العفـــة والبتـوليّـة

مختارات – 2 -

إعداد راهبات دير مار يعقوب - دده

2 – توبة امرأة يهوديّة تنصّرت ودخلت الدّير مع الأسقف الذي زنى معها

       أخبر أحد الآباء المتوشّحين بالله قائلاً:
       - وإن كنّا بعد خطأة ولكنّنا لا نزال نملك الإيمان، لأنّ الرّبّ قال: "إن لم يولد أحد من الماء والرّوح لا يدخل ملكوت السّموات".
       - ولكنّ تلك لم تكن تسمع كلامه بل كانت تقول: سأموت على الإيمان الذي وُلدت عليه. ألا أومن بنفس الإله الذي تؤمن أنت به؟ وإن كنت لا أخلص إن لم أعتمد، كما تزعم، فلأقضي حياتي على الأقل دون عذاب، ولأكن كسارة وراحيل.
       - صدّقيني لن يدعني الرّبّ أهلك وأنا في هذه الخطيئة، بل سيقبلني تائباً. وسوف يأخذك إلى جانبه، ليس وأنت على الإيمان الذي أنت عليه الآن بل على الإيمان المسيحي. تعالي إلى الكنيسة لتري ما هو إيمان المسيحيّين بالله ولكي ترينني أنا الخاطئ أيضاً.
       - حسناً، هذا أستطيع أن أفعله، ولكن لا ترغمني على فعل الآخر.
       وهكذا ذهبا إلى الكنيسة. وعندما دخل الأسقف رأته المرأة في حلّة لامعة بهيّة مع جميع خدّامه. وعندما دنا من المذبح الإلهي، فُتحت عيناها وكأنّها بقوّة إلهيّة غير منظورة، فشاهدت رجلاً متّشحاً بالبياض وجماله يفوق كلّ وصف، يخرج من المذبح ويأخذ الأسقف ويقيّده إلى عامود، ثمّ يدخل هو نفسه إلى المذبح ويكهن مع الكهنة والشّمامسة. وعندما دنت ساعة رفع القربان، رأت طفلاً مرتفعاً في يده ويتقطّع إلى قطع لتوزَّع فيما بعد على الشّعب. وعندما تناول الجميع من القدسات، رأت الطّفل نفسه حيّاً يبرق كالنّور والنّار في الوقت نفسه. وعندما انتهت خدمة القدّاس الإلهي فكّ قيود الأسقف ثم اختفى.
       ما إن رأت المرأة هذه الأعجوبة حتى خرجت مسرعة إلى المنزل وهي تبكي وتتوسّل قائلة: "أهّلني يا ربّ أن أصبح مسيحيّة وأن أموت أيضاً هكذا". وبعد قليل وصل الأسقف وقال لها: "أرأيت أيّ إيمان لنا نحن المسيحيّين؟" قالت: "يا ليتني لم أرَ". ثم قصّت على الأسقف، والدّموع ملء عينيها، كلّ ما رأت. وللحال ندم على خطاياه وقال لها: "ليكن لنا هذا اليوم يوم بداية توبة وحياة جديدة، وسوف أطرق أنا باب أحد الأديار لأغلق على نفسي وأبكي خطاياي كلّ الأيّام التي بقيت. فالتهب عندئذ أيضاً قلب المرأة بالحنين إلى الله، فسقطت على قدميه وقالت: "لا تتركني هنا. اجعلني مسيحيّة وضعني في دير ثم اذهب بسلام في الطّريق التي اخترتها لنفسك. وأمّا أنا فمنذ هذه اللحظة سأكرّس نفسي للرّبّ وسأذهب إلى حيث يقودني هو".
       وبدون أن يضيّع الوقت عمّد الأسقف المرأة ووضعها في أحد الأديرة. وأمّا هو فاعتزل العالم دون أن يُعلِم أحداً بمقرّه. وما لبث أن تقدّم كثيراً في حياة النّسك والجهاد حتى أنّه في مدّة ثلاث سنوات وُهب موهبة رؤية المستقبل وصنع العجائب. وهكذا قضى وأُحصي مع القدّيسين.

3 - عفّة زوجين


       أخبر أحد الآباء قائلاً:
       بينما كان أحد التّجّار مسافراً في البحر تعرّضت السّفينة لنوّ كبير فغرقت السّفينة ولم ينجُ إلا هو وحده ولكنّه فقد بهذا كلّ أمواله الخاصّة وتلك التي استدانها أيضاً. وعندما عاد من سفرته ألقاه مقرضوه في السّجن وأخذوا له كلّ محتويات منزله بحيث بات لا يملك سوى الثّياب التي كانت عليه هو وامرأته.
       وذات يوم وعندما كان جالساً في السّجن يأكل مع زوجته، دخل أحد وجهاء المدينة لكي يهب السّجناء بعض الإحسان، فرأى المرأة جالسة قرب زوجها فراقت في عينيه لأنّها كانت جميلة جدّاً. فأرسل يستدعيها مع أحد الحرّاس وبفرح كبير قبلت المرأة الدّعوة ظنّاً منها أنّه سيحسن إليها ببعض المال. وأمّا الرّجل فانتحى بها جانباً واستفسر منها على سبب وجودها في السّجن. فقصّت عليه قصّتها كاملة فأجابها: "إن أنا سددت الدّين هل تقيمين معي هذه الليلة؟" وبما أن هذه المرأة كانت حكيمة إلى جانب جمالها فقالت له:" لقد سمعت بأنّ الرّسول يقول: لا تتسلّط المرأة على جسدها بل رجلها، فدعني أيّها السّيّد أن أسأل زوجي ومهما أمر بعد ذلك سوف أفعله". ثم ذهبت إلى زوجها وقصّت عليه كلّ ما عرض لها فقال لها زوجها: "اذهبي أيّتها الأخت واطردي هذا الرّجل فإنّ رجاءنا بالله وطيد ولن يتركنا ولن يهجرنا إلى النّهاية". فذهبت المرأة إلى الرّجل وقالت له: "لم يوافق زوجي".
       وفي ذلك الوقت عينه كان أحد اللصوص سجيناً في غرفة منفردة مجاورة لغرفة الزّوجين، فسمع حديثهما وتنهّد قائلاً مخاطباً نفسه: "انظر، يا شقي، بأيّة حالة سيّئة هما ومع ذلك لم يقبلا بأن ينالا أموالاً غير نظيفة مقابل حريّتهما. لقد وضعا شرفهما فوق كلّ غنى وازدريا بكلّ شيء في هذه الحياة مقابل الحفاظ على عفّتهما. فماذا أفعل أنا الشّقي الذي لم يأبه يوماً لوجود خالق ديّان حتى أنّي ارتكبت جريمة شنعاء."
       وللحال قام ودعاهما من طاق غرفته وقال لهما: "كنت فيما سلف لصّاً وارتكبت جرائم لا عدّ لها وأعلم بأنّه عندما ستدنو السّاعة ويأتي الأمير ليحاكمني سوف يقضى عليّ كقاتل. وعندما رأيت حفظكما لشرفكما وعفّتكما تأثّرت كثيراً. فاذهبا إذن إلى المكان الفلاني في سور المدينة واحفرا وخذا المال الذي تجداه هناك وسدّدا به دينكما واصرفاه على كلّ ما تحتاجا إليه وصلّيا من أجلي عساني أجد أنا أيضاً رحمة ومعونة من لدن الله.
       وبعد أيّام قليلة أتى إلى المدينة الأمير وأمر بأن يُقطع رأس اللص. وبعد ذلك قالت المرأة لزوجها: "أتسمح يا سيّدي بأن أذهب إلى حيث قال لنا اللص لأتحقّق صدق قوله؟" فأجابها زوجها: "افعلي كما تشائين".
       وعند المساء أخذت المرأة مجرفة ووجدت المكان وحفرت فوجدت إناء مملوءاً من الذهب. فأخذته وراحت تسدّد ديونهما شيئاً فشيئاً إلى أن حرّرت زوجها من السّجن.
       وقال الأب الذي روى هذه الحادثة: "كما حفظ هذان وصيّة الرّبّ كذلك أظهر لهما الرّبّ غنى رحمته".

عن راهبة رأت في رؤيا والديها أحدهما في الجحيم والآخر في السّماء فترهبت


       سئلت إحدى الرّاهبات المسنّات المتقدّمات في حياة التّقوى كيف أصبحت راهبة فأجابت:
       "كان أبي رجلاً هادئاً صالحاً، لكنّه كان عليلاً لا يفارق سرير المرض إلا نادراً. امتاز ببساطته وصمته إذ لم يكن يتكلّم إلا نادراً حتى ظنّه البعض أبكماً. كان يلجأ إلى فلاحة الأرض وزراعتها، عندما تساعده صحّته، حيث يقضي هناك معظم أوقاته.
       أمّا أمّي فكانت على عكس أبي تماماً. فضوليّة تحبّ أن تعرف كلّ ما يجري ولو خارج قريتنا، مهذارة، لم نرها صامتة ولو لوقت قصير بل غالباً ما كانت تنتهر وأخرى تشاحن وأحياناً تتفوّه بكلام بذيء. تصرف معظم أوقاتها بالسّكر مع رجال أشرار وكأنّها امرأة عموميّة. تدير بيتها بطيش وخفّة لدرجة لم يعد يكفينا دخلنا الواسع. ومع كلّ هذا لم تتعرّض لمرض ما، ولم تكن تشكو من أيّ ألم، بل كانت قويّة صحيحة وإن كانت تعيش عيشة إسراف وطيش.
       وبعد زمن طويل من المعاناة والألم توفي والدي. وللحال هبّت عاصفة هوجاء، وأبرقت السّماء وأرعدت، وانهمر المطر غزيراً لثلاثة أيّام متواصلة حتى أنّنا لم نستطع الخروج أبداً، وهكذا بقي والدي دون دفن في المنزل. ممّا حدا ببعض مواطنينا عندما رأوا ثورة الطّبيعة إلى القول: "الويل لنا أيّة جبلة شيطانيّة كانت تعيش بيننا ونحن لم نكن ندري. لا بدّ أنّ هذا الرّجل كان عدوّاً لله حتى أنّه لم يسمح بدفنه". أمّا نحن، فلكي لا تفسد الجثّة ويصبح البيت لا يطاق السّكن فيه، قمنا بدفن والدي بالرّغم من الزّوبعة القائمة.
       أمّا أمّي فأخذت تنغمس في الرّذيلة أكثر فأكثر حتى غدا منزلنا فعلاً منزل بغي، وراحت تصرف كلّ ما لدينا حتى لم يبق شيء. وبعد زمن قصير توفيت هي أيضاً وأتت جنازتها رائعة لدرجة كنت تظنّ أنّه حتى الطّبيعة كانت تتحسر على فقدها.
       وهكذا أخذت أنا أتقدّم في العمر، وبدأت الشّهوات الشّبابيّة الجسديّة تحاربني وتطغيني. وذات مساء ساورني فكر يقول: "أيّ حياة يجب أن أقتفي؟ هل أتبع آثار أبي وأعيش حياتي بتحفّظ ومقياسي الحشمة والتّعقل؟ ثم ما هو ربح من يعيش حياة كهذه؟ لقد صرف أبي كلّ حياته بالمعاناة والمرض والأحزان حتى أنه عندما مات لم يُدفن كسائر النّاس. وإن كانت حياته قد أعجبت الله فلماذا إذن صادف كلّ هذه الملمّات؟ وما هي حياة أمّي؟ ألم تحيا بصحّة تامّة مع أنّها قضت عمرها بالتّسلية والشّهوات والرّاحة؟ إذن عليّ أنا أيضاً أن أعيش كذلك لأنّه من الأفضل أن أصدّق ما تراه عيناي من أن أصدّق أقوال الآخرين.
       وهكذا وجدتني أتّخذ قراراً بأن أقتفي خطوات أمّي. وعندها غرقت في نوم عميق. وفجأة حضرني رجل شرير شرس رماني بنظرة غيظ ممتلئة غضباً، وسألني بصوت مضطرب: "قولي لي بماذا تفكّرين؟". ومن خوفي واضطرابي لم أجسر على رفع عيني في وجهه. وأمّا هو فكرّر القول بلهجة الآمر: "قولي إذن ماذا قرّرت؟" وعندما رآني وكأنّي أصبحت بجملتي مشلولة من الخوف وقد أوشكت أن أفقد عقلي، أخذ يذكّرني بكلّ الأفكار التي كانت تراودني سابقاً، فتشجّعت قليلاً، وبما أنّي لم أجرؤ على الإنكار بدأت أتوسّل إليه أن يسامحني. فأمسك بيدي وقال: "تعالي لتنظري كلاً من أبيك وأمّك، ولك بعد ذلك أن تختاري أيّ الحياتين تتبعين". أخذني إلى سهل فسيح في الفردوس حيث الأشجار الكثيرة الرّائعة الجمال والمحمَّلة بكلّ أنواع الثّمار. وبينما كنت أسير معه إذا بوالدي يلاقيني، فاحتضنني وقبّلني ودعاني بابنته الحبيبة، فقبّلته أنا كذلك، وتوسّلت إليه أن أقيم وأبقى معه ولكنّه قاطعني قائلاً: "لا يمكن أن يحصل هذا الآن، ولكن إن اخترت أن تتبعي طريقي ستأتين إلى هنا بعد قليل. أمّا أنا فبقيت أتوسّل إليه لكي أبقى معه، وعندها شدّني الملاك بقوّة من يدي قائلاً: "تعالي الآن لتري أيضاً أمّك، لتتحقّقي أية حياة يجب أن تقتفي".
       فقادني إلى مكان مظلم حيث الأنين والاضطراب. ثم أشار إلى أتون متّقد مرعب تنتشر حواليه بعض ألسنة اللهب الرّهيبة. أمعنت النّظر جيّداً في الأتون فوجدت داخله والدتي تلفّها النيران حتى العنق ودود لا يحصى يلتهمها وأسنانها تصطك من الألم والخوف. وما أن رأتني حتى بدأت تبكي وتقول: "الويل لي يا ابنتي، يا لها من آلام لا تُطاق، يا لها من معاناة لا تنتهي. يا لبؤسي وشقاوتي أنا التّعيسة فإنّه من أجل لذّة يسيرة أعاني الآن ما أعانيه. الويل لي أنا البائسة، فإنّه من أجل راحة حاضرة وقتيّة أتعذّب دهريّاً. أشفقي علي يا ابنتي أنا والدتك التي تحترق بالنّار. تذكّري كلّ ما وهبتك إيّاه وارحميني. مدّي لي يدك وانتشليني من ههنا".
       بقيت جامدة لا أتحرّك بسبب بشاعة هذه الجبلة التي هي أمّي، ولم أجسر من الدّنو منها بينما بقيت هي تصرخ متوجّعة: "يا ابنتي ساعديني ولا تكوني غير مبالية تجاه آلامي أنا والدتك. لا تزدري بهذه المعاناة التي أعاني في هذا اللهيب ولا من هذا الدّود الذي لا يشبع". مددت يدي وأنا كلّي تأثّر لكي أنتشلها، ولكنّ ألسنة اللهيب لحست يدي فآلمتني جدّاً وبدأت أبكي وأئنّ، ومن صوت أنيني أفقت. صُعق كلّ من كان معي بالمنزل من صوت أنيني وبكائي وهرعوا إليّ منذهلين وطفقوا يسألونني بإصرار عن سبب بكائي.
       وعندما هدأت قصصت عليهم الحلم الذي رأيت، ومنذ ذلك الوقت قرّرت أن أتبع طريق أبي مصلّية كي ألاقي نفس نصيبه. وبنعمة الله أدركت أي مجد وشرف يستحقّ كلّ من يختار حياة التّقوى، وأيّة عقوبات تنتظر أولئك الذين يصرفون حياتهم بالشّهوات.