نور القبر المقدّس

 

الأب د. أنطونيوس ستيلياناكيس

 

ترجمة الخورية سميرة عطية

 

شهادة شخصية

تماماً كما رأينا النور المقدس فوق قبر السيد المسيح في أورشليم فصح 1994و1995 بحضور المئات من البشر. لم تمضِ سنوات كثيرة على وقوع الأحداث التي سأسردها بواقعية بعيدة عن العواطف قدر الإمكان لأنها كانت أحداثاً عظيمة هائلة.

لم يكن سهلاً عليّ القيام بشيء مماثل لأنه يتعلق بلحظات شخصية خاصة ما رغبت أبداً بالتكلم عنها علانية بالرغم من أنني، كطبيب نفساني، معتاد على سماع أمور الآخرين الشخصية. ولكن واجبي تجاه الحقيقة الأبدية وتجاه إخوتي غلب كل تردد لديّ.

 

مخيلة النساء الواسعة

   كنت طالباً في كلية الطب، في السنوات الأخيرة، عندما زارنا رجل وزوجته، أصدقاء لنا من فلورينا (مدينة في اليونان) لكي يقصّوا علينا انطباعاتهم عن رحلتهما الى الأماكن المقدسة التي عادا منها لتوّهم.

 كانت السيدة تتكلّم أكثر وهي متأثرة مما شاهدته وعاشته. لقد قصّت علينا ظاهرة "النور المقدس" الذي يخرج كل سنة ويراه كل الناس، وكانت هي شاهدة عيان لتلك الظاهرة: "بينما كنتُ في محيط الكنيسة شاهدت نوراً أزرق يحوّم فوق رؤوسنا كطلقات كهربائية بصوت مكتوم ملأنا غبطة". لم أصدق ما كنت أسمعه وفكرت بأن النساء كم هن عاطفيات بحيث يرين أشياء خيالية حتى على صعيد جماعي...(هستيريا جماعية) ليس انني كنت ملحدا... ولكنني كنت أعتقدت باستحالة حدوث معجزات امام عينيك، في القرن العشرين.

   ولكن بعد سنوات عديدة وُجِدت في قبر المسيح المقدس، حاجاً ورعاً مملوءاً ريبة (نموذجا مثاليا من عصر التفكير العقلاني البحث) بالإضافة إلى آلة تصوير معلقة على كتفه.

   ما كنت أصدق أرى نفسي ما كنت اسخر به من الآخرين، وليس هذا فقط ولكن أيضا سوف يؤهلني الله لتصوير ظاهرة فائقة الطبيعة، معجزة انكشفت امام عيون آلاف البشر.

وأنا في طريقي الى الأرض المقدسة كنت أدعو الله أن يعطيني علامة ترسّخ إيماني (بالرغم من انني كنت اعرف ان مثل هذا الطلب جريء وغير معقول) وحينذاك سوف أكون متأكذا من أنني سوف أكرّس له ما تبقى من حياتي كما كنت أحلم مذ كنت صغيراً. ومؤخراً كنت أفكر بتحقيق هذا الحلم ببركة أبي الروحي.

 

ماذا سنرى في أورشليم؟

   في الحقيقة إن أورشليم تستحق الزيارة من عدة وجوه. يكفي سبب واحد وهو أنها مدينة تاريخية من عصر المسيح. فهي تحتفظ بصورتها الأولى مع احترام كامل للأماكن الأثرية. هنا يرى المرء لقاء الأديان الموحدة الثلاث الكبرى: اليهودية، المسيحية والإسلام.

انه فصح 1994، وأنا أزور الأرض المقدسة للمرة الثانية وكانت لي فسحة مريحة للإستمتاع برؤية أشياء ما كان بالإمكان رؤيتها في زيارة سريعة.

قبل كل شيء واجب أن يُسجد في الأماكن التاريخية والمقدسة التي كان لها علاقة بالمسيح. أولاً تحتل كنيسة القيامة والقبر المقدس المكانة الرئيسية، ثم الجلجلة وموضع الانزال عن الصليب، الجثسمانية ووادي قدرون الذي بقي كما هو منذ العصر القديم، قبر والدة الاله الكلية القداسة، المسرح وخارج المدينة هناك بيت عنيا وقبر العازر ودير أرثوذكسي.

أمّا المحور الرئيسي في فترة الفصح فهو النور المقدس. كثيرون يأتون كي يروا هذا النور فقط وكل الأشياء الأخرى تأتي على هامشه. يظهر النور المقدس كل سنة يوم السبت العظيم ( سبت النور، بحسب التقويم الشرقي) ظهراً في احتفال خاص برئاسة البطريرك. إنه النور السماوي (غير مخلوق) ولكنه يظهر جليّاً للنظر.

 

الفصح عند قبر المسيح

لن أنسى أبداً ذلك الفصح  (الأخير الذي مرّ علي وأنا علماني) عندما وجدت في اورشليم مع جماعة من الحجاج الأتقياء من وكالة سفر (حوريب) من تسالونيكي... وكان على رأس هذه الجماعة الأب سابا، وطبيب الأسنان كيراسيوس وكان معي ابن عم لي وهو الدكتور يورغو .ام. ستيلياناكي.

في الأيام التي سبقت "سبت النور" زرت كنيسة القيامة وبعد أن سجدت بدأت برسم مخطط لتركيز آلة تصوير فيديو في زاوية تمكنها من تسجيل كل ما يحدث. لذلك اخترت شرفة صغيرة ضيقة مواجهة للقبر المقدس وترتفع عنه من 5-6 امتار. ولكنني لم أكن أعلم أن هذه الشرفة كانت مخصصة لمسؤولين حكوميين من اليونان وبلدان أخرى... (أذكر أنه في تلك السنة حضر إلى أورشليم وزير المواصلات يوانس كارالمبس) ضمن رسميين ومسؤولين من شركة أولمبيك للطيران.

الله وحده يعرف العناء الذي تكبدته في سبيل الاقتراب من ذلك المكان والقيام بالتقاط الصور التي أخذتها تحت تلك الشرفة.

كان هدفي المحافظة على آلة التصوير ثابتة على كتفي قدر الامكان، موجهاً إياها نحو القبر المقدس. وبالوقت نفسه أن يشمل نظري المجال كله بحيث لا يفوتني شيء مما سيحدث، وبهذه الطريقة فكرت، أنه ستكون ثلاثة أعين تراقب بدلاً من عين واحدة في حال كنت أنظر من خلال آلة التصوير فقط. وهكذا لن أخسر خبرة الرؤية المباشرة ومن جهة أخرى ربما التقطت الكاميرا شيئا لم تدركه العين.

أتت النتيجة باهرة أنصفت تصرفي بدرجة كبيرة.

طبعاً لم أكن الوحيد الذي خطط لرؤية هذه الظاهرة الفريدة في العالم، فقد علمت فيما بعد أن نساء تنكرّنَ بزي راهبات كي يخدعن الحراس وكذلك الناس المجتمعين فيحصلن على مكان مناسب أكثر بجوار الرسميين. أما أنا فكنت أحمل الكاميرا في يدي وهي ميزة أخرى أعطتني بعض الحرية في الحركة. وكان بوجود عشرة كاميرات أخرى تخص محترفين بدت كاميرتي كصرصور صغير. ولم يكن هذا فحسب ففي لحظة شعرت بالتعب فجلست قليلاً في زاوية من الممر حيث كان حراس عبرانيون يذرعون المكان جيئةً وذهاباً متأهبون خشنون أمسكوا بي ورموني خارج الكنيسة قبل أن أتمكن من الاحتجاج. لقد تملكني خوف لا يوصف. أن تأتي من اليونان لكي تشاهد "النور المقدّس" وأن تقضي ليلتك ساهراً كي لا تخسر مكانك في الكنيسة ثم قبل وقت قليل يرمونك خارجاً...شيء لم يستوعبه عقلي.

لقد كانت آمالي بالعودة الى الكنيسة ضعيفة جداً إن لم تكن مستحيلة لأن الكنيسة امتلأت بالناس وكانت الأبواب مراقبة، ولكن من جهة الأقباط ربما كانت الأمور أسهل ولكن لم أتخيل أنني سأتنكّر كواحد منهم كي أدخل ثانية وأرى "النور المقدس".

وأخيراً لم أعرف كيف زلقت وأنا انسان طولي مترين... لا بد أن الصلوات التي رددتها بحرارة، قد أنقدتني من المأزق ووجدت نفسي ثانية مقابل القبر المقدس وقد ساعدني طول الرؤية الواضحة ولكن الدفعات التي كنت أتلقاها من كل الجهات لم تكن محتملة. إذ إن الجميع كانوا يريدون أن يقفوا في الأمام لذلك كانوا يحاولون أن يحسّنوا مواقعهم دون الاهتمام بالآخرين، إنك تشعر بظهرك ينقصم وأنت تحاول ان تتوازن تارة على قدم واحدة وطوراً على رؤوس أصابعك أو على كعبيك.

أخيراً حلّت ساعة النور المقدّس

كان يوم السبت العظيم ظهراً سنة 1994 حوالي الساعة الثانية بعد الظهر. وبعد انتظار طويل لا نهاية له، كل فترة قبل الظهر، تحرّك موكب البطريرك نحو القبر المقدس فأضيء العديد من المصابيح الكاشفة، كي تجعل الرؤية أوضح ولكن الناس أخذت تحتج وتطالب بإطفائها لأنها أتت لترى النور المقدس وليس فلاش الكاميرات. أخيرا استجابوا لاحتجاجات الناس وأخذ الجميع ينتظرون اللحظة العظيمة.

بلغ بي الاضطراب مبلغاً كبيراً لأنني لم أعرف أين أوجّه انتباهي أو ماذا أنتظر. ولكن فكرة وجود آلة التصوير معي أعطتني بعض التعزية والراحة.

فجأة، بلحظة واحدة سمعت كثيرين يطلقون صيحات النصر وتصفير كثير. فتحت الكاميرا ورأيت سيلاً من البروق المضيئة ظننتها في البداية فلاش آلات تصوير ولكنني استدركت للحال انه لا يمكن ان تعمل مئات الفلاش في لحظة واحدة معاً. في الوقت نفسه عمّت هذه البروق الكنيسة وأخذ النور يتراقص على الجدران والسقف.

كانت لحظة مجيدة. اعترت جسمي رعدة وحاولت أن امنع نفسي من الارتجاف يكفيني تدافع من حولي...لحظات قليلة بعد ذلك تمكنت من معاينة كرة نارية برتقالية اللون تخرج من عن يسار القبر الى موقعي. ثم رأيت شعلة تتوجه الى الأعلى بتؤدة وكأنها سفينة فضائية، للحال وجهت الكاميرا باتجاهها وتمكنت من التقاط اللحظة الأخيرة قبل أن تنطفئ فوق عليّة النساء حيث كان الناس يحملون شموعاً اشتعلت وحدها.

بعد قليل خرج البطريرك وأشعل الشموع الأولى. يا إلهي ما هذا؟ أهي شموع أم حريق؟ إن كل شيء بدأ يحترق، بعد قليل مرّ قربي ودون أن أعير اهتمامي للتصوير انحنيت وأشعلت شمعتي. وقد علمت من الذين خلفي أن شموعاً كثيرة في أماكن مختلفة اشتعلت بشكل تلقائي عجيب. هكذا انتشرت الشعلة في كل مكان وحتى خارج الكنيسة في زمن قصير جداً.

فكنت ترى لهب الشموع يبلغ المتر لأن البعض كانوا يمسكون بيدهم شموعاً وصل إلى المائة. لحسن الحظ كان هناك رجال أمن يحملون أجهزة إطفاء يوجهونها نحو السنة اللهب خوفا من أن تؤدي الى الحريق. كان من الممكن أن نشتعل بالنار وكدت أخسر آلة التصوير. مرت دقائق سادت فيها الاصوات والتأثر من جميع الحاضرين ولا أخفي أنه قد امتلكني القلق من أن نصاب بمكروه بسبب هذا العدد من ألسنة اللهب.

 

 

سنة ثانية في النور المقدّس

في السنة التالية كنت في أورشليم في فترة الفصح وكنت "كاهناً" خادماً لهذا النور ومن أوائل الذين خرجوا من الباب الملوكي متوجهين نحو القبر المقدس. حينذاك حدث شيء – لم يتكرر في السنوات الاثنتي عشر الأخيرة والتي كان الحرس فيها يحيطون بالقبر كما أخبرني الأب بندلايمون فيما بعد. بدأ النور المقدس يتراقص على الجدران دون أن ينتظر وصول البطريرك إلى القبر. كنت انظر بعين المراقب الخبير وسألت الكهنة الذين كانوا حولي إن كانوا يرون ما أرى. فقالوا متحيّرين لا بد أنه النور المقدس...

ولكن عندما دخل البطريرك (ذيوذورس الثالث) إلى القبر اشتد وهج النور وفاضت أشعته وغسلت كنيسة القيامة بكاملها.

يا إلهي! أية غبطة عظيمة كانت تلك التي يعجز اللسان عن التعبير عنها. فبعد مرور وقت لا بأس به دخلت الى الهيكل لأخذ البركة من البطريرك كما فعل الباقون. كان هو جالساً على العرش وقد اعتراه تأثر شديد يرتجف وينتحب كطفل صغير.

كيف سنكون يا رب في ملكوتك؟ إنك ونحن على الأرض تمنحنا فرحاً عظيماً يفوق احتمالنا بالرغم من عدم استحقاقنا... يطلب البعض رؤية معجزات كي يؤمنوا ولكنهم لا يفكرون إن كانت قلوبهم قادرة على الصمود، إذا ما رأوا شيئاً مماثلاً، ولم يسقطوا في مكانهم دون حراك؟ كان يجب أن أعيش أنا أيضاً كل هذه الخبرة كي أفهم كطبيب ماذا تعني. الحقيقة أنني الآن فقط فهمت كعالم نفساني ماذا تعني المعجزة.

عندما خرجنا سأل الواحد منا الآخر ماذا رأى؟ أنا نفسي لم أكن متأكداً مما رأيت وكنت أقول ربما ما رأيته كان النور المقدّس وربما لم يكن. كان يجب أن تمر ساعات كثيرة بل وأيام قبل أن أدرك أنني رأيت شيئا لا يراه المرء كل يوم، لأنه شيء استثنائي مذهل.

 

 

مشاهدة شريط الفيديو في سالونيك

أول مَن عرضت عليهم الشريط، كانت والدتي وقد تركتها تشاهده وحدها لفترة لأنني أعرف فحواه. ولكنها نادتني بعد قليل كي أرى شيئاً مذهلاً. أعدت الشريط إلى الخلف فرأيت كرة نارية (مثل تلك التي كنت قد رأيتها عن يسار القبر) تخرج من اليمين وتلامس رؤوس الحاضرين متجهة نحو أقرب عمود وتوهجت بكاملها إلى أن انطفأت. أعدتُ الشريط مرات عديدة ولم أشبع من مشاهدته، مرة أخرى كانت مفاجأة لي ومعجزة أكبر. وهي دليل دامغ على أنني قد شاهدت النور المقدّس وانني فوّت رؤية أشياء كثيرة، والمفاجأة الثانية كانت أنني رأيت بعض أفراد مجموعتنا كانوا يقفون إلى جانب العمود (بينهم كانت اختي أثينا، طبيبة أسنان، وقد رأت الكرة الثانية) ولكن أحداً لم يذكر الحدث الذي كان يجب أن يروه ويخافوا منه لئلا تحرقهم الشعلة!

عظيم أنت يا رب وعظيمة هي أعمالك!!!

بعد فترة عرضت الشريط على بعض أقاربي فعلّق احدهم قائلا: "لابد أن الكهنة لديهم أشعة لايزر تعطي هذه الظلال المنيرة!!!"

أجبت متعجباً: "إذن يجب أن يكون اللايزر قد اكتُشِف في أورشليم منذ مئات السنين حيث يحصل هذا الأمر." وعندما وصل الشريط الى حيث تظهر الكرة النارية، لم يستطيعوا أن يعطوا أي تفسير...

 

وصف النور الالهي (كما رأيناه)

إنه نور نقي لونه بين الأزرق والأبيض على شكل أشرطة وومضات يتحرك متراقصاً في المكان وعلى الأشياء مشيّعاً الفرح لدى الجميع.

الحدث الذي يترك انطباعا خاصا هو أنك لا تعرف كل سنة على أي شكل سيظهر، لأن الأشكال الاستثنائية التي ظهرت بهيئة كرات نارية مثل التي رأيناها في شريط الفيديو سنة 1994، ليست مثل التي رأيناها في السنة التالية... ولكن الثابت هو:

أ‌-     أنه يشعل القنديل الموجود فوق قبر المسيح المقدس وكذلك في بعض الأ