورة تمثل شيئاً قابلاً للإدراك من قِبَل الحواس“. التفكير هو نشاط يخص النوس والعقل، ويختص بالمفاهيم، على حين أن الخيال والتخيل سلبيان ويعكسان شيئاً قابلاً للإدراك من قِبَل الحواس. هذا هو الفرق بين التفكير، من جهة، والخيال والتخيل، من جهة أخرى.

هذا هو المعنى الذي ينبغي علينا أن نفهم به تعليم الآباء القديسين عن أن التخيل أو القدرة التخيلية هي قدرة طبيعية للنفس. التخيل هو إمكانية طبيعية للنفس تعمل فيما بين النوس والحواس. منذ السقوط، انحرفت هذه القدرة من مسارها الطبيعي وعملت بطريقة غير طبيعية في كل أنواع الخيالات والتخيلات. يتحرر المرء من كل هذه عندما يصل إلى الاتحاد بالله. ينبغي علينا أن ننظر لعبارة كاليستوس وأغناطيوس من زانسوبولوس: “للنفس ذاتها القدرة على التخيلمن هذا المنظور. مثلما يمتلك الجسد خمس حواس، هكذا تمتلك النفس خمس قدرات أو إمكانيات هي: النوس، والفهم، والرأي، والتخيل، والإدراك. بالتالي يكون التخيل واحداً من إمكانيات النفس التي تكوِّن بها النفس الصور الذهنية“. تستعمل كلمة تخيل هنا بمعنى القدرة على التخيل“. يقول القديس غريغوريوس السينائي نفس الشيء عندما كتب قائلاً: “لأن النفس بالطبيعة تخترع خيالات وتكون صوراً ذهنية للأشياء التي لم تصل إليها بعد“.

يكتب القديس مكسيموس المعترف عن موضوع الخيال أو التخيل قائلاً: “لم يُخلق الهوى والألم منذ البداية مع الجسد؛ ولا النسيان والجهل مع النفس؛ ولا الانطباعات دائمة التغير عن أشكال الأشياء المخلوقة مع النوس. لقد وجدت كل هذه الأمور من خلال السقوط. الشخص الذي يقصي اللذة والألم عن جسده يكون قد حقق الفضيلة العملية، والذي يخلص نفسه من النسيان والجهل يكون قد نجح في الوصول لمعاينة الله الطبيعية. الذي حرر نوسه من انطباعاته المتعددة يكون قد دخل إلى سر اللاهوت“. تماماً مثلما لم يقتنِ الجسد اللذة والألم من البداية، ولم تقتنِ النفس النسيان والجهل منذ البدء، هكذا لم يكن للنوس عالماً داخلياً من الصور المتخيلة.

ينبغي علينا لكي نصل إلى فهم واضح لهذا النص الخاص بالقديس مكسيموس المعترف، أن نضعه في سياق كل اللاهوت الخاص به الذي يضع ثلاث مراحل للحياة الروحية وهي الفلسفة العملية، والثايوريا الطبيعية، واللاهوت السري. عندما يتخلص المرء من اللذة والألم، فإنه يختبر الفلسفة العملية. وعندما يتحرر من النسيان والجهل، فإنه يختبر الثايوريا الطبيعية التي تعني الصلاة العقلية غير المنقطعة. وعندما يتحرر نوسه من الصور والخيالات، فإنه يُقاد نحو معاينة الله التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم اللاهوت. الألم، والنسيان، والجهل، والخيال، والتخيل هي ظواهر ظهرت بعد السقوط مثل اللذة. وبالتالي لكي نصل للإتحاد بالله ينبغي علينا أن نتخلص ونتحرر من كل هذه الأمور. من هذا المنظار يتحدث القديس اسحق السرياني قائلاً: “كل صور هذه الأشياء التي اعتاد النوس على بنائها هي خيالات وتصورات وليست حقيقةالصور المخلوقة من قِبَل الخيال هي بسبب مرض النوس، وليست بسبب نقاوته“.

عندما نقرأ تلك النصوص من كتابات الآباء القديسين والنصوص الأخرى المتعلقة بها، فإننا ندرك أنه على الرغم من أن القدرة التخيلية موجودة كقوة للجزء غير العاقل من النفس، إلا أن فعل التخيل والتخيل، خصوصاً عندما يكون مرتبطاً بالأهواء، هو نتيجة لسقوط الإنسان وهو ينجس النوس. يكون النوس في حالته الطبيعية خالياً من الخيالات والتخيلات. كما سنرى فيما يلي، فإن الشخص الذي بعد أن يصل لاستنارة النوس ومعاينة الله بعد تطهير حقيقي، يكون قد تخلص تماماً من استعمال خياله. هذا هو السبب الذي يجعلنا نصر على أنه ينبغي على المرء أن يتخلص من الخيالات والتخيلات، وأن يطهر نوسه تماماً. هكذا نفهم لماذا يتكلم الآباء عن التخلص من الخيالات والتخيلات لأن القدرة التخيلية، التي هي قدرة خاصة بالجزء غير العاقل من النفس، تصبح خاملة في الثايوريا النقية.

إننا نرى ذلك في المسيح. حيث أن طبيعته الإلهية أخذت الطبيعة البشرية بكليتها، وحيث أن الطبيعة البشرية اتحدت بالطبيعة الإلهية في شخص الكلمة، نتج عن ذلك أن المسيح أيضاً اتخذ قدرة النفس التخيلية. إلا أن القدرة التخيلية، كقدرة تخص جزء النفس غير العاقل، لم تكن تعمل في المسيح مثلما تعمل فينا نحن الذين تسود علينا الأهواء. نستطيع أن نقارن القدرة التخيلية لدى المسيح بجهاز التليفزيون الذي، على الرغم من كونه جهازاً لنقل الصور المتعددة، فإنه لا يفعل ذلك عندما يكون مغلقاً. هكذا، على الرغم من أن المسيح لديه قدرة تخيلية إلا أنها لم تكن تعمل فيه.

إذ يتكلم القديس يوحنا الدمشقي عن الأهواء الطبيعية غير الملومة التي اتخذها المسيح فإنه يقول: “إننا نعترف إذاً أن المسيح اتخذ كل أهواء الإنسان الطبيعية والنقية، إذ أنه اتخذ كل الإنسان وكل الخصائص البشرية ماعدا الخطيئة. ذلك لأن الخطيئة ليست طبيعية، ولم تُزرع فينا من قِبَل الخالق، لكنها ظهرت إرادياً بإرادتنا الحرة كنتيجة للبذرة الثانية المزروعة من قِبَل الشيطان، وهي لا تستطيع أن تسود علينا بالقوة“. إلا أنه ينبغي علينا أن نشير إلى أنه حتى هذه الأهواء غير الملومة لم يكن لها سلطان على المسيح ولكنها كانت تحت سلطانه. كما يقول القديس يوحنا الدمشقي، كانت الأهواء الطبيعية موجودة في المسيح بطريقة طبيعية وطريقة تفوق الطبيعة. “لقد كانت تعمل فيه بطريقة طبيعية عندما سمح للجسد أن يتألم مما يخصه، لكنها كانت فوق الطبيعة لأن التي كانت طبيعية لم تتخذ في الرب سلطاناً على إرادته“.

نستطيع أن نقول نفس الشيء عن القدرة التخيلية لدى نفس المسيح. فهي على الرغم من أنها كانت موجودة كقدرة للنفس اتخذها المسيح، لأن الذي لم يُتَخَذ لا يُشفى، إلا أنها لم تكن تعمل فيه كما تعمل فينا. بالتالي، لا يتخيل المسيح الأشياء. هذا هو المعنى الذي ينبغي علينا أن نفحص في ضوئه النصوص الموجودة في كتابات الآباء والقديس نيقوديموس الآثوسي، التي تقول أن المسيح تحرر من الخيال والتخيل.

ما حدث في المسيح حدث أيضاً، بدرجة أقل وبواسطة النعمة، في قديسي الكنيسة. عندما يشفى المرء بعد تدريب وعلاج مناسب بتوبة شاملة، وعندما يتحرر نوسه من التخيلات الخيالية، تصبح القدرة التخيلية غير فعالة. بالتالي يبقى النوس خالياً من الخيال والشكل كما يقول الآباء. هذه مسألة خبرة، ويكون من الصعب علينا في حالتنا الساقطة أن نفهم ذلك أو نشرحه.

يكون كل شيء قابل للإدراك من قِبَل الحواس قابلاً أيضاً للتخيل ويقع داخل مجال القدرة التخيلية، وبالتالي يأتي الخيال والتخيل إلى الوجود، بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. كما يخبرنا الآباء، هذا الخيال يشبه القشور التي تغطي النوس وتمنعه من معاينة الله بوضوح. لكي يصل النوس لمعاينة الله ينبغي عليه أن يتخلص من هذه القشور وأن يقف أمام الله في نقاوة. تكون القدرة التخيلية مرتبطة بالخيال والتخيل في لغة الآباء القديسين، وهم عندما يكتبون أنه ينبغي علينا أن نتطهر من الخيال والتخيل فإنهم يعنون أنه ينبغي علينا أيضاً أن نطهر القدرة التخيلية. بتعبير آخر، ينبغي علينا أن نجعل قدرة النفس التخيلية غير فعالة. لقد عاين القديسون الله واختبروه بواسطة النوس النقي الخاص بهم، وليس من خلال قدرتهم على التخيل، وهذا هو السبب الذي يجعل الأطباء النفسيين غير قادرين على تفسير كتابات القديسين ولا كل الرؤى المقدسة الخاصة بهم من منظور نفسي.

تختلف القدرة التخيلية، التي هي قدرة طبيعية للنفس، عن التخيل والخيال الذي هو وظيفة هذه القدرة. ينصحنا التقليد النسكي برمته ألا نحاول أن نتخيل الله. ينبغي علينا بدلاً من ذلك أن نجاهد لكي نطهر قدرة النفس التخيلية، ولكي نحرر أنفسنا من الخيال الملعون. ينبغي على النوس عندما يصلي أن يبقى بلا شكلوخالياً من التخيل، بحيث نستطيع أن نحفظ أنفسنا من تكوين صور لله.

3- الخيال والتخيل كظاهرة لحالة الإنسان الساقطة

منذ السقوط صارت قدرة الإنسان التخيلية جامحة وامتلأت من الخيالات. بخلاف الإنسان، الشيطان أيضاً لديه خيال. هذا هو بالضبط السبب الذي يجعل الخيال والتخيل موصلين فعالين للطاقة الشيطانية، ويجعل الشيطان يستعملهما لإيقاع الناس في الفخ. الخيال والتخيل هما الجسر بين الإنسان والشياطين الذي يعبره الشياطين لكي يضايقوه.

يكتب كاليستوس وأغناطيوس الكسانثوبولس قائلين: “الخيال، الذي يأخذ أشكالاً عديدة مثل ديدالوس الأسطوري، والذي له العديد من الرؤوس مثل الأخطبوط، يقول عنه القديسون أنه يعمل كجسر للشياطين. هؤلاء القتلة المدمرون يمضون ذهاباً وإياباً على الجسر، مشتركين مع النفس ومختلطين معها بطريقة ما، ويجعلونها عشاً للدبابير ومسكناً للأفكار العقيمة الشهوانية…”. بتعبير آخر، الخيال هو جسر تعبر عليه الشياطين لكي تتصل بالنفس وتختلط بها وتجعل الإنسان مرتعاً للأفكار العقيمة والشهوانية.

بحسب القديس مكسيموس، الخيال والتخيل وكل الصور التي يقدمانها هي قشور تعمي بصر النفس. إن أياً من تكون لديه هذه القشور يكون غير قادر على معاينة الله أو على أن يقتنع بالتعليم عن الله والأمور الإلهية. الانطباعات والأفكار المتولدة من الخيال هي في الواقع قشور تعمي بصر النفس النقي وتسد الطريق للوصول لكلمة الحق الطاهرة“. تمنع هذه القشور التي تغطي النفس وصولها للحقيقة ولمعرفة إرادة الله. هذا هو السبب الذي يجعل القديس مكسيموس المعترف يعلِّم أنه عندما يتخلص النوس من الأفكار والصور الناتجة عن الخيالات فإن كلمة الحق تُعلَن له بوضوح، معطية إياه مبادئ المعرفة الحقيقية“. يستطيع الشخص أن يصبح لاهوتياً حقيقياً لا غش فيه فقط عندما يتحرر من الخيالات والتخيلات. وإلا فإنه قد يتكلم عن الله تحت تأثير الشياطين، حيث أن الشياطين سوف تقدم أفكاراً عن الله وحقائق الإيمان الأخرى من خلال خياله. يقول الآباء أنه ينبغي على المرء أن يتخلص من هذه القشور التي تعمي بصر النفس النقي، ويقولون أيضاً أن القديسين يتكلمون عن الله مثل الصيادين” (مثل الرسل) وليس مثل أرسطو“. علم اللاهوت الخاص بهم يأتي من قلب نقي، وليس من قدرتهم على استعمال المنطق (القديس غريغوريوس اللاهوتي).

على الرغم من أنه لا يوجد سوى قدرة واحدة على التخيل، إلا أن لها ثلاثة فروع، وذلك بحسب كاليستوس وأغناطيوس الزانسوبولس. الفرع الأول هو القدرة على تصوير الأفكار، أي جعلها قابلة للإدراك، بمعنى تحويل الأفكار والمفاهيم إلى صور قابلة للإدراك. الفرع الثاني هو القدرة على تمثيل الأشياء من البقايا المتبقية، أي القدرة على استدعاء الأفكار الناتجة عن النوع الأول من التخيل والإبقاء عليه. الثالث يتكون من اللذة والصور المتخيلة التي للأشياء التي تبدو جيدة أو سيئة ظاهرياً، أي كل اللذة والحزن الناتجين عن وجود هذه الصور التي تقدمها الحواس لقدرة النفس على التخيل. بالتالي تكون أجزاء التخيل الثلاثة هي: أولاً، القدرة على تخيل وتجميع صورة؛ ثانياً، الإبقاء على الفكرة وصورتها داخل قدرة النفس التخيلية واستعادتها؛ ثالثاً، اللذة أو الحزن الناتجين عن الأفكار التي تبدو جيدة أو رديئة داخل قدرة النفس التخيلية.

حيث أن التخيل هو وظيفة طبيعية في الكيانات البشرية الساقطة والخيالات هي قشور تظلم رؤية النفس النقية منذ السقوط، يكون النوس في حالته الطبيعية عندما يتخلص من كل أشكال الخيال والتخيل. كما يعلِّم القديس هيزيخيوس القس قائلاً: “عندما لا توجد خيالات ولا تصورات في القلب، يكون النوس في حالتهويكون مستعداً للتوجه ناحية أي رؤية روحية مبهجة ترضي الله.

كلما يكون الشخص أكثر مرضاً من الناحية الروحية، كلما كان مغلوباً من كل نوع من الخيال والتخيل. كلما كان الشخص أكثر صحة من الناحية الروحية، كلما كان أكثر تحرراً من الخيالات والتخيلات. حتى ما يشار إليه اليوم على أنه مشاكل نفسية هي مشاكل تنتج عن الخيالات وتبقى في نفوسنا بسببها. كلما تحررنا من ضغط الخيالات كلما تعافينا من المشاكل النفسية المختلفة. هذا هو السبب الذي جعل القديس يوحنا كاسيان يكتب أن علامة اكتساب فضيلة القداسة والعفة هي أن نفسه لا تلقي بالاً بالمرة للخيال أو التخيل حتى وقت النوم. “إنه يغفل هذه الصور التي ينتجها الخيال الدنس خلال النوم“.

بالطبع ليست خطيئة أن يرى المرء أحلاماً مزعجة أثناء النوم، ولكنها علامة على أن النفس مريضة وأنها لم تتحرر من الهوى“. إنها تثبت أن النفس مريضة ولم تتحرر بعد من الهوى. هذا هو السبب، كما يعلِّم القديس يوحنا كاسيان، الذي يجعل الخيالات الدنسة التي تظهر في الأحلام أثناء النوم علامة على كسل ومرض نفوسنا.

هذا هو السياق الذي يجب أن نفهم في إطاره أي شيء نكتبه عن الخيال وعن التحرر من طغيانه وتأثيره. عندما نكتب أن التخيل هو ظاهرة في الإنسان الساقط وأنه ينبغي علينا أن نتحرر من القدرة التخيلية أيضاً، فإنا نعني أن قدرتنا التخيلية ينبغي أن تصبح غير فعالة. ينبغي علينا أن نتخلص تماماً من الخيال والتخيل، بحيث يصبح نوسنا بلا صورة، بلا شكل، وخالياً من الخيال“. هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول للاتحاد بالله واكتساب الشركة معه.

ليس للخيال والتخيل أي مكان بالمرة في معرفة الله النقية. معرفة الله تتجاوز كل فكرة ومفهوم. إنه معاينة الله التي يصل إليها النوس المتحرر من الخيال.

4- أربعة أنواع من الخيال

كما ذكرنا من قبل، من الواضح من تعليم الآباء القديسين أن المسار إلى الاتحاد بالله لابد وأن يمر خلال تطهير القلب والتحرر من الخيال، عندما تتحرر القدرة التخيلية من الصور والانطباعات. يحلل القديس غريغوريوس بالاماس المسار الكامل لهذه الرحلة في إحدى عظاته عن دخول والدة الإله الهيكل، التي يصف فيها كيفية وصول والدة الإله للاتحاد بالله. لقد تعلمنا في هذه النقطة أن القديسين تحدثوا عن الله بدون خيال أو تخيل، وأن علم اللاهوت النقي ليس له أية علاقة بالتخيل.

يوجد داخل الكنيسة مسيحيون في مراحل مختلفة من النمو. يكون البعض في مرحلة طفولة، والآخرون في مرحلة الصبا الروحي، ويكون الآخرون بالغين روحياً. بالتالي يكون جهاد كل مسيحي مختلفاً. ينبغي علينا أن نحذر من الاعتماد على الخيال أو التخيل، لأن هذا ليس هو أساس الحياة الروحية، ولكنه شيء يشوهها.

سوف نستند الآن إلى تعليم أب روحي معاصر هو الأرشمندريت صوفرونيوس، الذي كان خبيراً في المسائل الروحية وكان شاهداً حياً على طريقة الحياة تلك.

إنه يكتب في موضوع الخيال قائلاً: “إن عالم الإرادة والتخيل الإنساني هو عالم السراب. إنه أمر مشترك بين الإنسان والملائكة الساقطين، وبالتالي يكون التخيل عادة موصل للطاقة الشيطانية.

مثل هذه الصور الشيطانية والصور المستحضرة من قِبَل الإنسان قد تؤثر على الناس، أو تغيرهم، أو تحولهم، لكن يوجد أمر وحيد لا يمكن تجنبه وهو أن كل صورة، سواء كانت مخلوقة من قِبَل الإنسان نفسه أو مقترحة من قِبَل الشياطين، ومقبولة من قِبَل النفس، سوف تشوه الصورة الروحية للإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. هذا الخلقفي ذروة نموه يقود إلى تأليه الخليقة، الذي هو تأكيد للمبدأ الإلهي الموجود في لب طبيعة الإنسان. هذا هو السبب الذي يجعل الدين الطبيعي، أي دين العقل الإنساني، قد يكتسب بشكل قاطع خاصية وحدة الوجود.

كل من الصور الشيطانية والصور المستحضرة من قِبَل الإنسان قد تكتسب قوة كبيرة جداً، ليس لأنها حقيقية بكل معنى الكلمة مثل القوة الإلهية التي تتأتى من لا شيء، لكن بمقدار ما تتشكل الإرادة الإنسانية وتتبلور بواسطة مثل هذه الصور. لكن الرب يحرر ذاك الذي يتوب عن تأرجح الهوى والتخيل، وبالتالي إذ يتحرر المسيحي يسخر من قوة التخيلات“.

إنه لا يشير هنا إلى ما يسمى في هذه الأيام التخيل والذي هو حالة غير طبيعية، ولكن إلى الخيال نفسه وإلى كل صورة تخيلية ينظر إليها المرء على أنها ذات معنى.

يذكر الأرشمندريت صوفرونيوس ساخاروف، من بين أشياء أخرى، أنه يوجد أربعة أنواع من التخيل.

النوع الأول مرتبط بأهواء الجسد الكبرى“. الذي يكون في هذه الحالة قابلاً بشكل مستمر للصور والخيالات المرتبطة بأهواء الجسد.

النوع الثاني من التخيل هو أحلام اليقظة. هذا النوع من التخيل يرتبط بصور من العالم الحقيقي. “قد يتخيل رجل فقير أنه إمبراطور، أو نبي، أو عالم عظيم“.

النوع الثالث يرتبط بالإبداع الفني والثقافي. “التفكير المتمعن في حل لمشكلة ما، الذي يكون حلاً تقنياً، يُعمِل التخيل مع الذاكرة. هذا النوع من النشاط الذهني له معنى كبير في الثقافة الإنسانية، وهو ضروري للتطور الإنساني“.

النوع الرابع من التخيل من الممكن تسميته الإبداع اللاهوتي. “عندما يحاول الذهن اختراق سر الوجود وفهم العالم الإلهي. مثل هذه المحاولات لابد وأن تتضمن على التخيل، الذي يميل الكثيرون إلى إعطائه المسمى الأسمى الذي هو الإبداع اللاهوتي“.

إنه يسترسل في تحليل إلى أي مدى يتسبب نمو الخيال والتخيل في شر لحياة الإنسان الروحية وحالته العامة من جهة، ومن جهة أخرى كيف يعيش الناسك حياته الروحية بدون التعبير عن الخيال أو التخيل أو تفعيله.

يجاهد المسيحيون بشدة، خصوصاً الرهبان، في البداية لكي يتحرروا من النوع الأول من التخيل (الخيالات الخاصة بالأهواء الجسدية الرئيسية)، ثم بعد ذلك لكي يتحرروا من الأنواع الثلاثة الأخرى. إنهم يمتنعون عن كل تخمين وأحلام يقظة، فهم يتجنبون التأمل في أمور أو مفاهيم عن الله. لا يمكن لأحد أن يكتسب صلاة النوس في القلب ومعرفة الله بواسطة القدرة التخيلية. إن تطهير القدرة التخيلية بتوبة عميقة هو وحده الذي يجلب معرفة الله الحقيقية.

إنه أمر مهم للمسيحيين الذين يعيشون في المجتمع أن يتخلصوا من النوع الأول من الخيال (الأهواء الجسدية). ينبغي عليهم أن يتجنبوا بكل قوتهم أحلام اليقظة، التي هي مصدر العديد من المشاكل النفسية، وأن يضعوا حداً للنوع الثالث من التخيل المشار إليه على أنه إبداع فني أو ثقافي. ينبغي عليهم عندما يحاولون فعل شيء أن يفعلوه على الأغلب بواسطة النقل مثلما يفعل الرهبان عندما يرسمون الأيقونات. ينبغي عليهم أيضاً أن يحاولوا تجنب النشاط الذهني المتعلق بالله. إلا أنهم يستطيعون استعمال تعليم الآباء القديسين عن الله. لا ينبغي عليهم إعطاء آرائهم الشخصية، لكن ينبغي عليهم أن يضعوا تعليم الآباء القديسين عن الله وعن كل ما له علاقة بالحياة الروحية في المقام الأول. ينبغي عليهم أيضاً عندما يصلون أن يقف النوس عند عبارات الصلاة ومعناها، ولا ينبغي عليه أن يتخيل صوراً ومشاهد.

إنه أمر مهم جداً أن قراءة الأعمال الأدبية تنمي وتثير قدرة النفس على التخيل، على حين أن قراءة أعمال الآباء القديسين تصلب قدرتنا التخيلية. يظهر ذلك أن الآباء القديسين يتحدثون بدون خيال أو تخيل، حيث أنهم اكتسبوا حياة روحية. أحد طرق التخلص من الخيال والتخيل هو من خلال قراءة مصحوبة بالصلاة لتعاليم وعظات الآباء القديسين المتنوعة.

على الرغم من ذلك، لا يكون وجود الخيال والتخيل في أولئك المبتدئين في الحياة الروحية علامة على الضلالة. إلا أنه لو بقي في حياتهم الروحية لوقت طويل، فإنه يتسبب في العديد من الاضطرابات النفسية.

5- مظاهر الخيال والتخيل

من المهم تقصي الطريقة التي يظهر بها الخيال والتخيل، وكيف يعبران عن نفسهما، وكيف يتكونان. يعني ذلك إلقاء النظر على العوامل التي تثير قدرة النفس التخيلية.

تلعب الحواس دوراً رئيسياً في نمو الخيالات. في أغلب الأحيان يكون التخيل هو استرجاع الصور التي تجلبها لنا الحواس. هذه هي صور تأتي من واقع مدرك. يعلِّم القديس مكسيموس أنه عندما يقاد الجسد نحو الرغبات والملذات بواسطة الحواس، فإن النوس المنحرف يذعن ويخضع لخيالاته واندفاعاته الشهوانية“. بالتالي عندما يحفَز الجسد بواسطة الحواس، فإن النوس يستجيب للخيالات والتخيلات. إننا نرى شيئاً ما، ونرغب فيه، ونشعر باللذة، وتُخلَق الصورة الخيالية. بالمثل، تثير ذاكرة الشخص، أو الشيء أو الموضوع الخيال. علي حين يعمل النوس المنحرف بهذه الطريقة، فإن النوس الصالح يمارس ضبط النفس ويمتنع عن الخيالات الشهوانية“.

يعلِّم أيضاً القديس مكسيموس قائلاً: “إننا نحمل معنا الخيالات الشهوانية التي للأمور التي اختبرناها“. عندما نختبر أموراً متعددة، وعندما نكتسب هوى من نحو شخص ما أو شيء ما، فإنه من الطبيعي أن تكون لدينا خيالات شهوانية وتصورات نحملها معنا. بالإضافة إلى ذلك، يكتب القديس غريغوريوس بالاماس أن القدرة التخيلية للنفس تستقبل البصمات أو الصور من الحواس. “هذه القدرة، وليست الحواس نفسها، هي التي تفصل تماماً الصور الموجودة داخلهم عن أجسادهم“. ليست الحواس هي الملومة، لكن من خلال الحواس تنطبع الأشياء التي سُمعت، والتي تم تذوقها، والتي تم شمها، والتي لمُستعلى قدرة النفس التخيلية وتصبح مرئية.

ترتبط الأفكار أيضاً بالحواس، وتستطيع الخيالات أن تدخل إلينا من خلال الأفكار أيضاً. يقول القديس هيزيخيوس القس أن كل فكر يدخل القلب في شكل صورة ذهنية لشيء مدرك بالحواس“. تقتحم الصور الذهنية للأشياء المدركة أفكارنا. يقول القديس غريغوريوس السينائي أن أسباب الأهواء هي الأعمال الخاطئة، وأسباب الأفكار هي الأهواء، وأسباب الخيالات هي الأفكار. تأتي الأهواء من الخطايا التي يرتكبها الشخص باستمرار. تخلق الأهواء بدورها أفكاراً متعددة، لأنه بحسب الأهواء الموجودة فينا تثار الأفكار المرتبطة بها. بعد ذلك تصبح الأفكار مصدراً للخيالات.

بحسب تعليم القديس غريغوريوس السينائي، عندما تكون الأهواء نشطة، تأتي بعض الأهواء في المقدمة والبعض الآخر يتبعها. بتعبير آخر، في بعض الأحيان يأتي الفكر أولاً ثم يتبعه الخيال، وفي أحيان أخرى يأتي الخيال أولاً ثم يتبعه الفكر إلا أن ذلك يحدث نادراً. على كل حال، ترتبط الأفكار ارتباطاً وثيقاً بالخيالات والتخيلات. “كل فكر هو تخيل في النوس لشيء مدرك بالحواس” (كاليستوس وأغناطيوس زانسوبولس). كل فكر هو خليط من صورة ومفهوم. إنه ليس فكرة بسيطة، ولكنه يكون دائماً مرتبطاً بخيال وتصور.

إذ يتجول عقل الإنسان وينشغل بالصور المتكونة من الحواس يصيغ أنواعاً متعددة من الأفكار من خلال المنطق، والقياس، والاستدلال. يحدث ذلك بعدة طرق، في هوى أو في لاهوى أو في موضع متوسط بين الهوى واللاهوى، بخطأ أو بدون خطأ. تؤدي هذه الأفكار إلى أغلب الفضائل والرذائل، وإلى الآراء سواء الصحيحة أم الخاطئة” (القديس غريغوريوس بالاماس). للحالة الغالبة على أفكارنا أهمية قصوى. لو كانت أفكارنا شيطانية، فإنها تسمم كل كياننا الروحي. ولو كانت إلهية، فإنها تخلق الصحة الروحية داخلنا. ترتبط الأفكار بالتخيلات باستمرار سواء كانت تخيلات صالحة أو رديئة.

حيث أن إدراك الحواس والأفكار يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالأهواء، فإن الخيالات والتخيلات تنبع أيضاً من الأهواء، أو حتى يُعَبَر عنها من خلالها. يحدد القديس نيلوس الناسك نقطة مهمة: لو أن أحداً تخلص من أهوائه ولكنه استمر في التهاون فإنه سوف يجد أن صور خيالات الماضي تبدأ في الظهور ثانية مثل البراعم الصغيرة“. إننا نستطيع أن نجتث الأهواء ونجاهد لكي نجعلها خاملة، لكن صور خيالات الماضي تستطيع اختراق قدرتنا التخيلية لو كنا متهاونين وغير عائشين بيقظة روحية. من يكون غير يقظ وغير سهران يخلق الظروف للأهواء لكي تعود من خلال صورها. هكذا تنتج الأهواء خيالات وتصورات، والخيالات والتصورات تنتج بيئة تساعد هذه الأهواء على الظهور من جديد.

حيث أن الكبرياء هو أعظم الأهواء وأشدها، فإن الخيال والتخيل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالكبرياء. المتكبر لديه خطأ ما في قدرته التخيلية. إنها تكون ملتهبة، فهي تولد كل أنواع الصور والخيالات وتجعل من نفسه منطقة للزلازل.

تظهر أيضاً الخيالات والتصورات في الأحلام التي هي العلامة الرئيسية على أن الصور موجودة داخل النفس. يقول القديس ديادوخوس الذي من فوتيكي: “ليست الأحلام إلا صوراً تعكس أفكارنا المتجولة، أو هي أيضاً خداع الشياطين“. تكون أغلب الأحلام نتيجة للتخيل الناتج عن تكون ووجود الأهواء. بالتالي، يحذر أولئك المنشغلين باكتساب الفضيلة من ألا يثقوا أبداً في التخيل“. أيضاً، يقول القديس مكسيموس أنه عندما تزيد الشهوة من الأدوات التي تتسبب في اللذة لحسية، يستغرق النوس في الخيالات أثناء النوم“. الأحلام هي خيالات، وهي ترتبط بالأهواء الموجودة داخلنا. إننا نستطيع تمييز أي الأهواء لدينا من خلال الصور الموجودة في هذه الخيالات.

حيث أن الخيالات والتصورات هي ظاهرة تنم عن حالتنا الساقطة، وحيث أن كلاً من الشيطان والإنسان لديه تخيل، فإن الإنسان يخضع للقوة الشيطانية من خلال قدرته التخيلية كما ذكرنا من قبل. يخدعنا الشيطان من خلال الخيال والتخيل، وتكون العديد من الصور الذهنية ناتجة عن عمله. يقول القديس هيزيخيوس القس: “حيث أن الشيطان هو نوس بلا جسد فإنه يكون غير قادر على خداع نفوسنا إلا من خلال الخيالات والأفكار“. إنه يثير قدرات النفس المنطقية والتخيلية باستمرار، وتكون العديد من الخطايا نتيجة لعمل الشيطان العنيف.

6- نتائج الخيال والتخيل

من الواضح مما قيل حتى الآن أنه عندما يُغذى الخيال باستمرار فإنه ينتج العديد من الاضطرابات داخل كياننا الروحي. يختبئ الخيال والتخيل في كل خطيئة تقريباً ويكون هو المصدر الرئيسي للمشاكل. إنه يتسبب في عدوى النفس بجملتها ويستمر في إفسادها. يمكن تحديد نتيجتين خطيرتين وشديدتين للخيال كالآتي.

النتيجة الأولى هي أن الخيال يشوه كل الحياة الروحية للشخص ويقوده إلى تأليه ذاته. يكتب الأرشمندريت صوفرونيوس قائلاً: “مثل هذه الصور الشيطانية والصور التي يستحضرها الإنسان قد تؤثر على الناس أو تغيرهم، لكن يوجد أمر واحد لا يمكن تجنبه وهو أن كل صورة، سواء كانت مخلوقة من قِبَل الإنسان نفسه أو موحى بها من قِبَل الشياطين ومقبولة من قِبَل النفس، سوف تشوه الصورة الروحية للإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. هذا الخلقفي ذروة نموه يقود إلى تأليه الخليقة لذاتها، الذي هو تأكيد على المبدأ الإلهي المحتوى في ملء طبيعة الإنسان. هذا هو السبب الذي قد يجعل الدين الطبيعي، أي الدين الخاص بالعقل البشري، يكتسب بشكل حاسم خاصية وحدة الوجود“.

بمقدار ما تلعب الأفكار دوراً مهماً في حالة الإنسان الروحية، فإن الأفكار المرتبطة بالخيال، وخصوصاً الخيال الشيطاني، لابد وأن تشوه كل كيانه الروحي. قد يستطيع المرء الوصول لدرجة إدراك عناصر الألوهية داخل نفسه، وبمجرد أن يدرك عناصر ما هو إلهي في شيء مخلوق، فإنه يكون بالفعل منادي بوحدة الوجود. لو أننا قدمنا العبادة لأي أفكار لدينا فإننا نعلن عن خاصية وحدة الوجود. تأليه الذات هو أعظم الخطايا. إنها الخطيئة التي سقط فيها آدم، والتي قادت إلى تشويه حياة الإنسان بجملتها، داخلياً وخارجياً، بكل نتائجها المدمرة. إن تأليه الذات، الذي هو إدراك العنصر الإلهي داخلنا، هو في الواقع تكرار لسقطة آدم. تندرج الديانات الطبيعية المعاصرة، بما فيها التأمل واليوجا وما شابه ذلك، تحت هذه الفئة.

النتيجة الثانية، والمرتبطة بالأولى، هي أن الخيال والتخيل يؤدي إلى العديد من التشوهات النفسية، إلى حد الهلاوس والضلالات. عندما يغذي الشخص الخيالات باجتهاد، حتى لو كانت خيالات تخص الحالات الروحية، وعلى الأخص عندما يستمر في ذلك على مدار سنوات، فإن كل حياته الروحية تشوه، ويعاني من اضطرابات نفسية ومرضية خطيرة. يستطيع الناس الوصول إلى هذه النقطة من خلال ممارسة التأمل. ينبه الأرشمندريت صوفرونيوس ثانية قائلاً: “إنهم يستحضرون مشاهد من حياة المسيح أو من دراسات مقدسة مشابهة. عادة ما يتبنى المبتدئون هذا المسار. بهذا النوع من الصلاة التخيلية لا يُحتوى العقل داخل القلب بهدف اليقظة الداخلية. يبقى الانتباه مثبتاً على الجانب البصري للصور المعتبرة كإلهية. يقود ذلك إلى إثارة نفسية (عاطفية)، التي إذ تصل للذروة، قد تقود إلى دهش مرضي. يبتهج المرء فيما ’وصل‘ إليه, ويتشبث بهذه الحالة، ويتعهدها، ويعتبرها ’روحية‘ (كثمار للنعمة) وبالتالي يظن المرء في نفسه أنه قديس ومستحق لمعاينة أسرار الله. لكن في الواقع، مثل هذه الحالات تؤدي إلى هلاوس، ولو لم يخضع المرء لأمراض عقلية، فإنه على الأقل يبقى ’مفتوناً‘ وعائشاً في عالم من الخيال“.

هذه هي الطريقة التي تتكون بها حالات الضلالة والهرطقة الشيطانية. كما هو واضح مما ذكرناه، تكون نفس الشخص في هذه الحالة مريضة. كل شخص لديه ضلالة وهرطقة ويتعهد خياله يكون مريض النفس. هذا ما يميت النفس. يقول القديس غريغوريوس السينائي أنه عندما يتخيل النوس فإنه يفقد حتى الحالة الممنوحة من الله التي كان يمتلكها ويصبح مائتاً بجملته“. يكون الشخص المنشغل بخياله في خطر شديد أن يُحرَم من النعمة القليلة التي لديه، وفي ’الغالب أن يفقد عقله‘. إنه إذ يُخدَع من الخيال عادة ما يصبح مختلاً عقلياً، وعندئذ يصبح حتى المدعو هدوئياً ’خيالياً وليس هدوئياً‘.

يعرف التقليد الرهباني عن العديد من مثل هذه الحالات لنساك ضلوا، وبالتحديد لأنهم كانوا غير مبالين بمسألة الخيال والتخيل الخطيرة. لقد فقدوا خلاصهم، ولكنهم فقدوا أيضاً عقولهم. إننا نرى العديد من مثل هذه الحالات في المجتمع العلماني أيضاً. إننا نلتقي بأناس يتعهدون قدرتهم التخيلية بشدة ويضطربون داخلياً. تكون الاضطرابات النفسية والعقلية دليلاً واضحاً على أن القدرة التخيلية متضخمة وملتهبة.

يقول الأنبا بيمن أنه كان يعرف شخصاً ضربه الشيطان بعنف من خلال خياله لدرجة أنه في أحد المرات ظن أنه رأى أخاً يخطئ مع إمرأة. وعندما لم يحتمل النظر أكثر، اقترب لكي يلمسهما بيديه ويقول: “كفى الآن! حتى متى؟وعندئذ تحولا إلى حزم من القمح“. لم يكن هناك أحداً، ولكن بدت حزم القمح مثل الأشخاص، أو أن الشيطان أعطاها هذا المظهر.

يحكي أيضاً الأنبا إيليا أنه رأى في أحد المرات شخصاً يحمل قارورة خمر تحت إبطه، لقد رأى شخصاً يسرق الخمر. إلا أنه أدرك أن الشيطان كان يعمل وعلى الفور سأل الأخ أن يريه ما يحمله. لم يكن أي شيء موجود هناك بالمرة، وأدرك أن ذلك كان عمل الشياطين.

هذان المثالان لا يعنيان بالطبع أن أولئك الرهبان رأوا مثل هذه الأمور لأنهم فقدوا عقلهم باستثارة خيالهم. لقد كان ذلك عمل الشيطان. على كل حال نحن نذكر هذه الأمثلة لكي نوضح أنه من الممكن أن نرى أشياء غير موجودة من خلال نشاط شيطاني، ولكن أيضاً من خلال استثارة الخيال. من الممكن أن نختبر هلاوس وأوهام. كما يعاني مدمن المخدرات في أغلب الأحيان من الضلالات تحت تأثير المخدرات، هكذا الشخص الواقع في قبضة الخيال والتخيل يرى أشياءً غير موجودة ويعاني من الضلالات والهلاوس.

يقود تغذية الخيال والتخيل إلى هلاوس وضلالات عندما يساعده عمل العقل البشري المريض.

7- التخيل والخيال والصلاة

ينبغي أن تتحرر الصلاة، وخصوصاً ما يسمى صلاة القلب النقية، من الخيال والتخيل. النوس المأسور بالخيال يكون غير قادر على الصلاة النقية. تكون صلاة مثل هذا النوس غير نقية، وممتلئة من الصور الذهنية والخيالات.

التخيل هو عدو الصلاة النقية وعمل النوس الجاد. كما يقول كاليستوس وأغناطيوس زانسوبولوس: “هذا الخيال الملعون هو عائق كبير لصلاة القلب النقية ولعمل النوس الوحيد غير المشتت“. يعلِّم الآباء القديسون أن أولئك الذين يريدون الصلاة النقية ينبغي عليهم أن يصلُّوا بمعونة الله، بدون خيالات، ولا تصورات، ولا انطباعات، بنوس ونفس نقيين تماماً“. لا ينبغي عليهم أن يكوِّنوا صوراً ذهنية بخصوص الله. ينبغي على النوس أن يبقى نقياً وغير مادي. عندئذ فقط تستطيع الصلاة النقية أن تتجلى في القلب.

ينصح القديس نيلوس السينائي قائلاً: “كن حذراً واحمِ نوسك من الصور الذهنية أثناء الصلاة“. ثم يحث ثانية قائلاً: “لا تحاول أبداً أن ترى شكلاً أو صورة أثناء الصلاة“. إنه يعلِّمنا في موضع آخر ألا نكوِّن صورة عن الله داخلنا عندما نصلي. “عندما تصلي لا تكوِّن أي صورة لله داخل نفسك، ولا تدع نوسك يصطبغ بانطباع عن أي شكل، لكن اقترب من غير المادي بطريقة غير مادية وعندئذ سوف تفهم“.

إننا نحتاج أيضاً أن نكون حذرين من جهة البهجة التي نشعر بها أثناء الصلاة. قد يتكون الخيال، خصوصاً بين أولئك الذين يعيشون معاً ويصلون كجماعة. يقول القديس يوحنا السلمي أن الفرح الذي يشعر به أولئك الذين يعيشون في جماعة رهبانية يختلف عن الفرح الذي يختبره أولئك الذين يصلُّون في الهدوء“. قد يكون الأول متأثراً قليلاً بالخيالعلى حين يكون الثاني مملوءاً بالتواضع. بالتالي، الصلاة الأكثر ملائمة هي يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ، التي ينبغي قولها بدون استعمال الخيال، على أن تكون مصحوبة بتوبة صادقة وعميقة.

عندما يصلي المرء بنقاوة يُستنار ويستضيء بالله. هذه الاستنارة هي نعمة إلهية تأتي للإنسان من خلال الصلاة النقية. يقول القديس ديادوخوس الذي من فوتيكي: “نور الألوهية المباركيشرق فقط عندما يكون القلب خالياً تماماً من كل شيء ومتحرراً من كل شكل“.

يقول كاليستوس وأغناطيوس زانسوبولوس أنه عندما يكون نوس المرء متحرراً من الانطباعات، وعندما لا يقبل أي خيالات أو تصورات، فإنه يستقبل أشعة النور الإلهي. ينبغي على النوس أن يكون خالياً من كل صورة ذهنية أثناء الصلاة. ” ليس المفهوم عن الله هو أحد تلك الأفكار التي تطبع صوراً في النوس، ولكنه لا يعطي أية انطباعات“.

هذا هو السبب الذي يجعل على الشخص المصلي أن يفصل نفسه تماماً عن المفاهيم التي تطبع صوراً في النوس“. ينبغي علينا أن نلفظ كل الصور الذهنية أثناء الصلاة. يسمى النوس النقي عرش اللهوذلك بحسب نفس الأبوين.

من المؤكد أن الآباء القديسين يوصون بالحذر الشديد، لأنه قد يصلي المرء بهدوء ونقاوة ومع ذلك تدخل إليه صورة غريبة متولدة من الشيطان الذي يدفعه لكي يقبلها على أنها إلهية، وكنتيجة لذلك يسقط في الوقاحة والكبرياء. هذه خدعة موضوعة من قِبَل الشيطان. يكتب القديس نيلوس الناسك قائلاً: “احذر من خداعات الأعداء. فأحياناً، بينما تصلي بنقاء وهدوء، يأتي أمامك فجأة شكل غريب يجعلك تتصور في خيالك أن الله حاضر هنا. إن هدفهم هو أن يقنعوك أن الصورة التي أُعلنت لك فجأة هي إلهية“. الله بالطبع هو بدون كم أو شكل“. توجد العديد من العلامات التي تميز بين معاينة الله الآتية من الله ورؤيته الآتية من الشيطان. على كل حال، ينصحنا الآباء القديسون ألا نقبل أية فكرة أو رؤية أثناء الصلاة. لو كانت من الله، فالله يعرف كيف يقنعنا بها.

يوصي القديس يوحنا السلمي قائلاً: “لا تقبل أي صورة حسية أثناء الصلاة لئلا تتشتت“. إننا نرفض كل صورة مدركة وكل نوع من التخيل والخيال أثناء الصلاة. كما يقول الآباء القديسون، النور غير المخلوق هو عديم الشكل، هادئ، فردي، وعديم اللون. ما هو عكس ذلك ينطبق على النور الشيطاني.

8- الخيال والتخيل وعلم اللاهوت

لقد ذكرنا بالفعل أن علم اللاهوت النقي يتكون في الشخص الذي تحرر من الخيالات والتخيلات. إن أياً من مر خلال مراحل التطهير (التحرر من اللذة الحسية والألم)، واستنارة النوس (التحرر من النسيان والجهل)، وتحرر من صور الخيال، اكتسب علم لاهوت نقي. لقد دخل إلى معرفة الله النقية. تكون عينا نوسه قادرتين على استقبال الطاقة الإلهية كما يقول القديس مكسيموس.

لأن معرفة الله مرتبطة بمعاينة النور غير المخلوق. يؤكد القديس هيزيخيوس القس على أن نور الألوهية المباركيشرق داخلنا عندما يتحرر النوس من كل شيء ويكون بلا شكل. عندئذ يكون النوس في حالته الطبيعيةويكون مستعداً للتقدم نحو كل نوع من المعاينة الروحية المبهجة التي ترضي الله“.

اللاهوتي هو شخص تسكن فيه الطاقة الإلهية التي لله الثالوث. ومع ذلك، تماماً مثلما لا يسكن الله في هياكل مصنوعة بأيادٍ بشرية فإنه بالمثل لا يسكن في أي تصورات أو اختراعات من صنع النوس، كما يقول القديس باسيليوس الكبير في تعليمه الذي استشهد به كاليستوس وأغناطيوس الكسانثوبوليسيان. عندما يكون نوس الإنسان خاضعاً لقدرة النفس التخيلية والحواس، فإنه يوّلِد شكلاً مركباً من المعرفة“. هذا هو تعليم القديس غريغوريوس بالاماس: “عندما يتوج النوس نفسه بقدرة النفس التخيلية، وكنتيجة لذلك يصبح مرتبطاً بالحواس، فإنه يوّلِد شكلاً مركباً من المعرفة“.

يتكلم الآباء القديسون عن نوعين من الثايوريا (معاينة الله). يوجد نوع من العمل والنعمة يُستَقبَل، ونوع آخر يُفهَم“. إنهم يعلِّمون أن هذين النوعين من الثايوريا بعيدان عن بعضهما البعض كبعد المشرق عن المغرب، وكبعد السماء عن الأرض؛ وأن الواحد يسمو على الآخر كما تسمو النفس على الجسد. تكون الثايوريا المستَقبَلةأكثر إمتيازاً. إنها تتولد في القلب بواسطة الله نفسه، وهي أيضاً تنقل هذه الطاقة والنعمة إلى الجسد خارجياً. تكون الثايوريا المفهومةفي مرتبة أدنى. إنها تتكون خارجياً، ومن خلال أن يؤخذ في الاعتبار كيفية توجيه وتنظيم الأشياء المخلوقة بطريقة جيدة. إنها تصل إلى الله في إيمان بإطراد من خلال تجميع الصور المختلفة إلى شبه الحقيقة“. الثايوريا المستَقبَلةتتولد في القلب بواسطة الله، على حين أن الثايوريا المفهومةتأتي من التطلع إلى خليقة الله وعنايته المدبرة. يتضمن النوع الثاني من الثايوريا عنصراً من الخيال. يكون النوع الأول، أي الثايوريا المستَقبَلة، هو معاينة الله المحضة، التي تسمى أحياناً علم اللاهوت الإيجابي.

بالإضافة إلى ذلك، كما يقول القديس اسحق السرياني، توجد للنفس عينان، بإحداهما نرى ما هو مخفي في الطبيعة (الثايوريا المفهومة“)، وبالأخرى نعاين مجد الله، عندما يقودنا الله إلى الأسرار الروحية (الثايوريا المستَقبَلة“).

لم يتكلم الأنبياء عن الله باستعمال خيالهم، لكن من خلال إعلان الله في قلبهم ونوسهم. يقول القديس باسيليوس الكبير أن الأنبياء عاينوا صوراً مطبوعة في قدرتهم الحاكمة (النوس) بواسطة الروح القدس“. كما يعلِّم القديس غريغوريوس بالاماس قائلاً: “يحل الروح القدس على نوس الأنبياء، وهو إذ يستعمل القدرة الحاكمة كأداة، فإنه يعلن لهم المستقبل، ولنا من خلالهم“.

أعلن الله أسراره للأنبياء، لنوسهم داخل قلوبهم. فعقلهم، إذ يستمد المعونة من التعليم الملائم الذي يشتمل على صور للعالم المدرَك بالحواس، يقوم بتجميع هذا الإعلان، لكن الإعلان نفسه ليس له أية علاقة بالقدرة التخيلية. يتكلم الآباء القديسون عن الله دون أن يستعملوا خيالهم. أيضاً، ما يُسمى رمزاً في علم اللاهوت هو ليس مجرد رمز أو شيء رمزي، ولكنها قدرة تأتي من صميم طبيعة الوجود الإلهي. الأنبياء والذين دخلوا إلى الأسرار المقدسة لا يتخيلون الله، لكن الله يُستَعلَن لقلوبهم النقية.

9- التحرر من الخيال والتخيل

يتضح من كل ذلك أنه ينبغي علينا أن نتحرر مما يسميه الآباء القديسون الخيال الملعون، الذي هو مصدر العديد من الاضطرابات الجسدية والروحية. إننا سوف نحدد طرق تحرير أنفسنا من هذه الحالة الرهيبة المشوِهة.

ينبغي علينا في المقام الأول أن نجاهد ضد الخيال والتخيل. ينبغي علينا أن ندرك أننا نحتاج للجهاد لكي نتخلص منهما. كما يقول القديس نيقوديموس: “للخيال الشهواني قدرة وسيادة علينا أكبر من قدرة وسيادة الحواس ذاتها“. لكي تقع الحواس في الخطيئة فإنها تحتاج للعديد من الأمور والمتطلبات، على حين أن التخيل يعمل بدون أي شيء، حتى عندما تكون الحواس غير عاملة.

بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي علينا أن نقبل بالمرة أي صورة من القدرة التخيلية. عندما ندرك أن قدرتنا التخيلية عاملة، ينبغي علينا إيقافها على الفور. يقول القديس ديادوخوس: “إننا نستطيع الوصول للفضيلة العظمى بألا نثق أبداً في خيالنا“. ينصحنا الآباء القديسون ليس فقط أن ننبذ الأفكار، ولكن ألا نصدق حتى ما نراه بأعيننا أو نسمعه بآذاننا. يقول الأنبا إيليا: “حتى لو رأيت شيئاً بعينيك أو سمعته، فلا تقبله“. في الواقع، يأمرنا الأنبا بيمن: “حتى لو لمست شيئاً بيديك، فلا تشهد عليه“. ينبغي علينا أن نبذل مجهوداً لكي ننبذ ما تخبرنا به الأفكار والخيالات، بل وأن نرفض أيضاً التعامل مع المعلومة التي تجمعها حواسنا، لأن الشيطان قد يجربنا من خلال الحواس.

ينبغي علينا أن نبقى هادئين حتى عندما تواجهنا الصور المتخيلة الآتية من الشيطان. عندما يزعجنا الشيطان أثناء الصلاة، ينبغي علينا ألا نضطرب. يقول القديس نيلوس الناسك أنه، حتى لو رأيت سيفاً مستلاً في وجهك، أو ضوءاً مضاءاً، في عينيك أو وجهاً مقززاً وملطخ بالدماء، فلا تهتز، وابقَ هادئاً، ولا تضطرببالمرة. المطلوب هو اعتراف إيمان جيد، صلِ لله بإيمان وعندئذ سوف تختفي تلك الصور.

توجد ظروف، خصوصاً في بداية جهادنا الروحي، لو لم نستطع فيها أن ننبذ التخيل تماماً ينبغي علينا على الأقل أن نستعمله بطريقة جيدة. هذا يتضمن بدون شك على خطر البقاء في هذه الحالة وتكبد مشاكل نفسجسمية أخرى. يعلِّم القديسان كاليستوس وأغناطيوس الزانسوبولس أنه ينبغي التخلص من التخيل تماماً“. لو لم نستطع تحقيق ذلك بالتوبة، والتواضع، والانسحاق، ينبغي علينا حينئذ أن نقاومه ونقف ضده بخيال جيد التنظيم“. ينبغي أن نقول ذلك بتحفظات عديدة، وينطبق ذلك فقط عندما نكون في بداية الجهاد الروحي، والهدف هو أنه ينبغي علينا أن نتخلص من هذه الطريقة بسرعة.

حيث أن الخيال والتخيل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمرض النفس ووجود الأهواء، فإنهما يشفيان بجهادنا لكي نشفي نفوسنا ولكي نحرر ذواتنا من الأهواء. كما يقول القديس مكسيموس: “بمجرد أن تبدأ النفس في أن تعي صحتها الشخصية الجيدة، فحتى خيالاتها أثناء النوم تصبح بسيطة وهادئة“.

ينبغي علينا أيضاً أن نجاهد لكي نحافظ على نوسنا نقياً. يسمى هذا يقظة أو سهر في لغة العهد الجديد والآباء القديسين. يكتب القديسان كاليستوس وزانسوبولس أن النوس هو جوهر غير منقسم، وبسيط، وكامل في ذاته. ينبغي علينا أن نحافظ عليه نقياً ومضيئاً، وأن نتأكد أنه منفصل عن الخيال، وليس له شركة معه“. حراسة النوس هي طريقة جيدة جداً للتخلص من حمل الخيال والتخيل. الطريقة الوحيدة لتحقيق اليقظة الروحية هي من خلال فحص الخيال بعناية، لأن الشيطان لا يستطيع إثارة وخداع النوس في غياب الأفكار المرتبطة بالخيال والتخيل، وذلك بحسب القديس هيزيخيوس القس.

التوبة هي الطريقة الأكثر فاعلية للتخلص من الخيال والتخيل. إننا نستطيع فقط أن نطهر قدرتنا التخيلية من خلال التوبة العميقة. لقد تكلم الآباء القديسون كثيراً عن عمل التوبة. يكتب كاليستوس وأغناطيوس الزانسوبولوس قائلين أن الخيال يُطرد من خلال التوبة والانسحاق، الحزن والاتضاع“. ترتبط التوبة بالمشقة والدموع. يحرق البكاء كل توجهاتنا نحو الحياة المتمركزة حول الإنسان تماماً.

بالإضافة إلى ذلك، عندما نجاهد لكي نحفظ وصايا المسيح فإننا نتخلص من الحالات المرعبة والمشوهة الناتجة عن الخيال والتخيل. حفظ وصايا المسيح يعني محاولة اتباع المدركات الإلهية والوصول للاتحاد بالله من خلالها.

ترتبط التوبة بالتواضع. أو بالأحرى، تحدث التوبة في مناخ من التواضع. أينما يوجد تواضع عميق يكون من المستحيل على التخيل والخيال أن ينموان حيث أنهما يغذيهما الكبرياء، والذات، والخيلاء. عادة ما يستغرق الرجل المتكبر في أحلام اليقظة ويكون لديه فكرة متكبرة عن ذاته؛ إنه يضع لنفسه أهدافاً عالية للتحقيق وبالتالي يستثير قدرته التخيلية.

حيث أن العديد من الخيالات يُعَبَر عنها أيضاً في الأحلام، يوصي الآباء القديسون أنه ينبغي علينا تلاوة العديد من الصلوات قبل الذهاب للنوم. ينصح الأنبا فليمون قائلاً: “قبل أن تذهب للنوم اتلُ العديد من الصلوات في قلبكبقدر ما تستطيع، اجتهد أن تنام فقط بعد تلاوة المزامير والقراءة المنتبهةقل قانون الإيمان الأرثوذكسي قبل النوم“.

تستطيع الصلاة بكثرة، وقراءة الكتب المقدسة، وتلاوة قانون الإيمان أن تحررنا من هجمات التخيل والخيال. من الملاحظ جيداً أن دراسة كتابات الآباء القديسين تصلب الخيال، على حين أن قراءة الكتابات الشهوانية، خصوصاً الروايات، تثير الخيال. لم يهتم الآباء أبداً بما يسمى الروايات المسيحية، والحكايات القصصية وما إلى ذلك، لأن هذا النوع من الكتابات يثير الخيال. على العكس من ذلك، حتى الشعر المكتوب بواسطة القديسين يحتوي على عنصر من التوبة ومعاينة الله. تحتوي أشعار القديس سمعان اللاهوتي الحديث على إعلان الله. لا يوجد فيها أي أثر للتصور أو التلوث بالخيال.

قبل كل شيء، عندما تدخل نعمة الله قلب الإنسان فإنها تخلق إدراكاً يساعد المرء على التمييز بين النعمة والخيال الشهواني الذي هو طاقة شيطانية. يقول القديس هيزيخيوس القس: “النفس التي تلقت بركات وحلاوة يسوع ترد الإحسان بأن تقدم له الشكر بتهلل وحب“. تعاين النفس، من خلال النوس، الرب داخلها محطماً الخيالات الشيطانية“. عندما يدخل المسيح القلب يجلب السلام ويطرد كل خيالات وتصورات الأرواح الشريرة.

إن موضوع الخيال والتخيل واسع المجال ومهم جداً للحياة الروحية، كما هو واضح مما قيل من قبل. إننا نستطيع أن نكتسب إدراكاً واضحاً للحياة الأرثوذكسية ومعرفة الله النقية فقط عندما نتخلص من الخيال الملعون“. بمقدار ما يسودنا الخيال، بمقدار ما نبقى في عالم الخيالات والتصورات، ولا نستطيع اكتساب إدراكاً واضحاً للأرثوذكسية.

لقد قدمنا تحليل الخيال والتخيل هذا للأسباب التالية:

أولاً، يظن بعض الناس أن الخيال جيد وأنه ينبغي تنميته حيث أنه لا يؤذينا ويأتي للبشر بشكل طبيعي. على كل حال لقد أوضحنا هنا أن الخيال والتخيل العاملين في القدرة التخيلية هما ظاهرة لحالة الإنسان الساقطة ولا تسمح للنوس باكتساب خبرة عن الله. ينبغي على النوس أن يتحرر ليس فقط من الخيال ولكن من نشاط القدرة التخيلية. بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، عندما يرتبط النوس بالقدرة التخيلية فإنه يولد صورة مركبة من المعرفة“.

ثانياً، أردت التأكيد على أنه ينبغي علينا جميعاً أن نحرر أنفسنا بقدر الإمكان من قوة الخيال. لا ينبغي علينا أن نثق فيه أو ننميه. ينبغي علينا أن نستعمله في أضيق الحدود لأغراض جيدة ولوقت قصير فقط. ينبغي أن يكون هدفنا الرئيسي أن نتحرر من تأثيره بواسطة التوبة.

ثالثاً، يرتبط الاتحاد بالله ارتباطاً وثيقاً بالتحرر الكامل من الخيال والتخيل. هذا هو تعليم الكنيسة، الذي يمثل خبرة القديسين بما فيهم الأحياء اليوم. لو تجاهلنا تقليد قديسينا، فإننا نحط من المسيحية إلى مستوى الأخلاقيات والعواطف النفسية.

هل يجوز للمسيحيين أن يقتلوا؟

هل يجوز للمسيحيين أن يقتلوا؟

الأب فيليب لوماسترز

نقلتها إلى العربية جولي عطية

إنّ بروز الطلبات السلاميّة في القدّاس الإلهي يسلّط الضوءَ على موقف الأرثوذكسيّة من الحرب. بما أنّ الكنيسة تؤمن بأنّ القدّاس الإلهي هو اشتراك في التسبيح السماوي، وبما أنها تجعل أساسَ معرفة الله في العبادة والخبرة الأسراريّة، فمن الملائم أن تضع مسألة الحرب والسلم ضمن الحياة الليتورجية في المسيحية الشرقية، لأنّ الكنيسة تكون في أكمل شركةٍ مع الروح القدس أثناء العبادة.

في قداس الذهبيّ الفم، تبدأ الطلبة السلاميّة الكبرى بالتماس السلام الذي من العُلى، وخلاص نفوسنا، وسلام العالم، وحسن ثبات كنائس الله المقدّسة، واتّحاد الجميع“. وفي كلّ قداسٍ إلهي، نصلّي من أجل رعيّتنا والكهنة والشعب، والحكّام والذين في الخدمة العامّة، ومكان عيشنا وجميع المدن والقرى، وأوقات سلاميّة، والمسافرين والمرضى والمتألّمين والأسرى وخلاصهم، ونجاتنا من كلّ ضيقٍ وخطرٍ وغضبٍ وشدّة. “اعضد وخلّص وارحم واحفظنا يا الله بنعمتك، هكذا نضرع في النهاية مودعين أنفسنا وبعضنا بعضًا وكلّ حياتنا للمسيح الإله“.

هذه ليست تعابير منمّقة، أو صلوات تسعى فقط إلى بثّ الطمأنينة لدى المصلّين أو إلى اقتناء الملكوت الآتي. فهذه التعابير تجسّد رؤية الأرثوذكسية للخلاص، وتطلب من الله أن يعطينا إمكانية اختبار سلامه العلوي الآن في كلّ بُعدٍ من أبعاد الحياة: أي على المستوى الشخصي والعام والديني والوقتي والسياسي. بتلاوة هذه الصلوات، يَطلبُ الإنسان أن يشترك في ملكوت الله منذ الآن على الأرض، وأن يجدَ الشفاء ونعمة الخلاص في كلّ بعدٍ من حياته، وفي كلّ مظهر من خليقة الله.

إنّ القدّاسَ الإلهي بكامله ظهورٌ لملكوت الله على الأرض. يبدأ الكاهن الخدمة بإعلان مباركةٌ مملكة الآب والابن والروح القدس، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، ما يُعلِنُ أنّ الجماعة تشتركُ الآن في تسبيح الملكوت. تُرفعُ الكنيسة إلى حياة الملكوت حين يجتمع أعضاؤها لتمجيد الثالوث القدوس والاشتراك فيه.

وإذ نؤمن بالتجسُّد وبعظمة خليقة الله المادّية، نصلّي من أجل سلام وخلاص الذين في أوضاعٍ واقعيةٍصعبةٍ من خطرٍ وألمٍ، ومن أجل نجاتهم من جميع أنواع الكوارث والمصاعب التي تُحدِق بأجسادنا الفانية في هذه الحياة.

إنّ السلام الذي نصلّي من أجله يشمل كلَّ بعدٍ من وجودنا في حضرة الرب. لقد خلقنا الله لنكون في شركةٍ معه بكافة جوانب شخصنا: أي الجسد والروح والنفس. والخلاص المسيحيّ يستتبع قيامةَ الذات المتجسّدة بكاملها، في شركةٍ مباركةٍ مع الملكوت، وتحوّلَ الخليقة بأسرها في طاعةٍ للثالوث القدوس.

والسلام الذي نصلّي من أجله هو اشتراكنا في الخلاص الشامل الكلّ. لا يوجد سلامٌ حقيقيّ إلاّ في الشفاء والتحوّل اللذين مُنحا للبشر من قبل الإلهالإنسان، مَن فيه تتّحدُ بشريّتنا بالألوهة. وبما أنّ الله يهدف إلى خلاصنا على كافة أصعدة وجودنا، فشفاؤه يشمل البشريّة بأسرها. وكما يصبح الخبز والخمر أداة شركتنا مع الله، يجب أن نقدّم كلّ جزءٍ من ذواتنا ومن هذا العالم إلى الآب، باتحادٍ مع ذبيحة الابن وبقوّة الروح القدس. حينها، سنجدُ الشركةَ المعطية الحياة مع الثالوث القدوس في كلّ ما نفعله ونقوله، وستصبح حياتُنا تقدمةً شكريّةً، بينما ننمو في القداسة والاتّحاد بالله.

ولمّا كان القدّاس الإلهي اشتراكًا في السلام الاسخاتولوجي (الأخروي) الذي لملكوت الله، يجوز لنا أن نتساءل ما إذا كان أعضاءُ الكنيسة يدركون هذه الرؤية المتعلّقة بالسلام السماوي ويعيشونها. وتتبادر إلى ذهننا فورًا ملاحظةٌ واقعيّةٌ، وهي أنّ أعضاءَ الكنيسة خطأةٌ، ولم تظهر بَعدُ بالكامل حياتَهم الجديدة في المسيح. إلاّ أنّ حضور الروح القدس يساعد الكنيسة على تجسيدِ تذوّقٍ مُسبَقٍ للسلام الاسخاتولوجي الذي لملكوت الله، والتاريخ وحياة الكنيسة يشهدان على أنّ سلامَ الله المخلّص هو هنا والآن.

رغم وجود بعض الالتباس في تعليم الكنيسة حول المشاركة المسيحيّة في الحرب، إنّ النظرة الأرثوذكسية إلى السلام تجلُّ المسامحة والمحبّةَ المجرَّدة من الأنانيّة، مقارَنةً بالعنف، وتعتبر الحربَ أهوَن الشرَّين في بعض الحالات، مع آثار مدمّرة روحيًّا على المشتركين بها.

مقارنةً بالأرثوذكسية، من الأسهل أن نبيّن تبريرات الحرب عند المسيحيّة الغربيّة التقليدية. وقد تضمّنت مَنحَ صكّ الغفران لمن شارك في الحملات الصليبيّة، وتبنّي نظرية الحرب العادلة. الأمر الأوّل أظهر قتلَ الخائنين بمثابة تصرّفٍ صائبٍ، فتحرّرَ الصليبيّون من العقاب الوقتيّ على خطاياهم، وأُعفوا أيضًا من المطهَر. أمّا الأمر الثاني، والذي كان له تأثيرٌ كبيرٌ على الحضارة الغربية، فيؤيِّد أخلاقيًّا الحروب التي تتوافق مع معايير فلسفية معيّنة.

لم يسبق للأرثوذكسية أن تبنّت الأخلاق الصليبيّة، بل لطالما اعتبرت الحربَ شرًّا، لو أنّ الكنيسة قبلت المشاركة في الحرب بأسفٍ، بصفتها شرًّا لا بدّ منه، من دون أن تُنكرَ أنّها شرٌّ يجب تجنّبه أو حدِّه بقدر الإمكان، على حدّ تعبير اللاهوتي أوليفييه كليمان. ويقول في مكان آخر إنّ المعيار المثالي الوحيد هو السلام، لذلك لم يسبقْ للكنيسة الأرثوذكسية أن وضعت قوانين مرتبطة بالقانون الإنساني الدولي (ius in bello) وقانون الحرب (ius belli).

يقول القديس باسيليوس الكبير في القانون الثالث عشر من رسائله القانونية الـ92: “لم يعتبر آباؤنا حوادثَ القتل التي تتمّ في الحروب بمثابة جرائم، وبالنتيجة يبدو لي أنّه يجب العفو عن الرجال الذين يقاتلون دفاعًا عن الوقار والتقوى. إلاّ أنه من المستحسَن أن يُمنعوا من المناولة لمدّة ثلاث سنوات، لأنّ أيديهم ليست نظيفة“.

يقول الأب جون مكغوكين إنّ القديس باسيليوس يستشهدُ بالقديس أثناسيوس، باعتباره الأبَ الذي كتب في رسالته إلى أمون أنّ قتل العدوِّ مشروعٌ في حالة الحرب“. ثمّ يوضح مكغوكين أنّ القدّيس أثناسيوس كان ينصح أمون فيما يخصّ مسألة الإفرازات الليلية: “في الواقع، لم تكن الرسالة الأصليّة على أيّة صلة بمسألة الحربوالصورة العسكرية عرضيّة كليًّا، يستعملها أثناسيوس في سياق النصّ ليفسّر نقطته الرئيسة في الرسالة“. وهذا يُظهر أنّه لا يمكن تمييز الدلالة الأخلاقيّة للأعمال من دون العودة إلى سياق النص الذي وردت فيه.

إنّ القدّيس باسيليوس يضع المسألة ضمن سياقها، لذلك لا يجب أن تُقرأ الرسالة بشكل مبسّط، أو أن تُعتبر تبريرًا للقتل في الحروب. فكما يكتب مكغوكين في كتابه الحرب والتوبةعن القدّيس باسيليوس: “ما يتكلّم عنه هو القانون الكنسيّ المتعلّق بالحرب التي يستطيع المسيحي المشاركة فيها، والحصول على غفران الكنيسة له عن تصرّفه الممنوع كنسيًّا…”.

منعت القوانينُ الكنسيّةُ الأولى القتلَ في الحرب منعًا كليًّا، مثل القانون الرابع عشر لهيبّوليتوس في القرن الرابع، والذي يقول: “لا يجدر بالمسيحيّ أن يكون جنديًّا. لا يجب على المسيحي أن يكون جنديًّا إلاّ إذا أرغمه على ذلك قائدٌ حاملُ سيف. لا يجب أن يُثقِل على نفسه بخطيئة الدم. وفي حال إراقته دماءً، يجب أن يمتنع عن المشاركة في الأسرار، إلى أن يتطهّر بالعقاب والدموع والنحيب. ولا يجب أن يتقدّم إليها بخداعٍ بل بمخافة الله“.

ويميّز القدّيس باسيليوس بين القتل المطلَق والقتل من أجل الدفاع عن الحدود المسيحيّة ضدّ غزو اللصوص الوثنيّين“. وهو يسعى، بِجعله القتالَ محدودًا ضمن هذه الظروف، إلى حصر إراقة الدماء بالحدّ الأدنى“. وبخلاف ما يُفرض على القتلة من إبعادٍ عن المناولة لمدى العمر، يوصي القدّيس باسيليوس بالإبعاد عن الكأس لمدة ثلاث سنوات، ما يشكّل دليلاً علنيًّا على أنّ الحربَ انتهاكٌ للمبدأ الإنجيليّ.

على الجندي المسيحي الذي قَتلَ في الحرب أن يعود إلى حياة التوبة وأن يخضع لخبرتها المطهِّرةوتحديد باسيليوس لمدّة العقاب بثلاث سنوات، والذي يبدو قاسيًا بالنسبة لنا في هذا العصر الحديث، كان يُعدُّ إشارة تساهلٍ ورأفة في كتاب القوانين القديم في الكنيسة الأولى“. (غالبًا ما نصادف محاربين تعذّبوا في حياتهم كلّها جرّاء ذكريات الحرب المرعبة. أتذكّر أنّ أبَ صديقٍ لي عذّبته الكوابيس لثلاثين سنة، بعد انتهاء خدمته العسكرية في الحرب العالمية الثانية. هؤلاء الذين يُدرَّبون على القتل يجدون صعوبة أحيانًا في العودة إلى الحياة المدنية، ناهيك عن حياة التألّه).

يستنتج مكغوكين أنّ قانون القدّيس باسيليوس يستبعد قيام نظريّة الحرب العادلة في الأرثوذكسية. ومع أنّ بعض الحروب قد تبدو ضرورية أو قد يَصعبُ تجنّبها، إلاّ أنّها ليست مبرَّرة إطلاقًا، لأنّ إراقة دماء أشخاص آخرين تتعارض مع طريق ملكوت الله.

في كتابه ثمن النبوءة (The Price of Prophecy)، يؤيّد الأب ألكسندر وِبستر أنّ نظرية الحرب المبرَّرة لم يسبق لها أن ظهرت بشكل منظَّم في لاهوت الأخلاق الأرثوذكسي“. ويصف المشاركة في هذه الحرب خيارًا أخلاقيًّا أدنى من السلام التامّ، اختاره من لا يريد أن يدفع الثمنَ الكامل للنبوءة أو لا يستطيع ذلك“. يقترح أنّ المعيار الأرثوذكسي للمشاركة في الحرب العادلة يجب أن يتضمّن أخلاقيات سياسيّة مناسبة، أي يجب على المشاركين في الحرب أن يحترموا أخلاقيات الناموس الطبيعي وأن تكون علاقاتهم إيجابيّة مع الجماعة الأرثوذكسية“. يجب أن تهدف الحرب أيضًا إلى الدفاع عن شعب اللهضدّ الظلم والغزو والاضطهاد من قبل أعداء الممارسة الحرّة للإيمان الأرثوذكسي“. ويجب أيضًا أن يقود الهدف الروحيالصحيح إلى الغفران وإعادة التأهيلللأعداء، بصفتهم أشخاصًا يحملون صورة الله، لا إلى الانتقام البحت أو استقامة الذات أو الغلبة“. يقول وِبستر إنّه بينما يسعى المُسالم إلى الاقتداء بيسوع المسيح الراعي الصالح الذي قَبِل أن يُذبح ظلمًا على يَد الخطأة ومن أجلهم، يدركُ المحارب الحقّ واجبًا أسمى: أن يدافع عن الأبرياء ضدّ العنف الجائر. وبينما لا يقدر الأرثوذكسي المُسالم أن يصنع شرًّا، ولو من أجل غاية عادلة، لا يستطيع المحاربُ الأرثوذكسي أن يحافظ على قداسته الشخصيّة إذا سمح للشرّ أن ينتصر بواسطة تراخيه.

ومن الغريب اقتراح وِبستر القائل إنّ المحاربَ الحقّ يُنجز واجبًا أسمىمقارنةً بما يفعله المُسالم، خاصةً وأنّ المعيار الواضح في الكنيسة هو مثال المسيح، أي التجرَّد من الأنانية، والمسامحة، وعدم المقاومة. كذلك فإنّ عَرض وِبستر للحجج الأخلاقيّة التي تجعل الحرب مبرّرة، وذِكره للحكومات التي تتبنّى أخلاقيّات الناموس الطبيعي، يجعلانا نتساءل ما إذا كان يضع مسألة الحرب والسلم ضمن إطار التحليل الإنساني الأخلاقي، أكثر ممّا يضعه ضمن مسيرة التألّه. ويحقّ لنا أن نسأل ما إذا كانت صيغة وِبستر تعطي أهمّية كافية للنظرة الروحية الأرثوذكسية، والتي تتعارض مع أخلاقيات المنطق البشري التي تستند إليها المسيحيّة الغربيّة.

ورغم أنّ تحويل الخدّ الآخرأمام الإهانات، تشبّهًا بالمسيح، هو الردّ الأمثل، فإنّ الكنيسة الأرثوذكسية لا تجعل من المُسالمة أو عدم العنف مَطلبًا مطلقًا في الحياة المسيحيّة. إنّ الإرشاد المسيحي الأخلاقي يهدف إلى التألّه، عبر توجيه أعضاء كنيسة المسيح إلى النموّ في القداسة والاتّحاد بالثالوث القدوس. ويتمّ تطبيق قوانين الكنيسة بشكلٍ رعائيّ لمساعدة الأشخاص على نيل الخلاص، بينما يسعون بدورهم إلى أن يكونوا مخلِصين أثناء التحدّيات والضعفات التي يواجهونها. بناءً على خبرة الكنيسة، السلطة الوقتية واستعمال القوة أساسيّان للحدّ من الشرّ ونشر الخير في عالمنا الساقط.

ولو أنّ شهادة كنيستنا الأولى كانت سلميّة (عامّةً لا حصرًا)، كانت الرؤية البيزنطية قائمةً على الانسجام والتناغم بين ملكوت الله والواقع الأرضي. بالتالي، شارك الأباطرة والجيوش المسيحيون في الحروب، وصانوا نظامًا اجتماعيًّا يهدف إلى تجسيد الأمانة لله في كلّ ميادين الحياة. كانت الكنيسة والمملكة متّحدتين كما اتّحدت طبيعتا المسيح الإلهيّة والإنسانيّة في شخص ابن الله المتجسّد، بحسب وِبستر. لكن عمليًّا، لم تتحقّق هذه الرؤية بشكلٍ كاملٍ في بيزنطية، إذ أفسدت الخطيئة حكّامها السياسيّين والكنسيّين بأساليب عدّة.

إلاّ أنّ علاماتٍ عدّة بقيَتْ في الأرثوذكسية، مشيرةً إلى أنّ السلام هو الحلّ الأمثل. فعلى سبيل المثال، لا يُسمح للرهبان بحمل السلاح أو استخدام العنف القاتل، حتّى في حالات الدفاع عن النفس. ويقول القانون الخامس لغريغوريوس النيصصي إنّ الكاهن الذي يقترف القتل، ولو كان ذلك لاإراديًّا (مثلاً في حالة الدفاع عن النفس)، يُحرَم من نعمة الكهنوت التي انتهكها بجريمته المدنِّسة“.

مَن أهرقتْ يداهم دماءً لم يعودوا بَعد أيقونات المسيح التي يُدعى الكهنة لأن يكونوها، وليسوا مستحقّين لخدمة المذبح. يكتب وِبستر في الخيار السلمي“: “يجدر بالكاهن الأرثوذكسيّ أن يكون قدوةً للجماعة المسيحيّة، ورجلاً تاريخه خالٍ من المخالفات الخطيرة والفادحة، بما في ذلك سَلب حياة إنسانٍ آخر لأيّ سببٍ من الأسباب“.

وكما أنّ سرَّ الكهنوت مهمّةٌ خاصّة لا يدعى إليها الكلّ، كذلك فإنّ ما يُطلب من الكهنة من تجسيدٍ لمحبّة المسيح اللاعنفية ليس مطلوبًا في القانون من جميع المؤمنين. تدبيريًّا، قد لا يُفرَض معيار المحبّة التي لا تقاوِم، بطريقة مباشرة، على مَن يقتضي منهم عملهم أن يدافعوا عن الأبرياء في عالمنا المحطّم. يقدر هؤلاء أن ينموا في القداسة عبر القتال بأكثر عدلٍ ممكن، بينما يحزنون للأذى الذي ألحقوه بأنفسهم وبسواهم جرّاء استعمالهم العنف.

لكن مهما اخترنا أن نفعل من أجل الدفاع عن الأبرياء في وجه الهجمات والإساءة، لا يوجد خيارٌ مثاليّ. في عالم ساقطٍ يعيش فيه قومٌ خاطئون، كلّ مسيرة مسيحيٍّ نحو الملكوت تصيبها درجةٌ من العطب الروحيّ، والتوبة هي السبيل الوحيد للشفاء.

لقد ارتبطت بعض الدول والشعوب بالإيمان الأرثوذكسي، فوُصفتْ حروبُهم الدفاعيّة ضدّ الغزاة المسلمين بأنها دفاع صعب ومؤلم عن الصليب، رغم أنّها لا تشبه الحروب الصليبيّة. وفي بعض الأحيان، يتمّ تحريف ما يلتمسه المؤمنون من انتصارٍ على الأعداءفي عيد رفع الصليب، أو ما يبدو صورةً عسكريةً في الليتورجيا، فيُعدّ هذان جزءًا من مسيحانية قوميّةيُعتبر فيها شهيدًا كلُّ من يموتُ في المعركة، وأمّا شرّ الحرب، فيتمّ التغاضي عنه.

إلاّ أنه من الخطأ أن نعتقد أنّ الأرثوذكسية أيّدت الحرب بحماسة. وحتى في حالات الدفاع عن الشعب المسيحيّ في وجه الغزو الإسلامي، لم يتم التغاضي عن خطورة الحرب على المستوى الروحي. فمثلاً في القرن الرابع عشر، أعطى القدّيس سرجيوس رادونيج بركته للأمير الكبير ديمتري لشنّ حربٍ دفاعية ضدّ خان التتر، فقط بعد أن تأكّد أنّ الأمير قد استنفد كافّة وسائل المصالحة.

وكانت استراتيجية كوتوزوف مماثلةً ردًّا على غزو نابليون، فتركَ موسكو للفرنسيّين وأغار على قوات نابليون خلال انسحابهم، ولم يكن يهدف سوى إلى طرد الغزاة نحو الحدود.

هذه الأحداث لا تعبّر عن نزعة عسكرية جامحة، إنما تعكس قبولاً قسريًّا للحرب بمثابتها شرًّا لا بدّ منه.

ولا يجب أن يخفي هذا الواقع إصرارَ الكنيسة على عدم العقاب، وتجنّب العنف، وردّ الشرّ بالخير، وتناغم كافة الشعوببصفتها معيار الخير الذي يجب أن يسعى إليه المسيحيّون بمؤازرة الله، على حدّ قول أوليفيير كليمان.

يقول الأب ستانلي هاراكاس إنّ التقليد الآبائي الشرقي نادرًا ما أثنى على الحرب، وعلى حدّ علمي، لم يسبق له أن أسماها عادلةأو صلاحًا أخلاقيًّالقد بقيَ السلام المثالي معيارًا، ولم تُبذل جهود نظريّة لجعل المشاركة في الحرب معيارًا إيجابيًّا.

وأبرزُ دليلٍ على انتشار السلام في الكنيسة يظهر في العصر السابق للقدّيس قسطنطين، حين كانت الامبراطورية وثنيّة، وحيث كان المسيحيّون، ومن ضمنهم مَن اهتدى من الجيش، يتعرّضون للاضطهاد لرفضهم تقديم العبادة للآلهة الزائفة. وحتى بعد تنصير الامبراطورية، ووجوب أن يكون جيشها من المسيحييّن فقط، بقيَ في الكنيسة معلّمون للسلام، مثل البابا القدّيس داماسوس وبرودنتيوس والقدّيس بولينوس الذي من نولا. يقول وِبستر إنّ القدّيس بولينوس (في القرن الخامس) كان آخر أبٍ تناول بوضوحٍ مسألة الحرب من وجهة نظر سلميّة. وظهرت لاحقًا آراءٌ سلميّة في أطرٍ أخرى، مثلاً في لزوم أن يكون الاكليركيّون والرهبان غير مقاوِمين.

ولا بدّ من التعليق على ما يظهر من تناقضٍ بين وجوب أن يكون الإكليركيون مسالمين من جهة، وقبول انخراط العلمانيين في الخدمة العسكريّة من جهة أخرى. يقول وِبستر إنّ ما يُطلب من الإكليركيين من التزامٍ بالمعيار اللاعنفي، والسماح للعلمانيين بالمشاركة في الحرب، إنما يدلّ على أخلاقيات مزدوجة تضع المسيحيّين ضمن فئتين: واحدة دُنيا وأخرى عُليا، ما يظهر أنّ الإكليركيين أقدس من العلمانيين.

استنادًا إلى لاهوت الكنيسة الأرثوذكسي، يمكننا التأكيد على أنّ المعيار الذي يجسّده الإكليركيون الآن سيصبح معيارًا للأرثوذكسيين كلّهم. نتعامل هنا مع توتر اسخاتولوجي سيتم حلّه في ملكوت السموات، حيث سيمسي الجميع مسالمين، لأنّ العنف والشرور الأخرى ستدمَّر. أما الآن، وكما يقول وِبستر في الخيار السلمي“: “يُتوقَّع من الإكليركيين أن يصلوا إلى حالة روحية وأخلاقية متقدّمة، وهي حالة مدعوّ لبلوغها كلّ مسيحيّ أرثوذكسيّ“.

السلام هو المعيار المطلَق وهدف كلّ المسيحيّين، وهذا ليس بالأمر المفاجئ. ففي عظته على الجبل، يدعو يسوع المسيح أتباعه إلى التألّه، وإلى النموّ في القداسة والكمال بالاتّحاد مع الله. “فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48). هذا التعليم هو خلاصة إصحاحٍ يركّز على محبّة الأعداء، ويسبقه رفض الربِّ لمقاومة الأعداء لا تقاوموا الشرّ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا” (5: 39).

تدلّ هذه الآيات على أنّ رفضَ استعمال العنف أثناء الدفاع عن النفس هو دليلُ نموٍّ في القداسة. بذلُ ربِّنا لذاته على الصليب من أجل خلاصنا هو التجلّي النموذجي للمحبّة المجرّدة من الأنانية، والتي سيشترك فيها البشر كلّهم في مساهمتهم بالنعمة في حياة الثالوث.

الشباب والرعية

الشباب والرعية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

ضمن الكنيسة وفي فضاء الرعية، يستطيع الشباب إيجاد المجتمع الأصيل في المسيح واهتمام الأب الحقيقي ، حتى لو كانوا قد خُذِلوا من المجتمع ومن أسَرِهم. بطبيعة الحال، يمكن أن يكون في الكنيسة أخطاء وتقصير عمّا ينبغي أن يُرجى، ولكن في النهاية ما له قيمة هو أن الكنيسة ليست منظمة، بل هي كائن إلهيبشري، لأنها جسد المسيح. فنحن نعلم جيداً أن جراح الصليب في جسد المسيح القائم من بين اﻷموات هي علامات مجده. فمن خلال هذه الجراح أدرك توما الرسول ألوهية المسيح، على حدّ قول القديس غريغوريوس بالاماس.

عندما تعمل الرعية بشكل صحيح، تكون عائلة واحدة. هناك يمكن إيجاد الأب الروحي، الإخوة والأخوات الروحيين، والمجتمع الحقيقي الذي لا تحدده عناصر الميلاد البيولوجي، بل عناصر النهضة الروحية. الرعية ذات التنظيم الجيد هي في الواقع مجتمع علاجي يعمل بشكل أفضل من مجتمعات العلاج الإنسانية والنفسية. هذا لأنّ، وبصرف النظر عن الأمان والتغطية العاطفيَين والنفسيين، فإن الشخص وخصوصاً الشباب إذ يجدون حلاً لقلقهم الداخلي، ومعنى لحياتهم. وهذا يحدث لأن الكنيسة سرّ، إنّها سر ترسيخ عشق (eros) الإنسان وشركة الناس مع الله.

ضمن الكنيسة يختبر الشباب الحب الحقيقي والحرية الحقيقية. فهم يدركون أن لا علاقة للحب بالضرورة البيولوجية، بل بحرية التجدد الروحي. والحرية لا تقتصر على اختيار من الاحتمالات، بل هي تعالٍ أنطولوجي على الموت والحواس والمشاعر.

وإذا تعذّر على الشباب العثور على هذا الجو العائلي في الكنيسة، أي في الرعية، فسوف يجدونه، وأحياناً بعد تفتيش مأساوي، في الأديرة الأرثوذكسية. هناك سَيَرَون الكنيسة باعتبارها مستشفى وأسرة. وسيفهمون أنه في مثل هذا الجو تُحَلّ جميع مشاكلهم – مشاكل المجتمع والبيئة والوجود. عندها فقط يمكننا أن نشعر بأن الكنيسة ليست أيديولوجية للحفاظ على العالم من خلال المركزية البشربة، لكنها الحياة التي تُجدِّد وتحوِّل الذين يدخلون فضاءها المقدّس.

هناك اهتمام بالأحزاب السياسية والأديان والعلوم النفسية والمنظمات الاجتماعية، وهذه جميعها تحدِر الشخص إلى رقم. وهذه تحبِط الناس وتزيد من عزلتهم. ضمن الكنيسة، عندما تعمل بشكل أصيل، لا يكون المرء نفعياً، بل هو صورة الله المتحرّكة نحو شبه الله، وهو مدعو من الله، وفقاً لملاحظة القديس باسيليوس الكبير.

المسيح ليس عرفاً، وﻻ عادة ولا فكرة، بل هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 6).

من كتاب: Γέννημα και θρέμμα Ρωμηοί, Ιερά Μονή Γενεθλίου της Θεοτόκου, 2000.

شريك العمر

شريك العمر

الخورية سميرة عوض ملكي

ثمّة جرح بليغ في كنيستنا، وقليلون هم الذين يلاحظونه أو يدركونه، يكمن في سوء اختيار الشريك. لقد كتب الكثيرون عن لاهوت سرّ الزواج وحلّقوا به إلى السماء ولكن يبقى التطبيق على الأرض.

مَن كان يظنّ قط أنّ اختيار الشريك المؤمن سيصبح صعباً إلى حدٍ كبير وقد يكون مستحيلاً. قد يرى البعض في هذا تشاؤماً ولكن مَن ينصت إلى هواجس الشباب المؤمن، والشابّات بخاصةٍ، ويشاطرهم مشاكلهم يعي ما يعانوه في هذا الموضوع. ومردّ ذلك أنّ القِيَم المتعلّقة بالزواج بدأت تتدهور بشكل سريع وعنها تنتج الاختيارات الخاطئة، فلم يعد الرباط يتخطّى، في أحيان كثيرة، الحاجة النفسيّة والجسديّة أو البروتوكول الاجتماعي.  ومن أهمّ اﻷحاديث التي باتت تُسمَع أصداؤها بين الشباب، والتي تدلّ على تدهور القِيَم المذكور: “لماذا يهرع الشاب إلى الفتاة الدلّوعة، المدللة، المغرية، ذات الجسد البارز… وينفر من الفتاة المحتشمة، الخجولة، التقيّة ويصفها بأنها معقّدة؟ أو العكس: “لماذا أصبحت الشابّة، ولو كانت مؤمنة، لا يلفت انتباهها إلا الشاب الذي يضع حلقة في أذنه أو يتباهى بممارسة كمال اﻷجسام، أو تظهر عليه علامات الثراء… ﻷنّ في رأيها أيضاً مَن هو على خلاف ذلك ليس على الموضة ومعقّد؟”

فأين أصبحت تلك القِيَم التي يتحدّث عنها لاهوت الزواج؟ أين دور الكنيسة كطبيب لشفاء هذا الجرح؟ أين دور اﻷهل في تنشئة أوﻻدهم على معرفة اﻷولويات في اختيار شريكهم؟ مَن سيشهد للحق، من العلمانيين أو الإكليروس، ويُعيد للرباط قدرته على الشهادة للمسيح وبناء عائلة مسيحية أرثوذكسية تكون كنيسة صغيرة حيّة شاهدة لله بحياتها وسلوكها؟

فالله هو الذي أودَع في قلب الإنسان رابط الزواج والشركة واﻹنجاب، لكن يبقى للإنسان القبول أو الرفض. فلايحتجّ البعض بأقوال مثل “الحياة قسمة ونصيب” أو “الدني نصيب” أو “هيك الله راد”، فهذا لا يمتّ إلى الإيمان بصِلة ﻷن الله خلق اﻹنسان حرّاً لكي يختار بنفسه ما لنفسه.

وثمّة أسطورة صغيرة جميلة تتحدّث عن حرية اﻹنسان في قبوله أو رفضه لعيوب شريك عمره. فهي تقول بأن الله أخذ جمال القمر ورشاقة القصب وطراوة الورد، حنان النظرة وتقلب النسيم، دموع السحاب وابتسامة الشعاع، حياء الأرنب وكبرياء الطاووس، حلاوة العسل وحرارة النار، ثرثرة صرّار الليل وهدهدة الحمام، ثم جبله، فكانت المرأة، وكانت ظريفة مغرية، جميلة والله أعجب وافتخر بها، ثم وهبها للرجل. وبعد ثمانية أيام أعادها الرجل إلى الله قائلاً: “رب! إن المخلوقة التي وهبتني تعكّر عليّ صفاء العيش، فهي تثرثر بلا انقطاع، تندب حظّها، تبكي وتضحك في آن واحد، إنها قلقة، نكدة، مزعجة، لا تترك لي مجالاً للراحة… رجوتك، رب، استعدها، فإني لا طاقة لي على العيش معها”. هزّ الله رأسه واستعادها…     بعد ثمانية أيام أخرى، عاد الرجل إلى الله يقول: “رب، ما أوحش الحياة، منذ أن رددت لك تلك المخلوقة العجيبة! ما كان أعذبها وهي ترقص أمامي وتغني، تسرح وتمرح… لا، ليس فوق الشجر من طيب الثمر ما يفوق معانقتها طيبًا. رجوتك، أعدها لي، فإني لا طاقة لي على العيش بدونها. هز الله رأسه وأعادها… وبعد ثمانية أيام أخرى، وإذا بالرجل يسير بامرأته إلى الله ويقول: “لست أدري ما بي، لكني على يقين من أن هذه المخلوقة سبب انزعاج أكثر منها سبب ارتياح. رجوتك، رب، استعدها، فإني لا أريدها”. أجابه الله: “عد بها إلى كوخك يا هذا، وتعلّم كيف تعايشها. لا، لن استعيدها هذه المرة، لأنك سوف تعود إلي، بعد ثمانية أيام، وتطالبني بها بشدة. إذهب عني”.  انسحب الرجل وهو يردد في ما بينه وبين نفسه قائلاً: “آه ما أشقاني! شقيّ أنا إن عشتُ معها، وشقيّ إن عشتُ بدونها”.

ما يمكن تعلّمه من هذه القصّة أنّ المؤمن الحقيقي يؤثِر الإيمان على أي شيء آخر وحبيبَه على نفسه، ويقبل كل صفات معشوقه ويدرك كل الإدراك أن ليس أحد كاملاً على اﻷرض إﻻ الله وحده، وأن العلاقة مع الشريك ليست دائماً “عذوبةً وطيبَ ثمر” وﻻ هي كلّها نَكَدٌ وإزعاج. فللحياة صعوبتها وحلاوتها لكلا الشريكين. والدواء هو أن يجعلا المسيح ثالثهما، بإيمانهما الواحد وفكر المسيح الواحد، فيتخطيا كل هذه اﻷمور إذ “يجاهدان معاً بمؤازرة الروح القدس” لتحقيق الصورة النقيّة الأولى التي رسمها الله للزوجين اﻷولين (آدم وحواء) والتي لم يحافظا عليها، وهي صورة الحبّ الحقيقي والاتحاد الكياني فينموا بالقداسة والارتفاع الروحي الداخلي، سعياً نحو ملكوت أضاعته الكبرياء والأنانية والعناد.

ما هو عمل الكنيسة التبشيري؟

ما هو عمل الكنيسة التبشيري؟

الأب يوحنا رومانيدس

الجهد التبشيري في زمن الكنيسة  الأول لم يكن كما هو اليوم في الكنيسة الأرثوذكسية. فاليوم يتكوّن هذا الجهد من الإعلان عن معتقداتنا الجميلة وشكل العبادة التقليدي كما لو أنها لا شيء منتجات للبيع. على سبيل المثال، نحن نتحدث على هذا المنوال: “ألقوا نظرة أيها الناس! لدينا أجمل العقائد، وأروع عبادة، والترتيل الأكثر بهاء، والاثواب الأكثر جمالاً”… نحن نحاول أن نبهرهم بأشيائنا، بدلاتنا، وقلاليسنا حتى نتمكن من متابعة عملنا التبشيري. بالطبع، هناك بعض الشعور بالنجاح وبعض النجاح في القيام بعمل تبشيري بهذه الطريقة، ولكنه ليس عملاً تبشيرياً أصيلاً على مثال عمل الكنيسة في العصور الأولى.

يتكوّن العمل التبشيري اليوم بشكل أساسي على هذا النحو: نحن ننوّر الناس الذين يؤمنون بالخرافات ونجعلهم مسيحيين أرثوذكسيين من دون أن نحاول شفاءهم. ولكننا بهذا نستبدل  المعتقدات السابقة بمجموعة جديدة من المعتقدات. نحن نستبدل خرافة بأخرى. أنا أقول هذا لأن الأرثوذكسية متى قُدِّمَت بهذه الطريقة بماذا تختلف عن الخرافة؟

الشاغل الرئيسي للكنيسة الأرثوذكسية هو شفاء النفس البشرية. الكنيسة دائماً اعتبرت الروح جزءً من الكائن البشري، لكنه جزء بحاجة للشفاء. هذا الشفاء يتمّ عبر الحياة اﻷرثوذكسية. أنا أركّز على موضوع الحياة اﻷرثوذكسية ﻷننا حتّى ولو كنّا نعترف بالعقيدة الصحيحة ولا نعيش الإيمان الذي نعترف به فلن نصل إلى علاقة مع الله في هذه الحياة ولا إلى الخلاص في الحياة الآتية. إذاً، عندما يأتي أحد ما إلى الكنيسة الأرثوذكسية، لا ينبغي أن يكون عنده الرغبة بملء الحق المعلَن من الله بل أيضاً، والأكثر أهمية، هو الالتزام بطريقة الحياة هذه. إذاً مما تتكوّن الحياة المسيحية؟ من التوبة، أي التوبة كعملية تطهّر واستنارة معاً.

في الأرثوذكسية اليوم، تُحدَّد التوبة بقبول المسيح وحسْب، أي باﻹعلان “أوافق المسيح”. ولأننا نوافقه نحن نذهب إلى الكنيسة ونضيء شمعة أو اثنتين ونصير أبناء وبنات صالحين. إذا كنا من اﻷطفال ننضمّ إلى مدارس اﻷحد، وإذا كنّا من البالغين نحضر الاجتماعات الدينية بين الحين والآخر. هذا على افتراض أننا نحيا التوبة، وعلى افتراض أننا تائبون. أو، إذا كنا قد ارتكبنا أمراً سيئاً في حياتنا نظهِر بعض الندم ونطلب المغفرة ونسمّي ما نقوم به توبة. إلا إن هذا ليس توبة. إنه مجرد ندم. الندم هو بداية التوبة لكن النفس البشرية لا تتنقى بالندم فقط. لكي تتنقّى النفس من الأهواء، ينبغي أن يكون خوف الله والتوبة حاضرَين أولاً ومستمرَين عِبر مرحلة التطهّر التي تنتهي بالاستنارة الإلهية.