الأمثال الشعبية

الأمثال الشعبية

الخورية سميرة عوض ملكي

عن نشرة الكرمة

كثيراً ما يستند الناس إلى الأمثال لدعم حججهم ومواقفهم أو لرد حجج غيرهم. هناك أهمية للأمثال لا يمكن التغاضي عنها إذ أنها على درجة من الشيوع بحيث لا يوجد إنسان مهما كان جاهلاً إلا ويحفظ عدداً منها. قد تعدّل الدولة برامجها التعليمية لأنها تتحكم بها، وقد يغيّر اللغويون في أصول اللغة لأنهم أصحاب الاختصاص فيها، كل هذا أسهل من التحكم بالأمثال الشعبية لأنها جزء من التراث. كثيرون درسوا الأمثال وتاريخها ودورها فساهمت في التعرف على الخصائص النفسية والاجتماعية والحضارية لهذه المجموعة من الناس أو تلك في فترات محددة من التاريخ. قيل “رُبّ مثل يفعل في النفس ما تعجز عنه مئة محاضرة في الأخلاق والمثل العليا”. ومع أن الأمثال مثل غيرها من مكونات التراث واللغة، بعضها لا يقبله كل الناس ولا يروق لهم فإن لها أحياناً دوراً حاسماً في فض مسائل مختلفة أو حل معضلات عالقة، إذ أن كثيرين يرون فيها قوانين ودساتير لا تُخطئ لأنها تكتنز الحكمة والخبرة. يقول مارون عبود “كُتُب حقوق القروي تحت لسانه، إنه لا يحتاج إلى مراجعة المجلات والدساتير ليصدر أحكامه. فهذه الأمثال أحكام تتناول جميع الشؤون الحياتية”. لكن السؤال المهم هو: هل يميز الناس فعلاً في استعمالهم لهذه الأمثال بين النافع والمضر؟ هل هم دائماً يستعملونها بمعناها الصحيح؟

وللأسف لا يميّز الناس بين الصالح والفاسد المفسد من الأمثال، فتسمعهم يستعملونها مكررين أحياناً كلمات بذيئة بحجة أنها جزء من المثل، فيجرحون حياء السامعين، هذا عدا عن عدم صحة المثل أو عدم حمله لأي معنى أو عدم مطابقته للحالة التي استدعت استعماله. أية فائدة تُجنى من أمثال مثل هذه: “المرا بنص عقل”، “الرجّال حمار مرتو”، “خود الأرملة واضحك عليها، وشيل من جيبها واصرف عليها”، “إن عاشرنا المطران بيصير قرد وشيطان”، “إذا كانت الكنافة بيدخلا توم، الموراني بحب الروم”؟ أو ليست بعض الأمثال مضرة، على سبيل المثال: “مربي البنات مربي خسارة” الذي يشجع التمييز بين الجنسين، “إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب” الذي يشجع على الناس على نهش بعضهم البعض، “كذب ينفع ولا صدق يض” الذي يشجع الوصولية عن طريق تبرير الغاية للوسيلة، “رعاية البقر ولا رعاية البشر” الذي يدعو إلى ترك الرحمة، “أنا وخيي عإبن عمي وأنا وإبن عمي عالغريب” الذي يدعو إلى التمسك بالعصبيات العائلية.

في الوقت نفسه هناك أمثال أصولها في الكتاب المقدس أو غيره من الكتب التي تزرع الصلاح أو تدعو إليه. على سبيل المثال: “خير الناس مَن عذر للناس”، “إرحم مَن في الأرض يرحمك مَن في السماء”، “أقرب الناس ليك أعطفهن عليك”، “ما إلو قلب ما إلو رب”، “الصبر مفتاح الفرج”، “السبلة العالية فارغة”، التعليم بالمثال خير من التعليم بالأقوال”، حب الصدق ولو ضرك وابغض الكذب ولو شرك”، “إن لم يكن ما تريد فرد ما يكون”، “الله أطعمك كول واطعوم”…؟

ليس هدف هذه العجالة الحكم على الأمثال. الرب علّم من خلال الأمثال، ونحن في هذا الشرق نعيش في مجتمع ما زال على اتصال بتراثه وما زال إلى حد كبير يستعمل اللغة نفسها. لغة أجدادنا شعرية ونحن نأخذها منهم مع ما فيها من أساليب استعمال المثل أحدها. السؤال الكبير هو كيف يتعامل المؤمن مع الأمثال؟ لا يقبل المؤمن ما لا يتوافق مع روح الكتاب المقدس، روح المسيحية. إن أي مثل محتوٍ كلاماً بذيئاً ليس مقبولاً. وأي مثل فيه تلميح أو تشجيع أو تبرير لما لا ينطبق مع روح المسيحية وفكرها وتعليمها مرفوض. وفوق هذا لدى المؤمن كتابه، إن هو عرفه جيداً كان له مصدر الهام واستشهاد، إليه يسند أقواله ومنه يستخرج حججه وعليه يبني أفكاره. مَن يعرف الكتاب المقدس يستبدل الأمثال بالآيات فيحمل حديثه بشارة للسامعين.

على تخوم لاهوت “الموت الرحيم”

على تخوم لاهوت “الموت الرحيم”

خمسة وعشرون سؤالاً تتطلب أجوبة

المتقدّم في الكهنة قسطنطين ستراتيجوبولوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

موضوع وهب الأعضاء خطير وينبغي وضعه في الإطار الجوهري للفكر والحوار اللاهوتيين، حتى تعطي الكنيسة الأرثوذكسية رأيها الحاسم، على المستوى الجامع لا المحلي وحسب.

الاهتمام إلى اليوم تركّز على موت الدماغ كمعيار. هل المعلومات حول هذا المعيار صحيحة فعلاً، كما تدّعي جامعة هارفارد؟ لماذا يوجد نوعان من الموت بحسب المعطيات الجديدة، أي موت الدماغ والموت السريري؟ لماذا تُستأصَل أعضاء الواهب قبل الموت السريري وبعد موت الدماغ؟ أغلب الناس يعرفون أن الأعضاء، ما عدا بعد الاستثناءات الخاصة، لا يمكن أخذها من واهب ميت، إذ في أغلب الحالات، لا نفع من الأعضاء بعد توقف القلب. نعرف على الأكيد، أنّها تؤخَذ من كائن لا يزال حياً إنّما توقف دماغه عن العمل، بحسب معطيات هارفارد التي هي موضع الشك.

مَن يمكنه أن يحدد بدقة وقت انفصال النفس عن الجسد؟ مَن يمكنه أن يحدد سر الموت؟ أتستطيع الكنيسة أن تؤيّد استئصال عضو قبل أن ينحلّ الارتباط بين النفس والجسد انحلالاً لا لبْس فيه؟ ألا ينبغي بالكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار ردّة فعل الكثير من العلماء، في مختلف أنحاء العالم، من الذين يعارضون معايير هارفارد وفكرة الموت المزدوج، أي الدماغي والسريري؟

كل ما سبق يتعلّق بمعطيات غير ثابتة حتى الآن. نحن لا نستطيع أن نقبل أي تدخّل لاستئصال أعضاء قبل الموت النهائي، إذ إن هذا يشكّل استئصالاً للحياة، بغضّ النظر عمّا إذا كان هدفه شفاء مريض آخر. هذه الغاية لا تبرر الوسيلة. سرّ الموت سوف يبقى إلى الأبد سراً. ما من أحد يملك الحق بأن يحلّل ويعيد تحديده بحسب مفاهيمه الطبية أو اللاهوتية. وفي حين أن هذا البحث بمجمله ما زال في طور الحركة ضمن إطار الأفكار المُشار إليها، انتشر كتاب سوف يغيّر مستوى البحث بمجمله وسوف يتعثّر أمام سرّ الموت لا محالة. عنوان الكتاب “حراً من الجينوم” (باليونانية) للأرشمندريت نيقولا خازينيكولاي من منشورات “مركز أخلاقيات علم الحياة وعلم الأخلاق”. في الفصل “الأخلاقية والباثولوجية الروحيتان للاستزراع” (ص. 315-345) نجد مواقف تتخطّى الإشكالية بشكلها الحالي. نطرح هنا هذه الأسئلة متوقعين أجوبة على الأسئلة التي نطرحها في هذا النص.

في الصفحة 328، يرد ما يلي: “الحياة هي بالحقيقة عطية من الله، لكنها ليست عطية تخص الواهب وحده. إنها تخصّ المتلقّي أيضاً. إنها خاصتي. إنها الحقل الوحيد الذي نمارس فيه الحكم الذاتي. ليست موهوبة لنا لتحقيق أنانيتنا وتملّكنا، بل لتصير خاصتنا حتى أننا نستطيع أن نهبها للآخرين. لهذا نحن نحبها ونحميها أكثر من أي شيء آخر، بالتعقّل، لأنها تخصّ الله وفي الوقت نفسه تخصّنا. أفضل الطرق لإعادتها إلى الله هي بوهبها لأخينا الإنسان. <ما من طريقة للخلاص إلا عبر القريبين منا> (القديس مكاريوس المصري)”.

 

السؤال 1: حياتنا هي بشكل طبيعي حقل لممارسة الحكم الذاتي. لكن إذا كان هذا الحكم الذاتي لا يقود إلى الله، ألا يكون هذا الوهب أفقياً وإنسانياً وحسب؟

السؤال 2: هل العبارة <الحياة تخصّنا أيضاً> تبررنا لاهوتياً بالتصرّف بحياتنا حسب ما نرغب؟

السؤال 3: ما معنى العبارة الليتورجية <وكل حياتنا للمسيح الإله>؟

السؤال 4: أيعقل أن كاتب الكتاب يخلط بين عبارتي <الخدمة للقديسين> (2كورنثوس 4:8) و<في يديك استودع روحي> (لوقا 46:23)، أو حتّى: <وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ>، أو <فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ> (1بطرس 19:4)؟

السؤال 5: كيف يمكن استعمال قول القديس القديس مكاريوس بهذا الشكل الاعتباطي، لغايات لم تكن في منظوره في حياته؟

السؤال 6: ألا يشكّل الاستعمال الاعتباطي المجتزأ لكلمات القديس مكاريوس تهديداً بفتح الطريق أمام اعتبار التقدمات الإنسانية وسيلة عملية للخلاص، وجعل حياة النسك ضمن الكنيسة فائضاً؟ ألا يقدّم التوازن في الآية <فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ> من عند الرسول بطرس، جواباً ناجزاً خالياً من كل المواقف الخطيرة الاستقطابية؟

السؤال 7: أمن الممكن أن النص، في إشارته إلى العطاء والمحبة، يسلّم بأن استئصال الأعضاء هو من شخص حي، لأن الميت (دماغياً) يفتقر إلى الحكم الذاتي المطلوب لممارسة العطاء والمحبة؟

السؤال 8: أيمكن أننا، باستعمالنا العبارات المنمّقة، نحاول أن نقنع شعب الله بتقديم عطاء غير صحيح، أو في حال كان الواهب حياً، نحن نأخذ حدث الموت من يدي الله الذي هو سيّد الحياة والموت؟

في الصفحة 329 نجد اعترافاً كاملاً بوجوب أن يكون استئصال الأعضاء من شخص حي: “كيف يكون احترام قيمة الحياة والاعتراف بها؟ نحو الواهب الراحل لا محالة، أو نحو المتلقّي إذ يخوّل أن يعيش؟”

السؤال 9: كيف يكون الكاتب متأكداً إلى هذا الحد من نهائية رحيل الواهب “راحل لا محالة”؟ ألا يستطيع الله أن يتدخّل في الأمور التي نعتقد بأنها نهائية؟

السؤال 10: لماذا يسأل الكاتب عمّا إذا كان الاحترام الموجّه للواهب أكبر من ذاك الموجّه إلى المتلقّي؟ هل الكنيسة تضع اختلافات من هذا النوع في مقاييس احترام الفرد؟

السؤال 11: يسلّم الكاتب مجدداً بحقيقة أن الواهب حيّ إذ يتكلّم عن “رحيل لا محالة”. أيعني هذا أنه يقبل نزع الحياة من شخص ما؟ أيمكن أن تتعاون الكنيسة في نزع الحياة؟ في الصفحة نفسها (319)، يتحدّث الكاتب عن “المعجزة البعيدة الاحتمال”.

السؤال 12: أيعقل أن هناك إنكار لإمكانية المعجزة؟ أليست كل المعجزات أحداثاً “بعيدة الاحتمال” بالطبيعة؟ كيف يستطيع الكاتب أن يحدد مسبقاً تدخل الله الحرّ في تحقيق معجزة؟ كيف يمكن استبعاد الله من معجزة، مرةً وللأبد؟

أنا أخشى أن لعازر، أو ابن أرملة نايين، كما إبنة ياييرس، لو أنهم عاشوا في زماننا هذا، لكانوا فقدوا فرصة القيامة لأن أعضاءهم كانت لِتُستأصَل (ببركة رعاة الكنيسة) بحجة أنها “عطاء”.

في الصفحة 320، نجد العبارة: “يؤكّد الطب المعضلة، وهو مدعو لأن يتجرأ على برهان محبة الذين ينازعون. إذ هناك شخصان: سيكون الواحد قادراً على إعادة بناء حياته على حطام حياة الآخر وبقاياها”.

السؤال 13: أي نوع من المحبة هي هذه، في أن تقتل إنساناً ليتمكن الآخر من الحياة؟ أمسموح القتل باسم المحبة؟

السؤال 14: مع كل الذي سبق ذكره، ألا تكون الطريق تنفتح أمام “لاهوت” للموت الرحيم، أو حتى الانتحار في الوقت الذي يحدده الإنسان؟

نقرأ في الصفحة 323: “الموافقة الواعية لوهب الجسد بعد الموت تشكّل، على نحو استثنائي، عملاً مقدساً من إنكار الذات والمحبة، لأنها تعني أن الواهب عنده فرصة… ختاماً، خلال لحظات السكون المبارَك، التخلي عن حقه بالاستفادة من الأطباء وممن حوله وبالتالي التخلّي عن ثقته بهم، لكي يوقفوا عمل القلب عندما يرون أنه الوقت الأنسَب، بدلاً من انتظار القلب ليتوقف عن العمل من ذاته، مؤكدين له أنهم يريدون بالضبط ما هو الأفضل له”.

السؤال 15: أليس النص بشكل ما في تضارب فكري محرج، لأنه في البداية يشدد على “بعد الموت”، فيما لاحقاً يشير إلى المحبة؟ يُطرَح السؤال مجدداً: كيف يحب الإنسان بعد الموت؟

السؤال 16: ألا يعارض الكاتب نفسه، عندما يتحدّث عن سكون مبارك لاحقاً؟ أيمتلك الميت سكوناً؟

السؤال 17: ما هو التحديد أو الفكر أو التقليد الأرثوذكسي الذي يعطي إنساناً ما الحق في طلب إيقاف قلبه؟ “بدلاً من انتظار القلب ليتوقف عن العمل من ذاته”، النص واضح. يُطلَب من الكنيسة أن تبارك التدخّل عنوة في كائن حي. مَن يتحمّل هذه المسؤولية؟ أي “لاهوت” سوف يتكيّف مع هذه الترّهات غير اللاهوتية؟

في الصفحة 331 نص واضح على نحو قاطع: “من ثمّ، إن احترام الشخص لا يعني السماح له بأن يموت وحسْب، بل وتسهيل الأمر عليه”.

السؤال 18: في أي مكان بالتحديد من الكنيسة الأرثوذكسية تعلّم الكاتب عن موضوع تسهيل موت الإنسان؟

في محاولته لتقديم شريط ضوئي أرثوذكسي “للاهوته” غير المسبوق وغير المقبول، يلجأ الكاتب إلى الصلاة من أجل النفس في حالة النزع، من كتاب الإفخولوجي الصغير، فيذكر: “خلّص عبدَك هذا من هذه الشدّة التي لا تُطاق، ومن المرض الشديد المستحوذ عليه وأرِحْه حيث أرواح الصدّيقين”.

السؤال 19: أي مقارنة ممكنة بين الصلاة التي تتوسّل “الخلاص من الشدّة” والعملية الفعلية لنزع الأعضاء، التي، إذا ما كان الكائن على قيد الحياة بحسب أفكار الكاتب السابقة، سوف تسبب ألماً لا يُحتَمَل للجسد وسوف تجعل حَدَث الموت أكثر إيلاماً؟

السؤال 20: أليس التدخّل العنيف لنزع الأعضاء من واهب حي نقضاً للصلاة التي تطلب “أن تكون أواخر حياتنا سلامية”؟ كيف يمكن أن تصلّي الكنيسة للأواخر السلامية وفي الوقت نفسه تتغاضى عن النهايات العنيفة؟

تناقضات هذا النص واضحة، حتى في لحظات تفوقه. يرد في الصفحة 330: “نحن نتدخل في الجسد فقط علاجياً. كل حركة تساهم في تدهوره تكون مسيئة للنفس وآثمة. لهذا السبب ينبغي أن تكون عملية الفساد طبيعية وغير قسرية أبداً”. ونقرأ في الصفحة 329: “لا ينبغي تسريع الموت بأي شكل من الأشكال. لا نملك الحق في أخذ أي شيء من الجسد، ولا في مقاطعة الرباط بين النفس والجسد، ولا حتى في اختزال أي لحظة من زمن الوحدة النفسية-الجسدية”.

السؤال 21: يحتاج الكاتب لأن يوضح هدف هذه العبارات “تسريع الموت” و”عملية الفساد طبيعية وغير قسرية أبداً”، لأنه قبل قليل كان يتكلّم عن “تسهيل الموت”. لقد اتّخذ الكاتب مواقف واضحة تنقض نفسها في هذه الكلمات الأخيرة. أمن الممكن أنّ هناك محاولات لإرباك الناس باستعمال أفكار لاهوتية صحيحة؟

السؤال 22: هل يرفض الكاتب وهب الأعضاء من قِبَل واهبين أحياء لمتلقّين أحياء في عبارة “لا نملك الحق في أخذ أي شيء من الجسد”؟ وفي النهاية، أيرفض نقل الدم أيضاً؟

يشير في الصفحة 325: “ليس لوهب الأعضاء القيمة ذاتها عند المتلقّي (إذ يعطيه الحياة البيولوجية فقط) كما عند الواهب الذي، إذ يهب أعضاء، يتلقّى عصارة الحياة الروحية”.

السؤال 23: إن لم يكن وهب الأعضاء ذا قيمة كبيرة بالنسبة للمتلقّي، لماذا إذاً تكرار الكلام عن المحبة والعطاء؟ ألأننا نريد أن يستفيد الواهب روحياً؟

السؤال 24: ما معنى العبارة “يتلقّى عصارة الحياة الروحية”؟ هل نحن أمام نوع جديد من التعليم النسكي في الكنيسة؟ نحن نبلغ الحياة الروحية عادةً بالنسك، في إطار نعمة الروح القدس. أعلينا أن نفهم أنه من الآن وصاعداً يبلغ الإنسان الحياة الروحية عندما يهب أعضاءه فيما لا يزال حياً؟ أيصير شخصاً روحياً عند لحظة موته؟

نقرأ في الصفحة 335: ” في العشاء الأخير، قدّم السيد لرسله أن يهبوا حياتهم من أجل إخوتهم البشر معتبراً هذا ذروة التعبير عن المحبة: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يوحنا 13:15). لكن الرسول يوحنا يقول في رسالته الأولى كلاماً أكثر قوة: “بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ” (1يوحنا 16:3).

السؤال 25: أيُسمَح باستعمال هذه المقاطع لخدمة مطالبنا اللاهوتية؟

في تفسير الآية “وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ” (يوحنا 15:10)، يكتب القديس يوحنا الذهبي الفم: “إنه يكرر هذا القول ليعلن أنه ليس مخادعاً” (EPE 14, 121). عن إنجيل يوحنا (17:10-18) “لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا” (يوحنا 17:10-18)، يكتب الذهبي الفم: “فلننتبه إذاً بشكل كتمل لعبارة <لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا> التي يقولها. ومَن ليس له القدرة على التضحية بحياته؟ إذ كل واحد من الناس قادر على جلب الموت لنفسه متى أراد. لكن ليس هذا ما يقوله. حسن، كيف؟ إن لي السلطان أن أضحّي بنفسي حتى لا يقدر أي إنسان آخر أن يقوم بذلك إن لم أرغب، وهو الأمر الذي لا يستطيع الإنسان أن يقوم به، لأن الطريقة الوحيدة التي نقدر أن نقدّم بها حياتنا هي بقتل أنفسنا. إذا حدث أن نلتقي أشخاصاً يكيدون لنا وقد يقتلوننا، نفقد سلطان أن نضحّي بحياتنا أو لا، وقد يأخذون حياتنا من دون أن نرغب بذلك. بينما الأمور تختلف بالنسبة للسيد، إذ بالرغم من أنهم كانوا يكيدون ضده، يبقى هو المتحكّم بقرار تقديم ذاته. لذا بعد أن قال <لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي> أضاف <لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا> أي <أنا الوحيد صاحب السلطان لتقديمها لأنكم أنتم (الناس) لا تملكون هذا السلطان إذ إن كثيرين قد يتسلّطون عليكم ويأخذون حياتكم>. مع هذا، لم يقل هذه الأشياء منذ البداية، وإلا لما كانت كلماته مقنِعة، لكن فقط بعدما حصّل الشهادة من الأحداث بذاتها، وبعد أن تكرر أن يتآمروا عليه وكان يهرب من أيديهم، عندها قال <لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي>. إذاً، إذا صحّ هذا الأمر، يكون على نفس المستوى من الصحّة التفكير بأنه عندما يريد، يستطيع أن يسترجع حياته. إذا كان موته يعلو على موت الناس بهذا القَدر، لا نشكّ بقدرته على استرجاع حياته أيضاً. إذ كونه الوحيد صاحب السلطان على التضحية بحياته يظهر أنّه سيد بسلطانه أن يضحّي بها. أترون كيف، من النقطة الأولى برهن الثانية، وكيف من الموت جعل القيامة غير قابلة للشك” (EPE 14, 125-127).

يعلّق القديس يوحنا على عبارة <أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ>: “أقول لكم هذا لكي تحبوا بعضكم بعضاً؛ بتعبير آخر، أنا لا أقول ذلك لأتّهمكم، وكأني الوحيد الذي يقدّم حياته أو كأني أردت أولاً أن أتقرّب منكم، بل لكي أقودكم إلى الصداقة. من ثمّ، كون الاضطهادات والاتهامات كانت أموراً رهيبة وقاسية وقادرة على إذلال أكثر النفوس رفعة، لهذا السبب، بعد إنبائهم عن أشياء كثيرة، يأتي إليهم ويريهم بكَرَم أن هذه الأمور قيلت من أجلهم” (EPE 14, 481).

لا يمكننا أن نقنع المؤمنين ببهلوانيات أو مناوشات لاهوتية. المسؤولية عظيمة ولا ينبغي بأحد أن يثير الأمور عن طريق مواقف متضاربة أو بقبول حقيقة، إن لم تُعالَج بحكمة لاهوتية، يمكن أن تؤدّي بالموقف العقلي الأرثوذكسي من احترام الأفراد وسر الموت إلى لحظة صعبة.

عن الحسد

عن الحسد

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

ورد في تاريخ اليونان أنّ ملكاً من الملوك أراد أن يجرّب طبع الحسود والبخيل. فأمر واستحضر لديه رجلين أحدهما حسود والآخر بخيل. وقال لهما فليطلبْ أحدكما منّي ما يشاء لأعطيه بفرح ولكن على شرط أن يأخذ الثّاني منكما ما يطلبه الأوّل مضاعَفاً. فتحاورا كثيراً ولم يتّفقا على شيء، إذ لم يرتضِ أحدهما أن يطلب شيئاً أوّلاً كي لا يأخذه الثّاني مضاعَفاً. حينئذ أمر الملك أن يطلب الحسود أوّلاً، فطلب أن يقلع عينه وذلك لكي تُقلع عينا رفيقه الاثنتين. فمن حسده فضّل الضّرر لنفسه على طلب الإنعام من الملك كي لا يحصل عليه رفيقه مضاعَفاً.

أرأيت إلى أيّة درجة من العمى والرّداءة يصل إليها الحسود. فاهرب أيّها الإنسان من هذا الوحش القتّال، وصلِّ إلى الله من أجل من تحسده، واثنِ عليه أمام النّاس، وإن أمكنك أحسنْ إليه ولو قسراً عنك، لأنّك بقسر إرادتك هذه تحظى على موهبة المحبّة، فتنجو من هوى الحسد المضر الذي لا فائدة لك منه أصلاً.

* تعرّض راهب وديع متواضع لحسد بعض الإخوة له وكان هو يصبر ويحتمل. ولمّا تزايدت المضايقات عليه كتب ورقة يحثّ فيها ذاته على الصّبر قائلاً: من أجل محبّة الرّب يسوع سأصبر وأتحمّل كلّ شيء حتّى النّهاية. فشاهده مرّة أحد الإخوة فاتّهمه لدى الأب الرّئيس بالسّحر. ولمّا حقّق الرّئيس معه واكتشف حقيقة أمره قال له: لقد غلبت الشّيطان بتواضعك ومحبّتك يا بني.

اكتشف نفسك هل أنت حسود؟

1- هل في قلبك حسد أو غيرة؟

2- هل تحبّ القريب لأنّه على صورة الله؟

3- هل تسعى لهدم النّاجحين لأنّهم تفوّقوا عليك؟

4- هل تحتقر أفكار القريب، كلامه، وجوده، لأنّك تظنّ أنّك أنت محور كلّ شيء؟

5- هل تشجّع من يعمل معك، تحطّمه، تتضايق من نجاحه؟

6- هل تتلذّذ بالإيقاع بالآخرين، تشمت بهم؟

7- لماذا تحسد؟ هل لأنّ الآخر أفضل منك روحيّاً، ماديّاً؟

8- هل تُظهر حسدك للآخر أم يبقى داخل نفسك؟

9- كيف تُظهر حسدك، بالحواس، بالكلام، بالتّصرف (ازدراء، انتقام، كراهية..)؟

10-هل تتمنى الشّرّ للقريب؟

11-هل اعترفت برذيلة الحسد؟

12-كيف تداوي هذه الرّذيلة؟ بالتّجاهل، بأعمال المحبّة التي تضادّها، بالصّلاة من أجل من تحسد…

13- هل أنت في تقدّم أم في تأخّر؟

 

أقوال بعض الآباء عن الحسد

القدّيس يوحنّا الدّمشقي

* الحسد هو حزن الإنسان وتوجّعه من خير قريبه حاسباً ذلك الخير ضرراً لنفسه.

 

القدّيس اسحق السّرياني

* من يصدّق أنّ من شرارة صغيرة تشتعل ناراً كبيرة، فليحذر لئلا يجمع داخله نار الحسد، لأنّ الحسد يُعدم الإنسان سلامته ويصيّره كئيباً ومضطرباً وثائراً على قريبه.

* من اقتنى الحسد فقد اقتنى الشّيطان.

* تكلّم بانتباه أمام المتكبّر الحسود لأنّه سيأخذ كلامك ويؤوّله حسب مشتهى قلبه، فيستخرج من أقوالك البريئة مادة يُعثر بها الآخرين، ويحوّل كلامك في ذهنه بحسب مرضه.

 

القدّيس أفرام السّرياني

* شقي هو من جرحه الحسد والغيرة لأنّه شريك الشّيطان الذي دخل به الموت إلى العالم. الحسود يعاند الجميع ولا يؤثر أن يعلو عليه أحد. يستخفّ بالنّجباء وينصب المعاثر في طريق السّالكين حسناً. الحسود لا يفرح أبداً بنجاح رفيقه. إن رأى متوانياً لا يحثّه على العمل بل يحضّه على التّمادي في الشّر. إن رأى أخاً مرتاحاً يثلبه. تبّاً للحسود فإنّ قلبه سقيم بالغموم كلّ حين، ولون وجهه ممتقع، وقوّته خائرة…. هو شرس مع الجميع وعدوّهم. يرائي الكلّ، ويبتكر أصناف الغش، ويحابي بالوجوه. يعاهد اليوم فلاناً وغداً آخر. يتقلّب في علاقته بالجميع، ويطاوع كلّ واحد في رأيه. ثم بعد قليل يذمّ الجماعة ويفتن بين النّاس. الحسد والغيرة سمّ زعاف. اهربوا من الحسد يا جنود السّيرة السّماويّة، واقصوا عنكم الغيرة والحسد لئلا تدانوا مع المحال.

 

القدّيس كبريانوس

* الحسد شرارة صغيرة يحتقرها الكثيرون بينما هي خسارة فادحة للنّفس. إنّه جرح خفي يزدري به الإنسان فيفسد جسمه كلّه.

 

الشّيخ الرّوحاني

* الحسد يُضعف القوى ويُنحل الجسم ويضغط القلب ويسلب العافية. وأخيراً يفني الإنسان بجملته. وكما أنّ السّوس أو العثّ يفني الثّياب الثّمينة هكذا الحسد يفني الحاسد.

 

القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم

* انظر كيف أنّ الحاسد يُهمل شروره ويبحث عن خيرات الآخرين ولا يجني من ذلك سوى التّمزق والاضطراب. فلماذا تحسد؟ أخبرني ألأنّه قد مُدح قريبك من الآخرين؟ كان عليك أن تفرح. ومع هذا من أعلمك أنّ مدحهم حقيقي؟ فهل تحزن لأنّه مُدح رغم كونه غير مستحق للإعجاب والمديح؟ أشفق عليه إذن وصلّ له. لماذا تتمرمر؟ لماذا تبرز سيفك على نفسك؟ هل لأنّك تطلب إعجاب النّاس بك؟ ولكنّ الذين يعيشون اليوم قد لا يوجدون غداً. هل تّسَّر بالمجد؟ أخبرني أي مجد تريد؟ ذلك المجد الذي يقول عنه النّبي أنّه كزهر العشب. هل تحسد الآخرين لأنّك لا تحمل حملاً من العشب كأحمالهم؟ فإن بدا لك أنّك مستعدّ أن تحسدهم لأجل هذا، فلماذا لا تحسد الحطّاب الذي يحمل الحطب كلّ يوم؟ فإنّ ذاك الحِمل أو المجد ليس أفضل من هذا الحطب بل بالحري أردأ منه. فحَملُ الحطب مؤلم جسدياً أمّا حملّ المجد فغالباً ما يضرّ النّفس ويسبّب الهلاك أكثر من السّرور. وحقّاً قال سليمان الحكيم: يا بني حياة الجسد هدوء القلب، ونخر العظام الحسد.

* إن كنت تجترح العجائب أو حافظاً للبتوليّة أو صوّاماً أو تنام على الحضيض وكان فيك الحسد فأنّك شرّ من جميع الخطأة وأغباهم وأردأهم.

* الحسد أشدّ الخطايا وأشنعها لأنّ الحاسد يشبه الشّيطان الذي يُسرُّ بهلاك ومضرّة البشر.

رعاية العائلة

رعاية العائلة

إعداد رامي شربك·

بين التحيات التي يرسلها بولس الرسول إلى أهل كورنثوس في آخر رسالته الأولى لهم، سلام لكنيستي أكيلا وبريسكلا “المنزليتين”، مما يجعلنا نميز دون شك وجود مؤسسة “كنسية” في المنزل أو في العائلة. وهكذا يدعو القديس يوحنا الذهبي الفم العائلة “كنيسة صغيرة في البيت كما الكنيسة كلها في العالم”.

فالزواج يشكل قسماً أساسياً من الكنيسة وهو في الوقت نفسه رمز لها. كل ما تتصف به الكنيسة ينطبق على الزواج، لأن الزواج هو اتحاد مؤمنين في وحدة المحبة والإيمان والأسرار للحياة الأبدية. هو بحد ذاته سر حي، سر المحبة المتزايدة المتكاملة أبداً، والكنيسة هي سلم يعقوب ونقطة تلاقي البشرية التي تحيا الحياة الإلهية والإله الذي يحيا حياة البشر، هي الثالوث يتجلى في البشري. والأمر الذي يخص الزواج ويشكل أساس سره وروحه، قد أعلن عنه الذهبي الفم بقوة لاتقارنها قوة قائلاً إن اتحاد الزوجين ليس صورة لأوضاع بشرية بل هو صورة الله ذاته.

وهكذا ليست علاقة الشركة الزوجية “العائلة” بالكنيسة علاقة خارجية، علاقة مؤسسة ضيقة بمؤسسة أوسع وحسب، إنما هي أكثر صميمية من ذلك. وكذلك أيضاً علاقة الكنيسة بالعائلة هي علاقة تكاملية تعمل من أجل تنمية متكاملة ومنسجمة للإيمان في قلب الإنسان.

إن الطابع الكنسي للعلاقة الزوجية، الناتج عن حضور الرب يسوع بالروح القدس في تلك العلاقة – كما حضر في عرس قانا الجليل (لا بل بشكل أكثر صميمية)- يعيد لها أصالتها الإنسانية، لأن الإنسان الحق هو المتجلي بالنور الإلهي على مثال إنسانية يسوع. تلك الأصالة تعبر عنها عدة مظاهر، منها:

– إن الآخر يصبح غاية بحد ذاته وليس مجرد وسيلة لقضاء الشهوة أو حتى لإنجاب الأولاد. إنه محبوب من أجل نفسه، لذا فهذا الحب غير مشروط يتعهد في الأساس الآخر نهائياً أياً كانت عيوبه وأخطاؤه.

– العلاقة الجنسية بين الزوجين ليست غاية بحد ذاتها، إنما هي لغة للتعبير عن الحب ولتوثيق عراه، إنها تصبح “معرفة” متبادلة (أي تداخل كياني عميق من خلال لقاء الأجساد) على حسب العبارة الكتابية.

– الحب الزوجي يصبح حباً معطاء على صورة حب المسيح للكنيسة: “أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وبذل نفسه من أجلها…”، وعلى صورة حب الكنيسة للمسيح الذي يعبر عن ذاته بالاستشهاد بشتى مظاهره “أيها الشهداء القديسون…”.

– في العلاقة الزوجية، إذا عيشت كنسياً، لم يعد من مجال لتسلط واستعباد، لتلك “الحرب بين الجنسين” التي هي واقع يومي مفجع والتي تجعل الرجل والمرأة يتنازعان بشكل واعٍ أو غير واع السيطرة في العلاقة الزوجية. هذا كله يتخطاه الحب إذا تجلى بالمسيح وعاد إلى أصالته. فليس فيه من مجال بعد لسيّد وعبد.

إن ماذكر أعلاه إنما هو نموذج يصبو إليه الزوجان المسيحيان. ويحتاجان إلى سهر وجهاد دائمين لكي يكونا أمينين للنعمة المعطاة لهما فيسيران هكذا بزواجهما في درب القداسة. فالعائلة، بمفهومها المسيحي العميق هي غاية الخلق الإلهي للإنسان وهي الشكل الأخير الذي يجب أن تصل البشرية كلها إليه في النهاية، فليست هي مجرد شكل من أشكال الروابط الإنسانية، التي يمكننا تبديلها مع الظروف للوصول إلى غاية إنسانية أخرى. إن الغاية الإنسانية الأخيرة هي بناء عائلة، عائلة بين الزوج والزوجة والأولاد، وعائلة إنسانية شاملة. وفي كلتا العائلتين الله هو الأب الحقيقي. ويستحيل أن تقوم العائلة بلا إله يسوسها كما كان يسوع يسوس عرس قانا الجليل. حضر المسيح هناك ورتّب الأشياء. أن يحضر الرجل أو المرأة هو أن يحل المسيح فيهما ليكون لكل منهما فيه نصيب. وكما أن المسيح مات من أجل الكنيسة وصار بذلك عريساً لها، هكذا يحب الزوج زوجته وبهذا يوطدان الارتباط والوحدة.

ولكن قد يصبح ارتباط الزوجين وحوارهما صعباً ومعرضاً للأخطار، مهما كانت نواياهما طيبة، وذلك بتأثير عوامل عدة تؤثر في علاقتهما فتحول دون رؤية للآخر صحيحة وتكبل الحب بمخاوف الطفولة ومطاليبها. وهنا يأتي دور الكنيسة بأن تعمل على تغيير نظرة كل من الزوجين نحو الآخر. الآخر هو شريكي وعضدي، وليس عدواً لي. على الرعاة أن يساعدوا الزوجين كي يفهما أن الآخر هو عطية من الله وهبني إياها كي يعضدني في السير نحو الخلاص. وهذا يفرض على الرعاة أيضاً مجابهة لمشكلة الطلاق جديدة. فالمهم ليس أن نتحاشى الطلاق قدر الإمكان وحسب، بل أن نساعد على إزالة أسبابه. ليس المهم أن نبقي على الزواج مهما كلف الأمر بل أن نساعد على بعث الحب الذي هو مبرر الزواج ومعناه. هذا يفرض ألا يكتفي الرعاة بأن يدعوا كلاً من الزوجين إلى أن يقبل بمصيره، فيكرَّس بذلك الشق القائم بينهما مع الحفاظ الشكلي على المؤسسة، بل أن يحثوهما، على أن يكتشفا معاً ما يعيق حبهما.

إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أن تكون العائلة موضوع رعاية خاصة، أي أن لا يكتفي الرعاة بالاهتمام بأعضائها إفرادياً. وإنما رعاية للعائلة كوحدة حية متكاملة، والاهتمام بالقضايا والمشاكل التي يطرحها نمط العلاقات الفريد الذي تتكون منه. علينا أن نتحرر من نمط الرعاية التقليدي السائد هذه الأيام، فرعايتنا الحالية مقتصرة، في أفضل الأحوال، على زيارات العائلات المحتاجة من باب “عمل الرحمة”، وزيارات تقليدية سريعة في المواسم ( الظهور الإلهي، شفيع….الخ )، وأخيراً الدعوات الاجتماعية خاصة في العائلات الغنية! وإذا وجد غير ذلك فهو غير مبرمج وغير هادف.

حاجتنا ماسة اليوم لرعاية حقيقية – تفترض طبعاً عند الرعاة إلماماً بالأبعاد النفسية الاجتماعية للأسرة – تتم من خلال ندوات أو فرق أسرية تجمع بانتظام “كوبلات” يتبادلون الخبرات ويتطارحون المشاكل بحرية وصراحة، مستلهمين الكلمة الإلهية ومتعاونين فيما بينهم على مواجهة الصعاب واكتشاف السبل المؤدية إلى تحقيق صورة المسيح في علاقاتهم الزوجية والأسرية. فالأهل في دورهم التربوي في حاجة إلى القدوة والتعليم وهذا ما تؤمنه الكنيسة من خلال تفاعل أبنائها من أجل بناء بعضهم لبعض.

على الكنيسة أن تفعل ما بوسعها أيضاً لتوفير نمط سليم من العلاقات بين الوالدين وأولادهم. فالرعاة يجب أن يساعدوا الوالدين على اكتساب النضج والانسجام العميق والرؤية الانجيلية الواضحة لمعاني الأبوة والسلطة، وذلك من أجل تأمين أفضل الشروط للتربية الإنسانية السليمة والتربية المسيحية الأصيلة للأولاد في الأسرة. بالنسبة للأطفال الأهل يمثلون الله. هم الكهنة الحقيقيون. وكما كتب عالم النفس الكبير فريتز كونكل: “لا يستطيع الطفل أن يميز بين الأهل والله. بالنسبة إليه الأهل هم الله… فإذا كنا آباء سيئين فإن الطفل يتعلم أن الله سيء”.

أحياناً، تأتي بعض المشاكل العائلية كانعكاس للاهوت مغلوط. فعندما يعتقد الأب، مثلاً، أن الله مستبد. فسوف يعامل أفراد عائلته بمثل هذه الصورة السلبية. وبطريقة مماثلة، إذا رأى أفراد العائلة أن الأب مستبد، سيفترضون تلقائياً أن الله كذلك. إن الرب يسوع قد علمنا، من خلال أمثال الملكوت، الكثير عن طبيعة الله الأبوية وعنايته بنا. وعلى الرعاة الكنسيين أن ينقلوا هذه الصورة عن الله إلى العائلات، بشكلها الصحيح. إن حقيقة الله كأب تعطي للعائلة صيغة ومبادئ خلقية، كما أنها تجعل هذه العائلة خلية بناءة للسلام والوحدة الإنسانية بالروح والإيمان.

الروح الدهرية، أو روح هذا العالم، تعصف. الاختلاط الديني والاجتماعي يخلق لدينا واقعاً هجيناً خطراً. وسائل الإعلام تحاول أن تختلس المستقبل منا وتفسد خراف المسيح من الداخل، في عقر دارنا، في البيت المسيحي، في الخلية الأولى للكنيسة. لذا لا بديل اليوم عن رعاة وآباء، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يتفهمون ويحضنون ويقوّمون ويرشدون كي تصير عائلاتنا مكاناً رحباً للنعمة والتقديس.

·  طالب في السنة الرابعة لاهوت- معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي- جامعة البلمند.

العدو في الداخل

العدو في الداخل

الأرشمندريت ديونيسيوس كالامبوكاس

رئيس دير بترا، كارديتسا، اليونان

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ما هي الأنا؟

الشيطان، الذي كان أول الملائكة وأرفعهم، عندما حوّل نظره عن الله ووجّه انتباهه إلى نفسه، كانت أولى بذور الأنا. لقد سحب عينيه الروحيتين من رؤية الثالوث القدوس، رؤية الرب، وتطلّع إلى نفسه وراح يفكّر بذاته ويقول: “أنا أريد أن أضع عرشي على أعلى مكان، وأكون مثله”. في تلك اللحظة بدأ تاريخ الأنا، وحقيقتها ووجودها، والأنا بالحقيقة ليست الحقيقة بل رفض الحقيقة. الأنا هي الزهرة التي تخرج من موت المحبة. أي عندما نقتل المحبة، تكون النتيجة الأنا.

ما هو وصف الأنا؟ كيف تظهر في الكائن البشري؟

عندما لا نثق. تولد الأنا عندما لا نثق بالآخرين. عندما نخاف من الآخرين، عندما نحتاج إلى أسلحة لمواجهتهم، عندها نحتاج الأنا لأننا نكون في طريقة الحياة الخاطئة. نفكّر بذواتنا فقط، ولا نرى إلا أنانا. بينما عندما ننظر إلى بعضنا، ونثق ببعضنا، لا حاجة للأنا، ولا سبب ولا إمكانية لها.

 

إذاً من طريقة كلامك عن الأنا، فهي الإصرار على انفصالنا واستقلالنا؟

نعم، الإصرار على وحدتنا. حاجتنا لأن نكون وحيدين، لأن تكون لنا طريقة تفكير ترضينا وتحفظ شخصيتنا بطريقة خاطئة.

 

أي إنها وضع ذواتنا أولاً وقبل الكلّ؟

نعم، ويقول المسيح “الآخرون أوّلون”. إذ عندما تريد أن تكون الأخير تختار المقعد الأخير، وعندها فقط تستطيع أن تنادي الجميع بالأصدقاء.

 

الأنا، هذا الإحساس بأهمية الذات الذي تحكي عنه، غالباً ما تُوصَف في الفيلوكاليا وغيرها من كتابات النساك المسيحيين على أنها العدو الرئيسي الذي ينبغي بأصحاب الطموح الروحي أن يصارعوه في سعيهم إلى الاتحاد بالله. لماذا تُعتَبَر الأنا هذه الخصم المرعب على الطريق؟

إنها لعدو قوي لأنها العدو الذي في داخلنا. نحن أعداء ذواتنا، مثل آدم وحواء في الملكوت. بالطبع، تحدّثت الحيّة إلى حواء، لكن كان باستطاعتها أن تتلافاها. الحيّة قالت لها: “الرب كذب عليكما”، ولكن لو أنها كانت تثق بالرب لما كانت باشرت الحديث مع الحية. وآدم أيضاً، خسر اتصاله بالرب ومكث مع أناه. وكِلا الأنا، عند آدم وعند حواء، عملا معاً. العدو الحقيقي هو الأنا. إنها العدو لأنها ضد المحبة. عندما أنظر إلى نفسي لا أحب الآخرين. عندما أرغب في أن أحتفظ لنفسي بما هو لغيري، أصير قاتلاً لأخي، كما قتل قايين أخاه هابيل. إن أردت أن أقدّم لنفسي الاكتفاء، فأنا أكسب هذا الاكتفاء بالتضحية بحرية الآخرين. من ثم أناي تصبح سيدي، وليس من تجربة أقوى من هذه. بالنسبة لنا، قد تبدو هذا الأنا مثل الماسة. إنها تلمع مثل الذهب، لكن ليس كلّ ما يلمع ذهباً. هذه الأنا مثل النار من دون نور، نار من دون دفء، نار من دون حياة. يبدو أن لها أوجه كثيرة وإمكانيات متعددة، لكن ما هي هذه الإمكانية؟ ما هي الأنا؟ إنها الوسيلة التي بها أحمي نفسي وكأنني في معركة، وكأن كل شخص عدوي، والأمر الوحيد الذي يهمني هو الانتصار.

لقد قال بعض أعظم المستنيرين الروحيين أنّه عندما يأخذ الإنسان الطريق الروحية بجديّة، غالباً ما يصل إلى مواجهة أناه بطريقة لم يكن يتخيلها قبلاً. في وصف هذه اللقاءات مع الأنا، أعطاها الكثير من القديسين صورة القوة الشيطانية الباطنية التي لا تريد الحياة الروحية ولا تريد الله بل ترغب في أن تعمل كل ما باستطاعتها لتعيق استنارتنا وتقوّض عزمنا الثابت على البقاء على الطريق.

يكتب الرسول بولس كلاماً جميلاً عن هذا الحدث، هذا الصراع داخل القلب البشري. يقول “وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي” (روما 23:7). لهذا قلتُ أن مشكلة الإنسانية الكبرى هي في داخل كل إنسان وليست خارجه. لهذا نحتاج إلى آباء روحيين. لهذا نحتاج أطباء روحيين. نحتاج إلى جراحة وعملية، نحتاج لاستئصال شيء ما في قلبنا.

نحن لا نفهم أن هذا العدو الذي في داخلنا ليس نفسنا، وليس شخصيتنا. إنّه مجرّد إغواء. إنّه بذور مشكلة الأنا. نحن نضمّ شخصيتنا إلى أخطائنا. نحن نشوّش شخصيتنا بالخطيئة. نزاوج هذين الأمرين، وانطباعنا عن أنفسنا خاطئ. لا نعرف ما نحن ونحتاج إلى أحد ما لكي يظهر لنا مَن نحن؛ نحن بحاجة لمَن يفتح أعيننا حتى نتمكّن، أقلّه، من رؤية العتمة.

القديس غريغوريوس بالاماس هو متوحّد لا بل أهم المتوحّدين. لقد أمضى ثلاثين سنة يصلّي فقط الصلاة التالية: “أنِر ظلمتي. أنِر ظلمتي”. لم يسمِّ السيد لأنه لنم يشعر بأنه يستحق ذلك. لم يوجه صلاته لأي كان بل كان يرددها نهاراً وليلاً، أكثر من نفَسه. لأن كل ما كان يعرفه في نفسه كان ظلاماً. لقد كان يكلّم شخصاً آخر لم يكن سوى المسيح الذي قال “أنا النور”.

 

أنِر ظلمتي تعني أرِني أخطائي؟

أو تعالَ إلى ظلمتي وأحرقها. اجعلها ناراً واجعل نوراً فيها. أعظم ما يمكن أن نقوم به في حياتنا هو اكتشاف أننا لسنا شيئاً بذواتنا. نحن ظلام، غبار.

 

غالباً ما تُوصف الأنا في الأدب الروحي كعدو ماكر وانتهازي، قادر على قلب كل المواقف لمصلحته محاولاً إعاقة أي تقدّم روحي. ما الذي تشعر بأنه الخاصية الأكثر أهمية في الإنسان من جهة القدرة على مساعدتنا للانتصار في الحرب ضد الأنا الذكية والدائمة التبدّل؟

التوبة. الاعتراف بأخطائنا وخطايانا، هذا أسمى أمر يمكن أن نقوم به. الاعتراف بخطايانا لا لكي ننجح في أمر آخر، بل فقط لكي نرى حقيقتنا. القديس اسحق، ناسك الكنيسة الكبير، يقول أنّ مَن يسلّم بخطيئته، يفهمها، ويعترف بها أمام الرب، هو بالحقيقة الأكثر سمواً. إنه أعظم ممن ربح كل العالم، من الذي يطعم الناس، من الذي يجترح العجائب، ومن الذي يقيم الموتى. هذا الرجل الذي يعترف، هو الأول والأكبر إذ لا يمكن أن يسقط. إنه يمتلك الثبات، المستوى، والموقع الذي يؤهّله ليكلّم الرب. إنه في منزلة تؤهّله ليصرخ إلى الرب بدموعه وبتوبته وبفهمه أنه أخطأ. وعاجلاً يصير واضحاً. النور يأتي منه، يصير طبيباً روحياً، معلماً أو أباً، لأنه لا يخشى الاعتراف بخطاياه وليس عنده مشكلة في أن يقول: “اعذرني، كانت غلطتي”. هذا هو مفتاح النجاة من كل سقطات الشيطان.

 

هل نكون دقيقين إذا اعتبرنا أن التواضع هو هذه الخاصية وهذا الاستعداد لمواجهة النفس؟

لا هو ليس التواضع, التواضع هو النتيجة. من الأفضل أن نقول “الحكمة”. نحن نشد على أنفسنا لنتّضع. لكن ما علاقة التواضع بمعرف أخطائنا؟ أعليََّ أن أكون متواضعاً لكي أعرف أخطائي؟ لا. عليّ أن أراها. إنها حاجة ملحّة. إنها طريقتي للوجود للحظة التالية. كيف لي أن أكون موجوداً مع أخطائي للحظة. أمام مَن؟ أمام نفسي، كيف أكون مع أخطائي وخطاياي؟ عليّ أن أقرّ “أنا اقترفتها”.

يعبّر دوستويفسكي عن هذا الأمر بشكل رائع في “الجريمة والعقاب”. الشخصية الرئيسية، راسكولنيكوف، يقتل شخصاً أخراً، وما أن يقوم بذلك حتى يفهم مباشرة ما قام به. إنه لا يتعرّف إلى ذلك بنفسه بل من خلال الكلمات القاسية الصارمة التي قالتها صونيا الفاجرة “أنظرْ ما فعلتَ”. لقد قادته إلى وسط الساحة، أمام كل الناس، ليعترف بما فعل. وقد نطق، اعترف. ويقول أنه لو لم يعترف لما كان استطاع أن يستمر في الوجود، ولكان اقترف أكثر وأكثر من الجرائم. وهو يقبل حكم المحكمة في السجن لأكثر من عشرين سنة في أقسى السجون. ويمضي. وهناك يحسّ بدواء قلبه ويتناوله. نحن عندنا مشاكل في الحياة لأننا لا نريد أن نقبل ولا أن نعترف بخطايانا. مع أن هذا هو المفتاح. ماذا عندنا لنعطي بعضنا؟ ذهب، مال، شهوة، طعام؟ حياة مديدة؟ لا. فقط الاعتراف بخطايانا. وعندها يصير عالمنا جديداً.

 

يبدو وكأنك تتكلّم عن نوع من الضمير العميق الذي يتحرّك عندما نواجه أنفسنا؟

إنّه المحبة. المحبة أرفع من الضمير. الضمير شيء يقول لك “أنت تفعل هذا، أنت تفعل هذا…” وكأننا أمام محكمة ذاتية. لكن المحبة أكثر من ذلك، فهي تجعلنا مستعدين للدفاع عن خطايا الآخرين. إنها درجة أكثر سمواً. ليست المحبة مجرّد الاعتراف بخطايانا، بل هي أن نكون مستعدين لتحمّل مسؤولية خطايا لم نقترفها، كما فعل المسيح. هذه هي المحبة.

 

تتحدّث كتابات الآباء المسيحيين عن أنّ هدف الرحلة الروحية هو تجلي الكائن البشري إلى درجة مختلفة كلياً من الوجود البشري، درجة تموت فيها الأنا، وبمعنى ما، نولَد من جديد. ما معني أن تموت الأنا؟ وبأي معنى نولَد من جديد؟

الرب يدعونا لأن نتحوّل. إنه يريد أن يعطينا حقيقتنا، أي ذاتنا الحقيقية، التي فقدناها. وفي الحياة الروحية، خاصةً الرهبانية، يمكن لهذه الأنا أن تتحوّل فعلاً. التلاميذ بعد أن تبعوا المسيح إلى طور ثابور، شهدوا على أن جسمه تجلّى إلى نور. يشرح كثيرون من الآباء أن التحوّل لم يكن فعلياً في جسد المسيح بل في أعين تلاميذه. ففي تلك اللحظة، تحوّلت أعينهم واستطاعوا أن يروا ما كان المسيح عليه دائماً، لامعاً مملوءاً من النور. بتواضعهم، باتّباعهم المسيح، نُقِلوا إلى قمة هذا الجبل ليتمتّعوا بهذه الحقيقة. وكلّ واحد منّا مؤهّل للحصول على هذه البركة كون طبيعتنا مؤهّلة لأن تتحوّل.

هذا التجلّي هو تقدمنا الحقيقي ونمونا الحقيقي. ليس المهم أن نوظّف حياتنا الروحية في المسيح لنصير أفضل، أكثر ذكاءً، أكثر معرفة، نزيد أصدقاءنا، نؤثّر على غيرنا، نحقق سلطة وقوة، نمتلك مالاً وصحة وشهرة واعتباراً حسناً. المسألة هي ما في القلب ليس إلاّ. المهمّ هو أنّ لا تحمل الممارسة اليومية أي بذار للأنا في قلبنا. عندما تأتي التجربة يمكنها أن تتلف جودة الحياة والعلاقة بين الناس. علّمنا الرب أن نكون يقظين دوماً وأن نصلي إليه “لا تدخلنا في التجارب”. من خلال هذه الحماية من التجربة، نتوصّل إلى أن نرى بوضوح تامّ ما في قلوبنا. وباتّباع الحياة اليومية البسيطة، يمكننا أن ننقي أنفسنا، روحنا وفكرنا. بعد هذا، يصير من السهل أن يأتي الروح القدس. في القداس الإلهي نكون في الكنيسة مع الخبز والخمر. نصلّي، يأتي الروح القدس ويحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. بالطريقة عينها، يمكننا أن نطهّر أنفسنا، والروح القدس يأتي ويحوّلنا بشتّى الطرق التي قرأنا عنها في الكتب، ويجلب إلينا خبرات أكثر مما تسع كل كتب الدنيا.

 

هناك في التقليد الأرثوذكسي ذرية جليلة من الآباء الروحين المستنيرين، أشخاص عظماء برهنوا بحياتهم إمكانية تحطيم الأنا واكتشاف الحياة الجديدة في الله. ما هي علامات الإنسان الذي ربح المعركة الروحية؟ كيف يتغيّر التعبير عن الشخصيّة في الشخص الذي تغلّب فعلياً على الأنا؟

إنّه مستعد دوماً لكل شيء. لا يتعب ولا يحكي عن التعب أو يحسّ به. مبتهج ومستعد دائماً للعطاء. يعيش فقط للآخرين، مستعد لخدمة أي كان. لا يدين أحداً مهما كبرت خطيئته. إنه مثل ولد، لكنه ولد ملك. مَن يستطيع أن يلمس ابن ملك؟ مَن يستطيع أن يلامس شبلاً حديث الولادة فيما اللبؤة قريبة منه؟ على هذا المنوال، أنت حمل صغير بين ذئاب، لكنك لا تخاف. أنت هناك تقدّم، تستقبل الجميع، تحبهم، تخدمهم، تصلي من أجلهم، مستعد للموت في أي لحظة، وفي كل هذا أنت حرّ تماماً وبكل ما في الكلمة من معنى. كل هذه هي ثمار المحبة، لأننا نصبح مصدر محبة. هكذا هو الإنسان من دون أنا. هذا هو التحوّل. إننّا مثل شجرة برية قديمة نحتاج شيئاً يأتي إلى داخلنا ويحوّل هذه الشجرة إلى أخرى مثمرة. إنسان من غير أنا يكون مع الله، مع الروح القدس.

عندما تموت من أجل الكل في كل لحظة، عندما تحب، عندما تحترم، عندما تنحني أمام الآخر، فكأنك تهيؤه لعملية جراحية؛ يختلف الأمر عندما تدين الآخر أو تحسّ بأنه يحتاج شيئاً منك. عندما تكون كاملاً أمامه – ونحن بإمكاننا أن نكون كاملين، لا بل علينا أن نكون كاملين، وهذه هي الحاجة الأساسية – هذا ما يحتاجه الناس ويعرفونه ويفهمونه. سريعاً يأتي الجميع ليأخذوا مقعداً في مواجهة هذا الشخص، في مواجهة ابن روحي أو أب روحي.

 

بحسب خبرتك، الأب الروحي الذي تخطّى فعلياً الأنا والذي ينفخ الروح في الناس ليبلغوا أقصى ما في مقدورهم، ألا يقدّم أيضاً ذروة التحدي لأنا الذين يأتون ليروه؟

بكل تأكيد. في الحقيقة، بوجود هكذا إنسان، يبتعد الشيطان. ويمكنكم أن تروا بوضوح كيف أن الشيطان يجعل الناس مجانين أو غاضبين أو قليلي الاحترام من دون قول أي شيء. لمجرد أنك هناك، إنهم ينفجرون. ويمكن أن ترى أشياء رهيبة في الناس بينما في حالات أخرى تراهم أناساً كرماء مع ربطات عنق وحلي ذهبية. ما أن يظهر شخص ممن يجسّدون روح الله حتى ترى ما كنت لتراه عندما كان يسوع في الطرقات. الشياطين التي كانت تسكن البشر كانت تنادي “أنت، مَن أنت؟ أجئتَ لتعذبنا؟” البعض يُصدَمون به، آخرون كانوا يفكّرون في كيف يتخلّون عنه، وغيرهم كان يفكّر بأمور أخرى ضده. لم يتوجّه إلى ما كانوا يقولونه بل إلى ما كانوا يفتكرون. والروح القدس نفسه موجود في الآباء القديسين، ويمكن أن يخلق النوع نفسه من المواجهات. تقع المواجهة عندما يفهم الآخر أنه عاجز عن التلاعب مع هذا الرجل الذي يحمل روح الله. كونه يعجز عن التخفي أمامه.

 

في الكتابات المسيحية، غالباً ما يُشار إلى عدو الطريق الروحية بتعابير دراماتيكية كمثل إبليس، لوسيفر، الشيطان. هل الشيطان مجرّد صورة مجازية عن الأنا البشرية؟ أم هو شيء مستقلّ عنّا؟

الشيطان هو المعلّم. الأنا هو الوسيلة التي بها يحقق نظريته. العيش بحسب الأنا هو مثل إحراق البخور أمامه. عندما نشْتَمّه يأتي. إنّه عشيره، قريبه، لسانه، لهجته. إنه معجَب به، لهذا هو يأتي ويباشر رفقة مع أنانا، من ثمّ يبدأ بالتقرّب منا.

 

أتقول أن الشيطان موجود بهذا المعنى كقوة غير شخصية من الشر الذي يعمل في داخل كل منا كالأنا؟ أم الأكثر دقة هو القول بأن الأنا هو أصلاً هناك فينا والشيطان هو صوت التجربة التي يستمع إليها الأنا؟

الثانية. الشيطان ليس له سلطة للعمل من خلال الأنا. نحن أحرار في اتخاذ القرار دائماً.

 

هناك أشخاص كثيرون في الغرب يحاولون أن يأتوا بأفكار علم النفس الغربي لتطبيقها على الطريقة الروحية. بالواقع، يبدو وكأن صار تطوير أنا قوية وحسّاً قوياً بالذات أمراً متفقاً عليه للصمود في وجه صعوبات الطريق الروحية. تنتشر عبارة “عليك أن تصير أحداً ما قبل أن تصير لا أحد” حتى صارت عقيدة في الكثير من الدوائر الروحية. ما قولكم في هذه الفكرة؟

إنها كالقول: “عليّ أن أكون أولاً رأساً للمافيا حتى أصير رئيساً للبلاد”، أو “سوف أعمل أولاً مع الشيطان، وأكون رفيقه ليعطيني كل ما أريد، وكوني أكثر ذكاءً منه، فسوف أستعمل قواي للخير”. من النافع أن نرسل الأولاد ليدرسوا ويتعلّموا الغناء والرياضة ويصيروا مثقفين ويكتسبوا أساساً اقتصادياً ليباشروا حياتهم. ولكن ألسنا في كثير من الأوقات نرى أن أحلام الأغنياء وأولادهم تتحطّم؟ يقول الإنجيل “إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناءون”.

الأنا هي الإله المعاصر في القرنين العشرين والحادي والعشرين. والفكرة التي أشرت إليها في سؤالك هي الدين الحديث. لكن نعرف هذه التجربة. الأنا تعني “أنا لا أؤمن بوجود الروح القدس. إنه غير موجود”. لكن هذا كذب. الروح القدس يقود العالم ومباركون هم الذين يطلبونه، يرونه، يتنفسونه، يتحرّكون فيه، يلهمهم، يحبونه، ويتّحدون به.

 

هناك كثيرون ممن يصرّون على أن الأنا هي حقيقة متأصلة ولا يمكن إلغاؤها في البشرية، وكل محاولة للتخلي عنها أو لتخطي طبيعتنا الدنيا سعياً إلى الكمال، هي بحد ذاتها تعبير عن أهم hubris. عالم النفس اليونغي ماريون وودمن يذهب إلى حدّ القول بأن مفهوم الكمال بحد ذاته هو “اغتصاب للنفس”. كيف تجيب على الذين يؤكّدون أننا بالطبيعة متصدّعون وعاجزون عن بلوغ الكمال؟

قال المسيح “كونوا كاملين”، وعلّمنا أننا متى صرنا كاملين وعملنا كل شيء بشكل كامل فيما نحن نفكّر ونعتقد بأننا بائسون وخطأة وخاسرون وعبيد، عندها نجد التواضع والمجد. الكمال ممكن لأنه هو كامل، وهو قد اتّخذ طبيعتنا. لذا يمكننا أن نكون مثله ومعه. الكمال ممكن بسبب هذه الموهبة. وممكن ألا نكون كاملين لأننا أحرار في رفضها، أي في رفض المحبة. وعندما نرفضها، نصير بحاجة للاهوت وللفلسفة ولتأليف الكتب ووضع النظريات التي تقول باستحالة تخطي الأنا.

ممكن التحرر من الأنا وضروري، ولازم. فقط لأن الناس لا يعرفون أن هذا ممكن، فهم لا يريدون هذه الإمكانية، ولا يسمحون بوجودها، فيحتاجون لخلق هذه الأفكار. لكنهم لا يعرفون أنهم يكذبون، وهذا أكثر الأمور التي نسمعها جنوناً. ما الذي يقوله الطبيب للمريض “أنظر، المرض جزء من طبيعتنا. علينا أن نتعايش معه. فلا ينبغي أن نقلّم أظافرنا، إذ إننا سوف نموت غداً أو الذي بعده! أي تعليم هو هذا؟ نعم ممكن تحرير الأنا لكن هذا سر.

 

الممارسات النسكية في الأرثوذكسية تشدد كثيراً على الحاجة لقمع حوافزنا الغريزية. النزوات، كالشهوة الجنسية والجوع والعطش وحتى الرغبة بالنوم، غالباً ما تكون مكتومة في ممارسة نكران الذات. ما هو دور الممارسة النسكية في البلوغ إلى التحرر من الأنا؟

النسك هو وسيلة لبلوغ حيث نريد أن نصل. إنه سكة الحديد التي عليها يسير القطار. كثيرون يشعرون أن النسك يعني اتّباع مجموعة من القوانين، لكنه ليس ناموساً مفروضاً علينا. في كرة القدم مثلاً، قوانين اللعبة موجودة لا لجعل اللعبة صعبة، بل للإسهام في إخراج اللعبة بشكل كامل. كذلك الأمر بالنسبة للحياة الروحية. الفترات الخاصة وقوانين الصيام والسهرانيات والصلوات تساعد كطرق وأدوات سرية. نحن نتبع هذه الطرقات الأسرار، هذه الارتباطات المقدّسة وهذه الأوامر الإلهية. وخارج القوانين العامة، هناك القوانين الشخصية التي تُعطى في العلاقة بين الأب والابن الروحيين، كمهمة خاصة بكل شخص. نرى القديسين الذين قضوا وقتاً طويلاً في الكهوف أو الغابات أو الصحراء. هم لا يذهبون إلى هناك حاملين مشاريع للعودة. عندما يذهبون إلى هناك فإلى الأبد والرب يهديهم.

المسيح ذهب إلى الصحراء بعد معموديته ليواجه الشيطان. لم يكن في فكره “بعد أربعين يوماً سوف أعود”. فقط مضى إلى هناك. خرج من الأردن معتمداً من القديس يوحنا المعمدان ومضى إلى الصحراء. من وجهة نظر أولى، خسر الوقت في كونه وحيداً هناك. لم يمضِ إلى أهله ليعطيهم الطعام ويباركهم ويقودهم ويعطيهم الروح القدس. لا. لقد مضى إلى الصحرا وقال للشيطان “يا صديقي، انظْر، لقد كنتَ إلى الآن تتلاعب بالناس. بدأتَ بحواء في الفردوس، والآن أن تنتهي معي. أنا هنا لوحدي، منقطع عن الأكل، والبرد في عظامي في ليلاً في الصحراء أمر مريع. أنا أتألّم. لكني لا ألعب. أنا هنا وحيد وأنت تأتي إليّ وتقول بأن أحوّل الحجارة إلى خبز. أنت تقول لي بأن أنحني أمامك؟ أنت؟ ألأعطيك سلطة على شعبي؟ اذهبَ الآن. لقد رأينا بعضنا. أعرف مَن تكون وتعرف مَن أكون.” في تلك اللحظة تخلّى الشيطان عن كل شيء.

إذاً الحياة النسكية ضرورية. أن يكون الإنسان مستعداً في أي لحظة للموت أمام كل الناس، هذه هي الصحراء وهذه هي الحياة النسكية التي تجلب الروح القدس. وإذا ذهبنا إليها، الروح القدس يقودنا.

مواهبنا

مواهبنا

حليم شربك

لم يخلق الله إنساناً بلا موهبة، لكن المشكلة لدى الكثير منا هذه الأيام أننا لا نشعر بمواهبنا فنعتقد لا بل نثق بأن لا موهبة لدينا، وما ذلك إخوتي إلا لأن قلوبنا قد بلغت من القسوة حدّ التحجّر، فعندما نقسّي رقابنا ونغلظ قلوبنا عن معرفة الله عندئذ تعمى عيوننا عن رؤية عطاياه الغزيرة.

المواهب يا إخوتي قد أُعطيت لنا نِعَماً من لدن أبي الأنوار، لكنها بشكل أساسي وسائل لنسبح ونمجد بها إلهنا الكلي الرأفة. يقول الأسقف يوحنا (يازجي) أسقف الحصن: “إنها لعطية كبرى من  الخالق للمخلوق أنه جعله كائناً هيمنولوجياً(أي مسبحاً). ومن قبيل الشكر وعرفان الجميل أن ننمي هذه الموهبة وأن نصقلها ونوجهها الوجهة الصحيحة موظفين إياها في العبادة الإلهية.” (من مقدمة كتابه: مبادئ الموسيقى البيزنطية) فلنخرج يا إخوتي من نطاق “الهواية” و “ملء وقت الفراغ” إلى شكل أسمى وهو ” الموهبة” التي أُعطيت لكل منا، لأننا ما دمنا ننظر -كلٌّ إلى موهبته- نظرة ملء أوقات الفراغ فلن نتمكن من صقلها بالشكل الذي يليق بأن نقدمها لله. مواهبنا مسؤولية وصقلها واجب علينا.

من أبسط قواعد الذوق في التعامل بين الناس أن من يقدم لك شيئاً، يفترض أن تقدم له شيئاً –من باب الذوق وليس واحدة مقابل واحدة- فما بالك إذاً بموضوع المواهب، مواهبنا لا فضل لنا فيها فهي لله ومن الله أُعطِيَت لنا من واسع رحمته وفيض محبته، أفَلا يحق علينا أن نقدمها له ذبيحة تسبيح (إن لم يكن من باب التعبّد فليكن من باب الذوق)؟

(1)             يقول رسول الأمم بولس الرسول:”هكذا أنتم أيضاً إذ أنكم غيورون للمواهب الروحية اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا”(1كورنثوس12:14) الأمر ذاته يطلبه منا السيد في مثل الوزنات عندما يرينا أنا الذي طمر وزنته ولم يتاجر بها تؤخذ منه وتعطى للذي تاجر بوزنته، هذا المثل أيضاً يطمئننا إلى أن الله لا يحمِّل أحداً فوق طاقته، فالأول أعطاه خمس وزنات والثاني وزنتين والأخير وزنة واحدة.

لاحظوا ما يقوله الرسول: لأجل بنيان الكنيسة اطلبوا أن تزدادوا، كلنا نتحدث بانفعال عن ضعفات كنيستنا (ولا أعني بذلك الكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية، لأن كنيستنا عروس لا عيب فيها، إنما أعني ضعفات الأعضاء الذين يمثلون الكنيسة) وكلنا نقسم بحماس أن لو كان الأمر بيدنا لكان الوضع أفضل بكثير و…..إلخ. من الأكيد أن من يتحدثون هكذا (وما أكثرهم) لم يسمعوا ما يقوله لهم الشيخ باييسيوس الآثوسي:”إذا كنت تهتم بإصلاح الكنيسة، أصلح نفسك أولاً وللتو يكون جزء من الكنيسة قد انصلح لأننا جميعاً أعضاء في جسد الكنيسة التي رأسها المسيح.”

في ختام حديثي عن المواهب لا يمكنني أن أنسى غصّة قلبي عندما أرى آخرين يبذلون من وقتهم وجهدهم الشيء الكثير بغية أن يكونوا كفؤاً لانتمائهم ذاك، مع محبتي واحترامي للجميع لكن لا يوجد انتماء أسمى من انتمائنا لكنيستنا، ولا أحد قدّم لأتباعه ما قدمه لنا سيدنا وإلهنا وأبونا، ومع ذلك نرى الأغلبية العظمى بيننا غارقين في التهاون شامخين في التكبر..

اطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا   متذكرين أن  التي لك مما لك نحن نقدمها لك.

الأرثوذكسية وحروب الحضارات

الأرثوذكسية وحروب الحضارات

الأب جون بريك

تعريب الأب أنطوان ملكي

يقوم في هذه الأيام جدال مقلِق، وفاتن في الوقت نفسه، ينبغي أن نكون على إلمام به. إنهّ يتعلّق برؤيتنا الجوهرية لله والعالم وأنفسنا. وهو قد قسّم الحضارة التي نعيش فيها إلى مسيحية  تقابلها ضد مسيحية، ومسيحية تقابلها دهرية (secular).  وقد عُبّر عن هذا الجدال بتعابير واضحة وصارمة في مجلة “أخلاق علم الحياة المسيحية (Christian Bioethics)” التي يحررها تريسترام أنكلهردت، وهو طبيب أرثوذكسي ومدافع عن أخلاقيات علم الحياة وأستاذ في جامعة رايس في هيوستن، تكساس. في عدد صادر مؤخراً، ارتفعت وتيرة الجدال بشكل ملحوظ. فما هي النقاط الأساسية؟

بعبارات فائقة التبسيط، هي التالية: لقد اعتبر الكتّاب الأرثوذكسيون في عدد من مقالات هذه المجلة أن الأخلاقيين والفلاسفة الكاثوليك قد استسلموا من دون علمهم للعقلية الدهرية، عقلية ما بعد الحداثة، التي يسعون إلى مجابهتها. هذا لأن تركيزهم الأساسي، على خطى البابا يوحنا بولس الثاني، هي تشكيل مقاربة فلسفية – أكثر منها تقليدية أرثوذكسية روحيةعلاجية- لأمور مثل الإجهاض والموت الرحيم والنظام الصحي الذي تغطيه الدولة.

في أعين النقاد الأرثوذكس أن تسمية الكاثوليك لهذه القضايا النبيلة “عدالة إجتماعية” و”أخلاقيات حياة متماسكة” قد تؤدي إلى سياسات مسيئة بالواقع أكثر منها مفيدة. مثال على ذلك هو مأساة الإجهاض. إذا تمّ التوصل إلى النهاية السعيدة للنظام الصحي على حساب سياسة تضعها الدولة بصفتها المموِّل الوحيد، فعندها لا محالة من أن تطلب الدولة، تحت الضغوطات غير الدينية، من الأطباء وغيرهم من العاملين في ميدان الصحة بأن يقبلوا النظرة الأخلاقية للمجتمع غير الديني، أي النظرة “المتحررة من القيود الدينية”. وهكذا، تحت شروط النظام الصحي العالمي الذي تغطيه أموال الضرائب، يصبح مطلوباً من الأطباء إن يوجّهوا المرضى إلى مختصين مستعدين للإجهاض، في حال كانوا هم يرفضون القيام به.

الشيء نفسه يصحّ على الانتحار المدعوم من الطبيب والموت الرحيم والحصول على أعضاء حيوية من الذين لم يموتوا بعد، بمَن فيهم الفقير والمهمّش والمعاق عقلياً والمنسوخ. لن تحدد القيَم والنظرات الدينية التقليدية المعايير الأخلاقية فيما بعد. فهي قد حُددت، وسوف تبقى هكذا، بنظرة “متأصّلة” صرفة، مجردة عن كل النظرات والقيم المتعالية. الخطاب الأخلاقي، على غرار التعليم العام اليوم، سوف تحدده نظرة للواقع متغربّة كلياً عن الإنجيل.

ما الذي يميّز الموقف الأرثوذكسي عن العالم الدهري من حولنا؟ بكلمة، إنّه سعيه النسكي الروحي الليتورجي إلى القداسة. الله قدوس، ما معناه أنه “مفروز”، كما يظهر من طبيعة كينونته الخاصة وصفاته أو فضائله كالبِرّ، العدالة، الصلاح، الجمال والمحبة. بفضل عمل الروح القدس الذي نكتسبه في المعمودية، ومن خلال الحياة الأسرارية في الكنيسة، نكتسب الصفات الإلهية. هذه الصفات هي أشكال للقوة: فهي تشعّ من الله بشكل “قوى إلهية”، ينقلها الروح بهدف قيادة كلٍ منّا على طريق القداسة التي تأتي إلى كمالها في ملكوت الله، بمشاركة حقيقية أبدية في حياة الله الخاصة (التي يسمّيها التقليد المقدّس تألهاً).

لماذا قد نهتمّ بهذه المناقشة؟ لأن القيم الأرثوذكسية والتقليد الأرثوذكسي مهدّدان بشكل عام، وبتشكيك أكثر حدة من أي وقت مضى، على يد عقلية المجتمع المعاصر والحضارة الغربية الدهرية بشكل عام. هذه الضغوطات تنشأ من العقلية التي تعلي قيم الاستهلاك واللذة وإرضاء الذات والاستقلالية، فيما تشوّه القيم المسيحية التقليدية كالتضحية والجهاد النسكي وعبادة الله.

غالباً ما أشار الأب ألكسندر شميمن إلى أن الدهرية (secularism) ليست مسألة عدم إيمان، لأن كثيرين من المسيحيين الممارسين هم في العمق دهريون. الدهرية توصَف بالدرجة الأولى بأنها نبذ للعبادة، رفض للاعتراف بأن الله خلقنا في الدرجة الأولى ليس ككائنات حية بل ككائنات متعبِّدة، كأشخاص هدفهم الأول في الحياة هو عبادة الله: تقديم المديح، التوقير، الشكر والتضرّع إلى الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس. فقط من خلال العبادة، أي وضع حياتنا والعالم ليتورجياً في يدي الله، يمكننا أن نضع أساساً ثابتاً للعدالة الاجتماعية، والنظام الصحي المناسب، وغيرها من القضايا بما فيها الدفاع الوطني في عصر الإرهاب.

إذا وجّهت الانتباه إلى هذه المناقشة، فلأن كل واحد مدعو إلى العيش في العالم الحقيقي الذي حولنا، بغض النظر عن حجم الضغوطات ومدى تشوّه وجهات النظر. نحن مدعوون إلى الشهادة لحضور الله وغايته في البيت والمكتب والسوق والمستشفى. هناك، في أمور الحياة اليومية الصغيرة وأماكنها غير الجليّة، نعيش دعوتنا الأساسية إلى الصلاة من أجل العالم، وإلى الحياة أو الموت لخلاص العالم.

نحن مدعوون لأن نكون قديسين. هذا لا يعني أن نعزل أنفسنا عن الحضارة المحيطة، جاعلين أنفسنا “مفروزين” بالمعنى المادي أو النفسي. إنه يعني أن نسعى إلى القداسة في وسط عالم غير متقدس، على رجاء أن من خلال أمانتنا لله وشهادتنا لمَن هو وحده قدوس، نلامس حياة الآخرين حولنا ونساعد على استعادة العالم إلى الذي هو خالقه وسيده في آن واحد.

إعمل لأولادك أكثر مما تعمل لصورتك!

إعمل لأولادك أكثر مما تعمل لصورتك!

الشماس ثيوذوروس الغندور

 

الإنسان اليوم تهمه صورته التي تجعله يركض خلف مسيرة الحياة المتسارعة، جاداً في طلب كل ما يخدم تحسين صورته. لا فرق عنده ماذا يعمل ومع مَن يعمل وفي أي وقت يعمل فالمهم عنده كيف يصل الى مركز مرموق أو منصب رفيع أو حتى مكانة إجتماعية هامة. يتكلم، يحاجج، يكتب، يؤلف، يخطط، يصمم، ويعمل بكل ما أُعطي من مواهب ليبهر من بيدهم الحلّ والربط والهدف كما ذكرت الصورة اللامعة.

والذي يصل لا تظننّ أنه يرتاح ويجلس على كرسيه غير معتال همّ أو مسؤولية، فهو يبدأ بالتفكير بمن سيخلفه أو بمن سيأتي بعده. طبعاً أحد أفراد العائلة، الولد أو الأخ أو أحد المقربين المحظوظين. وكل هذا كي لا تضيع الصورة، وهذه المرة صورة العائلة التي إذا ضاعت بعده لا أحد سيذكره ولن يكون له خلوداً. مع العلم أن أصحاب المقامات الرفيعة يهتمون بخلودهم، إذ يجعلون مقابرهم آيات وتحف فنية ضخمة البناء، جميلة التصميم. حتى التاريخ يكتبونه قبل رحيلهم، فنرى تاريخ الأمم هو تاريخ ملوكها ورؤساءها.

“باطل الأباطيل كل شيء باطل” هذا القول الوارد في الكتاب المقدّس في سفر الجامعة (جا 2:1) يصح في هذه الحال. فالله سوف يدينك على كل أعمالك، أخيراً كانت أم شراً. فلا نفع لما تعمله ما دمت سوف تموت. فكل خير أو شرّ تعمله لنفسك تقع عليه صفة البطلان، فالله يدعوك لعمل الخير مع الآخر. فالصورة الضرورية والهامة ليست المركز أو المنصب بحدّ ذاته، إنما كيف يستخدم صاحب السلطة مركزه في خدمة الخير العام. فبدل أن يكون عبداً للسلطة فليستعبدها هو بأعماله الخيّرة. هكذا بعد رحيله سيخلّد ذكره لا على حجار قبر مرصوفة بشكل هرم أو مسلّة أو تحفة فنية تجسّد شكل الراقد في داخله، بل في ذاكرة الناس وفي ضمير الأجيال وفي قلوب مواطنيه. وهكذا أيضًا لا خوف عنده من دينونة الله كونه عمل الصالحات وكثّر الوزنات فاستحق قول الربّ : نعمّ أيها العبد الصالح كنت أمينًا على القليل فسأقيمك على الكثير” (متى 25:21).

أسرع وعدّ الى رشدك وصوابك، تذكّر أنك لست خالداً، قبل فوات الأوان. تذكّر مهما علا شأنك أن عظماء كُثر مرّوا على التاريخ وبعد رحيلهم نسيهم الناس وحتى الشمس بقيت تُشرق من بعدهم. تذكّر أنك فيما تعمل لصورتك قد أهملت أولادك الذين لا شكّ يفتقدون أشياء كثيرة نتيجة إنشغالك بتلميع صورتك، على رغم الرفاه الذي يتنعمون به. ما ينقصهم هو صورة الأب التي لن يجدوها في سواك. فقد تتكلم في إطلالاتك الإعلامية عن أهمية العائلة والمجتمع، فيما عائلتك محتاجة الى تطبيق كلامك. كان الأيسر لك أن لا تقول شيئاً من مثل هذا القبيل، طالما أنك لن تفعل بحسب ما تقول. إفتح أذنيك ولو مرة بدل فمك، فتسمع صوت العلي يناديك صارخًا: “اعمل لأولادك أكثر مما تعمل لصورتك”.

أكبر أم أصغر

أكبر أم أصغر

الشماس ثيوذوروس الغندور

سأل أحد الشبّان والدته يوماً : “هل حُبك لي أكبر أم أصغر من حب أبي لي؟”. فأجابت بلا تردد :”كلانا يحبك بالمقدار نفسه يا بني”. فتابع الشاب أسئلته وقال :”وهل حب الرب يسوع لي أكبر أم أصغر من حبكما لي؟”. حينها غصّت دمعة في عيني الأم وككل الأمهات لم تستطع الإجابة فورًا على سؤال كهذا، فهي أمٌ وتعتبر أنها أكثر من يحق له حب ولدها حتى التملك أحيانًا.

“أكبر أم أصغر”، صيغة نجدها اليوم مستخدمة في كل ميادين الحياة، حتى المحبة باتت تُقاس بالأكبر والأصغر. فهل سألتِ نفسك أيتها الأم، التي أراد فلذة كبدها الترهّب، سؤالاً مثل “هل حبي لولدي أعظم من حب من منحني إياه له؟”. وانتِ أيتها الأم الثكلى حزنًا على ابن مات ليبب من الأسباب وهو كان لا يزال في ريعان شبابه سؤالاً مثل “هل محبتي له أنفع من محبة الذي وهبه الحياة ؟”. وأنتِ أيتها الأم التي لا تعلم ما تفعل لتبقي ابنها الذي تزوّج ملكاً لمحبتها، هلا سألتِ نفسك يومًا “هل محبتي لإبني أهم وأبقى له من محبة زوجته التي أهداه إياها الله ليكونا معًا واحدًا بالمسيح يسوع؟”.

أسئلة لا تُعدّ ولا تُحصى والجواب واحدٌ وهو،”أكبر من محبتنا وأعظم وأهم وأبقى هي محبة الرب يسوع المسيح لنا ولأولادنا”. لذا أكبر تضحية يقوم بها أم وأب هي عندما يتركان المحبة التي منحاها لأولادهما تنطلق لتحلّق في سماء حياتهم الجديدة، سواءً أكانوا رهبانًا أم متزوجين. وأعظم تضحية يقومان بها حين يودعون بإيمان كبير روحًا مجنحة بمحبتهما منطلقة الى من أحبها حبًا أكبر وأعظم من حبهما.

فما أصغر العين التي لا ترى سوى ما تقدم هي من محبة وما أكبر القلب الذي يحب حتى التضحية. وهذا لا ينطبق فقط على محبة الوالدين لأولادهم، بل ويشمل كل أنواع المحبة التي تربط بين أخ وإخوته وبين صديق وأصدقائه أو بين زوج وزوجته وحتى بين الراهب وإخوته الرهبان في الدير. فحيث تكون المحبة لا يوجد قياس ينفع، لا أكبر ولا أصغر. فالمحبة محبة لم ولن يعبِّر عنها إنسان بمقدار ما عبَّر عنها الرب يسوع المسيح الذي أحب حتى أنه بذل نفسه في سبيل أحبائه. فهل محبتك له أكبر أم أصغر من محبته لك؟.

أي عصًا أنت؟

أي عصًا أنت؟

الشماس ثيوذوروس الغندور

انشقّ عود من عن أمه الشجرة وسقط أرضًا فبدأ يحلم فيما هو مستلقٍ. هذه سلسلة أحلامه وكوابيسه التي رآها في تلك الأيام.

مرّ من أمام العود والدٌ يصرخ في وجه ولده الذي قد يكون أخطأ. فما كان بالأب إلا أن أقلق نوم العود فأمسكه وانهال بواسطته ضربًا على ابنه. فامتزجت دموع العود بدماء الصبي المتألم الذي كان يصرخ شاجبًا ومستنكراً قول المثل القائل:”العصا لمن عصى”. واستمر الحلم الى أن جففت الشمس دموع العود فاستفاق من جديد مرتعبًا مما شاهد.

وفي الليلة التالية، وقع العود بيد معلّم مدرسة، فحمله ليشير بواسطته الى الأسطر المكتوبة على اللوح الأخضر ملقنًا التلاميذ ما تيسّر له من علوم ومفاهيم. وفجأةً، ضرب الطاولة بالعود الذي في يده، محاولاً فرض الهدوء على الصفّ الذي ضاق خلق طلابه من التكرار والحشو والتلقين. وأخذت ضربات العود تنتقل من على يدِ هذا إلى رِجلِ ذاك فكتفِ آخرٍ من التلاميذ، إلى أن قُرع الجرس وخرج التلاميذ. وأراح المعلّم العود رامياً إياه على الطاولة ومنها إلى الأرض التي وجد نفسه عليها حين استفاق مذعوراً مما حدث معه في تلك الليلة.

وفي نومه، إذا برجل يدوس طرفه. فشبّ العود واقفاً ليستَقبله رجل بين يديه ويروح يعتذر منه معللاً السبب بظلام العيون الذي يعاني منه، وعرض على العود صداقة يكون فيها العود بمثابة النور لعيني الأعمى، يهديه في السبيل ويُبعد عنه خطر الانزلاق أو الاصطدام بأي حاجز قد يعترضه في الطريق التي كانت مظلمة قبل صداقتهما لكلَيهما، الواحد بإرادته والآخر بغير إرادة منه. وهكذا أوصل العود صديقه الى منزله. وجعل الصديقُ العودَ يستلقي إلى جانبه في سرير ينعم فيه بدفء الأغطية ونعومتها.

وفي اليوم التالي، مرّ من أمام العود ناسك. هذا رأى في العود سنداً له في مسيرته نحو منسكه الواقع في أعالي الجبل، في مغارة منحوتة لا بيد إنسان بل بيد الخالق. رافق العود الناسك وقد أرهقه المسير وترضرضت أضلعه من التعكّز والتخبط بصخر ووعر وتراب، الى أن بلغ الناسك مأواه فتأمّل العود بأنه سينعم بقسط من الراحة. ولكن سرعان ما باشر الناسك صلاته وكان العود سنده أيضاً للبقاء صامداً، راكعاً في حضرة الله، مصليًا للعالم وسائلاً الله رحمة ورأفة به ولنفسه ملتمسًا مغفرة الزلات. وباسترسال الناسك بالصلاة، ألِفَت آذان العود هذه الصلاة، فنسي التعب الذي كان مسيطراً عليه وأخذ يردد كلمات الناسك حتى شعر بنفسه تصلي. ولكنه ما أن شعر بهذا الفرح من جراء الصلاة، حتى غلب النعاس الناسك، فأراد أن ينام. وحين همَّ بترك العود، إذا به يأبى ويقاوم نعاس الناسك لكي لا يدعه ينام. إذ إن العود بعد صحوته لم يعد يريد النوم.

أجل، أحب العود الحياةَ مع الناسك وبقي برفقته وتحوّل مع الوقت الى عصا الرعاية، بعدما انتشرت المناسك حول منسك الناسك الحبيب، إذ أنّ شذا مثاله الصالح وحسن سيرته فاح، فتتلمذ له كثيرون، وأصبح مرشداً لأولئك الذين يحبون السكنى بجوار الله في مغاور أو في كهوف. وأضحى العود، عصا الرعاية، يحملها أبٌ لا يؤدب بواسطتها ابنه، ومعلّم لا يهدىء بواسطتها صخب تلاميذه. وعرف العود ان تلك كانت المكافأة للذي صادق الأعمى وأعطاه من ذاته ما قد افتقده، بدون تململ أو تذمّر، وتحمّل تجارب التعكّز والتخبّط والارتطام مع الناسك الحبيب. نعم، استحق العود أن يكون عصا رعاية في يد راعٍ صالحٍ.

أما أنت يا أخي القارىء، أي عصاً تودُّ أن تكون وأنت نائم؟ بالاسترخاء يقودك الآخرون الى حيث لا تريد أما باليقظة فتستطيع أن تقود الناس الى حيث ربُّك يريد. هذا إذا كنت أنت نفسُك تريد.