الأخلاق والتكنولوجيا

الأخلاق والتكنولوجيا

القديس نيقولاي فيليميروفيتش*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في الأصل، الدين كان أمّ الأخلاق والتكنولوجيا. أولاً وقبل كل شيء، الدين كان نبعاً متدفقاً من أعماق مخفية، والأخلاق كانت نهراً حاملاً الحياة، والتكنولوجيا بمساعدة القنوات الفنيّة حملت المياه من هذا النهر إلى شرايين حياة الإنسان.

الله أعلن للإنسان ناموس الإيمان وناموس السلوك ومعرفة التكنولوجيا. بإرشاد الله، بنى نوح فلكاً أبحر في واحدة من أطول الرحلات في تاريخ الإبحار. بإلهام الله، امتلأ بَصَلْئِيل “بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، لاخْتِرَاعِ مُخْتَرَعَاتٍ لِيَعْمَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ، وَنَقْشِ حِجَارَةٍ لِلتَّرْصِيعِ، وَنِجَارَةِ الْخَشَبِ، لِيَعْمَلَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ” (خروج 1:31-11). على المنوال عينه، هيكل سليمان الذي هو أحد أعظم العجائب الهندسية في العالم القديم، بناه الناس الذين علّمهم الروح القدس وقادتهم يد الرب. هذه شهادة الكتاب المقدس.

الله كان سبب الإيمان الحقيقي والسلوك الحَسَن ومعرفة التكنولوجيا بين الناس. فيما أحسّ البشر باستمرار بأن الله فوقهم وأمامهم ومن حولهم على منوال الإحساس بالهواء والنور، فقد أعادوا الفضل بإنجازاتهم التكنولوجية واليدوية إليه وهو إلههم وخالقهم. عندما صار الإحساس بحضور الله بليداً وأظلمت الرؤية الروحية، أي عندما دخل الغرور إلى التجار والتقنيين، وابتدؤوا يحصرون التمجيد بذواتهم  بسبب أبنيتهم وأعمالهم اليدوية والفكرية، وابتدؤوا يسيئون استعمال عملهم، عندها ابتدأ ظلّ اللعنة يخيّم على التكنولوجيا.

كثيرون يتذمرون من التكنولوجيا. كثيرون يحمّلون التكنولوجيا الحديثة مسؤولية كل ويلات العالم. هل التكنولوجيا هي حقاً مَن يُلام أم أولئك الذين يخترعونها ويستعملونها؟ أيُلام صليب خشبي إذا صُلب أحدهم عليه؟ أتُلام المطرقة إذا استعملها أحدهم ليحطّم جمجمة أخيه؟ لا تحسّ التكنولوجيا بالخير ولا بالشرّ. إن نفس الأنابيب يمكن استعمالها لجرّ مياه الشرب أو المياه الآسنة. لا يأتي الشر من عدم الحس، أي من التكنولوجيا الميتة، بل من القلوب الميتة عند البعض.

الفلك العجيب الذي كان لخلاص نوح وللجنس البشري الجديد الذي كان مزمعاً أن يولَد، بناه نوح وهو واعٍ تماماً لحضور الله ومن دون أي غرور. بضمير مظلم من جهة حضور الله، اتفق البشر فيما بينهم ممتلئين بالغرور “هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا”. هذا كان بناء برج بابل. عندما انتهى الملك سليمان من بناء هيكل الله العظيم، رفع يديه إلى السماء وصرخ باتّضاع: “هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ”. هذا الهيكل العجيب دام أحد عشر جيلاً. دُمِّر إلى غبار ورماد عندما حوّله الكفّار نسل سليمان الملك بأعمالهم من “بيت للصلاة إلى بيت للتجارة”.

لم يثبت هذا الهيكل لقرون بسبب التكنولوجيا، ولا التكنولوجيا تُلام لاختفائه عن وجه الأرض. التكنولوجيا صمّاء بكماء ولا تقدم أجوبة. إنها تتبع الأخلاق بشكل كامل كما تتبع الأخلاق الإيمان. معروفة جيداً قصة الملك نبوخذنصّر الذي بنى مدينة بابل بالقصور والأبراج المعلّقة ببراعة تكنولوجية وجمال لم يعرف لهما العالم مثيلاً في ذلك الزمان. تطلّع الملك إلى المدينة التي بناها من على سقف قصره وقال بغرور “أليست هذه هي بابل العظيمة التي بنيتها بنفسي كمنزل ملَكي بقدرتي ومجد جلالتي؟” وفيما هو يتفوّه بهذه العبارات المتغطرسة، ضربه الله بالجنون وصار مجنوناً، وفي الجنون عاش لسبع سنوات كمثل وحش بين وحوش الغابات. مدينته بابل العظيمة صارت كومة من الأنقاض ، صحراء قاحلة لا ساكن فيها، تماماً كما تنبأ النبي إرمياء (إرمياء 37:51).

حيثما يتلاشى خوف الله ويُداس ناموس الله الأخلاقي، هناك يقع جبل التكنولوجيا البشرية في الغبار التي منها بُني. هكذا برج إيفل وكاتدرائيات إلمانيا وناطحات السحاب الأميركية، أبراج التكنولوجيا والهندسة البشرية، سوف ينهار إلى غبار لا شكل له، ومعهم بعض المسيحيين الذين يحاربون الله ويعدّون كل تدابير الغرور والخطيئة… لماذا الكثير من الحضارات المجيدة مدفونة في الأرض ومن فوقها يحرث الحارثون الأرض من دون أن يدركوا أن أبراجهم وعظامهم هي تحت الأرض المحروثة؟ لماذا كل مباني اليونانيين الرخامية العظيمة لم يبقَ منها إلا الأكروبول؟

كيف تجرأت الأرض على أن تخفي عن الشمس وأعين الناس الهياكل في بعلبك ومصر، كما مدن تاباتا وبرسوبوليس وصور وصيدا وطروادة، التي عليها ترعى الأبقار بسلام وتخور الخنازير ويبني الرعاة إسطبلات من الرخام المنتشر؟ لماذا مدن الملك مونتيزوما المتغطرسة وهياكله وقلاعه تندثر من دون أي أثر؟ أيضاً ممالك الإنكا والبيروفيين المتعلّمين؟ أي يدٍ لا ترحم دحرجت أكواماً من الوحل على هذه الإنجازات البشرية وهي بقوتها وتصميمها وجمالها يمكن أن تضاهي أفضل الأبنية الحديثة؟

لماذا يوجد تقطعات ولا يوجد استمرارية في حضارات الجنس البشري؟ لأن أياً منها ليس مرضياً للإله الحقيقي الوحيد. أيٌّ من هذه الحضارات المدفونة لم تتدمر بفعل الزمن أو بسبب النقص في تكنولوجيات البناء المتينة، بل بالخطيئة ضد الإيمان والأخلاق الإلهية. عدم استقرار الأخلاق لا التكنولوجيا هو مَن دفنهم في ظلمة عميقة.

“وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ”. لقد تمّت هذه النبوءة التي تنبّأ بها المسيح في الأيام التي كانت فيها كفرناحوم تشعّ بالمجد كمثل المدن في القصص الخيالية بالقرب من بحيرة. لقد تحققت بشكل مخيف، حتّى أنه عندما يجد نفسه أحد المسافرين بين الأشواك والأفاعي حيث في يوم من الأيام رفعت نفسها مدينة كفرناحوم بفخر، يتساءل مرتعباً “أهو معقول أن هذا المكان الكريه كان في يوم ما مكان سكنى للبشر؟”

الأخلاق، أي الأخلاق الإنجيلية، تدوم ولا تتبدّل، بينما التكنولوجيا تتبدّل دائماً. الأخلاق هي مثل سيدة والتكنولوجيا مثل خادمتها. لهذا على الأخلاق أن تتحكم بالتكنولوجيا. القيَم الأزلية هي أرضية الأخلاق لا التكنولوجيا. إنه لمدمّر لشعب بأكمله أن يضع الناس هدف حياتهم في التكنولوجيا، وأن يضحّوا بكل عملهم وعرقهم لتقدم التكنولوجيا، جارّين الأخلاق وراءهم، كما جرّ أخيل رأس هيكتور معلقاً بعربة. إن أشخاصاً مثل هؤلاء يمكن أن ينجحوا في بناء كل مدنهم من عاج وذهب، ولكن إن عاش فيها أشخاص مثل آخاب وزابيل فسوف تكون الكلمة الأخيرة للكلاب لا للبشر. بين الشرف والمهارة يسهل الاختيار. إن رجلاً أميناً من غير مهارات أكثر احتراماً في زماننا من رجل ماهر بلا أمانة.

إن التكنولوجيا تغيّر علاقة الإنسان مع الطبيعة لكن ليس مع الله والإنسان. كلّ مَن يفكّر خلاف ذلك يعطي قيمة للأشياء أكثر من الناس، وللتراب أكثر من الروح. إن أكثر المآسي رعباً في زماننا هي الحرب بين البشر والله. الله يريد أن يرفع ويعلّي هوية الإنسان فوق المادية البكماء التي لا حياة لها، بينما البشر يريدون أن يدفنوا هويتهم وينسوا خالقهم ويجعلوا التكنولوجيا والثروة المادية هدفَ حياتهم الوحيد. كثيرون من المعوقين روحياً وأخلاقياً بعدم إيمانهم بالمسيح يخلقون من التكنولوجيا الحديثة أصناماً يعبدونها ويدعون غيرهم والأمم لتقديم الضحايا لهذه الأصنام.

* قديس صربي عاش في النصف الأول من القرن العشرين وتوفي سنة 1956 أعلنت قداسته الكنيسة الصربية سنة 2003، يعيّد له في الخامس من أذار.

موهبة الطاعة

الأب أنطوان ملكي

هل الطاعة موهبة؟ إذا كانت موهبةً فما قيمة اتّخاذ الرهبان لها نذراً؟ وإذا كانت نذراً فهي خيار أو سلوك تحدده القوانين الرهبانية وتعاليم آباء البراري الذين تزخر توجيهاتهم بالحديث عنها. فهي مطلوبة من الراهب حتّى اندثار مشيئته، لأن في هذا الاندثار تخلٍ يعكس ملء الحرية. قمّة الحرية أن يتخلّى الإنسان عن حريته. لكن أين يكون هذا وضمن أي إطار؟ طبعاً هذا يكون في الشركة الرهبانية، في الدير، ولجماعة تخلّى كلّ منها عن حريته لإخوته في الجماعة، وكلّهم لرئيس تمرّس في هذا التخلّي وصار خبيراً في تظهير الحرية في الطاعة.

ففيما يعلّم التراث الرهباني عن الطاعة، وفيما تؤكّد خبرة الرهبنة أنّ لا بدّ من الطاعة للوصول إلى تحقيق المثال الرهباني، يتساءل المؤمن الذي يعيش خارج إطار الشركة الرهبانية عن حدود طاعته ولمَن يقدمها. بالعودة للكتاب المقدّس نرى الرسل يحددون أن جائزة مَن يطيع الله هو الروح القدس نفسه (أعمال 32:5)، والرسول بطرس يرى أن طاعة الإخوة دليل المحبة الطاهرة “طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ” (1بطرس 1: 22)، ويرى أن طاعة المسيح هي دليل على البنوّة له “كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بطرس 1: 14، 15). أمّا الرسول بولس فيعلّم أنّ الطاعة للمسيح هي دليل على الخيار الذي اتّخذه المؤمن بأن يكون مع البِر: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟” (رومية 6: 16)، “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2كورنثوس 10: 5).

لكن أين تأتي طاعة الرؤساء أو الآباء الروحيين في الكتاب المقدّس؟ يعلّم الرسول بولس: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ” (أفسس 6: 1). عن أيّ والدِين يحكي؟ يتّضح من الآيات 2:6-4 في الرسالة إلى أفسس أنّ المقصود هو الأهل بالمعنى التقليدي للكلمة، خاصةّ أن الآية 4 موجّهة إلى الأهل بالجسد:”«أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ»، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، «لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ». وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ.” وفي الرسالة إلى كولوسي أيضاً، الكلام نفسه: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّ هذَا مَرْضِيٌّ فِي الرَّبِّ” (كولوسي 3: 20) يتبعه وصية إلى الأهل “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (21:3)، ومن ثمّ إلى العبيد.

أليس من إشارة في الكتاب المقدّس يستند إليها المؤمن ليطيع الأب الروحي؟ أليس للعلاقات القائمة اليوم بين الآباء الروحيين وأبنائهم من غير الرهبان نموذج غير الرهبنة لتقوم عليه. الجواب موجود لدى الرسول بولس في تعليمه: “أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ” (عبرانيين 13: 17). فهو يطلب الخضوع وليس فقط الطاعة، وهذا ينطبق نحو الآباء الروحيين والرؤساء أيضاً، لكن طالما هم يسهرون لأجل نفوس المؤمنين. هل هذا يعني أن عند عدم اهتمام الرئيس بالنفوس يصبح عدم الطاعة ممكناً؟ في غياب ديناميكية حياة الجماعة الكنسية يصير الحكم بذلك صعباً والاحتكام إلى التقليد محفوفاً بالتعقيدات ما يفاقم الوضع القائم.

الوصايا الإنجيلية حول سماع كلمة الرب كثيرة، لكن كيف يعرف الإنسان أنه يطيع وصايا الله؟ الإيمان الأرثوذكسي هو إيمان اختباري “تعالَ وانظر”. من هنا وجب أن يحمل الأب الروحي أو الرئيس الروحي النموذج الذي يتبعه المؤمن فيحقق وصية الرسول بولس: “وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ. (فيليبي ٤: ٩). فالحكمة ينبغي أن تتوفّر لدى الطرفين، المرشِد والمرشَد لأن الموقف الأخير هو أنه “يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أعمال الرسل 5: 29).

أحدى مشكلات الكنيسة الأرثوذكسية اليوم هي في تطبيق مفهوم الطاعة، وقد عبّر عنه مطران جبل لبنان في مقدمة نشرة رعيتي في 24 شباط 2014: “الكلام على الطاعة، ولا سيّما طاعة الرؤساء في الجماعة، له، في زماننا، تفاسير عدّة. وهذه، بمعظمها، ترتدي ثوبًا فضفاضًا بإعلائها المراتب كما لو أنّ الكنيسة طبقات”. بالطبع هناك مشكلات كثيرة تعيق السلوك في “الحياة الروحية” التي ترضي المسيح، أهمّها محاولة نسخ النموذج الرهباني والسعي إلى تطبيقه في مجتمع يفتقد النموذج غير الرهباني ولا يشبه الأديار بشيء. أما ثاني المشكلات فهي مراهقة أغلبية مَن يدّعون الأبوة الروحية. لا يكفي أن يتسلّم الكاهن الحُجرَ من الأسقف حتى يصير أباً روحياً. ولا يكفي أن يعيّن المطران راهباً أو راهبة في رئاسة دير حديث المنشأ حتّى يصير هذا الراهب أو الراهبة أباً روحياً. الخبرة هنا ضرورية على قدر أهمية المحبة. لمَ يقبل الآباء الجسديون أن يحتملوا كلّ شيء من أولادهم فيما يرى الأسقف أو الكاهن أو الأب الروحي أن أولاده يجرحونه في عدم طاعته؟ أن تصير الطاعة هي المعيار الأول في ميزان علاقة الأسقف بأبرشيته أو الكاهن برعيته أو الأب الروحي بأبنائه دليل على نقص في النضج، وتشويه لحرية أبناء الله.

لماذا هذا الكلام؟ أهو للتحريض على عدم طاعة الآباء أو الرؤساء؟ بالطبع لا. الهدف الأساسي هو الإضاءة على أزمة نعاني منها في كنيستنا، ولا نجروء في أغلب الأوقات على إثارتها. لماذا ربط الطاعة بالمواهب؟ لأنّ في الكنيسة كلام كثير عن اكتشاف المواهب وتنميتها والاهتمام بالقدرات والخبرات وتفعيلها، لكن الوقت يثبت أن أولى المواهب المطلوبة هي الطاعة. فالتكريس هو الطاعة، والالتزام هو الطاعة، وحتّى العلم هو الطاعة. لهذا نتألّم إذ نرى الكثيرين من أبناء الكنيسة يبتعدون أو يبعَدون. ضروري لقيامة الكنيسة أن يفهم الجميع، من كل الرتب والمسؤوليات والمهمات والمواهب، ما يعلّمه القديس يوحنا الذهبي الفم في شرح كلام الرسول بولس حول المواهب وجسد الكنيسة في الإصحاح الثاني عشر من كورنثوس الأولى: “إن لم يوجد بينكم تنوّع عظيم لا يمكن أن تصيروا جسدًا. إن كنتم لستم جسدًا لا يمكن أن تتحدوا. إن كنتم لستم واحدًا فإنه لا يمكن أن تصيروا متساوين في الكرامة. لأنكم لم تنالوا نفس المواهب.. المشاركة العامة في كل شيء، الأمور الصالحة والمحزنة، هي الطريق الوحيد لبلوغ كمال الشركة”.

السنة العاشرة – العدد العاشر – تموز 2014  

مختارات آبائية

ما هي العدالة الإلهية وكيف تتحقق؟

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

البشر كمخلوقات ليتورجية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

عظة

ويصير كلّ شيء جديدًا

 الأرشمندريت توما بيطار

 لاهوت

 الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

أربعة أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

الميتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

حيث ينتهي العلم ويبدأ اللاهوت

روبرت جاسترو

تحديد القداسة: طريقة الكثلكة والمنهج الأرثوذكسي

د. ألكسندروس كيرو

حقوق الإنسان والفكر المسيحي

خريسوستوموس خاتزيلامبرو

عن الكاهن الصالح

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

البشر كمخلوقات ليتورجية

الأرشمندريت جورج كابسانيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

نحن عادةً نصف البشر بأنّهم مخلوقات عاقلة ومستقلّة. هذه صفات صحيحة لكنّها لا تنقل الطبيعة البشرية بكمالها. من خلال الخبرة الليتورجية، نحسّ بأن الناس هم مخلوقات ليتورجية أكثر من أي شيء آخر. لقد خُلِقوا ليخدموا ويقدّموا أنفسهم والعالم إلى الله بامتنان وتمجيد وعبادة، ليتّحدوا مع الله ويتقدّسوا ويعيشوا من خلال هذه التقدمة – التضحية – الخدمة المتواصلة.

العقلانية والاستقلالية وغيرها من الصفات أعطيَت لنا لهذا السبب، حتى نضع أنفسنا في هذه العلاقة الليتورجية مع الإله المثلّث الأقانيم. في هذا الصعود الليتورجي، يسلك الناس على أنهم في “الصورة” ويُرفعون إلى “المثال”. الحياة في الملكوت كانت ليتورجية إلهية. إلى جانب الملائكة، خَدَمَ آدم وحواء الثالوث القدوس. بالسقوط في مركزية الأنا خسرا إمكانية تقدمة ذواتهما والعالم إلى الله بطريقة إفخارستية وبالتالي المشاركة في الخدمة المشتركة في الفردوس. بنفيهما أنفسهما من ليتورجيا الفردوس، وجدا نفسيهم على الأرض من دون الوظيفة الليتورجية. كفّت “الصورة” عن العمل. بعض آثار وشرارات وظيفة ما قبل السقوط بقيت في داخلهم وهي حرّكتهما إلى بناء المعابد وتقديم الضحايا لله.

في أفضل الأحوال، هذه العبادة كانت شظايا، ظلاً أو نموذجاً. لم تحمل البشر إلى الشركة الكاملة مع الله والاتحاد به. لم تعطِنا الروح القدس. لم تخلّصنا من الموت. مع هذا، قد شجّعت فينا الرغبة بالليتورجيا المسيحانية الحقيقية. هذه الرغبة والرؤية مَنَحَتا الأمل للبشر الذين كانوا يقطنون في الظلمة وظلال الموت. لم تستطع محبة الآب السماوي أن تتركنا من دون خدمة ليتورجية. بتدبيره الإلهي، صار الكلمة جسداً. يسوع المسيح، الكاهن الأعظم، بدأ خدمة العهد الجديد المشتركة. لم يكن ممكناً تأسيس ليتورجية العهد الجديد إلا على يد المسيح، لأن المسيح وحده كان القادر على تقديم ذاته والعالم كلّه بشكل كامل إلى الإله المثلّث الأقانيم. لقد كان في العهد القديم أناس قدّموا ضحايا أيضاً، لكن لم يكن هناك قرابين. يسوع المسيح كان الضحية المُثلى وفي الوقت نفسه الشخص الأمثل لتقديم الضحية، الضحية التي لا عيب فيها، حمل الله الرافع خطية العالم.

البشر، والعالم أيضاً، من دون الليتورجيا، صاروا غير مقدسين وسقطوا تحت سلطة الشيطان والموت. بموته على الصليب وقيامته، افتدانا المسيح من هذه العبودية، حررنا ومنحنا فرصة الاشتراك في خدمة العهد الجديد المشتركة، أي أن نقدّم ذواتنا لله، لنشكر الله ونمجّده. بكوننا مقرَّبين ومقرِّبين كلّ شيء مع المسيح لله، نحن نخدم كبشر، أي على “صورة الله”. نصير بشراً حقيقيين.

ليتورجيا العهد الجديد تسمو كثيراً على الليتورجيا في الفردوس. فالآن الكاهن الأعلى هو ابن الله بذاته. والدة الإله والقديسون يشتركون ومعاً يمجدون الثالوث الكلي قدسه بأصوات لا تصمت وتماجيد لا تفتر. كلّ أرثوذكسي معمّد يموت ليعيش يشترك في هذه الخدمة المشتركة. في هذه الليتورجيا المشتركة يجد الناس طبيعتهم الحقيقية وراحتهم الفعلية، وشخصهم الحقيقي الذي على صورة الله. خارج هذه الليتورجيا المشتركة، يكون الناس كائنات عاقلة أو كائنات اقتصادية (Homo Sapiens or Homo Economicus) كما يراهما المجتمع الاشتراكي، لكنهم ليسوا حكّام الخليقة، ولا حتّى نقطة التماس بين العالم المخلوق والعالم غير المخلوق ولا هم على صورة الله.

ليتورجيا العهد الجديد الإلهية بدأت مع تجسد الكلمة وتستمر إلى المستقبل البعيد مع الكاهن الأعظم. كل قداس إلهي يُقام على الأرض هو اشتراك في الزمن في هذه الليتورجية الأبدية غير المحدودة بزمان. “مع هذه القوات المغبوطة، أيها السيد المحب البشر، نهتف أيضاً نحن الخطأة ونقول: قدوس أنت حقاً وكليً القداسة…” كل كاهن أو أسقف يقيم قداساً على مذبح أرضي “يمارس وظيفة المسيح الكهنوتية في الكنيسة” (قانون قرطاجة). ليس له كهنوت خاص به بل هو يشترك في كهنوت المسيح الوحيد. خطيئتنا العظمى اليوم هي أننا بلا دور ليتورجي. نحن لا نقدِّم ولا نُقَدَّم إلى الله وإلى إخوتنا البشر. في وقت ما كان وصف إنسان ما بأنه غير ليتورجي إهانة. أما اليوم فبسبب قلة إيماننا وقساوة قلوبنا صارت قلّة الإيمان صفة طبيعية بينما غير الطبيعي والعجيب هو أن يمارس الناس دوراً ليتورجياً.

حتّى عندما “يذهب” الناس إلى الكنيسة، من الصعب تبيان ما إذا كانوا يمارسون الليتورجيا، أي أنهم يشتركون في سرّ الإفخارستيا الكوني وسر الكنيسة، ما إذا كانوا يفهمون القداس الإلهي ليس كواجب ديني واجتماعي وحسب بل كتقدمة وضحية لله، بالمسيح. من الممكن لشخص ما أن يقيم القداس الإلهي ككاهن بينما في الجوهر هو خارج الليتورجيا لأنّه لا يقدّم نفسه وكلّ الأشياء لله. هؤلاء المسيحيون خارج الليتورجيا، كهنة وعلمانيون، لا يحيون من حيث المبدأ. بحسب الرؤيا “أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ” (1:3).

الناس الذين يقدّمون “التي لك مما لك، عن كل شيء ومن أجل كل شيء” يخدمون الله بحق وبفرح. إنهم أناس يعرفون أنّ كل ما لديهم هو منحة من الله. إنهم يؤمنون بأن لا شيء لهم من عندهم ليقدّموه، بل كل شيء هو من الله ومنه يأخذون ويقدّمون إليه، إلى جانب ذواتهم وعالمهم وعلاقتهم بالعالم. إنهم لا يحتفظون لأنفسهم بشيء عن أنانية، إنّما يقدّمون أنفسهم من دون تحفّظ، يعطون كلّ شيء لكي يأخذوا لا شيء، يموتون ليحيوا، ويمنحون كلّ شيء في المسيح ومن أجل المسيح، عن كل شيء (دائماً) ومن أجل كل شيء (من أجل هبة الله). هكذا حياة الناس، حتّى بعد القداس وخارج الكنيسة، تصير خدمة وتقدمة وعلاقة وتضحية وشركة وشكراً. تتحوّل الحياة بكليّتها إلى حياة إلهية إنسانية.

إن ليتورجيا الأحد ذات الساعتين تمتد إلى أربع وعشرين ساعة. كأرثوذكسيين، عندما نتحدّث عن الحياة الليتورجية، لا نعني تقدمتنا الليتورجية القصيرة في الكنيسة، بل حياتنا بالكامل، التي تبدأ بالنشاطات الليتورجية في الكنيسة وتصير ليتورجية واحدة وعبادة واحدة. المسيحيون الأرثوذكسيون ليسوا منفصمين. لا يحيون حياة ليتورجية في الكنيسة وأخرى غير ليتورجية في الخارج. إنهم يقضون في الكنيسة ما استطاعوا من الزمن (في القداديس والخِدَم) حتى يصيروا قادرين على العيش خارج الكنيسة بطريقة أقرب ما تكون إلى الروح، إلى جو القداس الإلهي وخلقيته. من خلال العبادة في الكنيسة، تترسّخ الحياة الإلهية الإنسانية فيهم وتصير قادرة على تغيير كل أوجه حياتهم اليومية.

إذاً، إذ تتغلغل الحياة الليتورجية في المسيحيين، يسلكون في وحدة الإيمان والحياة، الإلهي والبشري، المخلوق وغير المخلوق، الحي والراقد، الحاضر والمستقبل، شخصهم والآخرين.  هذه الوحدة يختبرها الشعب الأرثوذكسي طالما تكون حياته كنسية. ما زال يوجد إلى اليوم شعب تقليدي أرثوذكسي وجماعات تسلك في هذه الوحدة. مركز كلّ الحياة في التجمّعات الأرثوذكسية التقليدية (قرى وأحياء) كان الكنيسة الرعية، على غرار ما هي الكاثوليكو (الكنيسة الرئيسية) في الأديار. الولادة، الموت، العمادة، الزواج، المدرسة، العمل، العلاقات الاجتماعية، الأفراح والأحزان وكل تعابير الحياة الاجتماعية كانت مرتبطة بالليتورجية والكنيسة. في النهاية، هذه تصير الكنيسة. أعمال الحياة اليومية تجد وحدتها وترتيب أسبقيتها ضمن القداس الإلهي.  بقدر ما يبعِد الشعب الأرثوذكسي نفسه عن أصوله الأرثوذكسية وعن تقليده الإلهي الإنساني المحيي، يضعف الارتباط العضوي بين الأعمال المختلفة والليتورجية الإلهية، لهذا يكفّ الشعب عن العمل بنحو لائق، أي أنهم يفشلون في توحيد الناس أو مساعدتهم على العيش كصُوَرٍ لله.

إن الأعمال المتنوّعة خارج الليتورجيا المقدّسة تفكّك الشخص البشري. هذا واضح في وظيفة الحياة الأساسية أي الإنجاب. ضمن الليتورجية المقدّسة والكنيسة تتحوّل هذه الوظيفة الجوهرية وتُبارَك بالنعمة وتساهم نحو ملء الشخص البشري. خارج الكنيسة، تصير هذه الوظيفة أَمَةً للأنانية، إلغاءً للشخصية وعذاباً. يتمرمر الناس اليوم من هذه الخبرة.

الأديار الأرثوذكسية المشتَرَكة هي نماذج لكيفية عمل الشعب والجماعات. المركز هو الكنيسة الرئيسية. كل المباني والقلالي منظمة حول الكنيسة. نقطة البداية في الحياة المشتركة هي الاحتفال اليومي بالقداس الإلهي. الهدف هو عبادة الله وتقديم كلّ الحياة للمسيح. هكذا تكون الحياة مشتركةً، الإيمان والمحبة كونيَّين، يُغلَب الموت وكلّ شيء يصير جديداً ويُعطى دورٌ مختلف في تكيّف غريب ومناسب جداً. عندما تترسّخ في الأرثوذكسيين روح الشركة الرهبانية الليتورجية، التي هي روح الأرثوذكسية الليتورجية، يُحفَظون من النزعة الباطلة نحو الدهرية. بالجوهر، الدهرية هي مسعى لتنظيم الحياة خارج الليتورجيا والكنيسة.

لا يستطيع الأرثوذكسيون إلا أن يعيشوا ليتورجياً. القداس الإلهي والعبادة ليسا “مناسبات” ولا مجرّد جزء من برنامجهم، بل هما بالمقابل الطلقة المطعِّمة حياتهم التي تحوّلهم، المركز، الأساس، البداية والنهاية. فقط من خلال “التي لك مما لك” في القداس الإلهي يصير الناس ذواتهم، أي صوراً لله.

* كلمة ليتورجيا في اليونانية متعددة المعاني فهي تعني القداس، الخدمة، الكهنوت والوظيفة.

حيث ينتهي العلم ويبدأ اللاهوت*

روبرت جاسترو**

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

يوجد اليوم ثلاث خطوط من البراهين: حركات الكواكب وقوانين الديناميكا الحرارية (thermodynamics) وقصة حياة النجوم. هذه كلّها تشير إلى نتيجة واحدة، وكلها تعبّر عن أنّ للكون بداية. قلّة من العلماء يسلّمون ويتجرؤون على السؤال: “ماذا أتى قبل البداية؟” آدموند وايتاكر، عالم فيزياء بريطاني، كتب كتاباً عن الدين وعلم الفلك الحديث عنوانه “بداية العالم ونهايته” وفيه قال: “ما من أساس للافتراض بأن المادة والطاقة تواجدتا قبلاً وأنهما فجأة دُفعَتا إلى العمل. إذ ما الذي يميّز تلك اللحظة عن كل اللحظات الأخرى في الأزلية؟” يستنتج وايتاكر: “إن التسليم بأنّ الخلق كان من العدم هو أكثر بساطة: الإرادة الإلهية تكوّن الطبيعة من اللاشيء”.  آخرون كانوا أكثر جرأة وسألوا: “مَن كان المحرّك الرئيسي؟” المنظّر البريطاني آدوارد ميلن كتب مقالة في الرياضيات حول النسبية اختتمها بقوله: “في ما يتعلّق بالسبب الأول للكون، في إطار التوسّع، الأمر متروك للقارئ ليضيف، لكن صورتنا غير مكتملة من دونه (الهاء هنا تعود إلى الله without Him – المترجم)”.

لكن آراء الكثيرين من علماء الفيزياء والفلك هي أكثر قرباً إلى موقف أوغسطين الذي سأل نفسه عمّا كان الله يفعله قبل خلقه السماء والأرض، وأجاب “كان يخلق الجحيم للبشر الذين يسألون أسئلة من هذا النوع”. بالحقيقة، بعض العلماء أصحاب الشهرة بدؤوا يشعرون بالضيق من الكون المتمدد الذي عبّر عنه أنشتاين سابقاً. كتب آدينغتون في 1931: “أنا لا أجد هدفاً شخصياً أسعى إلى تحقيقه في هذا النقاش”، لكن “فكرة وجود بداية ما مكروهة عندي… أنا ببساطة لا أؤمن بأن نظام الأمور الحالي بدأ بضربة مفاجئة… الكون المتمدد منافٍ للعقل… غير معقول… إنه يبثّ فيّ البرد”. كتب عالم الكيمياء الألماني والتر نيرنست: “إنكار عدم محدودية الزمن هو خيانة لأسس العلم”. لاحقاً، فيليب موريسون من معهد ماساتشوستس للنكنولوجيا (MIT) قال في أحد أفلام BBC  حول علم الكونيات: “أجد صعوبة في قبول نظرية البيغ بانغ؛ أميل إلى رفضها”. ألن سانداج، من مرصد بالومار، وهو الذي برهن انتظام امتداد الكون إلى نحو عشرة بلايين سنة ضوئية قال: “إنه لاستنتاج غريب… لا يمكن أن يكون صحيحاً”. هناك حلقة غريبة من الشعور والعاطفة في هذه التفاعلات. إنها تأتي من القلب بينما يُتوقَّع أن تكون الأحكام من الدماغ. لماذا؟

أظنّ أنّ جزءاً من الجواب هو أنّ العلماء لا يتحمّلون فكرة وجود ظاهرة طبيعية لا يستطيعون تفسيرها، حتى في فترة غير محددة وبتمويل غير محدود. هناك نوع من الدين في العلم؛ إنه دين شخص يؤمن بوجود نظام وتناغم في الكون، وكل حَدَث يمكن شرحه بطريقة عقلانية على أنه نتاج بعض الأحداث السابقة؛ كل نتيجة يجب وجود سبب لها؛ لا مكان لسبب أوّل. كتب أنشتاين: “العالم مسكون بحس السببية الشاملة”. هذا الإيمان الديني لدى العالم ينتهكه اكتشاف وجود بداية للعالم بشروط لا تسري عليها قوانين الفيزياء المعروفة، وكنتيجة لقوى أو أسباب لا يمكننا اكتشافها. عندما يحدث ذلك يفقد العالم السيطرة. إذا تفحّص الآثار تصيبه الصدمة. كالعادة، تحت الصدمة، ردة فعل العقل هي تجاهل الآثار، هذا ما يُسمّى في العلم رفض التكهّن، أو تتفيه أصل العالم بتسميته بيغ بانغ وكأن الكون كان مفرقعة نارية.

فلننظر في ضخامة المشكلة. لقد برهن العلم أن العالم انفجر في لحظة ما. السؤال هو ما السبب الذي أدّى إلى هذه النتيجة؟ مَن أو ما الذي بثّ المادة والطاقة في الكون؟ هل خُلِق الكون من اللاشيء أو تمّ تجميعه من مواد سابقة؟ لا يستطيع العلم الإجابة على هذه الأسئلة لأنّه، بحسب علماء الفلك، في لحظات وجود الكون الأولى كان الكون مضغوطاً إلى درجة غير عادية، ومستهلَكاً من حرارة نار تفوق الخيال البشري. في تلك اللحظة، المفروض أنّ الصدمة أبادت كل جسيمات الأدلة التي يمكن أن تسفِر عن فكرةٍ ما توضح سبب الانفجار العظيم. إن عالماً كاملاً غنياً بالبنية والتاريخ ربّما كان موجوداً قبل أن يظهر كوننا؛ ولكن إذا وُجِد لا يستطيع العلم أن يخبّر أيّ نوع من العوالم كان. قد يوجَد تفسير متين لولادة كوننا من انفجار لكن العلم لا يستطيع تحديد هذا التفسير، إن وُجِد. إن سعي العلماء نحو الماضي ينتهي في لحظة الخلق. هذا تطور غريب للغاية، لا يتوقعه أحد، إلا اللاهوتيين الذين يقبلون دائماً كلمة الإنجيل: “في البدء خلق الله السماء والأرض”، ما أضاف إليه القديس أوغسطين: “مَن يستطيع فهمَ هذا السر أو شرحه للآخرين؟” هذا غير مُتوَقَع. لقد نجح العلم استثنائياً في تعقب سلسلة السبب والنتيجة ارتجاعياً في الزمن، فكان بمقدورنا ربط ظهور الإنسان على هذا الكوكب بعبور عتبة الحياة، وتصنيع المكونات الكيميائية للحياة في نجوم انقضت منذ فترة طويلة، وتشكّل تلك النجوم من السحب البدائية، وتوسع سحابة الغازات الأم وتبريدها من كرة النار الكونية. الآن، نود أن نتابع هذا التحقيق بالعودة في الزمن إلى أبعد من ذلك، ولكن العائق أمام المزيد من التقدم يبدو مستحيلاً. لا يتعلّق الأمر بسنة أخرى من العمل أو بعشر سنوات، ولا بنظام مقاييس آخر أو نظرية أخرى. في هذه اللحظة، يبدو وكأنّ العلم لن يكون قادراً على رفع الستار عن سر الخلق. بالنسبة للعالِم الذي عاش إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة وكأنها حلم مزعج. لقد تسلّق جبال الجهل وهو على وشك أن يغزو أعلى قمة؛ وفيما يسحب نفسه على الصخرة الأخيرة، تستقبله جماعة من اللاهوتيين الذين كان يجلسون هناك لعدة قرون.

 

* Robert Jastrow, God and the Astronomers, Chapter 6: “The Religion of Science”

** روبرت جاسترو (1925 – 2008) هو عالم فلك أميركي، عالم فيزياء ودارس في الكونيات (cosmologist). كان من علماء الناسا (وكالة الفضاء الأميركية) المميزين، كاتباً شعبوياً ودارساً للمستقبل (futurist). لقد عبّر عن آراء مهمّة حول الخلق. فهو مع كونه “لاأدري وغير مؤمن”، لكنّه كان يرى أنّ “الستار المطروح على سرّ الخلق لن يرفعه الجهد البشري، أقلّه في المستقبل المنظور” بسبب “نتائج البيغ بانغ التي هي محرقة أتلفَت كلّ مدوّنات الماضي”. في مقابلة مع المسيحية اليوم (Christianity Today)، قال جاسترو “يجد علماء الفلك اليوم أنّهم لوّنوا أنفسهم في زاوية لأنّهم أثبتوا، من خلال أساليب خاصة بهم، أن الكون بدأ فجأة من فعل خلقٍ يمكن أن نردّ إليه بذار كل نجمة وكل كوكب وكل كائن حيّ في هذا الكون وعلى هذه الأرض. وقد وجدوا أنّ كل هذا تمّ كنتاج لقوى لا يتمنون أن يكتشفوها. ما أسميه أنا أو أيُّ شخص آخر وجودَ قوى فائقة الطبيعة تعمل، هو الآن على ما أرى حقيقة مبرهنة علمياً.”

اقتباس آخر من روبرت جاسترو: ” ليس لدى العلماء دليل على أن الحياة لم تكن نتيجة لفعل الخلق، ولكنّهم مُحرَّكون بطبيعة مهنتهم للسعي إلى تفسيرات لأصل الحياة تقع داخل حدود القانون الطبيعي” (The Enchanted Loom: Mind in the Universe, (1981), p. 19.).

 

الأرثوذكسية: نظرية أم علاج؟

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

علم اللاهوت الأرثوذكسي هو صوت وكلمة الكنيسة الأرثوذكسية. ليس علم اللاهوت الأرثوذكسي ولا الكنيسة الأرثوذكسية نظريات، ولكنهما وسائط للشفاء. بمعنى أن الكنيسة هي مستشفى روحي، وعلم اللاهوت الأرثوذكسي، الذي هو الإعلان عن الله ومعرفته، يعرف كيف يشفي الناس.

1- ما هي الأرثوذكسية؟

لكلمة أرثوذكسيةمعنيان: العقيدة المستقيمة عن الله وكل الحقائق الخاصة بالإنسان وخلاصه، والتسبيح المستقيم لله الثالوث القدوس. هذان المعنيان مرتبطان ببعضهما البعض بشدة. فلكي نستطيع أن ننشد تسابيح الرب ينبغي علينا أن نعرف من هو الله. فمثلاً لو كان لدينا انطباعاً أن الله ليس مثلث الأقانيم ولكنه فكرة مجردة أو قوة خفية تحكم كل شيء، لكنا عندئذ نقدم العبادة لهذا الإله المجرّد. وحيث أن هذا الإله المجرد غير موجود في الواقع، تكون عبادته أيضاً تجريدية وغير شخصية. يقر القديس يوحنا الدمشقي في إحدى عظاته عن التجلي حقيقة أن الأرثوذكسيين هم فقط الذين يحتفلون بالأعياد ويحافظون عليها، لأن الأعياد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة الحقيقية. “من لديه الأعياد والاحتفالات؟ من لديه البهجة والتهليل سوى أولئك الذين يخافون الرب ويعبدون الثالوث؟“. يستطرد القديس مؤكداً: “إن كل السعادة البهيجة والفرح هما لنا (كمسيحيين أرثوذكسيين). لقد صنع الله الأعياد من أجلنا، فهي ليست من أجل أن يتمتع بها غير المؤمنين“. ينتمي فرح وبهجة الأعياد للمسيحيين، الذين هم مؤمنون بحق، وليس لغير المؤمنين.

حيث أن عبادة الله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة عن الله، بذل الآباء القديسون مجهوداً كبيراً لكي يحافظوا على الإيمان. عندما يشوَه الإيمان، يشوَه الخلاص أيضاً. عندما يفسد الإيمان، تفسد أيضاً المحبة والرجاء وكل الفضائل الإنجيلية الأخرى. يرى القديس مكسيموس المعترف أن الإيمان بالمسيح يولد المخافة، والمخافة تولد ضبط النفس، وضبط النفس الكامل يؤدي إلى الفضائل مثل الرجاء والصبر والاحتمال. يولد الرجاء بالرب اللاهوى، ومن اللاهوى يولد الحب. من الواضح من ذلك أنه عندما يتأثر الإيمان تتأثر على الفور باقي الفضائل أيضاً، وعندئذ يصبح الإنسان غير قادر على اكتساب اللاهوى الحقيقي والحب الأصيل. يحث القديس مكسيموس قائلاً: “فلنحفظ العلاج الأول الأعظم لخلاصنا الذي هو ميراث الإيمان الصالح“. الذي لديه إيمان مطلق بالمسيح يمتلك مجموع كل مواهب النعمة الإلهيةكما يقول القديس مكسيموس. بالطبع ليس أن يكون المرء أرثوذكسياً تقياً مؤمناً هو مجرد كلمات، ولكنه طريقة حياة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي:”لا تكمن تقوانا في كلماتنا ولكن في أعمالنا“. يعطينا الثبات في الإيمان الأرثوذكسي إمكانية الخلاص.

بمعنى أشمل، نستطيع أن نقول أن وصايا المسيح تظهر لنا طريق الحياة الطبيعي الكامل. عندما يصف الطبيب العلاج يكون في ذهنه تصوراً عن شخص سليم تماماً ويهدف إلى قيادة الشخص لهذه الحالة، هكذا أيضاً تعمل وصايا المسيح بنفس الطريقة. يرينا الإيمان الأرثوذكسي المنهج، منهج الشفاء، بحيث نصل إلى الصحة الروحية ونعبد الله بحق. عندما يشوه الإيمان، تشوه أيضاً وسائط وطرق العلاج. نستطيع ملاحظة ذلك في الطوائف المسيحية الأخرى وفي الديانات الأخرى.

يكمن الفرق الرئيسي بين الأرثوذكسية والطوائف والديانات الأخرى في كيفية شفاء الناس. لدى الأرثوذكسية نظام علاجي متكامل. فهي تدرك حالة الشخص الصحية، وترى جراحاته بوضوح وتوصي بالطريقة المثلى للعلاج. عندما يتغير الإيمان، يتغير أيضاً العلاج المقدم للناس. ولأنهم لا يستطيعون أن يحصلوا على الشفاء فإنهم لا يقدرون على الدخول في علاقة حقيقية مع الله وفي شركة معه.

2- الآباء القديسون

يشير الآباء القديسون إلى هذا النظام العلاجي ويصفونه. لقد جاهدوا للحفاظ على الإيمان لكي يحافظوا على منهج العلاج هذا، الذي هو المنهج الذي يحقق به الإنسان الشركة مع الله. وفي رأيي الشخصي، تكمن هنا القيمة الحقيقية للأدب الآبائي.

كان الشعار السائد من عدة سنوات مضت هو عودة إلى الآباء!”. لأننا فشلنا بمنطقنا البشري الخاص، أدركنا أنه ينبغي علينا أن نعود للآباء القديسين. إلا أنه مؤخراً وجدت تحفظات على هذا التوجه بحجة أنه قد يمثل نوعاً من العودة للماضي، وهكذا تم وضع شعار آخر وهو: “إلى الأمام مع الآباء!”. مع ذلك، حتى هذا الشعار لا ينقل بصورة مطلقة حقيقة الكنيسة. شعار عودة إلى الآباءغير صحيح لأن الآباء هم أبناء الكنيسة الذين وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله، وبالتالي كانوا قادرين على تجسيد خبرة الكنيسة. تلد الكنيسة الآباء وتجعلهم على ما هم عليه؛ وليس الآباء هم الذين يصنعون الكنيسة. يوجد أناس اليوم وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله ويستطيعون التكلم عن مسائل تخص معاصرينا. كل حقبة آبائية هي حقبة للكنيسة؛ أو بتعبير أدق، هي تمثل حياة الكنيسة. أما بالنسبة لشعار:”إلى الأمام مع الآباء!” فهو ربما يشير لكبرياء الإنسان وخطورة تفسير الآباء بواسطة معلقين ضالين يختزلون لاهوت الآباء وحياتهم إلى تأمل عقلي وارتجال. خطة العمل السليمة هي طاعة الآباء المتحدين بالله العائشين اليوم، الذين هم حاملون حقيقيون لحقيقة الإعلان المحفوظ في الكنيسة.

مع الأسف، نشهد في هذه الأيام تحول الأرثوذكسية إلى نظريات. فالحقائق الهامة عن الحياة تحولت إلى مجرد أفكار بين أفكار أخرى كثيرة، وتُقَدَم المسيحية كفشل غير فعال وضعيف جداً لكي يستجيب لمتطلبات عصرنا. يمقت العامة من الأرثوذكس، الذين يتلقون الأمور بطريقة أرثوذكسية، هذه المحاولة لاختزال الأرثوذكسية إلى نظريات غير مرتبطة بالحياة.

لا يرى العديد من الناس الآباء كأناس أحياء ولكن كمعروضات في متحف، لدرجة أنهم يدرسون الآباء ويقتربون منهم بطريقة عاطفية أو عقلية. حتى أولئك الذين لهم ذهن وطريقة حياة غربية مازالوا يدرسون الآباء. إلا أنه كما أكد المسيح: “لا يجعلون خمراً جديدة في زقاق عتيقة بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة“(مت17:9). ينبغي على طريقة تفكير المرء أن تتغير تماماً لو أراد أن يتذوق خمر المسيحية الجديد. هذا التغيير يسمى توبة. لا يستطيع من له ذهن منطقي أو توجه عاطفي، الذي أعماله غير أرثوذكسية، أو ممارساته مضادة للكنيسة أن يحصل على روحالآباء القديسين. تطهرنا التوبة العميقة غير السطحية من كل شيء عتيق، وتنقذنا من فساد الحياة الساقطة، ومن كل ضلالات الإنسانية الساقطة.

ينبغي علينا أن ننظر للكتابات الآبائية وللعهد الجديد على أنها نصوص علاجية تشفي الناس. ولكن لننظر لها أيضاً على أنها ثمرة للشفاء، وليس كفرصة لإعطاء انطباع لاستثمار أحدث صيحة وتوجه. سوف يجعلنا تحولنا داخل الكنيسة الأرثوذكسية أرثوذكسيين في كل من الإيمان والحياة. إنه سوف يشفينا بحيث نصبح قادرين على تقديم عبادة حقيقية لله.

السنة العاشرة – العدد التاسع – حزيران 2014

مختارات آبائية

الاتضاع والهيئة المتواضعة

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

حول قراءة الأعمال الروحية

أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

عظة

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

الشهادة للملكوت في عصرنا الرقمي

أندرو بويد

حوار الروح والخطيئة

الخورية سميرة عوض ملكي

رعائيات

رسالة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم بمناسبة افتتاح المونديال

لاهوت

التفسير الليتورجي ومعنى الكتب المقدسة

غاب مارتيني

مسكونيات

رسالة رعائية حول اللقاء الأخير بين البطريرك المسكوني والبابا في أورشليم

نيقولاوس ميتروبوليت ميسوغيا ولافريوتيكي

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في الإنجيل الّذي تُلي على مسامعكم، الرّبّ يسوع يتكلّم على محبّة كلّ واحد منّا لأبيه وأمّه، أو لابنه وابنته؛ ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له هو. حين يقول الرّبّ يسوع: “إن كان أحد يحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني؛ فهو لا يطالبنا بأن نحبّه أكثر، حرفيًّا، من آبائنا وأمّهاتنا، أو أكثر من أبنائنا وبناتنا. محبّتنا، في الحقيقة، للرّبّ يسوع ليست، أبدًا، كمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. بشريًّا، يمكن الإنسان أن يحبّ أكثر أو أقلّ. أمّا في العلاقة مع الله، فالمحبّة تكون كاملة كلّيّة. لذلك قيل: “أَحـِبَّ الرّبَّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك” (مر12: 30).

إذًا، هذه الكلّيّة أساسيّة جدًّا، في تعاطي المحبّة مع الله. إن لم نتعاطَ المحبّة مع الله بهذه الطّريقة، فلا يمكننا أن نتعاطى المحبّة الحقّ في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر. من دون الله، مستحيل على الإنسان أن يذوق المحبّة الحقّ! ما نسمّيه نحن محبّة، فيما بيننا، من دون الله، هو، في الحقيقة، محبّة للذّات في الآخرين؛ هو محبّة مُشبَعَة بالقـِنية! نحبّ الآخرين، لأنّنا نحبّ أنفسنا فيهم! نحبّ الآخرين، لأنّهم لنا! نعتبرهم مِلكًا لنا! نحبّ الآخرين، لأنّهم يشبهوننا! نحبّ الآخرين، لأنّهم على صورتنا، أو لأنّنا نريد أن يكونوا ما نحن عليه! في العمق، الإنسان، من دون الله، يحبّ نفسه في الآخرين؛ ولا يحبّ الآخرين لذواتهم! لهذا السّبب، المحبّة لا تبدأ أفقيًّا بين إنسان وإنسان. المحبّة، في الحقيقة، تبدأ عموديًّا بين الإنسان وربّه؛ ومن ثمّ، تنزل، بالله، إلى الآخرين. إذًا، كما هو التّعبير المستعمَل في كنيستنا، نحن نحبّ الآخرين في المسيح. نعبر، أوّلاً، بالمسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ يسوع المسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ الإله! وفي الله، في الرّبّ يسوع المسيح، يصير بإمكاننا أن يحبّ أحدُنا الآخر. إذا استغنى الإنسان عن محبّة الله، فإنّه يظنّ، متوهِّمًا، أنّ بإمكانه أن يحبّ الآخرين. لكن، لو انتبهنا للطّريقة الّتي نتعاطى بها مع الآخرين، لاكـْتَشفنا أنّنا نطلب، دائمًا، ما لأنفسنا في بعضنا بعضًا. محبّتنا محبّة قِنـْيَوِيَّة، نابعة من رغبتنا في أن يكون الآخرون لنا! إذا كان هذا الأمر واضحًا لنا، في أعماق نفوسنا؛ وإذا كنّا لنطلب المحبّة الحقيقيّة بمحبّة الله أوّلاً؛ فهذا سوف يكون مُكلِّفًا جدًّا.

لهذا السّبب، بعد أن يتكلّم الرّبّ يسوع على محبّة الأب والأمّ، ومحبّة الأمّ والبنت، ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له؛ يتكلّم على الصّليب: “مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقّني“! لماذا، يا ترى، يتكلّم، هنا، على الصّليب؟! هذا لأنّ المحبّة الحقّ هي صليب، بكلّ معنى الكلمة! مَن طلب أن يحبّ بالرّوح والحقّ، كان عليه أن يبذل نفسه من أجل مَن يحبّ؛ وكان عليه أن يترك للآخرين أن يحبّوه، أو ألاّ يحبّوه! عليه أن يعطيهم حرّيّتهم، بكلّ معنى الكلمة. هذا ما فعله الرّبّ الإله، منذ البدء. الرّبّ الإله ولدنا من كونه محبّة. لكنّه لم يفرض ذاته علينا في شيء، على الإطلاق. كان، دائمًا، يشير إلى ما هو موافق لنا، وإلى ما ليس موافقًا لنا. لكنّه ترك لنا حرّيّة مبادلته المحبّة بمحبّة، أو أن ندير ظهورنا، وأن نذهب عنه. لو لم يسمح لنا الرّبّ الإله بالخطيئة، لَما كنّا خطـِئنا. وهو سمح لنا بالخطيئة احترامًا لحرّيّتنا؛ لأنّ المحبّة من دون حرّيّة لا قيمة لها، على الإطلاق. الإنسان المُجبَر على محبّة الآخرين يحبّهم في الظّاهر، ولا يحبّهم من أعماق قلبه. لكي يحبّهم من أعماق قلبه، عليه أن يتّخذ القرار الكبير، في حياته، وهو أن يخرج من ذاتيّته باتّجاههم، ليبادلوه هم محبّتَه بمحبّة. هذا رهن بي أنا! ما دام الله محبّة، وما دام الرّبّ الإله خلقني على صورته ومثاله؛ فالرّبّ الإله، بمعنًى من المعاني، جعلني في مستواه! طبعًا، أنا لا أستحقّ ذلك، لأنّي تراب ورماد، والرّبّ الإله هو الإله الأزليّ والأبديّ. ومع ذلك، المحبّة الحقّ هي، دائمًا، محبّة متواضعة. الرّبّ الإله تنازل من عليائه؛ وارتضى أن يخلق كائنًا، هو الإنسان؛ وأن يجعل نفسه وكأنّه يمتدّ إلى الإنسان؛ ويشتاق إلى أن يبادله الإنسانُ، بملء حرّيّته، المحبّةَ بمحبّة. بكلام آخر، الحرّيّة نفسها، الّتي نفحنا إيّاها الرّبّ الإله، جعلتنا في مستوى الله؛ وجعلتنا، بمعنًى من المعاني، في موقع الألوهة! طبعًا، هذا أمر ليس بإمكان أحد أن يستوعبه، بكلّ معنى الكلمة. الإنسان الكبيرُ، الّذي يجعل الصّغيرَ في مستواه، هو، في الحقيقة، لا فقط، يتنازل من كـِبَرِه ليتساوى وصـِغـَر الصّغير؛ بل، أيضًا، يرفع الصّغير ليجعله في كـِبَرِ ذاته، وهو الكبير! الأمر يسير في الاتّجاهَيْن: الله يتواضع بإزاء الإنسان؛ لكي يرفع الإنسانَ، ويجعله بإزائه! وهذه عظمة الله، وعطيّته، الّتي تفوق كلّ تصوّر. طبعًا، هذا ليس كلامًا؛ لأنّ الرّبّ الإله، منذ البدء، أراد أن يكون النّاس آلهة، وهذا ورد في النّصّ الكتابيّ: “أنا قلتُ إنّكم آلهة” (مز61: 6؛ يو10: 34). و هذا الكلام لم يكن كلامًا مجازيًّا، بل كان كلامًا روحيًّا، واقعيًّا جدًّا، نابعًا من قلب الله، ونابعًا من محبّة الله، الّتي لا يُسبَر غورُها. لكن، بإزاء هذا الدّعاء، إلى أن يتعاطى الإنسانُ محبّةَ الله بمحبّة؛ كان على الإنسان أن يتمثّل بالرّبّ الإله. إذا كانت المحبّة، عند الله، قرينةَ الاتّضاع؛ فهذا معناه أنّ علينا، لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة، أن نبلغ مستوى تواضع الله. بالتّواضع نبلغ المحبّة الكبرى. ومن هنا الحديث عن الصّليب، لأنّ الصّليب هو علامة الاتّضاع الأكبر، بامتياز، في حياة الإنسان. والرّبّ الإله، في الحقيقة، بتجسّده، وبقبوله أن يُسمَّر على الصّليب، وأن يموت كإنسان؛ أعطانا المثال الّذي نحتاج إلى الاقتداء به، وشقّ لنا الطّريق الّذي علينا أن نسلكه لكي نلتمس وجه الله، أي لندخل في عشرة الله، أي لندخل في تحاببٍ مع الله. ومن هنا دعوة الرّبِّ يسوع تلاميذَه: “مَن أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، كلّ يوم، ويأتي ورائي” (لو9: 23).

إذًا، هناك عمليّة تمثُّل بالرّبّ يسوع، في حَمْلِ الصّليب. وحَمْلُ الصّليب لا يعني، فقط، أن يحمل الإنسان صليبَ المشاقّ، الّتي يمكن أن يتعرّض لها، في الحياة. هذه ليست في مستوى الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع. الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع هو، بالضّبط، صليب المحبّة. حين سُمِّر الرّبّ يسوع على الصّليب، وأسلم الرّوح، أيّة علامة كانت المميَّزَة؟! في إقامة الرّبّ يسوع المسيح على الصّليب، كانت هناك قولةٌ معبِّرَة جدًّا، هي في أساس معنى الصّليب الّذي يتحدّث عنه، هنا. حين قال الرّبّ يسوع للآب السّماويّ: “في يديك أستودع روحي” (لو23: 46)، عبّر عن أنّه اقتبل الصّليب إلى المنتهى! هذا منتهى الصّليب! “في يديك أستودع روحي“! في الحقيقة، الصّليب هو علامة الإيمان الحيّ الحقيقيّ. الإيمان هو التّسليم الكامل إلى الله: أن يُسلم الإنسانُ نفسه وحياته وكلّ ما له إلى الله! أن يجعل نفسه بين يدي الله الحيّ، دونما شروط! من هنا، إنّ الرّبّ يسوع، إذ كان يطلب أن نؤمن به؛ كان يطلب، في الحقيقة، أن نُسلم ذواتنا إليه؛ ومن ثمّ، أن ندخل معه في علاقة حبّ حقيقيّة. من دون هذا التّسليم، من دون بذل الذّات للآخر وفي الآخر، لا تكون محبّة، ولا يكون صليب، ولا يكون إيمان!

لهذا السّبب، يا إخوة، الإيمان ليس قضيّة فكريّة، ليس قضيّة عقليّة، ليس مسألة اقتناع! هذا إيمان في مستوى بشريّ، في مستوى أفقيّ. المطلوب أن يكون سعينا إلى الإيمان هو سعي في مستوى الكيان، أن نجعل كياننا بين يدي الله الحيّ. نحن خـُلقنا، أساسًا، من العدم! هنا، الصّليب يعطينا الفرصة أن نمثّل كونَنا جئنا من العدم؛ ومن ثمّ، يجعلنا نسلك وكأنّنا لسنا بموجودين، لأنّنا جئنا من العدم. إذ نفعل ذلك، إذ نُسلم أنفسنا إلى الله؛ نخرج، عمليًّا، من عدميّتنا؛ لأنّنا، في الأساس، قد جئنا من العدم. لكن، في هذا الخروج، الطّوعيّ الإراديّ، من عدميّة الذّات، يلقى الإنسان نفسه في الوجود؛ إنّما في الوجود كما شاءه الرّبّ الإله أن يكون. الرّبّ، في وقت من الأوقات، حين لم نكن موجودين؛ قال كلمة، في الحقيقة؛ وبالكلمة الّتي قالها، خرجنا من العدم إلى الوجود. هنا، بالصّليب، بالإيمان، يجعل الإنسان نفسه وكأنّه في العدم؛ لأنّه، في الحقيقة، قد أتى من هناك، ويُلقي بنفسه بين يدي الله الحيّ. والرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه، لا فقط حياةً كالحياة الّتي نحياها على الأرض؛ بل أيضًا، يعطيه أن يصير إلهًا! يعطيه حياة أبديّة!

إذًا، الحياة الأبديّة ليست، أبدًا، رهنًا بمشيئة الله. طبعًا، الرّبّ الإله يريدنا جميعًا أن نصير آلهة، أبناء له، آلهة بالتّبنّي. لكنّ هذا رهن بإرادة كلّ واحد منّا، بإيمان كلّ واحد منّا، باتّخاذ كلّ واحد منّا صليبه، بإلقاء كلّ واحد منّا نفسَه بين يدي الله الحيّ. فإن أدركنا هذا الأمر، وإن تعاطيناه؛ أمكننا، مذ ذاك، أن نمتلئ من محبّة الله. وإذ نمتلئ من محبّة الله، يصير بإمكاننا أن يحبّ بعضنا بعضًا محبّةً حقّانيّة، على صورة محبّة الله، محبّةً لا قنية فيها، محبّةً لا تطلب ما لنفسها، كما سبق للرّسول بولس أن ذكر: “المحبّة لا تطلب ما لنفسها، على الإطلاق (1كور13: 5)! المحبّة تعطي بلا حساب، ولا تطلب لنفسها شيئًا البتّة. بهذا تستقيم أمورنا فيما بيننا؛ وبذلك، أيضًا، نجدُنا، نحن الّذين أُعطينا آنية خزفيّة من تراب، قد امتلأنا ضياءً ونورًا؛ لأنّ روح الرّبّ، إذ ذاك، يقيم فينا إلى الأبد؛ ليجعلنا آلهة، بكلّ معنى الكلمة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 30 تمّوز 2011

الاتضاع والهيئة المتواضعة

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الناس المبارَكين المتواضعين هم ودعاء، رصينون، هادئون، متعلّقون بالفضيلة، معادون للشر، لا يكدّرهم أي حادث أو خطر. إنهم يحيون في حضن الإيمان، كمثل الأطفال في احتضان الأمهات في النعمة. إنهم لا يعيشون لذواتهم، لأنهم نسوا هذا العيش. لقد اتحدوا بالآخرين وصاروا الكل للكل لكي يجلبوا السلوى لهم. هم يبكون مع الباكين ويفرحون مع الفرحين. إذ بالنعمة قد استُوعِبوا في المسيح المخلّص، يحملون كل عبء، من دون أن يحزِنوا غيرهم أم يمرمروهم. في ملء محبتهم للآخرين، حتى للخليقة غير العاقلة، بخضوعهم لكل إنسان آخر، يقدّمون كلّ ما تتطلبه الظروف بينما في الوقت عينه يختفون في غطاء تواضعهم فلا يلاحظهم أحد. إنهم يتلافون أضواء الشهرة، يرفضون الإكرام ولا يطلبون الامتنان. الجميع يحبونهم ولا أعداء لهم. إذا كان هناك من سبب لتوبيخهم أو إدانتهم، لا تبلغ التهم ضدهم إلى المواجهة الشخصية. إن سِتر النعمة الحامي الذي يرافقهم يثير الخوف والتوقير في الآخرين فتتغير قراراتهم ومشاعرهم بلمحة بصر، وأولئك الذين كانوا متَّهِمين يتحوّلون إلى خدّام. لكن حتّى الخليقة غير العاقلة، الحيّة والجامدة، تبدّل خشونتها بوجود المتواضعين. إن العناصر الفظة والحيوانات المفترسة تدرك بشكل مباشر النعمة الإلهية التي تلفّ المتواضعين فتكفّ عن عملها الطبيعي وتتحوّل إلى خدّام لأنها تشتّم حول المتواضعين رائحة مولاها الأول، آدم غير الخاطئ، الذي اقترب منها وأعطاها أسماءها كسيّدها وعرّابها.

بحضور المتواضعين نميّز جميعنا صورة المسيح المخلّص، الخليقة الجديدة، آدم الجديد. ذاك الذي صام في الصحراء كان مع الحيوانات البرّية وخَدَمَته الملائكة. ذاك الذي مشى على المياه ووبّخ الرياح والعاصفة، ذاك الذي طرد الشياطين، شفى الأمراض التي تصيب كل الجنس البشري بانتصاره على الموت، ذاك الذي أعطى الحياة، الذي صار وما زال قيامة الكلهو امتدح المتواضعين قائلاً طوبى للمساكين بالروح لأنّ لهم ملكوت السماوات“.

بحسب الآباء، التواضع هو عطية من الروح القدس، وليس إنجازاً بشرياً بالمطلَق. إنه يُمنَح للذين يشتهونه ويسعون إليه ويعملون متحمّلين الآلام على الأمور التي تساهم في النجاح باكتساب هذه البَرَكة. يبدأ التواضع بالمظهر المتّضع وينتهي بالسلوك باتّضاع. الذين لا ينسبون لأنفسهم قدرات أعظم مما يملك غيرهم ولا يفتكرون بغير اتّضاع بذواتهم، يقدّرون أشباههم من البشر، يقبلون اللوم عندما يُوَجّه إليهم ويصغون إلى النُصح. إنهم يصيرون أكثر لطفاً في العريكة، يضبطون غضبهم ويتحرّكون بسهولة نحو التعاطف. إذا ما اتّخذوا هذا الموقف متّكلين على الله كجهد واعٍ للأخلاق المسيحية، يصلّون إلى الله ويرجونه لأن يقويهم. من ثمّ يتقدّمون بنعمة الله نحو أحاسيس الاتّضاع الكامل الذي هو عطية من الله. هناك أيضاً أناس موهوبون طبيعياً بالوداعة والاتضاع، ومع أن هذا مستحق للمديح، إلا إنّه لا يستحق المكافأة، لأنّ هذه الصفات قد اكتُسِبَت من دون عمل وكفاح وجهد.

يوجد أيضاً حالة العار غير الطبيعية التي وجد البشر أنفسهم فيها بعد السقوط، عندما فقدوا في آنٍ واحد رِفعتَهم، أبديتهم وعدم موتهم وخضعوا كعبيد للموت والفساد. العار، كسقوط ودمار وفشل موجود للأسف فينا جميعاً، لكن بالأكثر في أولئك الذين يؤمنون بأنّهم استثنائيون. هنا، هذا ليس الاتضاع أي العطية الروحية الممنوحة من الله للكاملين في الفضيلة، بل بالأحرى الشخصية التي سقطت بعيداً عن رباطاتها الطبيعية إلى حياة وأسلوب سلوك متصنّعين، في كل من الهيئة والعمل.

نشير إلى هذا لأن الذين يشتهون أن يستحقوا عطية التواضع يجب أن يعرفوا أن أهم العوامل تأثيراً في هذا هو الاعتراف بالحالة الانفعالية التي جلبتنا إليها الأهواء بعد السقوط، كما النتائج الهدّامة للحياة في الخطيئة. يسأل الناس: “كيف نصير متواضعين؟نحن نجيب: “اكتشفوا خزيكم، حيث جعلكم الشيطان والخطيئة وغيرهما من الأسباب المختلفة تتخبطون. بعد أن تدركوا ذلك، توبوا، وإذا بكيتم على ذلك فسوف تكتسبون الاتضاع الروحي الذي يمنحكم إياه الله. هناك طريقتان متساويتان حيث يمكننا أن نقيس عمق سقوطنا. لقد أشرنا إلى واحدة، ذات الشكل الصاعد والأسمى.

أما ذات الشكل النازل والأدنى منزلة فتبدأ من الوضعية الأولى للشخصية عند الخلق. كيف كنا كخليقة الله الأولى؟ تكفي كلمة الله لتخبرنا حيث يقول أننا خُلِقنا على صورته ومثاله“. لقد كنّا بسيطين صالحين لطفاء كاملين رصينين عادلين لا يرقى إلينا الشك عموماً لامعين بالكلية ومكرّسين لله. لم نكن نعرف شيئاً عن أي حاجة أو ألم أو خوف أو خطر أو فساد أو الموت عدونا الرهيب. هذه صورة مختصرة عن شخصيتنا قبل السقوط، شخصيتنا الحقيقية. وقد تخلينا عن المنافع الأبدية للبركة التي لا تنضب، التي ورثناها بكوننا ملفوفين في أحضان الله الأبوية. إذا تطلعنا الآن إلى حيث نحن، كلٌّ لوحده أو كلنا معاً، سوف نرى أننا بؤساء وأذلاء، في أكثر الحيوات بؤساً وخزياً، لا تختلف أبداً عن الموت. أسأل أولئك الذين يريدون أن يصيروا متواضعين ولا يعرفون كيف، أليس إدراكهم أين هم كافياً بحد ذاته؟

نحن نعرف نعمة الله التي أُعطيَت لنا من خلال صليب المسيح وقيامته. “ وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.” (يوحنا 12:1). أيضاً، في رسالته الأولى يقول القديس يوحنا وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ.” (1يوحنا 2:3)، وأيضاً بحسب بولس فسوف نكون “وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.” (روما 17:8). إن هبة الله بالمسيح مخلصنا رَفَعَتْنا إلى نعمة التبني هذه، إلى حالة الألوهيةالبشرية وإلى التمجيد. من خلال أسرار الكنيسة وحفظ الوصايا يتلقّى كل المؤمنين ويمتلكون في داخلهم كل هذه النعمة حتى يتمكنوا من أن يصيروا أبناء الله وإخوة المسيح. إن البرهان على هذا هو قديسو كنيستنا الذين، كما قال المسيح، عملوا كما عمل وأتمّوا حتى أعمال أعظم بنعمته.

إذا تفحّص كل واحد منّا أين هو في عالمنا الداخلي والخارجي، على أساس القدسية والألوهية اللتين لنا، سوف نجد ذلّنا وبؤسنا، اللذين جرّنا إليهما الشيطان والخطيئة. إذا كانت هاتان الطريقتان التي شرحناهما مفهومتين بالنسبة إلى معرفتنا الشخصية، فهما معونتان عظيمتان لإيجاد مبدأ المظهر المتواضع، حتى بعد جهاد مناسب وتوبة نبلغ إلى التواضع الأصيل، إذا رغبنا بذلك.

الشهادة للملكوت في عصرنا الرقمي

أندرو بويد

نقلتها إلى العربية جولي عطية

أمضي الكثير من الوقت في استعمال الفايسبوك، فمن جهة يشكّل ذلك جزءًا من عملي ومن جهة أخرى يلبّي حاجتي المستمرّة لتأكيد الذات كما وحاجتي المستمرّة للتجسّس على الناس الذين أحب. لكنني أمضي أيضًا الكثير من الوقت في القراءة والتفكير في ما ينشره الناس، في الإنجيل الذي نبشّر به نحن المسيحيّون ضمن مساحات مواقع التواصل الاجتماعي، في كيف يجب أن يكون صوتنا في المجال العام والفايسبوك والسوق الحديثة والأخبار والأحاديث وأماكن العمل والمدارسومع الأسف أجد في نفسي الرغبة بأكثر ممّا هو موجود.

نحن مباركون لكوننا جزء من التقليد الحي لإلهنا الحي، هذا التقليد الذي وصلنا من الرسل. لقد أعطينا إيماننا بملئه لا لنحافظ عليه فحسب بل لنتشاركه مع الآخرين. للأسف، وبخاصّة في مواقع التواصل الاجتماعي، لم نعد قادرين على مشاركة هذا التقليد من دون أن نبدو حمقى متطرّفين. اسمعوا، أحب أن أبدو شخصًا يعرف كل شيء بالقدر الذي يبدو عليه الشخص الآخر، لكن عندما نسمح لكبريائنا ولأنانيّتنا بأن يوديا بنا إلى معارك قاسية عبر صندوق الرسائل، فذلك مجرّد شهادة لتقليد الناس الذين يقدّمون الأنا على الإنجيل. لا يمكننا، أنت أو أنا، أن نُجادل أحداً حول الملكوت أبدًا.

الاستشهادالمعاصر

سمعت مؤخّرًا عضوًا في مجلس الأمن الدولي يقول لمجموعة واسعة من كبار رجال الأعمال إنّ المسيحيّة هي الديانة الأكثر اضطهادًا في العالم. هذا لا يفاجئ البعض منّا، مَن يصلّون لاخوتنا وأخواتنا في سوريا ومصر ويشهدون على الاستشهاد المعاصر هناك. هذه كنيسة الشهادة والاستشهاد والاستعداد لخسارة حياتنا من أجل المسيح. إنّ الاستشهاد يربط إيماننا اليوم بشهادة الرسل وبعمل المسيح الخلاصي على الصليب. نتصرّف بهذه الطريقة لأنّ المسيح خلّص العالم ببقائه صامتًا وراضيًا في وجه الموت الجائر، وكما تقول ترتيلتنا: “العادل أُدين بعدم عدل“.

نشكر الله لأنّ شهادة كنيستنا تكبر من خلال شهدائها. لكن للأسف، مقابل كل مقالة أراها حول هذه الشهادات القوية، أرى آخرين يتذمّرون وينتحبون من أجل صعوبة أن يكون الشخص مسيحيًّا هنا في أميركا (أو غيرها من المجتمعات الحديثة المحرر). ليس الأمر صحيحًا. وحتى لو كان كذلك وحتى لو كنّا مهمّشين ومذمومين ومضطهدين، فشكرًا لله على فرصة الشهادة له والشهادة لطريقته في الردّ على تهميشه وذمّه واضطهاده.

تكفيك نعمتيإلاّ إذا نسي الموظّف في متاجر وول مارت(واحدة من أضخم شبكات المتاجر في أميركا – المحرر) أن يتمنّى لك ميلادًا مجيدًا عند شرائك أطنانًا من منتوجات العيد العديمة الفائدة.

بهذا يعرف الكل..”

قال لي مرّة أحد جيراني في الكليّة: “ذهلت عندما عرفت أنّك مسيحي لأنّك لطيف جدًّا!”. يملك الناس، أقلّه حيث أنتمي، نظرة سلبيّة تجاه المسيحيين (ديّانين ومذهبيين ومعتدّين بفضائلهم). إنّ تغيير قلوب الناس وعقولهم يعود لنا (ربما يجدر بي التوقّف عن الصياح في وجه العالم داخل النفق…)

ليس اللطف والصبر والمحبّة مجرّد تعبيرات طنّانة تحرّك الأحاسيس بل تصرّفات متوقّعة من المسيحيين كلّهم. عندما ننظر إلى مجموعاتنا على الفايسبوك ومدوّناتنا، نرى عدائيّتنا وولعنا بالقتال وحبّنا لأن ندعو الناس هراطقة* (التعريف الحقيقي للهرطوقي يرد في آخر المقال). لا نعطي أفضل ما لدينا في عالم التواصل الاجتماعي بل نشهد بشكل مخجل لانشقاقنا ولغياب مبادئ الخير المسيحية الأكثر أساسية. لقد قرأت من أجل العمل أطنانًا من المنتديات المهنية، حيث يختلف الناس في الآراء بأدب وبعمق. حاليًّا، أطلب من الناس تجنّب بعض المواقع الأرثوذكسيةومجموعات الفايسبوك حيث نجتمع لنتذمّر ونسخر وندين على العلن.

إذًا، ماذا علينا أن نفعل؟

بما أنّنا لا يجب أن نكون مثل مذيعي أخبار القنوات الفضائية أو مثل أقزام الانترنت الجبناء، فبمن يجب أن نقتدي في تصرّفاتنا ضمن المجال العام؟ كيف يدعونا الله أن نتصرّف في أماكن العمل والمدارس وبين الجيران وعلى الفايسبوك؟

بالنسبة لي، مثال القديس هرمان مفيد دائمًا. كان القديس هرمان راهبًا في البداية، وبالطبع عاش حياة صمت وصلاة مستمرّة. كانت صلاته قوية لدرجة أنّك إذا زرت منزله في جزيرة سبروس (ألاسكا) اليوم، تلاحظ كيف أنّ الجوّ كلّه تحوّل وانطبع بوجود الملكوت.

لكنّ القديس هرمان لم يكن يبقى في قلايته ويصلّي فحسب، بل استعمل حياته، كممارس للصمت والصلاة، لمساعدة من هم بأمسّ الحاجة (أدار ملجأ)، أجرى معجزات منقذة (حَمَى قرى من التسونامي والحرائق) ووقف في وجه مَن هم في السلطة دفاعًا عن المضطهَدين (دعا الروس خارجًا جرّاء معاملتهم السيّئة للمواطنين). الفرق بين نشاطه في الحقل العام ونشاطنا هو أنّ نشاطه كان يغتذي من محبة حقيقية للناس المعوزين، والذين عرفهم بشكل وثيق. أمّا نشاطنا فتغذّيه أنانيتنا أو يقوم على جدول أعمال أو أيديولوجية أو سياسة أو عدم استقرار.

أخيرًا، مثال الأب هرمان مقنع جدًّا بالنسبة لي لأنّه صورة جميلة عن مثال المسيح. إنّ الصمت والضعف العالميين يفسحان المجال أمام القوّة الحقيقية للمحبة الشاملة الكلّ، قوّة تكسر قيود الموت والخطيئة لتجعل الفردوس مفتوحًا أمامنا كلّنا. هذه وصيّتنا ودعوتنا في المجال العام: أن نستخدم نعمة تقليدنا لنبشّر بإنجيل إلهٍ هو محبة، لا لأرضي أنانيتي أو أهدّئ عدم استقراري أو أغذّي نار الايديولوجيا. هذا ما يريده لنا المسيح، أن نفعل من أجل الآخرين ما فعل هو من أجلنا. كلّ تفاعل ومقال وتغريدة وكلمة تملك القدرة على نقل ملء الأخبار السارّة عن إله محبّ.

* تعريف الهرطوقي: هو ليس مَن يتمسّك بمعتقد خاطئ بل هو مسؤول في الكنيسة (عادة أسقف) ينشر بنشاطٍ معتقداتٍ تناقض تعاليم الكنيسة الرسولية الجامعة. كما كان يقول أستاذي في اللاهوت: “معظمكم ليسوا أذكياء كفاية ليكونوا هراطقة“.