Monthly Archives: March 2016

السنة الثانية عشرة، العدد الخامس، شباط2016

السنة الثانية عشرة، العدد الخامس، شباط2016

فريق التراث اﻷرثوذكسي يتمنّى للجميع صوماً مبارَكا ويعتذر عن التأخير في إصدار هذا العدد

مختارات آبائية

حول الكتاب المقدّس

حول الصوم

عظة

الإنسان ويوم السّبت، اﻷرشمندريت توما بيطار

حياة روحية \ ثمار الروح

السّلام، من ثمار الروح القدس، كالينيكوس ميتروبوليت بيرياس

بعض الأفكار حول تدريب الإرادة، الأرشمندريت كبريانوس بيزوف

الحفاظ على الايمان المستقيم (مستقيمًا)، كلود لوبيزغينيستي

لاهوت

مرض النفس، الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

في الحقيقة: هل يوجد أكثر من واحدة؟ الشماس خرالمبوس جوينر

هل ما زال اﻵباء يلائمون هذه اﻷيام؟ الشيخ موسى اﻷثوسي

مختارات آبائية حول الكتاب المقدّس

مختارات آبائية حول الكتاب المقدّس

القدّيس باسيليوس الكبير

القول بأنّ ثمّة عبارةً باطلةً في الكتاب هو تجديف ُ رهيب.

القديس أثناسيوس الكبير

الأسفار المُلهَمة كانت كافيةً لبسْط الحقيقة.

من أراد أن يفهم فكرَ كُتّاب الوحي [الإلهيّ] عليه أولاً أن يَرحض نفسَه ويطهّرها بقداسة السيرة، وأن يقتدي من ثم بالقدّيسين أنفسهم؛ وذلك في سلوك مماثلٍ لسلوكهم.

القديس مرقس الناسك

إن من لا يعتبرون أنفسَهم مَدينين بالنسبة إلى كلّ وصيّةٍ من وصايا المسيح إنمّا يقرؤون شريعة الله بطريقةٍ جسديّةٍ دونما فهمٍ، لا لما يقولون ولا لما يؤكّدون بشدّة (أنظر1تيم1: 7).

القدّيس رومانوس

لنفتّشْ في الكتاب المقدّس عمّا يهب من النعمة وعمّا يتضمّن من المعنى، إذ إنّه الدليل الذي يُفضي بالجميع إلى الرجاء الذي لا يَبلى: هذه هي فائدة كلّ الكتاب الموحى به من الله. فلْنخرنّ إذاً عند قدمًي المسيح مخلّصنا ولنصرخْ إليه بورعٍ قائلين: “يا ملك الملوك ومحبّ البشر، امنح المعرفة للجميع، وأرشدنا في سبيل وصاياك لنعرف طريق الملكوت، إذْ هي التي نصبو إلى سلوكها ليكون لنا أيضا الإكليلُ غيرٌ الفاسد.

القديس يوحنا كاسيانوس

يجب أن تكون لدينا الحميّةُ في حِفظ مجموعة الأسفار المقدّسة، وأن نستعيدها في ذاكرتنا بلا انقطاع. إذْ فيما يكون الانتباه منشغِلاً بالقراءة والدرس، لا يعود للأفكار السيّئة سبيلٌ من بعدُ إلى أسْر النفْس في شباكها. ولكن، إن كنتم تبتغون التوصّل إلى معرفةٍ حقيقيّةٍ للكتب [المقدّسة]، فعجّلوا أوّلاً إلى اكتساب تواضع قلبٍ راسخ. فهو الذي يقودكم، لا إلى العِلم الذي يَنفخ (أنظر1كو8: 1)، بل إلى العِلم الذي يُنير بإتمام المحّبة؛ إذْ يستحيل على النفس غير المطهَّرة أن تفوز بهبة العِلم الروحيواحترزوا بأبلغ الاهتمام شأناً من أن تصير حمّيتُكم للمطالعة سببَ هلاك بادّعائات باطلة.

القديس إيلاريون

إن حياة الإنسان وفكرَه يظلاّن في الضلال، أو بالحريّ في ليل عدم الإحساس، ما داما ملطَّخيَن بمُعاشرتهما للجسد، ويبقيان من ثمّ في لّجة الجهل بسبب ثِقَل الطبيعة التي يمتزجان بهاولكن، كلّما استنار المرء بكلام الله، كلّما صار غيرَ قادرٍ على تحمّل ظلمات الجسد هذه وليل هذا العالم. وعليه، فلا نَدَعَنّ هذا التعليم وهذا الكلام الإلهيّ اللذين تلقيّناهما فينا بلا استعمالٍ وبلا جدوى كما لو تحت المكيال” (انظر متى5: 15)، بل لننشرْ هذا النور في نفوسنا أوّلاً، ثم في جميع الأمم من خلالناوفي كل خطوةٍ تقوم بها نفسُنا، لنستعملْ كلام الله كسراج، ولكن كسراجٍ موقَدٍدوماً، ومًعَدِّ دوماً بفطنتنا للقيام بمهمّته.

القديس سارافيم ساروفسكي

تتغذى النفس بكلمة الله وعلى الأخص بمطالعة العهد الجديد والمزامير. يجب أن نقرأ الإنجيل ورسائل الرسل واقفين أمام الأيقونات المقدّسة، بينما يمكننتا أن نقرأ المزامير جالسين. إن الذهن يبتهج ويستنير من دراسة الكتاب المقدس.

يجب أن نمرِّن الذهن على الهذيذ بناموس الرب حتى نرتب حياتنا بإرشاده. مفيدُ جداً أن ندرس كلمة الله بانتباه وفي الهدوء. بانشغالِ كهذا مرتبطٍ بالأعمال الصالحة لن يحرمنا الله رحمته. عندما تلهج النفس بناموس الرب تمتلئ من موهبة تمييز الخير من الشر.

عندما تتمُّ دراسة كلمة الله في الهدوء يغرق الذهن في حقائق الكتاب المقدّس، ويتقبَّلُ القلب دفئاً إلهياً. الشيء الذي إذا تمّ في الوحدة يجلب الدموع. هذه الأشياء تدفئ الإنسان كله وتملؤه بمواهب روحيّة تبهج الذهن والقلب بما لا يعَبَّرُ عنه. وبشكل خاص أن يشدَّدَ على الدراسة لكي يمتلك سلام النفس بحسب قول المزامير سلام عظيم للذين يحبون ناموسك” (مزامير 118: 165).

القديس اسحق السوري

قبل أن يتقبل المؤمن المعزي يحتاج للنصوص المقدّسة حتى يتجدد داخله لكثرة الدرس وينجذب للعمل الصالح وتحفظ نفسه من طرق الخطيئة. إنه يحتاج للنصوص المقدسة لأنه لم يحصل بعد على قوة الروح القدس وعندما تنزل قوة الروح القدس في النفسَ تتربى النفس سرياً من الروح، ولا تحتاج لمساعدة من أي شيء محسوس“.

الأب أشعياء (من بستان الرهبان)

إن حبَّ الاستطلاع في الكتاب المقدّس يولّد العداوة والمخاصمات، أما البكاء على الخطايا فيجلب السلام.

خطيئة على الراهب أن يجلس في قلاّيته ويهمل خطاياه باحثاً في الكتاب المقدس بروح فضولّي.

إن من يترك قلبه يبحث في أمور الكتاب المقدّس ويرجّح بين كذا وكذا قبل أن يقتني المسيح في ذاته، لا شك أن قلبه فضولي ومسلوب إلى أقصى الحدود.

إن من يسهر على ذاته بغية النجاة من السلب يفضلّ رمي نفسه أمام الله بصورة دائمة.

لا تبحث في الأمور الإلهية السامية طالما أنك تصلي وتطلب من الله العون لكي يفتقدك ويخلّصك من خطيئتك. إن الأمور المنوطة بالله إنما تتحقق وحدها متى أصبح المكان (أي القلب) نظيفاً وطاهراً.

من اتكّل على معرفته الخاصة وتشبّث بإرادته يقتني لنفسه العداوة ولا يعود في إمكانه أن يتملَّص من الروح الذي يوّلد الحزن لقلبه.

إن من ينظر إلى أقوال الكتاب المقدس ويطبقها حسب معرفته، معتبراً نفسه بهذه الطريقة، قد أدرك عمقها، لا شك أنه يجهل مجد الله وغناه.أمّا مَن ينظر إليها ويقول: أنا إنسان لا أعرف، فانه يقدّم مجداً لله، وغنى الله يفيض عليه حسب فكره وقدرته.

مختارات آبائية حول الصوم

مختارات آبائية حول الصوم

القديس باسيليوس الكبير

إن الصوم الحقيقى هو سجن الرذائل أي ضبط اللسان وإمساك الغضب وقهر الشهوات.

القديس ثيوفان الحبيس

فى الصوم ادخل إلى قلبك وافحصه بدقة لتعرف بأي أفكار وأوجاع هو يرتبط.

القديس إسحق السرياني

صوم اللسان خير من صوم الفم وصوم القلب أخيَر من الاثنين.

القديس يوحنا الدمشقي

اذا تناولت الكأس لتشرب فاذكر الخل والمرارة التي شربها يسوع من أجلك وبذلك تضبط نفسك.

القديس موسى الأسود

اعلم يقيناً ان كل انسان يأكل ويشرب بلا ضابط ويحب أباطيل هذا العالم فانه لا يستطيع أن ينال شيئاً من الصلاح بل ولن يدركه، لكنه يخدع نفسه.

إذا قاتلتك الشياطين بالأكل والشرب واللبس فارفض كل ذلك منهم وبين لهم حقارة ذاتك فينصرفوا عنك.

القديس أفرام السرياني

خبز و ملح مع سكوت وراحة، أفضل من أطعمة شريفة مع هموم وأحزان.

ثمين هو الصوم الطاهر أمام الله، وهو محفوظ ككنز في السماء، الصوم سلاح أمام الشرير، وترس نقاتل به سهام العدو.

القديس مكسيموس المعترف

من غلب الحنجرة فقد غلب كل الأوجاع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا لا نثق ان الصوم الخارجى عن أطعمة منظورة يكفي وحده لنقاوة القلب وطهارة الجسد ما لم يصاحبه صوم النفس.

كرامة الصوم ليست فى الامتناع عن الطعام بل فى الانسحاب من الأعمال الشريرة.

القديس يوحنا السلّمي

طريق الصوم يؤدى لطريق النقاوة. الصوم هو بتر الشهوة والأفكار الشريرة وهو نقاوة الصلاة واستنارة النفس وضبط العقل والتخلص من قساوة القلب وهو الباب للندم.

من بستان الرهبان

لا بد أن يرتبط الصوم بالتوبة، لأن المهم هو القلب النقي وليس الجسد الجائع.

أن إمساك البطن هو أن تقلل من شبعك قليلاً، وان كان عليك قتال فاترك قليلاً أكثر.

لا تصم بالخبز والملح، وأنت تأكل لحوم الناس بالدينونة والمذمة. لا تقل أنك صائم صوماً نظيفاً وأنت متّسخ بكل الذنوب.

من يضبط فمه فان أفكاره تموت كجرّة فيها حيات وعقارب، إن سُدّ فم الجرّة تموت.

الصوم بدون صلاة واتّضاع يُشبه نسراً مكسور الجناحين.

الإنسان ويوم السّبت

الإنسان ويوم السّبت*

اﻷرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، التّمسّك بيوم السّبت، عند اليهود، جاء إثر السّبي إلى بابل. هناك، وجد اليهود أنفسهم محرومين من الهيكل. والهيكل هو المؤسّسة الّتي حولها كانت تدور حياة اليهود العباديّة. فلمّا بات الهيكل خلفهم، أرادوا مؤسّسة أخرى يتمسّكون بها، تكون تعبيرًا عن إخلاصهم لله؛ فكان السّبت. وقد تفنّن اليهود، لاسيّما الفرّيسيّين، في الأحكام الخاصّة بيوم السّبت. ظنّوا أنّهم، بهذه الطّريقة، يحافظون على هويّتهم كشعب لله؛ فقالوا بأحكام عديدة جدًّا، في شأن الأصول المرتبطة بيوم السّبت. لا يجوز، مثلاً، أن يُشعل اليهوديّ نارًا، يوم السّبت؛ ولا أن يعمل. القطاف ممنوع، يوم السّبت؛ وكذلك السّير إلى مكان بعيد كان. لقد أجاز اليهود للمؤمن أن يسير بعيدًا عن بيته مسافة سبت، فقط؛ أي ما يعادل ستّمئة خطوة.

إذًا، اليهود جعلوا يوم السّبت سلسلة من القيود الّتي فرضوها على أنفسهم. وكانوا، طبعًا، يقرأون الكتاب العزيز. والفرّيسيّون، الّذين يحبّون تحويل الشـّريعة إلى أحكام شكليّة، قالوا بأكثر من ذلك. الفرّيسيّون اعتبروا أنفسهم قيّمين على الشـّريعة، وعلى أحكامها، وعلى كلّ ما يرتبط بها. وكانوا هم، في الحقيقة، الأكثر تأثيرًا بين اليهود. وهم الّذين احتجّوا، هنا، في هذا الإنجيل، على يسوع، لمّا اجتاز في السّبت بين الزّروع، وجعل تلاميذُه وهم سائرون يقلعون السّنابل“. إذًا، يسوع وتلاميذه كانوا يتحرّكون بحرّيّة، وكانوا يقلعون السّنابل ليأكلوا. هذا اعتبره الفرّيسيّون منافيًا لأحكام يوم السّبت، لأنّه ضَرْبٌ من العمل. يسوع ردّ عليهم بعنف، قال: “السّبت جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت“. ما معنى هذا الكلام؟! السّبت جُعل لأجل الإنسان، لأنّ الرّبّ الإله خلق الخليقة في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. الرّاحة، هنا، كانت تعبيرًا عن الفرح، لأنّ كلّ شيء قد تمّ. والسّبت، أيضًا، هو اليوم الّذي أُعطي للإنسان لكي يشكر، ويفرح، ويتعاطى الكلام الإلهيّ، ويتعاطى، أيضًا، كلّ عمل خير. إذًا، السّبت كان نوعًا من تفرّغ لله، تفرّغٍ للرّكون إلى الله، لشكر الله؛ لأنّ الإنسان، في نهاية المطاف، ليس آلة تعمل، بصورة دائمة. العمل الأساسيّ، الّذي يُفترض بالإنسان أن يقوم به، هو أن يجلس إلى ربّه بعمل الخير، بالكلمة الإلهيّة، بالشـّكر، بالتّسبيحلذا، السّبت كان، بمعنًى من المعاني، تخطّيًا لِما هو من هذا الدّهر إلى ما هو من الدّهر الآتي. المهمّ أن يعمل الإنسان عمل الله، في كلّ حين. وفي السّبت، بخاصّة، يتروّض الإنسان على عمل الله، وعلى أن يكون في عشرة مع الله، أن يذكر الله، أن يسبّح الله، أن يمجّد اللهوالإنسان يمجّد الله بكلّ عمل صالح، وبالشـّكر والتّسبيح. الإنسان، في الحقيقة، ليس إنسانًا عاملاً، في هذا الدّهر، أي إنّه ليس إنسانًا يعمل، بصورة دائمة، في أمور هذا الدّهر. الإنسان، في الحقيقة، هو إنسان عابد، هو إنسان مُسبِّح، هو إنسان ليتورجيّ، هو إنسان يشكرإذًا، هذا الإقبال على ما هو لله كان هو جوهر يوم السّبت، وكان يحمل في طيّاته نَفَسًا من ملكوت السّموات، من عشرة الإنسان الكاملة والأبديّة مع الله. من هنا، الإنسان يفرح بالملكوت، منذ الآن؛ ويتروّض على عشرة الله، منذ الآن، في كلّ عمل، وقول، وفكرلكن، أيضًا، الأمور تأتي في زمن، تتمّ في زمن. لذلك، إذ يتفرّغ الإنسان، بالكامل، لوجه ربّه؛ يعبّر، في الحقيقة، عن توقه إلى أن يكون مع الله، أوّلاً وأخيرًا. المهمّ أن يملأ ذِكرُ الرّبّ الإله ذهنَ الإنسان، وفكرَه، وقلبَه. السّبت، إذًا، هو هذه النّفحة الإلهيّة، الّتي أُعطيت لنا، حتّى نكون مع الله، بصورة متواترة. لكنّ الفرّيسيّين جعلوا السّبت فروضًا وحملاً ثقيلاً؛ بدلاً من أن يخفّف عن الإنسان، يثقّل عليه؛ وبدلاً من أن يفرّح قلب الإنسان، يجعله في الغمّ والضّيق: افعل هذا، ولا تفعل ذاك؛ تحرّك إلى هنا، ولا تتحرّك إلى هناكوهذه أمور شكليّة، لا قيمة لها؛ لأنّها لا تعطي الإنسان فرصة لأن يفتح قلبه وكيانه للرّبّ الإله، وأن يستمدّ منه نعمة، وأن يشتاق إليه، وأن يسعى لعبادته وشكره، في كلّ آن.

إذًا، السّبت جُعل لأجل الإنسان. والإنسان، في الحقيقة، جُعل لأجل الملكوت! لكن، هنا، الكلام أنّ الإنسان صار لأجل السّبت وهذا ما نفاه، طبعًا، الرّبّ يسوع يشير إلى تحويل السّبت إلى قيد للنّاس، بدلاً من أن يكون إطلاقًا لهم في ضروب الحرّيّةِ: حرّيّةِ الرّوح، وحرّيّةِ القلب؛ الحرّيّةِ، في الحقيقة، من الدّهريّات، والانطلاق في الإلهيّات؛ لأنّ الإنسان، فقط، إن عرف الله، صار حرًّا: “تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم“. إذًا، اليهود، لا سيّما الفرّيسيّين، قتلوا السّبت، وقتلوا الإنسان من خلال السّبت؛ جعلوا عليه قيدًا؛ فقيّدوه، وخنقوه، وظنّوا أنّ لهم في ذلك حياة، وكانوا أغبياء! السّبت يعبّر عن نفسه، بخاصّة، بين النّاس، بعمل الخير. لذا، دخل يسوع المجمعَ، في السّبت، أيضًا، وكان هناك إنسان يده يابسة، وكانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت، لكي يشكوه. انتبهوا لهذا الأمر! لم يكن هَمُّ الفرّيسيّين ما إذا كان يسوع من الله أم لا، ولا كان همّهم أن يُشفى إنسان يده يابسة. تمسّكهم بشكليّات الأمور خنق فيهم الرّوح! خنق فيهم الحسّ! كانوا يعرفون، نظريًّا، أنّ الإنسان لا بدّ من أن يكون من الله، إن شفى أحدًا يدُه يابسة. لكنّ الحفاظ على شكليّات السّبت ارتبط فيهم بالقلق، والخوف، والاضطراب؛ حتّى إنّهم فقدوا الإحساس بالإلهيّات! الإنسان، أحيانًا، يتمسّك بشكليّات الأمور، إلى حدّ أنّه يقتل الرّوح، فلا يحسّ بعمل الرّوح، من بعد، بأيّ شكل من الأشكال. هذا، بالضّبط، ما حدث للفرّيسيّين ولليهود: “كانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت لكي يشكوه“! بدلاً من أن يمجّدوا الله، صار همّهم أن يسجّلوا عليه وقوعه في ما اعتبروه محظورًا، أن يأخذوا عليه مخالفته لأحكام يوم السّبت! وأحكام يوم السّبت هذه اختراع من النّاس، لا من الله. إذًا، مات في اليهود الإحساسُ بالخير: الإحساس بالله، ومن ثمّ الإحساس بالإنسان. كلّ مفهوم الصّلاح والخير تغيّر، نتيجة ذلك. الإنسان، إذا ما تحوّلت حياته إلى مجموعة من الأحكام الشـّكليّة يسلك فيها؛ لا يبقى، إذ ذاك، إنسانًا! يفقد حتّى إنسانيّته، يفقد شعوره الإنسانيّ! لا يفقد، فقط، شعوره من جهة الله؛ إنّما يفقد، أيضًا، شعوره من جهة الإنسان!

طبعًا، إذا ما شاءت الكنيسة أن تجعل هذا الإنجيل في هذا اليوم بالذّات، أي في السّبت الأوّل من الصّوم؛ فالقصد أن نحذر لكي لا نقع، ونحن سائرون في الصّوم، في ما وقع فيه اليهود! نحن، إن أكلنا، فلا نزيد؛ وإن لم نأكل، فلا ننقص! الموضوع ليس، أبدًا، موضوع الامتناع عن الطّعام. الموضوع ليس، أبدًا، موضوع إتمام مجموعة من الفروض: أن نأتي، مثلا، كلّ يوم، إلى الكنيسة لنشترك في صلاة النّوم الكبرى، أو في القدّاس السّابق تقديسهالموضوع ليس موضوع واجبات! لا يمكننا أن نحوّل ما رتّبته الكنيسة إلى أحكام شكليّة! حتّى لو أتممنا الصّيام والانقطاع عن الزّفر كما يليق، إذا لم يتغيّر في قلوبنا الإحساس من جهة وقفتنا قدّام الله، وقدّام النّاس، وقدّام أنفسنا؛ وإذا لم يَنْمُ، نتيجة الصّوم، إحساسُنا بأنّنا بشر خطأة، وبأنّنا لا نحبّ كفاية، وبأنّنا لا نطيع الله كما يليق؛ وإذا لم يكن لدينا سعي لفتح صفحة جديدة في علاقتنا بالله، في محبّتنا لله؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في سلوكنا في رحمة النّاس، في الصّدقة الّتي نتعاطاها مع النّاس؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في نظرتنا إلى أنفسنا؛ فإنّنا، بلا أدنى شكّ، نتمّم فروض الصّوم الشـّكليّة، لكنّ النّتيجة تكون أنّنا نشعر بالبِرّ الذّاتيّ، وبأنّنا أتممنا فروضنا كما يليق؛ ومن ثمّ، قد صرنا على قاب قوسين وأدنى من ملكوت السّموات. وهذا كذب! المهمّ أن يتغيّر القلب. المهمّ، إذا كنّا لا نحبّ الآخرين كفاية، أن نمتدّ صوبهم، أن ننعطف عليهم. المهمّ، إذا كنّا، في السّابق، قد فترنا من جهة علاقتنا بالله، أن نستعيد حرارة الوقوف قدّام الله، أن نستردّ الإحساس بأنّنا لا نستحقّ أن نكون عبيدًا لله. إذا لم نحقّق شيئًا من هذا كلّه، فإنّ فروض الصّوم لا تنفعنا شيئًا.

إذًا، علينا أن نحذر لئلاّ يصير الصّوم سبيلاً إلى الغطرسة، والبرّ الذّاتيّ، وإدانة الآخرين، والشـّكليّات. لذلك، نحن نخفي كلّ ما نصنعه في الصّوم، سواء امتناعًا عن الطّعام كان، أم إحسانًا إلى النّاس، أم عبادة للهكلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في الصّوم ينبغي أن يكون لدينا مجالاً للتّملّؤ من حضرة الله، للتّملّؤ من الوعي بأنّنا بشر في حاجة إلى تنقية، وأنّ الرّبّ الإله هو مُنقّينا! وللتّملّؤ، أيضًا، من الإحساس بوجود الآخرين، من الإحساس بمحبّة الآخرين، برحمة الآخرينهذا كلّه هو المُرتجى، وهو ما علينا أن نسعى إليه، لكي يكون صومنا لأجل الإنسان، ولا نكون نحن لأجل الصّوم. نحن لسنا لأجل الصّوم! هناك، ربّما، مَن يظنّ، في الكنيسة أو في خارجها، أنّه، إن تمّم فروضًا معيّنة؛ فإنّه يقتني الملكوت. وهذا كذب. المهمّ أن تتغيّر قلوبنا، أوّلاًَ وأخيرًا، وأن نصير جُدُدًا، وأن نمتلئ من روح الله. إذ ذاك، يتسلّل الفصح إلينا، لكي يقيم فينا؛ فنفهم، حينئذٍ، معنى الحياة الجديدة، ومعنى القيامة في الرّوح!

فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة في السّبت 7 آذار 2009 حول مر2: 23- 28، 3: 1- 2

السّلام، من ثمار الروح القدس

السّلام، من ثمار الروح القدس

كالينيكوس، ميتروبوليت بيرياس

نقلته عن اليونانية: ماريّــا إلياس قباره

السّلام، عطية الله: “أمّا ثمر الروح فهو، السّلام

السّلام هو الثمرة الحلوة الثالثة التي تتوّلد في نفوسنا من الروح القدس. وترتبط مباشرة بالثمرتين السابقتين وخاصّة بالثانية ألا وهي ثمرة الفرح. فلا يكون هناك سلامًا من دون فرح ولا فرحًا من دون سلام. فالإنسان الفرح هو سلاميٌ والإنسان المسالم ذو روح مرحة.

ما هو السّلام؟

هو سكون عالمنا الداخليّ، وراحة ضميرنا، وتصافي نفوسنا. السّلام هو عطية الرب القائم من بين الأموات الأولى لتلاميذه جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: السلام لكم” (يوحنّا 19:20)، وهو سلام الله الذي يفوق كلّ عقل” (فيلبي7:4). أي أنّ السّلام هو كمال كلّ عقل، سواء للبشر أو للملائكة، إنّه عطية إلهيّة وقد تركه الرب لتلاميذه قبل الآلام سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب” (يوحنّا 27:14)، وبه تمنّى الرسول بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس أن يملك في قلوبكم سلام الله” (كولو15:3).

هذا السّلام وهبه رب السّلام وربّ السّلام نفسه يعطيكم السلام دائمًا من كلّ وجه” (2تسالونيكي 16:3)، مشيرًا عجيبًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السّلام” (اشعيا6:9). والذي جاء فبشركم بسلامٍ أنتم البعيدين والقريبين“(أفسس 17:2). وهبه مسيحنا والذي هو سلامنا” (أفسس14:2)، ورتّل ومجّد به الملائكة ميلاد الرب بالجسد المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي الناس المسرة” (لوقا 14:2).

هذا السّلام الذي تتمناه الكنيسة، دومًا، للمؤمنين في كلّ طلبة وخدمة مقدسة السّلام لجميعكم“.
السّلامُ هو حاجتنا للصلاة لله بسلام من الرب نطلبوالذي يقبله المؤمن ليطلب من الله العيش بقربه. هذا المؤمن يحبّ ناموس الله الذي يقوده في حياته فيُخضع الجسد للروح ولا يجعل قلبه يميل لاهتمام الجسد بل لاهتمام الروح لأنّ اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام” (رومية 6:8) فيأخذ سلامًا المبشر المخبر بالسّلامالمخبر بالخلاصقد ملك إلهك” (اشعيا7:52)

ويكون السّلام صلاحًا كبيرًا عندما نتمناه، فنشعر بالراحة والشكر وبحلاوة عذبة ونفرح في الحياة ونعيش جزءًا من الفردوس فيها. لأن ماذا سيأخذ المغبوطون في السّموات إلاّ السّلامَ الذي يولّد البهجة باستمرار؟ لكن عندما يغيب عن قلوبنا، عندئذٍ، نكون أناس غير محظوظين ونكون تافهين وسوداويين. تثقل الحياة علينا ونقاسي فيها ونتعذب ونعيش بجحيم بشع مشؤوم.

وأيضًا، في حين أنّنا نطلب السّلام من الله ليعطينا إيّاه نمنعه بشكلٍ كبير عندما لا نفهم أنّه علينا أن نبتعد عن شرورنا وأهوائنا وضعفاتنا ولا مبالاتنا الروحيّة التي تفصلنا عن إله السّلام” (1تسالونيكي 23:5). وقد صرخ إلينا الروح القدس بفم الرسول بطرس ليعرض عن الشرّ ويصنع الخير ليطلب السّلام ويجدَّ في إثره” (1بطرس 11:3). عندئذٍ فقط، نستطيع أن نقتني السّلام مع الله؛ ومع قريبنا، وأيضًا، نقتني سلامنا الداخليّ، فنبتعد عن الشرّ ونصنع الخير المرجو. فيعمل الإنسان الفضيلة مع المؤمنين والمحبّة لله.

الإيمان الحيّ والثقة بالله هو الدواء العظيم للحياة، ولكنّه يتطلب تعبًا، ويشّدنا ويجعلنا أقوياء في صعوبات الحياة الكثيرة التي لا مناصَ منها، ويجعلنا متفائلين ننظر إلى المدى البعيد للمستقبل فنرى السّماء وردية ونتغلب على لحظات الأحزان المريرة وعلى تجارب الحياة اليوميّة.

الإيمان بالله المحبّة والثقة في اهتمامه الحنّان يعمل فرحًا وسلامًا في قلوبنا. إنَّ أحمال ومرورة حياتنا كبير، ومن دون إيمان سنغرق في بحر القنوط واليأس، لكنّ الإيمان يولّد داخلنا الرجاء والصبر، والصبر يبزر فينا السّلام والفرح. لهذا، وإن كان المؤمن في وادي البكاء سيتذوّق الخيرات السماويّة ويهدأ ويتسالم وإن هبت من حوله ريح شديدة سيكون هادئًا مرتاحًا. المؤمن المسالم فقط من يحفظ السكون أمام مواقف الآخرين وتصرفاتهم المؤذية من يفرغون السّم والسوء أمام غيرهم.

دواء الحياة الأعظم هو الإيمان بالله، إنّه بلسم التعزية. فهو يثبّت خطواتنا وعكاز خلاصنا. الإيمان العميق بالمخلص الفادي يتطلب سلامًا داخليًا وفرحًا عظيمًا، به نجاهد ونقهر شكوكنا ونبتعد به عن القلق والاضطراب. يخلّصنا من الشكوك القويّة التي حولنا، ويذيب غمام اضطرابنا ويعتقنا من كلّ إدانة ويهدئ ضمائرنا. يخفّف أحمالنا ويمحي ديجور عتمتنا وينير خطواتنا. فنعمل باطمئنان في مسيرة حياتنا ونصبح قادرين على البقاء في السّلام حتّى في الصعوبات الكثيرة التي تعثرنا في هذه الحياة.

الحفاظ على الايمان المستقيم (مستقيمًا)

الحفاظ على الايمان المستقيم (مستقيمًا)

كلود لوبيزغينيستي

نقلها إلى العربية الياس رزوق

أحبَّ الأرثوذكسيّة بحقّ يا من تدّعي حبّ الأرثوذكسيّة. لا تُقحم فيها شطحاتك التي تصفها أنت بال روحيّة“. “الكلّيّ جميلٌ بوحدانيّته، يقول الفيلسوف. فاعفِ التقليدَ والجوهرةَ الرّوحيّة الخالصة اللذين تسلّمناهما من الآباء، من شذوذ العالم وانحرافات تعاليمه الغريبة عن كنيستنا المستقيمة الرأي.

لا تجتهد محاولاً أن ترصّع الخواتم التّنكيّة الزائفة بماسّة العقيدة الأرثوذكسيّة. كن على يقينٍ بأنّك لن تفلح، بفضل الله. دع اليوغا والزن والفيدا وغيرها من فلسفات ومعتقدات الإنسان، في سياق فكرها الذي ليس هو سياق عقيدتنا.

ضمَّ نفسك غصنًا إلى أغصان شجرة الصليب. استقلَّ سفينة الكنيسة المبحرة نحو ملكوت الله، ينفخ في أشرعتها الروحُ القدس المنبثق من الآب أبي الأنوار الأوحد. لا تدع الزؤان الدنيويّ يختلط بطهارة حبّات الحنطة المستحيلة جسدًا للمسيح. ولا تسمح لمياه العواطفيّة الإنسانية النّتنة بالامتزاج بما سيصبح الدم الكريم للربّ يسوع. ولا تسدَّ مداخل القصر اليشمي لفكر كنيستنا اللاهوتي ببوّاباتٍ من وحول مذاهب مبتدعة لتواكب الموضة ليس إلّا.

وإن كنت تفضّل أن يوصلك طريق إيمانك إلى روما أو فاراناسي، إلى مكّة أو لاسا [1]، فاقصد وجهتك وامكث هناك. واتركنا بسلامٍ نقضي العمر في الأرض أحياءً في شراكةٍ روحيّةٍ كاملةٍ وطاهرة مع إخوتنا في أثينا وكييف و بلغراد وأورشليم وبخارست وجبل آثوس وموسكو وغيرها من المدن حيث حُفظَ وهج إيماننا المستقيم.

وإن أردت أيضًا الادّعاء بأنك أرثوذكسيّ، فانتشل نفسك من انحراف التوفيق بين الأديان؛ هذه البدعة التي تنسف مصداقية كلّ المذاهب، جاعلةً معتنقَها يساوي لاهوتيًّا فيما بين الأديان جميعًا. لا تحاول أن تجمّل صورة تلك الهرطقة مزخرفًا بدعة النسبَويّة الروحية التي تفتخر بها بكلماتٍ من حقلَيّ المحبّة والرحمة المعجميَّين. لأن هذه البدعة ليست إلّا نتيجة لضعفك البشريّ وعدم قدرتك على الإيمان والفهم والاعتراف بالحقّ الواحد الذي هو الطريق والحياة. وهو الذي ينير كل من يقوم بعبادته بحسب تعاليم آبائنا الأتقياء.

لا تستنسب أي شيء لكي تقلل من قيمة الكلّ. لا تخلْ تردّدك بالالتزام في الإيمان الواحد عطيّةً روحيّة، بل اعرف أن هذا هو الجبن بعينه، هذا هو العيب الشائع في أيّامنا المتّسمة بالفتور. فقد يمكن للمرء أن يظنّ نفسه بطل لاعنف فيما هو ليس إلّا جبانًا يخاف المعارك الروحية.

لا تَدِنْ الإخوة الثابتين في أرثوذكسيّة الآباء باسم ما تراه أنت تسامحًا وقبولًا لذاك الآخر الذي يرفض هذا الإيمان. ولو ان الآباء القديسين تصرّفوا نحو العقيدة كما تفعل أنت لما تبقّت لنا ولا ذرّة من ألإيمان المستقيم، ولما بقي لنا شيءٌ من التقليد الذي كان ليذوب في طبخة العواطفية المسموم التي تقدمها أنت على أنها قيمة روحيّة.

المحبّة ليست غثّة ولا فاترة كما تحاول أن تعرّفها. المحبّة عميقة شموليّة تطال الكلّ من إخوة وأقرباء وأصدقاء وأعداءلكنّ محبّة الصديق أو العدوّ لا تعني البتّة بأن تشارك هؤلاء انحرافاتهم العقائدية أو الروحية. فإن حنوّك تجاه مريضٍ لا يفرض عليك أن تُصاب بنفس مرضه أو أن تشيد بدائه. لكن ذلك لا يمنعك من محبة المريض، بل على العكس، أحبَّه بالحقّ وحاول مساعدته على الشفاء، أو دلّه على الأقلّ إلى طريق الخلاص من مرضه.

لا تحسب أبدًا أن انفتاحك الفكريّ قيمة من القيم الروحية. و خاصّة عندما تكون إدانتك قاطعة تجاه إخوتك المحافظين على الإيمان القويم، الذين لا يشاركونك وجهة نظرك النسبوية الفارغة. إنك تخدع نفسك حينما تتّهم هؤلاء بخيانة الربّ يسوع. لأن إخوتك الأرثوذكسيين أحبّوا أولئك المبتدعين لدرجة قصوى حتّى تمنّوا أن يتشاركوا معهم في الإيمان الحقّ، بعيدًا عن الإكراه، ودون جدالاتٍ لا هدف لها سوى تشويه طبيعة هذا الإيمان. وبذلك، ابتعد إخوتك عن الحشو الكلاميّ المعسول لأنهم عارفون بانهم سيضطرّون للكذب يومًا، عندما يُدفعون باسم التوفيق بين الأديانلإعلان مساواة عقيدتهم بنظريات أُخرٍ يرفضونها أصلًا لأسبابٍ جوهرية.

لا تكون محبّة الآخر في مشاركته في أيّ شيء سوى الحقّ؛ بملئه وكماله. ولا تكون المحبّة في البحث عن تسوية دنيوية أساسها فكرة خاطئة بأن الإيمان هو مسألة أعداد أو إشكالية إجماع.

ولا تخلطنّ بين كنيسة المسيح المقدسة الأرثوذكسية وخان الإيمان الإسباني حيث يستطيع أي كان أن بدستور إيمانه الخاص، ليناقش الجميع بنود أفكاره ويختلقوا دستور إيمان مقبولًا لدى الكلّ.

وأخيرًا، إن كنت لا تستطيع حفظ طهارة الإيمان واستقامته من الامتزاج والتشوّش، فحاول على الأقلّ ألّا تكون عثرةً لإخوتك الصغار الذين يتقدّمون ببطء وتواضع نحو ملكوت الله، بالإيمان الحقّ في كنيسة المسيح.

[1] روما عاصمة الكثلكة، فاراناسي مدينة هندية تُعتَبَر العاصمة الروحية للهندوس، مكّة عاصمة اﻹسلام، و لاسا عاصمة البوذيين (المترجم)

مرض النفس

مرض النفس

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

يساعدنا التحليل الذي يظهر ما يعنيه الآباء بالنفس السليمة على فهم المقصود بمرض النفس بحسب تعليم الآباء. عندما تسود الأهواء على نفس المرء، التي هي بصورة رئيسية الاندفاعات غير الطبيعية لقوى النفس، وعندما يكون غير قادر على رؤية الله كنور فإنه يكون مريضاً روحياً.

ينظر علم النفس الحديث والتحليل النفسي والعلاج النفسي بصورة رئيسية للصراع الداخلي أو حتى الخبرات المكبوتة والصدمات من الماضي، المخزونة فيما يسمى اللاشعور مسببة الاضطرابات المختلفة، على أنها مرض. مثلاً، قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أجزاء. الأول هو العقل الواعي الذي يتضمن على أي ما يختبره المرء في لحظة محددة. الجزء الثاني هو ما تحت الوعي، والذي يتكون من كل ما اختبره المرء في الماضي والذي لا يفكر فيه في الحاضر ولكنه يستطيع استدعاءه إلى عقله الواعي حينما يريد ذلك. الجزء الثالث هو اللاوعي والذي يحتفظ بأحداث وأفعال وخبرات مختلفة عاشها الشخص في الماضي ولكنه كبتها في أعماق نفسه في اللاوعي؛ وعلى الرغم من كونها مكبوتة إلا أن هذه الأمور تكون نشطة وتريد العودة للوعي. تخلق كل الأمور المنسية أو المكبوتة في اللاوعي مشاكل في النفس، ولكنها عندما تظهر في العقل الواعي، يصبح المرء هادئاً ويُشفى. يساعد المحلل النفسي أو المعالج النفسي في هذه العملية مستخدماً طريقة خاصة للتحليل النفسي.

إلا أن الآباء القديسين يُعلِّمون أن مرض النفس ليس مجرد خبرات مكبوتة تخلق صراعات داخلية، ولكنه فساد قوى النفس، وهو على الأخص موت وإظلام النوس. لا يرى النوس الله ولا يكون في شركة معه، وعندما يصبح مريضاً يؤدي إلى كل أنواع الحالات غير الصحية. تتدمر كل إمكانيات النفس الطبيعية وبهذه الطريقة تتطور الأهواء.

إذ يشير الأب يوحنا رومانيدس للصلاة العقلية ونوس الشخص الذي عندما يتطهر يقتني تذكر دائم لله يعطي الملاحظات الهامة التالية:

كل هذا الموضوع الذي هو محل مناقشة يرتبط باكتشاف الأوروبيين من خلال سيجموند فرويد وأتباعه من المحللين النفسيين لما تحت الوعي الخاص بالإنسان، وبالتحقق من أن الإنسان هو أكثر من مجرد ذهن. توجد جوانب وخبرات خفية لفهم الناس، والتي تحت ضغط الأخلاقيات السائدة والقواعد والتقاليد الأخرى الخاصة بالسلوك الجيد، نساها العقل ولكنها بقيت كامنة فيما تحت الشعور ولا يمكن تجنب تأثيرها على أحكامه ومبرراته وأفعاله.

إلا أن ما تحت الشعور، كما فهمه المحللون النفسيون، يُرى على أنه نتيجة لحالة نفسية غير طبيعية ينبغي أن تُشفى، على الأقل مبدئياً، بكشف وتعرية ما هو مخفي. الانطباع المـُعطى هو أن ما تحت الشعور، كما يراه الأطباء النفسيون، يتكون فعلياً من هذه الميول الخفية المنسية، الموجِهة، الطبيعية أو المكتسبة، بدلاً من كونها خاصية للنفس مختلفة عن الخاصية العقلية.

على عكس رأي التحليل النفسي المعاصر، يصبح النوس في التقليد الأرثوذكسي متشابكاً مع الخاصية العقلية والأهواء عندما يكون في حالة غير طبيعية أو ساقطة. على كل حال، النوس مختلف تماماً عن الخاصية العقلية عندما يعمل ،كما هو مفترض، بقوة ونعمة الله، وعندما تُكشَف الأمور غير الطبيعية المختفية في الطبيعة البشرية وتُشفى. يعتقد الأطباء النفسيون أن ما تحت الشعور هو تجمع خفي لميول طبيعية مكبوتة مضادة للأخلاق والمبادئ الاجتماعية مما جعلها تُقمع وتنسى، وأنه ينبغي استبعادها بتحرير هذه الميول الطبيعية المكبوتة. وبتعبير آخر، لا يعرف التحليل النفسي أي شيء عن التمييز بين الخاصية العقلية والنوس، أو تحول محبة الذات لمحبة خالية من الأنانية من خلال استنارة النوس بواسطة الصلاة العقلية“.

بحسب الآباء القديسين يكون المرض هو الإماتة، وموت وإظلام النوس. في هذه الحالة لا يعمل النوس الخاص بالمرء جيداً. إنه يُعرف بصورة خاطئة على أنه هو نفسه الخاصية العقلية والأهواء والوسط المحيط بها. هذا العيب هو سبب كل ما يسمى المشاكل النفسية. ليس لدى علماء النفس والمحللين النفسيين المعاصرين معرفة دقيقة لهذه الحالة، وبالتالي يكونون غير قادرين على فهم مشاكل الناس الحقيقية.

بحسب القديس سمعان اللاهوتي الحديث، ما لم تنشط روح الإنسان بالروح القدس، الذي هو روح أرواحنا ونوس أنواسنا، فإنها تموت. إنه يكتب قائلاً: “كما هو مستحيل على جسدنا، سواء كان مريضاً أم لا، أن يحيا بدون نفس، هكذا النفس أيضاً، سواء كانت تخطئ أم لا، تموت وتصير غير قادرة على أن تحيا في الحياة الأبدية بدون الروح القدس…”.

هذا النص الخاص بالقديس سمعان مهم جداً. إنه يُظهر بوضوح أن النفس تمرض عندما يغيب الروح القدس. حتى لو لم يخطئ شخص ما، فإنه يموت أو يمرض بدون الروح القدس. بالتالي، في التقليد الأرثوذكسي، حتى لو كان الشخص متزناً نفسياً وليست لديه أية صراعات داخلية، فإنه على الرغم من ذلك يكون مريضاً وميتاً بدون الروح القدس. بحسب القديس سمعان اللاهوتي الحديث، ليس فقط أصحاب الصراعات النفسية هم المرضى، ولكن بصورة رئيسية أولئك الذين يعيش الشيطان داخلهم، الذي هو كنز الشرور“. إنه ليس مجرد أفكار وذكريات بسيطة من الماضي لم يستطع العقل تصنيفها أو نُسيت وكُبتت، ولكنه وجود روح الشر، أي وجود كيان شخصي يخلق كل هذا الخلل.

يعني مرض النفس في كتابات الآباء شيئاً مختلفاً تماماً عن معناه في علم النفس والعلاج النفسي الحديث.

بعض الأفكار حول تدريب الإرادة

بعض الأفكار حول تدريب الإرادة

الأرشمندريت كبريانوس بيزوف

 نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن إظهار ضرورة تدريب الإرادة هو مثل إثبات أن جائعاً يحتاج الخبز أو أنّ مريضاً يحتاج الدواء: الكلّ يعلم أنَ الإرادة القوية الثابتة في تحقيق الفضيلة تساعد الإنسان في كل خطوة من الحياة. مَن يملك إرادةً قويةً يدخل ملكوت السماء بسرعة أكثر من ضعيف الشخصية المُستَعبد للعواطف والعادات السيئة. الرجل الضعيف، لكونه يُسحَر بسهولة بالشر، ولكونه بلا أسلحة ولا إرادة من نفسه، فهو يقع بلا حول ولا قوة في شباك العدو.

الرجل ذو الإرادة الضعيفة غالباً ما يكون على علم تماماً بأنه يخالف ضميره. ومع ذلك، فهو يسمح لسموم الخطيئة التي تعفّن قلبه بأن تقرّبه أكثر من أي وقت مضى إلى التهلكة. لأنه يعلم أن الشيطان الواقف أمام أبواب قلبه يسعى للحصول على مدخل ليغدر به، ولكن لا قوة لديه على المقاومة. لذا يفتح الأبواب، ويقع ضحية تراخيه.

إن الأرواح النجسة وقد وضعت العديد من الأفخاخ للإيقاع بنا، ونحن نسمّيها أهواء. إن بذورها مزروعة بالفعل فينا عند الولادة، إذ بالخطايا ولدتني أمّي”. إنها تبدأ عملها المفسد منذ نعومة الأظفار، وبمجرد الحصول على موطئ قدم، من المستحيل تقريباً هزّها. يجب أن تبدأ المعركة ما أن تظهر الأهواء. إنّ سلاحنا الرئيس في المعركة هو الإرادة القوية الصالحة المتحالفة مع الله، ومن واجب كلّ مسيحي أن يدرّب إرادته لأن تكون هذا السلاح. هذا النوع من التدريب ضروري خصوصاً في مرحلة الطفولة، عندما يكون الحصول على العادات سهلاً، إذ إن الميل نحو اللذة الذي يُكتسب في الشباب يطارد الإنسان كلّ حياته.

عندما توجَد المشاعر التي تدمّر النفس لدى الأطفال، تقع الخطيئة على عاتق الآباء والأمهات الذين لا يولون اهتماماً لنشاط أطفالهم ويفشلون في إصلاحهم. على كبار السن أن يوضحوا المشاعر للشباب ويرشدوهم ليكونوا على أهبة الاستعداد. لسوء الحظ، فإن العكس يحدث عادة، ويقع ذنب زرع بذور الخطيئة في السلالة على الجيل الأكبر سناً. على سبيل المثال، غالباً ما يستفيض الأهل في الثناء على أطفالهم ومكافأتهم، وبالتالي تعليمهم المجد الباطل وحب الذات والحسد والمشاكسة. وبالمثل، بدلاً من تشجيع البراءة الطبيعية في الشباب، فإنّ المدارس تعلّم بشكل منهجي الكبرياء والغرور التافه، الذي يتعاون مع الطبيعة البشرية الساقطة على خنق النفس. هنا الخطيئة تخترِق بسهولة كبيرة لأنها مقنَّعة كفضيلة.

عند توجيه الاهتمام نحو الروحيات في الجهاد ضد الشرير، يجب أن لا ينسى المرء إلى أي درجة ينبغي عليه أن يكبح جماح نفسه في الماديات من أجل تعزيز إرادته. إن الانضباط الجسدي هو بنفس أهمية الانضباط الروحي في تدريب الإرادة. الرجل الذي يسيطر على نفسه ينهض باكراً، يأكل قليلاً، ويعمل بجد، ويستخدم وقته بحكمة. في غياب ما سبق، فإن المشاعر تتغلّب بسهولة على الإنسان وتصير شيئاً فشيئاً جزءاً من حياته، فيما يصير هو بكليّته فريسة لإرادته الضعيفة.

ضارّ جداً أن يتعلّق الإنسان ببعض الأطعمة الشهية منذ شبابه. مَن لم ينمِّ طعمها لن يكون بحاجة لها في ما تبقّى من حياته. أمّا مَن تربّى منذ حداثته على الطيّبات فسوف يسعى جاهداً في شبابه ليؤمّن لحنكه الاكتفاء من الأطعمة والمشروبات الخاصة أو من التدخين.

كلّ ما هو مفيد لتقوية الإرادة في الجهاد من أجل الخير ينبغي تثبيته في قلوب الشباب. كلام القديس برلعام لتلميذه الأمير يواصاف تعليمي. فهو يقول له بأنّه هو نفسه عجوز ممتلئ بجميع أنواع الضِعة، لذا فإن تعليم المسيح النقي يُبَثّ في قلب الأمير يواصاف الذي لا يزال شاباً.

الأنبا دوروثايوس، صاحب العظة الشهيرة عن الفضيلة، يولي اهتماماً خاصاً بالتفاصيل الصغيرة في عملية تعزيز إرادتنا. هذه التفاصيل الصغيرة على ما يبدو واضحة خصوصاً في مجتمع رهباني. ما من شيء يفسد حياتنا أكثر من الكسل. نحن كسالى جداً عن الوقوف للصلاة، كسالى جداً عن السجدات، كسالى جداً لنشغل أنفسنا بشيء مفيد. أحياناً نكون كسالى جداً حتّى عن رسم إشارة الصليب بشكل صحيح. إنّ غياب رقابتنا يحثّنا على البدء بتناول الطعام أو شرب الشاي قبل المبارَكة. غياب ضبط النفس يلد عادة التدخل في محادثات الآخرين. إذا نادى شخص آخراً، فإن رأسَي الثاني والثالث يدوران باتجاهه لمعرفة ما يجري، ما يجعل مجموعة من الناس تهتم بما يجري الحديث عنه. يأتي الناس إلى اثنين منشغلَين في محادثة خاصة بأسئلة مثل حسناً، ما الذي يحدث، ما الذي يجري هنا؟إلخ.. يكتب الأنبا دوروثايوس أن الصراع مع الفضول هو واحد من أساسيات تدريب الإرادة.

إن المعركة ضد الإرادة الذاتية هي أيضاً حيوية. هناك أشخاص لديهم هذه الطاقة التي يبدو أنها قادرة على تحريك الجبال، ولكن فقط إذا لم يتعارض هذا مع إرادتهم. أنهم يعجزون عن القيام حتى بمهمة صغيرة إن لم تتناسب مع أفكارهم الخاصة، ولا يتحمّلون أدنى تدخل في ما يريدون. إنهم مغرورون لا يثقون إلا في قدراتهم الخاصة وإرادتهم، بالرغم من أنها تبدو للخارج قوية، إلا إنها في الواقع ضعيفة وعَدَم. إنّهم مثل الشجرة التي تزهر بشكل رائع في الربيع ولكن من ثمّ لا تحمل أيّ ثمر. الشخص المتمحور حول ذاته غالباً ما يؤدّي المهام الكبرى. على سبيل المثال، ينتج الأعمال الفنيّة الضخمة، لكنه يعجز عن التواضع أمام الله، وبالتالي لا يجلب أي ثمرة طيبة. إنّ شجرة بلا ثمر لا تنفع إلا للحطب، كما أن نفساً عقيمة لا تلد إلا روحاً مكتئبة مُثقَلة.

إنّ تطوير الإرادة هو علم صعب ولكنه حيوي، ولكن إذا درّب الإنسان إرادته وأرشدها بجدّ فسوف تصبح مساعدةً جيدةً في كلّ الأعمال الحسنة والرفيق المخلص نحو الخلاص. مَن اكتسب إرادة جيدة وقوية يتحمل بسهولة الإهانات ويكون حكيماً في التعامل مع الأحزان التي تأتيه. ضعيف الإرادة يقع في الحزن المفرط والاكتئاب. فهو ينسى أن المساعدة تأتي من الله ويسعى إلى الراحة في أصدقاء مثله ضعفاء ومتخاذلين، كما في أصدقاء خفاف العقل يلقونه في مزيد من الحزن والاكتئاب.

إن ملكوت الله يُغتَصَب اغتصاباً والذين يغصبون ذواتهم يدخلونه.

في الحقيقة: هل يوجد أكثر من واحدة؟

في الحقيقة: هل يوجد أكثر من واحدة؟

الشماس خرالمبوس جوينر

نقلتها إلى العربية جولي عطيه

عندما كنت مراهقًا، علّمني كاهنٌ ميثودي أنّ هناك، إضافةً إلى المسيحية، طرقًا عديدة تؤدي إلى الله. كان يشبّهها بالطرقات التي نتسلّق عبرها الجبل: فبينما يدور بعضها حول الجبل بشكلٍ متعرّج، يؤدّي الطريق المسيحي مباشرةً إلى القمّة. وقد اعتقدتُ بهذه الفكرة لفترةٍ طويلة، من دون أن أدرك كم كانت تُضعف إيماني. أما الآن، فألاحظ كيف جعلتني أجول في سعيي الروحي باحثًا عن الطريق القويم. فطريقة التفكير هذه، إضافةً إلى القول إنّ الديانات كلّها واحدةٌ وتعلّم قيمًا متشابهة، تنتقص من إيمانك بحقيقة يسوع المسيح، لأنّك إن ظننتَ أنّ ما تؤمن به هو واحد بين خياراتٍ عدّة، لن تستطيع الاعتقاد به بشكلٍ وثيق.

غالبًا ما يعلّموننا أنّه من التكبّر القول إنّ إيماننا هو الحقيقة المطلقة. بالنتيجة، يقول الآخرون الأمر ذاته عن إيمانهم. إلاّ أنه من الكبرياء أيضًا أن يدّعي أحدُهم وجود سبلٍ عديدة، فهو بذلك يحسب أنّ رؤيته أكبر وأرفع من رؤيتك، والحقّ في إيمانه أعظم وأسمى. لا يجب أن نخجل من المجاهرة بأنّ ما نعرفه هو الحقّ.

يسوع المسيح هو واقعٌ تاريخي، وطبيعته الإنسانية الحقيقية يصعبُ استيعابها والإيمان بها، فقد اختلفوا حولها على مدى سبعة مجامع مسكونية، وكان التشديد دومًا على أنّه الله المتجسّد. هو في الوقت ذاته إنسانٌ كاملٌ وإلهٌ كامل، لا مجرّد إنسانٍ تقي أو نبيٍّ موقّر، والمسيحيّون وحدهم يؤمنون بهذه الحقيقة. وإننا، عبر فهمنا لهذا السرّ الذي كشفه لنا الله، نحصل على الفرصة الأفضل لإيجاد الفرح الحقيقي، والخلاص ممّا نواجهه في هذه الحياة الأرضيّة من اضطرابٍ وعذابٍ وموت.

وإذ يدّعي الكثيرون معرفة الحقّ، ويسعون إلى فرضه على الآخرين، نرى الأديان المختلفة تتسبّب بنشوء صراعٍ في العالم. ولا يكمن الحلّ في إدانة الدين أو قمعه، فهذا يُنشئ عذابًا أعظم. يحتاج الإنسان إلى الدين، وما يُثبت ذلك هو النمو المتواصل للأديان. إلاّ أنّ الحقيقة المسيحية هي التي تمنح الأمل الأكبر بالسلام والتناغم في العالم.

كوننا مسيحيين، نؤمن أنّ الناس كلّهم مخلوقون على صورة الله ومثاله، ونعلَم أنّ الجميع يملكون القدرة على ممارسة الفضيلة، ونعي أنّنا بأجمعنا خطأة. نحن عمليًّا لم نبلغ التحوّل الذي يمنحنا إيّاه إيماننا الأرثوذكسي. ورغم أننا خطأة، نعلم أنّ الله ما زال يحبّنا. وإذ يحبنا نحن الخطأة، فهو بالطبع يحبّ الآخرين الذين لم يفهموا الحق الذي في المسيحية.

يقول القديس سلوان: “عندما كنتُ صغيرًا كنتُ أصلّي من أجل الذين يهينونني. كنت أقول: “يا رب، لا تحسب لهم خطايا بسببي“. إلاّ أنني، ورغم حبّي للصلاة، لم أنفصل عن الخطيئة، لكنّ الرب لم يذكر خطاياي وأعطاني أن أحب الناس، وروحي تتوق إلى أن يخلص الناس كلّهم ويسكنوا في ملكوت الله، ويعاينوا مجد الرب، ويبتهجوا في محبة الله. وأنا أحكم بحسب حالتي: فإذا كان الله يحبّني بهذا المقدار، هذا يعني أنه يحبّ الخطأة كلّهم بقدر ما يحبّني“.

قد يكون الآخرون أخلاقيّين أكثر منّا، لكن هل تضمن لنا السيرة الأخلاقية الخلاص؟ كلاّ، يعتمد خلاصنا على إيماننا بالله ومحبّتنا له، وعلى حياةٍ في التوبة نَنشد فيها نعمته لتساعدنا على الاتّحاد به، وذلك باتّباعنا تعاليمه لأننا نحبّه ونؤمن به. وهذا يقتضي من الأرثوذكسي الممارِس تواضعًا كبيرًا. يجب أن ندرك مدى ميلنا نحو الخطيئة، وأن نعي ضعفاتنا وسقطاتنا، بسبب محبّتنا ليسوع المسيح وبفضل ما علّمنا إياه. نحن نعلم أنّ تعاليمه حقيقيّة لأنها دُوّنت لنا بلا خطأ في الأناجيل، وحفظتها لنا الكنيسةُ نقيّة.

تنشأ الخلافات في العالم عندما يشعر فريقٌ ما بأنه أهمٌّ من الآخرين. ويؤدي هذا التعالي إلى التهميش وحتى إلى الاضطهاد. يَعلَم المسيحيّون أنّ هذا الموقف المتعالي كبرياءٌ، والكبرياءُ من أعظم الخطايا إذ إنّها خطيئةُ آدم وحواء، وهي تعترض علاقتنا بالله. لا يجب أن يقبل المسيحيُّ الممارِس أنه أعظمُ من الآخرين، بل عليه بالأحرى أن يشدّد على أنه أكبر الخطأة. لقد تعلّمنا أن نحبّ أقرباءنا، مهما كان دينهم أو معتقدهم، وأن نعيش بتواضعٍ متفهّمين طبيعة البشر.

نحن مدعوون إلى أن نتجاوز سقطاتنا ونعلّم الآخرين أن يفعلوا المثل. هذه هي دعوة الكنيسة، فالكنيسة مكانٌ نأتي إليه لنتلقّى الشفاء ونتّحد بالمسيح. يساعدنا إيماننا على تنمية علاقة محبّة مع الآخرين، بغضّ النظر عن معتقداتهم. وهذا أمرٌ يمكننا ملاحظته منذ بدء المسيحية، فالمسيحيون الأوائل تنوّعت تركيبتهم، ما كان مشينًا في ذلك الوقت، لكنّهم كانوا غير أنانيين ومساعدين كرماء للآخرين، وقد وهب العديدون حياتهم لمساعدة المرضى في الأوبئة، حتى إنهم واجهوا الاضطهاد بسكينة. المسيحيون الحقيقيون هم مَن يصنعون السلام ويجودون على البشر كلّهم.

على المسيحي أن يتمسّك بإيمانه بقوة. لا يجب أن نرضى بأن ينتقص بعضُهم من شأن المسيحية بقولهم إنّها واحدةٌ من سبلٍ عدّة. المسيحية طريقٌ يمنح الأملَ الأفضلَ من أجل سلام العالم والخلاص الشامل الكلّ. وتعاليم يسوع المسيح لا تنمّي فينا التكبّر بل التواضع، فاتّباعنا المسيح يمنعنا من ظلم الآخرين أو اضطهادهم.

كونوا حذرين ممّن يدّعون عدمَ وجودِ حقيقةٍ مطلقة، وأنّ الأديان كلَّها متشابهة أو مجرّد طرقٍ مختلفة. فهم بالطبع سيضعضعون إيمانكم. اعلموا، بذهنٍ متواضعٍ وإدراكٍ لخطيئتكم، أنّ لديكم الإيمان الصحيح الذي كُشف لنا بالله المتجسّد يسوع المسيح، مَن حُبل به من الروح القدس، ووُلد من العذراء، وعاش حياةً بلا خطيئة، وقُتل ظلمًا بالصلب، وقام وصعد إلى السماء فاتحًا أبواب الفردوس للبشرية بأسرها، ثم أرسل الروح القدس لتأسيس كنيسته لنتمكّن كلّنا من العيش كجماعاتِ محبّةٍ تسير نحو الاتحاد به. هذه هي حقيقة الإيمان الأرثوذكسي. لا تكونوا مسيحيين فاترين.

كتب أوغسطينوس مطران فلورينا الراقد: “تبحث الروح عن الحقّ. الحقّ هو البيئة التي تعيش فيها الأرواح وترتاح. هي الماء الحيّ، والخبز السماوي. إلاّ أنّ وحده يسوع المسيح لديه هذا الخبز. لقد أعلن أنه الحقّ، الحقّ المتجسّد: “أنا الطريق، والحق والحياة” (يو 14: 6).

هل ما زال اﻵباء يلائمون هذه اﻷيام؟

هل ما زال اﻵباء يلائمون هذه اﻷيام؟

الشيخ موسى اﻷثوسي

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

على مدى السنوات القليلة الماضية كان هناك الكثير من الحديث عن التوليف النيو آبائي، اللاهوت ما بعد الآبائي، لاهوت الملائمة السياقيةوغيرها من الاجتهادات الطموحة المختالة والمؤسفة، التي يرنو أصحابها إلى أن تنتشر، وأن تبدو أصيلة ومختلفة. كل هذه اﻷمور تخلق المفاجآت والألغاز والمنطق والفكر المنحرفَين. في ما يلي سنعمل على تقديم بعض هذه الأفكار بطريقة موجزة ومتواضعة، بعد أن نعيد تأكيد بعض المواقف الكنسية المعروفة.

إقليمندوس المعلّم الإسكندري كان أول من تحدث عن اللاهوت الصحيحوعن الفلسفة الحقيقية واللاهوت الحقيقي.” يشير يوسابيوس القيصري في عمله عن اللاهوت الكنسي إلى جوقين سلّما للبشرية لاهوت مخلصنا، الأول كان اﻷنبياء والثاني كان الرسل وتلاميذ الرب“.

اللاهوتي الأول هو يوحنا الإنجيلي، والثاني هو غريغوريوس النزينزي والثالث هو سمعان الجديد. القديس غريغوريوس اللاهوتي، من خلال مواعظه الشهيرة، يؤلف نظام حقائق الإيمان المسيحي، يعلن ثالوثية اﻷلوهة، يصف الكائن الذي لا يُدنى منه والقوى غير المخلوقة، والتكامل بين الأقانيم الإلهية الثلاثة ومعرفتهم اللاهوت يعني الكلمة الدقيقة عن الله، حقيقة الإيمان، طريقة الاقتراب من الله، تأليه الإنسان، تكميل المؤمن بالنعمة والمشاركة، خبرة الله الحي، استعلان الله في حياتنا، وتجديد الإنسان الساقط وتحوّله. هناك عدة طرق لمقاربة الله وكل مؤمن يختار الأنسب. كل هذه الطرق، يميزها التواضع والمحبة.

اللاهوتيون الأوائل هم الرسل، من ثمّ المدافعون، آباء الكنيسة الكبار وجميع القديسين. اللاهوت المسيحي هو الفلسفة الحقيقية التي تشمل العقائد الحقيقية عن الله. أثناسيوس الكبير في الإسكندرية ويوحنا الذهبي الفم في أنطاكية والقسطنطينية يقدّمان لاهوتاً مباشراً حصيفاً ورصيناً محوره المسيح. الآباء الكبادوكيون أكّدوا بشكل أساسي على التمييز بين الجوهر الإلهي والقوة الإلهية. ومن بعدهم القديس يوحنا الدمشقي، وفي وقت لاحق القديس غريغوريوس بالاماس، شكّلا خلاصة حقيقية ومنهجية للروح الآبائية بأكملها. للاهوت النسكي وتيار الهدوئيين القديسسن ممثلون رائعون من ديونيسيوس الأريوباغي إلى سمعان اللاهوتي الحديث وغيرهما ممن تبعوهما.

إن الميل للعودة إلى الآباء الذي ساد في السنوات الأخيرة من خلال عمل الأب اللاهوتي العظيم جورج فلوروفسكي قد أثمر الكثير، وها نحن نتمتع به حتى يومنا هذا. بنأيه عن اللاهوت الغربي القانوني والتقوي، أكد اللاهوت الأرثوذكسي تجديد الإنسان وتحوّله في المسيح من خلال معاينة الله والاشتراك فيه ضمن جسد الكنيسة عن طريق اليقظة والنسك والصلاة والحياة الأسرارية، والتطهّر والاستنارة والتقديس. تحوّلت المدرسية الغربية إلى مضجرة ومملّة. إن الأفكار التحررية الجديدة المبتكرة عند بعض اللاهوتيين الشرقيين تطرح إشكالية. أصرّت البروتستانتية على الإيمان وحده، وليس على العقائد الكنيسة ولاهوتها. يسمّي القديس ذيوذوخوس فوتيكي اللاهوت على أنّه السعي إلى الله والشركة معه، من خلال الدراسة والصلاة. ثيوغنوسطوس، يعتبر الحياة النقية والفكر الواضح شرطين مسبقين للاهوت والمعاينة النقية. إن المعاينة تسمو على اللاهوت والمعاين يسمو على اللاهوتي.الله.

إن آباء الكنيسة الكبار هم لاهوتيوها العظماء. هم المتوشحون بالله، العاملين بوحيه، المحرَّكون به، المستنيرون، الذين يقطعون كلمة الحق باستقامة في حياتهم وتعليمهم وأعمالهم. إن نبرة ارتقائهم اللاهوتي هي على هذه الحال، ليس فقط بسبب دراسة الكتاب المقدس المستمرة، ولكن أيضاً بسبب تجاربهم، لأن كلمة الكتاب المقدس صارت عربون قبول قلوبهم. يتميز جميع آباء الكنيسة بقداسة حياتهم وعقيدتهم الأرثوذكسية.

هناك حاجة عظيمة للعودة إلى المصادر الآبائية المقدسة، التي تحيي ولا تنضب دائماً. الآباء الكبار ليسوا فقط القدماء منهم ولكن أيضاً اللاحقون الذين يتابعون على درب مَن لديهم خبرة أكبر من ماضي الكنيسة المفيد. اللاهوتيون المعاصرون بحاجة إلى أن يدرسوا أعمال آبائنا القديسين بأمانة. إنّ تشويه التقليد المقدس أو الجهل به، وإنشاء لاهوت جديد يتجاوز الآباء واعتبار أنّ الزمن عفا عليهم، بلغة من المألوف الثقافي والمصطلحات أكثر تعقيداً، غير مفهومة في بعض الأحيان حتى لمستعمليها محدِثة لاهوتياً، معادية للنسك، غير مبلورة ولا موثّقة، سهلة، بهيجة وسعيدة جداً، ولكن أيضاً ضحلة فاترة وروتينية.

ما معنى اللاهوت السياقي الصلة (Theology of contextual relevance)؟أولا كلمة السياقيتعني علاقة الأمور ذات العناصر المشتركة وشبهها ووظيفتها وارتباطها. يبدو أن هذا المصطلح غامضاً للغاية. لقد ظهر في اجتماعات الحوار المسيحي كوحدة تسوية، كي لا ينكشف انقسام المسيحيين أمام أتباع الديانات الأخرى. وضع المسيحيون خلافاتهم العقائدية الأساسية جانباً وقدموا أنفسهم على أنهم أصدقاء وشركاء في اﻹحسان، والبيئة، والمسالمة وagapetism. لقد أعطوا الأفضلية للفكر المتعلّق بالعدالة الاجتماعية والإنسانوية، وليس لحقائق الإنجيل المقدس العظيمة. في الكنيسة الأرثوذكسية الثابتة لا نلتقي الكنائسالمختلفة لأن الكنيسة واحدة، مقدسة، ورسولية. ليست الكنيسة مشروعاً مشتركاً أو رابطة أو نادٍ، بل هي الكنيسة التي تخلّص، تفتدي، تقدّس، تؤلّه، وتكمّل. ما لا يمكن تصوّره ولا قبوله هو أن يُصار إلى تشويه المحتوى الفدائي العميق للإكليسيولوجيا الأرثوذكسية على يد لاهوتيين أرثوذكس وخاصةً من اﻹكليريكيين.

إن آباء الكنيسة لم يتقدّموا في العمر، ولم يعفُ عليهم الزمن، ولا انتهت صلاحيتهم، أو تم تمديدها. لاهوت ما بعد الآباء ليس موجوداً، بل هناك اللاهوت مع الآباء. ويستند الآباء إلى الكتاب المقدس ويحرّكهم الروح القدس. أنهم أواني الروح، أبواق الله، الأفواه الكليّة التذهّب، قيثارات الروح، ألواح النعمة، وأزهار الجنة.” اللاهوت الأرثوذكسي من دون جهاد شخصي ونسك ويقظة (νήψη) واستنارة إلهية لا وجود له، وعلى المنوال نفسه لا يوجد لاهوت من دون آباء متوشّحين بالله. إن الآباء القديسين ومعلمي المسكونة لا يخالجهم الشوق لأن يكونوا مبدعين، أو ﻷن يثيروا انطباع أحد أو لأن يقدّموا شيئاً جديداً من شأنه أن يمنحهم المجد. لقد كتب الآباء وتكلّموا، عندما كانت حاجة الكنيسة كبيرة ولم تكن غايتهم تطوير نظريات شخصية وآراء فلسفية جديدة. إذ غمرهم ضوء معاينة الله، وضعوا بتواضع الحقائق السامية، مفسرين إياها بالاستنارة الإلهية، والحقائق الخلاصية التي كشفها المسيح نفسه للعالم.

لا ينتمي الآباء إلى ماضي الكنيسة بل إلى حاضرها. لا يمكننا الحديث عن قبل الآباء وبعدهم. الأمر قد يبدو كما لو أننا تخطيناهم، أو أنهم قدموا لنا ما كان ينبغي عليهم تقديمه، وأنه ما من حاجة من بعد إليهم وأننا قادرون على المضي قدما من دونهم، وأننا أيضاً آباء ولا ينقصنا أيّ شيء كل هذه الاعتبارات تذكّر بالآراء البروتستانتية عن الكرامة والسلطة والتحرر. لقد سار الآباء على خطى الرسل وخطى الرب، والآباء الأصغر ساروا خطى الآباء الذين سبقوهم. التعسف هو بدعة بالنسبة للأرثوذكسية.

لقد قيل الكثير في المؤتمر اللاهوتي في حزيران من العام الماضي (المقال اﻷصلي نُشِر في 17 كانون اﻷول 2010 في الأكاديمية اللاهوتية في أبرشيةديميترياس Demetrias المقدسة حول موضوع التأليف الآبائي الجديد، أو اللاهوت ما بعد اﻵبائي: إن السعي إلى لاهوت سياقي الصلة في العقيدةأمر غير مقبول. هناك مَن يثير تساؤلات ضد مساهمة الأب جورج فلوروفسكي حقيقة الأرثوذكسية الفريدة”. وقد تمّ اقتراح أنّ اﻵباء ينتمون إلى الماضي، وأنّ التقليد لا يأخذ قدره. لاهوتنا مُتَّهَم بأنه يحتوي على الأساطير، وأنه ليس أصلياً، أن يتم تخطي الآباء وتُعاد صياغة العقائدلا يمكن لأكاديمية ﻻهوتية أرثوذكسية دعوة متحدثين يقدمون ما يتخيلونه وما يحلو لهم

أليس النقد الذاتي حاجة هنا بدلاً من توجيه الانتقادات للآباء؟ أليست دراسة الآباء بشكل أعمق أجدى من إهمالهم؟ إن اللاهوت الذي ينفي من غير مقابل مساهمة الآباء هو بروتستاني بشكل واضح.إن لاهوتاً المنشق يخلق المشاكل بدلاً من حلِّها. ينبغي أن ينمو اللاهوت من دون معرفة متغطرسة ونكات أصلية، وتفسيرات تعسفية وأفكار متولدة، ولكن في جو من التواضع والاتّزان، والزهد، وتقليد كنيستنا. إن كنيستنا تلد القديسين وتحفظ النفوس. نحن بحاجة إلى لاهوتيين قديسين. إن اللاهوت الأرثوذكسي يصير رائعاً بنعمة الروح القدس المحيي وشفاعة القديسين، معلمين المسكونة الرائدين.