كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

كيف نتعامل مع الأزمات بطريقة روحية

أثناسيوس ميتروبوليت ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

في الواقع، نحن نواجه بعض الأوقات الصعبة التي تؤثر على الجميع. يبدو أننا جميعًا على متن سفينة – السفينة هي بلدنا الصغير – تبحر في البحار الهائجة دون معرفة أين نحن أو إلى أين نتجه. كلما أصابت بعض المصاعب دولة أو أسرة أو مجتمعًا تكون حقيقية ومؤلمة. ومع ذلك، لا يقدّم المرء عزاءً بقوله أنّ لا شيء يجري. الطريقة الصحيحة هي الاعتراف بأننا نواجه بعض المصاعب والبحث عن طرق للتعامل معها

عندما يواجه وطن أو إنسان مشقةً ويكون مضطرباً يعاني، يكون قلِقاً ويواجه ظروفاً وخيمة، هذا لا يعني أن سبب كل شيء هو الله، لأن الله لا يرغب في جعل الناس يعانون، ولا يتعاون مع الضيق الذي يصيبنا. المشقة والقلق والمعاناة لا تنشأ أبداً من الله بل هي إما بسبب الشيطان أو بسبب أفعالنا

ومع ذلك، بغض النظر عن مصدرها، فإن المهمة الرئيسية هي محاولة التعامل مع الموقف بحكمة واستخدامه للتقدم روحياً، من خلال تحويل المشقة إلى نعمة والظلام العميق إلى نور حقيقي. لا أحد معفى من المشقة، لا الخطأة ولا القديسون، لا الأغنياء ولا الفقراء؛ يجب على الجميع تذوق مرارة الضيقة في وقت ما

القضية هنا ليست كيفية تجنب المشقة بل كيفية التعامل معها. عندما كان بولس الرسول يتحدث إلى الذين كانوا في حِداد لم يكن يخبرهم أن “الرب سيعفيكم من الحزن والموت” بل “لا تحزنوزا كالذين لا رجاء لهم” (1تسالونيكي 13:4). بعبارة أخرى، كان يخبرهم أنهم سيشعرون بالتأكيد بالحزن وأن السيف سيعبر في قلوبهم (بسبب وفاة أحبائهم)، لكنه كان يحذرهم من أن يصبحوا مثل الآخرين الذين ليس لديهم رجاء. أنتم يا أبناء الكنيسة، يجب عليكم أن تتعاملوا مع هذه المشقة وأن تبحِروا بها بوضع رجائكم الوحيد على الرب يسوع المسيح. لا يوجد أحد آخر ممكن أن نعلّق آمالنا عليه. وكما قال ديونيسيوس سولوموس “ليس من السهل فتح الأبواب حين تضرب الضرورات”

بالطبع يمكن للمرء أن ينظر إلى الوضع الحالي في ضوء مختلف لأنه قد يعلمنا العديد من الدروس. وبالتحديد، نحن مسؤولون أيضًا عن المصاعب التي نواجهها حاليًا لأننا تخلينا عن طريقة التفكير المناسبة وشعرنا بالأمان في الأشياء غير الآمنة، في الأمور الخاطئة والهشة. وستسبب هذه المصاعب بعض الخير على المدى الطويل. ومع ذلك، من الصحيح أن الضربة الأولى تسبب المرارة والألم

ماذا نستطيع ان نفعل الآن؟ أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نؤمن بأن الرب هو الذي يحكم كل شيء بينما كل أولئك الذين يعتقدون أنهم يحكمون العالم هم بلا قوة. حتى الشيطان عندما جرّب المسيح وأظهر له كل ثروة العالم ووعد بتسليمه له إذا عَبَدَه، قال يسوع: “اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (متى 10:4). هناك أناس يعتقدون أن بإمكانهم النجاح في كل شيء من خلال جهدهم وحدهم. بالطبع إذا كنت في منصب مسؤول يجب أن تفعل كل شيء ممكن إنسانياً من أجل تحقيق أفضل نتيجة ممكنة. ولكن قبل كل شيء، يجب أن تدرك أن من يحكم العالم ومن سيتنازل في النهاية أو لا يتنازل عما يحدث للعالم هو الرب وليس أي إنسان. قد يضع أناس الشر مخططات؛ وقد يتسبب الشيطان وأتباعه في إزعاج الناس، أسَرَاً بأكملها، ومجتمعات ودول بأكملها، وحتى العالم كله؛ ومع ذلك، ليس لديهم قوة ضد ضحيتهم ما لم يسمح الرب بذلك

عندما لم يردّ المسيح على بيلاطس أثناء استجوابه، قال له الأخير: « أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟” (يوحنا10:19) فأجاب يسوع “لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ” (يوحنا 11:19). بعبارة أخرى، “لن يكون لديك أي سلطة عليّ، إذا لم يمنحك الله الإذن للمضي قدمًا فيما أنت على وشك القيام به”. لذلك، علينا أن نكتسب إيمانًا عميقًا لا يتزعزع بأنه لن يحدث أكثر ولا أقل مما يسمح به الله. يجب علينا أيضًا أن ندرك أننا مسؤولون أيضًا عن هذه المصاعب؛ نحن نعاني لأننا كنا جشعين ولا نفكّر وأصدرنا أحكامًا سيئة

ومع ذلك، نحتاج أن نطلب من الرب أن يأتي لإنقاذنا بإرساله لنا العناية الإلهية. كيف نقوم بذلك؟ عندما يقف الإنسان أمام الرب في توبة عميقة، يعترف بسلوكه السيئ وطرقه الشريرة وبأنه كان يعيش حياة تافهة وجاحدة، ويتوب ويأسى، عندئذ يجتذب العناية الإلهية. كل المحن تحدث ليس لأن بعض الناس يتمنون ذلك ويخططون ضدنا ويحرضهم الشيطان وحسب، بل أيضًا لأننا أبعدنا العناية الإلهية بخطايانا وغبائنا. من المعلوم أنه كلما ابتعد الإنسان عن الرب يقترب من عدو خلاصنا وتلحق به كل المصاعب والعواصف لأنه يبقى دون حماية في وجه كل ما يعترضه في حياته

في العهد القديم، كان جميع الأنبياء ورسل الله يؤكدون أن الخطيئة هي سبب كل مشقة. لقد حذّروا من أن المحن تصيب الناس ما لم يتوبوا ويغيّروا طرقهم. ومع ذلك لم يلحظ الناس ذلك. كانوا يعيشون على هواهم، بل كانوا يضطهدون الأنبياء ويرفضونهم ويسخرون منهم، ويطلبون منهم عدم إزعاجهم بأشياء مقلقة. عندما كانت المصاعب تصيبهم، كان الأنبياء يعانون أيضًا مع الناس؛ لهذا السبب يُنظر إليهم على أنهم قديسون عظماء في عيني الرب لأنهم كانوا يعانون مع الناس وكانوا في الطرف المتلقّي لكل عواقب خيانة الشعوب. في نفس الوقت كانوا يحاولون مؤازرتهم وقيادتهم إلى طريق الخلاص

إلى ماذا كان هؤلاء الأنبياء يشيرون؟ ومن المؤكد أنهم لم يقترحوا حلولاً ومخارج دنيوية. كانوا يدافعون عن التوبة والعودة إلى الرب وتغيير طرق الناس وأفكارهم. كانوا يدعون إلى التوبة والعودة إلى حضن الرب الآب لاجتذاب العناية الإلهية؛ حتّى يتحسن الوضع تدريجياً. ما نحتاجه ليس العودة إلى ما كان لدينا من قبل؛ إن لم نغيّر طرقنا فلن ينتج أي جيّد من الوضع برمته. الهدف ليس البقاء على قيد الحياة خلال أزمة مالية وعالمية فحسب، بل تغيير طريقة تفكيرنا وعقولنا، أي التوبة. مَن ينجح بهذا يعني أنه عمل بشكل مناسب على نفسه وحوّل المشقة القائمة إلى صراع روحي. من دون حدوث هذا، فسوف ننسى كل شيء ونعود إلى طرقنا ما أن تعود الأمور حسنة

Source: ‘Paraklisi’ magazine, volume 72, May-June 2013

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

اليقظة السلبية واليقظة الإيجابية

الأرشمندريت زخريا زخارو

نقلها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

اليقظة السلبية هي عندما نقاوم هجمات الأفكار السيئة. بمجرد ظهورها، نرفع أذهاننا إلى الله قائلين: “يا رب ، لقد جاء أعدائي ، ردّ عني ضدهم”، ونحاول ألا نسمح لأذهاننا بالاستسلام. كان للقديس سوفروني قول مأثور: “لا تُخضِعْ عقلك”، أي لا تستسلم لفكر العدو الذي يهاجمك. اليقظة السلبية هي أن نقول “لا” لكل فكرة سيئة تقترب منا. يخبرنا الأب سوفروني أن كل الأفكار السيئة ستمرّ من خلالنا حتى نقول “لا” لها جميعًا وفي النهاية سيبقى الله وحده. نحن لسنا ساذجين، كما يقول القديس بولس “لسنا جاهلين بأفكار العدو” (2 كورنثوس 2: 11)، نحن نعرفها لكننا لا نقبلها

اليقظة الإيجابية هي كل ما نقوم به لكي نلبس القوة من العلاء حتى نصبح مخيفين للغاية لخصومنا لدرجة أنهم لا يستطيعون الاقتراب منا. إذا كنا نعيش في أتون التوبة هذا، وقلوبنا تحترق بالدموع والرثاء المر، نندب أنفسنا، إذا كانت قلوبنا حارّة ومتحمسة، فببساطة، العدو لا يستطيع الاقتراب فنتمتّع بحريتنا. يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث أنه عندما نقتني قلباً نادماً، لا ترتقي إلى أذهاننا أو شفاهنا أي فكرة من العدو. تغرق الفكرة في الحلق قبل أن تخرج. اليقظة الإيجابية تعني بناء أسوار أورشليم، أي البقاء في أمان هذه الجدران، وبناء حالة روحية قادرة أن تمنحنا القوة لرفض العدو وطرد أي فكرة خاطئة بطرفة عين. هذه الحالة الروحية تصبح قوة داخلية وهي تتشكل بالتوبة. في مثل هذه الحالة، إذا هاجمنا فكر سيء من العدو، نشعر باقتراب تلك الفكرة على أنها متأتية من هوى معين قبل أن يتبلور شكلها. نشعر أن طاقة أجنبية معادية تقترب، وإذا أغلقنا الباب، لا نرى حتى ما إذا كانت فكرة كبرياء أو شائبة أو أي شغف آخر. يقول القديس سوفروني أن هذه علامة على اتحاد العقل والقلب. هذه هي الحالة الطبيعية للإنسان الذي يعيش بحسب وصايا الله. هكذا يشعر الرهبان دائمًا بمقاربة الأفكار قبل أن يروا شكلها الواضح، وهذه يقظة كاملة

آباء البرية في مصر في القرن الرابع كانوا يصلّون باستمرار وبشكل ثابت كي يُعطوا روح التوبة، لأنهم علموا أنها ستحميهم وتجعلهم مخيفين لأعدائهم. الجهاد هو كيفية تعرية كل فكر وكل شكل نسبي من الوجود. ومع ذلك، هذا هو الجزء الأول والأقل أهمية بالنسبة لنا: نحن لا نحاول فقط تعرية الإنسان القديم من مشاعره وشهواته، بل بشكل خاص أن نلبَس الجديد أي الإنسان السماوي المتجدد، بنعمة الله غير الفاسدة والتي تبني لنا مسكنًا في السماء. نحن نبني هذه الحالة من القوة الداخلية ضد العدو من خلال علاقتنا مع الإله الشخصي، الذي هو بالنسبة لنا الأبدية والفردوس. كما يقول الرسول، فإن حياتنا مستترة في شخص المسيح (راجع كولوسي 3 ، 3). أعظم فضيلة بالنسبة لنا هي التواضع الذي يحفظ المحبة التي هي علاقتنا مع الله الشخصي

مخافة الله هي تقواه ومحبته

مخافة الله هي تقواه ومحبته

الميتروبوليت أثناسيوس مطران ليماسول

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

الكنيسة لا تعارض الجسد البشري. لهذا حرص الآباء على عدم إتلاف أجسادهم بجهودهم النسكية. لقد حاولوا إخضاعها للروح القدس ووصايا الله، حتى لا يسعوا وراء ملذات وهفوات الجسد، لكنهم لم يقبلوا أبدًا إتلاف أجسادهم. في الأدب الآبائي، هناك مقولة مفادها “إننا لا نذبح الجسد، لكننا نذبح الأهواء”. إنها الخطيئة والأهواء التي تقتل وليس الجسد الذي هو هيكل الله. وإذا بدا، في بعض الأحيان، أن القديسين يظهرون قاسين وبلا رحمة في معاملتهم للجسد، فلم يكن الهدف قتل الجسد، بل كما قلنا قتل الخطيئة والأهواء. لأن أجسادهم كانت أسرى الخطيئة والأهواء التي جابهوها بهذه الطريقة. لم تسمح الكنيسة للناس بقتل أو تشويه أجسادهم سعياً وراء بعض الفضيلة. وإلى جانب ذلك، في جو الكنيسة، علينا أيضًا أن نتعلم كيف نتغلب على الاختلاف بين الجنسين. بعبارة أخرى، يجب أن نتعلم أن ننظر للآخرين ليس من منظور جنسي أو جسدي، بل باعتبارهم صورًا لله، كإخوتنا وأخواتنا، كأشخاص مخلوقين للتقديس والتمجيد. إذا رأيناهم في هذا الضوء، فلن ننظر إليهم بطريقة خاطئة، بل بطريقة مقدسة وفاضلة. هذه هي نظرة الكنيسة إلى الجسد البشري

يقول الله في العهد القديم: “أسكن بينهم وأسير معهم وفيهم وأكون إلههم”. يتكلم الله شخصيًا، قبل المسيح بآلاف السنين، ويقول إنه سيصنع شعبًا خاصًا به. لا يوجد عرقية في الكنيسة. لهذا نحن نعمل جميعًا معًا، بغض النظر عن الأصل العرقي، ودون أن يعني هذا بطبيعة الحال تجاهلَ وطننا وأمتنا. لكننا في الكنيسة نتجاوز هذا. لذا، في الكنيسة هناك شعب جديد، أمة جديدة. إن الأشخاص الذين قال الروح القدس منذ آلاف السنين أن الله يسير في وسطهم ويكون إلههم هم في الواقع أمة المسيحيين. نحن شعب جديد ولا نعتمد على الأصول العرقية. ولهذا يقول النبي إشعياء: “فاخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسًا”. هذا في الواقع يردده القديس بولس، نقلاً عن إشعياء

يقول الله أنه سيقبلنا وسيصبح أبانا وسنكون أبناءه وبناته. بهذه الطريقة، يحثنا الله على فصل أنفسنا، ليس عن الآخرين، بل عن الخطيئة، أي عن النظرة الدنيوية. عندما يخبرنا أن نترك العالم وألا نحبه، فهو لا يقصد إخواننا من البشر، ولكن الطريقة الدهرية للنظر إلى الأشياء، أي الخطيئة. الذين يريدون أن يتبعوا المسيح لا يمكنهم فقط أن يفعلوا ما يفعله الآخرون وحسب. لكي تتبعوا المسيح، يجب أن يخبركم قلبكم بذلك وعليكم أن تتركوا وراءكم النظرة الدنيوية. عليكم قطع كل اتصال مع الخطيئة. عندئذٍ يصبح الله أباكم وتصبحون أبناءه وبناته. هذا معطى مطلق، لأنه عندما يقول الله شيئًا ما فإنه يكون مختوماً ومحققاً من صحته ومكرراً على مدار القرون. الله لا يترك أحداً. لماذا إذن نحن جبناء وكسالى؟ لدينا وعد الله. لذلك فلنتّخذ الخطوة الأولى: أن نخالف طريقة التفكير القائمة والدهرية، وبعد ذلك سيصبح الله أبانا ونحن أبناءه وبناته

يتابع القديس بولس قائلاً: ” فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لِنُطهِّر ذواتنا من كلِّ دنس الجسد والرُّوح مكمِّلينَ القداسةَ في خوف الله”. أي يجب أن نطهّر أنفسنا من كل خطيئة تُرتكب سواء في الجسد أو الفكر أو الروح، وأن نعيش حياة مقدسة في مخافة الله. خوف الله ليس خوفًا نفسيًا، بل هو وعي لمحبته ورهبة نشعر بها في نفوسنا تجاهه عندما نتأمّل عظمة قداسته وطهارته. عندما نعاين هذه القداسة وندرك مَن ينبغي أن نكون ومَن نحن، ونخاف على انقطاع علاقتنا به، يكون هذا هو خوف الله. خوف الله بطريقة نفسية معناه غياب المحبة الحقّة. يقول القديس يوحنا أن المحبة الكاملة تطرد الخوف. يقول القديس أنطونيوس: “أنا لا أخاف الله لأني أحبه”. لذا فإن مخافة الله هي تبجيله ومحبته. إذا كنتُ أحبُّ الله أكون حريصاً على ألا أفقد هذه المحبة، ويزداد هذا الحرص بقدر ما تزداد هذه المحبة

تنقية القلب

تنقية القلب

المتروبوليت أثناسيوس ليماسول

نقلتها إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

منذ الرابع من آذار 2020، يجري صاحب السيادة المتروبوليت أثناسيوس ليماسول مناقشات أسبوعيّة مع المؤمنين، مفسّرًا الكتاب المقدّس، ومطّلعًا على حاجاتهم، ومجيبًا على تساؤلاتهم

كنّا قد وصلنا إلى الفصل السابع من رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. في بداية الفصل، يقول الرسول ما يلي: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ أنفُسنا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ بِمَخافَةِ اللهِ” (2 كور 7: 1). ثمّ يتكلّم الرسول بولس على الأحزان التي كان على الكورنثيّين أن يقاسوها. من المفيد جدًّا لنا أن نسمع اليوم هذا الكلام، لأنّنا نرى بذلك أنّ المسيحيّين الأوائل واجهوا هم أيضًا مصاعب الحياة والتجارب والخطايا، وأنّ حياتهم لم تكن ملائكيّة. ولكن ما يهمّ هو أنّهم تعاملوا مع ذلك روحيًّا: من خلال التوبة، ومن خلال جهاد تصحيح الذات

يقول الرسول بولس في الفصل السابق إنّ جسدنا هو هيكل الروح القدس، وإنّ الله يسكن في الإنسان. وبما أنّ جسدنا هو هيكلٌ كهذا، فعلينا أن ننتبه لئلاّ ندنّس جسد الله، كما نفعل مثلاً مع أيّ بناءٍ كنسيّ: فنحن نعتبر الكنيسة مكانًا مقدّسًا ولا نفكّر مجرّد تفكيرٍ بارتكاب أيّ فعلٍ دنيءٍ فيها. يجب أن ينطبق الأمر نفسه على جسدنا، وعلى نفسنا، وعلى وجودنا برمّته، الذي هو هيكل الله. ” فَإِنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ” (2 كور 6: 16). يدعونا الله إلى أن نرفض الخطيئة والشرّ وكلّ تجربة لكي نصير بحقٍّ شعب الله، ولكي يصير الربّ أبانا ونحن أبناءه وبناته (راجع 2 كور 6: 18).

إذًا، تقول بداية الإصحاح السابع: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ…”. إنّ الذي يَعِدُ هو الله نفسه. يَعِدُ بأنّه سيكون أبانا ونحن سنكون أبناءه عندما نرفض الخطيئة وكلّ ما يدنّس وجودنا. وإذا وعد الله بشيء، فهو لا يكذب مطلقًا. مواعد الله تتحقق؛ هو ليس مثلنا نحن الذين نَعِدُ عادةً بالقمر ولا نستطيع حتّى أن نفي نصفه. إذًا، الجهاد الذي نصنعه فيه ترقّب الحياة الأبديّة

عندما ننال موعدًا من الله، لا يمكننا دائمًا أن نفهمه. نحن نرتجي عادةً من الله شيئًا يكون ضمن نطاق إدراكنا وفهمنا. ولكن، كلّ ما نتلقّاه من الله هو بالحقيقة أكبر وأوسع بكثير ممّا يمكننا تخيّله. مواعد الله تعمل مثل التوازن. في الجهة الأولى من الميزان لدينا ثقل أعمالنا الروحيّة وصبرنا ورجاؤنا – والجميع لديهم شيءٌ ما. وفي الجهة الثانية لدينا مواعد الله. النتيجة ليست فقط توازنًا، بل إنّ مواعد الله تبطل مصاعب حياتنا هذه. الله غير مدرَك. من المستحيل أن نفهم ونقتبل بحقٍّ أيّ شيء نتلقّاه من الله. الله غنيّ. هو ليس مثلنا نحن الذين لدينا مقاييسنا الخاصّة وقيودنا الخاصّة. الله فيّاضٌ بالرحمة؛ محبّته لامتناهية ولا يمكن لمخلوقٍ أن يحتويها كلّها. الإنسان الذي يشعر بمحبّة الله يصعب عليه وصفها لأنّها تفوق الوصف

أتذكّر كيف أنّ القدّيس باييسيوس أخبرني ذات مرّةٍ عن رؤيته للقدّيسة أوفيميّة. كان ذلك في الصوم الكبير، كما نحن الآن (في وقت هذا الحديث)، في الأسبوع الثاني منه. ظهرتْ له في الصباح في قلاية الصليب المكرّم في كابسالا، وبقيت معه طول النهار. وصفتْ له القدّيسة أوفيميّة حياتها كلّها، لأنّ الشيخ لم يكن يعرف سيرتها. كان قد سمع عن قدّيسةٍ تُدعى أوفيميّة، ولكنّه لم يعلم أيّ شيءٍ عنها. أخبرته أنّها كانت شابةً تعيش في القرن الرابع في مدينة خلقيدونية، وكان عليها أن تقاسي أمرّ التعذيبات من أجل المسيح. وبينما كانت تخبره عن ذلك، رأى الشيخ حياتها كلّها أمامه، مثل فيلمٍ على التلفاز. ثمّ عندما وصلت إلى عذاباتها، خاف القدّيس باييسيوس ممّا رأى وسألها قائلاً: “كيف استطعتِ احتمال هذه العذابات كلّها؟” لقد كانت شابّةً صغيرة، والعذابات كانت بأكثر وحشيّة يمكن تصوّرها. فأجابته القدّيسة قائلةً: “يروندا، لو علمتُ أيّ مجدٍ سينال الشهداء في السماء من أجل عذاباتهم، لكنتُ جاهدتُ لكي أتعذّب أكثر، لأنّ ذلك كلّه وقتيٌّ ولكنّ مجد الله أبديّ”

دائمًا ما يقول لنا الرسل والآباء القدّيسون أنّه إذا احتملنا تجربةً ما من أجل محبّة المسيح، علينا أن ندرك أنّ مكافأة المسيح ستكون أعظم بكثير. ويجب أن نسعى من أجل نيل المكافأة من الربّ والشركة الأبديّة معه. نعم، قد يبدو الأمر وكأنّنا نخدم مصلحتنا إن طلبنا مكافأة، ولكنّنا أناسٌ ضعفاء في النهاية، ونحتاج ببساطةٍ إلى أن نرى أفق أفعالنا – هكذا هي طبيعتنا. أفق الحياة الأبديّة هو الموعد الذي أعطانا إيّاه الله. إذًا، عندما نمرّ بأوقات صعبة، يجب أن نتذكّر مواعد الله؛ يجب أن نتفكّر بصعودنا إلى الملكوت السماويّ، بأنّ حياتنا لا تنتهي بمضي هذه السنوات القليلة التي أُعطيت لنا لنعيشها هنا على الأرض، بل سوف تستمرّ في الملكوت الأبديّ. حينئذٍ، سنتمكّن من تخطّي أيّة صعوبة نواجهها، أكان على الصعيد الشخصيّ أم الاجتماعيّ أم العامّ، مثل الخطر الناتج عن فيروسات متنوّعة، أو تعدّي الأعداء على أمننا وراحة بالنا. بالطبع، نحن أناس، والقلق على حياتنا داخليٌّ فينا. ولكن مَن يستطيع أن يضمن لنا سلامتنا؟ مَن يستطيع أن يجزم لنا أنّنا لن نصاب بالكورونا؟ الله وحده يمكنه أن يمنح العالم الأمان. عندما يهب الإنسان حياته لله ويقول: “سيهتمّ الله بكلّ شيء”، سيشعر حينئذٍ بسلام النفس. هذا ما اعتاد أجدادنا على قوله، وكانوا أناسًا سلاميّين. دائمًا ما كانوا يقولون: “سيهتمّ الله”، وكانوا يؤمنون بما يقولون. وكانوا في الوقت عينه مستعدّين ليقاسوا أيّ أمرٍ يحدث في حياتهم، ممتلئين إيمانًا بأنّ الله يرى حياتنا كلّها. وحتّى عندما يأتي الموت، أي أسوأ شيء يمكن أن يحدث لإنسان، فهو لن يكون مرعبًا لأنّ الله قد غلبه

نحن نختبر غلبة المسيح على الموت كلّ يومٍ في الكنيسة. لقد دُمّر الموت بموت يسوع المسيح. وإذا كان لنا رجاءٌ في المسيح القائم، سوف نغلب الموت والفساد والمخاوف وعدم الأمان… لقد وعدنا المسيح بأن يكون معنا إلى الأبد. هو لا يطلب منّا سوى شيئًا واحدًا: أن ننقّي ذواتنا من الخطيئة. فكيف نفعل ذلك؟

طبعًا بواسطة الجهاد الذي علينا كلّنا أن نفعله: جهاد التنقية من الأهواء، جهاد الصوم، والصلاة، والمطالعة الروحيّة، والاعتراف، والاشتراك في أسرار الكنيسة، وعمل الإحسان، ومن خلال أيّ جهادٍ روحيّ ضمن طاقة الإنسان. كلّنا لدينا ضعفاتنا الخاصّة بالطبع، ولا يمكننا التغلّب على خطايانا كلّها. إنّ خلاصنا لا يشتمل على خبرةٍ بلا خطيئة، بل على توبة. يجب أن نتعلّم أن نتوب عن خطايانا وضعفاتنا. إذًا، من خلال التوبة والصلاة، ننال نعمة الله، وتصير التوبة سبب خلاص الإنسان. في النهاية، ليست الحياة التي بلا خطيئة هي التي ستخلّصنا (لا أحد منّا يعيش حياته كلّها من دون أخطاء أو خطايا). سوف نرتكب الأخطاء ونقترف الخطايا، كلّ ذلك بسبب ضعفنا. عندما نمارس جهاد محاربة الخطيئة، سندرك أنّنا لا نستطيع أن نتغلّب على كلّ شيء. وعندما نشعر بضعفنا وعدم قدرتنا على غلبة الخطيئة، سوف نحتاج إلى أن نتوب بصدق. التوبة دليلٌ على التواضع. الإنسان المتواضع تائبٌ دائمًا، ولكنّ الإنسان المتكبّر ليس تائبًا مطلقًا، لأنّ لديه فكرة مضخّمة عن نفسه، ولا يشعر بالحاجة إلى التوبة أمام الله

الصوم الكبير الذي نحن فيه الآن هو الزمن الأجمل، المملوء بالتوبة والتواضع. إذا سمعتم صلوات الصوم التي تُقرأ يوميًّا في الكنيسة، سترون أنّها مملوءةٌ بصرخة التوبة والتواضع، التي لا تقود الإنسان نحو ظلام اليأس والقنوط، بل تمنحه شجاعةً، ورجاءً، وصبرًا، ومخرجًا، ونورًا في نهاية النفق، الذي ليس سوى محبّة الله وحضوره في حياتنا

إذًا، يقول بولس الرسول: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فلنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ ما يدَنّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوحِ”. يبدو هنا وكأنّه يفصل بين الخطيئة الجسديّة والروحيّة. في الواقع، لا فرق بينهما لأنّ الإنسان حين يخطأ، يخطأ بجسده ونفسه معًا. ولكن من أجل أن ندرك كلّ وجوه الخطيئة، يفصل الرسول بينها، ويسمّيها دنس الجسد والروح. ثمّة خطايا جسديّة، أي تلك التي يقترفها الجسد، والتي نعرفها كلّنا جيّدًا ونحاربها. ولكنّ الإنسان بكليّته يخلص. على سبيل المثال، نقول إنّنا نصوم، إنّنا نمتنع عن الطعام. إنّ صومًا جسديًّا كهذا له أثرٌ مفيدٌ بلا شكّ على نفسنا أيضًا لأنّ الإنسان هو وحدة نفسٍ وجسد. إنه شيءٌ أن تتناول حساءً خفيفًا، وشيءٌ آخر أن تتناول شيش كباب. ثمّة فرق بينهما. كذلك، ثمّة فرقٌ بين الإنسان الذي يصوم وذلك الذي لا يصوم، بين الإنسان اليقظ الذي يصلّي وذلك الذي ينام عشر ساعات. كلّ حركةٍ للنفس أو الجسد لها أثرٌ على الآخر. مثلاً، تذكُّر الإساءات والحقد هو هوى روحيّ، ولكنّه يؤثّر أيضًا على الجسد. ينعكس تذكّر الإساءات على جسد الإنسان كلّه، على سلوكه، على مظهره. أمّا هيئة الإنسان النقيّ والتقيّ، فتختلف كليًّا. تنطبع تقواه على وجهه. انظروا إلى القدّيسين كم وجوههم جميلة

أتذكّر عندما جاءت إلى الجبل المقدّس مجموعةٌ من الأساتذة من تسالونيكي، كانوا سبعة أو ثمانية. كان اثنان منهم مؤمنَين، وهما اللذان نظّما الرحلة، بينما كان الآخرون للأسف غير مؤمنين بالله. وبعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الرهبان طول الوقت، قالوا: “إنّ حياة الراهب تستحقّ الاحترام طبعًا؛ ولكن هل فعلاً يختلفون عنّا نحن الذين لا نحيا حياةً مسيحيّة؟” أجاب أحد الأساتذة المنظّمين قائلاً: “لا أعلم إن كنتم قادرين على الاستيعاب، ولكن انظروا إلى وجوهكم وإلى وجوه الرهبان – كيف تبدون وكيف يبدون. ألا ترون حقًّا الفرق؟ ما يشعّ منّا يختلف كليًّا عمّا يشعّ من هؤلاء الناس”. وبالفعل، أنا أيضًا لاحظتُ ذلك حينئذٍ. إذا نظرتم إلى وجوه المسيحيّين الذي يجاهدون روحيًّا، سوف ترون فيها نوعًا من السلام الداخليّ الخاصّ. أمّا الإنسان المتكبّر والغاشّ والشرّير والمحبّ المال، فهيئته تختلف كليًّا. طبعًا يجب ألاّ ندين أحدًا من خلال مظهره، ولكن غالبًا ما يبثّ وجهنا حقيقتنا كلّها

عندما يجاهد الإنسان روحيًّا، يتقدّس وجوده كلّه، النفس والجسد على حدّ سواء، لأنّ الإنسان وحدة نفسيّة-جسديّة. لا يمكننا أن نقسم الإنسان ونقول هنا تنتهي النفس وهنا يبدأ الجسد. كلاّ، خذوا الخبز مثلاً. لكي تصنعوا الخبز، عليكم أن تمزجوا الطحين بالماء وتصنعوا العجينة. ثمّ حين نكون قد خبزنا الخبز، لن نستطيع بعد أن نميّز بين الماء والطحين. هما كلٌّ واحدٌ الآن. ينطبق الأمر نفسه على الجسد والنفس البشريّين. ما دام الإنسان حيًّا، يكون وحدة نفسٍ وجسدٍ لا تنفصل؛ ولهذا يكون الموت عدوّ البشريّة، إذ إنّه يدمّر هذه الوحدة. يموت الجسد وترحل النفس إلى حيث تعيش النفوس. إلاّ أنّ المسيح سوف يبيد الموت وسيقوم الإنسان من جديد. سيقوم الجسد وحده لأنّ النفس لا تموت. حينئذٍ، ستتّحد النفس والجسد من جديد. وسيصير الجسد غير فاسدٍ مثل جسد المسيح بعد قيامته. وسوف يستعيد الإنسان وحدته النفسيّة-الجسديّة

إنّ تدنيس النفس والجسد هو أيّة خطيئة يقترفها الجسد أو النفس. لنجاهد إذًا بمخافة الله من أجل تقديس نفوسنا وأجسادنا. القداسة عملٌ روحيّ. كلّ شيء يظنّ الإنسان أنّه يفعله من أجل الله، هو في الحقيقة يفعله من أجل نفسه. على سبيل المثال، نقول: “أصوم محبّةً بالمسيح”، “أعمل الإحسان من أجل المسيح”، “أذهب إلى الكنيسة من أجل المسيح”. إنّ المسيح لا يحتاج إلى هذا كلّه. إذا لم نَصُم اليوم، بماذا يؤثّر ذلك على الربّ؟ أو ماذا سينال الله حين نصنع الإحسان؟ في الحقيقة، نحن الذين سنستفيد من جرّاء أعمالنا الروحيّة، سننال بركة، سنقدّس ذواتنا. أمّا الربّ فلن ينال شيئًا من ذلك. إنّنا نجاهد من أجل أن نكون مع المسيح. نسعى لكي ننقّي ذواتنا من أجل أن نصير المكان الذي يمكن للربّ أن يأتي ويسكن فيه. يجب فقط أن نفعل كلّ هذه الجهادات بمخافة الله، لكي نحصل على النقاء الداخليّ

ما معنى “بمخافة الله”؟ غالبًا ما نقول ذلك في الكنيسة، أو نصف شخصًا بأنّه يملك مخافة الله. يجب أن نفهم أنّ مخافة الله هذه لا تشبه مطلقًا خوفنا النفسيّ، مثلاً حين نخاف من الكلاب أو القطط أو الطائرات أو الأتراك أو الكورونا. نحن لا نخاف على هذا النحو. عندما تدعو الكنيسة قائلةً: “بمخافة الله، وبإيمانٍ ومحبةٍ تقدّموا…”، لا تعني أنّنا يجب أن نصاب فورًا بالخوف والقلق، ونبدأ بالارتجاف رعبًا. مخافة الله تعني شعورنا بالإجلال، بالمهابة المقدّسة، أي الشعور بأنّ الله قدّوس، وبأنّه أبونا ويحبّنا، وبأنّه الأقدس والأثمن في العالم. وحين يشعر الإنسان بالمهابة والمحبّة والإجلال في قلبه، هذه كلّها مجتمعة تكون مخافة الله

إنّ مخافة الله أساسيّة لبناء علاقةٍ مع الله. هذا هو العمل الأهمّ في حياتنا. كيف نبني هذه العلاقة؟ من خلال حفظ الوصايا، من خلال التوبة عن خطايانا والندم عمّا فعلنا، وذلك عبر الجهاد اليوميّ، وعبر الاشتراك في الأسرار الكنسيّة المقدّسة التي هي عنصرٌ ضروريٌّ في الحياة في المسيح. بالطبع، يجب أن يفعل كلّ إنسانٍ ذلك بحسب قدرته. ثمّ بجهادنا بمخافة الله، نقتني النعمة الإلهيّة في قلوبنا

عندما كنتُ رئيس دير ماخيراس، منذ قرابة الثلاثين سنة، ذهبنا إلى مؤتمر في جورجيا نظّمته الكنيسة الأرثوذكسيّة الجورجيّة. كانت في بداية استعادتها لنشاطها بعد سنواتٍ من الاضطهاد. كلّ شيء كان مدمّرًا. وعندما هبطنا في المطار في تبيليسي، لم أصدّق أنّه مطار. بدا وكأنّنا هبطنا في حقلٍ مفتوح: كان هناك قمحٌ ينمو وأبقار ترعى في أرجائه. وكان مبنى المطار عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ واحدة، فيها خزانةٌ خشبيّةٌ كُتب عليها “السوق الحرّة”، حيث كانوا يعرضون للبيع جرار المربّى وغيرها من المعلّبات! كانت الحالة صعبةً جدًّا في جورجيا في ذلك الحين. وكانت الكنيسة في تراجع. كانت الكثير من الكنائس مدمَّرة، ما يشبه كثيرًا ما نراه اليوم في الأراضي القبرصيّة التي يحتلّها الأتراك. ذهبنا نهار الأحد إلى الخدمة التي يترأّسها البطريرك. إنّ البطريرك الجورجي رجلٌ قدّيس، ما زال حيًّا ولكنّه متقدّمٌ في السنّ. بحسب التقليد، يرتدي البطريرك حلّته الكهنوتيّة خلال الخدمة في وسط الكنيسة. ويساعده الشمامسة ومساعدو الشمامسة. كنتُ واقفًا هناك أراقب الاحتفال متسائلاً: “لمَ كلّ هذا؟” (مَن كان يعلم أنّ الأمر نفسه سوف يحصل لي لاحقًا (كمطران)؟). سمع أفكاري كاهنٌ راهبٌ كان يقف بقربي وقال لي:ـ

“أترى كيف يُلبسون البطريرك؟”

أجبته قائلاً: “نعم”

“أتعلم لمَ يلبسونه كذلك؟”

“لا فكرة لديّ. ألا يمكنه أن يرتدي حلّته بنفسه؟”

“أسبقَ لك أن رأيتَ كيف تجري العمليّة الجراحيّة؟”

” لم يسبق لي أن كنتُ في عملية، ولكنّني رأيتُ واحدةً على التلفاز حين كنتُ صغيرًا”

“عندما يُجري الطبيب عمليةً صعبة، حيث من الممكن أن تكون أيّة حركةٍ من قبله مميتة، لا يجول في غرفة العمليات باحثًا عن مبضعٍ وإبرٍ وغيرها من الأدوات. هو فقط يرفع يده ويجب أن يفهم معاونوه ما الذي يحتاجه، أو في أقصى الحالات قد يقول رقم الأداة. يجب أن يركّز الطبيب كليًّا على العمليّة. والأمر نفسه ينطبق على الكاهن أو الأسقف حين يقيم القدّاس الإلهي – يجب ألاّ يتشتّت بما سيرتدي أو بأيّ شيء آخر. ولهذا يدعى الشمامسة شمامسة (المعنى في اليونانية “خادم” أو “معاون”)، إذ إنّهم يخدمون الأسقف ويساعدونه، حتّى يتمكّن من تكريس نفسه بالكليّة للصلاة والقداس الإلهي من دون تشتّت

يقول بولس الرسول نفسه لنا: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ” (في 2: 12). ويعني ذلك أنّ علينا أن نتمّ خلاصنا، وعلاقتنا بالله، وعملنا الروحيّ كلّه بخوفٍ وارتجاف. لا نفعلنّه بعجلةٍ أو تهاون، ولا كنوعٍ من النشاط الجانبيّ، بل بوصفه أهمّ أمرٍ في حياتنا. على سبيل المثال، عندما نقود سيّارة، نثبّت عينينا على الطريق، ولكن ما إن نبدأ بالنظر إلى جانب الطريق حتّى يحصل حادث. يجدر بنا أن نسلك طريق الله على النحو ذاته، مرتقين إلى القداسة بمخافة الله

الأخطر من الكورونا

الأخطر من الكورونا

الخورية د. أفيانيا كونستانتينو[1]

نقلتها إلى العربية اسرة التراث الأرثوذكسي

في مقالته بتاريخ 25 أيار 2020 ، “حول ملعقة المناولة المشتركة” [2]، حاول الأب ألكيفياديس كاليفاس تقديم بعض المبررات للتخلّص من استخدام الملعقة المشتركة في المناولة المقدسة. ما قدّمه في نهاية المطاف كان قِيَم العالم أو منطق المسيحية الغربية تحت عباءة اللاهوت الأرثوذكسي

لطالما كانت الأرثوذكسية مَرِنة، لكنها كانت أيضًا لا تهاود في بعض المجالات، بما في ذلك معتقدنا الأساسي حول المناولة والفكر الأرثوذكسي، أي عقليتنا التي تختلف عن عقلية كل الجماعات المسيحية الأخرى. استخدم كاتب المقالة أمثلة معزولة من الممارسات التاريخية الماضية والحجج العقلانية لتبرير عدم استعمال ملعقة المناولة المشتركة. ولكن نفس الحجج يمكن استخدامها لتبرير أو عقلنة القضاء على كل الممارسات التقليدية والمواقف الأخلاقية للكنيسة. يوجد تهديد أكبر من فيروس الكوفيد 19: تقويض قناعاتنا والإضرار بالإيمان. ما نحتاجه من رؤساء كهنتنا وكهنتنا في هذه اللحظة هو القيادة الروحية، بدلاً من تقديم الحجج “المنطقية” التي تخضع لـ”عبودية فكرنا البشري”، كما تنص صلاة المناولة إلى والدة الإله

نحن نعلم أن في الأصل كان جميع المؤمنين يأخذون الجسد يأيديهم ويشربون الدم مباشرة من الكأس المشتركة. اقترحت المقالة أنه نظرًا لأن استخدام الملعقة المشتركة لم يكن دائمًا ممارسة الكنيسة الوحيدة، يمكن للكنيسة المحلية أن تقرر بمبادرة منها استبدال بعض الممارسات الأخرى. وأشارت المقالة إلى أن استخدام الملعقة قد بدأ منذ حوالي ألف سنة لحماية جسد الرب المقدس الغالي من السقوط من يد المؤمنين عن لا مبالاة ولتسهيل المناولة من العنصرين عندما يقيم السرّ كاهن واحد. من المهم أن ندرك الأساس المنطقي لإدخال الملعقة المشتركة: فهي تحمي السر من التدنيس وتسهّل توزيعه. هذا التغيير عزز في أذهان المؤمنين القدسية الفائقة للقرابين. لكن هذه الأساليب الجديدة المقترحة كبدائل محتملة للملعقة المشتركة – كالملاعق المتعددة أو ذات الاستعمال لمرة واحدة – لا تتبع تلك العقلية على الإطلاق. وبدلاً من ذلك، يتم اقتراحها للتخفيف من المخاوف بين بعض العلمانيين، وهذا سيؤثر بالفعل سلباً على المؤمنين من خلال تأكيد مخاوفهم من أن المناولة المقدسة يمكن أن تنقل المرض. لطالما اعتبرت الكنيسة أن المناولة المقدسة لا يمكن أن تكون مصدر المرض أبدًا، وتقويض هذا الاعتقاد الأساسي هو أكثر خطورة وأكثر فتكًا من الكوفيد 19، لأن تنمية هذه الشكوك تؤثر على خلاصنا الأبدي. إن الشرير يرقص فرحاً لأنه بالإيحاء بأن المناولة قد تنقل المرض من خلال الملعقة، تكون الكنيسة نفسها تغرس الشك الذي سوف ينمّيه الشيطان ويسعى بفارغ الصبر إلى مدّه إلى نواحٍ أخرى من الإيمان

وأشار المقال إلى أن القانون 101 من المجمع البنثكتي (الخامس-السادس) منع المؤمنين من إحضار أوعية ذهبية صغيرة للمناولة بدلاً من أخذها مباشرة على أيديهم. اعتقد الناس أنهم كانوا يحترمون القرابين عن طريق وضعها على مادة “ثمينة” مثل الذهب. نهى القانون عن هذه الممارسة، ليس لأن المجمع كان يؤكد أنه لا ينبغي لنا استخدام ملعقة أو أي “أداة” أخرى. كانت الفكرة من وراء القانون التأكيد على أنه لا يوجد شيء أغلى، أو وعاء أكثر جدارة بالمناولة المقدسة، من الإنسان. لا يُكرَّم المسيح بذهبِنا أو ملاعقِنا بل باستقباله بالسلوك الصحيح، “بخوف الله وإيمان ومحبة” كما تذكّرنا الدعوة بالكأس

أكد القانون قيمة الإنسان الفائقة. بالنسبة لنا أصبح الله بالفعل إنسانًا، وبالتالي لا يمكن أن تكون المناولة المقدسة عاملًا للمرض، سواء تمّت المناولة بالملعقة، أو في اليد ، أو مباشرة من الكأس. أصبح الله إنساناً – ليس فقط ليموت على الصليب أو يقوم من بين الأموات. أصبح إنسانًا ليصير لحمًا ودمًا حتى نتمكن من استقبال جسده ودمه جسديًا. من سابع المستحيلات، أن نمرض عن طريق المناولة نفسها أو من خلال الأداة التي نتناول بها. عندما أصبح الله إنساناً، قدّس طبيعتنا البشرية بتوحيدها مع طبيعته الإلهية. إلوهيته لم تتغيّر باتحاده مع الإنسانية. كيف إذاً لا تتقدّس الملعقة التي تناول المؤمنين؟ إذا كنا نحن البشر، مع ذنوبنا وإخفاقاتنا، نتقدّس بالمناولة، فكيف لا تتقدّس الملعقة وهي شيء جامد بدون ذنوب وكيف تكون عاملاً للمرض؟

يصوّر المقال الذين يدافعون عن الإيمان الأرثوذكسي، بتمسكهم بالملعقة المشتركة، على أنهم غير حساسين. ويصفهم بأنهم “رافضون” وينشرون “جواً من التعالي” لأننا نصر على أن المناولة لا يمكنها نقل المرض لأنها “دواء الخلود”. يعترف الأب كاليفاس بأنه “قد يكون صحيحاً” أن المناولة لا يمكنها نقل المرض، ولكن “دواء الخلود” وعبارات مماثلة “ليست كافية لتهدئة مخاوف وهموم” بعض الناس. لكن هذه ليست تصريحات حديثة لأوغاد يمارسون “جواً من التعالي”. مثل هذه التصريحات هي ما علّمته الكنيسة والكتب المقدسة والآباء والقديسون دائمًا وما تعلنه ترانيم المناولة: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”، “جسد المسيح خذوا. وطعم ينبوع الحياة الأبدية”، “كأس الخلاص أقبل وباسم الرب أدعو”. إن تراتيل المناولة ليست مجرد أحاسيس شعرية يمكن تجاهلها كأنها لا معنى لها لأن بعض الناس خائفون. لقد تمّ برهان صحة تأكيدنا على أن المناولة المقدسة لا يمكن أن تكون أبداً وسيلة لنقل الأمراض، بغض النظر عن الطريقة التي تتمّ بها، من خلال تاريخ الكنيسة البالغ ألفي عام. هذا ما يتم “استبعاده” هنا! ما الذي يجب أن تشجعه الكنيسة؟ على ماذا يجب أن تبني الكنيسة موقفها: على الايمان أو الكفر؟ على التقليد المقدس أو الخوف الإنساني؟

لسوء الحظ، يقترح الأب كاليفاس أن المناولة يمكن أن تنقل المرض، “كما لو كان فعل المناولة خالٍ من … ’حدود النظام المخلوق’”. يعبّر المقال عن تعاطفه مع الأشخاص الذين لا يريدون أن يتعرضوا لـ “مخاطر لا داعٍ لها” وأن “الناس يريدون أن يشعروا بالأمان والاستماع إلى الكنيسة وحمايتها”. الخوف البشري حقيقي ويجب أن نكون حساسين تجاه مخاوف الناس. تهتمّ الكنيسة دائمًا بالمؤمنين وترغب في حمايتهم. أغلقت الكنائس لأسابيع ونحن مستمرون في اتباع ممارسات النظافة الصحية، كارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي، لكن الكنيسة لن تبدد كل المخاوف لذا لا ينبغي أن نساوم على إيماننا المقدس في محاولة خاطئة للقيام بذلك

يحاول المقال التمييز بين السرّ نفسه والطريقة التي يتمّ بها، مما يشير إلى أنه لا يمكن للمريض أن يمرض من السرّ بل من الملعقة. هل نعتقد أن مَن أفرغ الجحيم من الموتى غير قادر على السيطرة على الفيروس لأنه على ملعقة؟ ما هذا الهراء! سواء تناولناه على ملعقة مشتركة أم لا، فإن سر الكنيسة الأكثر قدسية لا يمكن أن يكون أبداً وسيلة للمرض. عند تأسيس الإفخارستيا، كان المسيح على دراية بالتأكيد بالفيروسات والجراثيم. كان يعلم أنه سيكون هناك وباء في المستقبل، ولكن مع ذلك، فإن الرب إذ يبدو متهوراً، غير محبٍّ أو مهتمّ للإنسانية، وضد كل التوجيهات العلمية أو الفكر العقلاني، تجرأ على تمرير كأس مشترك! هكذا كان المسيحيون يتناولون السر لمئات السنين قبل استخدام الملعقة المشتركة: من كأس واحد

بعد أن يتلقى المؤمنون القرابين المقدسة، يتناول الكاهن ما تبقى في الكأس. أشار الأب كاليفاس إلى أنه تناول القرابين المتبقية آلاف المرات خلال أكثر من ستين عامًا ككاهن. بهذا قوّض حجته: لم يمرض أبداً من هذه الممارسة على الرغم من أنه استهلك الكأس بعد مناولة الآلاف من الناس بملعقة مشتركة. في الواقع، لم يوجد ولا حالة واحدة يمكن أن يثبت فيها إنسان أنه أصيب بأي مرض من المناولة المقدسة. في مناسبات قليلة، شاهدتُ زوجي يلعق أرض الكنيسة عندما كانت تسقط قطرة عن غير قصد. لقد رأيته حتى وهو يمتص قطرة من المناولة بقوة من السجادة إذ كانت أرضية الكنيسة مغطاة بالسجاد، حيث مرّت مئات الأحذية الآتية من عالم مليء بالجراثيم. تخيلوا ذلك! الكاهن، بثيابه، على ركبتيه، يمتص السجادة أو يلعق القرابين عن أرضية صلبة. لم يمرض أبداً. هذا ليس مجرد عمل تقوى عاطفي بل عمل إيمان وتوقير، إيمان نحتاج إلى رعايته ودعمه في هذا الوقت، وليس البحث عن إجراءات بديلة من شأنها تقويضه

ظهرت هذه المسألة منذ وقت ليس ببعيد خلال الثمانينيات عندما أثيرت مخاوف بشأن إمكانية انتقال فيروس الإيدز. أتذكر المناقشات التي أجريناها في الكنيسة في ذلك الوقت. أتذكر محاضرات أخصائيي الأوبئة الذين بحثوا في مسألة ما إذا كان من المعروف أن المناولة المقدسة تنقل الأمراض من قبل: قالوا أن ذلك لم يحدث من قبل. لم نكن نعرف سوى القليل عن الإيدز وكان قاتلاً بنسبة 100٪ في ذلك الوقت. كان لدى الجميع مخاوف، لكن أحداً لم يستبعد الملعقة المشتركة بحجة أن الناس كانوا خائفين. كم تضاءل إيماننا ونما موقفنا الدهري منذ ذلك الوقت! إذا كان قرارنا سيعتمد على النظافة أو العلوم، فلماذا لم يتم الاستشهاد بالدراسات العلمية؟ لا، بدلاً من ذلك، نردّ ونعمل بخوف. صاحب السيادة نيكولاوس خادزينيكولاو مطران ميسوغيا ولافريوتيكي (اليونان)، وهو عالم متقدّم من جامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومؤسس لمعهد أخلاقيات علم الحياة في أثينا، نشر توجيهاً أسقفياً للكنيسة يقول إن المناولة لا يمكنها نقل المرض. لقد لاحظ بشكل ذكي أن الخطر الحقيقي في عالم اليوم ليس العدوى بل “فيروس قلة الورع ونقص الإيمان”

إن الأب كاليفاس مخطئ إذ يكتب أن “الكنيسة المحلية في حكمتها وسلطة الجماعة فيها لها الحرية في التكيّف وتعديل وإدارة الطريقة التي تتمّ بها المناولة المقدسة.” من المناقض للعقلية الأرثوذكسية أن كنيسة محلية واحدة بمبادرة منها تحدِث تغييراً في مسألة مهمة كالمناولة المقدسة عن طريق استبدال الممارسة الثابتة في الكنيسة في كل أنحاء العالم لمئات سنوات [تظهر العقلية الأرثوذكسية في تبادل الرسائل الذي باشره بطريرك القسنطينية وأصدر في نهايته رسالة أكّد فيها عدم تغيير طريقة المناولة: المترجم]

يسخر المقال من الذين يتمسّكون بالملعقة المشتركة كرد فعل على “القلق” من “التغيير”. لنتذكر أن إيمان المسيحيين الأرثوذكس العاديين البسيط هو الذي حافظ على الكنيسة وحفظ الإيمان حتى عندما كان معظم الناس شبه أميين. في كثير من الأحيان، كان اللاهوتيون والأساقفة في الجانب الخطأ من التاريخ. إن موقف “التعالي” الذي تهاجمه المقالة موجود لدى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم “متعلمين” و “علميين” وأكثر دراية من بقيتنا، الذين يصِلون إلى تفسيرات متذاكية لتبرير موقفهم. “وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ” (رو 1: 22). إن الذين يعارضون الاستغناء عن الملعقة المشتركة لا يشعرون بـ “القلق” من التغيير بل هم قلقون من فقدان عقليتنا الأرثوذكسية التي لا تقدّر بثمن، والتزامنا التقاليد الذي حافظ على إيماننا لأجيال من عدد لا يحصى من الأخطار وهجومات من أعداء لا حصر لهم. هل نكون نحن من يقوّض إيماننا بدلاً من الاعتراف بأن هذه اللحظة هي اختبار لإيماننا؟ واجه أجدادنا وأمهاتنا مخاطر لا حصر لها، بما في ذلك التعذيب والاستشهاد بدلاً من إنكار المسيح، فهل ننكره باتهامه بترك الكنيسة تستخدم أداة – الملعقة – من شأنها أن تجلب لنا المرض؟

يؤكد المقال على أن استبدال الملعقة المشتركة مقبول لأن استخدامها هو مجرد ممارسة وليس انتهاكًا لعقيدة الكنيسة المقدسة. لكن هذا غير صحيح. ليس التغيير بحد ذاته انتهاكاً للعقيدة بل سبب التغيير هو الانتهاك. إن اقتراح أن يصاب المرء بالمرض من المناولة المقدسة والسامية هو في الواقع انتهاك لعقيدة الكنيسة المقدسة على مستوى شامل وعميق. إن التأكيد على أن الملعقة المشتركة “ليست عقائدية” يكشف عن السطحية التي تتمّ بها معالجة هذه القضية

إن تغيير الملعقة المشتركة لن يكون بمثابة إدلاء ببيان عقائدي حول طبيعة المناولة المقدسة نفسها وحسب بل حول ما تمثله الملعقة المشتركة وهو أيضًا عقائدي، وهذا ما ينبغي أن يعرفه عالم الليتورجيا. هناك سبب لاهوتي للملعقة واحدة: فهي توحدنا بنفس الطريقة التي تحققها الكأس المشترك والخبز المشترك. فبينما قال الأب كاليفاس أن تغيير هذه الممارسة لا ينتهك أي “عقائد”، إلا أنه في الحقيقة ينتهك الممارسة الإفخارستية الأساسية في الأرثوذكسية والتي تعبّر عن وحدة الكنيسة: خبز واحد، كأس واحد، مذبح واحد، ليتورجيا واحدة، رب واحد، إيمان واحد ومعمودية واحدة

ذكرت المقالة أن الملعقة هي “أداة مادية ناقصة… لا تشترك في عدم قابلية جسد المسيح للفساد”. من البديهي أن الملعقة لا تساوي جسد المسيح ولا هي غير قابلة للفساد. لكنها ليست مجرد “إناء”، “كرامته مشتقة من استخدامه” في المناولة، كما وَرَد. إنها الوسيلة التي تُعطى بها المناولة للمؤمنين. قوانين الرسل 72 و 73 من 85 تحظّر بشدة بيع أو صهر الأشياء أو الأقمشة الليتورجية المقدسة وتحظّر استعمال أشياء الكنيسة في الاستخدام الدنيوي. هذا الأمر مستنكَر على أنه “انتهاك” في القوانين وجزاؤه القطع (الحَرم). لماذا يكون تدنيس الملعقة “انتهاكاً” إذا كانت الملعقة مجرد “أداة” ذات “كرامة”؟ لقد أصبح أداة مقدسة، وبهذه الصفة نتقبّل أنها لن تنقل المرض أبدًا

قال القديس يوحنا الذهبي الفم في العظة 25 حول إنجيل يوحنا: “لأنه لا شيء أسوأ من إحالة الأشياء الروحية إلى المنطق البشري… نحن أنفسنا نُدعى ’مؤمنين’ لهذا السبب بالتحديد: لكي نضع جانباً ضعف المنطق البشري، فنصل إلى سمو الإيمان، فنولي الجزء الأكبر من خيرنا لتعليم الإيمان”

لم تتخذ الكنيسة يوماً قرارات على أساس الخوف، بل على أساس الإيمان فقط. ولا تتخذ الكنيسة أيضًا قرارات أو تتوصل إلى استنتاجات لاهوتية قائمة على المنطق البشري. لذا دعونا نتّبع خط المنطق البشري الذي يوظفه الأب كاليفاس ونرَ إلى أين سيأخذنا في النهاية. يتناول الكهنة والأساقفة والشمامسة من الكأس قبل مناولة المؤمنين. يضاف الماء إلى النبيذ مرتين – مرة خلال التقدمة ومرة خلال القداس الإلهي. هل يبقى في الكأس ما يكفي من الكحول لقتل الفيروس بعد إضافة الماء؟ هل سنبدأ بالتوجّس من هذا الخوف أيضًا؟ عند أي نقطة لن نبقى مرتاحين لذلك؟ يتناول الكاهن أيضًا من الكأس مباشرة قبل أن يقدمها إلى الجماعة. عند أي نقطة سنتوجّس من المناولة من نفس الكأس التي تناول منها الكاهن ونستسلم لهذا الخوف؟ هل ينبغي أن يكون لدينا كؤوس منفصلة للجميع؟ هذا تفكير مثير للسخرية، لكنه امتداد منطقي للحجج المقدمة لرفض الملعقة المشتركة. أصيب عدد من الكهنة الأرثوذكس بفيروس كورونا. هل أصيب أي من المؤمنين الذين تناولوا من الكأس نفسها بعد أن أُصيب هؤلاء الكهنة بالفيروس؟ بالتأكيد لا

علّق القديس غريغوريوس اللاهوتي على المساومة على الإيمان ليتوافق مع قيم هذا العالم: “لأننا لسنا كالكثيرين المستعدين لتخريب كلمة الحق ومزج الخمر التي تفرح قلب الإنسان بالماء، أي مزج عقيدتنا مع الرخيص والرائج والمزغول والمبتَذَل والصليف (لا طعم له: المترجم) لكي نحوّل الخداع إلى مصلحتنا… ولكي نكسب رضا الجمهور، مجرّحين على درجة عالية لا بلّ مخربين ذواتنا ومريقين دمَ النفوس البسيطة البريء الذي سوف يُطلَب من أيدينا” (العظات 46:2)

سنموت جميعاً موتاً جسدياً، لكن هل سنموت طوعاً الموت الثاني أي موت الروح؟ ليس الكورونا مرضًا مميتًا جدًا مقارنة بالأمراض الرهيبة التي أصابت البشرية في الماضي. نحن لم نساوم على إيماننا في الأوقات الصعبة حتى عندما كانت تلك الأمراض أكثر فتكًا ولم يكن لدينا أدوية حديثة كما لدينا اليوم للمساعدة في تهدئة مخاوفنا وشفائنا. يا لها من مفارقة! الآن لدينا الطب الحديث للمساعدة في علاجنا وإطالة حياتنا جسديًا، وهذا ليس عزاءً. لا يمكن للتقدم الطبي والعلمي أن يساعد عللنا الروحية لأن لدينا الآن المزيد من الشك والخوف. هناك شيء أسوأ من فيروس كورونا: غرس الشك بين المؤمنين بإفساد صوت الكنيسة. حتى أصغر اقتراح بأن الأسرار المقدسة يمكن أن تجلب المرض، هو تشويه رهيب للإيمان الأرثوذكسي وقد يؤثّر على الخلاص الأبدي لعدد لا يحصى من الأرواح البريئة

كتب الرسول بولس إلى الكورنثيين عن المناولة المقدسة مذكّراً إياهم بما علمّهم حول الطابع المقدس للإفخارستيا. لم يكونوا ورعين خلال الخدمة الإلهية، “غير مميزين جسد الرب”، وبالتالي كانوا يتناولون”بدون استحقاق”. لذا كتب: “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ” (1 كو 30:11). هذا قول مدهش! إذا كان المرء يمكن أن يمرض أو يموت حتى بسبب عدم تمييز الجسد والدم، فماذا يقول ذلك عنا وعن وضعنا، ونقص إيماننا، ومخاوفنا؟ كل “الملاعق التي يمكن التخلص منها” أو “الملاعق المتعددة” أو طرق أخرى لا تعني شيئًا إذا بقيت إمكانية الإصابة بالمرض قائمة. إن موقفنا ذاته يثبت عدم استحقاقنا للمناولة

مَن كان خائفًا لا يتناولْ. لا يليق أن نسعى للتخفيف من “مخاوف” البعض بإيهان إيمان عدد لا يحصى من الآخرين. تغيير الممارسة الكنيسة في كل العالم منذ مئات السنين هو إدخال لفيروس أكثر سوءاً بكثير: التوافق مع عقلية “العالم”. اليوم لدينا فيروس كورونا. غداً سيكون هناك مرض آخر أو عذر آخر لتمويه الإيمان. لقد نجت الكنيسة من عدد كبير من الأوبئة. الخوف يأتي من ضعفنا وسقوطنا وانكسارنا التي تتواجد الكنيسة والأسرار المقدسة لشفائها وليس لإدامتها

فليرحمنا الثالوث القدوس وينيرنا

الخورية الدكتور في اللاهوت أفيانيا كونستانتينو هي حاليًا أستاذة العهد الجديد والمسيحية الأولى في جامعة سان دييغو والكلية الفرنسيسكانية للاهوت في سان دييغو وكلية القديسين أثناسيوس وكيرللس القبطية للاهوت في أنهايم، كاليفورنيا. سبق لها أن علّمت في معهد الصليب المقدس اللاهوتي في بوستن ومعهد البطريرك أثيناغوراس الأرثوذكسي. هي معروفة لدى آلاف المستمعين بـِ”دكتور جيني” إذ على مدى أكثر من اثني عشر عامًا هي تبثّ برنامجاً إذاعياً في “إذاعة الكتاب المقدس”، وتستضيف أيضًا بثًا صوتيًا مباشرًا أسبوعيًا “ابحث في الكتاب المقدس مباشرة!”. لها عدة كتب من أهمها “التفكير الأرثوذكسي، حول مهمة اللاهوت وعلم الكنيسة”. هي خورية الأب كوستاس كوستانتينو وهو كاهن أرثوذكسي تقاعد بعد أربعين عامًا من الخدمة

كتب المتقدّم في الكهنة الأب ألكيفياذيس كاليفاس، وهو أستاذ شرف في مادة الليتورجيا، مقالاً بعنوان “ملحوظة حول ملعقة المناولة المشتركة” يبرر فيه قرار الميتروبوليت البيذوفوروس استعمال ملاعق ممكن التخلص منها في المناولة، لكل مؤمن ملعقة. هذا القرار أثار اعتراضات الأساقفة اليونان الآخرين الذين كتبوا رسائل رفض للالتزام بقرار الميتروبوليت والتزام بالممارسة الكنسية المعتَمَدة في كل العالم. تعليق الخورية آفيانيا على مقال الأب كاليفاس في هذا المقال، ممتاز إذ يجمع الللاهوت والرعائيات في نص واحد، وهو يجيب على كل ما كُتِب من الفذلكات التي ضجّت بها وسائل التواصل الاجتماعي

مقالة الأب كاليفاس موجودة على هذا الرابط

https://www.goarch.org/-/a-note-on-the-common-communion-spoon–2020

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

حقيقة الله: أهمية اكتشاف الله شخصياً

الشيخ تريفن

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

قبل بضع سنوات، وصلت إلى الدير امرأة تجرّ معها ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا تقريبًا. كانت مستاءة لأن ابنها أعلن أنه ملحد وكانت تخشى أنه في خطر التعرض للعقاب الأبدي. جلستُ مع الصبي وقلت له أن على كل واحد منا أن يتعرّف على حقيقة الله بنفسه. قلت له إن الشك في وجود الله هو جزء من بناء علاقة شخصية معه. إذا مررنا ببساطة عبر الأفكار دون البحث عن علاقة حقيقية، فقد نكون أيضًا ملحدين. عرفتُ في شبابي جهاداً روحياً عظيماً، إذ كنت أسعى لملء الفراغ الذي شعرت به في قلبي

يجابه معظم الشباب أسئلة حول الأمور الأبدية. إنه جزء من بناء العلاقات. مثل الشاب الصغير الذي زارنا مع والدته، قد عانيتُ من الشك. الفرق الوحيد هو أن جهادي جرى خلال أيام دراستي الجامعية. لقد كانت فترة زمنية كنت فيها ممتلئاً من القلق بشأن المستقبل، وخائفاً من اتخاذ قرارات خاطئة

لعلمي أهمية الصدق، أخبرت الأم أن تسمح لابنها باستكشاف حقيقة الله بنفسه. كان من الأفضل له أن يشكك في وجود الله من أن يدّعي الإيمان ببساطة. في الوقت نفسه، أخبرت الصبي أنه بحاجة إلى مرافقة عائلته إلى الكنيسة لأن من المهم أن يطيع والديه ويدعم أخاه الأصغر. بعد كل شيء، لا يخبر أحد والديه أنه لن يذهب إلى المدرسة لمجرد أنه لا يرى أن دراسته مهمة

إن الإله الذي رفضه هذا الصبي كان الصورة الخاطئة عن الله التي لطالما رفضتُها. الله الذي توصّلت إلى معرفته شخصياً ليس الإله الذي رفضته في شبابي. الله المتجلّي في يسوع المسيح هو الواحد الذي اختبرتُه شخصياً والذي سعى إليّ أولاً. إذا أردنا علاقة شخصية مع المسيح علينا أن نكون منفتحين وصادقين ولا نخاف من أن نسأل. يريدنا الربّ أن نكون حقيقيين معه. كمثل العلاقة الصحيحة التي يراها الإنسان في النجاح المستمر والناجح، كذلك العلاقة مع الله يجب أن تقوم أولاً وقبل كل شيء على الصدق والحقيقة. المحبة والثقة تأتيان مع الوقت والتجربة. علاقتنا مع الله هي شيء يتكوّن مع الوقت، كمثل كل العلاقات الحسنة ينتهي بحسّ من السلام

هذا هو السلام والفرح اللذين أريد أن أنقلهما للشباب. علاقتي الشخصية مع المسيح هي شيء أريد مشاركته، وليس فقط مع الشباب الأرثوذكسي. أعلم أن الله موجود لأنني اختبرت محبته الكبيرة بطريقة شخصية، وهذا اليقين لحقيقة الله هو الذي يقودني للتواصل مع محبة المسيح. هؤلاء الأفراد الذين ألتقي بهم في الحياة اليومية، مثلي، يحتاجون إلى اكتشاف الله بأنفسهم، والبناء على علاقة بدأت منذ الحَبَل بهم

العنف والتقوى

العنف والتقوى

الأب أنطوان ملكي

أوردت شبكة بي بي سي خبراً في 18 حزيران تحت عنوان “الكاهن الذي ينكر الفيروس التاجي الأب سيرجي رومانوف يستولي على دير روسي”. وفي التفاصيل أن الكاهن المذكور أوقفته الكنيسة الروسية عن الوعظ ومن ثمّ عن تعليق صليبه لأنه كان يحرّض الشعب على عدم طاعة السلطات الكنسية والمدنية، اقتناعاً منه بأن لا وجود للكورونا وأنها جائحة مفتَعَلة. أثناء جلسة محاكمته انسحب من القاعة ومضى واحتلّ الدير الذي انسحبت منه الرئيسة وبعض الراهبات، وقد رافقته مجموعات مسلحة. لاحقاً أوقِف الكاهن مع أنه شدد على أنه لن يترك الدير وأن على الكنيسة في حال أرادت ذلك أن تقصفه لأنه اختير للتعليم. هو يخضع الآن للمحاكمة في الكنيسة والدولة

ما أهمية هذه الحادثة؟ إنها مثال واضح على أن التطرف يؤدّي إلى أعمال تتنافى كلياً مع الغيرة التي قد تكون المحرّك الأول للعنف. فوق هذا، العنف يلفت النظر إلى أن بين جنون العظمة والغيرة خيط رفيع من السهل انقطاعه. غياب اليقظة الروحية الفعلية يسهّل العبور من الغيرة إلى الغرور، والغرور يستسهل اللجوء إلى العنف

هل هذه الحادثة وحيدة من نوعها؟ قطعاً لا ولا يهمنا هنا من الموضوع إلا ما ارتبط منه بتأثير جائحة الكورونا على المؤمنين وفي بلادنا تحديداً. منذ بداية الجائحة، رأينا أشكالاً مختلفة من العنف. على سبيل المثال هدد أحد مطارنة الموارنة باستدعاء القوى الأمنية ضد مَن يفتح كنيسته من كهنته. هذا عنف. دعا أحد المرتعبين من الكورونا إلى تحويل أحد رؤساء الأديار الذين لم يغلقوا أديارهم إلى القضاء. طالبت إحدى الجمعيات بمحاكمة الكهنة الذين لم يلتزموا توصية المجمع بحصر الخدم بالكاهن والمرتّل والخادم. كتب أحد الذين وجدوا في الكورونا فرصة للانقلاب على عدد من الأمور في الكنيسة أن مطران طرابلس الذي لم يوصِ بإغلاق الكنائس جزئياً إلا متأخراً هو مجرم وحمّله مسؤولية كل الإصابات التي سوف تنتج عن إجرامه، والتي لم يظهر منها شيء إلى الآن. اتّصل أحد “المتنوّرين” بكاهن رعيته وهدده برفع دعوى ضده لأنّه يناول بالملعقة المشتركة كعادته. ألزم أحد رؤساء البلديات كاهن رعيته على إغلاق الكنيسة ثم تراجع. تحمل كل هذه الحوادث، التي لا شك أن هناك الكثير غيرها، عنفاً حرّكه الخوف من الكورونا، أو مواقف سابقة رأت في الكورونا فرصة لعرض ما لدى أصحابها

هذا عنف اليسار قابله عنف اليمين على المقلب الآخر، من نوع عنف الكاهن سيرجي رومانوف. العظات التي لم تخلُ من الحدّة في تحدي الدولة والرئاسة الكنسية هي عنف حتى ولو كان محرّكها الغيرة. اتّخذ البعض حادثة طرد التجار من الهيكل ليسمح لنفسه باعتبار مَن لا يماشيه تاجراً أو مارقاً أو عميلاً لضد المسيح. انتشر الكلام عن ارتباط الرئاسات بضد المسيح. هذا كلام كبير ما من كلام آخر يضاهيه في إسعاد ضد المسيح. أن يهاجم كاهن مطرانه وجهاً لوجه مكيلاً الكلام غير اللائق للمطران والمجمع هو عنف ثابت، لا بل هو جرم

أين المشكلة؟ إنها في التقوى. غالباً ما نحكي عن الإيمان والعقل وننسى التقوى. تقليدنا مليء بالقصص التي تحكي عن التقوى كحافظة للإيمان حين يخونه العقل. لكن التقوى قد تنقلب تقوية فترفض العقل وتجرح الإيمان. انحراف الغرب قد يكون بدأ مع العقل، لكنه ما كان ليبلغ الحدة التي هو عليها لولا التقوية. التقوية تتحكّم بظهورات مريم وتضع كلاماً في أفواه القديسين وتقرّب المجيء الثاني وتبعده وأسوأ ما فيها أنها تجعل الإدانة أمراً سهلاً وبالتالي تحوّل العنف شهادة. من الجهة الأخرى، غياب التقوى يجعل الكتاب المقدّس مجرد أدب، والأيقونات مجرّد فن، والجسد والدم مجرد خبز وخمر قابلَين لحمل المرض والموت، والآباء مجرّد أدباء، وحتى يسوع يصير إنساناً قابلاً للأهواء والتسييس. التقوى هي التي تصنع الاعتدال بين الإيمان والعقل وغيابها يطيح بالإثنين معاً

التلقيح وفيروس التضليل

التلقيح وفيروس التضليل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلته إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

يوم الخميس في 14 أيار 2020، عُقد اجتماعٌ تثقيفيّ للإكليركيّين والعلمانيّين في مطرانيّة نافباكتوس وآيو فلاسيو، تزامنًا مع فتح الكنائس من أجل مشاركة المؤمنين في الأسرار المقدّسة، بعد أن كانت مغلقةً أمامهم بسبب أزمة فيروس كورونا. وجرى الاجتماع في كنيسة القدّيسة باراسكيفي في نافباكتوس برئاسة صاحب السيادة المتروبوليت يروثيوس الذي كان مؤّخرًا الناطق الرسميّ حول هذه الشؤون في كنيسة اليونان. وبعد النقاش، طُرح عليه السؤال التالي الذي تليه إجابته عليه:ـ

ما العلاقة بين اللقاح والشريحة الأسطوريّة؟

هذا “فيروس” آخر ظهر مؤخّرًا، ألا وهو “فيروس التضليل”

عندما كنّا صغارًا، كنّا نأخذ اللقاح كلّ عام، وكان يفيد صحّتنا جدًّا. من أجل أن يستخدم الناس الأدوية واللقاحات، تخضع هذه إلى عمليّةٍ علميّةٍ ضروريّةٍ تأخذ وقتًا كبيرًا

إنّ عمليّة تطوير طريقةٍ تشخيصيّةٍ جديدة، أو دواءٍ جديد، أو لقاحٍ جديد، هي عمليّةٌ شاقّةٌ تتمّ على مدى سنواتٍ عديدة، وهي مكلفة. تمرّ عادةً بمرحلة البحث الأساسيّ، ثمّ الاختبار على الحيوانات والبشر، ثمّ تأتي مرحلة التجارب السريريّة. وهذا يتطلّب تمويلاً متواصلاً للباحثين وشركات الأبحاث، إلى أن يوُافق على المنتج ويُطرح في السوق من قبل الشركة التي أنتجته

إذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، لا يمكنني أن أفهم كيف أنّهم، خلال هذه العمليّة وخلال إنتاج الملايين من اللقاحات، سيزرعون شريحةً، ولماذا لا يستطيعون فعل ذلك بأدويةٍ أخرى نستعملها وبلقاحاتٍ أخذناها وما زلنا نأخذها كلّ سنة. هذه المعلومات هي ذات طبيعة تآمريّة، ومن الضروريّ ألاّ نتصرّف من أنفسنا بل أن نطيع المجمع المقدّس

الأمراض النفسجسمية

* الأمراض النفسجسمية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد سبق أن حددنا الفرق بين علم اللاهوت الأرثوذكسي، والعلاج النفسي وعلم النفس والتحليل النفسي الإنسانيين أو المتمحورَين حول الإنسان. هنا، لكي نكمل هذا الجزء من الكتاب، سوف نناقش أربعة أنواع من الأمراض النفسجسمية

يجب علينا أن نلاحظ أن مصطلح “الأمراض النفسجسمية” لا يستعمل هنا بالمعنى الطبي المعتاد للإشارة إلى أمراض مثل الربو أو القرحة أو حالات القلق، ولكن بالمعنى اللاهوتي لكي نشير إلى الأمراض التي تؤثر على كل من النفس والجسد

الإنسان هو كيان نفسجسماني، فهو مصنوع من نفس وجسد مرتبطين ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً ويؤثّران على بعضهما البعض. هذا يعني أن مرض النفس يؤثّر على الجسد أيضاً، ومرض الجسد أيضاً له تأثير على النفس. بالتالي توجد أمراض روحية للنفس، وأمراض نفسية عاطفية، وأمراض عصبية بيولوجية، وأمراض عضوية

قد يوجد أيضاً تفاعل متبادل بين هذه الأمراض ما يتطلب في بعض الأحيان تمييزاً كبيراً وحكمة لاكتشافه، إذ أن أمراض النفس الروحية تعمل على مستوى نفسي وبيولوجي، والأمراض النفسية تؤثر على المرء بطرق مختلفة كثيرة، والأمراض العضوية قد تسبّب مشاكل نفسية بل ومن الممكن أيضاً أن تسبّب مشاكل روحية. هذا ويبقى هناك حالات لا تتأثر فيها الأمراض ببعضها البعض

ما يلي هو تحليل مختصر لهذه الأنواع الأربعة من الأمراض:ـ

تغطي الفئة الأولى أمراض النفس الروحية. عندما استعملت عنوان “الطب النفسي الأرثوذكسي” لكتابي كنت أفكّر بصورة رئيسية بالأمراض التي تشوّه علاقة الإنسان الشخصية مع الله وتسبب الاضطراب في كل كيانه النفسجسماني

بحسب تعليم الآباء القديسين، عندما يظلم نوس الإنسان فإنه لا يستطيع أن يبني علاقة شخصية روحية مع الله ويصير مريضاً بشكل خطير. مَن لم يقتنِ الصلاة العقلية (ما يشير إلى عدم اقتنائه شركة شخصية مع الله) يمكن اعتباره مريضاً روحياً. يشير الأب يوحنا رومانيدس لأمراض النفس الروحية تلك: “كل إنسان هو مريض نفسي بالمعنى الآبائي. ليس بالضرورة أن يكون مصاباً بالفصام لكي يكون مريضاً نفسياً. من وجهة نظر الآباء، تعريف المريض النفسي، هو كل مَن لا تعمل قدرته النوسية بطريقة صحيحة، بمعنى أن نوسه مملوء بالأفكار، لا الأفكار الرديئة وحسب بل والحسنة أيضاً”ـ

يكون نوس الإنسان مريضاً لأنه بعيد عن الله، فيصير إما شيطانياً أو حيوانياً كما يقول القديسان مكسيموس المعترف وغريغوريوس بالاماس. قد لا تظهر هذه الحالة على الجسد ولكن هذا الإنسان يكون مريضاً بنظر الله. في الإنجيل وفي كتابات الآباء عدّة نصوص تصف هذه الحالة… ـ

يكمن جهاد الإنسان في كشف نوسه الغارق بقدرته المنطقية وأهوائه، واكتساب موهبة الصلاة العقلية، والصعود حتى إلى ما هو أعلى حيث الاتحاد بالله ومعاينة النور غير المخلوق. عندئذ يكون قد صار هيكلاً للروح القدس حيث يقيم الله، وقد بلغ الشركة الشخصية مع الله وهذا هو خلاصه

بالتالي، مصطلح المرض في كتابي “الطب النفسي الأرثوذكسي” هو بصورة رئيسية يعني مرض الإنسان الروحي. وغالبية ما كُتب في الكتاب هو، عملياً، طب وقائي. إنه وصف لما ينبغي فعله لتجنّب المرض. فمثلاً، في باب “علم الأمراض الأرثوذكسي” وفي فصل “الأفكار” إشارة إلى شفاء نفس الإنسان. توجد أيضاً مقاطع في الكتاب تصف شفاء النفس، والقلب، والقدرة المنطقية، والنوس، وما إلى ذلك. إنني أصر على موضوع الأفكار لأنني أعتبر أن الأفكار سبب رئيسي للمرض، في حين أن الأفكار الصحيحة تساعد على شفاء النفس

تلعب وصايا المسيح دوراً مهماً في وقاية الناس من المرض، وفي شفائه إن وقع في المرض. تنظّم هذه الوصايا الأجزاء الثلاثة للنفس وتجعلها سليمة. إن وصايا الصوم والسهر والصلاة مهمة، إلا أن مجال وصايا المسيح أوسع كونها تكمن في الاتضاع والتوبة والصبر وما إلى ذلك. يعطي الأطباء الروحيون المجرّبون التعليمات المناسبة. إنهم يعلِّمون ما يجب عمله في كل حالة لبلوغ الخلاص، حيث أن ما يعمل كدواء عند شخص ما قد يكون سماً عند آخر

بخلاف أمراض النفس الروحية توجد أمراض نفسية تؤثر على العالم النفسي للإنسان ما يؤثّر على سلوكه الاجتماعي. يهتمّ علم النفس بهذه الأمور علماً أن لكل مدرسة من مدارس علم النفس طريقة مختلفة بالتعامل مع المشاكل، وتختلف هذه الطرق عن التعليم الأرثوذكسي في عدة جوانب. سبب الأمراض النفسية هو إما أمراض في عالم الإنسان الداخلي، أي في أفكاره وضميره وشعوره بالذنب وانفعالاته، أو التعامل الخاطئ مع المشاكل الأسرية أو الاجتماعية. إلا أن أحد الأسباب قد يكون أيضاً العجز عن التعامل مع الأمراض الجسدية. تضمّ هذه الفئة حالات معاناة الإنسان من سوء المعاملة في طفولته أو مراهقته، ومن صعوبات واجهته في البيئة الاجتماعية والأسرية، كما من مشاكل سببها خبرات أليمة من الماضي، والعديد من الأسباب الأخرى. مهم أيضاً أن نشير إلى أنّ ما يسمّى “علم النفس الجزيئي” يتطور في أيامنا هذه

في السابق، عندما كانت الأسر والمجتمعات منظمة، أي عندما كانت مبادئ الحب والاهتمام بالآخرين ما تزال أكثر فعالية، والأهم من ذلك عندما كانت طريقة الحياة الكنسية أكثر انتشاراً وكانت خبرة التقليد الأرثوذكسي أساس حياة النفس، كانت تُعالَج كل هذه المشاكل النفسية. مع الأسف، نمط الحياة الفردي هو وراء العديد من هذه الحالات النفسية. فبمجرد أن فُقد منهج حياة الشركة الكنسية، صار الناس بدون معونة وصاروا يلجؤون إلى علماء النفس وينضمّ بعضهم إلى جماعات ومجتمعات علاجية مختلفة بهدف الحصول على التعزية والمعونة من مصدر علمي. بتعبير آخر، ما تم تحقيقه في الماضي من خلال التقليد ككل، يسعى الباحثون في هذه الأمور إلى تحقيقه الآن

عندما يرغب الشخص في أن يعيش كنسياً في مجتمع كنسي منظم (رعية أو دير) فهو يسلك بحسب المتطلبات الكنسية الصحيحة، وعندما يقبل الإرشاد من أب روحي، يمكن أن يحصل على المساعدة بصورة ملائمة لكي يواجه هذه الصراعات الداخلية ولكي يحوّل حالات القلق إلى اهتمام روحي، ما لم تكن قد أثرت على جسده حيث يصير بحاجة أيضاً إلى المساعدة الطبية. في كل الأحوال، تقليد الكنيسة اليقظ، الذي يعلّم عن التعامل مع الأفكار وشفاء الأهواء وتحقيق الاعتدال في عالم المشاعر الداخلي، هو يشفي الاضطراب النفسي والعاطفي. الإنسان الذي يعيش حقاً في الكنيسة مع الأسرار والحياة النسكية تحت إرشاد أب روحي، يُشفى من كل هذه الحالات النفسية

أيضاً هناك فئة من الأمراض العصبية البيولوجية والمرتبطة بالبنيان البيولوجي للإنسان والمتعلقة باضطرابات الجهاز العصبي المركزي والطرفي. العديد من الأمراض التي يهتم بها الطب النفسي، كالذُهان والفصام، بات معروفاً أن لها أساس بيولوجي. من أسباب هذه الأمراض الوراثة والعوامل البيئية. هذه الأمراض قد كثُرَت في أيامنا لعدة أسباب ويساهم طب الأعصاب المتطور في علاجها

على المرضى الذين يعانون من هذه الأمراض أن يتبعوا التعليمات الملائمة التي يعطيها لهم أطباء الأعصاب والأطباء النفسيين، إذ يحتاجون لتناول عقاقير محددة لإعادة التوازن لعمليات الكيمياء الحيوية في المخ وسائر الجهاز العصبي. جدير بالذكر هنا أنه كان في الماضي اختصاص يسمى الطب النفس-عصبي إلا أنه تم فصلهما الآن. بالتالي يهتم أطباء الأعصاب بالاضطرابات العصبية كجلطات المخ، التيبس المتعدد، والأمراض الأخرى المرتبطة بالمخ، ويقومون بتحويل المرضى الذين يعانون من الاكتئاب والاضطرابات الأخرى ذات الأساس البيولوجي إلى الأطباء النفسيين أو علماء النفس. في نفس الوقت، ينبغي على هؤلاء المرضى أن يقبلوا أيضاً بتمييز علاج الكنيسة الشافي المتكون من الأسرار والنسك، طالما أن الأمراض العصبية البيولوجية تؤثر أيضاً على المجال الروحي للشخص

أظهرت الخبرة أن بعض هؤلاء المرضى يكفيهم أن يتناولوا العقاقير فيصيروا قادرين على العيش بطريقة متزنة في المجتمع. فهم يحصلون أيضاً على المساعدة لكي لا يصيروا عدوانيين أو مدمرين لذواتهم، وبالتالي يبقون متكاملين داخل المجتمع. إلا أن الاستعمال الخاطئ للأدوية النفسية يغيّر شخصية الإنسان. لذا هو يحتاج للمساعدة الروحية في نفس الوقت لإعطاء معنى لحياته. لا تعمل الأدوية النفسية على كل جوانب الإنسان لأنه ليس آلة بيولوجية بل له نفس أيضاً. مع ذلك، عندما يعيش المرضى بهذه الحالات داخل الكنيسة، بالتوازي مع علاج علم الطب، ويتبعون أيضاً طرق العلاج الكنسية، فإنهم يحصلون على فائدة كبيرة

أغلب الأمراض تكون بدنية إذ تمرض الأجزاء والأعضاء المختلفة للجسم البشري. من الممكن أن تؤثر هذه الأمراض على الإنسان على المستوى النفسي والروحي، وكنتيجة لذلك قد يفقد إيمانه في الله، ويحبَط، ويدمر علاقته مع الآخرين. يواجه الآخرون الذين يؤمنون بالله هذه الأمراض البدنية بطريقة إيجابية

بحسب آباء الكنيسة، عندما يكون الشخص مريضاً بدنياً ويسبح الله تكون هذه علامة على صحته الروحية. يؤكد الآباء النساك على جوانب عديدة من هذا الموضوع. بحسب القديس ذياذوخوس الذي من فوتيكي، يكون الصبر في التجارب والشكر على البلايا شكلاً ثانياً للاستشهاد. عندئذ يحسب الله المرض كاستشهاد ويتلقى الشخص المريض إكليل الشهادة بحسب كلمات المسيح: “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى 22:10)

عادة يسمح الله بالمرض البدني من أجل تطهيرنا الروحي. يذكر القديس يوحنا السلمي أنه توجد أمراض تطهرنا من خطايانا، وأمراض تعطي الاتضاع لأذهاننا. أصحاب التمييز هم فقط الذين يستطيعون إعطاء التشخيص الصحيح. من أجل هذا يوصينا القديس يوحنا السلمي ألا نحاول تمييز السبب في مرض شخص ما لأننا قد نخطئ وننتقده ونعطي حكماً خاطئاً. إننا نقبل المرض بصبر وتمجيد لله

إننا نعلم أن الأمراض الجسدية لها خاصية مطهرة. يؤكد القديس إسحق السرياني على أن الصبر في تجارب الحياة يولد الصحة الروحية، والصحة الروحية تجلب معرفة الله، ومعرفة الله تخلق محبته، وتكون محبة الله تلك أقوى من الحياة. للصبر قيمة كبيرة، ولكن هكذا تكون الطاعة أيضاً لتدبير الله

متى كانت حياة الشخص ذات معنى وروحه سليمة، فإنه لا ينهار نفسياً حتى لو مرض جسده لأسباب عديدة. عندما تكون إرادة الله أن نعاني من مرض لوقت طويل، فإننا نصبح من خلال صبرنا وشكرنا لله شهداء ونتلقى أكاليل الشهادة. في الواقع من الممكن أن نتلقى حتى أكاليل أعظم من أكاليل الشهداء لأنهم عانوا من العديد من العذابات لوقت قصير في حين نعاني نحن على مدار حياتنا كلها. على كل حال من الضروري أن نقتني الصبر وشكر الله

لقد تناولنا باختصار الأنواع الأربعة للأمراض: الأمراض الروحية للنفس، والأمراض النفسية، والأمراض العصبية بيولوجية، والأمراض البدنية. كما قلنا من قبل، يوجد تفاعل متبادل واضح بينها، لكن من الممكن أيضاً أن تعمل تلك الأمراض بطريقة منفصلة عن بعضها البعض. يعتمد ذلك على النضج الروحي للشخص. قد يكون الشخص مريضاً روحياً حيث يكون النوس مصاباً ومظلماً، ومع ذلك يكون سليماً بدنياً. إنه من الممكن حتى أن يكون شخص ما مريضاً على المستوى البدني والنفسي والعصبي بيولوجي بينما يعمل النوس الخاص به بشكل سليم، وفي هذه الحالة يكون سليماً من الوجهة الروحية. يعتمد الأمر على الطريقة التي يعيش بها، وعلى علاقته بالله والآخرين، وعلى درجة حياته الكنسية

الأمر الأكثر أهمية هو الصحة الروحية. لا ينبغي على الأمراض البدنية والنفسية والعصبية بيولوجية أن تزعجنا مثل أمراض الروح، لأنه من الممكن، كما قلنا من قبل، أن يمرض الجسد بينما تبقى الروح سليمة. لقد قال لي أحد المرضى في إحدى المرات: “إنني غير مهتم بألم جسدي. ما يزعجني ويحزنني هو نقص صحتي الروحية فأنا لا أتعامل مع الأمور بطريقة سليمة. أنا قلق من الداخل وليس لي شركة مع الله”. أخبرني أيضاً شخص آخر: “أشعر بمحبة نحو الله ولا يزعجني المرض الجسدي”. يكون لدى الشخص صاحب الصحة الروحية السليمة أفكاراً جيدة، ويتعامل مع كل المشاكل بطريقة صحيحة، ويطيع الله وآباءه الروحيين ولا يغلبه اليأس على الرغم من شعوره أنه خاطئ

ينبغي أن يحصل المرضى بأمراض نفسية وعصبية بيولوجية على معونة روحية من أب روحي جيد معتاد على المنهج الهدوئي الذي للكنيسة الأرثوذكسية، وعلى مساعدة طبية من طبيب جيد، سواء طبيب أمراض نفسية أو طبيب أمراض عصبية بحسب الظروف، يقدم المساعدة بالأدوية النفسية أو يقوم أيضاً بتحويلهم إلى الأخصائي النفسي عند الضرورة. ينبغي في حالة كل من الأب الروحي والمتخصص الطبي، قبل كل شيء وقبل كل خبرة شخصية واستنتاجات علمية، طلب معونة الله من أجل تشخيص سليم للمرض وتعامل سليم مع المريض. بهذه الطريقة يكون التعاون الجيد بين الآباء الروحيين والأطباء أكثر فاعلية

(Psychsomatic)

الأمراض النفسجسمية هي المتعلقة بتفاعل العقل والجسد، وهي غالباً أمراض جسدية سببها أو سبب تفاقمها يكون عاملاً نفسياً، أو العكس أي حالات نفسية سببها جسدي

“من كتاب “علم الطب الروحي”**

الكورونا افتقاد من الله

الكورونا افتقاد من الله

المطران ثيودوسي (سنيغيريف)*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

سؤال: تطغى أخبار الجائحة على كل ما عداها. وقد علمنا مؤخراً عن إصابة رهبان لافرا كييف وعن المطران يونان، وكيل رئيس الأساقفة، الذي تلقى العلاج في مستشفى ألكسندروف في كييف. بالإضافة إلى أخبار مشابهة من مختلف الأبرشيات في أوكرانيا. كيف يفهم المؤمنون هذه الأخبار وكيف تقرؤونها؟

جواب: قد يُفاجأ بعض القرّاء من جوابي. لكن إصابة المطران يونان ورهبان اللافرا افتقاد من الله للكثير من المؤمنين أتت في الوقت المناسب. كلنا مهتمون بصحتهم وشفائهم. لقد تمّ فحصهم في الوقت المناسب وهم يتلقّون العلاج المناسب. لكن لا يمكننا إخفاء المنفعة الروحية التي يمنحها الله من الأسى المرافق. ماذا جرى؟ خفتت أصوات الوعّاظ المفرطين بالغيرة و”المتقدسين” الذين لم يأبهوا لشيء، ولم يكن يعيدهم إلى عقلهم لا طلب البطريرك ولا حتّى الوقائع التاريخية عن اندثار أديار أرثوذكسية بأكملها خلال جوائح العصور الوسطى، ولا حتى الخبر الأخير عن وفاة الأسقف الصربي ميلوتين (كنيزيفيتش)

الآن هدؤوا قليلاً. أنظر إلى كهنة أعرفهم تلوثوا بهذه الأفكار المتطرفة، لكنهم الآن يقولون: “سيدنا بدأنا نفهم”. لكنهم قبل ذلك، أساؤوا إلى رؤسائهم وتمتموا على أساقفتهم بأنهم “قليلو الإيمان”. لكن تدبير الله اختار لمهمة غرس الحكمة الأكثر استحقاقاً بين إكليريكيينا وأكثرهم سلطة روحية: سيدنا يونان وإخوته في دير كهوف كييف. فليمنحهم الرب القوة والثبات والشفاء العاجل

سؤال: لكن هل هناك سبب روحي لهذه الجائحة العالمية، أو كل ما يجري هو عادي؟

جواب: بالطبع هناك سبب روحي لكل ما يحدث لكنه متشعب ولكل جزء من المجتمع وجهته. لا يمكننا إنكار أن الوباء ونتائجه نافعة جداً لبعض القوى العالمية، وهذا يعني أنه لا يمكننا حذف إمكانية أن هذه القوى كانت وراءها وهي تتداول بها. لكن علينا أن نذكر بأن في الوقت نفسه، ما كان الله ليسمح بتطور هذا الوباء وبلوغه ما بلغه لو لم يكن يقصد بعض المعنى العقابي التربوي. لمَن هو هذا العقاب والتعليم؟ بشكل عام، للبشر في كل العالم، وبشكل خاص للكنيسة الأورثوذكسية في كل العالم

سؤال: أرجو أن تشرحوا ببعض التفصيل

جواب: وصل العالم الحديث إلى بداية القرن الحادي والعشرين بتناقضات داخلية عميقة. التناقض الأساسي هو بين صوت الله، ومنه ضمير الإنسان، وقوانين الإنسانوية التي بلغت في الغرب حدّ التفاهة حتّى أن غالباً ما صار يسمّى الأبيض أسوداً والأسود أبيضاً، وبشكل عام امتزجت الألوان. في الطب، هذا يسمّى عمى ألوان. في الوقت نفسه، الأجيال الأكبر ما زالت تذكر الأسماء الصحيحة للألوان. هذا هو الصَدَع الروحي العميق في المجتمع المعاصر. يمكننا أن نتصوّر أن الجنس البشري كان في حالة روحية أخلاقية مشابهة قبل الطوفان. جائحة الكورونا هي مثل طوفان مُصَغّر، سوف تقتل البعض وتحفظ الآخرين، لكنها سوف تهزّ إيمان البشر بحصانة الإنسانوية، وهذا يعني أيضاً الخطيئة التي صارت قاعدة. بشكل عام، هذا سوف يؤدّي بالشعب العادي إلى إعادة تقييم مؤقتة لمسلّمات حياة الخطيئة التي صاروا معتادين على عيشها في العقود الأخيرة.

سؤال: وبالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية ما معنى أن الله سمح بحدوث هذه الجائحة؟

جواب: بالنسبة للأرثوذكسية ككل، ينبغي تقسيم السؤال على مكونين. المكون الأول هو… الذين بأيديهم وضعوا الأرثوذكسية في العالم على شفير الانشقاق… فهذا افتقاد إلهي، وخلاص من الله. وليس مفاجئاً أبداً أن العالم الدهري… الذي كانوا مؤخراً يريدون إرضاءه على حساب الوحدة الأرثوذكسية… يدير وجهه عنهم عندما يطلبون إذنه ليقيموا القداس بأي شكل وفي أي مكان. هذا درس جيد. وفي الوقت عينه نتعاطف مع رؤساء الكهنة الذين بقوا مخلصين للروح الآبائية في القوانين الأرثوذكسية. ربما هم يفهمون بشكل جيد الأسباب الروحية للأحداث الحالية ونتائجها الممكنة. فليعطِنا الرب أن يكون هذا الوضع بداية حسنة لإعادة التفكير بالأسباب التي أوصلت الأرثوذكسية إلى حافة الانشقاق

المكوّن الثاني يتعلّق بغالبية العالم الأرثوذكسي: معنى هذه التجربة؛ النتائج التي ينبغي استنتاجها مما يجري؛ ماذا يتوقع الرب منا؟ قد يكون الاستنتاج الأساسي هو أننا ظهرنا كلياً غير جاهزين لهذا النوع من التحديات المعاصرة. نحن فعلياً بحاجة إلى إعادة التفكير بأشكال الحياة الخارجية في الكنيسة الأرثوذكسية تحت الظروف القهرية.

سؤال: وماذا ترى في البث المباشر للخدَم؟ بظل كل ما يجري، الكثيرون يطرحون سؤال: أمن الممكن أن يكون هناك حياة روحية من دون كنائس؟

جواب: لقد تفعّلت نقاشات لاهوتية في الكنيسة حول موضوع إمكانية العيش من دون كنائس. سوف أقول أنه قد يأتي وقت حين، سواء أردنا أو لا، سوف نعيش من دون كنائس، كما عاش المسيحيون من دونها في القرون الثلاثة الأولى. فليحفظنا الرب من العيش إلى ذلك الوقت. لكن مهمتنا الآن، بالنسبة للأرثوذكسيين المعاصرين، هي التفكير بشكل حياة في الكنيسة تحت أي ظروف وإنتاج هذا الشكل، حتى إن أخذوا كنائسنا منا. بالنهاية، هذا قد يحدث عاجلاً أو آجلاً

من الممكن العيش والخلاص من دون كنائس فخمة. ولكن يستحيل العيش والخلاص من دون نعمة الأسرار . كل قيمة الكنيسة الأرثوذكسية هي أن هنا نعمة الأسرار تُسكَب في حياة الإنسان. لكن يمكن أيضاً إقامة الأسرار خارج جدران الكنيسة. يمكن أن تقف كنيسة من دون أسرار تُقام فيها، من دون دم، خالية من معناها وغايتها، كمثل الأيا صوفيا في اسطنبول. المعنى هو أن خلاص الإنسان ليس في بناء الكنيسة، بل في أسرارها. قد يأتي وقت لن تكون لنا كنائسنا، فلنقرأ بصدق وذكاء كلمات الرؤيا. ماذا عندها؟ أتتوقف الحياة الروحية؟ أتتوقف إقامة الأسرار؟ بالطبع لا. ومهمتنا هي أن نفكر بكيف سوف نعيش في ظل تلك الظروف. لقد دفعتنا هذه الجائحة العالمية إلى هذا

لقد وصلت معلومات (في وقت المقابلة) حول الكورونا. كل كنائس أوستراليا الأرثوذكسية سوف تُغلَق لنصف سنة. نصف سنة! ينبغي أن يحرّكنا هذا الأمر إلى المباشرة فوراً وبطريقة منهجية إلى تطوير طرق بديلة لمشاركة المؤمنين في أسرار الكنيسة المملوءة نعمة

سؤال: أتعتقدون أن الكنيسة الأرثوذكسية سوف تسمح في نهاية المطاف بالاعتراف عِبر وسائل الاتصال الحديثة؟ كثيرون يتجادلون حول هذا الأمر حالياً

جواب: أفترض أن هذا بالكلية ممكن. بالإضافة، في ظل الظروف القائمة خلال الجائحة، قد تكون وسائل الاعتراف الوسائل الرئيسية المعروفة. لكن هذا التغيير أو أي تغيير آخر في شكل إقامة سرّ يجب أن يُراجَع ويُبارَك بالفكر المجمعي. لا ينبغي أن يكون هذا قراراً شخصياً من أسقف أو كاهن. بشكل عام، الأسرار أو الطقوس التي تستدعي احتكاكاً شخصياً أو مشاركة في شيء مادي لا يمكن إقامتها عن بعد. وهذا لا ينطبق على الاعتراف، وقد جرى هذا الشواذ عدة مرات في حياة الأرثوذكسيين الروحية خلال القرن العشرين (يقصد هنا تحت الحكم الشيوعي: المترجم)

سؤال: سيدنا، ماذا تقولون عن الاشتراك بالأسرار بالاتصال المباشر (أونلاين)؟

جواب: هذه ممارسة مؤقتة. بالطبع، إنها مشاركة كاملة في الخدَم، لكنها بالرغم من ذلك أفضل من لا شيء. من الممكن أن ملايين الأرثوذكسيين في كل العالم يشكرون الله على هذه الفرصة، أي أن يسمعوا ويروا ويصلّوا مع الكهنة. من خلال الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة لا يمكننا أن نشارك وحسب، يمكن أن نجد عظات وأدب روحي منوِّر وموسيقى كنسية وأفلام أرثوذكسية وغيرها الكثير. ولكن إن باشروا بسَوقِنا (كالماشية) بشكل جدي، فهذه سوف تكون من أوائل الأشياء التي سوف يقطعونها. من ثمّ سوف نتذكّر كم كنا غير مكتفين بالخِدَم المباشرة.. إذا في يوم من الأيام انتقلنا إلى السراديب، كما حدث قبلاً في التاريخ، فسوف نتذكّر الإنترنت بحَنين. علينا أن نقدّر ما لدينا

لقد تكلمنا إلى صحفيين أرثوذكسيين عن كيف في الثلاثين سنة الأخيرة الكثيرون من أبناء رعايانا صاروا مدللين روحياً ومتراخين. لقد صاروا معتادين على أن يكون لديهم كل شيء بوفرة، كنائس عند كل زاوية، مناولة في كل خدمة، أديار، آباء روحيين وما عليك إلا الاختيار، زيارات حج، عظات، زياحات بالصلبان وكل ما تشتهيه النفس… جيل كامل من المدللين روحياً، “أولاد” بالغون ترعرعوا مع شعور بأهميتهم، وحولهم ينبغي أن يتمحور العالم كله، بما فيه العالم الروحي… لكن الآن، ما أن ضغطت الكنيسة قليلاً فبدلاً من أن يمسكوا بأيدي بعضهم برجولة، راحت أجيال الشباب من المؤمنين تدين كهنتها وتهمس ضد رئاسات الكنيسة، متهمة إياهم بمحاباة السلطات وعملياً بخيانة الإيمان. لكن لنتذكّر كيف كان كل شيء قبل ثلاثين سنة، كله كان مختلفاً، كل خدمة، كل اشتراك بالأسرار كان حدثاً مكتملاً يعزّه المؤمن في قلبه لوقت طويل. أخبروني الآن، هل نجد شيوخاً من المؤمنين يجزعون ويتأففون مما يجري؟ بصعوبة نجدهم. فجيل السوفيات من المؤمنين يعرفون تماماً ثمن الروحيات. لا يسمحون لأنفسهم بإدانة رعاتهم، بل على العكس يحاولون دعمهم. اليوم، علينا أن نكون صبورين وحسب. علينا أن نقبل كل شيء كما من يديّ الرب، نحتمل، نستنتج، ونستعد لتجارب المستقبل في الكنيسة، وهي قد تكون أقسى

سؤال: اتعتقدون أن هذا سوف يكون قريباً؟

جواب: أرغب من كل قلبي بأن لا يجري هذا قريباً. أريد أن أصدّق بأن جيلنا لن يحيا إلى التجارب الأخروية. مع أن هذا لا يعرفه إلا الله. في النبوءات التي انتقلت شفوياً من قديسي القرن العشرين المحليين كالقديس لافرندي شارنيكوف وكوشكا أوديسا وأمفيلوخيوس بوكاييف، نقع أحياناً على كلام عن وقت آتٍ حين سوف تتجدد الكنائس وتُستعاد وتُذَهَّب القبب ولكن لن نستطيع دخولها. يقول القديس كوشكا أن علينا أن نحتفظ بخبز التقدمة والماء المقدس لبعض الوقت، ربما لستة أشهر. لقد اعتدنا أن هذه النبوءات تنمو بسرعة مع إضافات وملحقات من الغيورين الذين تنقصهم الحكمة. فهم يقدّمون ما يرِد في رؤوسهم. ومن دون خجل يختلقون ويضيفون إلى كلمات القديسين نزواتهم الشخصية عن “كفر رؤساء الكهنة” و”تتويج ضد المسيح على يد بطريرك أرثوذكسي” وما شابه. وتتحول تخيلاتهم إلى نشرات عن نساك القرن العشرين مع نبوءات صحيحة. ويبدو للكثيرين أن القديسين قالوا هذه الأشياء بالفعل، ولكن الأمر يختلف عن ذلك.

إليك بمثال: أنا تحدثت كثيراً مع الراهبة حاملة الإسكيم الكبير الراقدة فيرا (شميخوفا) وهي ابنة روحية قريبة من القديس كوشكا أوديسا، وقد تربّت عند قدميه. لطالما أخبرتنا وأرَتْنا في كتب ما قال القديس فعلياً في حياته، وما نَسَبَه إليه لاحقاً الأخرويون وما لا يمكن أن يكون قد قاله من حيث المبدأ، وقد تمّ نشره بملايين النسخ. صدّقني هناك فرق جوهري. وهذا ما يجري أيضاً مع الكثيرين من نساك القرن العشرين

سؤال: أيمكنكم أن تخبرونا أكثر وبشكل خاص ما قاله القديسون وما لم يقولوه؟

جواب: سوف أقول بشكل أكثر تخصيصاً ما قاله القديس كوشكا أوديسا. أما ما لم يقله وقد نُسِب إليه فموضوع واسع وحساس وأعتقد أنه يمكننا أن نحكي عنه عندما يحين الوقت. يمكننا أن نفترض الأمر نفسه عن القديس لافرندي شيرنيكوف. برهان غير مباشر على هذا الكلام هو أن في مصادر أدبية مختلفة تَرِد التوقعات نفسها مع تفاصيل مختلفة جذرياً. إذا غربلنا من نبوءات قديسي القرن العشرين كل الابتداعات المعادية للكنيسة، لا يبقى إلا الكلام عن الوقت حين كنائس الله سوف تكون قبابها مذهّبة ولكن يستحيل دخولها، كما قال القديس لافرندي. كما أن القديس كوشكا حذّر مسبقاً بأنه سوف يأتي وقت نحتاج إلى تخزين القربان والأنديذورون والتقدمة والماء المقدس لنصف سنة. سوف تكون الكنائس عاملة ولكن لن نستطيع أن نتناول فيها. نصف سنة. ألا يثير هذا بعض التشابهات؟

سؤال: يبدو أنه ينطبق على اليوم

جواب: نعم بالنسبة للأرثوذكسيين في أوستراليا وأميركا وأوروبا، هذا هو الواقع اليوم. بالنسبة لنا، قد تكون واقع الغد

سؤال: أمر مثير للاهتمام لكن محزن. أيمكن أننا لا نستطيع أن نرجو الأفضل في المستقبل؟

جواب: لمَ لا؟ على العكس بشكل مطلَق. بحسب نبوءات قديسي ونساك القرن العشرين أنفسهم، نحن الأرثوذكسيون ما زال أمامنا أن نختبر إزهاراً غير قليل في كنيستنا وشعبنا. ولكن لهذا على العالم أن يعيد تشغيل أو يعيد ضبط الشهادات التي قد نكون منها الآن

* مختارات من مقابلة معه أجراها الشماس سيرجي جيروك. النص الكامل بالإنكليزية على https://orthochristian.com/131274.html

** المطران ثيودوسي مطران بوياركا في أوكرانيا ووكيل رئيس الأساقفة أونوفري.