هرطقة آريوس

القديس ديمتري روستوف

نقلها إلى العربية المطران أبيفانيوس زائد

       أيها الأخوة الأحباء أبناء كنيسة المسيح الأمناء! إن الحياة البشرية هي قتال دائم لا ينتهي إلا بانتهاء العالم. لذلك لا نقدر أن ندعو هذا العالم عالمَ سلام، لأن كلّ أمة تقوم على غيرها، بل تقوم – مع الأسف على الخالق الذي أوجدها، وأول المقاتلين الأشرار هو الشيطان الذي أراد أن يكون مساوياً للضابط الكل، فتدرَّعَ بما وهبه اللهُ من الهبات قائلاً في نفسه: "إني أصعد إلى السماء وأرفع عرشي فوق كواكب الله وأجلس على جبل الجماعة في أقاصي الشمال أصعد فوق أعالي السحاب وأكون شبيهاً بالعلي" (أشعيا14: 13و14). قد تجاسر المخلوقُ أن يكون مساوياً للخالق، وفكَّر العبد المخلوقُ للخدمة، أن يرفع عرشاً للرئاسة، فأقام السيد الرب الذي "يقاوم المتكبرين" (يعقوب6:4) رئيسَ القوات السماوية ميخائيل معارِضاً لروح الشر، فأخضع كبرياءَ الشيطان وأسقَطَه مع جنوده من أعالي السماء، إلى الجحيم، إلى الظلمة الحالكة فاحتدم الشيطان غيظاً. وبما أنّه لا يقدر أن يحارب الربّ وجَّه حدّتَه إلى الكنيسة المقدسة، فدمَّر وأمر وأضعف عِبَادَ الله إلى أن جاء السيد يسوع المسيح فأخرج الأسرى من السجون وقيّد الشيطان بأغلال متينة لكنه لم يترك مشروعاته الشريرة، فأخذ يرسل عبيدَه الهراطقةَ المختلفين ليجدّفوا على السيد الربّ وعلى كنيسته بأفواههم الدَنِسة التي هي سهامٌ معدةٌ للقتال.
      من هؤلاء كان رئيسُ الهراطقةِ التعيس آريوس الذي يعني اسمه الحقيقي القتال، والذي حارب اللهَ وجدَف عليه تعالى ورمى بسهامِ تجديفِه رأسَ الكنيسة، السيد يسوع المسيح، داعياً إياه مخلوقاً لا إلهاً. نعم! إنّه وجّه سهامه مملوءةً من سمّ الأفاعي، مزينةً بكلامٍ من الوحي الإلهي، فكان كَمَنْ يقدِّم السمّ الزعافَ في كأسِ خمرٍ لذيذ. لقد جدّف آريوس مثبِّتاً بدعتَه بكلامِ الكتاب المقدس فجرَّع النفوسَ السمَّ القاتل، وفَصَلَ نفوساً كثيرة عن الاتحادِ بكنيسة المسيح، وأوقع كثيرينَ في شباكِ الشيطان بحكمتِه الدنيوية. فحزن الملك قسطنطين العظيم المعادل الرسل وجمع 318 أباً من أبناء الكنيسة القديسين، في مدينة نيقية فدحروا تعليمَ آريوس وجنودِه الشريرة بتعليمِهم المستقيم الرأي وبكلام الله. وهكذا خلَّصوا من الهرطقة نفوساً كثيرة.
      فأُمُّنا الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية تقيم الآن تذكاراً لهذه الغلبة مطوِّبَة الملك العظيم والآباء القديسين الذين جاهدوا في نضالهم الروحي وتزيِّن الغالبين بأكاليل المديح. تطوِّب الكنيسةُ المقدسة العظيمَ في الأساقفة الأبّ بطرس رئيسَ أساقفة الإسكندرية الذي في مقدمة الجميع قاوم آريوس، ذلك الذئب الكاسر، منذ ابْتَدَأ أن يتحول من حملٍ إلى وحشٍ ضارٍ إذ أنذره لكي يرجع عن كلامه الكاذب على ابن الله الوحيد، ولما لم يخضع له قطعه بسيف السلطة الروحية من جسدِ كنيسة الله كعضوٍ فاسد أو غصن كرمة يابس، وطرده من حظيرة المسيح كجِديٍ جَرِب، وأسقطه من صفوف إسرائيل كمريض بداء البرص المميت حتى لا يسبّب الضررَ للآخرين. إن أسقفَ المسيح عمل هذا طبقاً لأوامر الرسول القديس الذي يقول: "رجل البدعة بعد الإنذار مرة وأخرى أعرِض عنه عالماً أن من هو كذلك قد فسد تماماً وهو في الخطيئة لأن ضميره يقضي عليه" (تيطس10:3و11). وقد ظهر السيد يسوع المسيح لذلك المجاهد الجبار في سبيل الإيمان المستقيم الرأي وهو في هيئة فتى يرتدي ثوباً مشطوراً إلى قسمين فسأله الأسقف من شطر ثوبك يا مخلصي؟ فأجابه السيد: آريوس. وفي الحقيقة إن هذا الذئب شقّ ثوب حمل الله إذ أنكر ألوهيتَه ودعا خالق العالم مخلوقاً ومزّق وحدة إيمان المؤمنين الذين جمعهم دمُ المسيح الطاهر ودعا ابن الله الموجود مع الله عبداً وخادماً.
      لقد نال هذا المجدف الذي مزق ثوب الحمل جزاء أعماله إذ شقّ السيد جوفَ آريوس كيهوذا الثاني فسقطت أحشاؤه وفارقت نفسه الشريرة جسده الفاسد، وإنما صنع الله ذلك عبرة لأصحاب البدع الآخرين المجدفين على الله. إن آريوس كان شرارة كادت تحرق المسكونة كلها ولكنها همدت وانطفأت بينبوع الوحي الإلهي الطاهر الحي. لقد أخمد الآباء الأبرار هذه الشرارة قاطعين بدعة آريوس بكلام الله كسيف قاطع، وأسلوا للعنة المبتدع وكل أتباعه، وتركوا لنا رمزاً مقدساً خالداً هو دستور الإيمان: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكل...الخ.
      فبتمسّكِنا بدستور إيمان المسيح الأرثوذكسي كمصباح منير، لنَسِرْ أيها الأحباء بموجب وصايا السيد حتى نرث مكاناً منيراً سعيداً. لنقضِ حياتَنا معترفين بأن المسيح إله حقيقي وإنسان كامل. وحينئذ نكون عبيداً حقيقيين للمخلص القائل: "كلّ من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا به قدام أبي الذي في السموات" (متى32:10). لنمجّد بصوت واحد اسم المسيح الحلو الذي تنحني أمامه كل ركبة في السماء وفي الأرض وفي الجحيم، فيمجدنا السيد بمجده السماوي لأنه قال: إنني أمجّد من يمجّدني. لنبارك ابنَ الله بلا فتور حتى يباركنا في الحياة الحاضرة وفي ملكوته الأبدي الذي يملك مع أبيه الأزلي والروح القدس بمجدٍ لا يوصف من الآن والى دهر الداهرين آمين.