المثلث الرحمات المطران غريغوريوس جبارة
مطران حماة وتوابعها للروم الأرثوذكس
إعداد ميلاد ديب جبارة
انتقاله إلى اللاذقية:
في عام 1867م زار ميتروبوليت اللاذقية ملاتيوس الدوماني
[1] دمشق فأعجب بشخص جبرائيل وبنشاطه وثقافته الواسعة فطلب منه المجيء إلى اللاذقية ليكون مدرساً للعربية والتعليم المسيحي والتاريخ والجغرافيا في مدرسة الرشدية الأرثوذكسية باللاذقية فرد بالموافقة. وفور وصوله باشر بالعمل الموكل إليه ومكث في الرشدية عشرين سنة متولياً إدارتها بعناية فائقة ونشاط قل نظيره في تغذية النفوس بالتعاليم الروحية والآداب وكان يعلم لا بالقول وحسب بل وبالفعل أيضا فقد كان تعليمه مقروناً بالأعمال الخيرية وكانت فترة إدارته العصر الذهبي للمدرسة فتخرج منها العديد من الشخصيات الأرثوذكسية البارزة ونذكر منها الميتروبوليت جراسيموس مسرة ميتروبوليت بيروت.غريغوريوس الشماس والكاهن والأرشمندريت:
ترقيته إلى درجة الميتروبوليتية:
ونزولاً عند رغبة أهالي مدينة اللاذقية تمت شرطونية المنتخب في الأحد الأول من الصوم الواقع في 22/2/1887 في كاتدرائية القديس سابا
باللاذقية[2] برئاسة البطريرك جراسيموس والمطارنة ملاتيوس (اللاذقية) وغفرائيل (بيروت) وفي نهاية الخدمة وعظ صاحب الغبطة وزود المطران الجديد بتوجيهاته ورد سيادته بكلمة أظهر فيها أهمية الأسقفية وأعبائها وشكر غبطته وسيادة مطران اللاذقية أباه الروحي وأقام قداسي السبت والأحد في اللاذقية ودع فيهما أبناءها فبكى واستبكاهم.خدمته في حماة:
غ
ادر سيادته اللاذقية إلى حماة في 4 آذار 1887 فجرى له استقبال رسمي وشعبي كالعادة فمنذ تسلمه الأبرشية سعى لإنهاضها من الجمود الذي كانت تعيشه فأعاد لها الحياة بالوعظ والتعليم والتنظيم وباشر ببناء الكنائس حيث يلزم وسد النواقص في الكنائس المشادة قبل انتخابه من سيامة كهنة وتوفير البذلات الكنسية والأواني الطقسية ولم يتوان عن مساعدة أبناءه في مشكلاتهم مع السلطات من حيث تخليصهم من الضرائب المرهقة وإخراجهم من السجون. وأسس جمعية تعنى بمساعدة الفقراء وهي جمعية عضد الفقير الأرثوذكسية التي صارت نواة لأخوية السيدة الموجودة حالياً في حماة وأخرى نسائية تدعى جمعية نور الهدى وهي تعنى بمساعدة الفتيات اليتيمات وتدريبهن على الأشغال اليدوية وعرف المطران غريغوريوس بأنه رجل علم فبنى أربع مدارس للذكور ولإناث عرفت في عهده الازدهار وازداد عدد طالبي العلم فيها واستمرت حتى عهد خلفه المثلث الرحمات المطران أغناطيوس حريكة ولكن بعده عرفت انتكاسة كبيرة وغابت عن الحياة باستثناء روضة نور الهدى.أدهش سيادته أبناء أبرشيته بتقشفه وزهده في العيش وقناعته بالقليل وقضائه الليل بكامله في الصلاة والتأمل. فقضى سيادته ربع قرن مجاهداً الجهاد الحسن بصبر وتفان. فقرَّر المثلث الرحمات غبطة بطريرك إنطاكية وسائر المشرق غريغوريوس الرابع حداد
[3] تكريمه بإقامة يوبيل فضي له.مؤلفاته:
كان سيادته كما قلنا سابقاً رجل علم ومعرفة وأتقن العربية واليونانية التي سهلت له دراسة الكتاب المقدس ومؤلفات الآباء القديسين وسيرهم ومن تأليفه كتاب التعاليم السنية وهو مؤلف من 18 فصلاً يبحث فيه العقيدة المسيحية الأرثوذكسية واعتمد فيه اللغة البسيطة السهلة والسلسة لأن كتابه كان موجهاً لجميع أبناء الشعب ليفهموا إيمانهم
[4] ويتعمقوا فيه ويضع حقائق الإيمان في متناول الجميع ويلاحظ أنه اتبع المنهج العلمي في كتابه وهذا ما يشير إلى المستوى العلمي الرفيع الذي وصل إليه وعرضه للعقائد يدل على معرفة عقائدية كتابية وآبائية واسعة وعلى أرثوذكسيته الحقة بالطبع. وبسبب معرفته القانونية الواسعة كان المساعد القانوني للبطريرك ملاتيوس في تعديل القانون الأساسي للبطريركية الأنطاكية.سنيه الأخيرة:
من حياته:
-
يروى أنه في أحد الأيام وبينما كان جالساً في السقيلبية وإذ بامرأة تدخل عليه شاكية باكية وقصت عليه حكايتها: أولادها صغار وزوجها أخذ إلى الحرب ولم يعد وليس لها من معيل فلم يتمالك سيادته نفسه وأجهش بالبكاء ومد يده إلى جيبه وأعطاها كل ما معه فدعت هي له بطول العمر وقبل أن تغادر قالت له: يا سيدنا أنا مسلمة. فقال لها: لم أسألك من أنت ولا من أية ملة؟ فالرغيف عنده لا هوية له فهو لكل المحتاجين على حد سواء.-
أيام الحرب العالمية الأولى اشتهرت مطرانية حماة بأنها كانت تطبخ بكميات كبيرة لإطعام المحتاجين لأية ملة انتموا. ويقال أنه لكثرة عطائه أفلست المطرانية وحتى أنه لم يتردد في إعطاء متاعه الشخصي بل وأثاث المطرانية فمرة أتاه شخص يستعطي فأعطاه أحد أغراض المطرانية فذهب به ذلك الشخص إلى سوق الدلالة ليبيعه وهناك رآه أحد وكلاء الكنيسة فسأله:" من أين لك هذا؟ إنه من المطرانية وهو ملك للمطران." فأجابه بأن المطران هو من أعطاه إياه, وبعد أن بيعَ الغرض ذهبا كليهما إلى المطران وهناك سأل الوكيل سيادته فأجاب: أنا أعطيته إياه فهو بحاجة له أكثر مني, ولعل ثمنه يساعده ليسد به رمقه.-
وهناك الكثيرون ممن كانوا يشاهدون وجهه يشع نوراً خلال وقت الصلاة ولشدة تأثرهم به كانوا يرونه وكأنه يرتفع عن الأرض.هناك أشخاص كثيرون من طوائف مختلفة يشهدون بقداسته وبعطفه على الفقراء حتى أن بعضهم يقول أنهم رأوه في الحلم يطير إلى السماء كملاك ونذكر منهم شهادة المثلث الرحمات المطران روفائيل نمر مطران حلب: (مطرانكم قديس وقد شاهدته في نومي يحلق إلى السماء)
المطران غريغوريوس جبارة عاش قديساً ومات قديساً
فبشفاعته اللهم ارحمنا وخلصنا آمين
[1] وهو البطريرك الأنطاكي ملاتيوس الثاني (1899-1906) أول بطريرك عربي منذ عام 1725 .
[2] هذه الكنيسة غير موجودة الآن فقد هدمت في أربعينيات القرن الماضي وشيدت مكانها مدرسة
الكلية الوطنية الأرثوذكسية في عهد المثلث الرحمات المطران تريفن غريّب اللاذقي مطران اللاذقية وكان هدمها خطأً من السلطات الكنسية لأن الأراضي التي كانت حولها فارغة وزهيدة الثمن ولا تزال أيقونة القديس سابا المتقدس موجودة فوق المدخل الرئيسي للمدرسة شاهدة على صاحب المدرسة الحقيقي والذي يجب أن يكون مرشد طلابها و مدرسيها وإدارتها على حد سواء.
[3] وهو البطريرك العربي الثاني (1906-1928) وكان مطراناً على طرابلس في لبنان وكان مثالاً يحتذى به في القداسة والسيرة الحسنة وسيرته موجودة في كتاب القديسون المنسيون في التراث الأنطاكي للأرشمندريت توما بيطار – منشورات النور 1995
[4] وكم نحن بحاجة لأن يعاد طبع هذا الكتاب خاصة في وقتنا الحاضر حيث يجب علينا أن نفهم إيماننا بدقة لكي نواجه الهجمات الشرسة التي نتعرض لها في حياتنا اليومية من قبل الجماعات المسيحية المتهوِّدة.