قصور النقد لمؤلفه أندريس نيغرن
بالواقع، إنّ الفكرة المسيحيّة عن الحب الإلهيّ هي شيء جديد ولكنه ليس غريباً بشكل جذري لدرجة لا تستطيع النفس البشريّة فهمه. فالفكرة ليست "إعادة تقييم للقيَم القديمة" كما ادّعى اندريس نيغرن في بحثه الطويل "المحبة والعشق" (
Agape and Eros). ومع أنّ في بعض تعابير نيغرن شيئاً من الحقيقة، إلا أنّ حجته هي إلى حد بعيد غير صحيحة. فهو، بقراءته للعهد الجديد والكنيسة الأولى، يكرر قراءة مواقف لوثر الأساسيّة بدلاً من التعاطي مع الفكر المسيحي الأول من داخل محيطه. هذه المقاربة تحمل القليل من الثمر الحقيقي، وغالباً، كما في موقفه في هذا البحث، ما تشوّه المصادرَ الأصليّة بافتراضات دخلت تاريخ الفكر المسيحي بعد 1500 سنة من دخول ربّنا الوجود البشري كإله وإنسان وتغييره حقيقة الطبيعة البشريّة. لوثر عنده الكثير مما يثير الاهتمام وما هو قابل للفهم وحقيقي، ولكن الكثير أيضاً ممّا لا يتوافق ولغة المسيحيّة الأولى. وهنا يقع الانقسام العظيم في الحوار المسكوني. ولكي يثمر الحوار المسكوني، يجب أن لا يُسكَت عن الخلافات التي تفرّق الكنائس، بل بالأحرى يجب أن تُعلَن وتُبحث بصراحة واحترام ودقة. لدى لوثر الكثير مما يستطيع اللاهوتيّون الأرثوذكسيّون أن يوافقوه فيه. لكن الرهبنة التي لم يرفضها لوثر في البدء تشكّل المساحة التي يقع حولها الخلاف العميق بين الجانبين. والحركة اللوثريّة الإصلاحيّة كانت نتيجة فهمه للعهد الجديد فهماً دعاه لوثر "جديداً". كما أنّ موقفه اللاهوتي تكوّن قبل بروز قضيّة الغفران وإعلان حججه الخمسة والتسعين. من هنا أنّ لنيغرن سبباً في موقفه هذا في Agape and Eros كونه مؤيِّداً للرؤيّة اللاهوتيّة اللوثريّة. فقد حدد نيغرن تفسيره للمحبة Agape بواسطة المفهوم الذي يقول بقوى الله الواحدة. هذا المفهوم هو حق في ذاته ولذاته لأنّ الله هو مصدر كلّ شيء. ولكن عندما نواجه سر الخلق، سر وجود "الآخر" الذي خلق الوجود والذي يشمل الجنس البشري، فإننا نواجه حالة مختلفة كلياً إذ إنّ المعنى الوجودي والمتعلق بوجود الإنسان المخلوق هو في أنّ الله لم يكن بحاجة إلى خلق الإنسان، وفي أنّ هذا الفعل حر ومنبثق من الحريّة الإلهيّة. لكن الصعوبة الكبيرة هنا أوجدتها المسيحيّة غير المتوافقة على مبدأ الرحمة والحريّة. الله، في اختياره الحر لخلق الإنسان، شاء أن يعطي الإنسان حريّة روحيّة داخليّة. وهذا ليس، بأيّ شكل من الأشكال، موقفاً بيلاجيوسيّاً أو نصف بيلاجيوسيّ. فمبدأ التعاضد (synergy) المتوازن الذي قالت به الكنيسة الأولى واستمر في الكنيسة الشرقيّة، أُسيء فهمه وشُوّه بواسطة المسيحيّة اللاتينيّة بشكل عام. ومنذ أوغسطين وحتى الآن، وبالرغم من أنّ هناك دائماً معارضة لذلك في الكنيسة اللاتينيّة، يُفهم هذا المبدأ على أن الله يبدأ ويرافق ويتمم كلّ شيء في عمليّة الخلاص: أي أنّ الرحمة لا تُقاوَم، وبالتالي ليس للإنسان ليس دور مشارك في خلاصه. قد رفضَ الأرثوذكس هذه الفكرة دائماً بشكل عفوي وعقلي. إنّ أيّة مشاركة للإنسان في خلاصه وأيّة حركة لإرادته وروحه باتجاه الله قد شبّهها نيغرن بالتشويه الوثني للمحبة Agape والعشقEros . وهذا الموقف مع هذا المنظور اللاهوتي في الجوهر هو النقطة الفاصلة لرفض الرهبنة وأشكال أخرى من النّسك والروحانيّة المألوفة لدى الكنيسة المسيحيّة منذ نشوئها.إذا كان موقف نيغرن من المحبة Agape صحيحاً، فلن يكون لكلمات الربّ التي استشهدنا بها هنا أيّ أساس في قلوب السامعين لفهمها. علاوةً على ذلك، إنّ استخدام ربّنا لصيغة المخاطَب للمحبة (أحبّوا) هو استخدام للوصايا القديمة كأساس ليسبغ على العهد الجديد حدوداً داخليّة من الامتداد الروحي لوصيّة المحبة. إذا كان نيغرن محقاً فالسياق القديم للمحبة كان بلا معنى، وخاصةً كمؤسسة عليها يبني الربّ الميزة الروحيّة الجديدة والوجوديّة للمحبة. ففكرة نيغرن هي أنّ "وصيّة المحبة" تأتي من العهد القديم وأنها "تدخل في الأناجيل لا كشيء جديد ولكن كاستشهادات من العهد القديم". إنّه على صواب وعلى خطأ في آن معاً. إنّه على صواب بأن هذه الوصيّة هي إشارة أُخذت من العهد القديم، إذ إلى أين يوجّه ربّنا شعبه غير المحبة؟ وهو على خطأ في ادعائه أنّها ليست إلا استشهاداً من العهد القديم تماماً لأنّ ربّنا يتخذ العهد القديم مرجعاً وأساساً كي يبني عليه. لهذا السبب يجب أن يكون الأساس متيناً وإلا فالبناء يتصدع والتعليم يكون غير صحيح. في الواقع، يدّعي نيغرن أنّ المحبة لا تقدر أن تكون شاهداً لذاتها، وبهذا الإدعاء يستبعد إمكانيّة أن يفهم المستمعون أيّ حديث استعمل فيه ربّنا عبارة المحبة. وبالرغم من ذلك، لقد كتب نيغرن "أنه يمكن ملاحظة أنّ حافز المحبة يشكّل المغزى الرئيسي لكامل سلسلة الأمثال". ما عُني بهذه الجملة هو أنّ تفسير نيغرن الدقيق للمحبة يشكل المغزى الرئيسي لكلّ سلسلة الأمثال. إذا كانت هذه هي الحالة، لا يستطيع حينئذ مستمعو الأمثال فهمها لأنهم بالتأكيد لا يستطيعون إدراك المحبة من التوضيح الذي وصفها به نيغرن. وهكذا ليس للأمثال أيّ معنى بالنسبة لمعاصري ربّنا ومستمعيه، بحسب المنطق الفكري لموقف نيغرن.
الامتلاء من محبة الله لنا ومن محبتنا له هو غايّة رهبانيّة. في إنّجيل متّى 34:22-40، سُئِلَ ربّنا أيّة وصيّة هي العظمى فأجاب: "تحب الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك (فهمك)". هذه هي الوصيّة الأولى والعظمى، والثانيّة مثلها: "تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء". فالمثال الرهباني والنّسكي هو أن تُكَرَّس محبةُ القلب والنفس والعقل لله. إنّ تعليق أندريس نيغرن على هذا النص في كتابه هو ما يتصف به موقفه العام. لقد عُرف منذ زمن طويل أنّ فكرة المحبة تمثّل ناحيّة بارزة وأصيلة للمسيحيّة. ولكن أين تكمن بالضبط الأصالة والوضوح فيها؟ هذا السؤال غالباً ما أُجيب عنه بالرجوع إلى وصيّة المحبة: "تحب الربّ إلهك من كلّ قلبك" و"تحب قريبك كنفسك". تأتي هذه الوصيّة المزدوجة كنقطة انطلاق طبيعيّة لعرض معنى الحب المسيحي. والحقيقة هي أنّنا إذا بدأنا الوصيّة بالمحبة كشيء مطلوب، نكون قد وضعنا سداً في طريق فهمنا لفكرة المحبة. إذا قيل أنّ وصيّة المحبة هي خاصة مسيحيّة، ولا شك في أنّها كذلك، يجب أن يوجد السبب لا في الوصيّة هكذا بل في المعنى الجديد الذي أعطتها إياه المسيحيّة. مجرد الرجوع إلى وصيّة المحبة لن يمكننا من الوصول إلى فهم فكرة المحبة في المسيحيّة. هذه المحاولة تعني أنّنا نتحرك في دائرة. لن نتمكن من اكتشاف طبيعة المحبة، أو الحب بالمعنى المسيحي، إنّ لم يكن لدينا ما يرشدنا غير الوصيّة الثنائيّة… ما يشرح فكرة المحبة ليس الوصيّة ولكن التبصر في المفهوم المسيحي للمحبة هو ما يجعلنا نفهم المعنى المسيحي للوصيّة. لذا يجب أن نبحث عن نقطة انطلاق أخرى.
هذا بالفعل موقف عَرَضي لمَن يأتي من تقليد الكتاب فقط (Sola Scriptura). إذ إنّ جوهر موقفه ليس "الكتاب فقط" وإنما بالضبط أنّ الكتاب بجب أن يُفسَّر. وهنا لا يأتي التفسير من صلب المسيحيّة الأولى ولكن من خارجها، أي من التفسير الذي يعتمد إلى حد بعيد على المسيحيّة التي دخلت تاريخ الفكر المسيحي بعد ألف وخمسمائة سنة من بدايّة التعليم المسيحي، هذا مع اعتبار أنّ نيغرن يتبع موقف لوثر العام. ففي تحليله لبعض التفسيرات التي تؤلف فرادة المحبة المسيحيّة وفي رفضه لهذه التفسيرات التي تقرر هذه الفرادة، يُعتبر نيغرن جزئياً محقاً. وهذا بالحقيقة هو ذلك الخطأ المتجذر في كلّ التفاسير التي اعتبرناها حتى الآن، إذ قد فشلت هذه التعابير في أن تدرك أنّ المحبة المسيحيّة تقوم على أساس خاص بها محدد وإيجابي. ما هو هذا الأساس؟ لقد قارب نيغرن جوهر القضيّة ولكنّه أهمل الناحيّة المهمة التي تتعلق بكينونة الإنسان التي خلقها الله. الجواب لهذا السؤال ممكن إيجاده في النص نفسه: "أحبّوا أعداءكم". صحيح أنّ محبة الإنسان لأعدائه تخضع لمتغيرات في المشاعر الطبيعيّة الحاضرة ولذلك تظهر أنّها تعرض الميزة السلبيّة التي اقترحت قبلاً، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار الدافع من ورائها سنرى أنّها إيجابيّة بالكليّة. لقد فُرض على المسيحي أن يحب أعداءه، ليس لأنّ الناحيّة المقابلة تعلّم بغضهم ولكن لأنّ هناك أساساً ودافعاً لمثل هذا الحب في حقيقة محبة الله للأشرار الإيجابيّة والملموسة. "الذي يشرق شمسه على الأشرار والصالحين". لهذا قال لنا "أحبّوا أعداءكم… لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات".
إن ما يكتبه نيغرن دقيق لكنه يهمل أهميّة علم الوجود الإنساني. هذا يعني أنّنا مطالبون أن نحب أعداءنا لأنّ هناك قيمة روحيّة في بنية طبيعة الإنسان العميقة التي خلقها الله. حتى في الطبيعة الساقطة توجد هذه القيمة الروحيّة. هذه القيمة الروحيّة موجودة في كلّ إنّسان، بالرغم من أنّ إدراكنا لها مبهم. إذا بدأنا نحب عدونا سنبدأ نرى فيه مميزات ونواحياً كانت محجوبة ومظلمة بسبب كراهيتنا العمياء. إذا طُلب منا أن نحب أعداءنا ليس لأنّ الله يحب الجنس البشري فقط وليس فقط لأنّ الله "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين"، ولكن لأنّ الله يحب الجنس البشري للقيمة التي فيه. لقد كتب نيغرن إنّ "الفرضيّة التي تقول بأن الإنسان في طبيعته يمتلك قيمة لا يمكن زحزحتها بسهولة، هي التي أوجدت الفكرة القائلة بأن محبة الله ترتكز على هذه القيمة التي لا يضاهيها شيء". ليس صحيحاً ان نصرّ على أنّ نيغرن قد أضاع القضيّة الرئيسيّة التي تقول بأن القيمة في الإنسان هي التي خلقها الله وهي عطيته. بل الأصح أن نصرّ على أنّ نيغرن يرفض بصورة كاملة نقطة الخلاف وذلك بسبب تعليمه اللاهوتي عن الله والإنسان. هذا مجدداً هو جزء من الانقسام الكبير الذي يفصل بين الكنائس في الحوار المسكوني. فهناك خلاف أساسي وجوهري في الرؤيا حول طبيعة الله والإنسان. هناك رأي يدّعي أنّ موقفه يتوافق مع المسيحيّة الرسوليّة والوديعة الرسوليّة ويتوافق مع تعليم الكنيسة وحياتها في كلّ العصور، بما فيها الكنيسة الأولى. وهناك رأي ثانٍ يبدأ مع الحركة الإصلاحيّة. كِلا الرأيين يدّعيان الاستناد إلى العهد الجديد.
إن كتابات لوثر عن الحب الإلهيّ لا تثير الاهتمام فقط لكنها قيّمة، ولا تتغلغل داخل النفس فقط ولكنها دقيقة بالتأكيد. في الواقع، إذا أخذنا تعليم لوثر عن الحب الإلهيّ بذاته واستثنينا تعاليمه الأخرى، خاصةً تلك التي تتعلق بطبيعة الإنسان وطبيعة الخلاص أو طبيعة التبرير (الغفران) وعقيدة القَدريّة والرحمة، نجد نظريّة لا تختلف عن نظريّة المسيحيّة الأرثوذكسيّة القديمة. في بعض الأوقات، يظهر لوثر صوفياً بعض الشيء. فوصفه للحب الإلهيّ كـ"eine quellonde liebe" (الحب الذي ينبع ويجري أبدياً) هو بذاته نظرة أرثوذكسيّة عند لوثر كما عند آباء الكنيسة، فهذا الحب ليس بحاجة إلى شيء، غير مُسبَّب، لم يأتِ رغبةً بشيء ولم تُـثِرْهُ سماتُ شيءٍ مرغوب. إنّها طبيعة الله ولكن في الوقت نفسه الله هو الذي خلق الجنس البشري، وهكذا أتت محبة الله للإنسان، بالرغم من أنّه لا يحتاج إلى شيء ولا ينجذب إلى شيء. إنّه يحبّ الجنس البشري ليس بسبب قيمة الإنسان ولكن قيمة الإنسان تكمن في أنّ الله خلقه. هنا يقع الاختلاف وهو في الواقع إنّقسام كبير، خاصةً عندما تؤخذ بعين الاعتبار الآراء المختلفة حول المواضيع الأخرى المتعلّقة مباشرة بطبيعة الحبّ الإلهيّ.