Monthly Archives: December 2015

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، اليومُ، بحسب عرف النّاس، هو أوّل السّنة. طبعًا، في الماضي، أوّل السّنة لم يكن، بالضّرورة، في الأوّل من كانون الثّاني. كان هناك أكثر من تاريخ لبداية السّنة، وفقًا للأزمنة، ووفقًا للشـّعوب. مثلاً، قديمًا، أوّل السّنة كان في تشرين الأوّل. بحسب ترتيبات أخرى، كان في نيسان. وبحسب ترتيبات أخرى أيضًا، كان في أيلول. أمّا نحن، في الكنيسة، فلا نحتفل برأس السّنة في الأوّل من كانون الثّاني. نحن نحتفل برأس السّنة الكنسيّة في الأوّل من أيلول.

من المهمّ جدًّا أن نعرف أنّ السّنة الكنسيّة مختلفة عن السّنة الدّهريّة، الّتي من هذا الدّهر، والّتي يحتفل بها النّاس بحسب هذا الدّهر. السّنة الدّهريّة هي سلسلة أيّام. ومن وقت إلى آخر، يجعل أهل هذا العالم لهم أعيادًا، أيضًا، من هذا الدّهر؛ كالاحتفال، مثلاً، بعيد الاستقلال، أو عيد التّحرير، أو عيد العمل، أو عيد الشـّهداءهذه كلّها أعياد بشريّة دهريّة؛ وليست لنا، كنسيًّا، علاقة بها؛ وإن كنّا، بطبيعة الحال، كمواطنين في هذا البلد، نشترك مع غيرنا، من غير المؤمنين بيسوع، بهذه الأعياد. السّنة الكنسيّة ليست كذلك، أبدًا. السّنة الكنسيّة، عندنا، ليست سلسلة أيّام، بل تبدأ بعيدٍ للقدّيسين. وكلّ يوم من أيّام السّنة الكنسيّة فيه عيد لقدّيس، أو عيد للسّيّد، أو عيد للسّيّدة والدة الإله. ما من يوم، أبدًا، من أيّام السّنة الكنسيّة، إلاّ وفيه عيد لمجموعة من القدّيسين. علامَ يدلّ هذا الأمر؟! هذا الأمر يدلّ على أنّ الزّمن الكنسيّ مختلف عن الزّمن الدّهريّ، عن الزّمن العالميّ. وإذا كنّا نحتفل بأعياد القدّيسين، فهذا معناه أنّنا قد دخلنا في زمن جديد. نعم، هناك زمن عتيق، وهناك زمن جديد؛ هناك زمن من هذا العالم، وهناك زمن من العالم الآخر. الاحتفال بأعياد القدّيسين وبالمناسبات الكنسيّة المختلفة إنّما يدلّ على أنّ حياتنا، في المسيح، باتت تنتمي إلى غير هذا الزّمن. نحن، بعدما اعتمدنا باسم الآب والابن والرّوح القدس، وبعدما أخذنا نسلك بالإيمان بيسوع، وبعدما أصبح الإنجيل دستور حياتنا؛ صارت حياتنا تنتمي إلى الحياة الأبديّة، إلى الزّمن الأبديّ.

نعم، هناك زمن جديد دخل إلى البشريّة، هو الزّمن الأبديّ. هذا الزّمن الّذي نحن فيه، اليوم، على الأرض، هو زمن يبدأ، ثمّ ينحدر بالخليقة، قليلاً قليلاً، إلى أن يصل بها إلى الموت. الشـّجرة تبدأ بذرة. وهذه البذرة تنمو؛ لكنّها، في أثناء نموّها، تتحرّك، بصورة حثيثة لا يمكن إيقافها، باتّجاه الموت. الزّمن العالميّ، أو الزّمن الدّهريّ، هو زمن مائت، أي زمن يؤدّي إلى الموت. يعيش المرء عددًا محدّدًا من السّنوات. لكن، تأتي ساعة ينحدر فيها إلى القبر. حتّى منذ أن يبدأ الكائن في الحشا، منذ أن يبدأ الإخصاب في حشا الأمّ، تبدأ الحياة؛ وفي آنٍ، يبدأ الموت. لذلك، علميًّا وطبّيًّا، جسم الإنسان يُنتج، دائمًا، خلايا جديدة، حياة جديدة. حين يتوقّف الجسم عن إنتاج خلايا جديدة؛ فالإنسان، بكلّ بساطة، يموت. لكن، فيما يُنتج الجسم خلايا جديدة، هناك، في المقابل، خلايا تموت. إذًا، حركة الحياة تبدأ من الحشا، وكذلك حركة الموت. لكن، ما يحدث أنّ المرء يصل إلى وقت تتوقّف فيه حركة الحياة. الحياة تتباطأ، قليلاً قليلاً، ويسود الموت. لهذا السّبب، قلنا إنّ الزّمن الّذي نحن فيه، في هذا العالم، هو زمن مائت.

أمّا الزّمن الأبديّ، الّذي كنتُ أتكلّم عليه قبل قليل، فمختلف. الزّمن الأبديّ يبدأ بالإيمان بالرّبّ يسوع. إذا كان الإنسان طفلاً، فإيمان أمّه وأبيه يكون كافيًا؛ لأنّه ينتمي إلى أبويه، ينتمي إلى عائلة. يبدأ، إذًا، بالايمان؛ ثمّ ينتقل إلى المعموديّـة، أي إلى الولادة الجديدة بالماء والرّوح. عندها، تدخل في الإنسان حياة جديدة. هناك حياة عتيقة، وهناك حياة جديدة. قلت إنّ الحياة العتيقة تنحدر إلى الموت. أمّا الحياة الجديدة، فلا تنحدر إلى الموت، إنّما هي في تصاعد مستمرّ. الإنسان في حالة تصاعد مستمرّ لا يتوقّف! نحن في حركةٍ نحو الحياة الأبديّة؛ لهذا، نحن ندخل، بالإيمان والمعموديّة، في الزّمن الجديد، في الزّمن الأبديّ. وهذا، عمليًّا، يعني أنّ الإنسان ينمو، بصورة خفيّة، تصاعديًّا، إلى فوق؛ ولا يظهر، بشكل واضح وصريح، لعيون الّذين لا يؤمنون. لكنّ هذا حقّ، هذا يحدث. في الزّمن العتيق، الإنسان ينتهي بالموت؛ في الزّمن الجديد، الإنسان المؤمن يكتمل على الأرض بالموت. وهذه مرحلة ينتقل منها الإنسان إلى مرحلة أخرى، ينتقل إلى عالم آخر، ينتقل إلى حياة مختلفة لكنّها حقيقيّة جدًّا ويكمل سيره تصاعديًّا نحو الحياة الأبديّة. هذا ما يحدث، حين يموت الإنسان المؤمن بالجسد. إذ ذاك، يكون قد تكمّل هنا، كالشـّجرة الّتي تعطي ثمرة جيّدة بعد أن تكون دورة الحياة فيها قد اكتملت. متى بلغ الإنسان الاكتمال بالجسد، وصار ثمرةً ممتلئةً من روح الرّبّ القدّوس؛ فإنّ الرّبّ الإله يأخذه ويضمّه إليه. إذ ذاك، يدخل في عالم النّور، الّذي هو عالم الله. وهناك، يستمرّ بالنّموّ، يستمرّ صُعُدًا بالحياة، ويبقى في وضع النّموّ، بصورة متواترة، إلى الوقت الّذي حدّده الرّبّ الإله. بعد كم من الوقت؟! لا نعرف.

لكن، نعرف أنّ وقتًا سيحين، وهو ما يُسمّى وقت القيامة العامّة، فيه، الّذين آمنوا ونموا بالنّعمة والقامة يستردّون، بنعمة الله، أجسادهم الّتي سبق لها أن انحلّت. هذا الجسد سينحلّ إلى ذرّات مختلفة. وقد يبقى من هذا الإنسان بعض العظام. في القيامة العامّة، تجتمع الذّرّات الخاصّة بكلّ إنسان بعضها إلى بعضها الآخر. (مَن يريد فكرة أوضح، يستطيع أن يقرأ الإصحاح السّابع والثّلاثين من نبوءة حزقيال النّبيّ، حيث يتكلّم بشكل جميل جدًّا على هذا الموضوع). ربّما يكون بعض الذّرّات موجودًا هنا، وبعضها هناك، في غير مكان. ليس ضروريًّا أن تكون الذّرّات كلّها في المكان نفسه. لكن، بنعمة الله، تجتمع الذّرّة إلى الذّرّة، لتعود فتشكّل خليّة من جديد؛ والخليّة تجتمع إلى الخليّة لتستعيد العضو، كلّ عضو من أعضاء جسد الإنسان؛ والأعضاء يتضافر بعضها مع بعضها الآخر، إلى أن يُستَعاد الإنسان كلّه بقوّة الله، وبنعمة الله. والإنسان الّذي يكون قد مات جسدُه هذا الإنسان الّذي استمرّ في الحياة سنين طويلة من دون جسد يستعيد جسده، ويعطيه الرّبّ الإله نعمة خاصّة حتّى لا يكون بالإمكان، بعدُ، أن يتفكّك هذا الجسد من جديد. هذا الجسد هو نفسه، بروح الله، يصير جسد المجد. الرّسول بولس يتكلّم على جسد المجد غير القابل للتّفكّك. الإنسان، إذًا، كلّ إنسان، يستعيد جسده نفسه. لكنّ هذا الجسد يكون ممتلئًا بالحياة، ويصير غير قابل للموت، ومن ثمّ للتّفكّك. إذ ذاك، يكتمل قصد الله للإنسان. ما من إنسان من دون جسد. الإنسان لا يستطيع أن يتحوّل إلى روح. الملاك روح، بمعنًى من المعاني، ولو كان له جسده الخاصّ. لكنّ أجساد الملائكة تختلف عن أجساد البشر. نحن، كبشر، جمع الله فينا بين ما هو من الرّوح وما هو من التّراب. وفي وقت من الأوقات، قال: “أنتَ، يا إنسان، من التّراب وإلى التّراب تعود” (تك3: 19)؛ فصار الإنسان يموت بحسب الجسد. حين يصل الإنسان إلى القيامة العامّة، يستردّ هذا الجسد التّرابيّ، الّذي يصير ممتلئًا من نور الله، ومن نعمة الله؛ ويصير إنسانًا غيرَ قابل للموت، فيما بعد. هذا، بطبيعة الحال، إذا كان مؤمنًا بالرّبّ يسوع. لا تسألوني: ما مصير الّذين لا يؤمنون؟! فهذا موضوع آخر. لكن، كلّ هذا يحدث للإنسان، في الزّمن الجديد، الّذي نبدأ باختباره منذ الآن! ما دام روح الرّبّ يعمل فينا، منذ الآن، فنحن قد دخلنا في دائرة الزّمن الجديد، ونحن ننمو صُعُدًا بالحياة الأبديّة إلى وجه الله.

إذًا، تصوّروا واقع الإنسان، واقع كلّ واحد منّا، هنا على الأرض! هو يسير نحو القبر؛ وفي الوقت نفسه، يسير نحو السّماء، نحو وجه الله! الإنسان يختبر هذين الأمرين معًا، وهاتين الحالتين معًا. لا نستطيع أن نفهم؟! ليس للمرء، بالضّرورة، أن يفهم. المهمّ أن يقبل. لكن، هذا هو واقع الإنسان الجديد. لهذا السّبب، الإنسان الجديد، بمعنى الكلمة، هو القدّيس. وكلّ واحد منّا مدعوّ إلى أن يصير قدّيسًا. عند الرّبّ ليس هناك سوى قدّيسين. القدّيسون هم الّذين يحيون بروح الله. إذًا، هناك فرق كبير بين الزّمن العتيق، زمن الموت؛ والزّمن الجديد، زمن الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، بالنّسبة إلينا، السّنة الكنسيّة لا تبدأ في الأوّل من شهر كانون الثّاني، وليست سلسلة أيّام؛ إنّما تبدأ في الأوّل من شهر أيلول، وهي سلسلة قدّيسين؛ أو، بالأحرى، هي عمل الرّوح القدس في الّذين يؤمنون. الرّوح القدس له عمل أساسيّ، على الأرض، وهو أن يُنتج قدّيسين. هؤلاء القدّيسون نُدخلهم نحن في هذه السّنة الكنسيّة، ونحتفل بأعيادهم. نحن ننظر، دائمًا، إلى هناك، إلى الآتي، إلى ما نحن ذاهبون إليه. ليس أحد منّا قابعًا ينتظر القبر. نحن ننظر إلى ما بعد القبر. بالنّسبة إلينا، القبر هو مرحلة ننتقل بها إلى حياة أكمل، وإلى حضور أوفى مع الله. هذا هو سعينا. لا أحد منّا يستطيع أن يضمن حياته، هنا، لثانية واحدة. لا ضمانة للإنسان، أبدًا، على الأرض. الموت يمكن أن يأتي في أيّة ساعة كانت. أمّا في الزّمن الجديد، ما دمنا متمسّكين بالإيمان بالرّبّ يسوع المسيح، فنحن في حياة مزدهرة، تنمو فينا بصورة دائمة، وتملؤنا من حياة الله، من حضور الله، من روح الله، من نعمة الله. وهذا ما ننظر إليه الآن، وغدًا، وبعد غدٍ، وإلى ما لا نهاية.

إذًا، اليوم، نحن لا نحتفل برأس السّنة، بل نحتفل بختانة ربّنا يسوع المسيح بالجسد، ونحتفل بتذكار أبينا القدّيس الجليل باسيليوس الكبير. وختانة الرّبّ يسوع لها معنيان. أصلاً، الختانة، عند اليهود، لم تكن فريدة من نوعها، إذ كانت موجودة عند الشـّعوب القديمة. بعض هذه الشـّعوب كانت الختانة عنده لها معنى دينيّ. عند اليهود، الختانة لها معنى النّقاوة، ولها معنى الحياة. والنّقاوة والحياة أمران ارتبطا بإيمان الشـّعب العبري بالله. إذًا، في هذا اليوم، نحن نحتفل بعيد النّقاوة وعيد الحياة. لكنّنا لا نقف عند ما كان يفكّر فيه العبرانيّون، قديمًا؛ لأنّ ما كانوا يفعلونه اتّخذ، اليوم، معنًى جديدًا. في الماضي، النّقاوة، عند اليهود، كانت نقاوة في الجسد. اليوم، نحن نسعى للنّقاوة في القلب. وهذا له علاقة بنعمة الله، وله علاقة بتعاوننا مع نعمة الله. لهذا السّبب، العهد الجديد يقول: “طوبى لأنقياء القلوب، فإنّهم يعاينون الله” (متّى5: 8). نحن نطلب مثل هذه النّقاوة، نقاوة القلب؛ حتّى نعاين الله، أي حتّى ندخل في نور الله، في عالم النّور الإلهيّ غير المخلوق. والختانة كانت تعني للقدامى، أيضًا، الحياة؛ إنّما بحسب الجسد. أمّا بالنّسبة إلينا، فالحياة صارت هي الحياة الأبديّة. نحن نسلك في نقاوة القلب التماسًا للحياة الأبديّة. لذلك، الختانة، في كنيسة المسيح، استُعيض عنها بالمعموديّة، معموديّة الماء والرّوح. من هناك، يدخل الإنسان في نفق النّقاوة الإلهيّة، وفي نفق الحياة الأبديّة.

ثمّ إنّ الختانة كانت مرتبطة بتسمية الطّفل، في اليوم الثّامن. بكلام آخر، بعد ثمانية أيّام من ولادة الطّفل، كانوا يختنونه بالجسد، ويعطونه اسمًا. هذا يعني أنّه لم يكن يُسمّى قبل ذلك. إعطاء الاسم، في الماضي، كان مهمًّا جدًّا؛ لأنّ معناه هو هويّة الإنسان. إذا قلتُ، مثلاً، أوفيميّا؛ فهذا يعني أنّني أشير إلى هويّة معيّنة. إذا قلتُ نسيم، فأنا أشير إلى هويّة محدّدة. هذا مهمّ جدًّا، في الكنيسة، إذ بالمعموديّة يُعطى الإنسان اسمًا جديدًا. وفي كتاب رؤيا يوحنّا، الإنسان يُعطى اسمًا جديدًا لا يعرفه إلاّ هو، أي يُعطى هويّة جديدة، يُعطى انتماء إلى ملكوت السّموات! في الوقت نفسه، لا شكّ في أنّ إعطاء الاسم وإجراء الختانة في اليوم الثّامن أمر لافت؛ لأنّ اليوم الثّامن، حسب آبائنا القدّيسين يشير، بشكل واضح جدًّا، لا إلى هذا الدّهر، بل إلى الدّهر الآتي، أي إلى الزّمن الجديد. بشريًّا، الأسبوع مؤلَّف من سبعة أيّام، وما من يوم ثامن. لكنّ المقصود باليوم الثّامن هو اليوم الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر. والزّمن الّذي يتخطّى زمن هذا الدّهر هو زمن الدّهر الآتي، هو زمن الحياة الأبديّة، هو الزّمن الأبديّ، هو الحياة في ملكوت السّموات.

إذًا، نحن، اليوم، احتفلنا بعيد الختانة، ختانة الرّبّ يسوع المسيح؛ لأنّ الرّبّ اقتبل أن يكون تحت الشـّريعة، واختتن كما يختتن كلّ يهوديّ. هذا تنازل عظيم منه. لكن، بمجرّد أنّه اقتبل ختانة بشريّة، فقد ألغاها، وأبطل قيمتها، وأدخلنا إلى ختانة جديدة، هي المعموديّة باسم يسوع. لهذا السّبب، ما نحتفل به، اليوم، هو، عمليًّا، الزّمن الجديد. وقد شاءت الكنيسة أن تجعل هذا اليوم يوم الختانة، لتقول لنا إنّنا لا ننتمي، بعدُ، إلى زمن هذا الدّهر؛ بل ننتمي، من الآن فصاعدًا، إلى زمن الدّهر الآتي. وأوّل قدّيس نحتفل به، في هذه السّنة العالميّة، هو القدّيس باسيليوس الكبير، الّذي هو نموذج هامّ جدًّا من نماذج القدّيسين. نحن، من الآن، نقدّم، لا أيّامًا نحتفل بها في مناسبات من هذا الدّهر؛ بل نقدّم مناسبة واحدة نحتفل بها، وهي القداسة. وهذا نموذج من أكمل نماذج القدّيسين، تقول لنا الكنيسة به إنّنا قد دخلنا في زمن القداسة، وبالقداسة وحدها يتمّ الاحتفال، كلّ يوم؛ إلى أن ندخل، بالموت حسب الجسد، إلى حياة النّور؛ وننمو، من هناك، صُعُدًا إلى وجه الله.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو2: 20- 21؛ 40- 52 في السّبت 1 كانون الثّاني 2011

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات

اﻷب أنطوان ملكي

أول عظة قالها السيد للشعب، من بعد معموديته، كانت “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” (متى 17:4)، فهو يدعوهم لأن التوبة أمر أساسي في حياتنا. يقول إشعياء النبي “الشعب السالك في الظلمة قد أبصر نوراً عظيماً”، فهل من ارتباط بين التوبة والنور؟ طبعاً، ﻷن النور الحقيقي هو الذي يأتي من المسيح الذي لا نعرفه من دون توبة.

فالتوبة كما يعرّفها الآباء القديسون هي “تغيير الذهن أو العقل”. التوبة ليست الندامة وحسب بل هي تغيير الذهن وطريقة التفكير، التوقّف عن التفكير بالخطيئة والبدء بالتفكير بالأمور الصالحة، فهكذا يكون تغيير الذهن عن التفكير بالشر للتفكير بالأعمال الصالحة، هذا هو الشكل الحقيقي للتوبة. إذاً التوبة ليست حالة نفسية أو عصبية، ليست أن يتوتّر اﻹنسان ويصرخ قد تبت، قد تبت، بل هي بناء الذات، أي أن يعود لذاته ويبنيها بناءً صالحاً، لا أن يبكي ويعول أو أن يعاتب نفسه. هي تغيير الذهنك لإصلاح الحياة، لإصلاح الذات والتحول إلى إنسان جديد.

التائب هو الذي لا ينظر إلى الوراء بل إلى فوق إلى الله المحب البشر. التوبة هي عودة إلى النور، هي عبور من الظلمة إلى النور. إذا كان اﻹنسان غارقاً في الظلمة سيحتاج إلى نور كي يفضح نفسه ويكشفها فيراها على حقيقتها، يرى أهواءها، ويرى خطاياها. لكن عن أي نور نتكلم؟ عن نور المسيح، الذي أخذه الجميع يوم المعمودية، لكن أما يزال مشتعلاً فينا؟ أما زال ينير الظلمة التي دخلنا فيها بسبب خطايانا؟ كل إنسان معمّد لديه نور المسيح وخصوصاً مَن يشترك بجسد المسيح ودمه، أما الذي لا يشترك بهما فلا يغذي هذا النور بل يدعه ينطفئ. الإنسان التائب هو الذي يهيئ نفسه لاتقاد النور في داخله.

أن يتوب اﻹنسان مغيّراً ذهنه عن الخطيئة، مصلحاً ذاته، موجهاً عقله نحو السماء، نحو الله، هو هدف التوبة، عندها يكتشف أنه ابن لله، ابن للنور، والمسيح يدعوه ليكون ابناً للنور. لن يشتعل النور الحقيقي، الذي بداخله من يوم المعمودية، بدون التوبة، فيمكن أن يكون هذا النور عند أي مسيحي خامد ولكنه سيكون متقداً عند التائب فيقدسه. نور الرب هو الذي يطهر.

ما علاقة النور بالتوبة؟ كي نتوب يجب أن يدخل فينا النور، وما دمنا معتمدين فنحن نملك هذا النور. لكن ما نتائج التوبة؟ من نتائج التوبة أن يسكن فينا نور المسيح، وينضح منّا هذا النور. هذه هي علاقة النور بالتوبة، علاقة متبادلة، أي إن تاب اﻹنسان سيحصل على النور الحقيقي، ومن جهة أخرى بدون النور لن تُكشف خطاياه ولن يستطيع أن يتوب توبة حقيقية مغيّراً ذهنه ومصلحاً ذاته مطهّراً إياها ناظراً لفوق إلى العلى إلى الملكوت السماوي.

الإنسان التائب هو الإنسان الذي يمتلك حياة جديدة ملؤها السلام والمحبة والتواضع، وبالنهاية يكون الملء من روح الله، هذا هو هدف الإنسان المسيحي الحقيقي الذي يسعى لملكوت السموات. التوبة ليست عملاً مؤقتاً بل هي عمل مستمر حتى نهاية العمر، أي لا يمكننا القول أننا تبنا اليوم فقد خلصنا، طبعاً لا، ومن ناحية أخرى إن لم نكن تائبين العمر كله فلن نخلص، ولن نحصل على النور الحقيقي ولا على ملكوت السموات. يدعونا المسيح أن نكون من أهل التوبة لأننا سنخلص بها “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات” أي لا تنوحوا، لا تبكوا، بل غيّروا أنفسكم وطريقة تفكيركم وحياتكم، فالمعتاد على عدم الصوم فليصُم، إن والمعتاد على الكفر فليكفّ عنه، والمعتاد على الكذب فليتمسّك بالصدق، عندها تكون التوبة قد بدأت والقلب يتّسع لسكنى المسيح ويصير مفيضاً للنور فيتمّ الخلاص.

اتّباع اﻵباء

اتّباع اﻵباء

اﻷب جورج فلوروفسكي

بحسب اﻵباء…” من عادة الكنيسة صياغة التعابير العقائدية مبتدئة بهذه العبارة.من أهمّ اﻷمثلة قرارات مجمع خلقيدونية التي تبدأ بالتحديد بهذه العبارة، قرارات المجمع المسكوني السابع حول اﻷيقونات حيث يذكر بطريقة أكثر وضوحاً: “بحسب تعليم آبائنا القديسين الموحى به من الله وتقليد الكنيسة الجامعة“. بالطبع، لم يكن اﻷمر مجرّد استذكار للقديم بل باﻷحرى هو تشديد على امتداد إيمان الكنيسة عبر اﻷجيال. هذه الهوية والديمومة منذ زمن الرسل هي بالحقيقة الرمز والعلامة اﻷكثر بروزاً والإشارة إلى صحة اﻹيمان. فالقِدَم (antiquity) ليس بحد ذاته دليلاً على صحّة اﻹيمان، وﻻ العادات القديمة تكفل الحقيقة. فالتقليد الصحيح هو تقليد الحقيقة الذي، بحسب القديس إيرينايوس، هو متجذّر في الكنيسة منذ البداية وهي تحمله وتحفظه في تسلسل رسولي غير منقطع. وعليه، فإن التقليد في الكنيسة ليس استمرار الذاكرة البشرية أو ديمومة الطقوس والعادات. بالمطلَق، التقليد هو استمرار المعونة اﻹلهية والحضور الثابت للروح القدس. فالكنيسة ليست مربوطة بالحرف بل هي في حركة دائمة بالروح. والروح نفسه، روح الحق، هو تكلّم في اﻷنبياء وقاد الرسل وأنار اﻹنجيليين وﻻ يزال يسكن في الكنيسة ويوجهها إلى الفهم اﻷكثر كمالاً للحقيقة اﻹلهية، من مجد إلى مجد.

إن عبارة اتّباع اﻵباءليست إشارة إلى تقليد مجرّد، أو إلى صياغات وعبارات وحسب. إنها بالدرجة اﻷولى استدعاء ﻷشخاص أي لشهود قديسين. إن شهادة اﻵباء هي من بنية اﻹيمان اﻷرثوذكسي بشكل عضوي وجوهري. إن الكنيسة تلتزم ببشارة (kerygma) الرسل كما بعقائد (dogmata) اﻵباء.الكنيسة هي بالحقيقة رسوليةولكنها أيضاً آبائية، وفقط بكونها آبائية تكون رسولية باستمرار، فاﻵباء يشهدون لرسولية التقليد. هناك مرحلتان أساسيتان في إعلان الإيمان المسيحي، من الإيمان البسيط إلى اﻹيمان المُصاغ، فقد كان هناك حاجة داخلية ومنطق داخلي وضرورة في هذا الانتقال من البشارة إلى العقيدة.

في الحقيقة، إن عقائد اﻵباء هي بالجوهر نفسها البشارة البسيطة التي حملها الرسل ووضعوها مرة وللأبد، لكنها اﻵن البشارة مُصاغَةً بشكل ﻻئق ومطوَّرة إلى جسم مترابط من الشهادات. التعليم الرسولي ليس محفوظاً في الكنيسة وحسب بل هو مُعاش في الكنيسة كوديعة دائمة الحياة (depositum juvenesceris) بحسب تعبير القديس إيرينايوس. بهذا المعنى، تعليم اﻵباء هو فئة ثابتة من الإيمان المسيحي ومقياس ثابت ونهائي أو معيار للمعتقد الحق. بهذا المعنى مرة أخرى، الآباء ليسوا مجرد شهود للإيمان القديم ولكن، وقبل كلّ شيء، وبالدرجة الأولى، شهود للإيمان الحقيقي. وبناءً على ذلك، اﻻحتكام المعاصر للآباء هو أكثر بكثير من مجرد إشارة تاريخية إلى الماضي.

فكر الآباءهو مرجعية جوهرية في اللاهوت الأرثوذكسي، ليس دون كلمة الكتاب المقدس، وبالواقع غير منفصل عنها. كان الآباء أنفسهم دائماً خدام الكلمة، ولاهوتهم كان تفسيرياً في جوهره. وهكذا، وكما قيل أيضا في الآونة الأخيرة، الكنيسة الجامعة في كل العصور ليست مجرد تابعة لكنيسة الآباء بل هي ولا تزال كنيسة الآباء.”

العلامة المميزة الرئيسية للاهوت الآبائي كانت طابعه الوجودي“. فالآباء تأمّلوا ﻻهوتياً على طريقة الرسل، وليس على طريقة أرسطو، بحسب تعبير القديس غريغوريوس النزينزي. تعليمهم كان دائماً رسالةً، بشارة. ﻻهوتهم كان دائماً ﻻهوتاً بشارياً (kerygmatic theology) حتّى عندما تمّ ترتيبه منطقياً وتأييده بالحجج الفكرية. المرجع النهائي كان دائماً الإيمان والفهم الروحي. يكفي أن نذكر في هذا الصدد أسماء القديسين أثناسيوس، غريغوريوس النزينزي، ومكسيموس المعترف. لاهوتهم كان شهادة. بصرف النظر عن الحياة في المسيح، اللاهوت لا يحمل أي إدانة، وإذا فُصِل عن حياة الإيمان، قد يتحول بسهولة إلى منطق فارغ، وكثرةِ كلام دون جدوى، ومن دون أي نتيجة روحية.اللاهوت الآبائي كان متجذراً في التزام حاسم بالإيمان. لم يكن مجرد فرع من المعرفة لا يحتاج إلى شرح ويمكن تقديمه جدلياً من دون ارتباط روحي مسبق. هذا اللاهوت يمكن فقط أن يُبَشَّر به، أو يُعلَن وألا يُدَرَّس وحسب على طريقة المدرسة؛ فهو يُوعَظ منه على المنبر، ويُعلَن أيضاً في كلمة الصلاة والطقوس المقدسة، ويتجلى في الواقع في مجمل بنيَة الحياة المسيحية. إنّ لاهوتاً من هذا النوع لا يمكن فصله عن حياة الصلاة وعن ممارسة الفضيلة. “قمّة الطهارة هي بداية اللاهوتبحسب تعبير القديس يوحنا السلّمي(السلّم إلى الله، الدرجة 30). من ناحية أخرى، اللاهوت هو دائماً تمهيدي ﻻ أكثر، لأن هدفه النهائي والغرض منه هو أن يحمل الشهادة على سرّ الله الحي، قولاً وعملاً. “اللاهوتليس هدفاً في حد ذاته بل هو دائماً طريقة.

اللاهوت يعرض أي أنه أكثر من مجرد إطار فكري للحقيقة المعلَنة وشهادة نوسيةلذلك. فقط في فعل الإيمان يمتلئ هذا اﻹطار بمحتوى حيّ. ومع ذلك، فإن هذا اﻹطار أمر لا غنى عنه أيضاً. لا معنى للصيغ الخريستولوجية في الواقع إلا للمؤمنين، أي لأولئك الذين التقوا المسيح الحي، واعترفوا به إلهاً ومخلصاً والذين يسلكون في الإيمان به، في جسده الكنيسة. بهذا المعنى، اللاهوت ليس نظاماً لا يحتاج إلى شرح. إنه يحتكم دائماً إلى النظرة اﻹيمانية. “ما سَمِعْنَاهُ ورَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا نَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ به“. بمعزل عن هذا اﻹعلان اللاهوتي، ﻻ يكون لهذه الصياغات أية نتيجة. ولنفس السبب، لا ينبغي أبداً أن تؤخذ هذه الصيغ من سياقها الروحي. من المضلّ تماماً ذكر بعض المسائل العقائدية أو التعليمية وتجريدها من المنظور الكلي الوحيد حيث هي مفيدة وصالحة. إن التعامل مع اقتباساتمن الآباء وحتى من الكتاب المقدس، خارج بنية اﻹيمان الكاملة حيث تكون هذه اﻻقتباسات على قيد الحياة حقاً، هي عادةٌ خطيرة.

إن اتّباع اﻵباء ﻻ يعني اقتباس عباراتهم وحسب. إنه يعني اكتساب فكرهم (φρόνημα). تدّعي الكنيسة اﻷرثوذكسية أنها حفظت هذا الفكر وأن ﻻهوتها هو بحسب اﻵباء. عند هذه النقطة بالذات يمكن التشكيك بشكل كبير. إن اسم آباء الكنيسةهو بالعادة محصور بمعلمي الكنيسة القديمة. ومن المفترض حالياً أن سلطتهم، حيث يُعتَرَف بها، تأتي من قدمهم، أي من قربهم الزمني من الكنيسة اﻷولى أي من عصر الرسل في التاريخ المسيحي. القديس ييرونيموس، أحس أنه ملزَم بتحدي هذا الرأي: الروح يُبَث في كل اﻷجيال. بالحقيقة، ما من تناقص في سلطة وما من تناقص في فورية المعرفة الروحية عبر تاريخ الكنيسة، طبعاً ودوماً تحت حكم الشهادة واﻹعلان الأولين. للأسف، إن مبدأ التناقص، أو حتّى الاضمحلال الصارخ، صار أحد المبادئ العادية في التفكير التاريخي. حيث من المفتَرَض بشكل واسع، عن وعي أو عن عدمه، أن الكنيسة اﻷولى كانت أكثر قرباً من نبع الحقيقة.

في الترتيب الزمني، وبطبيعة الحال، هذا واضح وحقيقي. لكن هل هذا يعني أن الكنيسة في وقت مبكر عرفت فعلاً سر الوحي وفهمته، على ما كانت عليه، أفضلو أكملمن جميع اﻷجيال اللاحقة، بحيث أنها لم تترك شيئا إلا التكرارإلى العصور اللاحقة؟ في الواقع، كاعتراف بالنقص فينا وبالفشل، كفِعل نقد ذاتي متواضع، وكتمجيد للماضي، قد يكون هذا القول سليماً وصحياً. ولكن من الخطورة بمكان أن يُجعل منه نقطة انطلاق لاهوتنا لتاريخ الكنيسة، أو حتى لاهوتنا للكنيسة.

حتّى ﻻ يُولَد ميتاً

حتى لا يُولد ميتًا!

الأرشمندريت توما (بيطار)

الكنيسة، في حالتها الحاضرةيأكلها الضّعف مع الجهل والكسللقد أصبحت عالميّة، اجتماعيّة. لم يعد روح الله يحرّكها. أصبحت مجتمعًا مدنيًّا غارقًا في المظاهر والكسب!”.

المتروبوليت أفرام (كيرياكوس)، رسالة الميلاد ٢٠١٥

في نفوس كثيرة، يولد المسيح ميتًا!. ثمّة أحشاء لا تحفظ الجنين!. تلفظه خارجًا!. روح الموت فيها!. ما يظنّه الكثيرون أنّهم إيّاه ليسوا ما هم عليه!. يكذبون ويصدّقون كذبهم لأنّ قلبهم غير نقيّ!. الكنيسة ملأى بالمؤمنين الّذين لا يؤمنون!. لا سيّما اليوم!. لم تعد الجماعة هي المقياس!. كلّ صار، بالأكثر، مقياس نفسه!. المسيحيّة أضحت، على نحو متزايد، مسيحيّات، بمقدار ما في الكنيسة من مسيحيّين!. مسألةَ ذوق ومزاج وقناعات خاصّة!. العقائد المخطوطة على صحائف الورق، في جهة، والعقائد المخطوطة على صحائف القلب، في جهة أخرى!. مسيحيّات استنسابيّة تلائم النّزعات الأهوائيّة الفردانيّة للنّاس!. لم يعد الخطّ الفاصل واضحًا بين الإيمان وعدم الإيمان!. بين الصّالح والطّالح!. بين الفساد وعدم الفساد!. بين القويم والمعوّج!. ولا عدنا حسّاسين له!. أضحت القاعدة التّلفيق!. الظّاهر يطغى على الحقّ!. كلّ يزكّي نفسه، في كلّ حال، ويتّخذ مسيح الرّبّ لنفسه داعمًا، متى شعر بالقصور، ومبرِّرًا متى خيّبته حجّته، ومنتصرًا متى دخل في صراع مع غيره!. مسيح لكلّ الأذواق والحاجات يُفصَّل على قَدر الحاجة: من الصّغير المهضوم، والمهضوم، في العربيّة، هو الطِّيبُ يُخلَط بالمسك والبان، إلى القاتول صاحب العيون الّتي يتطاير منها شرار الغضب!.

المسيح الّذي لا تراه في إنسان لا يمكنك أن تؤمن به!. لله تدابيره، طبعًا، لكنّه دبَّر، أيضًا، أنّ الإنسان بالإنسان يخلص!. أعطني مؤمنًا واحدًا مشعًّا أُعْطِك قلوبًا كثيرة تشعّ بالإيمان؛ وأعطني مؤمنًاواحدًا منطفئًا أُرِكَ، بتأثير منه، نفوسًا عديدة منطفئة!. ليس أحد إلّا يؤثّر ويتأثّر بمَن حوله، حتّى إلى البعيد، فكيف إذا كان الأمرُ متعلِّقًا برعاة الخراف، نورًا أو عتمة؟!. لذا ويل لمَن يُعثِر أحد هؤلاء الصّغار المؤمنين بي!. ليس ما تقوله، فقط، بل، بالأكثر، ما تفعله وما أنت عليه!. أي رائحةِ روحٍ تبثّ؟ هذه هي المسألة!

جاءنا ضيف. أَخبر أَنه قبل الصّيام الكبير، العام الماضي، ٢٠١٤، دعا قومًا إلى العشاء في بيته. بين الحضور كان الرّاعي المارونيّ والرّاعي الأرثوذكسيّ. سيّدة المنزل كانت قد أعدّت سفرة فيها الطّعام الصّياميّ والزّفر، إذ كان صوم الغربيّين قد بدأ دون صوم الشّرقيّين. من الأطباق كان طبق الكبّة النّيّة“. أبدى الرّاعي المارونيّ انزعاجه لأنّ الوقت صيام!. أجابت ربّة البيت: هناك تشكيلة، بإمكانك أن تختار منها ما ترغب فيه لأنّ الصّوم عندنا لم يبدأ بعد. تدخّل الرّاعي الأرثوذكسيّ فسأل الرّاعي الآخر: أتحبّ الكبّة النّيّة؟ أجاب: كثيرًا!. إذ ذاك رسم إشارة الصّليب على طبق الكبّة وقال: كن بطاطا!. ثمّ أردف: تفضّل!. فضحك الأكثرون!. لكن بعضهم استغرب ولم يقل شيئًا، لكنّه شعر، دون أن يدري تمامًا لماذا، أنّ ثمّة أمرًا غير لائق حدث!.

هذه ليست نادرة مسلّية!. أيليق أن تُمسَخ الإلهيّات استظرافًا؟!. صليب المسيح، ومن ثمّ دمه، ليسا للدّعابة، والصّلاةُ ليست للسُّخرة!. ليس هذا أقلّ من تجديف!. ما التّجديف؟ هو الازدراء بالإلهيّات!. لو كان ذاك الرّاعي قد أهان أحدًا، لأقام المُهان الدّنيا ولم يُقعدها، أمّا أن يجعل الصّلاة وعلامة الصّليب مادّة للسّخرية، ويهين السّيّد، فأمر يسير لا يستأهل أن يتحرّك أحد الحاضرين لدرئه!. مسخُ الرّوح القدس، بكلّ أسف، لا يعني لهم شيئًا!. هذا جوّ مألوف تمامًا!. الإحساس بالإلهيّات مصاب بالضّمور!.

في الكنيسة الحيّة، مثل هذا الرّاعي يوقَف عن الخدمة فورًا، ويُحال إلى المحاكمة!. ولكنْ، مَن يحاكم، اليوم، مَن؟ اعتدنا التّجديف والفساد والشّذوذ والمخالفة وتجارة المقدّسات والاختباء وراء الكراسي والمقامات، واعتاد العامّيّون شراء القرارات الكنسيّة وبيعها!. الكلّ يعرف كلّ شيء، تقريبًا، عن كلّ أحد ويغمز من قناته ساخرًا!. هذه صارت أمورًا مشيّعة!. اللّامبالاة تتآكلنا!. لا نريد متاعب!. الإصلاح مكلف!. كنيسة لا تنظّف نفسها بنفسها، إلى أين مآلها؟ كلّ شيء صار مقبولًا بذريعة الضّعف البشريّ وبادّعاء أنّ الله رحيم ودرءًا للفضيحة!. لا مانع أن تكون الموبقات معروفة، المهمّ أن تكون مستّرًا عليها!!!. صار لكلّ فاسد، في فساده، حقوق الوقاحة، طالما غيره يفعل الأمر عينه وليس مَن يطاله!. إذا كان بعض مَن فوق متفلّتًا وليس مَن يطالبه، فمن حقّمَن تحت أن يكونوا كذلك وإلّا اعتبروا أنفسهم مظلومين، هكذا يظنّون!.

نحيا في كذبة كبيرة وفي باطنيّة أكبر!. نعرف حقيقة فلان وفلان، تمامًا، ولسنا فقط نتصرّف كأنّنا لا نعرف شيئًا، اللّياقة تقضي، بل يطالع أحدنا الآخر بالابتسامات العراض ويأخذ بعضنا البعض بالأحضان ويُمطر أحدنا الآخر بالكرامات الصِّراح والمدائح المِلاح، ولو ثرثر أحدنا على الآخر في خبايا الزّوايا!.

يهمّنا أن يسود السّلامويعمّ الرّضى“!. أيّ سلام وأيّ رضى؟!. ما هذه التّمثيليّة؟ أهكذا يحلّ سلام المسيح، ويشاع الرّضى الإلهيّ في العباد؟ إن كنتُ، بعد، أُرضي النّاس، فلست، بعد، عبدًا للمسيح!. فكيف إن كانت سيرتُنا التكاذب؟!.

ووحدة الكنيسة!. مسكينة الوحدة!. وحدة لا نريد فيها أن نُحزن أو أن نغيظ أحدًا ممَّن نعتبر رضاه مهمًّا لنا!. أمّا أن نُحزن روح الرّبّ، ونغيظ مسيحه، ونغضّ الطّرف عن رضاه، فأمور تُعتبر ثانويّة!. الله واسع!. عقله كبير!. يكفيك من الوحدة الكلام الببّغائيّ، واللّياقات والطّقوس!. كلٌّ لوحده ومع ذلك نتباهى بالوحدة فيما بيننا!. المهمّ أن يكون ما يظهر مؤاتيًا للمناسبة!. فقط ما يبقى في الخفاء لك أن تتصرّف فيه على سجيّتك، وحاكمك ربّك، الكنيسة لا علاقة لها بخصوصيّاتك!.

لأنّنا، كثيرًا، ما نجدنا مصابين بالإعاقة عن المواجهة بروح الرّبّ، نبيع ونشتري الضّمائر باسم الحكمة الرّعائيّة، نغذّي ونتغذّى بالرّوح الوصوليّة باسم المودّات، ونتصرّف على طريقة المخابرات!.

بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص، قولة قالها يسوع ونردِّدها، ونتشدّق بها، ولا نعي قربانا من الّذين قيلت فيهم!!!.

لا شكّ أن الكنيسة هي المكان الأمثل للفساد في العالم، لأنّه يتسنّى للفاسدين فيها أن ينعموا بالحصانة الإلهيّة في فسادهم؛ فلا النّاس يطالونهم ولا الله لأنّ مخافته ليست فيهم!. كأنّه غير موجود!. بعد ذلك، ليقل كلٌّ ما يشاء!. الحسُّ يرتحل!.

إذا لم تكن مستعدًّا لأن تواجه بروح الرّبّ، إذا لم تكن مستعدًّا لتقول كلمة الحقّ، أو لأن تثبت في الحقّ، ولو قطعوا رأسك، إذا لم تكن مستعدًّا لأن تبذل نفسك مدًّا لمَن بذل نفسه، فأنت في المكان الّذي لا يحقّ لكَ أن تكون فيه!. أنت دخيل عليه!. والمتسلّلون يُطرحون في الظلمة البرانيّة!. مخيف الوقوع بين يديّ الله الحيّ!. ليست الكنيسة للتّفه!. إلهنا نار آكلة!.

كلمة كلّ إنسان صارت وحيَه، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحيّ، ربّ الجنود، إلهنا (إرميا 23)!.

لولا أنّ ربّ الجنود أبقى لنا بقيّة صغيرة، لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة (إشعيا 1: 9)!.

إلى أن يتأدّب الكبار ويؤدَّب المخالفون ليكونَ ثمّةَ مثالٌ صالحًا للأصغر منهم، يبقى مسيحكم نارًامرتهنة لأهوائكم، لا تلبث أن تُحرقكم!. الله لا يُشمَخُ عليه!.

طفل المغارة، اليوم، مقفَل عليه في المذود حتّى إشعار آخر!. كُفّوا عنه!. ليس ألعوبةً بين أيديكم!.

ولكنْ، مهلًا!. يعرف الله الّذين هم له، ومتى يقلب الطّاولة!. وحدهم هؤلاء باقون شهودًا يردّدون، مع الرّعاة، بالرّوح والحقّ: المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة!.

* عن نقاط على الحروف (http://holytrinityfamily.org/). اﻷحد، 27 كانون الأول 2015

علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع الكنائس المسيحية اﻷخرى على أساس القرارات اﻷرثوذكسية

علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع الكنائس المسيحية اﻷخرى على أساس القرارات اﻷرثوذكسية

الميتروبوليت خريسوستوموس سافاتوس

أ. بعد أن أُعطيت البنود الواردة في جدول أعمال المجمع المقدس الكبير شكلها النهائي، بحيث يكون الاجتماع في أقرب وقت ممكن، و يكون لمدة قصيرة، حيث يتمّ التعامل مع عدد محدود من القضايا، بحسب ما أعلن ميتروبوليت خلقيدونية الراحل الشيخ مليتون، نظّم الاجتماع التمهيدي للمجمع المنعقد في جنيف، في عام 1976، قائمة العناصر من الاجتماع الأرثوذكسي العامّ اﻷول في رودس (1961) إلى عشرة مواضيع، من بينها إثنان:

1) العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية العالم المسيحي، و

2) الأرثوذكسية والحركة المسكونية.

على الرغم من أن كِلا هذين النصّين قد تمّت دراستهما وأشير إليهما بالإجماع كمرجعين إلى المجمع المقدس الكبير للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة، كنصوص موافق عليها في الاجتماع التحضيري الثالث عام 1986، (28 تشرين اﻷول – 6 تشرين الثاني)، فإن بطريركية موسكو، وذلك قبل انعقاد مؤتمر الرؤساء (ما بين 6 و9 آذار 2014 في الفنار)، أعربت عن حق خطياً بأنّ هذه النصوص وغيرها تحتاج إلى تحديث وإعادة صياغة. تمّ قبول هذا الرأي بالإجماع في مؤتمر الرؤساء المذكور أعلاه، وهكذا تقرر إنشاء اللجنة المشتركة الخاصة التي، في الأشهر الستة الأولى من عام 2015، قامت بمراجعة هذين النصين. تمّ الموافقة والتوقيع على مسودة مشروع موحدة نهائية في الاجتماع التحضيري الخامس الذي عُقد في شامبيزي، جنيف، في تشرين اﻷول الماضي. فالآن، النص النهائي الشامل، بعنوان العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية العالم المسيحيسيتمّ إرساله إلى المجمع المقدس الكبير للموافقة بالإجماع.

إن التحضير للمجمع الكبير، [1] يتمّ في سياق عملية منسقة تبيّن بوضوح، من جهة، الاهتمام المناسب واليقظ للبطريركية المسكونية لكي تثبت بالوجه الأكثر اكتمالاً الوحدةَ الصلبة للكنيسة الأرثوذكسية، في ما يتعلق بشركة الإيمان واحترام التقليد والنظام الكنسيين؛ ومن جهة أخرى، التعامل الواعي والمسؤول مع هذه المشاكل الحديثة من قِبَل كامل الكنيسة الأرثوذكسية من خلال دورها المتميز والفعال. لأن دراسة هاتين الوثيقتين المشار إليهما أعلاه وصياغتهما تتعلّقان ببعض القضايا التي تهمّ كلّ جسد الكنيسة الأرثوذكسية، فهما تتطلبان ليس الاهتمام وحسب بل أيضاً الموضوعية الكاملة أثناء الأعمال التحضيرية للمجمع الكبير للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

ب. قبل مناقشة عملية مراجعة وتحديث هذه النصوص، من الضروري تقديم محتواها وتحليله، في ما يتعلق بالعلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية والطوائف المسيحية الأخرى.

1. في النص المعنوَن الكنيسة الأرثوذكسية والحركة المسكونية، يتم تحديد المبادئ الإكليسيولوجية الأرثوذكسية في اثنتي عشر فقرة. على أساس هذه المبادئ يتمّ، من جهة، وصف هويتها الإكليسيولوجية، ومن جهة أخرى يتمّ تحديد مشاركتها في ما يُعرف بالحركة المسكونية.

على وجه الخصوص، يشدد النص على أن الكنيسة الأرثوذكسية هي حاملة إيمان وتقليد الكنيسة الواحدةالجامعة المقدسة الرسولية والشاهدة لهما“(المادة 1)، في حين أن الخروج عن تقليد الكنيسة الأصلي الذي حدث بعض الأحيان هو بسبب المفاهيم المختلفة بشأن الوحدة والفهم الأساسي لمادة الكنيسة وطبيعتها (§2a). إن الصيغ الحالية تمثّل تجاوزاً للمفاهيم السابقة، سواء في ما يتعلّق بالحصريات الطائفية كما بالأفكار التي تعبّر عن مبادئ الشمولية الكنسية. فالوحدة لا تتحقق بأي نوع تراكمي ينشأ من دمج المفاهيم المماثلة أو غير المماثلة، بل على أساس الإيمان المُعبّر عنه في الأسراروالمضبوط ضمن حدود التسلسل الرسولي والتقليد الآبائي كما هو مُصاغ في المجامع المسكونية (2B راجع، ج).

إن الاتّزان اﻹكليسيولوجي الذي تتمتّع به الكنيسة الأرثوذكسية والموصوف أعلاه، فرض عليها المشاركة في كل جهد لاتحاد الجميعواستعادة وحدة المسيحيين الضائعة، من خلال تحقيق الوحدة في الإيمان (راجع §2c) كما فعلت ولا تزال تفعل، من وقت ظهور البدع الأولى في الكنيسة إلى اليوم حيث تعارض الصياغات الحديثة والانحرافات والمفاهيم الهرطوقية المعاصرة.

إن مشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في الحركة المسكونية، كما هو معروف، وخصوصاً في أجهزتها المختلفة، يتمّ تحديدها بحسب طريقة فهم أعلى الأجهزة لدورها ووجودها، كما من فهم هوية الحركة المسكونية نفسها. هذا هو الحال بصفة خاصة فيما يتعلق بالتنظيم الأساسي لهذه الحركة، كما يُعبّر عنه في مجلس الكنائس العالمي (WCC)، ويصف النص طريقة المشاركة في هذا المجلس الأعلى بشكل بياني.

بالرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية هي واحدة من الأعضاء المؤسسين لمجلس الكنائس العالمي إلا إنها لم تقبل أبداً فكرة مساواة الطوائفولا وحدة الكنيسة كنوع من التكيف الطائفي” (§6). ﻻ تعتبر الكنيسة اﻷرثوذكسية أن مجلس الكنائس العالمي هو كنيسة شاملة أو أن بإمكانه أن يكون ذلك (§7). كل ما تراه هو فرصة لتسهيل تواصل مختلف الطوائف والتقاليد مع بعضها البعض وتعزيز الحوار بينها، بهدف دراسة ومناقشة القضايا التي تمس الوحدة المسيحية (§7) والتي ترى أنها ليست شؤوناً للاتفاقات اللاهوتية بل أيضاً للتقارب في المواقف والآراء التي تهمّ العالم والناس في كل فترة من التاريخ (راجع §6). علاوة على ذلك، يُشار إلى بعض الصعوبات في النص الحالي، وهي قد نشأت أثناء انعقاد الجمعية العامة السادسة في فانكوفر، كندا (1983)، والتي أشار إليها بعض الكنائس الأرثوذكسية الأعضاء في مجلس الكنائس العالمي، تؤكّد في الوقت نفسه على أنه من الضروري أن يكون هناك شهادة أرثوذكسية ذات مغزى، فضلاً عن المساهمة اللاهوتية الاستثنائية كشروط ضرورية ستوفر للكنائس الأرثوذكسية فرصة لتسلك على أساس أنها مساوية للأعضاء الآخرين في مجلس الكنائس العالمي، على أساس الهوية الإكليسيولوجية الخاصة، فالحال ليس دائما على هذا المنوال نظراً للهيكلية الإجرائية التي تنظم تشغيل مجلس الكنائس العالمي“. لهذا السبب، تقرر ما يلي: ‘يجب أن تُجرى التعديلات اللازمة الجديدة لتكون الكنيسة الأرثوذكسية قادرة على تقديم شهادتها ومساهمتها اللاهوتية للمجلس، كما يتوقع المجلس منها، وفقاً لما تمّ بالفعل الاتفاق عليه بين الأعضاء الأرثوذكسيين (توصيات صوفيا) (§11).

في هذا التقدم نحو التطبيق النهائي للنقاط المذكورة أعلاه في النص، كما نحو مساهمة خلاقة وشهادة من جانب الكنيسة الأرثوذكسية، جاء وجوب إدارة مجلس الكنائس العالمي بأكمله على أساس التقليد والإيمان الرسوليين (راجع §12). وقد بذلت جهود مماثلة لإشراك الكنيسة الأرثوذكسية في إطار لجنةالإيمان والنظام، حيث على الكنائس الأرثوذكسية إيجاد سبل تنسيق جهودها بشأن المعايير الإكليسيولوجية للمشاركة في الحوار اللاهوتي المتعدد الأطراف المستمر. ولتحقيق كل ما سبق، فقد تقرر على أساس أرثوذكسي شامل، تقديم مقترحات صوفيا (1981) ونصوص اللجنة الخاصة (2002)، التي تحتوي على توصياتالكنائس الأرثوذكسية لمجلس الكنائس العالمي ومشاركتهم فيه [2].

وبالتالي فإن توصيات صوفيا واللجنة الخاصة [3] هي تحديثات وإضافات ومواقف لازمة، من جهة قد تم الاعتراف بها من قبل جميع الأرثوذكس وتمّت موافقتهم عليها بالإجماع، ومن جهة أخرى تعكس تماماً مبادئ الهوية الإكليسيولوجية ووعي الأرثوذكسية لذاتها، وخاصة فيما يتعلق بمشاركتها في هذه المنظمات الدولية المتعددة الطوائف. أما في ما يتعلّق بالتوصيات الحاضرة:

أ) تمّ الاتفاق على إعادة تقييم الإطار المؤسساتي لمشاركة الكنيسة الأرثوذكسية في مجلس الكنائس العالمي، على أساس المقترحات الأرثوذكسية بشأن اتخاذ القرارات بتوافق الآراء، ولا سيما في القضايا الاجتماعية والأخلاقية. لقد تمّ الاعتراف بالهوية الإكليسيولوجية الخاصة بالأرثوذكسية في الحوار المسكوني الحديث، وخاصة في ما يتعلّق بالاختلافات اللاهوتية والإكليسيولوجية التي تميزها عن مختلف التقليدات والطوائف المسيحية. كما تمّ التأكيد على وجوب تجنّب كل أشكال الصلاة المشتركة وتحديد طريقة اشتراك الأعضاء الأرثوذكس في عمليات صنع القرار.

ب) في النص الثاني العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية وبقية دول العالم المسيحيالتأكيد على موقف الكنائس الأرثوذكسية الإيجابي من الحوار حول وحدة العالم المسيحي، على أساس التقليد المشترك للكنيسة القديمة (§3). الفقرتان (6 و 7) من النص تصفان المبادئ المنهجية العامة التي على أساسها تُجرى المناقشات اللاهوتية الثنائية.

على وجه الخصوص، تمّ التأكيد على أنه في سياق المناقشات اللاهوتية، تهدف المنهجية المتّبعة إلى حلّ للخلافات اللاهوتية المزمنة أو أي تعديلات جديدة كما إلى البحث عن النقاط المشتركة للإيمان المسيحي، مع افتراض إبقاء أعضاء الكنيسة على علم بالتطورات التي تستجد في المناقشات. إذا ثبتت استحالة تخطي بعض الفروقات اللاهوتية المحددة، يستمر الحوار اللاهوتي، بعد أن يُسجّل الخلاف حول هذه القضية وتُعلَم جميع الكنائس الأرثوذكسية المحلية، بحيث أن كل شيء يكون كما ينبغي أن يكون. كما لوحظ أنه، إذا ما دعت الحاجة، بسبب طبيعة بعض المشاكل اللاهوتية في أي مناقشات ثنائية، يمكن تغيير المنهجية ذات الصلة. من الواضح إذن، أن في إجراء المناقشات اللاهوتية، الهدف المشترك هو الاستعادة النهائية للوحدة في الإيمان الصحيح والمحبة. مع هذا، من الصحيح أن الخلافات اللاهوتية والإكليسيولوجية القائمة تسمح بترتيب أسبقية الصعوبات التي ينطوي عليها تحقيق هذا الهدف المعلن في الأرثوذكسية ككلّ. إن تباين المشاكل في كل مناقشة ثنائية يتطلب إجراء تعديلات على المنهجية التي لوحظت، ولكن ليس أي تغيير في الهدف، لأن هذا هو واحد ونفس الشيء في كل الحوارات.

وبالإضافة إلى الفقرتين أعلاه، وكوحدة فرعية، يلي وصف للمناقشات مع الأنجليكان، الكاثوليك القدامى، الكنائس الشرقية (أو غير الخلقيدونية)، الروم الكاثوليك واللوثريين والمصلحين، ويتمّ التركيز على المشاكل اللاهوتية الخاصة بكل حالة كونها العناصر المحددة التي سببت الصعوبات والمشاكل أثناء سير كل من الحوارات.

في هذا النص، هناك تقييم كنسي دقيق بشكل خاص، من جهة، للمسار المستقبلي للحوارات، ومن جهة أخرى، للاحتمالات الواردة. إن آفاق الحوار اللاهوتي مع الأنجليكان انحسرت بالفعل [4]، بعد قرارهم سيامة النساء كهنة وأساقفة (1977 و 2013 و 2014)، في حين أن الحوار مع الكاثوليك القدامى توقف[5]، بعد سيامة النساء في بعض المجتمعات المحلية من الكاثوليك القدامى واعتماد المناولة المشتركة من دون الشركة في الإيمانكشرط أساسي. أما الحوار مع غير الخلقدونيين، أي الكنائس الشرقية القديمة، فهو في مرحلة التقييم النقدي للقضايا الرعائية والليتورجية [5]، في حين أن الحوار مع الكاثوليك [7] تطغى عليه أنشطة الاقتناص، كما صعوبات فهم وظيفة اﻷوليّة وتطبيقها ضمن سياقات المجمع وبُنى الكنيسة.

وأخيرا، فإن الحوارات مع اللوثريين [8] والبروتستانتيين [9] قد فتحت آفاقاً جديدة لإعادة النظر في مواقفهم اللاهوتية الأساسية من الكنيسة والأسرار المقدسة، لكنّ تبنّي سيامة النساء قد ضيّق آفاق هذا الحوار، على الرغم من التقارب اللاهوتي الكبير الذي عبِّر عنه في النصوص اللاهوتية المشتركة، في ضوء التقليد الآبائي.

انعقد، في مركز البطريركية المسكونية الأرثوذكسي في شامبيزي جنيف، الاجتماع اﻷول للجنة الأرثوذكسية الخاصة المشتركة، بين التاسع والعشرين من أيلول والرابع من تشرين اﻷول 2014، بهدف استعراض نتائج المؤتمر التحضيري للمجمع الأرثوذكسي الكبير وإعادة النظر في النصّين المشار إليهما أعلاه.

في إطار استكمال وجهات النظر والمواقف، تقرر أن الأفضل دمج النصّين مع حذف فقرتين من النصوص السابقة. هاتان الفقرتان تصفان أعمال وأنشطة بعض اﻷجهزة، ولا سيما مجلس الكنائس العالمي، وفيهما وصف لمسار مختلف الحوارات اللاهوتية الثنائية. وقد تمّ حذف هاتين الفقرتين لكونهما مراجع تاريخية ليس إﻻ، ولم تقدما شيئاً ذا أهمية بالنسبة لقيمة النص الجديد الذي سوف يقيّمه الأرثوذكس جميعاً في المستقبل.

في النص الجديد الموحد، الذي صُدِّق ووُقِّع في اللقاء التحضيري الخامس (10-17 تشرين الأول 2015)، سادت نفس الشروط المسبقة الإكليسيولوجية واللاهوتية، وبذل جهد لإظهار كامل عملية مشاركة الكنائس الأرثوذكسية المحلية في الحركة المسكونية واللاهوتية والحوارات اللاهوتية الثنائية باعتباره قراراً بالإجماع وتعبيراً عن ضمير الكنيسة الأرثوذكسية العالمي ومظهرًا من مظاهر الوحدة الأرثوذكسية الشاملة.

[1] Nellas, Ἡ Ἁγία καί Μεγάλη Σύνοδος τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας. Σκέψεις γιά μιά θεολογική θεώρηση καί προετοιμασία της, Thessaloniki 1972; Ant. Papadopoulos, Ἡ Ἐκκλησία τῆς Ἑλλάδος ἔναντι θεμάτων πανορθοδόξου ἐνδιαφέροντος κατά τόν εἰκοστόν αἰῶνα, Thessaloniki 1975; Metropolitan Damaskinos of Switzerland, Πρός τήν Ἁγίαν καί Μεγάλην Σύνοδον. Προβλήματα καί Προοπτικαί, Athens 1990.

[2] Cf. Saben Todor, The Sofia Consultation-Orthodox Involvement in the World Council of Churches, Genova, 1982. Metropolitan Amvrosios of Kalavryta and Aigialeia – G. Galitis, «Ἔκθεσις τοῦ ἐν Γενεύῃ ἀπό 26ης Αὐγούστου ἕως 3ης Σεπτεμβρίου συνελθούσης Συνελεύσεως τῆς Κεντρικῆς Ἐπιτροπῆς τοῦ Παγκοσμίου Συμβουλίου Ἐκκλησιῶν», ἐν ΕΚΚΛΗΣΙΑ Π΄ (2003), pp. 6-10. Protopresbyter Stefanos Avramidis, «Οἱ ἀξιώσεις (desiderata) τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας ἔναντι τοῦ Παγκοσμίου Συμβουλίου Ἐκκλησιῶν», ἐν ΠΒ΄ ΕΚΚΛΗΣΙΑ (2005), pp. 302-12. A. Vasileiadou, Ἡ συμμετοχή τῶν Ὀρθοδόξων στό ΠΣΕ ὑπό τό φῶς τῶν Ἀποφάσεων τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς. Τό ἱστορικό καί ἡ θεματολογία τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς γιά τή συμμετοχή τῶν Ὀρθοδόξων στό ΠΣΕ, Θεσσαλονίκη 2005. On the work of the Special Commission, βλ. Great Protopresbyter Georgios Tsetsis, «Εἰσαγωγή στή “Special Commission”. Οἱ ἀπαρχές καί τό ἔργο τῆς Εἰδικῆς Ἐπιτροπῆς γιά τήν Ὀρθόδοξη συμμετοχή στό Παγκόσμιο Συμβούλιο Ἐκκλησιῶν», in Θεολογικές Σπουδές καί Οἰκουμένη, μέ εἰδική ἀναφορά στή συμμετοχή τῆς Ὀρθόδοξης Ἐκκλησίας στούς διαχριστιανικούς διαλόγους καί τό μέλλον τους (ed. V. Stathokosta), Athens 2003, pp. 63-70. Georgios Laimopolos, «Εἰδική Ἐπιτροπή (Special Commission) γιά τήν Ὀρθόδοξη συμμετοχή στό Παγκόσμιο Συμβούλιο Ἐκκλησιῶν: Mία θεολογική ἐκτίμηση τῶν ἐπιμέρους ζητημάτων της», ibid., pp. 94-107.

[3] For the final text of the Special Commission regarding the participation of the Orthodox in the W.C.C. (in Greek), see Ὀρθόδοξη Θεολογία καί Οἰκουμενικός Διάλογος, ed. P. Vasileiadis, pubd. by Apostoliki Diakonia, Athens 2005, pp. 207-70.

[4] See V. Stathokosta, «Ὁ θεολογικός διάλογος Ὀρθοδόξων καί Ἀγγλικανῶν στόν 20ό αἰῶνα. Ἀφορμή γιά προβληματισμό γιά τό παρόν καί τό μέλλον τῶν διμερῶν θεολογικῶν διαλόγων τῆς Ὀρθοδοξίας», in Ἐπιστημονική Ἐπετηρίς Θεολογικῆς Σχολῆς τοῦ Πανεπιστημίου Ἀθηνῶν ΜΕ΄ (2010), pp. 443-63. Idem, «Relations between the Orthodox and the Anglicans in the Twentieth century : A Reason to Consider the Present and the Future of the Theological Dialogue», in Ecclesiology 8 (2012), pp. 350-74.

[5] G. Liantas, Ὁ διμερής θεολογικός διάλογος Ὀρθοδόξων καί Παλαιοκαθολικῶν, Thessaloniki, 2000.

[6] Cf. Christodoulos Konstantinidis, «Ἀξιολογήσεις καί προοπτικαί τοῦ διαλόγου μεταξύ τῆς Ὀρθοδόξου Ἐκκλησίας καί τῶν Ἀρχαίων Ἀνατολικῶν Ἐκκλησιῶν», in ΘΕΟΛΟΓΙΑ 51 (1980), pp.. 22-48, 222-47; A. Papavasileiou, Κριτική ἀποτίμηση τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου μέ τούς Ἀντιχαλκηδόνιους, Lefkosia 2015.

[7] G. Konidaris, «Περί τήν Διορθόδοξον Ἐπιτροπήν τῆς Γενεύης (1968) καί τάς προϋποθέσεις τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου τῆς Ἀληθείας μεταξύ τῆς Καθολικῆς Ὀρθοδόξου καί τῆς Ρωμαιοκαθολικῆς Ἐκκλησίας [Ἡ μεθόδευσις τοῦ Θεολογικοῦ Διαλόγου μετ’ ἀνεκδότων ἐγγράφων]», in Ἐπιστημονική Ἐπετηρίς τῆς Θεολογικῆς Σχολῆς τοῦ Πανεπιστημίου Ἀθηνῶν Κ΄ (1975), pp.. 329-402. Metropolitan Chrysostomos of Peristeri, Ὀρθοδοξία καί Ρωμαιοκαθολικισμός. Ὁ ἀρξάμενος θεολογικός διάλογος, Athens 1981. G. Liantas, Διορθόδοξος Διακονία τοῦ Οἰκουμενικοῦ Πατριαρχείου καί τῆς Ἐκκλησίας τῆς Ἑλλάδος καί ἡ συμβολή τῶν δύο Ἐκκλησιῶν στούς διμερεῖς θεολογικούς διαλόγους μέ τή Ρωμαιοκαθολική Ἐκκλησία καί τήν Ἐκκλησία τῶν Παλαιοκαθολικῶν, Thessaloniki 2005. Metropolitan Chrysostomos (Savvatos) of Messinia, «Θεολογική προσέγγιση τοῦ Κειμένου τῆς Ραβέννας», in ΕΚΚΛΗΣΙΑ ΠΣΤ΄(2009), pp. 544-8. Archimandrite Apostolos Kavaliotis, Ὁ διμερής Οἰκουμενικός Διάλογος Ὀρθοδόξων καί Ρωμαιοκαθολικῶν ὑπό τήν πραγματικότητα τῶν δυσχερειῶν τῆς οὐνίας καί τοῦ πρωτείου, Athens 2014.

[8] Deacon Theodoros Meïmaris, «Ἀξιολόγησις καί προοπτικαί τοῦ 30ετοῦς Διεθνοῦς Θεολογικοῦ Διαλόγου Ὀρθοδόξων καί Λουθηρανῶν (1981-2011)» in ΘΕΟΛΟΓΙΑ 83 (2013), pp. 185-222.

[9] Cf. Metropolitan Chrysostomos (Kalaïtzis) of Myra, Περί τάς διμερεῖς θεολογικάς συναντήσεις μεταξύ θεολόγων τοῦ Οἰκ. Πατριαρχείου καί τῆς Εὐαγγελικῆς Ἐκκλησίας τῆς Γερμανίας ἐν ὄψει τῆς Ζ΄ ἀναλόγου συναντήσεως, Ἐν Καβάλᾳ 3-11 Ὀκτωβρίου 1984, Athens 1986.

محبة الذات

محبة الذات

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

أحد الأهواء الرئيسية التي تسود على الإنسان هي محبة الذات. كما سنرى فيما يلي، محبة الذات هي أمّ ومرضِعة لكل الأهواء والرذائل.

قال المسيح مشيراً لمحبتنا لذواتنا تلك: “من يحب حياته يهلكها، ومن يبغض حياته في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو25:12). الكلمة المترجمة حياةتعني أيضاً نفس“. إنها حقيقة أن أياً من يحب حياته وذاته لدرجة مبالغ فيها يهلك تماماً. عندما يصف القديس بولس الأهواء التي سوف تميز الناس في الأزمنة الأخيرة فإنه يذكر محبة الذات من بينها، بل أنه يضعها في أول القائمة: “ولكن اعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم، محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين” (2تي3: 1-2).

هذان المرجعان من الكتاب المقدس كافيان في حد ذاتهما لإظهار الضرر الكبير الذي يسببه هوى محبة الذات للجنس البشري. سوف أحاول الآن وصف محبة الذات، وتحليلها لكي أحدد نتائجها الأليمة، ولكي نرى في النهاية كيف يمكن أن نتحرر منها.

1- ما هي محبة الذات

محبة الذات هي محبة عظيمة وطاغية لذواتنا. بحسب القديس نيكيتا ستيثاتوس، محبة الذات هي حب مجنون للجسد يجعل الراهب محباً لنفسه، أي لنفسه وجسده“. إنها تغرّبه عن ملكوت الله، وعن الله نفسه. لو أن أحداً أحب جسده بطريقة زائدة وحصرية، متجاهلاً الله وأخاه الإنسان تماماً، فإننا نقول أنه يحب ذاته ويعاني من هوى محبة الذات. يقول القديس مكسيموس المعترف: “محبة الذات هي هوى التعلق بالجسد“. يشير نفس القديس في موضع آخر لهذا الهوى على أنه محبة مجنونة للجسد“.

نستطيع أن نقول بوجه عام مع القديس مكسيموس أن محبة الذات هي محبة شهوانية مجنونة للجسد، وعكسها هي المحبة وضبط النفس“. تضاد محبة الذات المحبة وضبط النفس، تماماً كما تضاد المحبة وضبط النفس محبة الذات. من الواضح أننا لا نعني بمحبة الذات الاعتناء بالجسد في إطار طبيعي، لكننا نعني الاهتمام الزائد الشهواني بكل من الجسد والنفس.

يكتب القديس مكسيموس محللاً السمات المميزة لمحبة الذات قائلاً أن هوى محبة الذات يقترح على الراهب أنه ينبغي عليه أن يشفق على جسده، وأنه ينبغي عليه تحت مسمى رعايته بشكل مناسب أن يأخذ طعاماً أكثر من المعتاد“. هكذا، قليلاً قليلاً، يسقطه في فخ الانغماس في الملذات في حين أنه يجعل العائشين في العالم يُشبعون احتياجات الجسد دفعة واحدة“. يحثنا هوى محبة الذات على أن نهتم أكثر مما يجب بالاستمتاع بالطعام والملذات الأخرى والراحة واليسر، وأن نشبع الشهوات الأخرى المتنوعة. يجعلنا هوى محبة الذات نفضل راحة الجسد على آلام الفضيلة، ويجعلنا نكف عن أن نضع على أنفسنا بإرادتنا أعمالاً متنوعة خصوصاً من جهة الجهادات الخفيفة المتعلقة بممارسة الوصايا“. من ثم يجعل النفس متباطئة ومتراخية من جهة السلوك في طريق الهدوئية، كما يقول القديس غريغوريوس السينائي. لا شيء يجعل نفوس المجاهدين في النسك متباطئة ومهملة وغافلةمثل هوى محبة الذات. هكذا يصف القديس نيكيتا ستيثاتوس أيضاً محبة الذات على أنها خبيثة، مشيراً إليها على أنها رذيلة محبة الذات الخبيثة“.

المثال الدقيق على شخص يحب ذاته هو الغني الغبي في مثل المسيح. لقد كان يفكر في بناء مخازن جديدة لكي يجمع فيها كل خيراته ثم يقول لنفسه: “يا نفس لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي” (لو19:12). لم يكن الرجل الأناني مهتماً بالمرة بشفاء نفسه أو بمجد الله، ولا بخدمة إخوته. لقد كان مهتماً تماماً بنفسه، وبنفسه فقط.

كل ما قيل حتى الآن لوصف هوى محبة الذات يقودنا إلى فحص نتائجه الأليمة.

2- نتائج هوى محبة الذات

يرى القديس نيكيتا ستيثاتوس أن محبة الذات هي عقبة أمام تقدم أولئك المتقدمين جيداً“. إنها تمنع الناس من تكريس ذواتهم لممارسة وصايا المسيح. “إنها توحي لهم بأمراض وعلل جسدية خبيثة، وبالتالي تتضاءل غيرتهم ويقتنعون بالتخلي عن جهادهم الروحي على أساس أنه يشكل خطراً على حالتهم الضعيفة“. بكلمات أخرى، من خلال خلق أفكار عن الأمراض المختلفة، تكف النفس عن جهادها النسكي لكي تحفظ وصايا المسيح ولكي تُشفى من الأهواء المختلفة التي تزعجها. بالتالي تكون محبة الذات، كما يقول القديس يوحنا السلمي، حجاباً. إنها لا تمنع النفس من تحقيق شفائها وحَسْب، لكنها أيضاً تخفي الأهواء الموجودة داخلها. لا يريد الشخص الأناني أن يرى نفسه. إنه لا يريد أن يكون واعياً لفقره الروحي.

يسمي القديس مكسيموس محبة الذات أمّ كل الرذائل، لأنها تلد الأفكار الثلاثة الأولى والأكثر عمومية التي للشهوة والغضب“. هذه الأفكار الثلاثة هي النهم، والبخل، وتقدير الذات. يرى نفس الأب أن محبة الذات هي أم الثرثرة واشتهاء الأطعمة اللذيذة التي تسبب الإباحية، وهي أيضاً أم البخل والكبرياء. بوجه عام، لو كان لدى المرء محبة للذات فمن الواضح أن لديه كل الأهواء“.

ليست محبة الذات أم الأهواء فقط، ولكنها أيضاً أم لكل الأفكار الشهوانية. يتولد فكر النجاسة من فكر النهم. يحبل فكر تقدير الذات بفكر العُجب. تنبع من أفكار النهم والبخل وتقدير الذات كل الأفكار الأخرى كالغضب، والحزن، والامتعاض، والحسد، والنميمة الخبيثة وما إلى ذلك. تُولَد كل هذه الأفكار من محبة الذات (القديس مكسيموس).

يعلِّم القديس إيسيخيوس الكاهن أنه لا يوجد شر أعظم من محبة الذات. محبة الذات هي أم تلد أطفالاً كثيرين. أطفال محبة الذات هم العُجب، الرضا عن النفس، النهم، النجاسة، تقدير الذات، الغيرة، ورأس كل هذه هو الكبرياء“.

محبة الذات هي حجاب يغطي النفس، بحيث أنه لا يمكن أن تتكشف فيها أسس العالم، أي الجواهر الداخلية للأشياء، وذلك بحسب قول إيليا الكاهن. يكون الشخص الأناني أعمى تماماً حيث أنه لا يستطيع رؤية القوة التي يوجه بها الله العالم والتاريخ. حيث أن الشخص الذي يحب ذاته لا يستطيع أن يتجاوز ذاته فيرى الله والآخرين، فإنه يكره كلاً من الإنسان والله. هذا هو السبب الذي يجعل القديس مكسيموس يأمر قائلاً: “كُف عن إرضاء ذاتك فلا تكره إخوتك من البشر؛ كُف عن محبة ذاتك فتحب الله“.

3- شفاء محبة الذات

يحتاج الإنسان أن يتحرر من هذا الهوى الرهيب الذي للمحبة الخبيثة للذات“. متى تصرف بطريقة تزيل حجاب محبة الذات ورأى بوضوح الأهواء الخفية المترعرعة، فإنه سينتحب بمرارة وستصبح كل حياته غير كافية للتوبة حتى لو عاش مئات السنين ولو تدفقت الدموع من عينيه مثل نهر الأردن. “إنه لن يهتم بشيء آخر في هذه الحياة، معتبراً أن ليس لديه الوقت الكافي لكي يبكي على نفسه، حتى لو كان سيعيش مئات السنين، وحتى لو رأى دموعاً تنفجر من عينيه مثل نهر الأردن بكامله” (القديس يوحنا السلمي).

يكمن الشفاء في اصطياد محبة الذات أينما وجدت. الطرق الرئيسية لتحقيق ذلك هي كالتالي.

ينبغي علينا أن نستسلم بالكامل لإنكار الذات. ينبغي علينا أن نكون مستعدين لتقديم أي نوع من التضحية، وأن نخضع بإرادتنا لأي نوع من الحرمان بهدف حفظ وصايا المسيح. يقدم لنا بولس الرسول دافعاً لكي نفعل ذلك عندما يقول: “ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله” (أع24:20). ينبغي على المسيحي لكي يُشفى من محبة الذات، وبالتالي من كل الأهواء المرتبطة بها، أن يكون مستعداً لأي تضحية. ينبغي عليه أن يعمل عكس ما تمليه محبة الذات والأهواء العديدة الناتجة عنها. إنه يحتاج لضبط النفس في كل ما يعمله.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على النوس أن يلجأ إلى الله. يتأتى ذلك من خلال الصلاة وكامل المنهج العلاجي في التقليد الأرثوذكسي. عندما يتذوق نوسنا حلاوة محبة الله، فإننا نتحرر من هوى محبة الذات، ونجد شجاعة لكي نحفظ ناموس الله ولكي نراعي مشيئة الله في حياتنا.

ينبغي علينا أن نبذل مجهوداً لكي نظهر المحبة نحو الآخرين من الناس. حيث أن محبة الذات تجعلنا ننغلق على أنفسنا، فإننا نحتاج لأن ننفتح على إخوتنا. من أجل ذلك، ينبغي علينا أن نضحي تماماً بأي شيء يجلب لنا الارتياح والراحة الجسدية. لقد عبَّر القديسون عن هذا الحب الباذل في حياتهم، حيث أنهم فضلوا خلاص الآخرين على خلاصهم. لا ينبغي إظهار هذه المحبة من خلال عطايا المال فقط، لكن بالأكثر من خلال إعطاء المشورة الروحية والاعتناء بالناس في حاجاتهم الجسدية” (القديس مكسيموس).

بوجه عام، ينبغي أن ينمو إنكار الذات المقدس. فكلما أنكرنا ذواتنا نتحرر من محبة الذات، ويتّسع أفقنا الروحي. لقد علَّم المسيح قائلاً: “من يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية“(يو25:12). في نص آخر يعلن المسيح ويطلب أيضاً: “إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً” (لو 26:14). هذا اﻹنكار المقدس الذي يجب أن يترسّخ فينا يظهر بصورة رئيسية من خلال التوبة. فالتوبة الحارّة المستمرة سوف تمنعنا من أن نحب أنفسنا برغباتنا الشريرة وأهوائنا الساقطة. تجعلنا التوبة نقسو على أنفسنا بحيث نرضي الله ونتبع مشيئته. من قواعد الحياة الروحية أننا كلما أحببنا ذواتنا كلما كرهنا الله، وكلما كرهنا ذواتنا كلما أحببنا الله.

ينبغي علينا أن نتحرر من محبة الذات الخبيثة“. للأسف، نحن نلاحظ أن كل طريقة الحياة محكومة بهذا الهوى. المسيحيون واقعون بشدة في قبضته حتى أنهم لا يعيشون حياة المحبة. نحن مسيحيون، ومع ذلك لا نحب. تنقصنا السمة المميزة لتلاميذ المسيح لأننا أنانيون، ذاتيون، منفردون. ينبغي أن توجه كل جهودنا نحو التخلص من حجاب محبة الذات الذي يمنعنا من أن نصبح أشخاصاً وبالتالي أعضاءاً حقيقيين في كنيسة المسيح ومواطنين في ملكوت السموات.

أيقونة العائلة المقدسة: أيقونة هرطوقية

أيقونة العائلة المقدسة: أيقونة هرطوقية

جون سانيدوبولوس

السبب الرئيسي لاعتماد التقليد في رسم الأيقونات الأرثوذكسية بدلاً من الابتكار هو منع المفاهيم الهرطوقية من دخول الكنيسة، إذ إن البدعة يمكن تصويرها في اﻷيقونة بنفس القدر كما كتابتها في الكتب أو إعلانها من عن المنبر.

أحد هذه الابتكارات في رسم الأيقونات الأرثوذكسية، وقد بدأت في أميركا، هو تصوير العائلة المقدسة، حيث تبيّن المسيح إما في أحضان القديس يوسف ومريم العذراء معاً، أو في حضن القديس يوسف وحده. فيما قد تبدو هذه الرسوم بريئة، فإنها في الواقع تظهِر انعدام اهتمام بالمسائل الأساسية للعقيدة الأرثوذكسية.

تستند رسوم العائلة المقدسةهذه على ابتداع بابوية حيث أن البابوية أسست في العصر الحديث عيداً للعائلة المقدسة. وقد لاحظ أحد الباحثين الكاثوليك، في مقارنة بين عيد العائلة المقدسة البابوي والأعياد المسيحية في العصور القديمة، “[عيد العائلة المقدسة] … هو نتاج عصرنا الحديث، العصر الذي نحن ننتمي إليه“[1]. في رسم الأيقونات الأرثوذكسي التقليدي، يصوَّر المسيح الطفل بشكل صحيح، ليس وحده مع يوسف الخطيب، وإنما وحده مع والدته، وبالتالي التشديد يكون على عقيدة أنه هو الابن من غير أب، الذي كان مولوداً من الآب دون أمّ قبل الدهور” [2].

في الواقع، لحماية المؤمنين من الفهم غير السليم لدور يوسف الأبوي وعلاقته بوالدة الإله، فإن حجمه في الأيقونات الأرثوذكسية التقليدية يكون صغيراً (بدون أن يقلّل هذا من قيمة شخصِه بطبيعة الحال)، كما أن آباء الكنيسة أيضاً يقتضبون عند الحديث عنه. على سبيل المثال، في أيقونة ميلاد المسيح، بحسب تعليق الأستاذ قسطنطين كافارنوس، لا يظهر [يوسف] في الجزء المركزي للأيقونة، مثل والدة الإله والطفل، ولكن بعيداً في زاوية، بهدف تأكيد الرواية الكتابية وتعليم الكنيسة بأن المسيح ولد من عذراء” [3]. ليونيد أوزبنسكي وفلاديمير لوسكي، في عملهما المحوري حول رسم اﻷيقونات، يقدمان ملاحظة مماثلة: “تفصيل آخر يؤكد أنّ في ميلاد المسيح يُغلَب ترتيب الطبيعة: يوسف. فهو ليس جزءاً من المجموعة المركزية التي تضمّ الطفل وأمه. فهو ليس الوالد لذا يتمّ إبعاده بشكل قاطع من هذه المجموعة“[4]. وعلى المنوال نفسه، في أيقونات ذات مواضيع مماثلة، كدخول السيد أو الرحلة إلى مصر، فالرسم الأرثوذكسي لا يفهم القديس يوسف كرئيس لنوع من العائلة المقدسة“. بدلاً من ذلك، يُنظَر إليه على أنه حارس لوالدة الإله وطفلها الإلهي تمّ اختياره تدبيرياً. إن قبوله المتواضع وإنجازه الفاضل لهذا الدور هما بالتحديد أساس توقيره في الكنيسة الأرثوذكسية”[5].

إلى هذا يلاحظ القديس أغسطينوس: “يوسفيمكن أن يسمّى والد المسيح، على أساس كونه بمعنى ما زوج والدة المسيح…” [6] فيما يصرّ أوغسطين على أنه في هذه العلاقة الزوجية لم يكن هناك أي اتصال جسدي“[7]. ويتوسّع في مكان آخر في هذه النقطة: “وبسبب هذا الإخلاص الزوجي [أي التبتّل المتبادل بينهما] فكلاهما جديران بأن يسميا والدي المسيح (ليس فقط هي كوالدته، بل هو أيضاً كوالده، لكونه زوجها)، فكلاهما كانا كذلك في الفكر والغرض، ولكن ليس في الجسد. ولكن في حين كان الواحد والده في الغرض فقط، فاﻷخرى والدته في الجسد أيضاً. فلهذه اﻷسباب كلّها، كانا والدَي تواضعه لا سموّه؛ والدي ضعفه [انظر 2كورنثوس 13: 4] وليس لاهوته“[8]. وعليه، في تصوير الثلاثة معاً في الأيقونة يجب أن يظهَروا كمتممين للقصد الإلهي، لا كأسرة واحدة بحسب الجسد.

القديس أمبروسيوس أسقف ميلان، حرصاً على التعليم المسيحي التقليدي حول القديس يوسف ودوره كزوج لمريم العذراء، يحذّرنا من سوء فهم الآية الكتابية فإن ثعبان الكفر، إذ يخرج من أماكن الفساد التي يختبئ فيها، يرفع رأسه ويتقيأ الأذى من قلوب شيطانية“[9]. إحدى المجموعات من الناس التي قد يشوشها وصف العائلة المقدسة بشكل خاص هي المتحولين من الأنجليكانية. فالإنجليكان يعتقدون بالوﻻدة من بتول، ولكنهم بغالبيتهم يرفضون العذرية الدائمة لمريم العذراء، ما يعني أنهم لا يقبلون عقيدة الميلاد من عذراء إلا جزئياً.

جزء من هذا له علاقة مع حقيقة أن الإنجيليين ينظرون إلى اﻹلفة الزوجية على أنها المثل الأعلى للحياة المسيحية، في تناقض حاد مع الكتاب المقدس والآباء الذين يعلّمون أن أسمى حالات الحياة المسيحية هي البتولية، لأنها تساعد على تركيز المسيحي على تحقيق وحدته مع الله. على مثال الهراطقة المشهورين كالإبيونيين، هلفيديوس ويوفينيان، يتمسّك اﻷنجليكان بوجهة النظر الأكثر تدنيساً وهي أن اتصالاً جسدياً تمّ بين يوسف ومريم بعد ولادة المسيح، ما يعني إنجاب أوﻻد آخرين. يدعو القديس يوحنا الدمشقي أولئك الذين يحملون مثل هذه النظرة أعداء مريم” [10]. وهكذا عندما يتحوّل الأنجليكان إلى اﻷرثوذكسية ويرون مثل هذه اﻷيقونات المسمّاة العائلة المقدسة، لن يكون مفاجئاً أن صورة كهذه تشوّشهم وتبرر الإبقاء على اعتقادات هرطقتهم السابقة.

إن عذرية والدة الإله الدائمة هي افتراض أساسي لقبول حقيقي لعقيدة التجسد. يكتب القديس غريغوريوس بالاماس: “تكرّم الله بقبول طبيعتنا منّا، واﻻتّحاد أقنومياً معها بطريقة رائعة. ولكن كان من المستحيل اتّحاد الطبيعة اﻷسمى، التي نقاؤها غير مفهوم للعقل البشري، بطبيعة خاطئة قبل أن تتم تنقيتها. لذلك، فالحمل بمُعطي الطهارة وولادته، يتطلبان عذراء نقية تماماً وفائقة الطهارة” [11].

يسمّي القديس باسيليوس الكبير الأيقونات كتب الأميين“. ويقول: “أي برهان لدينا أفضل من أن اﻷيقونات هي كتب الأميين، والمذيعة الدائمة التحدّث عن إكرام القديسين، ومعلّمة الذين يحدقون بها من دون كلام ومقدِّسة للرؤيا. مَن ليس عنده العديد من الكتب ولا الوقت للدراسة، يذهب إلى الكنيسة التي هي الملجأ المشترك للنفوس، وعقله منهك من الأفكار المتضاربة، يرى أمامه صورة جميلة فينعشه المنظر، ويدفعه إلى تمجيد الله” [12].

اليوم، إذا دخل شخص أمّي الكنيسة الأرثوذكسية ورأى صورة العائلة المقدسة، كيف يُفترض به أن يقرأها بشكل صحيح من دون تفسير مطوّل؟ بدلاً من ذلك، إذا كانت الصورة تعكس الباطل أو البدعة بشكل واضح وفوري، يجب رفضها كي لا تؤدّي إلى ضلال الأبرياء والبسطاء. من المفترض أن يكون هناك تناغم كامل بين العقائد المكتوبة والصوَر التي تزيّن كنائسنا.

في الكنيسة الأرثوذكسية، لدينا العديد من العائلات المقدسة، كمثل يواكيم وحنة مع والدة الإله، زكريا واليصابات ويوحنا السابق، عائلة القديس باسيليوس الكبير، عائلة القديس غريغوريوس بالاماس…. كل هذه وغيرها الكثير هي عائلات مقدسة حقاً ينبغي لنا أن نكرّمها ونصوّرها في كنائسنا، لأنها كانت أسَراً بحسب الجسد. من ناحية أخرى، أسرة القديس يوسف الخطيب ومريم العذراء مع المسيح، لم تكن أسرة مكوّنة بالجسد، ولكن كما كتب القديس أوغسطين هي عائلة الفكر والغرض، وقد جمعتها العناية الإلهية للتأكد من إنجاز المسيح لعمله الخلاصي لافتداء الجنس البشري.

[1] Pius Parsch, The Church’s Year of Grace, trans. the Rev. William G. Heidt, O.S.B., Vol. I. (Collegeville, MN: St. John’s Abbey, 1962), p. 289.

[2] Dogmatikon, Tone 3.

[3] Constantine Cavarnos, Guide to Byzantine Iconography, Vol. I(Boston: Holy Transfiguration Monastery, 1993), p. 134.

[4] Leonid Ouspensky and Vladimir Lossky, The Meaning of Icons, trans. G.E.H. Palmer and E.Kadloubovsky (Crestwood, NY: St. Vladimir’s Seminary Press, 1982), p. 160.

[5] على الرغم من التصوير المبكر للرحلة الى مصر والتي تظهر والدة الإله تحمل الطفل المسيح، هناك لوحات جدارية في القرون الوسطى المتأخرة، كمثل دير ديكاني من القرن ال14، التي تصوّر القديس يوسف يمسك الطفل المسيح (ربما بتأثير منرسم الايقونات الغربية هذه كمافي كابيلا بالاتينا في باليرمو، صقلية من القرن 12). ورغم أن هذا هو ابتداع ويجب تجنبه، يمكن أن يكون مقبولاً بمعنى أنه يصوّر القديس يوسف في دوره التاريخي و الطفل يميل نحو أمه ،لكنه لا يصوّر أسرة بحسب الجسد.

[6] St. Augustin, “Reply to Faustus the Manichaean,” trans. the Rev. Richard Stothert, rev. Albert H. Newman, in The Writings Against the Manichaeans and Against the Donatists, Vol. IV of A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers, 1st Ser., ed. Philip Schaff (Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing Co.,1979), p. 159.

[7] Ibid., p. 315.

[8] Idem, “On Marriage and Concupiscence,” trans. Peter Holmes and the Rev. Robert Ernest Wallis, rev. Benjamin B. Warfield, in Anti-Pelagian Writings, Vol. V of A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers, 1st Ser., ed. Philip Schaff (Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 1978), p. 268.

[9] Saint Ambrose of Milan, Exposition of the Holy Gospel According to Saint Luke, trans. Theodosia Tomkinson (Etna, CA: Center for Traditionalist Orthodox Studies, 1998), p. 62.

[10] Saint John of Damascus, Writings, trans. Frederic H. Chase, Jr. (Washington, DC: The Catholic University of America Press, 1958), p. 131.

[11] “Homily on the Entry of the Mother of God into the Temple”.

[12] St. John of Damascus, “Apologia Against Those Who Decry Holy Images”.

السنة الثانية عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2015

السنة الثانية عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني 2015

مختارات آبائية

قلة اﻹيمان وتدبير الله، القديس يوحنا (مكسيموفيتش) أسقف توبولوسك

دراسات آبائية

القديسون اﻷرثوذكسيون والحركة المسكونية

عظة

جنون الوصيّة الإلهيّة!اﻷرشمندريت توما بيطار

رعائيات \ حياة روحية

مشكلة الألم، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

بعدا المحبة وعبادة الأنا، الأب بانايوتيس روديس

التعامل مع عيد ميلاد مدهرَن

أبطال روحيون

باباستراتيس كاهن اللاجئين

جنون الوصيّة الإلهيّة!

جنون الوصيّة الإلهيّة!

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، أودّ، بإذن الله، أن أتوقّف، اليوم، عند سؤال طُرح على الرّبّ يسوع، وعند جواب أعطاه. السّؤال صدر عن إنسان ليس معروفًا. قال: “يا ربّ، هل الّذين يخلصون قليلون؟!”، فأجاب يسوع: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. الرّبّ يسوع لم يعطِ جوابًا مباشرًا عن السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان. لقد كان من المتوقَّع أن يجيب الرّبّ يسوع إمّا بنعم، وإمّا بلا؛ أي نعم، الّذين يخلصون قليلون، أو لا، الّذين يخلصون ليسوا قليلين“. لكنّه أعطى جوابًا عن سؤال كان يجب أن يُطرَح. عند الرّبّ يسوع، ليس لكلّ سؤال جواب. أحيانًا، يطرح النّاس أسئلة قد لا يكون لها أجوبة، عند الرّبّ الإله. عادة، الجواب يكون صائبًا، أو مُخطئًا. أمّا عند الرّبّ يسوع، فالسّؤال ينبغي أن يكون صائبًا، أوّلاً؛ حتّى تكون له إجابة صائبة.

لماذا يسأل الإنسان هل الّذين يخلصون قليلون؟؟! هذا سؤال فضوليّ، والنّاس عندهم الكثير من الفضول! يحبّون أن يعرفوا من أجل المعرفة. هذه ميزة من ميزات عالمنا، اليوم. نبحث عن المعرفة من أجل المعرفة. يكدّس الإنسان المعلومات والمعارف، ويتعب عبثًا في جمعها، وأكثرها ليس نافعًا في شيء. هذا، في الحقيقة، من دلائل سقوط الإنسان. بعد أن سقط الإنسان، صار هناك خلل في كلّ البنية الإنسانيّة. تركيز الإنسان صار على القوى الدّماغيّة، على العقل، على الفكر؛ لأنّ الدّماغ هو ما يمكن أن تتجلّى فيه قوّة الإنسان. قوّة الإنسان، في العمق، كإنسان، هي قوّة دماغيّة. اليوم، كلّ الحضارة، الّتي نحن في كنفها، هي حضارة تعتمد، في الدّرجة الأولى، على قوى الإنسان الدّماغيّة. من أجل إبراز هذه القوى الدّماغيّة وتنميتها، تقيم الشـّعوب مدارس، مثلاً! ما القصد من المدارس؟! في الدّرجة الأولى، القصد هو صقل القوى الدّماغيّة عند الإنسان، وتنميتها، وتوجيهها. ونحن نرى، في العالم، أنّ الإنسان، بسبب هذا التّركيز على القوى، يمكنه أن يصنّع أمورًا لا حاجة إليها، وبإمكانه أن يعيش من دونها، وحتّى بشكل أفضل. ومع ذلك، يصنّع هذه الأدوات، وهذه الوسائل. مثلاً، السّلاح! لماذا يصنع الإنسان السّلاح؟! هو يقول إنّه في حاجة إلى أن يدافع عن نفسه. الشـّعوب تقول إنّها في حاجة إلى أن تدافع عن نفسها. لكنّ السّلاح، عمليًّا، هو للقتل! والإنسان، عبر السّنوات، لا سيّما عبر القرنين العشرين والواحد والعشرين، تفنّن كثيرًا في صناعة الأسلحة! حتّى إنّه صنع، ويصنع، أسلحة ليست، أبدًا، للدّفاع عن النّفس. مثلاً، القنابل الرّهيبة الإشعاعيّة والذّرّيّة، الّتي تُصنَع، ليست للدّفاع عن النّفس! هذه لقتل البشريّة! هذه لتدمير ما له علاقة بالأرض، ما له علاقة بالبشر، ما له علاقة بالحضارات! اليوم، مثلاً، كلّ الصّناعات، الّتي يهتمّ بها الإنسان، لا يحتاج، في الحقيقة، إلاّ ربّما إلى جزء قليل منها، ليجعل الحياة على الأرض أفضل ممّا هي عليه. الإنسان، اليوم، ليست عنده حدود، في وجدانه، تردعه عن صناعة أيّ شيء! هو مستعدّ لأن يستعمل قواه العقليّة لتصنيع أيّ شيء! خذوا، مثلاً، الصّناعات البيولوجيّة. الإنسان، اليوم، يحاول أن يصنع إنسانًا! ويحاول أن يصنعه بقواه العقليّة! يُجري التّجارب من أجل ذلك، ويسخـّر طاقات هائلة لغرض صنع إنسانٍ جديد، إنسانٍ مصنَّع! طبعًا، المحاولات جارية لصنع حيوانات، أيضًا! انظروا، مثلاً، ماذا فعل، ويفعل، الإنسان في موضوع الغذاء. قلّة منّا، ربّما، تدرك أنّ معظم الغذاء الّذي نتناوله قد أصبح مصنَّعًا. طبعًا، لا بدّ من اعتماد الزّراعة. لكن، هناك زراعة مصنَّعة. البذور، مثلاً، الّتي تُبذَر في الأرض من أجل الحصول على الخضار والفاكهة، القسم الأكبر منها صار، اليوم، مصنَّعًا! النّاس يتلاعبون بالجينات الخاصّة بهذه البذور، بحيث يوجِدون ما لم يكن موجودًا، ويوجِدون الخضار والفاكهة وفقًا للمصالح: مصالح الأفراد، ومصالح الجماعات؛ ووفقَا لزيادة الإنتاج، وأمور كهذه! الكلّ القصد منه التّجارة الكبيرة. مثلاً، معظم البندورة الّتي نأكلها بندورة مصنَّعة، ملعوب فيها جينيًّا. وقد ثبت أنّ أربعين في المئة، على الأقلّ، من أمراض الإنسان المستحدَثَة، عائد إلى التّغذية المغلوطة، الّتي بتنا معرَّضين لها.

باختصار، إذًا، الإنسان بات يستعمل قواه العقليّة حيث ينبغي، وحيث لا ينبغي! لم يبقَ هناك أيّ فاصل بين الأمرين! لا حدود لاستعمال القوى العقليّة، عند الإنسان. هذا من علامات السّقوط! الإنسان، من خلال استعمال قواه العقليّة بهذه الطّريقة، يهمّه، في الدّرجة الأولى، أن يتعاطى القوّة، في العالم! يريد أن يتعاطى الخَلـْق! يريد أن يكون خالقًا! طبعًا، هو لا يستطيع ذلك؛ لأنّ الخَلـْق كان، في الأساس، من العدم. أمّا الإنسان، فلا يخلق، ولا يمكنه أن يخلق شيئًا من العدم. الإنسان، بكلّ بساطة، يحاول أن يبتدع أشكالاً من الحياة، غير الأشكال الّتي شاءها الرّبّ الإله أن تكون. طبعًا، هذا يصير مكلِّفًا جدًّا، إذ يرتدّ الأمر على الإنسان؛ وبسببه، يعاني مشكلات لا حدّ لها ولا حصر. مثلاً، مَن منّا لا يتناول أدوية كيميائيّة؟! الكيميائيّات، في المبدأ، ولو بتنا معتادين عليها، هي تفكيك لخليقة الله، عمليًّا، وإعادة تركيبها بطريقة مختلفة. المشكلة الكبرى، مثلاً، في موضوع الأدوية الكيميائيّة، أنّ الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ما يمكن أن تكون عليه تأثيرات هذه التّركيبات الكيميائيّة، بعد عشرين سنة، أو ثلاثين سنة. يعرف أنّه إذا تناول قرص بنادول، مثلاً؛ فهذا يمكن أن يخفّف، آنيًّا، ألم رأسه؛ أو إذا كان معرَّضًا للزّكام، يتناول بعض الأدوية؛ فتكون النّتيجة أنّ وضع زكامه يتحسّن. لكن، ما هي التّأثيرات الجانبيّة، الّتي تخلّفها هذه الأدوية في صحّة الإنسان؟! هذا مجال يبدو مستحيلاً على الإنسان أن يخوض فيه. الإنسان لا يمكنه أن يتوقّع ماذا يمكن أن يكون عليه الأمر، بعد سنوات طويلة، بالنّسبة إلى ما يستعمله اليوم. لكن، نحن نعرف، بصورة عامّة، وفق الدّراسات، أنّ الإنسان، اليوم، يعاني معاناة شديدة بسبب الأدوية المصنَّعَة، وبسبب الأدوية الكيميائيّة، كما تعاني الطّبيعة، أيضًا. كلّ هذه الأدوية والكيميائيّات المستعملَة، وبشكل متزايد، وفق الدّراسات، تؤثّر سلبًا في الطّبيعة، وتؤثّر سلبًا في الإنسان.

إذًا، هذا، الّذي جاء إلى الرّبّ يسوع، سأل سؤالاً لا يحتاج إليه: “هل الّذين يخلصون قليلون؟!”. ما همّك، أيّها الإنسان، إذا كان الّذين يخلصون قليلين أو لا؟! ماذا ينفعك أن تعرف الجواب؟! وكأنّ الرّبّ يسوع، بطريقة غير مباشرة، يدعونا إلى طرح الأسئلة الّتي تنفع، لا إلى طرح الأسئلة لمجرّد الأسئلة، لمجرّد الحصول على إجابات ترضي غرورَ الإنسان، وغرورَ عقله، وشعورَه بالقوّةِ، والعظمةِ، والأهمّيّةِلهذا السّبب، تجاهل الرّبّ يسوع السّؤال الّذي طرحه هذا الإنسان، وأجاب عن سؤال آخر: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق“. في الحياة الرّوحيّة، ليست هناك نظريّات. في الحياة مع الله، يُفترَض بالإنسان أن يطرح السّؤال الّذي ينفعه في عمليّة الخلاص، الّذي ينفعه في دخول ملكوت السّموات، الّذي ينفعه في علاقته بالله، الّذي ينفعه في اقتناء الحياة الأبديّة، الّذي ينفعه في علاقته بالآخرين. الأسئلة ينبغي أن تنصبّ، إذًا، على ما هو نافع ومفيد لنا، من جهة علاقتنا بالله، ومن جهة علاقتنا بالآخرين. الرّبّ يسوع، في الجواب الّذي أعطاه، الكلمة الأولى الّتي قالها هي اجتهدوا“. هذا موضوع له علاقة بالإرادة. إذًا، بالنّسبة إلى موضوع الخلاص إذ إنّ هذا الإنسان كان يسأل عن الخلاص النّقطة الأساسيّة هي الاجتهاد. والاجتهاد هو موضوع إرادة. علينا أن نجتهد، وإلاّ لا نخلص! علينا أن نرغب، عميقًا، على مستوى الإرادة، في الخلاص، وإلاّ لا يكون لنا نصيب في الخلاص. الاجتهاد معناه أن يبذل الإنسان جهدًا، لأنّه يريد أن يبذل! إذًا، موضوع الباب الضّيّق، الّذي تكلّم عليه الرّبّ يسوع، هو، عمليًّا، موضوع له علاقة بالإرادة. الإنسان يدخل من الباب الضّيّق، حين يطلب، إراديًّا، ما هو نافع له، ولو كان غير مريح. السّارق، مثلاً، إذا أراد أن يسرق بيتًا؛ يأتي، أحيانًا، ويجد نافذةً لها قضبان من حديد، والمسافة بين القضيب والقضيب الآخر ضيّقة. فيحاول، قدر الإمكان، أن يدخل من المكان الضّيّق! يغصب نفسه! يكون منزعجًا، لكنّه يريد أن يبلغ مأربه، يريد أن يبلغ غايته! لهذا السّبب، يدخل، مهما كان الأمر مزعجًا، بالنّسبة إليه! وهو يتجشـّم كلّ هذه المشقّات من أجل الحصول على مبلغ من المال، أو شيء من أمور هذه الدّنيا. أمّا نحن، فإنّنا نطلب الحياة الأبديّة. لهذا السّبب، علينا أن نغصب أنفسنا على الدّخول من الباب بالتّعب. ماذا يعني ذلك؟! نحن، مثلاً، نحبّ النّوم. التّعب، أو الدّخول من الباب الضّيّق يعني السّهر! أن يسهر الإنسان، لكي يصلّي! أن يسهر الإنسان، لكي يسجد! أن يسهر الإنسان، لكي يقف قدّام الله ويسبّح! هذا كلّه غصب للنّفس، هذا كلّه تضييق على النّفس. لكنّ القصد هو أن يدخل الإنسان في علاقة مع الله، الّذي علّم: “صلّوا في كلّ حين، صلّوا ولا تملّوا” (لو18: 1). الرّبّ يسوع يعطي وصيّة، ونحن علينا أن نتمسّك بها، ونسلك بحسبها. ولكي نسلك بحسبها، علينا أن نغصب أنفسنا عليها، علينا أن نضيّق على أنفسنا، علينا أن نثبت في هذا العمل، إلى المنتهى. كذلك الأمر، بالنّسبة إلى الصّوم، مثلاً. الإنسان، بصورة تلقائيّة، لا يرغب في الصّوم. مثلاً، السّيّدات، بخاصّة، يرغبن في الامتناع عن أنواع من الطّعام، لا من أجل غاية روحيّة، بل من أجل غاية لها علاقة بالنّحافة، بالأنوثة والجمال؛ ويغصبن أنفسهنّ على أمور، ويحاولن أن يدخلن من باب ضيّق، إنّما من أجل اقتناء جسم أكثر نحافة! الإنسان، إذا أراد، فهو قادر على أن يدخل من الباب الضّيّق. الرّبّ الإله يريدنا أن نريد الدّخول من الباب الضّيّق ابتغاءَ الخلاص، ابتغاءَ الحياة الأبديّة، ابتغاءَ الملكوت. لهذا، نحن، إذا أردنا أن نصوم، علينا، طبعًا، أن نضبط شهوة البطن، ولذّة الحلق، وكلّ ما له علاقة بالشـّراهة. وهذا ليس بالأمر السّهل، بخاصّة بالنّسبة إلى الإنسان الّذي يحبّ الطّعامَ اللّذيذ، وريادةَ المطاعم، والمشروبات الكحوليّة، وغيرَها. الأمر لن يكون سهلاً، بالنّسبة إليه! لكن، إذا شاء الإنسان أن يكون له نصيب في الملكوت؛ فعليه أن يتعلّم الصّيام، عليه أن يغصب نفسه عليه، عليه أن يدخل من الباب الضّيّق، عليه أن يضيّق على نفسه. الباب الضّيّق ليس قائمًا هناك، إنّما قائم في إرادتنا. نحن نضيّق على أنفسنا من أجل الملكوت. هذا هو الباب الضّيّق، في نهاية المطاف!

الموضوع، إذًا، يُطرَح على هذا الصّعيد؛ ونحن نهتمّ، أوّلاً وأخيرًا، بكلّ تفصيل من تفاصيل الحياة الرّوحيّة، بكلّ تفصيل من تفاصيل ملكوت السّموات، بكلّ تفصيل من تفاصيل محبّة الله، وتسبيح الله، والوقوف في حضرة الله، وإتمام كلّ شيء في حياتنا لأجل الله؛ بحيث لا يعمل الإنسان، من بعدُ، أيّ شيء، على الإطلاق، إلاّ لأجل الله. لا يعمل، أبدًا، الأشياء لأجل ذاتها، بل يعملها كلّها من أجل الله، بحسب ما قال الرّسول بولس، مثلاً: “إذا أكلتم أو شربتم، فليكن كلّ ذلك من أجل الله” (1كور10: 31)! إذًا، ما يشاؤنا الرّبّ الإله أن نسلك بحسبه هو أن يكون كلّ شيء، في حياتنا، من أجل الله. كلّ ما يمجّد الله نحن نفعله! كلّ ما يساعد على التصاقنا بالله نحن نفعله! وكلّ ما لا ينفع في تمجيد الله، ولا في الاتّحاد بالله، نسعى لأن نمتنع عنه! لهذا السّبب، نحن، مثلاً، حين نأكل، ليس الموضوع، بالنّسبة إلينا، أن نملأ بطوننا! الموضوع، بالنّسبة إلينا، في الدّرجة الأولى، هو أن نأكل في إطار ذكر اسم الرّبّ يسوع، في كلّ حال. لهذا السّبب، كلّما جئنا إلى المائدة، نصلّي! “أعين الكلّ إيّاك تترجّى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه. تفتح يدك، فيمتلئ كلّ حيّ سرورًا” (مز144: 15- 16)… نعتبر أنّ هذا الطّعام هو من فوق، من عند الله. نحن نعترف بذلك، ونشاء أن نبارك هذا الطّعام؛ حتّى يكون مفيدًا لنا، في رحلتنا إلى قلب الله، في سعينا إلى ملكوت السّموات، في طلبنا للحياة الأبديّة. لهذا السّبب، نحن نأكل بهذه الرّوح، ولا نأكل لمجرّد أن نملأ بطوننا، ولمجرّد أن نسدّ حاجاتنا. أنا لا أقول، أبدًا، إنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يأكل! طبعًا، نحن نحتاج إلى أن نأكل مقادير معيّنة من الطّعام، لكي نبقى على قيد الحياة ونستمرّ. لكنّ هذا البقاء على قيد الحياة له هدف، وهو الله، وليس هو قائمًا في ذاته. لهذا السّبب، كلّ موضوع فنون المطبخ، مثلاً، لا علاقة له بالإلهيّات، أبدًا. هذا، تمامًا، مثل المعرفة الّتي هي لأجل المعرفة، ولا فائدة له. على العكس، فنون المطبخ تُبعد الإنسان عن الله. المفترَض أن يكون الطّعام، مثلاً، بسيطًا قدر الإمكان. لا مانع، أبدًا، من أن يكون طيّب المذاق! لكن، أن نتفنّن بصناعة الأطعمة، وأن نمضي ساعات وساعات من وقتنا نُعدّ وجبةً، لنأكلها في عشر دقائق؛ فهذا أمر سخيف، في الحقيقة، ولا يحتاج إلى هذا الاهتمام الكبير. هذا كلّه ينتمي إلى حضارة السّقوط؛ ولا ينتمي، أبدًا، إلى حضارة الخلاص. طبعًا، بإمكان المرء أن يسترسل في الكلام على هذا الموضوع. لكنّ القصد، أوّلاً وأخيرًا، أن نفعل كلّ ما نفعله لأجل الخلاص، لأجل مجد الله، أن نفعله تعبيرًا عن محبّتنا لله، وتعبيرًا عن محبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر! اسمعوا، مثلاً، ما قاله الرّبّ يسوع في الإنجيل، مرّةً، وهو شيء يبدو غريبًا جدًّا جدًّا عن واقعنا اليوم. اليوم، مثلاً، إذا أراد إنسان أن يعمل مأدبة عظيمة، فمَن يدعو إلى هذه المأدبة العظيمة؟! طبعًا، هو يدعو أصدقاءه، وبعض أقربائه، ويدعو النّاس الّذين سبق لهم أن دعوه إلى مآدبهم، ويدعو بعض العظماء. ربّما يدعو نائبًا من هنا، أو وزيرًا من هناك، أو موظّفًا كبيرًا، أو مدير مصرف، أو غيرهم؛ لأنّه يفتخر بنفسه، ويريد أن يستغلّ المأدبة لتكون مجالاً لتنمية العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع الآخرينهذا هو نمط التّفكير السّائد بين النّاس، بصورة عامّة. أمّا الرّبّ يسوع، فعنده طريقة أخرى، في التّفكير، مختلفة تمامًا؛ وهو يدعونا، بالضّبط، إلى اتّباع هذه الطّريقة المختلفة. يقول: “إذا أردت أن تصنع مأدبةً، فاذهب وادعُ الفقراء والمساكين والبشر الّذين لا يمكنهم أن يدعوك إلى مآدبهم، إذ لا قدرة لهم على ذلك” (لو14: 13- 14)! تخيّلوا إنسانًا يفعل أمرًا كهذا! يدعو بعض المتسوّلين، يدعو بعض العجزة والفقراء، يدعو بعض المرضى، يدعو بعض المتروكين هنا وهناك!… ويدعوهم إلى مائدة سخيّة! هذا لا يمكن أن يَرِدَ في أذهان النّاس، اليوم! وهو غير وارد، أبدًا! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما ورد، ويرد، عند الرّبّ يسوع. وفي أزمنة النّهضة، في الواقع، كان المؤمنون يتعاطون مثل هذه المآدب. الإنسان الّذي يهتمّ بمثل هذه المآدب، يكون له، إذ ذاك، نصيب في المأدبة السّمويّة! يجلس مع الرّبّ يسوع في مأدبته السّمويّة!

إذًا، هناك نمط جديد في الحياة، في التّفكير، في التّعامل، يجعله الرّبّ الإله في حياتنا. طبعًا، مهما بدا هذا النّمط غريبًا عنّا، اليوم؛ فإنّه يبقى هو القاعدة، لا ما نفعله نحن، وما اعتدنا على فعله. القاعدة هي، بالضّبط، ما يقوله يسوع، ما يوصي به الرّبّ يسوع، ما يشاؤنا الرّبّ يسوع أن نسلك فيه. هذا النّمط من التّعامل معروف عند بعض القدّيسين. مثلاً، القدّيس فيلاريت الرّحيم كان مُحـِبًّا للفقراء والمساكين، بشكل مدهش! ذات مرّة، طلب من أهل بيته ومن كلّ الّذين كانوا عنده، قائلاً: “اليوم، علينا أن نُعـِدّ مأدبة عظيمة، لأنّ الملك سوف يأتي، مع كلّ حاشيته، ليتناول الطّعام لدينا“. فأخذوا هم كلامه على ما قال. ظنّوا فعلاً أنّ الملك سوف يأتي إلى بيت فيلاريت، الّذي كانت ابنته زوجةَ الملك. فصنعوا مأدبة عظيمة جدًّا. وإذا بالمدعوّين، الّذين دعاهم فيلاريت الرّحيم، مجموعة من البشر المهمَّشين، والمساكين، والفقراء، والمرضى! هؤلاء دعاهم إلى مأدبته، وقام وخدمهم! للوهلة الأولى، دُهش أهل بيته: ماذا يفعل هذا الإنسان؟! لكنّ هذا، بالضّبط، هو ما فعله. أطعمهم، وخدمهم بنفسه. هو لم يكن يتكلّم على الملك الأرضيّ، بل على الملك السّماويّ، الآتي إلى بيته بأشخاص هؤلاء المساكين، والفقراء، والمجدوعين، والمقطوعين!… خدمهم، بكلّ معنى الكلمة؛ وجعلهم يفرحون! وفي نهاية المطاف، أعطى كلّ واحد منهم ليرة ذهبيّة، وتركهم يذهبون! هذا هو الجنون، الّذي يصعب جدًّا على العاقلين، اليوم، الّذين يعتبرون أنفسهم عاقلين، أن يتبنّوه. لكن، يبدو أنّ الرّبّ الإله يشاؤنا، أوّلاً، حتّى ندخل من الباب الضّيّق، أن نتبنّى جنون الوصيّة الإلهيّة. وبعد ذلك، كلّ شيء ينسكب فينا؛ ليصير حكمةً إلهيّة حقيقيّة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو13: 19- 29، السّبت 10 كانون الأوّل 2011

قلة اﻹيمان وتدبير الله

قلة اﻹيمان وتدبير الله

القديس يوحنا (مكسيموفيتش) أسقف توبولوسك

إن أياً من محاولاتنا الشخصية وجهودنا لا يمكنه أن ينقذنا من دون معونة الله، ولا يمكن للمعونة اﻹلهية أن تكون مفيدة لنا من دون رغبتنا بها. ما من موضوع استحضره الرب لتلاميذه بكثافة كما موضوع عدم الإيمان. لقد حذر الجميع من عدم الإيمان ليس فقط بكلماته، ولكن أيضاً في العديد من الأحداث التي أثبتت بشكل مثير للدهشة قوة الإيمان وعجز قلة الثقة أو الشك في حماية الله والخلاص.

تأتي قلّة الإيمان في أشكال مختلفة: بعض الناس لديهم ثقة ضعيفة في الله لأنه لا يعذب أعداءه. آخرون يشكّون في أنهم يستطيعون توسل الله ليمنحهم رغباتهم، وخصوصاً عندما تؤنبهم ضمائرهم بفكرة أن الله لن يغفر لهم خطاياهم. لا يزال يخشى آخرون أن الله سوف يحرمهم من كل السلع الدنيوية ومن المعيشة. هذا الظهور الثلاثي اﻷوجه لعدم الإيمان يغرّب الكثير من الناس عن الله ويغرقهم في أشكال مختلفة من الهلاك. مصدر قلّة إيماننا هو الغرور المفرط، أي عندما نرى أنفسنا أهمّ من الله، ونعتمد أكثر على قوانا الخاصة من اتكالنا على معونة الله.

... بقدر ما يزداد إيماننا ورجاؤنا بالله، يزداد رحمته وإحسانه علينا. ولكن ويل لنا، لأن الذين يؤمنون بالله من كل قلوبهم بيننا قليلون جداً!

إذا حلّلنا عادات الناس وأعرافهم، فسوف نرى أنّ في كل الأماكن وفي كل الأوقات يبرز عدم الإيمان على نطاق واسع، مما يثير مخاوف فارغة وكاذبة. غالباً ما يخشى الناس من نقص في المواد الغذائية. وفي بعض الأحيان يخشون من الافتقار إلى المواد الضرورية أثناء المرض. وفي أحيان أخرى يقعون في اليأس بسبب تزايد الشائعات عن الحرب. كل هذا يحدث لأن فهمهم لصلاح الله وقوته القاهرة خاطئ ومشكوك فيه: وهذا هو أيضاً سبب قلق عقلنا الضعيف والمحزن على الأشياء الزائلة، بدلاً من الحرص على تحقيق الحياة الأبدية المباركة.

يتجلى تدبير الله بأكبر قدر من الحكمة: هو ﻻ يعاقب المعصية على الفور. ومع ذلك، لا يتركها من دون عقاب أبداً. إذا لم يعاقب الله اللؤم، فإن العديد من الناس يعتقدون أن ليس من عناية إلهية. من ناحية أخرى، إذا كان العقاب يتبع المخالفة على الفور، فسوف يعتقد البعض أن ما من مكافأة ولا عقاب بعد الموت. لذلك، الله، بمعاقبته بعض الناس، يكشف عنايته. بعدم معاقبته للآخرين مباشرةً بعد معاصيهم، هو يهددهم بالعقاب مباشرة بعد الموت، في الحياة القادمة، إن لم يتوبوا في هذه الحياة. الله يتمّم كل شيء بحكمة عظيمة وتدبّر.

على نفس المنوال، كل المظاهر المتناقضة التي نصادفها في حياتنا موجّهة بحكمة العناية الإلهية. كلّ المصائب الدنيوية يحوّلها الله إلى فائدة ومكسب بالنسبة لنا. حتّى التجاوزات الخاطئة يسامحنا عليها لكي يعيدنا إلى رشدنا، ويحقّق خلاصنا من خلال التوبة. إن فعل الصلاح وتحمّل البشاعة هو سمة حصرية من سمات العناية الإلهية، لأن الله ما كان ترك الشر لو لم يكن كان هو قوياً وصالحاً لينتج ظروف جيدة من السيئات.

 إن عناية الله مخفية عنّا لا نسبر غورها، ولكنها تضمّ أمراً شاملاً لحكم العالم بعقلانية وعدل. نحن بالعادة نحترم جداً النظام الخارجي للأحداث العالمية والخاصة؛ ومع ذلك، فإن العناية الإلهية الرائعة والحكيمة، التي تنشّط الآلية الكونية، وتحافظ على نشاطها وتوجّهها، هي مخفية عنا، ونحن لا يمكننا أن نراها. إن هذا هو السبب في أن الكثير من الناس، إذ يرون تناقضاً من جهة نظر الإنسان في رفاه الأشخاص السيئين ومِحَن الصالحين، يؤكدون أن عناية الله غير موجودة، و أن كل شيء يحدث من خلال إرادة الإنسان وعقله، أو عن طريق حظ أعمى أو مصيبة.

ومع ذلك، إن الذين يؤمنون بحكمة الله العظيمة وبعنايته، التي توجّه كل شيء للخير، ينظرون إلى كل هذه الأمور ويفهمونها بشكل مختلف تماماً. عندما نرى كيف أن الناس الذين يخافون الله هم في كثير من الأحيان أذلاء ومهانون، في حين يزهو الأوغاد الشائنون، نعتقد أن العناية الإلهية تغطّ في النوم، وهذا لأننا نبحث عن وجه واحد فقط من عناية الله، في حين يكون الوجه الآخر من مخفياً عنّا بسبب ضيق نظرناالعاجز عن التمدّد نفسها ليشمل كامل فكر الله. فقط في مجيء المسيح الثاني سوف نعرف حكم الله العادل على كلّ شخص وكلّ شيء.

يكمن خطؤنا الثابت في حقيقة أننا لا نعالج الساعة الحالية العابرة من حياتنا على محمل الجد، فنعيش إمّا في الماضي أو في المستقبل، وﻻ نلبث نتوقع وصول ساعة فريدة من نوعها، عندما تتكشف حياتنا بكل معناها، ولا نلاحظ أن حياتنا تنزلق بعيداً كالماء بين الأصابع، كمثل مكسب ثمين في كيس مربوط يشكل سيئ.

الله يرسل لنا باستمرار، يوميا وكل ساعة، أناساً وظروفاً وشؤوناً لكي يبدأ تجديدنا منها، بينما نحن نهملها، وبالتالي نستمرّ بمقاومة إرادة الله لنا. في الواقع، كيف يمكن أن يساعدنا الله؟ بإرساله لنا بعض الناس وبعض الملتقيات من ظروف حياتنا اليومية. إن استطعنا أن نقبل كل ساعة من حياتنا على أنها من إرادة الله لنا، وأنها أكثر الساعات حسماً في حياتنا –فكمّ من مصادر الفرح والمحبة والقوة سيتم كشفها داخل نفوسنا!