حوار بين الشيخ أبيفانيوس وأحد الملحدين

حوار بين الشيخ أبيفانيوس من دير والدة الإله الممتلئة نعمةأثنيا*

وبين أحد الملحدين

إعداد راهبات دير يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

كان الأب أبيفانيوس، ذات صباح، جالسًا يتحاور مع أحد الملحدين في قلاّيته حين جاء من يخبرهما بأنّ شوارع أثينا امتلأت من صور الزعيم الصينيّ ماوتسي تونغ مع كتابة تحتها تقول: “المجد للعظيم ماو“. فالتفت الشيخ إلى الشابّ، وقال له: “نعم، يا ولدي، لا يوجد في أيّامنا هذه ملحدون، فقط، بل عابدو أصنام، عابدو أشخاص، ينزلون المسيح عن عرشه، ليضعوا مكانه أصنامهمنحن نقول: “المجد للآب والابن والروح القدس، وهؤلاء يقولون: ‘المجد للعظيم ماو’ولك أنت أن تختار بين الاثنين“.

الملحدوأنتم أيضًا، أيّها الشيخ، تتناولون مخدِّر للأذهان، والفرق الوحيد هو أنّكم تطلقون عليه اسم المسيح، والآخر يسمّيه الله، وثالث يدعوه بوذا الخ

الشيخالمسيح، يا ولدي، ليس مخدِّرًاالمسيح هو الخالق، خالق الكون برّمتههو الذي يسوس بحكمة كلّيّة الأشياء كلّهاهو الذي يمنح الحياة للجميعهو الذي أتى بك إلى هذا العالم، ومنحك الحرّيّة التامّة، حتّى إنّه سمح لك بأنّ تشكّ به، وأن تجحده أيضًا.

الملحدولكنّ هذا لا يعني أنّ ما تؤمنون به هو صحيح وحقيقة، فهل لديك براهين على صحّة إيمانكم؟

الشيخأنت تعتبر أنّ كلامي هو مجرّد وهم أو حكايات، أليس كذلك؟

الملحدبالتأكيد.

الشيخهل لديك أنت براهين على ذلك؟ أي هل تستطيع أن تبرهن لي بأنّ ما أؤمن أنا به هو ضلال وكذب وخداع؟

الملحد: …

+الشيخأنت لا تجيب لأنّه لا براهين لكأنت تعتقد أنّها خرافاتأمّا أنا، فإن تكلّمت على إيماني، إنّما أتكلّم على اللهأنت ترفض إيماني، ولا تستطيع، بالوقت عينه، أن تبرهن صحّة إيمانك وحقيقتهولكن يجب أن أوضّح لك أمرًا مهمًّا، وهو أنّ إيماني ثابت لا يستطيع أحد أن ينزعه منّي، لأنّه مؤسَّس على أمور تفوق الطبيعة.

الملحدبما أنّك تتكلّم على الإيمان، فماذا تقول على إيمان البوذيّين أو غيرهم، فهم، أيضًا، يتكلّمون على الإيمان، ولهم تعاليم سامية في الأخلاق، فهل إيمانكم أفضل من إيمانهم؟

الشيخإنّك بسؤالك هذا تضع مقياسًا مهمًّا للحقيقة، لأنّ الحقيقة واحدة ووحيدة، إذ لا يوجد حقائق عدّةولكن من يملك الحقيقة؟ هنا السؤال الأهمّ والأكبرليس المهمّ، هنا، أيّ إيمان هو الأفضل أو الأسوأالمهمّ، هنا، أيّ إيمان هو الإيمان الحقيقيّأقبلُ بأنّ بعض الأديان تعلّم تعاليم أخلاقيّة سامية، ولكن من البديهيّ القول بأنّ تعاليم المسيحيّة الأخلاقيّة تفوقها بلا قياس ولا حدودنحن لا نؤمن بالمسيح من أجل تعاليمه الأخلاقيّة، ولا من أجل عبارته المشهورة: “أحبّوا بعضكم بعضًا، ولا من أجل مواعظه وبشارته عن السلام والعدل والحرّيّة والمساواةنحن نؤمن بالمسيح لأنّ حضوره على الأرض كان مرافقًا لحوادث وأمور تفوق على الطبيعة ما يعني أنّه الله.

الملحدأنا أوافق على أنّ المسيح كان فيلسوفًا عظيمًا وأحد الثوّار الكبار، ولكن لا تجعل منه إلهًا.

الشيخيا ولدي، لقد اندثرت، على ممرّ الأجيال، أسماء الملحدين كلّهمإنّ حسكة السمك التي وقفت في حلقهم، ولم يستطيعوا بلعها كانت بأنّ المسيح هو اللهمعظم هؤلاء كانوا يتوجّهون إلى الله قائلين له: “لا تقل إنّك الإله المتجسّد، بل قل بأنّك إنسان بسيط، ونحن مستعدّون لأن نجعلك إلهًافلماذا تريد أن تكون إلهًا متجسّدًا وليس إنسانًا متألِّهًا؟ نحن مستعدّون لتأليهك، وبأن نكرز بك أنّك أعلى من كلّ البشر، وإنّك الأكثر قداسة، والأكثر خُلقًا، والأكثر نبلاً، الذي لا يُغلَب، الفريد المميّز بين البشر، أفلا يكفيك هذا كلّه؟“.

لقد أرعد أرنست رينان كبير الملحدين قائلاً إلى المسيح: “الآف السنين قد مرّت، وسنون، أيضًا، ستعبر، والعالم ما يزال يعلّيكأنت حجر زاوية الإنسانيّة، حتّى إنّه إن أراد أحد أن يمحو اسمك من العالم، سيبدو وكأنّه يزعزع الزاويةسوف لن تكفّ الأجيال عن أن تعترف بأنّه لم يولد بين بني البشر من يفوقك ويتجاوزك، ولكنّك، مع كلّ هذا، لست إلهًا“.

المشكلة هنا إمّا أن يكون المسيح الإله المتجسّد، وعندئذ سيكون سببَ الأخلاق الأفضل والقداسة الأسمى والنبل الأكمل للإنسانيّة، أو إنّه ليس إلهًا متجسّدًا، ولكنّه، بالحقيقة، لا يستطيع أن يكون غير ذلكبل على العكس إن كان المسيح ليس إلهًا، عندئذ سيكون العالم أكثر شؤمًا وأكثر مرارة وأكثر كراهية على مدى تاريخ الإنسانيّة.

الملحدماذا تقول؟!!

الشيخنعم، أقرّ بأنّ كلامي ثقيل، ولكنّه الحقيقة كاملةًماذا يقول كبار رجال العالم عن أنفسهم، أو ما هي الصفة التي يطلقونها على أنفسهم؟ طبعًا المقدرة والعظمةولكن انظر إلى عظماء الكتاب المقدّس منذ عهد إبراهيم مرورًا بموسى ووصولاً إلى السابق وبولس يقولون عن أنفسهم بأنّهم تراب ورمادبينما الحال معاكس بالنسبة إلى يسوع، لأنّه، وبما أنّه أعلى من الكلّ، يقول عن نفسه إنّه بلا خطيئة (يو 8: 46)، ويعطي لنفسه صفات سامية، فيقول: “أنا نور العالم” (يو 8: 12)، أنا الطريق والحقّ والحياة” (يو 14: 6)، كما تنبّأ لتلاميذه بالعذاب والسجن والضرب، وبأنّهم سيُضطهدون من أجل اسمه، وبأنّ كلّ من يثبت إلى المنتهى يخلص، وبأنّكلّ من ينكره ينكره هو أيضًا” (متّى 10: 17).

والآن، أسألك، هل تجاسر أحد أن يطلب من الآخر أن يحبّه أكثر من حياته نفسها؟ وهل تجرّأ أحد أن يبرّأ نفسه من كلّ خطيئة؟ وهل أعلن أحد بأنّه هو الحقيقة المطلقة الكاملةلا أحد على الإطلاقفقط الإله يستطيع أن يقول كلامًا كهذاتخيّل، مثلاً، أن يتكلّم ماركس هكذا، ألا يعتبره السامعون مجنونًا، ولن يوجد، تاليًا، من يتبعه؟ فكّر، أيضًا، بالآلاف الذين ضحّوا بحياتهم من أجل المسيح، فإن كانت بشارة المسيح كذبًا وضلالاً، فهل كانت تضحية الكثيرين من أجله ستستمرّ قرونًا؟ ثمّ أيّ رجل مهما كان عظيمًا ومقتدرًا وحكيمًا يستحقّ أن يقدّم أحد نفسه من أجله؟ لا أحد طبعًافقط إن كان إلهًاثمّ قل لي هل قال أحد عن نفسه أنا نور العالم؟ وأيّ شخص يطلب من تابعيه هذه التضحية سيكون الرجل الأكثر تطلّبًا في التاريخ، وهكذا يكون المسيح الرجل الأكثر ضراوة كي يتقبّل هذه الآلاف من التضحيات على ممرّ القرون، وتاليًا، تكون هذه التضحيات كاذبة لأنّها تُقدَّم لرجل كاذبولكنّ هذه التضحيات المستمرّة تبرهن على ألوهته للملحدين والجاحدين لاسمه.

الملحدإنّ كلّ ما قلته مؤثّر جدًّا، ولكنّه لا يتعدّى عن كونه أفكارًا فقط، أو، بالأحرى، تاريخًاولكن ماذا عن ألوهيّة المسيح؟

الشيخلقد قلت لك سابقًا بأنّ ألوهيّته تكمن في تلك الحوادث الخارقة التي تفوق طور الطبيعة التي أجراها عندما كان على الأرضالمسيح لم يكرز بالأقوال، فقط، وإنّما قرنها بفعل العجائب أيضًالقد جعل العميان يبصرون، والشلّ يمشون، وأشبع من سمكتين وخمسة أرغفة خمسةَ آلاف رجل وامرأة وولدأمر الرياح وعناصر الطبيعة، فأطاعتهأقام الموتى، ومن بينهم صديقه العازر بعد أربعة أيّام من موتهولكنّ الأعجوبة الأكثر عظمة وأهمّيّة كانت قيامته هو نفسه.

إنّ المسيحيّة ترتكز على حدث القيامة، وهذا لا أقوله أنا، بل الرسول بولس (1كو 15: 17)، لأنّه إن لم يقم المسيح، كلّ شيء باطل، لا بل ينهارولكنّ المسيح قام، الأمر الذي يبرهن على أنّه إله الحياة والموتإذن هو إلله.

الملحدهل رأيت أنت هذا كلّه؟ وإن كان لا، فكيف تؤمن به؟

الشيخكلاأنا لم أرَ، ولكنّ آخرين رأواإنّهم الرسللقد عاش الرسل هذا وعاينوه، ثمّ كتبوا لنا شهادتهم بدمهم، وكما تعلم أن شهادة الحياة والدم هي أسمى شهادة وأصدق حقيقة.

قدِّمْ لي برهانًا بأنّ ماركس مات ثمّ قام، وبأنّه قدّم حياته تضحية وشهادة لمبادئه، وأنا سوف أعتقد بكرامته.

الملحدإنّ آلاف الملحدين تعذّبوا وماتوا من أجل مبادئهم وعقيدتهم، فلماذا، إذًا، لا تعتنقون الإلحاد؟

الشيخأنت قلته بنفسكالملحدون ماتوا من أجل مبادئهم، ولكنّهم لم يموتوا من أجل وقائع جرتمن السهل جدًّا أن يتسرّب الضلال إلى أيّ مبدأ كانقد تموت من أجل مبدأ، ولكنّه أمر آخر أن تموت من أجل وقائعالرسل لم يموتوا من أجل مبدأ أو فكرة اعتنقوها، ولا لأنّهم سمعوا: “أحبّوا بعضكم بعضًا، ولا لأجل تعاليم أخرى مسيحيّةمات الرسل شهادةً لأحداث تفوق الطبيعة قد حدثتوعندما نقول وقائع أو أحداث نعني حوادث جرت أمامنا وأحسسنا بها وأدركناها عن كثب.

يقول باسكال جملة في غاية الجمال والعمق معًا: “إنّ مع الرسل جرت ثلاثة أمورإمّا خُدعوا، أو أنّهم خَدعوا، أو أنّهم قالوا الحقيقة“. ولنأخذ، الآن، الافتراض الأوّل، قد خُدعوا“: لا يمكن أن يُخدع الرسل لأنّهم كلّ ما علّموا به لم يتلقّوه من آخر، بل من الربّ نفسههؤلاء كانوا شاهدي عيان، وشاهدي سماعبالإضافة إلى أنّهم لم يكونوا خياليّين ولا نفسانيّين بالنسبة لحادثة القيامة مثلاً، بل على العكس كانوا مرتعدين خائفين مشكَّكينوالإنجيل المقدّس مليء بحوادث شكوكهم وخوفهمثمّ أسألكمن هم الرسل قبل أن يدعوهم الربّ؟ هل كانوا أصحاب أمجاد ومراتب، أو فلاسفة، أو ذوي مراكز وثروات، أو ذوي طموح بأن يغزو العالم بتخيّلاتهم وفلسفتهم؟ كانوا أشخاصًا أمّيّين صيّادين بسطاء، والأمر الوحيد الذي كان يشغلهم هو تأمين بعض السمك لعائلاتهمولهذا، فبعد صلب المسيح، بالرغم من كلّ ما سمعوا وشاهدوا، رجعوا إلى سفنهم وشباكهم.ولكنّهم بعد العنصرة، وعندما تقبّلوا نعمة الروح القدس صاروا معلّمي المسكونة.

الافتراض الثاني، هل خَدعوا؟” أو بقول آخر هل كذبوا علينا؟ ولكن لماذا يخدعوننا؟ وماذا كانوا سيجنون من وراء كذبهم أو خداعهم؟ مالاً؟ مراتب؟ مجدًا؟ لكي يكذب أحدنا، فإنّه ينتظر فائدة ما يرجوها من وراء كذبهلقد كرز الرسل بالربّ المصلوب والقائم، والأمر الوحيد الذي جنوه من هذه الكرازة كان التعب والضربات والشقاء والجوع والعطش والعري وأخطار اللصوص والسجن وأخيرًا الموتأتراهم تحمّلوا هذا كلّه من أجل الكذب؟ لا شكّ إنّ كلّ من يفكّر هكذا أنّه أحمق.

بقي الافتراض الثالث بأنّهم قالوا الحقيقة” وهنا يجب أن أشدّد لك على أمر هامّ ألا وهو أنّ الإنجيليّين هم الذين كتبوا لنا التاريخ الحقيقيّ الصادقلقد كتبوا الحوادث كما جرت وحسب، ولم يكن لهم فيها أيّ رأي أو حكم، فهم لم يمدحوا أحدًا ولا أدانوا أحدًا ولا ذمّوا أحدًالقد تركوا للحوادث أن تتكلّم عن نفسها.

الملحدألا يمكن أن يكون موت المسيح موتًا ظاهريًّا أو كاذبًا؟ لقد كتبت الصحف والجرائد بأنّ أحد الهنود مات ودُفن وقام بعد ثلاثة أيّام، فماذا تقول عن هذا؟

الشيخلا بدّ أن أذكّرك بقول المغبوط أغسطينوس: “ملحدين أنتم ولستم مشكِّكينأنتم سريعي التصديقتقبلون بكلّ ما هو بعيد الاحتمال وغير منطقي ومتضادّ، لكي ترفضوا حدوث العجائب“. كلا، يا ولدي، لم يتظاهر المسيح بالموتفشهادة بيلاطس البنطيّ ومجمع اليهود الذين ختموا القبر تؤكّد ذلكالمسيح مات فعلاً وحقيقة.

ثمّ إنّ الإنجيل يخبرنا أنّه في يوم القيامة بالذات رافق المسيح تلميذيّ عمواس التي تبعد عشرة كيلومترات عن أورشليم، فهل تعتقد أنّ المسيح بحاجة إلى أن يتظاهر بالموت بعد كلّ ما عاناه؟ وهل من الممكن لميت ذي ثلاثة أيّام أن يتحدّث مع تلميذيّ عمواس بوعي كامل ونباهة تامّة، وكأنّه لم يتلقَّ أيّ عذاب ولم يعانِ أيّ ألم؟ وأمّا بشأن هذا الهنديّ، فأرجو أن تحضره إلى هنا لكي نذيقه الضربات وتهشّم العظام ونسقيه خلاً ومرًّا ونضع على رأسه إكليلاً من شوك، ونضربه بالعصيّ ونفتح جنبه بحربة، ثمّ ندفنه، وإن قام (وهنا ضحك الشيخصحيحًا معافىً يكون لنا في شأنه كلام آخر.

الملحدوهل توجد شهادة عن كلّ ما قلت من خارج جماعة التلاميذ، أي شهادة من مؤرّخين آمنوا بقيامة المسيح؟ إن وُجدت شهادة كهذه أؤمن أنا أيضًا.

الشيخيا لك من بائسأنت لا تعلم ماذا تسألإن وُجدت شهادة كهذه سيكون الإيمان بقيامة المسيح إرغاميًّا، وتاليًا سترفضون هذه الشهادة كما ترفضون شهادة يوحنّا وبطرس… أسألك كيف يمكن لشخص أن يؤمن بقيامة المسيح ولا يصبح مسيحيًّا؟ أنت طلبت منّي أن أورد لك أسماء مؤرّخين، ولكنّي لن أورد لك سوى الرسل، لأنّهم هم المؤرّخين الحقيقيّينومع ذلك سأذكر لك واحدًا لا ينتمي إلى جماعة الرسلإنّه بولس، فبولس لم يكن، فقط، من تلاميذ المسيح، بل كان مضطهدًا لكنيسة المسيح وتلاميذه، ألم يكن راضيًا على قتل استفانوس؟ ألم يجرّر نساء ورجالاً يؤمنون بالمسيح؟ ألم يذهب إلى دمشق بحجّة القضاء على كلّ من يؤمن بالبشارة الجديدة؟

الملحدولكنّهم يقولون بأنّ بولس الرسول أُصيب بضربة شمس، ولذلك كان يتوهّم كلّ ما حصل له.

الشيخإن كان ما تقوله صدقًا، كان يجب على بولس أن يهذي بموسى وإبراهيم وليس بالمسيح الذي كان يعتبره مضلِّل الشعب وخدّاعًاتُرى هل تهذي امرأة مؤمنة ببوذا، أم بالقدّيس نيقولاوس والقدّيسة بربارة اللذين تتكلّم معهما باستمرار؟

ويجب أن أقول لك بأنّه تلفتنا في حياة بولس ثلاثةُ أمورأوّلاً، المفاجأة، مفاجأة تحوّله من عدم الإيمان إلى الإيمان، فهو لم يأتِ إليه بواسطة شفيع أو وسيطالأمر الثاني، إيمانه الشديد الخالي من الشكّ والتأرجحوثالثًا، الإيمان مدى الحياةفهل تظنّ أنّ هذه الأمور الثلاثة يستطيع أن يقبلهم إنسان مصاب بضربة شمس؟ إنّ هذه الأمور لا تفسَّر بهذه الطريقة، فإن استطعت اشرحْها لي، وإلاّ فاقبلْ الأعجوبة الحاصلةويجب أن تعلم أنّ بولس الرسول كان رجلاً بارعًا متفوِّقًا مثقّفًا، ولم يكن شخصًا لا يدري ماذا يحصل معه أو له.

ويجب أن تعلم أيضًا، أنّه عندما قال المسيح على الكنيسة بأنّ أبواب الجحيم لن تقوى عليها” (متّى 16: 18)، كان تابعيه اثني عشر رجلاً صيّادًاومنذ ذلك الوقت مرّت آلاف السنين، ودُمِّرت أمبراطوريّات، وانهارت ممالك، وبطلت فلسفات، وتبدّلت علوم كثيرة، ولكنّ كنيسة المسيح بقيت ثابتة لم تتزعزع على الرغم من الاضطهادات المريعة التي هزّتهاألا تعتبره هذا كلّه أعجوبة؟!

وأخيرًا ذكر القدّيس لوقا في إنجيله بأنّ العذراء مريم زارت أليصابات والدة السابق مباشرة بعد بشارتهاوبأنّ أمّ السابق غبّطتها بقولها لها: “مباركة أنت في النساء“. فأجابتها مريم: “تعظّم نفسي الربّ… وها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال” (لو 1: 48). أسألك، يا ولدي، مَن كانت العذراء مريم؟ فتاة محتشمة وقورة من الناصرةمَن كان يعرفها؟ لا أحدومع ذلك، فمنذ ذلك الحين نُسيت أمبراطوريّات وطُفئت أسماء لنساء شهيرات، نُسيت زوجتا نابليون والإسكندر الأكبر ووالدتاهما، ولم يبقَ ذكر لواحدة منهما؟ ولكنّ ملايين الشفاه في المعمورة كلّها طولاً وعرضًا، وعلى ممرّ الأجيال، يسبّحون فتاة الناصرة المتواضعة ويعظّمونها: “يا من هي أكرم من الشاروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من السيرافيم…”، والأجيال القادمة، أيضًا، لن تكفّ عن تكريمها وتعظيمها، أليس هذا بأعجوبة؟الكلام عينه نقوله عن الزانية التي دهنت قدميّ الربّ في بيت سمعان الأبرصألم يعدْها الربّ بأنّ ذكرها سيدوم؟ مَن كان تابعو المسيح وقتذاك الذين حوّلوا غير المتسطاع إلى مستطاع، ودام ذكرهم أعوامًا وأجيالاً وقرونًا، أليس هذا كلّه معجزات تنطق؟إن استطعت اشرحْها لي، وإن لم تستطع، فاقبلْها.

الملحدأعترف بأنّ براهينك كافية ومقنعةومع ذلك لدي أيضًا ما أسألهألا تظنّ بأنّ المسيح ترك عمله ناقصًا لكونه تركنافأنا لا أستطيع أن أفهم كيف أنّ إلهًا يستطيع أن يكون لا مباليًا تجاه مآسي البشرنحن نعاني هنا على الأرض، وهو جالس في الأعالي لا يحسّ ولا يهتمّ.

الشيخكلا، لست مصيبًا في قولك ولا محقًّالم يترك المسيح عمله ناقصًا، بل على العكس إنّه الشخص الوحيد الذي أكمل عمله في تاريخ البشريّة حتّى النهاية حتّى إنّه لم يعد هناك ما يقوله أو ما يعملهلقد تمّم رسالته كاملة.

حتّى سقراط كبير الفلاسفة، رغم أنّه قال الكثير الكثير طيلة حياته، فلو أنّه عاش أيضًا، سيبقى له ما يقولفقط المسيح خلال ثلاث سنوات علّم ما كان يجب تعليمه، وعمل ما كان يجب عمله، حتّى إنّه قال على الصليب: “لقد تمّ“.

أمّا عن تركه إيّانا الذي أشرت إليه، فأنا أفهمك تمامًاالكون من دون المسيح مسرح لكلّ ما يخالف الصوابمن دون المسيح لا تستطيع أن تشرح شيئًا ممّا يحدث الآن، فالأحزان والمظالم والإخفاق والأمراض، هذا كلّه يجعلنا نتساءل لماذا تحدث ولماذا ولماذا… وسوف نطرح آلاف المرّات كلمة لماذا دون أن نحصل على جواب يشفي غليلنا.

افهم ما أقوللا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يقبل بمنطقه البشريّ ما يحصلفقط من خلال المسيح تستطيع أن تفسّر وأن تقبل برضىإنّ المسيح، من خلال هذه الحوادث كلّها، يجعلنا نستعدّ ليوم الدينونة، للأبديّةومن الممكن عندما نصل إلى هناك أن نحصل على جواب لكلمة لماذا.

المسيح، يا ولدي، لا يتركنا على الإطلاقإنّه قريب منّا على الدوام يساعدنا ويسندنا إلى منتهى الدهور، ألم يقل: “ها أنا معكم كلّ الأيّام” (متّى28: 20)، وسوف تفهم هذا، أكثر فأكثر، إن أصبحت عضوًا حيًّا في الكنيسة، في كنيسته هو، وإن اشتركت في الأسرار المقدّسة، وعندئذ سوف ينيرك لتفهم لماذا؟“.

الملحدأشكركسأحاول، وسأفكّر بكلّ ما قلته ليصلّ من أجلي.

عن مقالة باليونانيّة.

خواطر حول الصحّة التي قهرت الموت

خواطر حول الصحّة التي قهرت الموت

للإرشمندريت باسيليوس رئيس دير إيفيرونالجبل المقدّس

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

 ** لست أدري لماذا طُلب منّي أن أتكلّم في هذا المؤتمر الطبّيّ، بل أعجب من نفسي لماذا اقتنعت بقبول هذه الدعوة، ولذلك سأكتفي بإيراد بعض الخواطر حول الصحّة بشكل عامّ وعلاقة الطبيب بمريضه.

** إنّي أرى نفسي، دائمًا، قريبًا من معلّم الطبّ وأبيه هيبوكراتس، أشهر الأطبّاء الأقدمين، إذ عندما أتأمّل في سيرته وأعماله من خلال منظار روحيّ لاهوتيّ وأغوص فيهما، أجد نفسي أمام ما ندعوه نحن في الرهبنة بالحسّ المرهف، وهذا ما جعلني أتشجّع أكثر لأخوض في هذا الموضوع.

** لم يتكلّم هيبوكراتس عن اختصاص محدّد في الطبّ، بل تكلّم على الإنسان ككلّ، على صحّة روحه وعلى عافية جسده، كما أنّه لم يهمل دقائق عمل أي عضوٍ من أعضاء الإنسان حتّى الأصغر منهلذا، يجعلك تتعهّد بالحفاظ على حياتك وجسدك كليهما ضمن إطار القداسة والطهارة.

** إنّ كلمة نقيّ” تعني نقاوة الحياة، وكلمة القداسة” تعني أن تعيش في فلك قداسة الله، الشرط الأساس لنقاوة الحياة.

** إنّ مسيرتك الطبّيّة بجملتها، بأحزانها وأفراحها، إنّما هي حقل اختبار وتهذيب للحواسّ ومجال واسع لدراسة الإنسان ككلّ، وبخاصّة ما يدعونه بعلم الشفاء.

** عندما تنمو في مخافة الله تعرف نفسك أكثر، وتفهم، تاليًا، الآخر أكثر، وتقيّم تعاملك معهتدخل باحترام إلى منزله، إلى صميم حياته الشخصيّة، إلى روحه، إلى جسده، إلى تاريخه، إلى ضعفه وإلى أملهيفتح قلبه لك، ويكشف لك عن جرحه، ويصف لك ألمه، الذي غالبًا ما يكون عاجزًا عن أن يحدّده بدقّة، أو أن يعبّر عنه بوضوحإنّه ينتظر منك أن تروي ظمأه الشديد للشفاء، لإلقاء الضوء على ما وراء هذه الحياة، هذه الرغبة التي قد لا يملك هو الجرأة الكافية على البوح بها، ولكنّك تستطيع أن تدركها بفراستك لكونك طبيبًا مختبِرًا.

** لا شكّ أنّك تشعر بأنّ هذا الوسط الذي تعمل فيه مقدّس، فالإنسان المريض لا يبحث عن مخفِّف لألمه وحسب، بل هو يبغي الصحّة والحياة.ولأنّه لا يريد أن يموت، فهو يسألك، باستمرار، عن أمور قد تفوق طاقتك، عن أمور أنت عاجز عن أن تقدّمها لهإنّه يطلب ما نسعى، نحن البشر جميعًا، وراءهالخلود.

** عندما يموت الإنسان المريض، فهل هذا يعني أنّ الطبيب أخفق في مهمّته، أو بكلام آخر خسر لعبته؟ وهل عليه أن يعترف بفشله؟ كلّافنحن، هنا، لسنا ضمن دائرة المنطق البشريّ الذي يقول بأنّ الغلبة في حياة الإنسان هي دائمًا للموت، بل نحن، هنا، داخل نطاق دائرتين، أو، بالأحرى، نحن أمام مفهومين حيث تختلف الحقيقة كلّيًّامفهوم المنطق البشريّ ومفهوم القوّة الإلهيّةنحن، هنا، بصدد بطلين متضادّينالموت، وقد أبيد بموت المخلّص، والمسيح الذي نزل إلى أعماق الجحيم وغلبه، ثمّ انبعث من القبر حاملاً معه رايات الظفر على الموت.

** يتطلّع العقل البشريّ، دائمًا، إلى اللاّمدرك، وهذا اللاّمدرك هو الذي يغدق على طبيعتنا بالنعمة الإلهيّة، ويعطيها معناها الحقيقيّ، لذا، فنحن نتلهّف إلى تحقيق ما لا يُتمَّم بواسطة طبيعتنا وحدهامن هنا برزت الحاجة إلى الإيمان، لا بل إلى التمسّك الشديد به لكونه العنصر الأساس للوجود الإنسانيّفكما أنّ الإنسان بحاجة إلى الأوكسجين لاستمرار حياته الأرضيّة، كذلك هو بحاجة إلى قوّة الإيمان للوصول إلى الحياة الأبديّةإذن، الإيمان هو أوكسحين الحياة الروحيّة.

** ولكي يتقدّم المرء روحيًّا، عليه أن يكفّ عن أن يجعل نفسه عبقريًّا، كما عليه أن يسلك باستقامة وصدق، وهكذا يأتي تقدّمه تلقائيًّا وعفويًّابيد أنّ خلاصه يتوقّف على إيمانه الوطيد وثقته المطلقة بالكائن غير المدرك (الله)، الذي أخرج الأشياء جميعها من العدم إلى الوجود، والقائل: “إيمانكَ خلّصك” (متى9 :22).

** لا نستطيع من دون الإيمان أن ندرك طبيعة الإنسان بكلّيّتها، ولا أن نكتشف لغز الحياة والكون، هذا الكون الذي يؤلّف مع الإنسان وحدة متكاملةفأنت إذا لم تؤمن، لن تفهم” (إش7:9)، وإذا لم تؤمن، لن تدرك اللاّمعقول، وهذا ما يؤكّده هيراقليتوس، أيضًا، بقوله: “إنّ معظم الأمور الإلهيّة ترشدنا إلى المعرفة، ولكنّنا لا ندركها لعدم إيماننا“. بيد أنّ الإنسان المقدام يقول: “أنا أؤمن بالله المحجوب عنّي، غير المرئيّ، غير المدرك، غير المعقولأؤمن بوجوده، هو الذي يبدو لي، أحيانًا، كأنّه غير موجود“.

** نظنّ، في معظم الأوقات، أنّنا من نعبده هو الله، ولكنّ الواقع يقول لنا إنّنا نعبد صنمًا من صنع أيدينا وعقلنا، أفلا نعتبر الله، أحيانًا، مساعدًا شخصيًّا يؤمّن لنا طلباتنا ورغباتنا؟ ولكنّ هذا ليس إيمانًا؛ إنّه نوع من السحر الذي يضع الله تحت تصرّف الإنساندعونا نتأمّل ما يقوله القدّيس مكسيموس المعترف حول موضوع الله والإيمان“: “لنجعل الله منبع كلماتنا وأساس معتقداتنا، فهو مصدر الذكاء الوحيد للأذكياء، وينبوع الإلهام الدفّاق للمتكلّمين وما يتكلّمون به؛ هو الحياة للأحياء وللذين سيولَدون؛ هو الوجود الحقيقيّ والأساس لمن أتى ولمن سيأتي، لا بل هو محور كلّ شيء“.

ويقصد القدّيس مكسيموس أن يقولإنّ الله يتسامى على كلّ مخلوق لكونه اللاّمخلوقإنّه موجود بشكلٍ أعمق من أن يدركه المخلوق الذي يحاول بطرق شتّى إدراكهلهذا، فعندما نكون راسخين فيه بالإيمان، نصبح كأنّنا لا موجودين في هذا العالم، وعندها، فقط، نصبح قادرين على أن نكون بالحقيقة موجودين.

** اعلم أنّك كلّما ضحّيت بنفسك، كلّما خلّصتها وحفظتها لحياة أبديّة، وبهذه التضحية تخرج من نطاق محبّتك لذاتك، وتكفّ عن أن تريد كلّ شيء لك، هاتفًا: “ثقتي كبيرة بك، يا من أعطيتني الحياة، أكبر من ثقتي بنفسيمن أجلك أهجر حياتي بجملتها، وأتخلّى عن آمالي كلّهاأنا لا أريد أن أقول لك ما عليك أن تفعله، بل أطلب منك أن تفعل ما تريد أنت أن تفعله، فلقد أعطيتك كلّ شيء، حتّى حياتي التي وهبتنيهاأنت ماضيّ، وأنت مستقبليليس لديّ أحد غيرك نظيرك، فافعل ما تريد أن تفعلالآن أدركت كم أمطرت عليّ من بركات غمرتني منها ما أعلمه، ومنها ما لا أعلمه أيضًا، الظاهرة والخفيّة، حتّى التجارب التي تبدو لي، أحيانًا، صعبة وشاقّة، هي بركات جزيلة تأخذ مظاهر مختلفةإذن، خلاصة صلاتي لك هي: “لتكن مشيئتكإنّ تجربة واحدة تسمح بها، يا ربّ، وتحمل معها تعزيةً إلهيّة، أفضل بما لا يقاس من سعادة وهميّة تجعلني أختبر معها جزءًا من الجحيم“.

** ها قد وصلت الآن، كطبيب، إلى درجة روحيّة متقدّمة، واقتنيت قوّة الإيمان الفاعلة والمخلِّصة، فلن تعود تثق بنفسك بعد الآن، لأنّ الفاعل الفاعل هو لله، الذي يقوم بالأمور الصعبة كلّها.

** لا ريب أنّك تناضل ليتمتّع الآخرون بالعافية ويستعيدوا صحّتهم، أو، على الأقلّ، لتكون أفضل، أو ليتقبّلوا، بطريقة صحيحة، المرض والألم والموتفافترض أنّك قد أنجزت مهمّتك على الأرض، وأدركت أنّ هناك من أتى بنا من اللاّوجود إلى الوجودوافترض أنّك أدركت أنّه قد وُهب لنا قوّة الصليب، الذي أباد الموت وضمحله، عضدًا وتعزية تبلسم ألمناوافترض أنّك فهمت ماذا يعني أنّ الذين ينتظرون الربّ بصبر تتجدّد قوّتهم، وينبت لهم أجنحة كالنسور” (أش40: 31)، قوّة داخليّة تعزّيهم، وتجعلهم يشعرون ببركة التجارب والضيقات، فتتحوّل، عندئذ، المعاناة والمرض الجسديّ إلى فرص يكتسبون بها تجدّدًا روحيًّا قويًّاوافترض أنّك قد اكتسبت ثقة بالله قويّة بأنّه هو الذي بمحبّته، فقط، خلّصنا، حتّى ولو بدا لك، أحيانًا، أنّه قد تركنا وتخلّى عنّا.

** افترض أنّك وصلت إلى حالة لا ترى فيها عيوب الآخرين، أو لا تتذمّر من أيّ خطأ يقع في حياتك المهنيّةوافترض أنّك تشكر الربّ على كلّ أمر يحصل لك، المفرح منه والمحزنوافترض أنّك بدأت تشعر بأنّ الأمور المفرّحة والمؤلمة تجلب لك تعزية علويّة قويّةوافترض أنّك قبلت من كلّ قلبك كلمات القدّيس غريغوريوس بالاماس بأنّ كلّ شيء حسن حتّى الموت ما خلا الخطيئة“. وافترض، أخيرًا، أنّك مثل إسحق السوريّ تشعر بالفرح يشعّ في قلبك عندما تفكّر بالموتعندها، فقط، تكون طبيبًا حقيقيًّا، وتتمتّع بحياتك المهنيّة وتريح الآخرين.

** أنت تبدأ من حيث بدأ هيبوكراتس أي من النقاوة والقداسة، وسوف تنتهي في الكنيسة، أي في الخليقة الجديدة، حيث هناك طبيب النفوس والأجساد الذي لا يجبر ما قد تكسّر وحسب، بل ويحيي من الموت أيضًاوعندها يؤثّر حضورك تأثيرًا إيجابيًّا على المريض، الذي يرى فيك صورة المخلّصإنّ المريض يصبح حسّاسًا بسبب آلامه المبرِّحة، فيقف أمامك كجرح مفتوح يلتمس ضمادًا وشفاءفكلّ حركة من روحك وجسدك تأخذ لها أبعادًا ومعانٍ لدى المريض الذي يضع كلّ أماله فيك وكأنّه ورقة في مهبّ الريح تطلب ملجأ أمينًا.

في هذه اللحظة المقدّسة بالذات، يمكن للمريض أن ينهار نتيجة كلمةٍ واحدة، أو تجهّم بسيط صادر منكأو على العكس من الممكن له أن يتقوّى ويتشدّد روحًا ونفسًا عبر ابتسامة صغيرة، أو كلمة تشجيعنعم، في كلا الأمرين يعود الأمر إلى تصرّف الطبيب، إلى تضحية بسيطة في سبيل راحة أخيه الإنسان.

** عندما يوشك المريض على الرحيل الأبديّ، عندما لا يعود يستطيع أن يتناول الأدوية، رافضًا كلّ مساعدة، عندها على الطبيب، الذي حافظ على حياته ومهنته في الطهارة والقداسة، أن يقدّم شيئًا آخر كفاكهة ناضجةرائحة طيّبة، رائحة حياةٍ لحياة” (2 كو2 :16) يلتقطها المحتضر بلهفةوعندها، فقط، تنشأ علاقة حميمة بينك وبينه، فيتكلّم معك عن موته، عن انطلاقه الأخير، وأنت، أيضًا الذي ناضلت من أجله، تستطيع، الآن، التكلّم معه عن الحياة التي نهايتها الموتفي هذا الوقت الضيّق المحصور، في وقت الانتقال هذا، الوقت الأوفر قداسة، يجب أن تستعدّ لتكون رسولاً، رسولاً يبشّر بحياة أخرى أبديّة، حياة ملؤها الراحة والسعادة.

** يجمع المولودَ الجديد والإنسانَ المحتضرَ أمرٌ مشترك، فكلاهما خليقة هشّة فاقدة القوّة، بحاجة إلى الاهتمام من شخص قادر على البذلفليس من إنسان أضعف من المولود حديثًا، وليس من مخلوق حسّاس أكثر من المحتضر، فهو كالطفل يطلب أن يكون محبوبًا ومعطوفًا عليه.

** إنّ لحظة ولادة طفل جديد هي لحظة مقدّسة فيها ينفصل الوليد عن مكان دفئه، عن الجوّ الذي ألفه في رحم أمّه، حيث مقوّمات الحياة مؤمّنة:الدم والغذاء والأوكسجينوأمّا الآن، فإنّ الحبل الذي كان يمدّه بالغذاء قد انقطع، وجاء المولود الجديد إلى جوٍّ غريب وبارد، لذا يطلب الالتصاق بصدر أمّه ليمتصّ حليب الحياة، ويستمدّ الدفء بين ذراعيها.

كذلك الحال بالنسبة إلى الشخص المحتضر، فإنّ لحظة انتقاله لحظة مقدّسة، أيضًا، يتحوّل فيها من حالة إلى حالة أخرىفي هذا الوقت يفتّش على يدٍ تغمره، يلتمس بعض الهواء المنعش ليتنشّقه، على بعض الغذاء ليتقوّى بهفي تلك الساعة، في ذلك الانتقال العظيم يجب أن تكون، أيّها الطبيب، إلى جانبهفي تلك الساعة ليس للكلمات من مكان، ولا للأدوية والعقاقير من وقتإنّ من يعمل الآن هو الروح الإلهيّ فقط.

أمام هذا السرّ الذي يحدثلا يستطيع الإنسان أن يعمل شيئًا، فالوسائل الطبّيّة والعلاجات المتبّعة ليس لديها شيئًا، بعد، لتقدّمهنحن في حالة مماثلة لما يوصينا به الربّ: “لا تفكّروا من قبل في ما تحتجّون به، ولكن تعطون ما يجب أن تتكلّموا به لأنّكم لستم أنتم المتكلّمين، بل روح أبيكم الساكن فيكم” ( مر13- 11).

في الوقت الذي تتوقّف فيه الكلمات، وتفقد الأدوية فعاليّتها، تعمل، عندئذ، قوّة الإيمان، والذي يُمتحن، الآن، ليس معرفة الطبيب ومهارته الطبّيّة، بل قوّة إيمانهفإذا كان كلّ شيءٍ موضوعًا تحت جناح الثقة بطبيب الأرواح والأجساد بتواضعٍ ومخافة الله، يختبر الطبيب صدق كلمات السيّد القائل بأنّ الذين يؤمنون به سيتكلّمون بألسنٍ جديدة … ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون” (مر 16: 17- 18). سيتكلّم بلغة جديدة، لغة صمت العالم الآخركلّ شيء يتبدّل ويظهر بطريقة مختلفة، فعند ارتفاع الحرارة تلتصق المعادن بعضها البعض، وعند ارتفاعها أكثر تتغيّر طبيعتهاهكذا هو الحال بين المرض والعلاج؛ بين المرضى والأطبّاءأنت تعطي نفسك لتأخذ صحّة روحيّةفي لحظة واحدة، ودون أن تدري كيف، ترى نفسك متبنّيًا حالة المريضتساعده على الحياة، فتنال مساعدة من ربّ الحياة، فكلاكما تتبادلان رسائل الحياةالمريض يساعدك على تخطّي أناك، فتشعر بالامتنان له، إذ بينما تساعده على الشفاء، تتلقى، بدورك الشفاء بواسطته، وعندها ستكون لمعرفتك وأدويتك العلاج الفعّال.

** على كلّ حال، أنت لا تعلم ما هو الأفضل والمناسبأن نكون في صحّة جيّدة، أو أن نكون مرضى خاضعين للعلاجأنت لا تعلم إن كان هذا الجسد المتصدّع بحاجة إلى المزيد من الصحّة أو إلى الصراع مع الموت الذي ينتزعه من هذه الحياةلذلك تبادر إلى القول: “لا يحتاج الإنسان إلى أمور عديدة زائلة، لأنّ كلّ ما كدّسه وجمعه في هذه الحياة القصيرة سيتركه، وكذلك القليل الذي بحوزته سيغادره مع الموتأمّا الذي سيبقى معه إلى حين، ولن يفارقه إلى أن يغادر، هو عطشه إلى معرفة ماذا يوجد وراء هذه الحياة“.

** نحن لا نعلم إذا كانت القوّة أو الشعور الجميل بالإمتنان اللذين حزناهما من خلال الصحّة، من خلال غياب الألم في حياتنا، هما أفضل من الأمراض والتجارب والألم والعذابات، إذ هوذا، من خلال الصليب أتى الفرح، وما يزال يأتي، إلى كلّ العالم.

** أثناء الزوابع البحريّة، في الأوقات الحرجة عندما تثور الأمواج وتلطم السفينة، يقوم القبطان بقذف المحتويات إلى اليمّ لينقذ أرواح المسافرين.كذلك يستأصل الطبيب بعض أجزاء الجسد لينقذ الجسد كلّهوأمّا عندما يسمح الله بنزول الجسد إلى القبر، فإنّ عنصر الروح (وكذلك الجسد الذي سيقوم في اليوم الأخيرلا يضيع بل يخلص كما يقول الرسول: “يزرع في جسد جسديّ، ويقوم بجسدٍ روحيّ(1كور15: 44).

** أخيرًا، من النافل القول بأنّ الصحّة الجسديّة لا تخلّصنا؛ ولا المرض، أيضًا، يدمّرنا، لأنّ الثروة الحقيقيّة التي نكتسبها هي القوّة التي تصبح كاملةً في الضعف (2كور 12 : 9) والحياة التي يجعلها الموت أبديّة.

** دعونا نعيش الحياة التي في المسيح يسوع، تلك الحياة التي انبعثت من القبر، وما تزال، أبدًا، منبعثة، فنحن نتمتّع هنا على هذه الأرض بحياتينوقتيّة أرضيّة، وروحيّة أبديّة نستمدّها من عيشنا الحياة الليتورجيّة.

** لقد اخترت، أيّها الطبيب، مهنة مقدّسة وسريّةمقدّسة، لأنّها تتمّ باسم الله القدّوسوسرّيّة، لأنّها تتمّ بلغة الروح غير المدرَكإنّها مهنة تضعك في مواقف حزينة صعبة تلتقي، من خلالها، ببشر في أصعب لحظات حياتهم وأدقّها وربّما أخطرهالذا، نرجو أن يهبك الربّ نعمته وقوّته لتكون جديرًا بهذه المهمّة.

[1] عن محاضرة بالإنكليزيّة ألقيت في تسالونيك في آذار 2002 لأطبّاء مختصّين بسرطان الصدر

[2] هيبوكراتسوُلد عام 460 ق.م في جزيرة كوس اليونانيّةأشهر الأطبّاء الأقدمينعلّل الأمراض باضطراب الأخلاط وجعل لها مصدرينالهواء والغذاءتوفي في لاريسا (تساليا). مجهول تاريخ وفاته.

[3] هيراقليتوس: (576-480 ق.مفيلسوف يونانيّ وُلد في أفسس، وقال إنّ النار هي العنصر الأوليّ في المادّة.

عودة خاطئ كبير

عودة خاطئ كبير

فيودور دوستويفسكي *

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

جاء ميخائيلُ أحدَ أكبر أمثلة التحوّل الداخليّ من الشرّ إلى الخير الذين ذكرهم الستارتز زوسيماس في رواية الإخوة كارامازوف للكاتب الروسيّ الشهير دوستويفسكيكان ميخائيل هذا في الخمسين من عمره تقريبًا عندما قرّر أن يغيّر حياته متأثّرًاً بتحوّل زينوبيوس (الستارتز زوسيماس في ما بعدنفسه، الذي ترك على حين غرّة حياته الفاسدة ليصبح راهبًا.

 بارز زينوبيوس، يومًا، خصمًا تصدّى له، فلم يُبرز هو سلاحه، بل رمى به بعيدًا، وهرع يطلب السماح من خصمه وسط حلقة من الشبّان كانت تلتفّ حولهماثمّ استدار زينوبيوس إليهم، وشملهم بنظرة رقيقة، وبدأ يحدّثهم عن سحر الطبيعة الفتّان الذي اكتشفه لحظة طلب العفو، هذه الطبيعة التي طالما كان تتعارض سيرتُه القبيحة وجمالَها، وشارحًا لهم بأنّ الحياة نفسها هي فردوس فيه يستطيع الجميع أن يتعانقوا وأن يبكوا من الفرح.

 إنّ مثال الستارتز زوسيماس كان يؤثّر أيّما تأثير في محادثيه، فصار الجميع يدعونه لزيارتهموفي إحدى الأمسيات زاره الشابّ ميخائيل، وطلب منه أن يصف له شعوره بدقّة في اللحظة التي طلب فيها السماح من خصمهفقرّر حينئذ الستارتز” أن يقصّ عليه حادثته مع خادمهأفاناشي” وكيف أدمى وجهه بضربة قويّة من قبضته من دون سبب موجب في الليلة السابقة لصراعه مع الخصموكيف ذهب، بعد ذلك، في الصباح الباكر إلى غرفة خادمه، لكي يركع عند قدميه متوسّلاً إليه لكي يسامحهثمّ يتابع الستارتز حديثه فيقول: “أظنّك لاحظت بأنّ مسامحتي للخصم كانت في غاية السهولة؟ أتعلم لماذا؟ لأنّها بدأت في منزلي أو بالأحرى في داخلي، ومنذ اللحظة التي بدأت أتذوّق فيها الانتصار على نفسيإنّها لم تكن فقط سهلة، بل جلبت لي فرحًا وغبطةلقد كانت هذه اللحظة بالذات هي الشعور بالوجود في الفردوس“.

 لم يكن هذا الشعور غريبًا على الزائر ميخائيل، لأنّه قال: “منذ البعيد وأنا أنظر إلى الحياة وكأنّها فردوس…” بيد أنّ الستارتز قاطعه قائلاً: “وأنا كذلك متأكّد بأنّ الحياة هي الفردوس، وأنت، أيضًا، ستتيقّن بأنّ الفردوس موجود، ولكنّه مخبّأ في داخل كلّ واحد منّاإنّه مخبّأ، أيضًا، في داخلي، وإنّ أردتُ فسوف ينكشف لي يومًا، وسوف يبقى معي، عندئذ، طيلة الحياة“.

 في كلّ مرّة يتحدّث فيها هذا الشابّ مع الستارتز، كان يحسّ بتأثّر عميق وبنظراته الغامضة التي كانت تتغلغل في كلّ جوانحه، ويصيخ بانتباه لأقواله:

– كلّ إنسان له خطاياه الشخصيّةوإنّها لممدوحة الوسيلة التي بها يستطيع تلقّف تلك الفكرة، وإدراكها بكلّ ملئها إذ، حينئذ، سيصبح ملكوت السموات حقيقة في داخله، ولن يعود حلمًا قطّ، ثمّ أردف بمرارةولكن متى يتحقّق هذا؟ وهل هو ممكن التحقيق أم سيبقى حلمًا يراودنا فقط؟

– لا بدّ أن يتحقّق هذا الذي تسمّيه حلمًا، ولكن ينبغي، أوّلاً، أن يغيّر الناس مسلكهم عمليًّالن يكون هناك أخوّة صادقة ما لم يمسي الإنسان أخًا لأخيه الإنسان حقيقةسيتحقّق ما نسمّيه حلمًا عندما ينتهي عصر الانعزال.

– أيّ انعزال تقصد؟

– أعني الانعزاليّة التي تسيطر في كلّ مكان في عصرنا الحاضر، فكلّ واحد منغلق على نفسه، منقطع عن الآخرينكلّ واحد يحاول أن ينفصل عمّن حوله بداعي فرادته الشخصيّة محاولاً أن يعيش ملء الحياة بمفرده، لوحدهالكلّ يعمل، ولكن كلّ واحد على حدته، وبهذه الطريقة يقضون على الروح الجماعيّة، على الوحدة الجماعيّة، ولا يدرون أنّ هذه الطريق نهايتها الانتحار والدماروهكذا كلّ واحد يصدّ الآخر عنه، أو يصدّ نفسه عن التعامل مع الآخرين ويتمركز حول نفسهفي حين أنّ التضامن مع الآخرين هو المطلوبهذا التضامن الذي لا شكّ سوف يتحقّق عندما نتخلّص من انعزالنا، ولكن لم يحن الوقت بعدأكرّر القول إنّه عندما نتحرّر من انعزاليّتنا، عندها، فقط، تظهر علامة ابن البشر في السماءوحتّى ذلك الوقت يجب أن يبذل الإنسان نفسه، قدر استطاعته، ليحقّق الوحدة الأخويّة، وبالتالي وحدة العالم.

 هذا الكلام وغيره كان يردّده ميخائيل كلّما كان يلتقي بالستارتز، ولكنّه كان يبدو، دومًا، متردّدًا في ما يريد قولهكما كان يبدو متثاقلاً مهمومًا وكأنّ عبئًا ما يرهق كاهله، ويضغط نفسه، حتّى جاءت تلك الأمسية التي قرّر فيها أن يعترف بجريمة نكراء ارتكبهالقد غشيه الحسدُ، فقتل أرملة غنيّة جميلة إذ دخل خفية إلى غرفتها فيما كانت نائمةقبضت السلطات على أحد الخدم بعد بدت كلّ الدلائل تشير إليه كمرتكب حقيقيّ لهذه الجريمة البشعة، إذ سمعوه يهدّدها بالموت، وزجّوه في السجن حيث مات مريضًا بعد أسبوع من الجريمة.

 ومع أنّه مرّ أربعة عشر عامًا كاملة دون أن يقع هو، كمجرم حقيقيّ، في أيدي العدالة، إلاّ أنّ ضميره كان يجلده من دون رحمة، متحمّلاً من جرّاء هذا ما لا يُحتمل، حتّى إنّه، ولكي يتخلّص من ملاحقة ضميره له، فكّر في أن يقتل نفسه.

 عندما سمع الستارتز هذا الاعتراف، أمر ميخائيل أن يذهب ويقرّ بجريمته علنًا أمام كلّ الملأوهكذا كان، إذ اعترف بجريرته وسط تنهّداته ودموعه أمام عدد غفير من زوّار الستارتزوبعد أيّام عاد التقى بالستارتز فقال له: “لقد أينع الفردوس في نفسي مذ لحظة اعترافي“.

لم يمض أسبوع على هذا حتّى وقع مريضًا، ولم يستطع أحد أن يفسّر مرضه، إلاّ أنّ البعض عزاه إلى خلل في عضلة القلب أدّى إلى موته.ولكن، وإن خسر هذه الحياة، فإنّه ربح الثانية، الحياة الأبديّةوهكذا حاز على الفردوس الدائم الذي أزهر داخله عوض الجحيم الذي كان يسيطر عليه.

عن مقالة باليونانيّة.