التهيئة
للرعاية في
القرن الحادي
والعشرين
الميتروبوليت إيروثيوس
فلاخوس
تعريب
الأب أنطوان
ملكي
…
إن هذا
الموضوع
المطلوب مني
الكلام عنه
معاصر لنا ومهم
فعلاً، كما أن
له أوجه كثيرة
ومن الممكن
التركيز من
خلاله على
نقاط عديدة.
قد يكون
ممكناً
معالجته من منظار
علم المستقبل
الذي يدرس ويحاول
أن يخمّن، على
أساس معلومات
علمية، الظروف
التي يسوف
تسيطر بعد
سنوات من الآن
في العالم أو
في بلد ما.
هناك الكثير
من التحليلات
التي تقول بأن
الظروف والعلاقات
الاجتماعية
سوف تتشوّش
وسوف تزداد
عزلة الناس، وتتضخم
المشاكل البيئيئة،
وتهيمن
الجبرية[1]
والعبادة
الشيطانية.
بالإجمال،
سوف تتكاثر الأزمات
وبخاصة تلك
المرتبطة
بالفراغ
والقلق
الوجوديين،
"العائلة
النووية"،
"الطلاق
العاطفي بين
الأزواج"،
"الضمور
البيئي"،
وغيرها. بالطبع،
السؤال هو: ما
هو موقف
الكنيسة من كل
هذا؟ سوف أترك
جانباً
معالجة هذا
الأمر من خلال
المنظار
المذكور
سابقاً لأركّز
على عوامل
أخرى هي
بنظري، بحسب
خبرتي الرعائية،
أكثر أهمية.
1.
التحضير
للقرن المقبل
بالطبع،
على الكنيسة
أن تستعد
لمواجهة الألفية
الآتية
والقرن
الحادي
والعشرين. يجب
ألاّ نغفل عن
حقيقة أن
دورها
الأساسي هو
تحضير
الإنسان، ليس
فقط لقرن آتٍ،
الحادي
والعشرين أو
غيره، بل
أيضاً للزمن
المقبل أو
الجيل الآتي. القرون
تحدد الحياةَ بالجسد،
بينما الزمن
المقبل فيحدد
ما هو مرتبط
ببعد آخر. إذا
لم تكن
الكنيسة
مهتمة
بمشاركة
الإنسان في
الحياة
الآتية، أي في
ملكوت الله،
بل إذا كانت تتركه
يتبع أحداثاً
آنية ومحلية، فعندها
تكون كنيسة دهرية
عاجزة عن
إشباع جوعه وعطشه
الوجوديين
العميقين.
في
الكتاب
المقدس،
وخاصةً في
العهد
الجديد، يسيطر
انتظار قوي
ليوم الرب
العظيم
اللامع. سوف
أذكر فقط بعض
المقاطع
المناسبة: "متى
أُظهر المسيح
حياتنا
فحينئذ تظهرون
أنتم أيضاً
معه في المجد"
(كولوسي 4:3).
"الرب قريب. لا
تهتموا بشيء" (فيليبي 5:4-6).
"في اليوم
الذي فيه يدين
اللهُ سرائر
الناس حسب
إنجيلي بيسوع
المسيح" (روما
16:2). "إنها الآن
ساعة لنستيقظ
من النوم. فإن
خلاصنا الآن
أقرب مما كان
حين آمنّا"
(روما 12:13). "الذي
سيثبتكم
أيضاً إلى
النهاية بلا لوم
في يوم ربنا
يسوع المسيح"
(1كورنثوس 8:1).
"أننا فخركم
كما أنكم
أيضاً فخرنا
في يوم الرب
يسوع"
(2كورنثوس 14:1). "...
لكي تخلص
الروح في يوم
الرب يسوع"
(1كورنثوس 5:5). "حتى
تميزوا
الأمور
المتخالفة
لكي تكونوا مخلصين
وبلا عثرة إلى
يوم المسيح" (فيليبي 10:1). "لأنكم
أنتم تعلمون
بالتحقيق أن
يوم الرب كلصّ
في الليل هكذا
يجيء"
(1تسالونيكي 2:5).
"تعالَ أيها
الرب يسوع"
(رؤيا 20:22). كل نص
رؤيا يوحنا
مُشبَع بهذا
الحنين القوي.
السماء
الجديدة
والأرض
الجديدة،
مدينة الله،
تمجيد
الكنيسة الظافرة
في السماوات،
مجد حمل
الرؤيا الذي
يغلب الوحش،
وغيرها
الكثير من الأمثلة
تثبت هذا
التوقع
المترجّي
وصول ملكوت
الله. بهذا
المنظار أرشد
الرسل الإلهيون
المسيحيين
الأوائل:
"أيها
الأولاد إنها
الساعة
الأخيرة"
(1يوحنا 18:2).
"والعالم
يمضي وشهوته
وأمّا الذي يصنع
مشيئة الرب
فيثبت إلى
الأبد" (1يوحنا
17:2). في هذا
الإطار، يمكن
الإشارة إلى
مقاطع كثيرة
مشابهة في
الإنجيل. بأي
حال،
الاستعداد
للزمن الآتي
ومجيء يوم الرب
المجيد
واللامع
مرتبط بعدد من
الحقائق التي
أود أن أذكّر
بها فيما يلي.
أولاً،
الاستعداد
للزمن الآتي مرتبط
بوجود
الإنسان
الأساسي، أي
كيف خُلق
ولماذا، وكيف
يحيا في زمن
ما بعد سقوطه.
بتحديد أكثر:
خُلق الإنسان
على صورة الله
ومثاله.
الصورة هي
حقيقة مرتبطة
بمَلَكات النوس
وحرية
الإرادة،
بينما المثال
هو قوة. فبحسب
تعليم القديس باسيليوس
الكبير،
"الصورة هي
المثال بالإمكانية
والمثال هو
قانون
الصورة"[2].
بالطبع، مع
السقوط، خسر
الإنسان
المثال ولكن
ليس الصورة.
لهذا، بما أن
الصورة هي
المثال بالإمكانية،
ففي داخل
الإنسان حافز
إلى لقاء الله
والدخول في
شركة معه. هذا
يظهر حتى في هذه
الحياة بعد
السقوط، وليس
فقط في ديانة
العهد القديم،
وأيضاً في
الديانات
الأخرى. الإنسان
مدعو إلى أن
يكون إلهاً
وهذه هي الوجودية
الأكثر عمقاً.
وبتعبير
معاصر، عليه
أن يحقق معايير
عالية.
يرد في
عظات القديس غريغوريوس
اللاهوتي
مقطع مدهش في
تصوير هذه
الحقيقة. ففي
تحديده
الإنسان يقول
أنه "خليقة
حية، تقيم هنا
ومن ثم تنتقل
إلى مكان آخر،
ولإتمام
السر، يتأله
بميله إلى
الله"[3].
يعيش الإنسان
ويسكن هنا بين
الأشياء
المادية
والتربية
ولكن هدفه
وبغيته هي
الانتقال إلى
مكان آخر.
بالطبع، عبارة
"مكان آخر" لا تعني
الانتقال من
القرن
العشرين إلى
الحادي والعشرين،
إنما
الانتقال من
هذه الحياة
الحاضرة بالجسد
إلى الأخرى
المرتبطة بسر
وحدة الإنسان
مع الله حيث
يصبح الإنسان متألهاً.
إذاً،
في أعماق وجود
الإنسان
إمكانية
عظيمة وميل
أعطاه إياه
الله يوم
خلقه، وقدرة
إلهية لا
يشبعها كل ما هو
محض بشري
ومادي. إنه
يشخص إلى ما
هو عالٍ وأبدي
وإلهي. إن
جوعه وعطشه
روحيان. إذا
صحّت
العبارة،
هناك وحش
مختبئ في
أعماق وجود
الإنسان وهو
يطلب إشباعاً
وجودياً. هذا
هو حقيقته
الداخلية،
مثل حبة الجوز
التي تحمل في
داخلها
إمكانية أن
تصبح شجرة
جوز، وكمثل
الجنين الذي
عنده كل
الإمكانية
والقدرة لأن
يصبح إنساناً
كاملاً،
وكمثل الحمض
النووي DNA،
المادة الجينية
الكاملة التي
تحدد تطور
جهاز الإنسان
الجسدي.
بطريقة
مشابهة، في
أعماق وجود
الإنسان هناك
حمض نووي روحي
يجهد إلى
توجيه
الإنسان إلى
تألهه، لحمله
إلى نقطة كونه
إلهاً بالنعمة.
وفي
الوقت نفسه،
إلى جانب هذا التوق
الإلهي الكبير،
هناك ميل عظيم
في داخل
الإنسان وهو
حالته
الساقطة. يرى
الإنسان سلطة
الموت في
داخله كقوة
تقوده أكثر
إلى ما هو
هنا، ما هو
مكاني، ولا
تسمح له
بإشباع جوعه
وعطشه
الداخليين. في
فصل آخر، سوف
نعالج قوة
الموت هذه
التي في داخل
كياننا. ما
أريد أن أشير
إليه هنا هو
أن الإنسان
بعد السقوط
عنده قدرتان
قويتان في
داخل كيانه،
قدرة أن يكون
إلهاً بالنعمة
أي أن يتألّه،
والقدرة على بتر
هذه المسيرة وحصر
نفسه فقط في
ما هو هنا في
هذا العالم.
ثانياً،
الاستعداد
للقرن الآتي
مرتبط أيضاً
بوصول هذا
الزمن
القادم، أي
الزمن الآتي
ملكوت الله،
حتى هنا في
هذا القرن أو
الزمن الحاضر.
بالنسبة لنا
نحن
المسيحيين،
ملكوت الله
ليس فقط
توقعاً
أخروياً أي
حدثاً نختبره
في الزمن
الآتي، بل هو
حقيقة حاضرة
نختبرها
كالخطوبة
منتظرين
إتمامها في
ذلك الزمن.
يعلن
الإنجيل أن
ملكوت الله
آتٍ: "توبوا
فقد اقترب ملكوت
السماوات"
(متى 2:3). أو أنه
أتى: "ولا
يقولون هوذا
ههنا أو هوذا هناك
لأن ها ملكوت
الله داخلكم"
(لوقا 21:17)، أو أنه
سوف يأتي: "ومتى
جاء ابن
الإنسان في
مجده..." (متى 31:25).
المشاركة في
ملكوت الله هي
رؤية نور الله
غير المخلوق،
أي التأله.
إذاً، هكذا يختبر
الإنسان المتأله
بركات الزمن
الآتي في هذه
الحياة كما في
الخطوبة. عند
هذه النقطة
نستذكر
القديس سمعان
اللاهوتي
الحديث الذي
يصف بشكل رائع
هذه الخبرة
كما يعيشها
القديسون المتألهون.
نحن
نستنتج بأن
البشر حتّى لو
عاشوا في قرن
محدد أو زمن
أو فترة، قد
يعيشون في
فترة أخرى، أي
في قرون أو
أزمنة أخرى. هذا
يعني أنه، مع
أننا نستعد
للقرن الحادي
والعشرين بعد
المسيح، فقد
يحيا البعض
هنا وكأن
المسيح لم
يتجسّد بعد،
أي في زمن ما
قبل المسيح،
زمن الوثنية
وزمن العهد
القديم. أمّا آخرون،
في الوقت
نفسه، خاصةً
أولئك الذين
يختبرون
التأله، قد
تخطوا الحياة بالجسد،
وتخطوا
الألفية
الثالثة
لأنهم يرون
نور المسيح
غير المخلوق
وبالتالي
يختبرون
روحياً زمناً
لا حركة للوقت
فيه. واضح
إذاً، أن
الكنيسة
تحضّر
الإنسان، من
خلال مجمل
الحياة الأسرارية
ومتطلبات
المشاركة
فيها، لدخول
الزمن الذي ليس
فيه وقت مع أنه
ما يزال يحيا
بالجسد حيث
يقيس الأحداث
بالوقت المتموضع.***
ثالثاً،
ما سبق يبرهن
أن الكنيسة لا
تقف في القرن
الحاضر،
لكنها تتطلّع
إلى الزمن
الآتي، طبعاً
بدون أن تهمل
الزمن والعالم
الحاضرين.
واضح أن هناك
علاقة
وارتباط بين الحاضر
والمستقبل،
لكن بركات
المستقبل هي
بالتأكيد
مفضّلة،
بينما الحياة
الحاضرة هي،
ببساطة،
تحضير
واختبار
للأمور
الآتية. وهكذا،
فإن طريقة عيش
الناس تظهر
مدى إشباعهم
لتوقعاتهم
الوجودية
العميقة.
يرد هذا
القول المميز
عند الرسول
بولس: "لأن ليس
لنا هنا مدينة
باقية لكننا
نطلب العتيدة"
(عبرانيين 14:13).
يعيش المسيحيون
هنا فيما المواطنية
السماوية والمدينة
السماوية نصب
أعينهم. إنهم
لا يحصرون
وجودهم بالمدينة
الحاضرة بل
بالأحرى
يمدّونه إلى
الآتية: "فإن
سيرتنا نحن في
السماوات التي
منها أيضاً
ننتظر مخلصاً
هو الرب يسوع
المسيح" (فيليبي
20:3).
كل
الذين بلغوا
التأله
وعاشوا ملكوت
الله أو
اختبروه، تحركوا
ضمن هذا
المنظار،
فيما هم لا
يزالون في هذه
الحياة. يمكن
أن نلتفت إلى
بعض كتاباتهم
لنتأكد من
طريقة
تفكيرهم وكيف
كانوا
ليواجهوا الألفية
الثالثة
والقرن
الحادي
والعشرين لو
أنهم عاشوا
إلى اليوم.
يكتب
القديس باسيليوس:
"هذا (الزمن
الحاضر) هو
زمن التوبة،
وذاك (الزمن
الآتي) سوف
يكون زمن
المكافأة. هذا
هو زمن الصبر
وذاك سوف يكون
زمن الراحة"[4].
لا يرى
المسيحي أن
هذا الزمن
الحاضر كامل، فهو
لا يعتبر
المتع التي
يقدمها
انتماؤه هنا مكافأة
لأنه لا يتوقع
مكافأة ولا راحة.
زمن الفساد والموت
هذا يتطلب
صبراً وتوبة، فيما
الزمن الآتي
يجلب راحة
دائمة وسعادة.
يندرج
تحرّك القديس غريغوريوس
اللاهوتي وتعبيره
ضمن هذه النظرة
نفسها ومن
خلال الإطار
نفسه، لأن
حياته مشابهة
لحياة القديس باسيليوس
وغيره من
القديسين:
"الحاضر هو
للعمل، المستقبل
هو للمكافأة".
هذا العمل
مرتبط
بمحاولتنا
لأن نكون
متوجّهين في
حياتنا نحو
الزمن الآتي
ولتخطي ملذات
الزمن
الحاضر،
لتوجيه كينونتنا
نحو تركيبتنا
الحقيقية
الوجودية والتي
بحسب الصورة. فهو
يوصي: "لنبتعد
عن الملذات
الأرضية،
لنهرب من
العالم
المضلّل
وحاكمه،
لنجعل
انتماءنا
للخالق فقط،
ممجدين
صورته،
موقرين
الدعوة
وساعين إلى
الحياة"[5].
العالم
وحاكمه
الشيطان
يشيران إلى
هذا الزمن،
سواء أكان
القرن الرابع
أو الحادي
والعشرين،
فهما يوصَفان
كمثيرَين
للتجربة
لأنهما
يقودان
الإنسان نحو
الضياع ويحدّانه
بالأمور
المدركة فقط
بالحواس
والشهوات العالمية.
على المسيحي
أن يوقر
الصورة التي
أخذها من
الله، ويحترم
الدعوة التي مُنحت
له ويصبح
إلهاً
بالنعمة
وينقل حياته
بالجسد إلى
الحياة
الأخرى التي
خُلق لها.
في
مكان آخر يشهد
القديس نفسه:
"قريباً سوف
يمضي هذا
العالم ويتلف
المعبد. نحن
نمضي وقتنا
هنا مع الأمور
التي لا تدوم،
ولكن حري بنا
أن نشتري ما
يبقى"[6].
يعيش
القديسون هنا
في حالة
مستمرة من
التشرد، من
الحلّ من
الأمور
الحاضرة
واقتناء
الأمور
الآتية التي
تدوم. إنهم
يتفلسفون
بحكمة، من
داخل حالة
الفساد
والفناء، حول
العالم ووجودهم
بالجسد. الزمن
الحاضر صالح
فقط لاقتناء المستقبل
والأمور
الثابتة. أمور
الحاضر ليس لها
ثبات ولا
ديمومة.
يعتبر
القديس يوحنا
الذهبي الفم
أمور الحاضر
أحلاماً: "إذ
إن الأمور
الحاضرة ليست
أفضل من
الأحلام،
سواء أكانت
نافعة أو
مسببة للحزن"[7].
ليس فقط
الأمور
الحزينة، بل
الأمور
النافعة والممتعة
منها كلها تمضي.
كل الحياة على
المستويين
البشري والكوني
قصيرة جداً.
ليس
القديس سمعان
اللاهوتي
الحديث
مختلفاً في
توقعه للأمور
المستقبلة
والقيمة
الحقيقية
لأمور هذه
الحياة. إنه
يشدد أولاً على
أن الزمن
الحاضر هو
زمان العمل
بينما الآتي
هو زمن
التتويج وأن
المسيح السيد
يمنح في هذا
الزمن
الخطوبة وختم
الحياة
الأبدية. ثم
يتابع مع هذا
الطلب: "أشعِل
هنا شمعةَ نفسِك،
قبل أن يحلّ
الظلام وتُغلق
أبواب العمل"[8].
هذه الشمعة هي
وصول نعمة
الله إلى النوس
المتأله
حيث يصبح هذا النوس شفانياً[9].
هذا الوصول هو
خبرة مرتبطة
بالصلاة
القلبية أو النوسية
وتشترط
التذكر غير
المنقطع لله.
صلاة النوس
هي أساس
الحياة
الروحية،
لأنها تقتضي
ضمناً تطهير
القلب من
الأهواء
ودخوله في
معاينة الله
في مجده. هذه
المعاينة هي
الاختبار
الحي للزمان
الآتي.
مثل
كل القديسين،
القديس سمعان
لا يتحدث
عاطفياً ولا
فكرياً، كما
أنه لا يقدّم
هذه الأمور
مستعملاً
مفاهيم
رمزية، لكنه
بالأحرى
يتحدث من فيض
خبرته
الشخصية. في
إحدى عظاته،
يشرح كيف يجب
على المسيحي
أن يشترك في
الأسرار
الطاهرة
ويتناول منها.
من ثم يقول
أنه عندما
تمارَس هذه
الأمور بشكل
صحيح تكون
حياة الإنسان
بأكملها
"كمثل عيد،
وليس فقط مجرد
عيد، ولكن
سبباً للتعييد
وفصحاً". نحن
نفصل أعياد
الرب ونوزعها
على أيام
مختلفة من
السنة حتى
نستطيع أن
نختبرها بشكل
أفضل، وهذا
بسبب فسادنا.
في حالة الثيوريا،
أي معاينة
الله في مجده
والمشاركة في
نعمته، يتوحد
كل شيء.
فيختبر
الإنسان في
يوم عيد ميلاد
الرب بركة
القيامة
أيضاً. إلى
هذا، في كل
مرة يُقام
القداس
الإلهي،
يختبر
الإنسان
أحداث التجسد
الإلهي
بطريقة
موحّدة.
بالواقع، سوف
نحتفل بمحطة
الألفي عام
لميلاد
المسيح، لكن
هذا الأمر
نسبي جداً،
لأن هذا
التاريخ قد
مرّ (بسبب خطأ
في حساب سنة
الميلاد)، ولأننا
في الأمور
الروحية نحسب
الأشياء بشكل
مختلف. نحن
نقول هذا لأن
عيد الميلاد
والفصح وحتى
الحياة
الأبدية كلها،
يختبرها المتألهون
بطريقة موحدة
في القداس
الإلهي. في
نقطة مهمة،
وأيضاً بحسب
القديس سمعان
اللاهوتي
الحديث،
الفصح هو
"التحوّل
والعبور من
المرئي إلى
العقلي". يقول القديس
سمعان
اللاهوتي
الحديث بوضوح
أنه "بالمقارنة
مع الفصح
الأبدي، كل
الأعياد، حتى
تلك الأرضية
منها، هي ظلال
ورموز منقاة
بالضحية
الأكثر
صفاءً، في
الله الآب
الواحد مع
الروح
بالجوهر، في
نظرنا المسيح
إلى الأبد
وكوننا
منظورين منه،
من كوننا في
المسيح،
حاكمين معه،
وهو ما ليس
أعظم منه في
ملكوت
السماوات"[10].
يدعو
القديس يوحنا السينائي
الرهبان بشدة
إلى النضال
للدخول إلى
خدر العريس.
طبعاً هنا،
كلمة "خدر
العريس" تعني
حالة المشاركة
في النور غير
المخلوق، أي
الاختبار الحي
للمسيح: "فلنسعَ
إذاً يا إخوتي
ولنجرِ
مسرعين لكي نحظى
بالدخول إلى
الخدر
الملوكي."
فمَن لم يدخل
هذا الخدر قبل
مماته
"سوف يقيم في
وحشة القفر
حيث الشياطين
والأهواء"[11].
يتحدث
القديس ثالاسيوس
عن تعلق
الإنسان بالبركات
المتوقعة، إذ
عندها فقط
يستطيع أن ينسى
البركات
الحاضرة.
"توقع
البركات
المخبأة يربط النوس بما
يتوقعه". وإذا
تعوّد النوس
عليها "ينسى
هذا العالم"[12].
يرفض
الشخص الذي
تذوق البركات
الأبدية كل الأمور
الحاضرة و"كل
توقه سوف يكون
لما يرجوه"[13].
بالواقع،
عندما ينسى
الإنسان كل
الأمور الحاضرة
ويوسّع
معرفته
بالأمور
الآتية، هذا
يكون علامة
"بأن نوسه
يسلك بين
الخيرات التي
يرجوها"[14].
هذه نقطة مهمة
بحسب القديس
اسحق
السرياني الذي
يقول بأن "الرجل
الذي يعتبر
الحياة
الحاضرة
مشتهاة يُظهِر
بأنه يحيا
حياة غير
نقية"[15].
يقدّم
القديس غريغوريوس
بالاماس
بعض
الملاحظات
والتعليقات
الملهمة من
الله في
تعليقه على
المقطع
التالي من
رسالة القديس
بولس الأولى
إلى كورنثوس
(29:7-31): "فأقول هذا
أيها الإخوة
الوقت منذ
الآن مقصّر لكي
يكون الذين
لهم نساء كأن
ليس لهم.
والذين يبكون
كأنهم لا
يبكون والذين
يفرحون كأنهم
لا يفرحون
والذين
يشترون كأنهم
لا يملكون.
والذين
يستعملون هذا
العالم كأنهم
لا يستعملونه
لأن هيئة هذا
العالم تزول". يجب
أن نتفحص هذا
الكلام بدقة.
يقول
القديس غريغوريوس
في شرحه عبارة
"الوقت قصير"
بأن "الحياة
قصيرة والموت
قريب وأن هذا
العالم فاسد
وبأن طول الأناة
الأبدية هي كل
شيء". زمن فاسد
والآخر بلا
فساد، زمن
قصير والآخر
أبدي. إذاً،
ازدراء العالم
الحاضر
والاستعداد
للعالم
الآتي،
والعيش بقدر
الإمكان بحسب
الانتماء
للحياة
الآتية،
والابتعاد عن
الأمور
المؤذية في
هذه الحياة
الحاضرة، كل
هذا "يقودنا
إلى الأمان".
بالواقع،
يستعمل
القديس كمثال
هجمات العدو
المتكررة على
المدن في
أيامه. في تلك
الظروف،
يتلافى سكان
المدن
مغادرتها لا
بل يلازمونها
للعيش بأمان
وكأن لا حقول
لهم. بينما
عندما ينسحب
العدو لفترة
فهم يخرجون لنزهة
قصيرة ولكن
يبقون
متنبهين. هذا
هو بالضبط ما
على المسيحي
فعله مع خيرات
الحياة الحاضرة.
وفي
شرحه لعبارة
الرسول بولس " لأن
هيئة هذا
العالم
تزول"، يقول
القديس غريغوريوس
بالاماس
أن أمور هذه
الحياة ليست
موجودة
بالجوهر بل هي
مجرد شكل. كل
أمور الحاضر
هي مثل ظلال
لغيمة فارغة
تمر سريعاً مع
الريح. إذا
اشتهى امرؤ ما
أمور الحاضر
وأراد
امتلاكها،
فسوف يكتشف "بأنها
لا تستحق".
بكلام آخر، هو
لا يستطيع
امتلاكها
لسببين: لأن
هذا العالم
ماضٍ ولأن كل
واحد من الذين
يستعملون هذا
العالم سوف
يمضي قبل أن
تمضي الأشياء
الموضوعة في
خدمته أيضاً.
هناك،
بعبارات
أخرى، نهاية
لهذا العالم
الموجود
وأيضاً نهاية
لكل واحد منا
نحن الذين قد
نأتي قبل
نهاية العالم.
هنا يستعمل القديس
غريغوريوس
مثالاً
لتصوير هذه
النقطة. وكأن
رجلاً يعبر في
شارع فيما
يتحرك الشارع
أيضاً ويعبر
عنه. إذاً شيئان
ممكن أن
يحدثا: إما أن
يلحقه الشارع
وبالتالي لن
يعود مالكاً
لما كان يملكه
سابقاً، وإما
أن يركض أسرع
من الشارع
وبالتالي لن
يكون قادراً
على امتلاك أي
شيء. هذا يحدث
لأن الإنسان
في كونه
فانياً فهو
مربوط بالأمور
المتغيرة في
الحياة
الحاضرة وغير
قادر على التمتع
بها. بالواقع،
هذا يحدث لأن
الإنسان مربوط
بأمور الحياة
الحاضرة
المتغيرة
كمثل لمعان
الثروة
والفرح
وغيرها، أو
لأن هذه الأمور
تغيره
فيخسرها.
أيضاً هذا
يحدث لأن
الإنسان بموته
يجلب سقوطه
ويمضي من هذا
العالم الحاضر
عارياً
فارغاً من كل
الخيرات
الأرضية
والآمال التي
وضعها فيها.
لهذا "سوف
يكون هناك
دائماً زوال
لهذا العالم
عند اقتراب
نهاية
الإنسان حيث يخرج
تاركاً وراءه
كل
اهتماماته"[16].
واضح
من كل ما
ذكرنا في هذا
الجزء أن
الكنيسة تحضر
أعضاءها
لاختبار
الزمن الآتي
أي ملكوت الله
كخطوبة في
الحياة
الحاضرة وزواج
في الحياة
الآتية. إنها
لا تعتبر هذا
العالم
كاملاً كما
أنها لا تسحب
الإنسان من
وجوده الأرضي.
إنها تنظر إلى
العالم الحاضر
من منظار
الجهاد
للتمتع
بالحياة
الآتية. بحسب
العبارة
المعروفة
جداً من
الرسالة إلى ديوغنيتوس،
المسيحيون
"مع كونهم
سكان بلادهم،
فإن طرق
حياتهم هي مثل
أناس عابرين.
إنهم يشاركون
بشكل كامل
كمواطنين، لكنهم
يخضعون أيضاً
لكل شيء وأي
شيء كما لو
أنهم غرباء.
إنهم يقضون ايامهم
على الأرض لكن
انتماءهم هو
للسماوات"[17].
إنهم يعيشون
على الأرض
وليس في عالم
خيالي، لكن في
الحقيقة هم
يتصرفون بحسب
الحياة في
انتمائهم
السماوي. إنهم
لا يعالجون
مرورهم في
الأرض بطريقة مختلفة
وحسب، بل في
حياتهم هذه،
يوجّهون أنفسهم
نحو اشتهاء
ملكوت
السماوات.
2. مشكلات
العالم
الحاضر:
الخديعة
لا
ينبغي بنا أن
نستنتج مما
سبق أن
المسيحي يحيا
هذه الحياة
"بطريقة ذات
طبيعة واحدة"
وبازدراء لها.
ما يحدث هو
أنه لا
يعتبرها
كاملة ولا
مستقلة. إنه
يحب هذا
العالم الذي
هو خليقة الله
ويحب كل الجنس
البشري.
القديسون هم
بشكل خاص
حساسون فعلاً
نحو كل
الخليقة:
الحيوانات،
الطيور، الحقول
الخضراء...
لكنهم ينظرون
إليها من
منظار آخر.
فهم يدركون من
خلال كل
الخليقة
أسباب وجود الكائنات
الموجودة،
أعني قوى الله
غير المخلوقة
التي تعطي
الجوهر
والحياة
والحكمة. كما
أنه لا ينبغي
بنا أن نستنتج
أنه ليس على
المسيحي ن
يواجه
المشاكل في
حياته، إنما
يتخطاها كلها
من خلال ترقب
الأبدية. يكتب
الرسول بولس: "مكتئبين
في كل شيء لكن
غير متضايقين.
متحيرين لكن
غير يائسين.
مضطَهَدين
لكن غير
متروكين. مطروحين
لكن غير
هالكين"
(2كورنثوس 8:4-9).
نحن نرى هذا
في حياة كل المتقدسين
من أنبياء
ورسل وشهداء
ومعترفين
وآباء وقديسين
ونساك. كما
نرى هذا في
تاريخ
الكنيسة، أي
بالرغم من
أنها جسد
المسيح فقد
واجهت مشاكل
كثيرة واحتملت
تجارب
مختلفة،
أحياناً من
الفلسفة واللاأدرية،
وأحياناً
أخرى من
الاضطهاد أو
الهرطقة أو الدهرية
أو غيرها.
ونحن
سوف نواجه
مشاكل كثيرة
عند دخولنا
الألفية
الجديدة والقرن
الحادي
والعشرين.
بالطبع، نحن
لسنا أنبياء
لنخبر مسبقاً
بما سوف يجري،
ولكن في
مراقبتنا
للظروف
الحالية،
نستطيع أن
نتصوّر بعض المشكلات
التي سوف
تنشأ. أشير في
ما يلي، بشكل
مختصر، إلى
أربع مجموعات
من المشكلات
التي سوف تنمو
في الألفية
الجديدة.
أولاً،
سوف يكون هنلك
ازدياد في
مشاكل
الإنسان
الوجودية.
فيما يزداد
التعلق
بالزمن
الحالي، أي
فيما يتزايد
تأليه العلم
والفن
والمعرفة
الأرضية على
حساب حاجات
الإنسان
الروحية
الداخلية،
سوف يزداد
فراغ الإنسان
الوجودي كما
سوف ينمو كربه
الداخلي
الوجودي. أرى
أن هذه
المشكلة سوف
تظهر بشكل خاص
في العلاقة
بين اللذة
والألم.
اختبار
اللذة، سواء
منها حسية أو
نفسية أو
فكرية أو
خيالية، سوف
يزيد من
الألم. بعدها،
لن يكون
الإنسان
قادراً على
مواجهة الألم
بشكل فعال،
كما هو مذكور
في التقليد
الأرثوذكسي،
بل سوف يتحوّل
إلى ملذات
حسية جديدة
بدورها سوف
تؤدي إلى ألم
أكبر. وهكذا
تكون النتيجة
تَكَوّنُ
حلقة مفرغة.
ثانياً،
سوف يكون هناك
مجموعة من
المشاكل المتعلقة
بالعائلة
والأمور
الاجتماعية.
هذا ما ينبغي
توقعه لأن
أكبر مشاكل
العائلة
والمجتمع سوف
تكون مرتبطة
بأشخاص لديهم
مشاكل وجودية
داخلية غير
محلولة. والواقع،
إن رجلاً
مريضاً ينشر
المرض في كل
المجتمع. كيف
يمكن لإنسان
غير مكتفٍ أن
يتواجد مع
الآخرين؟ كيف
له أن يحب؟ فهو
يسعى إلى
إشباع فراغه
الداخلي في
محبته
للآخرين. وهذا
لن يشبعه لأن
الشبع يأتي من
بعد آخر. لهذا
يعيش في القلق
وعدم
الاكتفاء فتُسحَق
محبته
وتتحوّل إلى
لذة حسية أو
إلى حقد. إن وجود
شخص آخر يسبب
الرعب والخوف
والهستيريا لغير
المكتفي،
لأنه يرى في
وجود الآخر
تهديداً
لوجوده هو.