قيامة المسيح هي إبادة الموت

قيامة المسيح هي إبادة الموت

المتقدّم في الكهنة جورج ميتالينوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الحدث الأكثر أهمية في التاريخ هو قيامة المسيح. إنه حدث يميّز المسيحية عن كل الأديان الأخرى التي أسسها قادة مائتون، بينما رأس الكنيسة هو المسيح القائم من بين الأموات. “قيامة المسيح” تعني تألّه الطبيعة البشرية وقيامتها، والرجاء بتألّه أقنومنا وقيامته. كون الدواء اكتُشِف، إذاً هناك رجاء بالحياة.

بقيامة المسيح، كلا الحياة والموت يأخذان معنى جديداً. “الحياة” الآن تعني الشركة مع الله. لم يعد “الموت” نهاية هذه الحياة الحاضرة، بل هو ابتعاد الإنسان عن المسيح. انفصال النفس عن الجسد المائت لم يعد يُنظَر إليه على أنه “موت”؛ إنه هجوع مؤقّت.

إن قيامة المسيح هي ما يثبت فرادته واستثنائيته كمخلّص قادر على أن يحيينا فعلاً ويبثّ في حياتنا الفانية حياته الغالبة للموت. المسيح واحد؛ القيامة واحدة؛ وإمكانية الخلاص-التألّه هي واحدة أيضاً. لهذا السبب، أملنا بأن نتخطّى كل التجارب التي تلخبط حياتنا موجّه نحو المسيح؛ مسيح القديسين، مسيح التاريخ.

“المسيح” المشوّه الموجود في الهرطقات أو المسيح “المستَنسَب” الموجود في أديان العصر الجديد التوفيقية الشمولية، ما هو إلا رفض للمسيح الحقيقي، كما للخلاص الذي يمنحه. مسيح قديسينا هو أيضاً مسيح التاريخ، وهو يستبعد كل إمكانيات الخلط بينه وبين البدائل الخلاصية التي يتمّ اختراعها لتضليل الشعوب؛ إذ إن الطريقة الوحيدة التي بها يمكن للخديعة أن تمسك بما هو احتيالي: بتسهيل سيطرة قوى ضد المسيح (التي تسربت إلى كل شيء حتّى إلى الكنيسة)، القوى التي بالرغم من أنها تنشر الموت في طريق الشعوب، تظهر “كملائكة النور” و”خدّام العدالة”.

عندما ندرس خبرة قديسينا، نعرف أنه ما من وجود أكثر بؤساً من وجود “الذين لا رجاء لهم” (رجاء القيامة)، لكونهم يرون أن الموت البيولوجي هو الهلاك والنهاية. للأسف، لقد استسلم العلم لهذه الحالة المأساوية، بسعيه المستقتِل إلى أساليب لإطالة عمر الإنسان والإيحاء بأنه قادر على تخطي الموت الطبيعي. إلى هذا، على نفس المستوى من البؤس هم أولئك، وحتى المسيحيون منهم، الذين أُسِروا بالرؤى الألفية “المُحكَمَة” عن سعادة كونية وأخروية فاترة، وبالتالي فقدوا معنى القيامة الحقيقي مُضَحّين بما هو فوق الكوني من أجل ما نهايته في الكون، بالأبدي من أجل الزائل.

قيامة المسيح كقيامة الإنسان وكل الخليقة تكتسب معنى فقط في إطار مفهوم الفداء الآبائي؛ بتعبير آخر، في الصلب والاشتراك في القيامة مع المسيح. هكذا حفظت الأرثوذكسية القيامة في التاريخ. في إخلاصها الأبدي للقيامة، تميّزت الأرثوذكسية بأنها “كنيسة القيامة” لكونها شيّدت كل حضورها التاريخي على أساس القيامة، مطعّمَةً وعي شعوبها برجاء القيامة، وهذا حقيقة ظاهرة في استمرارها الحضاري. هذه الشعوب، تعلّمت أن تبدد على ضوء القيامة الظلمة التي تخللت سني العبودية (كالحكم التركي في اليونان والشيوعي في روسيا) التي خلالها لم يتردد الشعب عن تكرار “المسيح قام”، راجين قيامة مجتمعاتهم معه.

ضمن هذا الإطار تأتي الدعوة المملوءة رجاءً “هلمّوا خذوا نوراً”. إنها دعوة إلى النور القيامي غير المخلوق الذي يُمنَح فقط للذين طهّروا قلوبهم من الرذائل والأهواء. من دون “تطهير” القلب، أي التوبة، يعجز المرء عن الاشتراك بنور القيامة. التوبة هي السمو فوق الخطيئة التي هي سبب موتنا.

هذا هو الواقع الذي يذكّرنا به القول الرهباني المتميّز: “إذا متَّ قبل أن تموت، فلن تموت عندما تموت”.

المسيح قام

الله، العلم والدين

الله، العلم والدين

الأب ستانلي هاراكاس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذا النص مختارات من مقال أوسع كتبه الأب ستانلي هاراكاس في افتتاحية “الأرثوذكسية اليوم” تعليقاً على مقال صدر في مجلة تايم للكاتب دايفيد فان بياما حيث كان عنوان العدد الصادر في 13 تشرين الثاني 2006 “الله مقابل العلم”. وقد وضعت كلمة “مقابل” بالأحمر فيما الصورة حولها هي حلزون الحمض النووي وفي نهايته مسبحة صلاة على طرفها صليب. ويورد المقال مناظرة بين عالِمين، أحدهما ملحد وهو ريتشارد دوكينز وهو أستاذ في أوكسفورد، والثاني مؤمن وهو فرنسيس كولينز. الأول صاحب كتاب “وهم الله” الذي يحاول من خلاله إقناع القارئ بعدمية الخبرة الدينية وعجز الدين عن شرح كيفية عمل العالم. الثاني رئيس مجموعة بحثية ضخمة في علم الجينات وكمثل أغلب العلماء المؤمنين لا يدّعي أي تضارب بين الدين والعلم ويرى ضرورة وجود كل منهما. وتورد مجلة تايم أن العالِمين اجتمعا لمناقشة السؤال التالي: “نحن نوقّر الإيمان والتقدم العلمي لكن هل هاتان النظرتان إلى العالم متجانستان؟”

تظهِر صورة الغلاف تكاملاً ما بين العلم والدين على عكس عنوان المقال. فالمقال الذي هو مناظرة بين عالِمين حول الدين والعلم هو مناقشة لخبرتين وسلوكين بشريين عميقين وليس مناظرة بين الله والدراسة العلمية للعالم. إنه مناظرة بين إنسانين يمثّلان فكرتين من مجموعة كبيرة جداً من الأفكار والمفاهيم المتعلّقة بوجودنا. ثانياً، ظهر العنوان صحفياً وكأنّ الموضوع المقرر سلفاً هو “الله مقابل الدين”، وهذا أمر سيء جداً ومسيء للعقل. إنّه وضعية سخيفة للموضوع لأن العالِم الذي يعترف بحقائق كل من العلم والإيمان ويوصَف في المقال بأنه “مسيحي بغير تردد” يؤكّد ما يراه أغلبية المفكرين المسيحيين، من أورثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، من جهة أن العلم والنظرة الدينية ليسا متضاربين بل متكاملان.

هنا أرى أنّه من الضروري إبراز المقاربة الأرثوذكسية للعلاقة بين العلم والدين والإشارة إلى العلاقة بين هذا الموقف وما يقوله كل من دوكينز وكولينز في الموضوع، لكي أختم بوجهة نظر حول العلاقة بين الدين والعلم.

أولاً، لا بد من بعض اللاهوت، أو كما يسميه المقال نظرة دينية للعالم. أهمّ ما عند الأرثوذكسية في هذا الإطار هو أن شخص الله “لا يُدرَك”. هذا لأن الله موجود من ذاته وغير مخلوق. ببساطة، الله كائن الآن وكان دائماً وهو الحقيقة الوحيدة غير المخلوقة وهو يختلف عن الكون الحسّي الذي نحيا فيه. هذا يعني أن فهمنا للعالم الذي نحيا فيه ونواميسه وقوانينه والعمليات التي نصفها لا يمكن تحويلها إلى الله. عندما نستعمل لغتنا وأفكارنا، وهي كل ما نملك، للحديث عن الله، نحن نحاول فقط أن نصف ما لا يُوصَف. إنّه بالأغلب مثل الشعر أو الفن أكثر مما هو قياسات واختبارات. لا يُستَوعَب الله في أي أنبوب اختبار بشري.

إذاً، كيف نحكي عن الله؟ هناك جوابان لا بدّ منهما. الأوّل هو أنّه ينبغي علينا الاعتراف بأنّ الله يتخطّى كل الأفكار البشرية والتصنيفات الموجودة، أي لا يمكن حصره فيها. يختصر القديس يوحنا الدمشقي التقليد في القرن الثامن في الشكل التالي: “الله غير مدرَك وغير قابل للاستيعاب، والأمر الوحيد الذي يمكن أن نعرفه ونفهمه عن الله هو عدم إمكانية إدراكه وفهمه”. هذا التعبير هو طريقة لإعلامنا بأن هوية الله الحقيقية لا يمكن إدراكها بالعقل البشري.

من المثير للاهتمام أن كلاً من كولينز ودوكينز يوافقان على هذا. يقول كولينز: “من وجهة نظري، لا يمكن احتواء الله بالكلية ضمن الطبيعة وبالتالي وجود الله هو خارج قدرة العلم على الإدراك”. ويوافق دوكينز: “إذا كان الله موجوداً، فسوف يكون أكثر اتّساعاً وكمالاً من كل ما يمكن أن يستوعبه سواء كانت لاهوتياً أو ديناً”.

إذاً، أيمكن أن نقول أي شيء عن الله؟ الطريقة الوحيدة لقول أكثر من ذلك هو أن هناك أسباباً حقيقية لوجود الله، حججاً بشرية من الطبيعة، وهي لكي يكشف لنا بعض الأمور المتعلّقة بالوجود الإلهي. الأديان الطبيعية في الشرق والغرب تقول بأن هذا هو عمل العالم ليس إلا. تقول الأديان الشرقية أنّ الكشف يأتي من الداخل بينما تقول الأديان التوحيدية، اليهودية والمسيحية والإسلام، بأن الأنبياء أُوحي لهم من العالم ليكشفوا حقائق عنه. وحدها المسيحية بين كل هذه الأديان تقول بأن الله كشف نفسه في شخصٍ هو ابنه يسوع المسيح. بالطبع، التفكير في هذا الكلام عن كشف الله يتطلب لغة بشرية هي بالحقيقة عاجزة عن وصف مَن هو فائق للوصف. إذاً، الإعلان لا يحمل فقط ما ينبغي بنا معرفته، بل ينبغي تفسير هذا الإعلان. ولكن كيف نميّز أيّاً هو الأكثر كمالاً وصحّة بين هذه الادّعاءات؟ نحن نقارن، نحكم ونقرر ما نؤمن به. هذا هو ما نسمّيه الإيمان. وإذا كنا نثق بالإعلان المسيحي فالإيمان لا ينبغي أن يُقمَع.

إلى هذا، أحد المفاهيم التي تحملها مدوّنات المسيحية واليهودية والإسلام هي أن الله خالق. أوّل ما تعلّمته في معهد اللاهوت هو أنّه لا ينبغي أن نقرأ فصول الخلق في العهد القديم وكأنها علم، بل على أنها إعلان عن الحالة البشرية. وهكذا هو الوضع في الكنيسة الشرقية حيث احترام النشاط العلمي كان وما يزال كبيراً. على سبيل المثال، القديس باسيليوس الكبير، أحد آباء الكنيسة في القرن الرابع، كتب كتاباً عن قصة خلق العالم في ستة أيام. استعمل القديس باسيليوس علم زمانه ليساهم في تفسير القصة الكتابية. كتب القديس يوحنا الدمشقي كتاباً اسمه “نبع المعرفة” من ثلاثة أقسام، الثالث منها عن “الإيمان المسيحي” ويسبقه اثنان يمكننا اليوم تسمية الأول منها “العلم” والثاني “علم النفس”.

“العلم” الموصوف والمستَعمَل في كلا الكتابين تخطاه الزمن اليوم. لكن الأمر المهم للمناقشة اليوم هو أن دراسة هذا العالم هي من اهتمامات الأرثوذكسية وعلينا أن ندرك أن المجهود العلمي دائم التغير حيث تُصَحّح النظرات السابقة وتُراجَع وتُفهم بشكل أكثر عمقاً. هذا ما تعترف به الأرثوذكسية وتحترمه.

لكن العلم يخرج عن طريقته عندما يسعى إلى أنواع أخرى من المعنى. البشر الذين يحوّلون العلم إلى فلسفة أو حتّى إلى دين، كما يحاول البعض اليوم، لا يشوّهونه ويمزّقونه وحسب بل يسيئون إليه. يحقق العلم غايته عندما يصف العالمَ كما هو. عندما تستعمل التكنولوجيا العلمَ لتحسين الحياة البشرية فهي تنجز مهمتها. عندما يسعى الاثنان إلى أن يصيرا مصادر للوحي فهما يدمران ذاتيهما وطرقهما، والذين يقومون بذلك يخدعون أنفسهم ويخونون اختصاصهم. إن إعلان الله عن الحالة البشرية وهدفها واهتمام الله بالغفران البشري والنمو الروحي والعلاقة المطلقة مع “مصدر الكل”، تنتمي إلى محيط آخر. بالنسبة للأرثوذكسية، إعلان الله يساعد على اتحادنا بالعمل الخلاصي للسيد المصلوب القائم من بين الأموات يسوع المسيح. إنّه يقودنا إلى الحضور المقدِّس للروح القدس في الحياة في الكنيسة ومن خلالها. وهو يخبرنا عن الله غير الموصوف الذي هو مصدر كل شيء وخالقه بما في ذلك عالمنا وكل واحد منّا.

بالنسبة للأرثوذكسية، لا يمكن أن يوجَد أيّ تضارب أساسي بين السلوك العلمي الأصيل لفهم العالم المخلوق وبين السلوك المسيحي لاتحادنا بالله وتحويلنا بالنعمة إلى ما قد خُلقنا من أجله، أي صورة الله ومثاله. إن فهم العالم المخلوق جيد وضروري ونافع. إنه جزء من دعوتنا البشرية، لكن الجزء الأوسع والأكبر من هذه الدعوة وذروتها قد وصفه الرسول بولس في رسالتيه إلى أهل روما وأهل كولوسي في آسيا الصغرى.

“وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ” (روما 2:12). “وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ” (كولوسي 10:3).

أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية وأخلاق علم الحياة المسيحية

أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية وأخلاق علم الحياة المسيحية

د. قسطنطين سكوتيريس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

(أ) وصف ما يُعرَف بـ”أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية”

ظهرت مؤخراً في حقل الدراسات الأخلاقية أخلاقيات علم الحياة، تحديداً في أواخر ستنينيات القرن العشرين. هدف أخلاقيات علم الحياة هو دراسة الحياة البشرية وتحديداً المشاكل الناشئة من الاكتشافات في التكنولوجيات البيولوجية وطرق التوليد وتطوير الحياة البشرية. أخلاقيات علم الحياة هي نتيجة طبيعية للبحث البيو-طبي وهو تطور متقدّم في الأخلاقيات الطبية.

من جهتها، أخلاقيات علم الحياة كانت النتيجة الطبيعية للبحث الطبي وهي تطور متقدّم لأخلاقيات الطبّ. ما يُعرَف بأخلاقيات علم الحياة الاجتماعية هو نظرة جديدة للكائن البشري أكثر مما هو علم، وهو غالباً ما يعطي الأفضلية للتقدّم على الشخص البشري. لدى أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية بعض من المرونة وفي جزء كبير منها خطوات جانبية تقوم على قناعات دينية وأخلاقيات ناشئة من نظرات ما ورائية. بالمقابل، تبني اقتراحاتها على مبدأ حقوق الفرد واستقلاليته، على المنفعة وتلافي الألم والأذى، وعلى العدالة.

هذه الأخلاقيات الجديدة التي تنشأ من تقدّم تكنولوجيات علم الحياة، تجهد لتحقيق توافق بين النظم المعنية إلى أن يتحقق توزيع للمسؤولية ما يجعل تقبّل نتائج التقدم أكثر سهولة. هذه الأخلاقيات الجديدة للحياة البشرية تغيّر معاييرها ومواقفها عندما تفرض ذلك انجازات التقدم الطبي. إلى هذا، هي غالباً منحازة وتتأثّر بغياب أساس التوافق المشترَك وبعض نقاط الانطلاق المشتركة وهذا ما يبدو أكثر من واضح.

أخلاقيات علم الحياة المعاصرة أكيدة من أمر واحد، أنّها تعتبر الكائن البشري وجوداً بيولوجياً ليس إلاّ وتستهلك نفسها في قدرة الإنسان على البقاء. جليّ أنّها تهمل الحجة الأكثر عمقاً للوجود البيولوجي للإنسان، ومعرفته بذاته وقدرته غير المحدودة، كشخص، لخلق تاريخ شخصي. نتيجة هذا الإهمال هي تحويل الشخص إلى عالم مغلَق من الخلايا والجينات. من جهة أخرى، أخلاقيات علم الحياة بذاتها عاجزة عن التأثير بالتطور، لأنها، كما سبق وذكرنا، تفتقد لأساس أصيل وهي بالأحرى تحاول أن تواجه الحالات عند وقوعها. وعليه، إن أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية محكومة بعدم الرسوخ وغالباً ما تصادق على الحجج بدون تحفظ عندما تخدم هذه الحجج الوجود البيولوجي. هذه المجموعة من الأخلاقيات يمكن أن تقبل الإجهاض كطريقة للعلاج، كما توافق على حق للنساء باستعمال أجسادهن كما يحلو لهن. إنّها قادرة على تبنّي أشكالاً متطرفة من التناسل والإخصاب المدعوم من خلال مانحين بقناعة بسيطة قوامها أنها تساهم في ميلاد الكائن البشري. بإمكانها أن تتبنّى تغيير الوظائف الموروثة وتبنّي اختيار الأعضاء والأنسجة من “فائض” الأجنّة، معلّلة ذلك بأنّها تحسّن الصحة البشرية وشروط حياة البشر. بإمكانها أن تأخذ موقفاً إيجابياً من علم تحسين النسل متجاهلة ما إذا كان هذا شكلاً مخفياً من التفرقة العرقية والتمييز. بإمكانها أن تقبل من دون أي مجهود القتل الرحيم السلبي وغير السلبي كطريقة للتخلّص من الألم، وكضرورة لا يمكن تلافيها تفرضها مصلحة مفترَضَة للمجتمع.

هذا النوع من أخلاقيات علم الحياة، المعروف بأخلاقيات علم الحياة الاجتماعية، عادةً يمتدّ بذاته إلى اتّخاذ موقف في وجه إنجازات البحث الثورية. هذا الموقف يُحتَمَل أن يتغيّر عندما تتغيّر الظروف أو تتطلب ذلك اكتشافات جديدة بغضّ النظر، في الجوهر، عن الإشارات النفسية والاجتماعية والقانونية للحجة العلمية.

إن حصر أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية لنفسها بشكل مطلَق في الوجه البيولوجي للكائنات البشرية يظهر أيضاً من أنها تقبل كلياً ممارسة التجارب بغض النظر عمّا إذا كانت تدنّس الشخص البشري وتقلّل من قيمته محوِّلة إياه إلى مادة اختبار. إن التجربة هي محاولة ذات حظوظ متساوية من النجاح والفشل. الجدال الناتج عن التجارب البحثية بديهي خاصةً عندما يتعلّق الأمر بالبحث في الأجنّة. كلّ الذين يوافقون على البحث على الأجنّة يسندون أعمالهم إلى نظرة قوامها أنّ الجنين ليس إنساناً كاملاً لأنّه، ببساطة، يفتقد للوعي الذاتي. وعليه، يُحوَّل الجنين من كونه شخصاً محتَمَلاً إلى وحدة بيولوجية ومادة للتجربة.

أظن أن الأمر واضح إلى حد ما، من كل ما سبق ذكره، بأنّ أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية تفهم الشخص البشري ككائن موجود نتيجة تفاعل الجينات البشرية. هنا، كرامة الإنسان هي مجرّد إنسانية وفرادته تًُقاس بالأرقام فقط. لهذا السبب، يمكن أن يصير الإنسان مادة نافعة للبحث. إذاً، ما يُعرَف بأخلاقيات علم الحياة الاجتماعية يزيح الأخلاقيات التقليدية التي تعتبر الإنسان كائناً فريداً وشخصاً لا مثيل له تُفهَم حياته بالعلاقة مع حياة الأشخاص الآخرين. بالحقيقة، تتوق أخلاقيات علم الحياة الحالية إلى الحلول محل كل أشكال الأخلاقيات ولأن تصير مقبولة كأخلاقيات البشرية المعاصرة. ليس من المبالغة الإشارة إلى أنّ ميزتها هي بشكل أساسي نفعية وتقوم على مبدأ السعي إلى السعادة (eudeministic).

في الإشارة إلى مبادئ هذه الأخلاق الحديثة، وفي الحقيقة إلى شكلها الأميركي، يقدّم هيربرت دوسي (Herbert Doucet) ميّزاتها الأربعة: أ) صفة الاستقلالية، أي الحرية المطلقة والتحرر من السوابق المقدّمة التي ليست دائماً من دون افتراضات مسبقة، ب) صفة الإحسان أي أن إعطاء المريض هو أكثر من إلزامي، ومن ضمنه أنّه تعبير عن الشفقة، ج) صفة عدم التسبب بالألم أو الشر، أي أنّه ينبغي القيام بكل مجهود لتخفيض إمكانية إيلام المريض إلى أدنى حد، وأخيراً، د) صفة العدالة أي احترام الشخص والحقوق الاجتماعية (2).

لقد قيل بشكل دقيق أن هذا النوع من أخلاقيات علم الحياة هو “علم الأخلاق الأدبية للعولمة”، وقد يتلاءم مع تاريخ وتقليد المسيحية المتدهرنة (3). إنّه أخلاقيات تتطلّع إلى التنظيم القانوني واضعةً مشاكل الفرد الاجتماعية وحتّى المادية ومآزقه في ترتيب جيد. إنّها أخلاقيات، أولاً وقبل كل شيء، في خدمة البشرية وحقوقها وطلباتها. إن الأمر هو مسألة أمانة للاعتراف بأنّ هكذا أخلاقيات لعلم الحياة يقبلها اليوم عدد كبير من المسيحيين الذين يحصرون الرسالة المسيحية ضمن حدود الأخلاقيات الاجتماعية الضيقة. إن قياس أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية وأساسها هو الكائن البشري (“الإنسان هو مقياس كل شيء”) في وجوده البيولوجي العابر. إنها مقبولة بشكل مطلَق لا يحتمل التساؤل بقدر ما يساعد العلم هذا الكائن البشري. وعليه، لا يوجد كوابح للبحث، يكفي أن التقدّم العلمي يؤدّي إلى منفعة الكائن البشري، ويخدم حاجاته الطبيعية والمادية، ويقلّل من إمكانية المرض ويؤخّر الموت. في النهاية، إنها أخلاقيات تبدأ وتنتهي في الإنسان.

ب) أفكار حول الاعتراف بأخلاقيات مسيحية لعلم الحياة

بالرغم من التحفظات المهمة والأسئلة التي يطرَحها دارسون غير متحيزين ممن يدرسون أخلاقيات علم الحياة الاجتماعية، بالدرجة الأولى حول حقيقة قيامها بشكل شبه كامل على أساس غير واقعي، أعتقد أنّه يمكننا أن نتكلّم عن نوع آخر من أخلاقيات علم الحياة. من الممكن الحديث عن أخلاقيات علم الحياة مسيحية تقوم على الأنثروبولوجيا المسيحية أي أنّها تعترف بفرادة وأهمية وقدسية كل شخص بشري، بمعزل عن الفهم الثقافي والقناعة الدينية والانحياز الاجتماعي.الإنسان ليس مركز هذه الأخلاقيات بل الله هو محورها. نقطة بدايتها هو المبدأ القائل بأنّ كل كائن بشري ليس آليّة بيولوجية وحسب بل هو شخص فريد تكمن قيمته وقداسته في كونه مخلوقاً على صورة الله وفي قدرته الفريدة على خلق تاريخ روحي شخصي.

في الأنثروبولوجيا المسيحية، الشخص البشري هو صورة إلهية و”إنسان كامل” في المسيح، يستمرّ في مداه التاريخي بطريقة لا تخضع حصرياً لقوانين الوجود البيولوجي. هو يعيش في العالم ككائن بيولوجي محدد، لكنّه ذو قدرة على تخطي وجوده البيولوجي. يُعَبَّر عن هذا التخطي في العهد الجديد بطريقة شديدة اللهجة: “أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا” (لوقا 51:12-53). إذاً، العلاقات التي تفرضها الحياة البيولوجية تنقلب رأساً على عقب: فالله الآب هو الآن أبو كل إنسان، وابن الله هو الآن أخ كل إنسان إذ هو الذي أسّس بتجسده علاقة أخوّة مع كلّ البشر. بالتأكيد، تجد هذه العلاقة شكلها الأكثر كمالاً في حياة الكنيسة وشركتها. إلى هذا، يتّسع مفهوم الأخوّة المسيحي لكل البشر حتى أنّ أيّاً منهم لا يُستثنى منه.

إذا كان التحليل المسيحي الأنثروبولوجي صحيحاً، فمن البديهي أنّ كل إنسان، بالاستقلال عن الصدف الشخصية التاريخية وعن معتقده الديني والماورائي، في داخله عنصر ما من القداسة، وبالتالي لا يحق لأي بحث علمي مهما يكن أن يحوّل الشخص البشري إلى مادة للاختبار. هذا لا يعني أبداً، بأي شكل، رفض البحث العلمي الذي هو من وجهة نظر مسيحية متضمَّن في عطية الخلق المضفورة مع طبيعة البشر كصورة لله. هذا يعني ببساطة أنّ البحث العلمي لا يُترَك من دون امتحان ولا من دون انتقاد، إذ عندها لا يدنّس الإنسان وحسب بل بالحقيقة يفقد موثوقيته، إذ ينقطع عن أساسه الإلهي. الكائن البشري ليس آليّة مستقلة تحدد نفسها بل هو متشارك مع لله، أي أنّ السبب المحدد لقدرته على البحث هي إمكانية خلق صورة حيّة عن الله. مع هذا، كصورة لله، مُنِح الإنسان إلى جانب موهبة الإبداع “تمييز الأرواح” (1كورنثوس 10:12)، وهي موهبة تساوي الإبداع بالأهمية وتمنح البشر القدرة على العمل بطريقة نقدية وتفحّص ما إذا كانت نتائج البحث تخدم فعلاً ما هو بالحقيقة جيّد وليست بالضرورة خيراً موجَباً كنتيجة لشر ضروري ما [4].

ترنو أخلاقيات علم الحياة المسيحية بشكل أولي إلى تقديم حلول لا للكائن العابر السريع الزوال بل لذلك المكتوب له أن يحيا ولا يموت. المقاربة الإسخاتولوجية للحياة البشرية تنير معايير أخلاقيات علم الحياة، وتفرش عليها معنى آخراً، ما يؤدّي إلى تقييم نتائج التقدم بشكل واقعي يميّز ما إذا كانت تخدم منفعة البشرية الحقيقية وتحفظ كمال الشخص البشري. لا يهمل اقتراح أخلاقيات مسيحية لعلم الحياة ماهيّة الكائن البشري بقدر ما يعترف بأهمية دعوة هذا الكائن التي لا تُقَدَّر. “لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ.” (2كورنثوس 1:5-2).

إذا نظرنا إلى الحياة البشرية على ضوء هدفها البيولوجي فسوف نرى أنّ لها قيمة فريدة لا لأنها محدودة بل لأنها إمكانية لعدم الموت. إن المقاربة الإسخاتولوجية للحياة لا تعني تعريتها من تاريخيتها بل هي ببساطة أن البعد الإنساني لا يمكن حصره ولا مده إلى كتامة حقيقة العالم المادية. إن اقتراح أخلاقيات مسيحية لعلم الحياة لا يمكن أن يكون أكثر من رد ثابت ومسؤول على الأخلاقيات الدهرية التي تريد أن تخدم الحاجات الموجودة أو المفترضة للبشرية المتدهرنة. لا يمكن للأخلاقيات المسيحية أن تكون خادمة لازدهار إنسان ميت، بل هي بالأحرى للتذكير بأن في وجود كل إنسان “يُبْتَلَع الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاةِ” (2كورنثوس 4:5). الأخلاقيات المسيحية لعلم الحياة مجبرة على أن تتطلع إلى تألّه “الإنسان الجديد” ودعمه. إنّها في خدمة الكائن البشري ولا تأتي لتخدم حاجات زائلة بل لخدمة كامل الصورة أي كامل حضوره في العالم.

على الأخلاقيات المسيحية لعلم الحياة أن ترى الإنسان لا كمجرد بعد بيولوجي، بل بطريقة موحدة مركبة، أي كشخص يلتقي فيه البعدان البيولوجي والإسخاتولوجي. هذا الالتقاء يساعدنا على أن نرى الشخص البشري ليس في التعابير الحصرية لوجوده البيولوجي الحاضر، بل في بعد يتخطّى تاريخه البيولوجي بالتأكيد من دون أن يستأصله. ربما هذه هي أهمّ مساهمة تقدمها أخلاقيات علم الحياة المسيحية للبشرية، وهي التي تخلق وتتحمّل في الوقت نفسه، في وجودها نفسه، آثار تقدمها. إن رسالة التذكير بوجوب التعامل مع الكائن البشري بحسب وجهة النظر هذه، هي عامل يسبب المشاكل للبحث ويلقي الضوء بطريقة مختلفة على معضلات مرتبطة بأخلاقيات علم الحياة.

كملاحظة ختامية، أقول أن واجب اللاهوت المسيحي بشكل عام، واللاهوت الأرثوذكسي بالتحديد، هو أولاً وقبل كل شيء أن لا يكون جامداً وصامتًا أمام التحديات التي تطرحها التكنولوجيا البيو-طبية. على العكس، ينبغي بهذا اللاهوت أن يؤكّد بشكل راسخ على قدسية ظاهرة الحياة المدهِشة واحترام كل شخص. علينا، كباحثين وخبراء قانونيين ولاهوتيين، أن نعي أن الشخص البشري ليس كائناً مكتفياً أو مستقلاً بذاته، بل هو مخلوق موجود كعالم صغير (microcosm) وهو يتحرّك ضمن شبكة معقّدة تكمن بدايتها في الخلق من العدم. ضمن هذا البعد، يأتي مكان الباحث كخادم للحياة التي يشكّل هو جزءاً منها. ومع ذلك، مهم أن يذكّر اللاهوت بأنّ حدود الكائن البشري لا تتوسّع بالبقاء الجسدي، بل هي تحتجب في حياة الله نفسه. تنطبق كلمات الرسول بولس خاصةّ في هذا الزمان حيث يبدو وكأنّ انفجار الإنجازات العلمية يعطي الأفضلية للهوية الزائلة ويهمل قدسية الكائن البشري وأبديته. “فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ. لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.” (روما 12:8-14).

مراجع مختارة

Association Orthodoxe d’ Etudes Bio-Ethique, Bioethique Orthodoxe 1, Paris 1998.

Bernard, J., Bioethics (Greek translation Eleni Spanou), Athens.

Breck, J., “Bioethical dilemmas and Orthodoxy”, Sourozh, no. 71, London 1998.

Vlachou, I. S, The Person in the Orthodox Tradition, Leivadhia 1999.

Doucet, R, Au pays de la bioethique. L’ethique biomedicale aux Etats-Unis, Geneve 1996.

Gorovitz, S., “Baiting Bioethics”, Ethics, 96 (1986), pp. 356-374.

Jonsen, Albert R, The Birth of Bioethics, New York – Oxford 1998.

Scouteris, C, “Bioethics and the Ethos of Orthodoxy”, Annals, 2-3, St. John of Damascus Institute of Theology, University of Balamand, Academic Years 1999-2000, 2000-2001.

Hadjinicolaou, N., Freedom from genes. Approaches towards Orthodox Bioethics, Athens (no date given).

Zizioulas, I. D., “From the mask to the person. The contribution of Patristic Theology to the concept of the Person”. Offerings in honour of Ceron Metropolitan of Chalcedon Meliton .

Thessaloniki 1977, pp. 287-323

 

Footnotes

[1] See G. Mantzarides, “Bioethics, the ethics of globalisation”, Globalisation and globalism. Chimera and Truth (in Greek),Thessaloniki 2001, p. 159

[2] Au pays de la bio6thique. L’ 6thique biom6dicale aux Etats-Unis, Gen^ve 19%, p. 63 ff

[3] G. I. Mantzarides, op. cit.,p. 164

[4] C. B. Scouteris, “Bioethics and the ethos of Orthodoxy”, Episkepsis, Year 30, no. 575

مدخل إلى علم الآباء

مدخل إلى علم الآباء

الخورية ماري مالك دبس

مُقَدمَة

تشدد الكنيسة الأرثوذكسية على أهمية الآباء حتى عُرفت بأنها”كنيسة الآباء” فمن هم يا ترى هؤلاء؟  الوالد هو عادة الذي يلدنا جسدياً وبالتالي فكرياً وروحياً وإلى هذه الولادة الثانية يشير الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 15:4” لأنه وان كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون.لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل.”وكذلك القديس إيريناوس أسقف ليون(130-200م) يقول” من علمني حرفاً كنت له ابناً وكان لي أباً”. فالتعليم هو الذي يحدد الأبوة. ومنذ القرن الثاني دُعي الأسقف أباً لأنه يعلّم الإيمان ثم أصبحت هذه التسمية شائعة في القرن الرابع وكانت تُطلق بالجمع”آباء” على الأساقفة من القدامى عامة الذين عُرفوا باستقامة العقيدة، وكانت تُطلق على غير الأساقفة مثل القديس إيرونيموس الكاهن(420م) وبروسبير العلماني.أيضاً أُطلقت كلمة”آباء” على الأساقفة المجتمعين في المجامع.والقديس باسيليوس الكبير يسمي أساقفة مجمع نيقية(325) آباء. ومنذ القرن الخامس ابتدأ استخدام “آباء”في المجادلات اللاهوتية وأصبح إجماعهم يؤكد حقيقة معينة.

من هو الأب وكيف نستطيع أن  نصنِّف فلاناً من آباء الكنيسة؟

الكنيسة الكاثوليكية تُجيب بأن الآباء هم مراجع لاهوتية قديمة، وتشترط في الأب:

1-إستقامة العقيدة.     2-قداسة السيرة.       3-إعتراف الكنيسة به.            4-القِدَم.

أما الكنيسة البروتستانتية فتعرِّف الآباء بأنهم” الكتَّاب المسيحيون” الأرثوذكس والهراطقة الذين أرادوا، واعين أو غير واعين،  أن يكتشفوا الإعلان الإلهي ويعرضوه، وهذا الإعلان مُعلن بيسوع المسيح ومنقول في الكتاب المقدس. والكنيسة الأرثوذكسية لم تعطِ بعد تعريفاً دقيقاً وواضحاً للأب، ولكنها تقبل المقاييس التي وضعتها الكنيسة الكاثوليكية من أرثوذكسية العقيدة وقداسة السيرة. أما الاعتراف الرسمي بقداسة فلان أو أبوّته فليس  حتمياً، إذ أن القداسة المعاشة تعرف عفواً في الكنيسة ولا تحتاج إلى أي دليل آخر إلاّ نفسها. بالنسبة إلى القِدم فقد  تجاوزته الأرثوذكسية إذ لم تضع حداً نهائياً للفترة الآبائية أي إنها تنتظر دائماً قيام آباء قديسين.

ما هي الفترة الآبائية؟

هي الحقبة الزمنية التي عاش فيها الآباء وهذه الفترة ينهيها الغربيون بموت غريغوريوس الكبير(604) وإيسيدور دو سيفيل(636)ويقترح  أندريه بونوا وهو حالياً عميد كلية اللاهوت البروتستانتية في ستراسبورغ إنهاء الفترة الآبائية(1054) تاريخ الانشقاق الكبير لأنه قبل هذا التاريخ كانت الكنيسة واحدة. أما الكنيسة الأرثوذكسية فلم تنهِ بعد عصر الآباء، كما يتصور البعض، مع يوحنا الدمشقي(749) بل على العكس تفتحه إلى الأبد. وتعد بين آبائها سمعان اللاهوتي الحديث(1022) وغريغوريوس بالاماس(1259) ونيقولا كاباسيلاس(1371) ومرقس الأفسسي(1441) وغيرهم.ويقول تيموثي وير :” مَن يخبرنا أن عصرنا  لا ينتج آباء قديسين مثل باسيليوس وأثناسيوس ؟ وعندما نقول أن لا آباء بعد اليوم، ذلك يعني أن الروح القدس ترك الكنيسة.كل مؤمن مدعو أن  يكون أباً قديساً ونحن ما زلنا حتى اليوم في كنيستنا الأرثوذكسية ندعو الكاهن أباً لأنه مدعو لأن يلدنا في الإيمان ويعلمنا إياه قولاً وسيرة”. إذاً، نحن نستطيع أن نعرِّف الأب باختصار:إنه صاحب الإيمان القويم الذي يعلّمه ويعيشه.

ما هي سلطة الآباء؟

كما قلنا أن الكنيسة الأرثوذكسية تشدّد كثيراً على أهمية الآباء وانه من القرن الخامس إبتدأ استخدام الآباء في المجادلات اللاهوتية. وتعتبر الكنيسة الأرثوذكسية أن الإجماع لا يعني اتفاق الكل على رأي ما ولكن إجماع معظم الذين لرأيهم وزنٌ وأهمية. كما تعتبر كنيستنا أن أقوال الآباء التي تبنتها المجامع هي على قدر كبير من الأهمية. من هنا جاء تدبير سلطة الآباء في الدرجة الثانية بعد الكتاب المقدس.

لماذا ندرس الآباء؟

في تعريفنا للأب قلنا انه صاحب الإيمان الذي يعلِّمه ويعيشه وكل عضو في الكنيسة الأرثوذكسية مفروض فيه أن يعرف إيمانه ويعيشه ويعلّمه. فمن له إذاً تحقيق هذا كله أفضل من الذين سبقوه في هذا  الميدان وبلغوا ذروته، وأفضل معلّم على الإطلاق هو الذي يُقرن المعرفة بالحياة وهو الذي يدفع حياته ثمناً لإيمانه وهذا كان مصير أكثر الآباء. أن نعرف ونؤمن ونعيش ما نؤمن به هي إذاً الغاية من دراسة الآباء وإذا أردنا التفصيل نقول اننا ندرس الآباء:

1-لنكتسب المعرفة اللاهوتية الصحيحة والتفكير اللاهوتي العميق.

2-لنتعلم بالتالي شرح الإيمان والدفاع عنه ضد الهراطقة والمبتدعين.

3-لنقتدي بهم في حبهم للكتاب المقدس وحفظه وشرحه ولنقتفي آثارهم في الكمال والقداسة.

4-لنعرف تاريخ كنيستنا وتطورها في العقيدة، في الليتورجيا وفي شرح الكتاب المقدس.

5-وأخيراً، الكنيسة هي شركة المؤمنين منذ بدء الخليقة حتى نهايتها، والآباء هم أعضاء أحياء في هذه الكنيسة فقد خبروا متطلبات الإيمان في عصرهم وجاهدوا حتى الدم من أجل تثبيت هذا الإيمان ولذا فخبرتهم كنـز ثمين لنا وعلينا أن نتعرف ونطّلع عليها  لنستفيد منها ونحن نواجه تحديات الإيمان وتحديات العالم ومن الممكن أننا أحياناً نواجه المشكلة نفسها التي واجهها الآباء وإن اختلف الزمن.  إذاً نحن ندرسهم لنعيش معهم ونتعلم منهم ونقتدي بهم كما اقتدوا هم بربهم.

كيف ندرس الآباء؟

الطريقة الأكثر شيوعاً في دراسة الآباء هي الطريقة التاريخية التي تقوم على دراسة حياة الأب ومؤلفاته وتعليمه اللاهوتي. وللقيام بهذه الدراسة علينا أن نعود إلى المصادر التاريخية التي تتحدث عن هذا الأب وذاك، وعند غيابها نلجأ إلى المؤلفات نفسها علها تذكر شيئاً عن حياة صاحبها. ومتى وُجدت النصوص، وبعد التحقق منها، يصبح من  الممكن دراسة فكر صاحبها. واستناداً إلى هذه الطريقة قُسِّمت الفترة الآبائية المحدودة (في الغرب )إلى ثلاثة أقسام:

1-من البدء حتى القرن الثالث.    2-وهو العصر الذهبي للآباء(300-430).  3-العصر الأخير(430-850).

وكل قسم يُقسم بدوره إلى حلقات ورجال. أما بالنسبة إلينا نحن الأرثوذكس فقد أشرنا سابقاً إلى أن العصر الآبائي لا يتوقف عند فترة زمنية محدودة.

الآباء وأهميتهم في الكنيسة وفي حياتنا

منذ فترة قريبة كان العالم المسيحي وخاصة العالم الغربي يجهل تقريباً الآباء الشرقيين ويجهل أهمية لاهوتهم في الكنيسة وفي الحياة اليومية. ولعل هذا كان عامل ضياعه وتمزقه وتحوله إلى إنسان بلا هوية روحانية حقيقية وإلى كائن يكاد لا يحصل على الحقيقة ولا يشهد لها ولا يترك الإله الحي يدخل إلى واقعه، إلا أنه بدأ يكتشف عالماً جديداً وواحة ارتياح في صحراء هذه الفَنائية وقد يكون دافع هذا الاكتشاف ردة فعل على الروح التي تسربلت فساداً وابتلعتها الحياة البيولوجية وعلى هذا الانفصام في شخصيته الروحية وزيف الحياة الروحية المحضة. الضياع الروحي نفسه دفعه إلى طريق العودة إلى عالم المتألهين وإلى طلب وجوده الحقيقي المشارك لحياة الثالوث الأقدس وإلى اكتشاف ذاته المرتفعة إلى قامة الألوهة في شخصية الآباء القديسين. فأخذ يهتم بآباء الكنيسة وبمدوَّناتهم ولاهوتهم وكأنهم الدليل الحي على السلَّم الذي يرتقي إلى الحياة الجديدة في المسيح.وابتدأ يفتّش عن الذين عاشوا الحياة الأبدية ليروا الإله مترجماً في حياتهم إلى أن أصبح هذا العصر أو كاد يصبح عصر تبصر آبائي وعصر إهمال اللاهوت العقلاني والشغف العقائدي المنسلخ عن الحياة.

الآباء هم المعلمون الروحانيون والكارزون ببشرى القيامة وذوو المواهب المتعددة وحَملة الرأي القويم والتقليد المسلَّم إلى الرسل وهم كما قلنا سابقاً الذين يَلدون البشر في المسيح والذين يعبِّرون نطقياً بإنارة الروح القدس عن خبرة الحقيقة الأبوية التي هي نور وهدى. الآباء هم الذين عاشوا الصحو الروحاني واليقظة الداخلية والانتباه الدائم إلى حضور الرب وفعله في الإنسان فأُطلق عليهم لقب”الآباء الصُحاة”إذ حاربوا التثاقل والفتور والغفلة عن سعي الإله المستمر لمعاضدة الإنسان وجاهدوا ضد سُكْرِ الإنسان بما هو مادي ودنيوي. الرسول بولس تكلم عن الصحو قائلاً”  اصحوا للبرِّ ولا تخطئوا لأن قوماً ليست لهم معرفة بالله.أقول ذلك لتخجيلكم”(1كور34:15)”لا ننامنَّ كما يفعل سائر الناس بل علينا آن نسهر ونحن صاحون” .حياة الآباء الشخصية إذاً، هي مصدر أهميتهم في تاريخ الروح وفي حياة الكنيسة وفي حياة الناس. إذا كان الناس يؤمنون بأن الكاتب العادي أهم من مؤلفاته وكتاباته فكم بالأحرى ينطبق ذلك على معلمي المسكونة وسِيَرهم في كل مراحلها الجهادية إن من حيث الخُلق والروحانية واليقظة المستمرة أو من حيث آلامهم وشهاداتهم اليومية وشهادتهم الدموية ورقادهم وانتقالهم. فهم كمقتدين بحياة المسيح وآلامه صاروا نماذج حية لأبناء عصرهم وما زالوا مثلاً أعلى لهذا الجيل إن أراد أن يهتدي، لأن الحاجة شديدة إلى أمثالهم ، وإلى أن نجسد الأبوة الإلهية في الجيل المعاصر وإلى مَن يلِد هذا الجيل في يسوع المسيح ويوجهه روحياً ويُتْحدْه بالرب. كنيسة اليوم تصبح كنيسة المسيح عندما يحاكي أبناؤها الآباء ويبلغون قامتهم ويُظهرون للآخرين طريق الحق والحياة ويكشفون عن إنسان متأله بالنعمة.

أما مدوّنات الآباء فهي ليست امتداداً للحياة الجسدية إنما هي نتيجة طبيعية لمسرى التأله ولذا نجد فيها روحاً تميزها عن مصنفات هذا الدهر. فنحن إنما نقرأ ما نحن بعطش إليه وما هو قريب قرباً بالغاً إلى ذواتنا وما هو متعلق بالإنسان الجديد المتبدّل على صورة الخالق ومثاله. ولعل مصنفاتهم في جوانبها الوجودية عصرية أكثر من  مدونات اللاهوتيين المعاصرين كما يقول الأب جورج فلورفسكي، كما أن قراءتها تحمل انسلاخاً من العالم ومخاطبة الإله وانطلاقاً نحو عالم الألوهة. أوَليست مؤلفاتهم مثبوتة في كتب الصلوات والطقوس؟ إن نصوص صلواتنا ليست سوى مجموعة لمختارات من مؤلفاتهم وعطائهم اللاهوتي الغزير الذي لا يؤلّف فهماً مُستحدثاً للإنجيل أو لاهوتاً جديداً يبشر بمسيح آخر، هو تعبير جديد عن الحقائق المستيكية(MYSTIQUE) الإنجيلية، فلاهوتهم في روحه ، لاهوت كتابي على الرغم من أنه مرتب أحياناً على نحو منطقي ومزود ببراهين وحجج منطقية ومدون بلغة أخرى وبألفاظ كانت تُستخدم في الفلسفة اليونانية، هذا ما دفع القديس غريغوريوس النـزينـزي إلى  القول إن الآباء تكلموا لاهوتياً على النحو الذي تكلم به الصيّادون ولم يتكلموا “أرسطوطاليسياً”.

كنيسة المسيح لا تنمو حقيقتها مع أب من الآباء إنما تنمو في اختبار المعرفة وعيش الحقيقة إذ  إن الحقيقة في حدِّ ذاتها لا تكبر ولا تنقص لأنها مماثلة للواقع الإلهي. خبرة الحقيقة وحدها تنمو وفقاً لثقافة الإنسان الروحية ومرحلة تألهه. من هذا المنطلق تفهم الكنيسة عطاء الآباء اللاهوتي المتجدد ضمن مزامنة الإله والاتصال به. الآباء الشرقيون إختطفوا أنوار الروح القدس الفاعلة في الكنيسة وترجموا هذا الإشراق في نصوصهم فجعلوا وعد الرب بإرسال المعزي حقيقة بارزة وبيَّنوا أنه ” يرشد ويعلِّم كل شيء ويذكّر بكلِّ ما قاله المسيح في حياته على الأرض (يوحنا16:14) وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الأبد.” إن الرب أظهر عمل المعزي من خلال أولئك العظام الذين عاشوا في الكنيسة الحيّة وجعلوا الكنيسة تعيش بتعاليمهم، ففي ضمير الكنيسة عاش معلموها متمّمين تعاليم الرسل وحاملين تقليد الروح ولهذا علمهم أرثوذكسياً لا بل قاعدة الأرثوذكسية وأساسها. إن لمسألة استمرار العصر الآبائي أهمية كبرى إذ ترتبط  باستمرار فعل الروح القدس في الكنيسة  وبالأهمية المعاصرة وبالمعنى الحياتي الذي يقدمه الآباء لأبناء هذا الجيل. فلو وُضِع القِدَم أساساً للإعتراف بالأبوة فكراً غابراً وأدباً مُتخفِّياً لا يستحق الدراسة والاهتمام. إذاً، الهدف الذي من أجله ندرس الآباء والاهتمام العميق بهم هو أن نتذوَّق عالمهم الروحي ونلمس آثار الروح القدس في شخصياتهم وآثارهم وفي كل ما تركوه لنا وأن نضع إصبعنا على جهاداتهم وجراحاتهم والدماء التي أهرقوها من أجل الحقيقة الإلهية الملتحمين بها.

الآباء القديسون هم جماعة عادية من حيث الطبيعة والناسوت إلا أنهم سعوا إلى اقتناء خبرة القداسة والتأله واكتسبوا الحرية المقترنة بالمحبة والمشابهة لمحبة الثالوث الأقدس التي أمست اليوم بالإرادة الاعتقادية اتجاهاً معاكساً للمشيئة الإلهية. ولهذا السبب استناروا وأثبتوا الإيمان الذي تلقنوه من الله(إينوس أحد الآباء) وأصبحوا شهداءً للأرثوذكسية وقدوةً يُحتذى بها ونماذج عن محاربة الغربة الروحية وسلامة الإرادة والهرب من العدم والموت. من هنا كان اتباع الآباء القديسين في المراقي الجهادية هو المشروب الإلهي الممزوج بكلام الحق وماء الاعتراف الذي إذ شربنا منه نبصر الله ناطقاً في الإنسان المعاصر ببيان سرِّ هذا الكون.

الكتاب المقدس عند الآباء

شهدت القرون الأربعة الأولى تطوّراً لمفهوم الكنيسة للكتاب المقدس نتج  عن نشوء بدع وهرطقات استخدمت  نظرية الأنماط  التفسيرية لتُدخل بعض المفاهيم الفلسفية إلى العقيدة المسيحية ونشأت أكثرية هذه البدع عن سوء استعمال النهج التفسيري المرتبط بالفلسفة الأفلاطونية في مدرسة الإسكندرية.الأنماط الكتابية حُوِّلت إلى أنماط أخلاقية ليس لها علاقة بأشخاص عاشوا في التاريخ وذلك نقلاً عن نظرية عالم المُثل عند أفلاطون، ودخلت جراء ذلك بدع كثيرة في الكنيسة المسيحية أهمها بدعة الغنوسيين الذين اعتبروا المعرفة في الكنيسة معرفة نظرية بحتة لأنماط أخلاقية مثالية ونفوا بذلك التجسد واستمراره في الكنيسة في حياة الأسرار. وقام آباء إنطاكية ضد هذه البدعة مستندين إلى الكتاب ومؤكدين أن الأنماط الكتابية هي أنماط سِيَر إنسانية تاريخية  اكتسبت كمالها في المسيح المثال التام. موقف الرسل في القرن  الأول من  الكتاب المقدس يلخصه لنا الرسول بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي بقوله “إذا لا ككلمة  أناس بل هي بالحقيقة كلمة الله التي تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين” (1تسا13:2)ولكن قبل أن يوجد نص قانوني للكتاب وُجدت أناجيل ومخطوطات كثيرة خلقت شيئاً من البلبلة العقائدية في الكنيسة الأولى، لذا استهل البشير لوقا إنجيله مثلاُ بقوله” إذ كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن اكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به”(لوقا1:1-4) ولا بد أن نوجز المراحل الأساسية في تحديد كيفية فهمنا للكتاب على ضوء العقيدة المُعلَنة في الكنيسة إن أردنا أن نسترشد بما قاله الآباء في طريقة قراءة الكتاب مَنعاً للإلتباس العقائدي، نجد بداية جواب لنا حول موقف الكنيسة من الكتاب في قول القديس إيريناوس المشهور” علينا أن نمتحن كل شيء ونتمسّك بما اؤمِن به في كل  مكان من قِبل الجميع، ما بشّرت به الكنيسة الجامعة الرسولية المنتشرة في كل مكان مُعلنة الإيمان الواحد وبصوت واحد كما تسلمته من الرسل القديسين وتناقلته بواسطة خدام الكلمة المكَرسين بوضع الأيدي” ما أراد القديس إيريناوس أن يؤكده  هو وجود بُعدان للفهم الصحيح للكتاب:

1-هناك قاعدة أساسية للإيمان معترف بها من الجميع.

2-هناك استمرارية لفعل الروح القدس في الكنيسة الذي يفسّر لنا الكتاب بواسطة خدّام مكرَّسين إذ يؤلفون أنماط السلالة الرسولية في الكنيسة، السلالة الرسولية هنا محفوظة في جماعة المؤمنين ولكنها ممثَّلة بخدّام الكلمة وليست محصورة فيهم. التأكيد هنا هو على الإجماع في فهم الكتاب والإجماع قي العقيدة خاضع لإجماع الروح من خلال أشخاص مُنِحوا سلطة التمييز باستلامهم الروح القدس في ضوء السلالة الرسولية المحفوظة في جماعة  المؤمنين. ويواصل القديس إيريناوس حديثه  قائلاً:”إن تحديد الإيمان القويم يخضع لمصدَريْ سلطة في الكنيسة: صدارة الكتاب المقدس وتراث الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية.

لماذا هذا التأكيد على السلالة الرسولية والتراث؟ يجيب القديس إيريناوس نفسه قائلاً” لأن الكتاب، وهو مقياسنا الأساسي لتفسير العقيدة، فُسِّر بشتى الطرق حتى أنه أصبح من الظاهر أن نظرية الأنماط في الشرح توحي إلينا بمعانٍ متعددة تدعو إلى الإلتباس حتى أنه ليُخيل إلينا أن كل امرئ يستطيع فهم الكتاب كما يحلو له”. ومنعاً للإلتباس العقيدة يؤكد القديس إيريناوس على أن النهج التفسيري لما كتبه الأنبياء والرسل القديسون يجب أن يُمتحن في ضوء إجماع الكنيسة الواحدة”.تراث الكنيسة، أي “ما أُومِن به من الجميع”، هو مرشدنا إلى فهم الكتاب.

إذ جوبهت الكنيسة “بقصص عديدة مؤَلفة”كما يقول البشير لوقا في موقفها من الغنوسيين والآريوسيين طرحت مسألة  الفهم الصحيح للكتاب المقدس.وبالتالي السؤال:

كيف نميز الفهم الصحيح من الفهم الخاطئ وكيف نتوصل إلى الأمور اليقينية؟

جواب الكنيسة واضح في هذا الصدد، فالكتاب هو مُلك  الكنيسة ومَن يريد أن ينمو في الإيمان عليه الإنضمام إلى الكنيسة ولا يجوز لمن يشاء أن يفسِّر الكتاب على هواه.

يجب أن يُقرأ الكتاب في شركة الإيمان أي في شركة الذين يحيَون الكتاب وقد فهموا وحدة القصد الإلهي لتاريخ الله الخلاصي. بالإيمان نميز يسوع المسيح  في العهد القديم إذ نقرأ الكتاب من خلاله  ومن خلال أقواله وأفعاله وهو في الجسد، وهذا محفوظ لنا في امتداد وحدة جسده في التاريخ أي في الكنيسة، هذا ما أكده أيضاً ترتليانوس في  الغرب إذ تحدث عن قانون الإيمان كقاعدة أساسية لفهم الكتاب. إن ما أشار إليه ترتليانوس، مؤكداً بذلك موقف القديس ايريناوس، هو ملخص العقيدة كما عهدت الكنيسة أن تسلمه لكل مقبل إلى المعمودية.

الفهم  الصحيح للكتاب مرتبط إذاً في لقاء الرب الدوري في شركة الأسرار فهو يفتح أذهاننا إلى فهم الكتب.كما أن الفهم الصحيح للكتاب مرتبط أيضاً بحصر أفكارنا المشتّتة في مفهوم قانون إيمان الكنيسة الملخص بدستور الإيمان.  هكذا ننمو في معرفة الأمور المتيقنة عندنا، حياتنا في المسيح مرتبطة بترجمة شخصية لما قاله المسيح وما بشَّر به الرسل على ضوء قانون الإيمان المعلَن في الكنيسة وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصلوات الليتورجية التي وُضعت للخدمة الإلهية كانت بالأساس ما علّمته الكنيسة حول كل هذا:

–   إن أسبوع الآلام كان مخصّصاً لتفسير معنى الأسرار للمختارين. لدينا مخطوط من القرن الرابع يُثبت ذلك يذكر لنا القديس إيثيروس وقد حضر أسبوع الآلام في أورشليم قبل نهاية القرن الرابع، أن الأسقف في عظته الأخيرة للمختارين بعد انتهاء خدمة سبت النور قال”لكي تدركوا معنى معموديتكم خلال الأيام الثمانية التي تلي الفصح  ستفسِّر لكم بعض الصلوات اليومية أصول العقيدة في مبنى الكنيسة وأنتم مدعوون لمتابعة تلقّي أصول الإيمان فيما بعد في كل قداس إلهي وبصورة خاصة خلال الأعياد السيِّدية إذ تشرح لكم مراحل تاريخ الخلاص في الوعظ”. من هنا فإن أفضل وثيقة لنا حول أسلوب الكنيسة في تفسير الكتاب هي الصلوات الليتورجية التي ترافق حياة الكنيسة العبادية وهي كناية عن شرح الكنيسة للكتاب في قالب شعري نسكي رائع، نذكر على سبيل المثال عن ما يرتبط بالمعمودية من  صلوات وطقوس تركز على ثلاثة أنماط كتابية توجز لنا أبعاد مسيرتنا الروحية وهي: آدم في الفردوس، نوح في الفلك وشعب إسرائيل عند اجتيازه البحر الأحمر. هذه الأنماط الثلاثة هي مدخلنا إلى حياة راشدة في المسيح وفي صلاة خدمة سر المعمودية يطلب الكاهن في الإفشين الأخير الذي يتلوه على الموعوظ قبل إتمام سر المعمودية “أيها السيد الرب الكائن السرمدي أنقذ خليقتك هذا من عبودية العدو واقبله في ملكك السماوي وافتح عيني ذهنه ليشرق فيه نور وجهك”ونحن نتعلم كيف نفهم الكتاب إذ نلازم السيّد المتجسد وسط الكنيسة المجتمعة وهو يشرق في قلوبنا نور معرفة إنجيله كلما أتينا إليه  والتصقنا به في حياة الأسرار، كما يقول  الكاهن قبل قراءة الإنجيل في القداس الإلهي، إن قراءة الإنجيل وتوزيعه على المؤمنين في الوعظ ليس مجرد ترتيب شكلي في صلاة الكنيسة، إننا نشترك في القداس الإلهي لكي نُهيئ لسماع الكلمة”ننضم إلى الكنيسة المجتمعة”(1كور18:11) ونُرشد إذ ذاك  من قِبل الكاهن الذي يوزع علينا  الإنجيل معلناً أن المسيح نفسه هو المقرِّب والمقَرَّب والقابل والموزع. لذا  فتوزيع الإنجيل مرتبط بتوزيع جسد الرب ولكي لا يخرج أحد مرتاباً نتلوا معاً دستور الإيمان الذي هو مقياسنا لفهم الإنجيل”لنمتحن كل شيء ونتمسك بما نؤمن به في كل مكان من الجميع. إننا نجد التفسير الصحيح للكتاب حصراً حيث يظهر لنا الإيمان القويم في بُعده المعاش أي في الكنيسة “(ترتليانوس). ولعل تأكيد الكنيسة الأولى على قانون الإيمان وعلى الحياة الأسرارية كمنطلق لفهم الكتاب يتضح لنا في تشبيه يُنسب إلى القديس ايريناوس الذي كتب في دحضه هرطقة الغنوسيين”رسم أحد الفنانين لوحة رائعة تمثل ملكاً مرتدياً ثوباً مرصّعاً بحجارة كريمة ثم أتى رجل آخر وأخذ الصورة وقطّعها إرباً ثم أعاد لصق القطع الى بعض كما تُشكل فسيفساء من قطع صغيرة لكن اللوحة التي أخرجها بفعل ذلك كنت تمثل صورة ثعلب، وأكد الرجل أن اللوحة المنحوتة هي اللوحة الأصلية إذ أنه استخدم نفس قطع لوحة الفنان في تركيبها ولكن اللوحة الأصلية بالفعل كانت قد فُقدت وهذا بالضبط ما يصنعه الهراطقة في نص الكتاب، إنهم يجزئونه فيضيعون العلاقة الأساسية التي تمثل صورة قصد الله الخلاصي في الكتاب ثم يُعيدون تركيب الكلمات والجُمَل ليس حسب الصورة الأصلية بل حسب صورة مضِّلة من اختراعهم” ثم يتابع القديس مظهراً لنا كيف أن الصورة الأصلية للكتاب محفوظة لنا في دستور الإيمان لذلك فكل مؤمن يستند إلى إيمانه ويحيا به في شركة الكنيسة يستطيع  أن يجد العلاقة بين النصوص والجمل الكتابية بحيث لا يضل في فهمه لها عن الصورة الأصلية ولكي يتابع فهمه دون التباس عليه أن ينقّي ذهنه باستمرار من تشويش الشهوات والحياة اليومية بإقباله على ممارسة الأسرار.

“المجد لك يا مظهر النور…من قبلك هي عين الحياة وبنورك  نعاين النور” ما نقوله في المجدلة الكبرى يوجز لنا درب المعرفة الحق التي تُعتَلَن في المسيح إذ التصقنا به في حياة الأسرار وهذا ما يبسِّطه لنا القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسالته إلى أهل فيلادلفيا”إن ملجأي وثباتي فيما يتعلق بتمييز العقيدة هو الإنجيل الذي هو يسوع المسيح نفسه بالجسد يقول لي بعضهم أنا أؤمن بما هو مكتوب وعندها أجيبهم بما هو مكتوب بالنسبة إلي وهو يسوع المسيح، ممالا شك فيه هو صلبه وقبره وقيامته والإيمان الذي يبعثه ويثبته فيّ بواسطة روحه القدوس هذا هو إنجيلي وهذا ما أقرأه في الكتاب” التراث إذاً بالنسبة إلى آباء القرون الأولى هو بالدرجة الأولى قاعدة لشرح الكتاب. يُقرأ الكتاب قراءة صحيحة ويُفهم فهماً جيداً في ضوء التراث الرسولي الحيّ، أي أن الكتاب يُفهم إذ يعاش كيانياً  في الكنيسة ، هذا لا يعني أن التراث يضيف شيئاً إلى ما هو مدوّن في النص الكتابي بل إنه بالأحرى يعطي الإطار الواضح الذي يبرز من خلاله قصد الكتاب وبذلك يُفهم الوحي الإلهي في كمال صورته في يسوع المسيح.

الثالوث عند كنيسة القرون الأولى

الثالوث عند كنيسة القرون الأولى

الأب أنطوان ملكي

مع وصولنا الى نهاية القرن العشرين، لم يزل من الصعب الكلام عن الثالوث بشكل علمي ويبقى الكلام اليقين والصحيح في هذا الموضوع حكراً على الذين يسكنهم الروح القدس بشكل حي وفاعل. فمع أن صياغات هذه العقيدة الأساسية في المسيحية لم تتضح تعابيرها إلا أواخر القرن الرابع وذلك لضحد البدع التي مست الأقنومين الثاني والثالث، إلا أن هذا لا يعني أن  كنيسة القرون الأولى لم تكن تملك الإيمان الصحيح وخاصةً هذه العقيدة الثالوثية التي يؤكد الآباء أن الإشارات اليها موجودة حتى في العهد القديم وإن لم يفهمها أهله في حينه.

في هذه الدراسة سوف نعرض أهم الآراء الآبائية عن الثالوث في فترة القرون الأولى أي تحديداً حتى نهاية القرن الثالث. فكنيسة القرون الأولى تسلمت من الرسل ما تسلموه هم أنفسهم من الرب يسوع الذي أشار في أكثر من محطة الى ثالوثية الله. وقد حفظت هذه الكنيسة هذا التعليم ونقلته بأمانة إلى أن أتت المجامع اللاحقة وأوضحته وثبتته كعقيدة. ويظهر التزام هذه الكنيسة في عدة أمور أهمها: الليتورجيا وتعليم الآباء القديسين.

الليتورجيا

يصف يوستينوس الشهيد الليتورجيا الأفخارستيا التي تقام بوجود المعتمد الجديد مع الإخوة بأنها تبدأ بصلوات حارة من أجل الجميع في كل مكان لكي يحصلوا على النعمة فيعملوا الصالحات ويحفظوا الوصايا فيصلوا الى الخلاص الأبدي. وبعد هذا  يتبادلون قبلة السلام ثم يأخذ المتقدم خبزاً وخمراً ويمجد الآب من خلال اسم الإبن والروح القدس[1].

و نجد، بعد هذا التاريخ بقليل، لدى القديس ايريناوس في سياق ايضاح التعليم الرسولي، وصفاً لليتورجيا العماد: “عندما نتجدد بالمعمودية المعطاة لنا باسم الأشخاص الثلاثة، نقتني في هذه الولادة الثانية الأشياء الحسنة التي في الله الآب من خلال ابنه مع الروح القدس. لأن الذين يعتمدون يحصلون على روح الله الذي يسلمهم للكلمة الذي يأخذهم ويسلمهم الى أبيه والآب ينقل لهم عدم البلى. إذاً بدون الروح، لا يستطيع أحد أن يرى كلمة الله. وبدون الإبن لا يستطيع أحد أن يصل الى الآب لأن معرفة الآب هي الإبن ومعرفة ابن الله تكون بالروح القدس… ولكن الإبن وحده هو من يوزع الروح بحسب ما يرضي الآب…”[2].

أيضاً نجد في عدد من إعلانات الإيمان، التي تعود الى القرون الأولى، اعترافات بالآب والابن والروح القدس. أقدمها ما يسمى برسالة الرسل The Epistle of the Apostles وهي من الأدب الأبوكريفي وكُتبت حوالي العام 180، وقد جاء فيها ما يلي:

اؤمن بالآب الكلي القدرة

بيسوع المسيح مخلصنا

وبالروح القدس المعزي

بالكنيسة المقدسة، بمغفرة الخطايا.

أيضاً وُجد نص مماثل على اوراق بردي مصرية تعود الى أواخر القرن الثاني، مما يدل على أن الإعتراف الثالوثي كان منتشراً في أنحاء العالم الروماني[3].

وأيضاً يمكننا أن نقرأ توصيات في تعليم الرسل الإثني عشر تشدد على أن يكون التعميد باسم الآب والابن والروح القدس[4].

وفي السياق نفسه، النص الذي يورده هيبوليتوس عن ممارسة سر المعمودية:

“وعندما ينزل الطالب الى الماء يضع المعمد يده عليه ويقول: هل تؤمن بالله الآب الفائق القدرة؟ فيجيب طالب المعمودية: اني اؤمن. فيعمده المعمد مرة. ثم يقول له: وهل تؤمن بالمسيح يسوع ابن الله الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي ومات وقبر وقام في اليوم الثالث من بين الأموات وصعد الى السماء وجلس عن يمين الآب وانه سيأتي ليدين الأحياء والأموات؟ ولما يقول اني اؤمن يعمده مرة ثانية. ثم يقول له وهل تؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وبقيامة الجسد؟ فيقول المعمد اني اؤمن فيعمده المعمد مرة ثالثة. وبعد خروجه من الماء يمسحه الكاهن بزيت الشكر قائلاً: اني أمسحك بالزيت المقدس باسم يسوع المسيح فيخرج عندئذ المعمدون من الماء وينشفون اجسادهم بالمناشف ويلبسون ثيابهم ويجتمعون في الكنيسة”[5].

تعليم الآباء القديسين

إضافة الى النصوص الليتورجية التي رأينا فيها دلائل على أن إيمان كنيسة القرون الأولى الثالوثي بلغ الممارسة، هناك كتابات عديدة لآباء وكتاب كنسيين من القرون الثلاثة الأولى توضح أكثر مفهوم كنيسة تلك القرون لهذه العقيدة الأساسية.

نبدأ بالقديس اقليمس أسقف رومية في رسالته الى أهل كورنثوس التي يرد الدارسون تاريخها الى اواخر القرن الأول، حيث نقرأ:

“الرسل بشرونا بيسوع المسيح ارسله الله. المسيح من الله والرسل من المسيح… والرسل… تأكدوا من كلام الرب بالروح القدس…. وأقاموا مختاري الروح القدس..”[6].

أيضاً في مكان آخر من الرسالة نفسها، نرى أن القديس يعتبر أن إيمان ورجاء المختارين هو في حياة الأقانيم الثلاثة، دون أن يسميها أقانيم:

“اقبلوا نصيحتنا فلن تندموا. حي هو الله، حي هو يسوع المسيح وحي هو الروح القدس وحي هو إيمان ورجاء المختارين”[7].

وفي الرسالة نفسها، يرى القديس في وحدانية الثالوث دعوة الى وحدة المؤمنين:

“أليس لنا إله واحد ومسيح واحد وروح نعمة واحد انسكب علينا؟ ودعوة واحدة في المسيح؟ لماذا نمزق ونقطع أعضاء المسيح؟”[8]

وبعد هذا التاريخ بقليل نقرأ لدى القديس أغناطيوس المتوشح بالله كلاماً أوضح عن الثالوث للتعبير عن اكتمال الوحدة بين المؤمنين مشبهاً إياها بالوحدة بين الأقانيم، وذلك في رسالته الى أهل مغنيسية:

“حاولوا أن تثبتوا في عقائد الرب والرسل حتى تنجحوا في أفعالكم، في الجسد والروح في الإيمان والمحبة. في الآب والابن والروح القدس، في البدء والنهاية بالاتفاق مع اسقفكم الجليل… اطيعوا اسقفكم وبعضكم بعضاً كما أطاع المسيح بالجسد الآب، وكما أطاع الرسل المسيح والآب والروح القدس حتى تكون الوحدة جسدية وروحية”[9].

وفي عدة أماكن أخرى يساوي القديس أغناطيوس بين الآب والابن، فالحياة هي في الله او في المسيح، والمسيحي يسعى للوصول الى الله او الى المسيح، والمسيحيون هم هياكل الله او هياكل المسيح. ففي رسالته الى بوليكربوس يساوي بينهما:

“كن عظيماً أكثر مما أنت واعرف الأوقات معرفة جيدة. ترجى من هو فوق الزمان، ترجى من لا زمان له، الغير المنظور، الذي صار منظوراً لأجلنا، الذي لا يُلامس والذي لا يتألم وتألم من أجلنا واحتمل كل شيء”[10].

ثم نجده يميز بينهما في رسالته الى أهل أفسس:

“لا يوجد غير طبيب واحد، طبيب جسدي وروحي، مولود وغير مولود، اله متجسد وفي الموت حياة حقيقية. ولد من العذراء ومن الله، قابلاً للآلام قبلاً وغير متألم الآن، يسوع المسيح ربنا”[11].

وأيضاً المتوشح بالله يعلم أهل مغنيسية ان الابن هو كلمة الله الذي أظهر الله نفسه فيه[12]، وقد تجسد وأتى الينا ليكلمنا لأنه “الفم الذي لا يعرف الكذب والذي تكلم به الآب حقاً”[13]. وهو إذ يريد أن يدعم رأيه يؤكد أن ما يكشف له وينير أفكاره ليس حكمته الشخصية بل الروح القدس الذي يطلب الوحدة:

“إذا كان البعض يشكون بي لأني أرى مسبقاً شقاقات البعض فأني أشهد لله لا اللحم لم يكشف لي ذلك. ان الروح يقول لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف واحتفظوا بأجسادكم كهياكل لله، وأحبوا الوحدة…”[14]

وفي قصة استشهاد القديس بوليكربوس، والتي يُعزى تاريخها الى الربع الأول من القرن الثاني، نقرأ صلاة القديس قبل استشهاده:

“أيها الرب الكلي القدرة ابو ابنك المبارك المحبوب يسوع المسيح… أباركك لأنك أهلتني في هذا اليوم وفي هذه الساعة لأكون من عداد شهدائك ومن مساهمي كأس مسيحك لقيامة الروح والجسد في الحياة الأبدية بدون فساد، في الروح القدس… وامجدك بالكاهن الأعظم السماوي الخالد يسوع المسيح ابنك الحبيب الذي به المجد مع روحك المقدس الى الأبد آمين”[15].

فهكذا نقرأ وضوح الفكرة بأن مجد الآب هو في ابنه وروحه. أما في نهاية القصة فنقرأ أن المجد مقدم للآب والابن والروح القدس معاً.

ولكن لا اقليمس ولا أغناطيوس ولا أي من الكتاب الآخرين الذين كتبوا في تلك الفترة، قارب السؤال الذي أصبح لاحقاً مدار الجدل وهو علاقة الإبن والروح بالآب[16].

فهرماس الذي لا تعتبر كتاباته قانونية، يخلط بين الابن والروح، فيرى أن هناك شخصان لا ثلاثة:

“جاء ملاك التوبة وقال لي: أريد أن أريك كل ما اراك الروح القدس الذي خاطبك تحت شكل الكنيسة. هذا الروح هو ابن الله”[17].

وفي مكان آخر نرى أنه يلمح الى أن المخلص هو ابن الله بالتبني لأنه خدم الروح بأمانة وذلك بناء على مفهومه السابق الذي يرى أن الروح والإبن واحد[18].

ومع نهاية القرن الثاني، كانت علاقة الإبن والروح بالآب قد بدأت تطرح خاصة ان أتباع سيمون الساحر كانوا كثراً في السامرة وكانت لهم نظرة ثالوثية ذات أصل غنوسي. ومن السامرة انتقلت تلك الفكرة الى أماكن أخرى من الدولة الرومانية كان يتواجد فيها المسيحيون. يذكر القديس يوستينوس الشهيد الذي كان من نابلس أن أكثر السامريين مع آخرين من الأمم الأخرى كانوا يرون في سيمون الساحر إلهاً أعلى. وفي نهاية القرن الثاني يخبر القديس ايريناوس عن محاولات الغنوسيين للتكيف مع العقيدة الثالوثية بقولهم بأن سيمون نزل بين اليهود بهيئة الإبن وبين السامريين بهيئة الآب وبين الأمم الأخرى بهيئة الروح القدس[19].

أيضاً في تلك الفترة، كانت قد بدأت تُطرح تساؤلات حول ألوهة الروح بالإبن والآب. وقد نشأت فكرتان: الأولى تقول أن الروح الإلهي أضيف الى يسوع الإنسان والثانية تقول أن التجسد كان صورة يعلن الله نفسه فيها للناس. وقد تبنى الإبيونيون Ebionites المبدأ الأول وتبنى الدوكيون Docetics المبدأ الثاني ورفضت الكنيسة المبدئين[20]. وقد تولى الآباء المناضلون الدفاع عن الإيمان الصحيح ضد ادعاءات الغنوسيين واليهود والوثنيين.

أقدم دفاع مسيحي ضد تهجمات اليهود هو حوار يوستينوس الشهيد مع اليهودي تريفو. وفيه يرى يوستينوس أن الكلمة الإلهية (بالمعنى الحرفي) هي الواسطة التي علم الله من خلالها العالم كله، ليس فقط بطاركة العهد القديم بل أيضاً الفلاسفة اليونان. وهو في هذا أول كاتب استعمل عبارة “الكلمة” للدلالة على معنييها المستعملين الواحد في الفلسفة والآخر في لغة الوحي. فالله الحقيقي هو “أبو العدالة والحكمة وجميع الفضائل، وهو لا يظهر للعالم إلا بواسطة وسيط الذي هو الكلمة او الأقنوم الثاني، الذي مع الآب نبجله ونعبده ونكرمه” وهو “الإبن الوحيد لإله الكون المولود منه كلمة وقوة وبالتالي المولود من العذراء بالجسد كما نقل ذلك الينا الرسل القديسون”. والكلمة هو الطريق الحق الى الله وهو معلم الإنسان. وفي البدء كان قوة كامنة في الله فانبثق عنه بإرادته قبيل خلق العالم. ثم خلق الكلمة العالم[21]. والمسيح أعلن عن الروح القدس الذي هو الروح النبوي والذي يعرفه يوستينوس من خلال إعلان المسيح عنه. وفي وقت يناقش يوستينوس انبثاق الإبن عن الآب ويشبهه بامتداد لهيب النار[22]، لا  يحدد الروح القدس لاهوتياً ولا يناقش طبيعته لأن عقله لا يدرك جوهر هذا الروح، ولكنه يؤكد تعليم التقليد بأن الروح هو الذي كشف سابقاً للأنبياء عن المسيح وهو الذي حل في العذراء فولدت ابنها[23]. ومع هذا فهو أحياناً يدمج بين الابن والروح ولكنه يعود دائماً الى الكتاب المقدس للدفاع عن التعليم الصحيح.

أما ثيوفيلوس الأنطاكي، فعقيدته مشابهة لعقيدة يوستينوس ولكن مع اختيار أكثر دقة في التعابير. وهو أول من استعمل كلمة ثالوث Triav”[24].

أثيناغوراس الأثيني كتب عن الثالوث في النصف الثاني من القرن الثاني بطريقة أوضح من طريقة يوستينوس وقد اعتبر أن الابن هو من نتاج الآب وان الله احتواه منذ البدء، أما الروح القدس الذي يتكلم في الأنبياء فهو فيض من الله يشع عنه ويعود اليه كشعاع الشمس[25].

ايريناوس أسقف ليون لم يبحث في علاقة الأقانيم الثلاثة، إلا أنه كان واثقاً من وجودهم قبل الدهور ولا سيما قبل الخلق لأن العبارة “فلنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا” كانت قد وجهت من الآب الى الابن والروح القدس، “يدي الآب” على حد تعبير ايريناوس. وهو يؤكد ان الإنسان لا يستطيع ان يبين كيفية علاقة الإبن بالآب إنما الآب والإبن فقط يعلمان ذلك، ومن يحاول وصف هذه العلاقة يكون يحاول وصف أمور لا توصف[26].

والواقع أنه كان هناك فرق بين الشرق والغرب من ناحية الاهتمامات. فالشرق اهتم باللاهوت بينما اهتم الغرب بالتنظيم. وهذا ما يظهر في مقاربة كل من المجموعتين لموضوع الثالوث[27]. وفي الشرق تقدمت المدرسة الإسكندرية على الأنطاكية خاصة مع وجود اوريجنس.

نشأت بدعة المونارخيين التي قال بعض أتباعها أنه ليس في الثالوث سوى مظاهر مختلفة للإله الواحد. وقد رد اوريجنس على هذه البدعة وعلّم ان هناك إلهين بقدرة واحدة وهو ما عُبّر عنه في القرن الرابع بأقنومين وجوهر واحد[28]. والثالوث ليس مظاهراً مختلفة لإله واحد فالإبن انبثق من الآب انبثاق الإرادة من العقل. وكون الله أزلي أبدي، إذاً هذا الانبثاق أزلي أبدي أيضاً وبالتالي لا بداية للإبن. وعلاقته بالآب هي الوحدة في الجوهر. وصار اوريجنس يستعمل عبارة omoousio”. ولكن الخطأ الذي يراه الدارس للاهوت اوريجانس هو في اعتباره تدرجاً في الثالوث ويظهر هذا في تعليقه على يو 28:14 :”أما نحن الذين نصدق المخلص حين قال “ان الآب الذي ارسلني هو اعظم مني” نعترف ان المخلص والروح القدس اعظم من كل الأشياء التي صنعت ولكننا نعترف ان الآب اعظم منها بقدر ما هما أعظم من المخلوقات”[29].

ومن الكتابات المهمة في إظهار الإيمان بالثالوث هو الإكثيسس او دستور الإيمان الذي أعده القديس غريغوريوس العجائبي أسقف قيصرية الجديدة وتلميذ اوريجنس:

“يوجد إله واحد ابو الكلمة الحي حكمته المستمرة وقدرته وصورته الدائمة: والد كامل لمولود كامل وابو الابن الوحيد. ويوجد سيد واحد، واحد من واحد، اله من اله، صورة الإله ومثاله وكلمته القدير وحكمته واعي جميع الأمور وخالق كل المخلوقات، ابن حقيقي من أب حقيقي، غير منظور من غير منظور، وغير فاسد من غير فاسد، حي من حي وخالد من خالد. ويوجد روح قدس واحد مستمد من الله ظاهر بالابن ليعلم الخليقة، صورة الابن، صورة كاملة لكامل. هو الحياة وسببب وجود الأحياء. ينبوع مقدس، قداسة تعطي القداسة وتقود اليها. فيه يتجلى الله الآب الذي هو فوق الجميع وفي الجميع وفيه يتجلى الله الابن الذي في الجميع. ثالوث كامل في المجد والخلود والسيادة غير منقسم او منفصل. وهكذا فانه ليس في الثالوث أي شيء مخلوق او مستعبد او أي شيء مر زمن ولم يكن الابن بحاجة الى الآب او الروح الى الابن. والثالوث باقٍ الى الأبد بدون اختلاف او تغيير”[30].

وقد كتب غريغوريوس هذا الدستور لحاجة التبشير والتعميد ولهذا فلغته مباشرة وواضحة والكثير من التعابير هي نفسها تبنتها المجامع التي أقرت العقائد المتعلقة بأقانيم الثالوث والتي لم نزل نستعملها حتى اليوم.

أما في الغرب فنقرأ عند هيبوليتوس في وصفه لممارسة سر المعمودية، أن هذا السر أُقيم بحسب وصية الرب في متى 19:28[31]. تعابير النص الذي يورده أسد رستم في كتابه تشبه الى حد كبير تعابير قانون الإيمان النيقاوي.

ولكن هذا ليس كل شيء لدى هيبوليتوس إذ أنه فرّق بين الكلمة الكامن في الله والكلمة الملفوظ وحكى عن شيء من التدرج في الثالوث[32].

أما نواتيانوس وهو من الغربيين أيضاَ فقد كتب مؤلفاً كبيراً باللاتينية عرض فيه عقيدة الثالوث الأقدس دون أن يستعمل اللفظ Trinitas. وقد تلافى استعمال هذا اللفظ لشدة اهتمامه بوحدة الله. وقد ماشى ثيوفيلوس وايريناوس وهيبوليتوس في نظرتهم التدرجية للثالوث ورأى أن المسيح كان دائماً خاضعاً لله معتبراً إياه الملاك صاحب المشورة العظمى والرسول. وكذلك الروح القدس كان أقل من الابن والمؤمنون يتسلمونه من المسيح الذي تسلّمه عند المعمودية ويولدون به ثانية بالمعمودية. وهذا الروح هو الذي عمل في الأنبياء بصورة مؤقتة وهو يعمل بالرسل بشكل دائم وهو يحفظ الكنيسة[33].

أيضاً من الغربيين الذين لمعوا في أفريقيا هو ترتليانوس. فقد قال بأن العقيدة هي دستور وشريعة مفادها الإيمان بإله واحد كلي القدرة خالق الكون وبابنه يسوع المسيح المولود من العذراء الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي وقام في اليوم الثالث وقُبل في السماء جالساً عن يمين الآب والذي سيأتي ليدين الأحياء والأموات بقيامة الجسد. وبعد جلوس الابن عن يمين الآب أرسل الروح القدس ليقود المؤمنين. وقد كان ترتليانوس سبّاقاً بين الغربيين في استعمال عبارة الثالوث باللاتينية Trinitas وقد عبّر بوضوح عن الثالوث إذ قال بأن الابن هو من جوهر الآب والروح القدس هو من الآب بالإبن. وقد استعمل كلمة Personna للدلالة على الأقنوم وذلك للتمييز وليس للتفريق. انتقد اليهود في اعتبارهم ان الله كان يحدث الملائكة في قوله “لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا”، إذ انه اعتبر أن هذه الآية هي اشارة الى ثالوثية الله منذ الأزل. ومع كل هذا فقد تكلّم عن التدرج في الثالوث واعتبر أن الله هو الجوهر كاملاً أما الابن فهو انبثاق من الكل[34].

لكتنتيوس من الغربيين أنكر وجود الروح القدس كأقنوم ثالث وربطه تارةً بالآب وتارةً بالابن[35].

خاتمة

ختاماً للبحث يمكننا القول بأن كنيسة القرون الأولى حفظت الإيمان الذي تسلمته وتمكنت من تسليمه، بالرغم من كل الأخطاء التي عرضناها والتي نستطيع أن نراها ليس كأخطاء بل كقصور عن بلوغ الى المعرفة التي توصل اليها الآباء الذين صاغوا هذه العقيدة لاحقاً في المجامع. أسباب هذا القصور متعددة أهمها أن المشكلات التي تتعلق بأقنومي الابن والروح القدس لم تكن قد طرحت بعد بنفس الحدة التي استدعت انعقاد المجامع. وما التطور الذي تم بين نشوء الكنيسة والقرن الرابع، اي انعقاد المجامع المسكونية التي فيها تم التعبير عن هذه العقيدة بالشكل الذي لم يزل معمولاً به حتى اليوم، إلا تطور بالشكل والتعبير وليس بالمضمون والخبرة. فالروح القدس هو نفسه العامل في كل الآباء في كل الأزمنة والخبرة الإلهية التي تتمحور حولها الحياة المسيحية في كل الأوقات هي نفسها.

[1]        Leberton, Jules and Zeiller, Jacques. The Emergence of the Church in the Roman World. Book II of A History of the Early Church. Collier Books. New York. 1962. P. 164.

[2]        المرجع نفسه، ص. 168.

[3]        المرجع نفسه، ص. 172.

[4]        رستم، أسد. آباء الكنيسة. القرون الثلاثة الأولى. منشورات النور. 1983. ص. 60.

[5]        المرجع نفسه، ص. 177.

[6]        الآباء الرسوليون. طبعة ثانية. عربه عن اليونانية المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع (معوض). منشورات النور. 1982. ص. 42.

[7]        المرجع نفسه. ص. 50

[8]        المرجع نفسه. ص. 44.

[9]        المرجع نفسه. ص. 118-119

[10]       المرجع نفسه. ص. 139.

[11]       المرجع نفسه. ص. 110.

[12]       المرجع نفسه. ص. 117.

[13]       المرجع نفسه. الرسالة الى أهل رومية. ص. 127.

[14]       المرجع نفسه. الرسالة الى فيلادلفيا. ص. 131.

[15]       المرجع نفسه. ص. 161-162.

[16]       Dictionnaire de Spiritualité. Vol. , p. 296.

[17]       الآباء الرسوليون. ص. 235.

[18]       المرجع نفغسه. ص. 221.

[19]       Leberton. ص. 48.

[20]       Jackson, F.J. Foakes. The History of  the Christian Church From the earliest times to AD 461. George Allen and Unwin LTD. London. 1957. P. 156.

[21]       رستم. ص. 81.

[22]       المرجع نفسه. ص. 81.

[23]       رحمه، الأب جورج. يوستينوس الروماني وأثيناغوراس الأثيني. موسوعة عظماء المسيحية في التاريخ – 3. منشورات المركز الرعوي للأبحاث والدراسات. 1992. ص. 67-87.

[24]       Jackson. ص. 161. إنظر أيضاً رستم. ص. 96.

[25]       رستم. ص. 92-93.

[26]       المرجع نفسه. ص. 111.

[27]       Jackson. ص. 167.

[28]       رستم. ص. 140.

[29]       المرجع نفسه. ص. 143.

[30]       المرجع نفسه. ص. 155.

[31]       في مكان سابق من النص.

[32]       رستم. ص. 177-178.

[33]       المرجع نفسه. ص. 182-183.

[34]       المرجع نفسه. ص. 190-191.

[35]       المرجع نفسه. ص. 204.

مبادئ الإيمان الأرثوذكسي

مبادئ الإيمان الأرثوذكسي

الأسقف ألكسندر ميلينت

تعريب ميلاد ديب جبارة

المحتويات:

1- ما هو دستور الإيمان؟

2- لمحة تاريخية…..

3- دستور الإيمان

أولاً     ما هو دستور الإيمان؟

كلمة دستور تأتي من الكلمة اللاتينية Credo والتي تعني أنا أومن. في الكنيسة الأرثوذكسية تسمى دستور الإيمان عادةً رمز الإيمان وتعني الموافقة والإعتراف بمضمون الدستور.

الرجل دون إيمان  يشبه الرجل الأعمى فالإيمان يعطي الرجل نظرة روحية فيستطيع فهم جوهر ما يحيط به. مثل:

كيف ولماذا خُلق كل شيء؟

ما هو هدف الحياة؟

ما هو الصحيح وما هو الخاطئ؟

وأخيراً لماذا يجاهد الإنسان بهذا المقدار في الحياة؟

في الأزمنة السالفة استخدم رسل الكنيسة قواعد للإيمان كي يتذكروا هم والأجيال القادمة التعليم الأرثوذكسي الصحيح.

في الكنيسة القديمة تنوع في العقائد القصيرة ولكن في القرن الرابع ظهر تعليم خاطئ عن الإبن وآخر عن الروح القدس.

ومن هنا نبعت الحاجة إلى إكمال صياغة العقائد بدقة متناهية وبشكل يوضح كامل تعليم الكنيسة الأرثوذكسية.

ثانياً    لمحة تاريخية

دستور الإيمان أُقر في المجمع المسكوني الأول  نيقية 325م والمجمع المسكوني الثاني  القسطنطينية 381م. عقد المجمع المسكوني الأول كي يؤكد التعليم الحقيقي عن ابن الله, وينبذ التعليم الخاطئ لآريوس[1][1]  وأما المجمع المسكوني الثاني فقد عقد كي يثبت التعليم الحقيقي عن الروح القدس وينبذ تعليم مكدونيوس الخاطئ [2][2]  فالدستور النيقاوي القسطنطيني وضع في هاتين المدينتين بأيدي الآباء القديسين الذين اجتمعوا فيهما  ذلك الدستور احتوى 30 بنداً ففي البند الأول   نتحدث عن الله الآب في البنود من  2-7 نتحدث عن الإبن وفي البند الثامن  نتحدث عن الروح القدس وفي التاسع نتحدث عن الكنيسة وفي العاشر نتحدث عن المعمودية وفي الحادي عشر والثاني عشر نتحدث عن القيامة بعد الموت والحياة الأبدية.

ثالثاً  دستور الإيمان

أومن بإله واحد, آب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى وبرب واحدٍ يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور, نور من نور, إله حق من إله حق, مولود غير مخلوق, مساوٍ للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب وأيضاً يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد, الناطق بالأنبياء وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية وأعترف بمعموديةٍ واحدةٍ لمغفرة الخطايا وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.  آمين

يبدأ دستورنا بقول أنا أؤمن وذلك لأن جوهر اقتناع الآباء  القديسين لا يعتمد على الإستعمال الخارجي المجرب بل على قبولنا عطايا الله فبالحقيقة نحن لا يمكننا اثبات روحانية العالم بواسطة أي مختبر فتلك الحقائق تنسب إلى النطاق الشخصي لخبرة الرهبان. إن نمو الشخص في الحياة الروحية يتطلب الكثير من الصلاة الشخصية[3][3] والتفكير بالله فبواسطة تطور روحانيته الداخلية يرى الراهب الحقائق أوضح من غيره.  وفي الحقيقة أصبح موضوع الدستور موضوعاً شخصياً بالنسبة للرهبان ولغيرهم.

بماذا نؤمن نحن وفقاً لدستور ايماننا؟  نحن نؤمن بأن الله واحد  كامل وهو روح تام, خالد, لا بداية له, جبّار, وهو موجود في كل مكان, يرى الجميع, ويعرف سلفاً كل ما حدث وما سيحدث. وهو مقياس العالم الآخر ولا يحتاج إلى شيء وهو علة وجود كل شيء .

نحن نؤمن  بأن الله واحد في جوهره وهو ثالوث في وحدانية ( الحقيقة أن الله ثالوث هو الآب والإبن والروح القدس) الآب والإبن والروح القدس هو ثالوث واحد في الجوهر غير منقسم ولا منفصل. الآب لم يولد ولم ينبثق عن أحد, الإبن خالد وُلِدَ من الآب , والروح القدس خالد ومنبثق عن الآب.

نؤمن بأن كل أشخاص الثالوث القدوس متساوون في الكمال والقوة والعظمة. ونحن نؤمن بأن الآب إله تام والإبن إله تام والروح القدس إله تام ولذلك في الصلوات, نعظم وبتوافق الآب والإبن والروح القدس كإله واحد. ونحن نؤمن بأن العالم المنظور وغير المنظور خلق بواسطة الله.

ففي البداية خلق الله العالم غير المنظور, عالم الملائكة ووضعهم  في مكان من السماء هو الملكوت.

يذكر في بداية الكتاب المقدس (التوراة)  أن الله خلق العالم المنظور من العدم ولكن هذا لم يحصل دفعةً واحدة ولكن تدريجياً  وخلال فترة من الزمن يسميها الكتاب أياماً[4][4] .

الرب خلق العالم لا لضرورة ذلك أو لحاجته إليه بل لرغبته الكاملة في حدوث ذلك  وبما  أنه نفسه كلي الصلاح فكل ما صنعه صالح. فهو لم يصنع الشر فالشر ظهر في العالم نتيجة سوء استخدام الحرية الممنوحة من الله  سواء للبشر أو الملائكة. فعلى سبيل المثال, الشيطان وملائكته الأشرار كانوا في وقت ما ملائكة عند الله ولكنهم ثاروا ضد خالقهم وصاروا ملائكة الظلمة فطردوا من الفردوس وصارت لهم مملكتهم الخاصة والتي تدعى بالجحيم ومن تلك اللحظة, صارت الشياطين تغري البشر للوقوع في الإثم فهم أعداؤنا وأعداء خلاصنا بالمسيح يسوع.

ونحن نؤمن أن الله هو الناظم والموجه لكل الأحداث والمجريات التي تمت وتتم وستتم في الكون بأجمعه. وكذلك يوجه كل ما خلقه للوصول إلى غايته من  خلقها. فالله يحبنا ويعتني بنا كالأم التي تعتني بمولودها وبالتالي فالشخص المتكل على الله لا يخاف شيئاً.

ونحن نعتقد بأن ابن الله, يسوع المسيح الناصري نزل من السماء لخلاصنا فهو أتى إلى الأرض واتخذ جسداً له كجسدنا من الروح القدس ومن مريم العذراء. والله الخالد قد أتى إلينا واتخذ طبيعتنا البشرية أيام هيرودس الملك. وأخذها روحاً وجسداً فهو الإله و هو الإنسان فكلاهما معاً في شخص واحد جمع بين الصفتين الإلهية والبشرية وستبقيان معه إلى الأزل دون تغيير ولا تغير أو تبديل في إحداها تجاه الأخرى.

نحن نؤمن بأن الرب يسوع المسيح في حياته على الأرض نوَّر العالم بتعاليمه, أمثاله وأعاجيبه. فهو قد علم الإنسان كيف يجب أن يكون إيمانهم وعلمهم كيفية حياتهم على الأرض كي يرثوا الحياة الأبدية. بصلواته من أجلهم وبطاعته لمشيئة أبيه الأزلي وتحمله العذاب والموت وهزيمته للشيطان وإنقاذه العالم من الخطيئة والموت وبقيامته من بين الأموات وضع أساساً لقيامتنا. وصعد إلى السماء بعد قيامته بأربعين يوماً وجلس عن يمين الآب في الملكوت وهو كان هناك وكائن وسيكون.

ونؤمن بأن الروح الكلي قدسه منبثق من الله الآب من بدء العالم. جنباً إلى جنب مع الله الآب وابنه يعطون الوجود لكل مخلوق و يعطونه الحياة. وهو مصدر الحياة الروحية المليئة بالنعمة, للملائكة كما للبشر. وهو مستحق للمجد والتكريم كالآب والإبن. في العهد القديم ظهر على لسان الأنبياء وفي العهد الجديد نراه كالحمامة في عماد المسيح وتجليه الإلهي وكألسنٍ نارية يوم الخمسين (العنصرة) وهو كان يوجه الرسل والتلاميذ وهو موجود الآن في كنيسة السيد المسيح يرشد رعاتها ومؤمنيها بالحقيقة.

وفي إيماننا أن السيد المسيح أوجد الكنيسة على الأرض لتكون باب الخلاص لكل من يؤمن به. وهو أرسل الروح القدس يوم الخمسين ومنذ ذلك الحين بقي الروح القدس في الكنيسة فهو يشرف على الإتحاد المسيحي في الإيمان ويحفظها في نقاوة تعاليم الرب المخلص. هذا وإن نعمة الروح القدس تبقى في الكنيسة لتطهر التائبين من خطاياهم وتساعد المؤمنين وتقدسهم.

نحن نؤمن بأن الكنيسة واحدة, مقدسة, جامعة, ورسولية وبأن كل المسيحيين أرثوذكسيون مع أنهم في كنائس محلية مختلفة إلا أنهم عائلة واحدة مع الملائكة في السماء.وتعتمد وحدانية الكنيسة على وحدانية الإيمان والعقيدة. إن الكنيسة مقدسة لأن أبناءها المخلصين مقدسون بكلمة الرب وبالصلاة وبالطقوس الليتورجية.  إن الكنيسة تدعى جامعة لأن ما نؤمن به هو التعليم الصحيح المحفوظ في كل الكنائس الأرثوذكسية في كل زمان و مكان. وتدعى بالرسولية لأنها تحفظ التقليد الرسولي وتحفظ السلسلة الرسولية المتعاقبة عبر السيامات الأسقفية. من ابتداء الكنيسة ينقل التعاقب من أسقف إلى أسقف في الشرطونية الأسقفية, والكنيسة ستبقى مكان خلاصنا من الآن وإلى الأزل.

نحن نؤمن أنه بالمعمودية المقدسة تمحى الخطايا والذنوب فالمؤمن الجديد يصير عضواً في الكنيسة.

ويصير بإمكانه لأجل خلاصه أن يمارس الأسرار الكنسية من توبة واعتراف ومناولة جسد الرب ودمه الإلهيين والكهنوت وحتى الزواج.وفي الخدمة الليتورجية للمعمودية يتلقى المعتمد نعمة من الروح الكلي قدسه وفي سر التوبة والاعتراف تمحى ذنوبه وتغفر له خطاياه وفي القداس الإلهي الذي هو تذكير لنا بالعشاء الأخير الرباني يأخذ المؤمن جسد المسيح ودمه المقدسين ذاتهما وفي سر الزواج اتحاد متلازم بين رجل وامرأة وفي سر الكهنوت تتم شرطونية الشمامسة والكهنة والأساقفة لخدمة الكنيسة ورعاياها وفي سر مسحة الزيت المقدس ينال المؤمن شفاء النفس والجسد.

نؤمن بأن الرب له المجد سيأتي بمجد عظيم مصحوباً بملائكته القديسين ليدين العالم يوم القيامة. ووفقاً لما قاله فإن كل شخص يوم ذاك سيقوم من بين الأموات. ستصير معجزة فالأشخاص الذين رقدوا بالجسد ستعود أرواحهم إلى أجسادهم التي كانت لهم أثناء حياتهم الأرضية. وكما كان جسد السيد المسيح بعد قيامته روحانياً ودخل من الأبواب المغلقة هكذا ستكون أجسادنا يوم القيامة. وسيحاكم الرب له المجد كل شخص وفقاً لما فعله أثناء حياته الأرضية فهو إما صالح أو شرير. فالحكم سيصدر للمذنبين بالذهاب إلى العذاب الأبدي وللتائبين بالحياة الأبدية وستبدأ عند ذاك مملكة السيد له المجد التي ستمتد إلى اللانهاية.

مع كلمة آمين نحن نشهد على الحقيقة التي وردت في الدستور ونوافق عليها ونقر بها. ونعترف بكل قلبنا بأن هذه العقيدة صحيحة.

إن قراءة دستور الإيمان من قبل الموعوظين خلال خدمة العماد أو في معمودية الأطفال يقرأ من قبل عرَّابيهم. ودستور الإيمان يقرأ خلال القداس الإلهي وفي كثير من الصلوات اليومية. تقوي قراءتنا للدستور إيماننا وهذا ليس لأن دستور الإيمان بيان رسمي مجمعي بل هو صلاة حقيقية وفاعلة فعندما نقول أؤمن بإله واحد نجد روح الصلاة بين كل كلمات الدستور أيضاً. إن إيماننا بالله يقوى ويزداد بقراءتنا للدستور. لذلك من المهم للمسيحي الأرثوذكسي أن يقرأ الدستور يومياً أو على الأقل بانتظام.

[1]  أريوس هو كاهن من الإسكندرية اعتقد أن الإبن مخلوق من الآب ودحض في المجمع المسكوني الأول بمدافعة قوية من القديسين الموجودين آنذاك وهم القديس أثناسيوس الكبير (وكان شماساً) والقديس اسبيريدون العجائبي والقديس نيقولاوس العجائبي. (المترجم)

[2]  مكدونيوس هو كاهن رفض مصدر الروح القدس.

[3]  يقصد الكاتب صلاة يسوع المعروفة. (المترجم)

[4] ويقول الرسول بطرس في رسالته إن ألف سنة في عيني الرب كيوم أمس الذي عبر فلذلك يمكن القول بأن بعض النظريات العلمية صحيح. من وجهة نظر مسيحية مرتكزة على الكتاب (المترجم)

التقليد والكتاب المُقَدَّس

التقليد والكتاب المُقَدَّس

الأب ميشال عزقول

نقلها إلى العربية بتصرّف الشماس الياس بركات

الكنيسة هي “جسد المسيح” ولذلك فهي عضو مهم. الأرثوذكسية جسدٌ ينمو وهي “امتداد للتجسُّد” كما قال الآباء.

هناك مسيحٌ واحد ولذلك توجَد كنيسةٌ واحدة هو مقدَّس ولذلك هي مقدَّسّة المسيح جامع catholic)) والكنيسة كذلك المسيح رسولي والكنيسة كذلك الكنيسة تُفهَم في ما يتعلق بشخص المسيح.

التقليد كذلك هو “واحد” موجود في كنيسة الله “الواحدة” التقليد مقدس لأن الكنيسة مقدسة التقليد جامع مثل الكنيسة التقليد كامل وغير محدود في المكان والزمان. وهو رسولي أو “مُرسَل” مع الكنيسة التي أساسها المسيح والرسُل. فما هو التقليد؟

أولا يجب تفريقه عن العادة أو العرف. العادة ممارسة أصبحت مألوفة (معتادة) في زمان ومكان مُعَيَّنَين، وأحيانا في كل الكنيسة ـ مثل قرع الأجراس عند ابتداء المجدلة الكبرى، أو تقديم خمسة أرغفة للتقدمة. العادات وُضِعَت لحاجات زمنية وتبقى ما دامت لها حاجة. والعادات تتغير. الأسقف يمكنه إعطاء حلِّ لأي عادة (له السلطان لإلغائها أو تعديلها). فهي ممارسات لنظام معين أو وسائل أو طُرُق عملية. البعض منها مهم كالصوم قبل المناولة. وبعضها جميل ومُبهِج كتقديم العنب في عيد التجلي. والبعض منها خاطئ ويجب عدم ممارسته كالمناولة مرة في السنة.

التقليد في اليونانية paradosis وهو مشتق من paradidomi وتعني أن يُسَلِّم، أن يعهد، أن يودِع. وهو يحتوي كامل مستودَع الإيمان المسيحي. تسلمته الكنيسة من الله الي ائتَمَنَها على رعايته. التقليد يشمل “العقيدة” و “التعليم”.

العقيدة هي حقيقة كشَفها (جاهر بها) مجمع مقبول من كامل الكنيسة. التعليم مُلزِم كالعقيدة ولازِم للخلاص وليس له شكل معين.

إن قلنا أن المسيح إله وإنسان ـ فهذه عقيدة. بينما عدد الأسرار يندرج تحت التعليم.

عادةً ما نخلط بين التقليد والعادة. أو ما بينه وبين ما نكرر عمله. إن قرأنا أو سمعنا شيئاً يتردد نقول عنه ـ تقليد. وإن قرأنا عنه أكثر، نظن أنه إيمان أو اعتقاد منقول شفهياً ونقارنه مع ما هو مكتوب ـ الكتاب المقدس.

كلا الأمرين غير صحيحين.

التقليد شفهي ومكتوب، إن بالكلام أو برسالة: “حافظوا على السُنُن التي أخذتموها عنا، إما مُشافهةً وإما مُكاتبةً”. (2 تس 2: 15).

التقليد تاريخي ويعطي الحقائق. يمكنه أن ينمو هو كذلك: باستمرار، بثبات، إلى أعلى، إلى أعمق، إلى أوسع ولكنه هو دائماً نفسه. فالإنسان ينمو ولكنه لا يزال نفس الإنسان، عند الولادة، في العشرين أو الخمسين من عمره. فِهمُنا للمستودَع الأساسي للإيمان يزداد.

الكلام الشفهي ـ بالفم ـ يدعوه بولغاكوف “ذاكرة الكنيسة”. تماما مثل الذاكرة البشرية التي تخزن الخبرات والأفكار. ذاكرة الكنيسة تشكل سلوك (موقف أو اتجاه) الكنيسة. تتذكر بأن الله تجسد، وأنه علّم قِيَمَ روحية وأخلاقية حقّة، وأن يهوذا خانه، وأنه صُلِب ومات ودُفن وقام وصعد إلى السماء وأن عمل المسيح أكمَلَه الرُسُل ومَن خَلَفَهم. وبأن لها أعداء كآريوس، وأنها قاومت محاربي الأيقونات وأنه حصل فيها انقسام.

كل خبرة جعلت المستودع ينمو، التقليد ـ الشفهي والمكتوب ـ ليس رأياً بشرياً بل حقيقة “مُستَلَمَة” من الرسل الذين المسيح علَّمهم. وهم سلموا، أعطوا، أودعوا تلك الحقائق إلى خلفائهم الذين هم علَّموهم وقد حُفِظَت في قلوب وضمائر المؤمنين. الخزان أو المستودع أو الوديعة الأصلية للتقليد كُتِبَت في عدة كُتُب، بعضها 30 سنة بعد الصعود. هذه الكتب تشكل العهد الجديد. وقد ضُمَّت إلى العهد القديم وسُميت Biblos أي الكتاب the Book وما نعرفه شعبياً بالكتاب المقدس.

المنطق يقول بأن الإنسان لا يكتب كل ما يعرفه وفي ذات الوقت لا يتركه بدون كتابة! (ولذلك نراه يشرح ويزيد إذ يُدعى إلى الندوات ليتحدث عن كتابه وأفكاره التي سكب جزءاً منها في ذلك الكتاب….المترجم) وكذلك الكنيسة.

العهد االجديد يُشكِّل يوميات خبرتها الأولى. كان أول كتاباتها، وكل ما كُتِب لاحقا يعتمد عليه. الكتاب المقدس أهم كُتُبها. العهد القديم ضُمَّ إلى الجديد لأنه موحى به من الله بسبب تنبّوئه عن المسيا. العهد الجديد هو تاريخ حياته وعمله واستمراره وتتمته في الكنيسة الأولية.

يقول خومياكوف: “العهدان اللذان تعتبرهما الكنيسة خاصتها يُدعيان الكتاب المقدس. ولكن لا حدود للكتاب: فكل ما تعتبره الكنيسة من كتاباتها هو مقدس. من هذا المنطلَق فالكتاب المقدس وكتابات الآباء وعقائد المجامع المسكونية والمحلية هي مقدسة بمقدار ما تعبِّر عن إيمان الكنيسة.”

تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بتقليد شفهي الذي، مع الكتاب المقدس يؤلفان الإيمان المسيحي. والإنجيل لا يدّعي أنه وحده مصدر الإيمان. “وهناك أمور أخرى كثيرة أتى بها يسوع، لو كُتِبَت واحداً واحداً، لحسبت أن الدنيا نفسها لا تسع الأسفار التي تُدوَّن فيها.” (يو 21: 25). وهذا ما صرح به مارتن لوثر في القرن 16.

بدون تقليد شفهي يكون الكتاب المقدس رسالة ميتة. فهو غامض وصعب الفهم!

t “فبادَر فيلبس إلى المركَبَة فسمِع الخصي يقرأ النبي أَشَعْيا، فقال له: هل تفهم ما تقرأ؟ قال: كيف لي ذلك إن لم يُرشدني أحد؟” (إع 8: 30 ـ31).[وكم من معارفي ذكروا لي أنهم يجدون صعوبةً في فهم العهد الجديدالمترجم]. وهو يذكر التقليد الشفهي:

t “امتَثِل الأقوال السليمة التي سمعتَها مني، امتثِلها في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع. إحفظ الوديعة الكريمة بالروح القدس الذي يُقيم فينا.” (2 تي 1: 13 ـ 14).

t “واستودِع ما سمعتَه مني بمحضر كثيرٍ من الشهود أُناساً أُمناء جديرين بأن يعلِّموا غيرهم.” (2 تي 2: 2).

t “فاثبتوا إذن أيها الإخوة، وحافِظوا على السُنن التي أخذتموها عنا، إما مشافَهَةً وإما مُكاتَبَةً.” (2 تس 2: 15).

وفي مقاطع عديدة يخبرنا الكتاب المقدس بأن تعاليم المسيح نقلها معلمون مقامون من الله:

t “فدنا يسوع وكلمهم قال: إني أُوليت كل سلطانٍ في السماء والأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…” (مت 28: 18).

t “وقال لهم: اذهبوا في العالم كله وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين.” (مر 16: 15).

t “مَن سمع إليكم سمع إليّ. ومن أعرض عنكم أعرض عنّي، ومن أعرض عنّي أعرض عن الذي أرسلني.” (لو10: 16).

t “فبدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسر لهما في جميع الكتب ما يختصُّ به.” وأيضا “وأنتم شهودٌ على هذه الأمور.” (لو 24: 27 و48).

t “وأنا سأسأل الآب فَيَهَب لكم مؤيداً آخَر يكون معكم للأبد روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يتلقاه لأنه لا يراه ولا يعرفه أما أنتم فتعلمون أنه يُقيم عندكم ويكون فيكم.” (يو 14: 16 ـ 17).

t “قلت لكم هذه الأشياء وأنا مقيمٌ عندكم ولكن المؤيِّد، الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي هو يعلِّمكم جميع الأشياء ويُذكِّركم جميع ما قلته لكم.” (يو14: 25 ـ 26).

t “ومتى جاء المؤيد الذي أُرسِلُه إليكم من لدُنِ الآب روح الحق المنبثق من الآب فهو يشهد لي وأنتم أيضا تشهدون لأنكم معي منذ الَبدء.” (يو 15: 26 ـ 27). t “فمتى جاء هو ، أي روحُ الحقّ، أرشَدَكم إلى الحقّ كلِّه لأنه لن يتكلّم من عندِه بل يتكلَّم بما يسمع ويُخبرُكُم بما سيحدُث.” (يو 16: 13).

لم يكتب يسوع أي شئ ولم يأمر رُسُلَه بالكتابة. بالأحرى سيفسِّر تعاليمَه الرسُل وخُلفاؤهم

t “وكيف يَدعون مَن لم يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمَن لم يسمعوه؟ وكيف يسمعونه من غير مُبَشِّر؟ وكيف يُبّشِّرون إن لم يُرسَلوا؟ وقد ورد في الكتاب: ما أحسن أقدام الذين يبشِّرون. ولكنهم لم يُذعِنوا كلّهم للبشارة، فقد قال أشَعيا: ياربّ، مَن آمَن بما سَمِعَ منّا؟ فالإيمان إذاً مِن السِماع، والسِماع يكون سَماعَ كلامٍِ على المسيح. على أني أقول: أتُراهم لم يسمعوا؟ بلى، لقد ذهبَ صوتُهم في الأرضِ كلِّها وأقوالهم في أقاصي المعمور.” (رو 10: 14 ـ 18) لقد عَرَّفوا عن أنفسهم كسفراءَ لله.

t “به نلنا النعمة بأن نكون رسولاً، فنهدي إلى طاعة الإيمان جميعَ الأمم الوثنية، إكراماً لاسمه.” (رو 1: 5).

t “لأني ما كنت لأجرؤ أن أذكر شيئاً، لو لم يُجرِهِ المسيح عن يدي لهداية الوثنيين إلى الطاعة بالقول والعمل.” (رو 15: 18).

t “فمَنِ الذي عرف فكر الرب ليعلِّمه؟ وأما نحن فلنا فكرالمسيح.” (1 كو 2: 16).

t “نحن عاملون معاً في عَمَلِ الله، وأنتم حقلُ الله وبنيان الله.” (1 كو 3: 9).

t “أما نحن فإننا من الله. فمَن عَرَفَ الله أصغى إلينا ومَن لم يكن من الله لم يُصغِ إلينا. بذلك نعرِف روحَ الحقِّ من روح الضلال.” (1 يو 4: 6).

من هذا نرى بأن حقائق الكنيسة ليست حكرا على الكتاب المقدَّس. فهو نِتاج الكنيسة وليس العكس.

فتقليد الكنيسة شفهي وكتابةً. فالمكتوب هو الكتاب المقدّس المعصوم عن الخَطأ كما كتابات الكنيسة الأخرى. العهد الجديد يتضمّن تعاليم أُعطيَت لشعب الله بواسطة كُتَاب مُلهَمين؛ العهد القديم يتضمّن تعاليم لأناس كانوا في وقتٍ ما شعب الله. العهد القديم معصوم كذلك عن الخطأ والعهد الجديد يكمِّلُه. لا نفهم العهد الجديد إلا على ضوء القديم. المسيح أُنبئ به في العهد القديم ونبؤآته تمَّت في شخص المسيح.

العهد الجديد يعتمد على التقليد الشفهي في كتابة حقائقه، إن كانوا شهودَ عيان كالقديس يوحنا أو بمَن سمِعوا عن الأحداث كالقديس لوقا. أما بالنسبة لسائر كتابات العهد الجديد فالتقليد كان ثمرة خبرة الذين كتبوها بما خصَّ الله والإنسان. الكتاب المقدس لا يُفهَم بدون التقليد الشفهي كما تبرهن الطوائف البروتستانتية بعدم وحدتها وانقساماتها المتوالية.

تقليد الكنيسة الشفهي والمكتوب هو مُلهَم من الروح القدس (كامل عقيدة الكنيسة وتعاليمها موحاة بالروح القدس). الكتاب المقدس نفسُه هو موحى به بالروح القدس لمنفعة شعب الله. الكتاب المقدس معصوم لأن الكنيسة تتبناه وتقبلُه ولأن أعضاءها كَتَبوه. فقد كَتَبَته الكنيسة وكُتِبَ من أجلها حيثما يحلُّ الروح القدس. الكتاب المقدّس يبرهن بأن ما تقوله الكنيسة هو ذاتُه منذ البَدءِ حتى الآن، وتبرهن بأن التقليد الشفهي ينمو باتِّجاهٍ واحد ولا يناقض نفسَه أبداً. الكنيسة تستلهم الكتاب المقدّس كوثيقة معاصِرَة لحقائق تاريخية.

فالتقليد إذاً، ليس شيئاً تكراراً، لكنه ينمو ونموّه محفوظ في كتاباتٍ مُثبَتَة بكلام شَفَهي. النمو يحدث في الكنيسة وخلال تاريخها. فهو يتراكم ويُكنَز بطريقة عضوية. فلا تقبل الكنيسة شيئاً من خارج ولا تطرح شيئاً إلى خارج. الكتاب المقدّس الذي هو جزء من التقليد، هو تجميعٌ للوثائق التي تشهد على إيمان الكنيسة. الكتاب المقدّس هو للكنيسة وليست الكنيسة للكتاب المقدّس وهو لا يناقض التقليد الشفوي لأنه أُعطيَ وسُلِّمَ للكنيسة من يسوع والرُسُل. لذلك فالتقليدان الشفهي والكتابي سيظلاّن ينموان حتى مجئ الرب الثاني.

شجرة المعرفة وشجرة الحياة

شجرة المعرفة وشجرة الحياة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

تقول إحدى طروبريات عيد الميلاد أن المسيح، بتجسده، هو شجرة الحياة. طروبارية تقدمة الميلاد مميزة، فهي تقول: “استعدي يا بيت لحم، فقد فُتحَت عدن للجميع، تهيئي يا أفراثا، لأن عود الحياة قد ظهر في المغارة من البتول. لأن بطنه قد ظهر فردوساً عقلياً فيه الغرس الإلهي، الذي إذ نأكل منه نحيا ولا نموت، المسيح يولَد منهضاً الصورة لتي سقطت منذ القديم”.

في هذه الطروبارية، آدم الجديد الذي هو المسيح يقابل آدم القديم. آدم الأول أكل من الشجرة، فقد الفردوس وبهذا سبّب المرض لكل الجنس البشري مع دخول الفساد والموت، بينما آدم الجديد، الذي هو المسيح شجرة الحياة، فيعطي الحياة لكل الذين سوف تّحدون به. الفردوس الجديد هو رحم والدة الإله، وبالطبع الكنيسة، وشجرة الحياة هو المسيح نفسه. يمكن للمتحدرين من آدم أن يأكلوا من هذه الشجرة ويتمتعوا بالحياة الحقيقية.

في ما يلي سوف أعرض ما كانت عليه شجرة الحياة هذه في الملكوت وكيف صار المسيح بتجسده شجرة الحياة بالنسبة للبشر.

أ) الشجرتان في الفردوس الأصلي

يحفظ العهد القديم بعض الإشارات عن حياة آدم وحواء المباركة في الفردوس. بحسب تعليم الآباء القديسين، الفردوس كان حسياً وعقلياً. كان عقلياً لأنه كان شركة الإنسان مع الله، لأن نوس آدم كان في حالة من الاستنارة بعد الخلق، وبقوة الله وتكافله كان قادراً على بلوغ التألّه. والفردوس كان حسياً أيضاً لأنه كان مكاناً محدداً.

كان في الفردوس أشجار كثيرة، لكن إثنتين منها كانتا مختلفتين. الأولى كانت شجرة المعرفة التي أُمِر آدم بألاّ يأكل منها. “وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ»” (تكوين 16:2-17). الشجرة الأخرى كانت شجرة الحياة. يقول العهد القديم، أنه بعد أن عصى الإنسان وأكل من شجرة معرفة الخير والشر، طرده الله من الفردوس.” فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.” (تكوين 24:3). إن سبب طرد الله للإنسان بعد عصيانه كان أنه بعد سقوطه لم يكن مسموحاً له أن يأكل من شجرة الحياة: “وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ.” (تكوين 22:3).

إذاً يظهر أنه كان في الفردوس شجرتان ذات معنى وهدف استثنائيين، شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الحياة. من واحدة أكل الإنسان ومات ومن الأخرى كان الإنسان ممنوعاً أن يأكل حتى لا يبقى في حالة السقوط والشر إلى الأبد. وهكذا نرى هنا محبة الله للجنس البشري. فهو يطرد الإنسان من الفردوس حتى لا يبقى عرضةً للموت إلى الأبد، بل ليتوب وفي الوقت المناسب، بتجسّد ابن الله، يتذوّق شجرة الحياة ويتخطّى الموت ويدخل مجدداً إلى الفردوس. إذاً طرد الإنسان من الملكوت لم يكن عقاباً من الله، بل عمل محبة وإحسان.

ب) التفسير الآبائي للشجرتين

إن الآباء القديسين، في تفسيرهم للكتاب المقدس في إطار حياة الكنيسة وخبرتهم الشخصية، سلّموا إلينا تحاليل تفاسير ممتازة عن هاتين الشجرتين.

علينا أن نشير أولاً إلى تفسير القديس غريغوريوس اللاهوتي لمعرفة الخير والشر. في إحدى عظاته يقول أن هذه الشجرة لم تكن مغروسة في الشر ولا محرَّمَة بسبب الغيرة. هذا يعني أن كلّ ما خلقه الله لم يكن شريراً بل كان حسناً جداً. لم يُمنَع الإنسان من الأكل من هذه الشجرة بسبب الحسد خشية أن يبلغ التأله. إلى هذا، هذه الشجرة كانت رؤية الله. “لأن النبتة كانت رؤية النور”. كان الإنسان ليأكل في الوقت المناسب، لأنه كان بحاجة لأن يتدرّب روحياً، وهذا ما يشكّل تألهه. لقد منعه الله من أن يأكل منها لأنه لم كان ما زال غير كامل ولم يكن بعد مهيئاً كما بشكل ملائم، كما أن الطعام الكامل الجامد يسبب الأذى للذين ما زالوا في حاجة للحليب. الأمر السيء كان أن آدم أكل من شجرة المعرفة “في الوقت الخطأ، بشكل غير ملائم”. وبما أنه أضاع العلامة وخسر النعمة الإلهية، كان ضرورياً ألاّ يأكل من شجرة الحياة أيضاً، حتى لا يثبت بشكل دائم في السقوط والموت. إن طعم شجرة الحياة كان “عظيماً وباهراً”، ولهذا السبب أمر الرب بأن تُحرَس، ليس من الملائكة ولا رؤساء الملائكة ولا الرئاسات والسلطات ولا القوى بل من الشاروبيم من الصف الأول من الملائكة.

يتبع القديس يوحنا الدمشقي التقليد نفسه، آخذاً بعين الاعتبار تفسير القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي يراه بمثابة أبيه الروحي. يكتب الدمشقي أن شجرة المعرفة هي امتحان واختبار ومدرسة لامتحان الإنسان في الطاعة والعصيان. سُمّيت هذه الشجرة شجرة معرفة الخير والشر لأنها تمنح كلّ مَن يأكل منها القوة على معرفة طبيعتها، الأمر الجيّد للكامل والمؤذي لغير الكامل وللذين لا يملكون السيطرة على إحساسهم. أما الشجرة الحياة فسُمّيت هكذا لأن عندها طاقة تقدّم الحياة إمّا لمستحقي الحياة أو لغير المستَعبَدين للموت.

إن هذا التفسير من عند القديس يوحنا الدمشقي يظهِر أن على الإنسان أن يُمتَحَن قبل أن يأكل من شجرة المعرفة ومن ثمّ يأكل من شجرة الحياة ويحيا أبدياً مع الله. من دون الممارسة والتهيئة يستحيل على أي كان أن يبلغ التألّه والشركة مع الله.

ج) المسيح الإله الإنسان، شجرة الحياة

لم يكن فشل الإنسان في سلوك درب التألّه التي شقّها الله له كارثياً بالنسبة له، أي أنه لم يتحوّل إلى الهلاك الأبدي بشكل نهائي. ما أُخفق في امتحان جنة عدن، حققه المسيح بتجسده. من ناحية ثانية، مرّ الإنسان بتجارب هالة، ألم عميق وحزن عظيم. لقد اختبر معنى الموت، وما يعنيه الإبعاد عن الله. يكتشف مَن يقرأ كتابات القديس سلوان الأثوسي معنى أسى آدم. لا يستطيع أن يفهم ويختبر أسى آدم إلا مَن أُعطيت له رؤيا الله العظيمة ومن ثم فقدها. وعند هذه النقطة نرى قَدْر القديس سلوان. أنا أزداد قناعة أن لهذا القديس لاهوت مهم ومذهل. كلّ مَن يقرأ كتاباته يحسّ بما تكتنز من القوة العظيمة والحكمة الغنية. لقد كان لاهوتياً بحق لأنه اختبر سقوط آدم وأساه، لكنه اختبر أيضاً الوحدة مع آدم الجديد، أي المسيح.

لقد فتح المسيح بنفسه أبواب الفردوس من خلال تجسده. إنه لا يترك الإنسان يدخل ببساطة، بل إن شجرة الحياة، أي المسيح نفسه، تمضي وتتحرّك نحوه. الآن بطن والدة الإله، من حيث اتخذت الطبيعة الإلهية الطبيعة البشرية وقدّستها منذ اللحظة الأولى، هو الفردوس. والكنيسة جسد المسيح المبارَك هي الفردوس العقلي والحسي. كل الذين يعيشون في الكنيسة وهم فعلياً وبشكل فعّال أعضاء جسد المسيح يمكن لهم أن يتذوّقوا شجرة الحياة، وأن يتخطوا الموت ويبلغوا إلى بعد آخر من الوجود. إذ بمعزل عن المسيح يسيطر ظل الموت ومملكته.

م اتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في أقنوم الكلمة، تصبح الرحلة نحو التألّه أكثر رسوخاً. إذاً الخلاص الآن ليس مسألة طاعة لوصية الله، بل هو شركة الإنسان مع المسيح الإله-الإنسان. لذلك في الكنيسة علينا أن نحيا ليس فقط عاطفياً، ولا أن نهدف ببساطة إلى إرضاء أحاسيسنا الشخصية والإنسانية، بل علينا أن نحيا وجودياً متّحدين مع المسيح. ينبغي أن تكون رحلتنا رحلة غلبة الموت. وبالطبع هذا ينجح فقط من خلال تذوّق شجرة الحياة التي هي المسيح الإله-الإنسان.

وهكذا إن تجسّد المسيح أوسع من أي افتداء شرعي أو أي تعبير عن محبة خارجية أو عاطفية. إنه تصحيح لمسيرة السقوط، تمتّع بحياة ما قبل السقوط، واستمرار أكثر أماناً للرحلة نحو التألّه. إنه استمرار لقول المسيح: “لقد أتيت لتكون لهم حياة وتكون حياة أفضل”؟؟؟ (يوحنا 10:10). هذه “الأفضل” هي تألّه الإنسان.

 

د) شجرة الحياة في سفر الرؤيا

يتحدث سفر رؤيا يوحنا عن شجرة الحياة. يقول المسيح، مشيراً إلى ملاك أفسس: “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ.” (رؤيا 7:2). القديس أندراوس، اسقف قيصيرية، في تفسيره هذه الآية، يقول أن عبارة “شجرة الحياة” هي إشارة تلميحية إلى الحياة الأبدية التي هي المسيح نفسه: “إنّه الإله الحقيقي والحياة الأبدية”. إن الأكل من شجرة الحياة ليس أكثر من “المشاركة بأمور الدهر الآتي الحسنة”. سوف يعطي الله بركة للأكل من شجرة الحياة للذي يكسب “الحرب ضد الشياطين”. وهذا هو النصر على الأهواء التي بها يهاجم الشريرُ الإنسان.

تظهر بعض الحقائق من هذا التفسير.

أولاً، إن شجرة الحياة تتماهى مع الحياة الأبدية والمسيح الذي هو الحياة الحقيقية وشجرة الحياة التي تغذّي كل إنسان.

الحقيقة الثانية هي أن هذه هي عطية كبيرة مُعطاة منذ الآن للإنسان الذي يحيا في الكنيسة التي هي فردوس النعمة الإلهية الجديد، لكنها في ما بعد سوف تُعطى كزواج للغالبين. إن ملكوت الله والحياة الأبدية قد بدآ. ليست المسألة مسألة حقيقة في الدهر الآتي. فالأبرار يتذوقونها بالفعل. إنها تظهر من الهالات على رؤوس القديسين لأن القديسين رأوا النور غير المخلوق الذي هو الحياة الأبدية وملكوت السماوات، وهم الآن يعيشونه كخطوبة وفيما آنذاك سوف يكون كمثل زواج.

الحقيقة الثالثة هي أن ملكوت السماوات والاشتراك في شجرة الحياة تُعطى مَن يغلب الشيطان. بالطبع، هذا النصر ليس نصر الإنسان بل هو نصر المسيح من خلال الإنسان. لقد انغلب الشيطان والموت والخطيئة بتجسّد المسيح، وهكذا أيضاً قد أعطيت إمكانية الغلبة لكل إنسان يتّحِد بالمسيح الغالب.

في أي حال، تظهر أيضاً في كتاب الرؤيا حقيقة أن هدف حياة الإنسان الروحية هي الأكل من شجرة الحياة. هذا يمكن تحقيقه من خلال الاشتراك بجسد المسيح ودمه وسوف ينجّز بشكل أكثر كمالاً في ملكوت السماوات بعد المجيء الثاني.

ه) الأكل من شجرة المعرفة

في إشارته إلى أكل آدم من شجرة المعرفة، يقدّم القديس نيقوديموس الآثوسي مقارنات بديعة تظهِر أن نفس الأخطاء التي ارتكبها آدم ممكن ارتكابها اليوم وبأن المسيحيين المعمَّدين في زمننا هذا مؤهَّلون أيضاً على تذوق شجرة المعرفة.

سقوط آدم يكون عندما يصبح نوس الإنسان مشدوداً نحو اللذات الحسّية ويترك ذكر الله. بشكل جوهري هذه هي خطيئة آدم عينها وحالة سقوط آدم عينها. فسقوطه يكمن بشكل أساسي في أن نوسه أظلم ووقع أسير اللذة لأنه لم يتبع وصية الله. أسر النوس هو إساءة خطيرة. إنه جوهر كل خطيئة يرتكبها الإنسان.

لا يقدر أحد على أن يدافع عن استحالة الخضوع لقوة الشيطان. لأنه إذا كان آدم غير كامل مع أن الله هو مَن أوجده وزيّنه بمواهب كثيرة، فلا يستطيع أحد أن يتباهى بأنه كامل لأنه يلبس الفساد والموت. وإذا كان آدم، الذي لم يكن يعرف الخطيئة، قد نظر باشتهاء وأكل تلك الثمرة السارّة، “فكيف أستطيع أنا الشهواني أن أقول بأني أستعمل أشياء العالم المسِرّة بدون هوى وبالتالي أنا لا اسقط؟”

إذا، إن شجرة الحياة وشجرة المعرفة موضوعتان أمامنا في كل يوم. الأولى مُعطاة بوجود الكنيسة التي هي الفردوس الجديد بما تقدمه من الشركة المقدسة وإمكانية بلوغنا التأله بالنعمة. لكننا نُواجَه بشجرة معرفة الشر والخير قبل شجرة الحياة. كل يوم تُمتَحَن حريتنا في ما إذا كنا سوف نتبع ناموس المسيح أو سوف نرفض وصيته، إذا كنا سوف نترك نوسنا يؤسَر بالنعمة الإلهية أو سوف نيقى عبيداً للطبيعة اللطيفة للحواس وأمور المخيّلة.

 

و) شجرة عيد الميلاد

 

أظنّ أن عادة تزيين شجرة في عيد الميلاد ليس مجرد عادة أتت من الغرب وعلينا أن نستبدلها بعادات أكثر أرثوذكسية. أنا لم أغص في تاريخ شجرة عيد الميلاد ومكان نشوئها، لكني أظن أنها مرتبطة بعيد الميلاد ومعناه الحقيقي.

أولاً، إنها غير منفصلة عن نبوءة إشعياء ” وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ” (إشعياء 1:11) لد كانت هذه النبوءة في فكر القديس قوزما المنشئ عندما كتب عن المسيح بأنه الزهرة التي خرجت من البتول التي من نسل يسى. الجذر هو يسّى والد داود، العصا هي النبي داود، الزهرة التي أتت من الجذر والعصا هي والدة الإله. والثمرة التي أتت من زهرة السيّدة هي المسيح. هذا ما يقدمه الكتاب المقدس بشكل رائع. وهكذا فإن شجرة عيد الميلاد يمكن أن تذكرنا بشجرة نسب المسيح كإنسان، محبة الله، وأيضاً التطهرات المتتابعة لآباء المسيح. وعلى الرأس النجمة التي هي المسيح الإله-الإنسان.

وهكذا، شجرة عيد الميلاد تذكرنا بشجرة المعرفة كما بشجرة الحياة، والأخيرة بشكل خاص. إنها تؤكد حقيقة أن المسيح هو شجرة الحياة وأننا لا نستطيع أن نحقق هدف وجودنا إلا إذا تذوقنا هذه الشجرة “الصانعة الحياة”. لا يمكن فهم عيد الميلاد من دون الشركة الإلهية. وبالطبع في ما يتعلّق بالمناولة المقدسة، لا يمكن أن تشترك في تألّه المسيح إلاّ إذا كنا قد تغلبنا على الشرير عندما وجدنا أنفسنا مواجَهين بالإغواءات المتعلّقة بشجرة معرفة الخير والشر حيث تُمتَحَن حريتنا.

نحن نفرح ونحتفل أمن “عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول”.

 

استقلال التجسّد الإلهي عن سقوط الإنسان

استقلال التجسّد الإلهي عن سقوط الإنسان

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

تعريب الأب أنطوان ملكي

يُدخل سر تجسّد ابن الله وكلمته إلى تألّه الإنسان. يشدّد آباء الكنيسة القديسون على أن الله صار إنساناً لكي يجعل الإنسان إلهاً. لا يبلغ أي إنسان إلى التألّه إلا عِبر ابن الله وكلمته المتجسّد. يناقش اللاهوتيون المعاصرون ما إذا كان التجسّد قد استلزم سقطة آدم أو إذا كان التجسّد مستقلاً عن سقوط الإنسان. وتقوم هذه المناقشة لأنّ هناك نصوصاً لآباء الكنيسة حول هذه السقطة.

أ)  الموقف العام لآباء الكنيسة

تنبغي الإشارة منذ البداية إلى أنّ الآباء القديسين لا يواجهون هذا السؤال على منوال سكولاستيكي بطريقة افتراضية. فهم لم يفكروا في ما إذا كان المسيح ليتجسّد أو لا لو لم يسقط آدم. هذه الأسئلة تشير إلى استعمال مفرط للعقل في مجهود لفهم أسرار الله، وهذا سكولاستيكية نموذجية وليس لاهوتاً أرثوذكسياً. يهتمّ لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية بالأحداث التي جرت ويتعاطى مع مسألة شفاء الطبيعة البشرية والناس جميعاً. ينظر هذا اللاهوت إلى الطبيعة البشرية الساقطة وكيفية شفائها للبلوغ إلى التألّه الذي صار من خلال تجسد الله.

في التعليم الآبائي أن في التجسّد اتّحد ابن الله وكلمته أقنومياً بالطبيعة البشرية وهكذا تألّهت هذه الطبيعة وصار الدواء الحقيقي والوحيد لخلاص الإنسان وتألّهه. من خلال المعمودية المقدسة يستطيع الإنسان أن يصير عضواً لجسد المسيح ومن خلال المناولة المقدسة يستطيع أن يشترك في الجسد المؤلّه للمسيح، الجسد الذي أخذه من والدته السيدة. لو لم تتم هذه الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية، لما كان التألّه ممكناً. لهذا السبب كان التجسّد الغاية الأخيرة لخلق الإنسان. إن آلام المسيح وصليبه هي الأمور التي أضافها سقوط آدم. يقول القديس مكسيموس أن التجسّد كان لخلاص الطبيعة، والآلام كانت بهدف تحرير أولئك الذين بالخطيئة امتلكهم الموت.

يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه كان ينبغي أن يتجسّد ابن الله لسببين أساسيين. أولاً، ليغيّر الفاسد إلى عدم الفساد والمائت إلى عدم الموت، وهو ما لم يحدث بالتوبة البسيطة إنما باتّخاذ الله الجسد البشري المائت والسريع التأثر. ثانياً، لكي يتجدد الإنسان بالمسيح لأن الابن وكلمة الله هو المثال الأول للإنسان.

هذا الموقف اللاهوتي للقديس أثناسيوس لا يعارض موقف آباء الكنيسة الآخرين الذين سوف نراه بعد قليل والذين يتكلّمون عن أن التجسّد الإلهي لا يفترض السقوط كشرط مطلق. وهذا لسببين أساسيين.

أولاً لأن في التحليلات التي يقدمها، ينظر القديس أثناسيوس إلى الإنسان الساقط بشكل خاص فيتحدث عن سقوط الإنسان وإعادة تجديده. يرتكز لاهوت القديس على الحقيقة القائمة. وهو يهتم بشكل جدي بتجديد وإصلاح هذا الإنسان الذي لبس الموات وإمكانية التجربة.

ثانياً، لأنه يتحدث عن سر التجسد الإلهي وتدبير الله كما نعرفه اليوم. فعندما يتكلّم عن التجسد والتألّه هو يعني تجسد المسيح وآلامه وصليبه وقيامته. يرى القديس أثناسيوس هذا كافياً ولا يتابع إلى تحاليل أخرى.

إذاً، تختلف افتراضات القديس أثناسيوس الكبير عن افتراضات غيره من الآباء القديسين الذين سوف نتوقف عندهم في الجزء التالي. إنهم لا يتكلمون عن الأمور نفسها. ينبغي أن نكون قادرين على ولوج نوس الآباء وتعليمهم كي لا نكون مخطئين.

ب) موقف القديس نيقوديموس الأثوسي

في تحليله للتعليم الآبائي حول النقطة ذاتها، يصل القديس نيقوديموس إلى خلاصة أن تجسد ابن الله وكلمته لم يكن نتيجة سقوط الإنسان بل كان الهدف الأول من خلقه، لأن بهذا يمكن الوصول إلى التألّه. هذا يبدو صحيحاً عندما نفكر بأن سقوط آدم لم يكن لـِ”يلزم” الله أن يصبح إنساناً ولم يكن المسيح ليأخذ الطبيعة البشرية إلى الأبد. هذا ما يتركنا نستنتج بأن السقوط تمّ لكي يتجسّد الله وبأنّه في النهاية لم يكن سيئاً بل كان بركة.

يطوّر القديس نيقوديموس الأثوسي هذه النقطة اللاهوتية في دراسة ممتازة عنوانها: “دفاع عن النص الذائع الصيت حول سيدتنا والدة الإله في كتاب الحرب اللامنظورة” الذي يشكّل مثالاً للمقالة اللاهوتية. لقد كان القديس نيقوديموس الأثوسي لاهوتياً عظيماً في الكنيسة لأنه استوعب التعليم الآبائي بشكل عميق وعبّر عنه بشكل مؤثّر ومثمر.

لقد حدّد الحافز لكتابة دفاعه عبارة من كتاب “الحرب غير المنظورة” الذي كان منتشراً في ذلك الحين فكتب: “إنّ كل العالم المنظور وغير المنظور تكوّن لهذا الهدف، لوالدة الإله، ووالدة الإله كانت من أجل سيدنا يسوع المسيح”.

لقد أثارت هذه المقالة بعض لاهوتيي ذالك الزمان الذين عبّروا عن شكوك حولها. لهذا كتب القديس نيقوديموس في بداية دفاعه: “بما أن بعض المعلّقين المهتمّين باللاهوت المقدّس والذين قد قرؤوا ما كتبت عن السيدة والدة الإله… محتارون… أنا أعتذر هنا لتقصيري عن حل مشكلتهم”. إنه لأمر مثير للإعجاب أن يبدأ القدّيس دفاعه بتواضع كبير من دون أن يفتري أو أن ينتقد لاهوتيي زمانه الذين كانوا ينتقدونه. فهو يتقدم إلى شرحه من دون هوى إنما بهدوء ورزانة. بالواقع، إن المواضيع اللاهوتية تستلزم حواراً جدياً، وإلا فالروح القدس لا يعمل.

بعد تقديم حججه اللاهوتية، التي سوف نعرضها في ما يلي، يستنتج: “أرى أن هذه الكلمات القليلة تكفي للاعتذار من الحكّام المشكورين والقرّاء لما كتبت عن والدة الإله، وأنا أسألهم ألاّ يفرِطوا بلومي، لأني لا أكتب ما كتبت من رأيي ولا من عقيدتي، بل اتّبعت عقائد اللاهوتيين الذين تكلّموا قبلي. وإذا كان البعض يوبخني محرّكاً بالانفعال فليوبّخ بالأحرى

مكسيموس المتوشح بالله، غريغوريوس التسالونيكي وإندراوس العظيم وغيرهم من الذين استعرت منهم هذه العقيدة”.

إنّ هذا النص مذهل ويظهر طريقة القدّيس في مواجهة الحالات المماثلة. في البداية يتكلّم القديس نيقوديموس بتهذيب. فهو يصف قرّاءه بالمشكورين ويسألهم بألاّ يلوموه بإفراط. إنه يأمل بألاّ يكون متّهموه محرّكين بالهوى. مع أنّه يعرف أنهم مشبَعين من الأهواء، فإنّه لا يتوجّه إليهم باتهامات سطحية. من ثمّ يشدّد على أنّه لا يعبّر عن نظرته هو لكنه يروي تعليم آباء الكنيسة القدّيسين الذين منهم استعار هذه العبارة.

في ما يلي سوف نعالج بتحليل أكثر نظرة القديس نيقوديموس الأثوسي اللاهوتية التي بحسبها “كل العالم المنظور وغير المنظور تكوّن لهذا الهدف، لوالدة الإله، ووالدة الإله كانت من أجل سيدنا يسوع المسيح”، أي أن تجسّد المسيح كان الهدف الأصلي للخليقة وغايتها. هذا يعني أنه هكذا تمّ اتحاد الإنسان بالله، وبالتالي التجسّد كان مستقلاً عن سقطة آدم.

ج) التدبير الإلهي هو إرادة الله السابقة

لكي يدعم نظرته، يأخذ القديس نيقوديموس مقاطع من الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة القديسين. فمن الكتاب المقدّس يأخذ بشكل أساسي ثلاث مقاطع، الأول من الأمثال حيث يقول: “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أمثال 22:8). الثاني هو من رسالة بولس إلى الكولوسيين، حيث يسمّى المسيح بكر كل خليقة: “الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة” (كولوسي 15:1). وبطريقة مماثلة يورِد المقطع من رسالة بولس إلى الروميين: “لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين” (روما 29:8).

في تفسيره لهذه المقاطع على أساس تعليم الآباء القديسين، يقول أنها لا تشير إلى الألوهة، لأنّ الكلمة لم يُخلَق من الله، ولا هو أول المخلوقات كما قال أريوس، لكن هذه المقاطع تشير إلى بشرية المسيح التي “هي بداية كل قضاء تنبأ به الله قبل أي شيء آخر، إنها أولى ما قام به”. هكذا، سر تدبير الإبن المتجسّد وكلمة الله يبدأ من كل طرق الله، إنّه بكر كل خليقة “وقد تمّ تحديده قبل تعيين كل المخلَّصين”.

عند القديس مكسيموس المعترف مقطع مميّز يدعم نظرته. سوف أستشهد هنا بجزء كبير منه لأن معناه مهم وله وزنه. “إنّه سرّ التجسّد لعظيم وعميق. إنه الأمر المبارَك الذي لأجله كل الأشياء توطدت أهدافها”. إن تجسّد المسيح هو سر عظيم وعميق لأجله أوجد الثالوث القدوس العالم كله. ويتابع القديس مكسيموس: “إنه الغاية التي تصوَّرها الإله سلفاً لأول الخليقة محدداً ما نسميه الهدف الذي لأجله كل شيء كان من دون أن يكون هو لأي شيء”. إن هذه العبارة مذهلة لأنها تظهر أن سر التجسد هو الغاية الإلهية التي كانت من بدء خليقة الكائنات وكل شيء كان لهذا الهدف وليس لأي هدف آخر. هذا يعني أن قرار التجسّد سبق. بالتأكيد، يجب فهم هذا الأمر بمعنى أن الوقت ليس موجوداً في الله. ويتابع القديس مكسيموس بشكل معبّر: “أوجد الله جواهر الكائنات بهذا الهدف. إنه بشكل رئيسي غاية العناية الإلهية والأمور التي يقدمها، ونحو هذه الغاية تكون في الله خلاصة كل الأمور التي صنعها”. خلق الله العالم لهذا الهدف، فغاية العناية الإلهية وإعادة كل الخليقة هي التجسد.

هذا المقطع مفاجئ ومميّز جداً ولا يستطيع أحد أن يفسّره بطريقة أخرى. إذاً، إذا كان هذا المقطع من تعليم القديس مكسيموس صحيحاً، فسوف يثبّت أن تألّه الإنسان تمّ بالفعل عِبر الاتحاد الأقنومي بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص كلمة الله. وهكذا، فالسيّدة والدة الإله التي منها أتّخذ المسيح جسداً، كانت حصيلة خلق كل العالم، المنظور وغير المنظور. الإنسان هو خلاصة كل الخليقة.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس بالإشارة إلى إثبات الآب عند معمودية المسيح في نهر الأردن: “هذا هو ابني الحبيب”، أنّ هذا الصوت يظهر أنّ كل ما كان في العهد القديم، الناموس والوعود والتبنّي، كان غير كامل “ولا مختاراً أو مكمّلاً بحسب رأي الله المسبَق، بل كان يتطلّع نحو الغاية الحاضرة ومكمّلاً نحو الحاضر، وهذه الأمور أتِمَّت”. من ثمّ يقول أنه ليس فقط أحداث العهد القديم بل أيضاً بداية العالم والإنسان كانت موجّهة نحو المسيح. وفما هو يتابع، يشدّد أن خلق الإنسان أيضاً كان لهذا الهدف. خُلق الإنسان على صورة الله “لكي يكون قادراً يوماً ما على احتواء النموذج الأصلي”. هنا يميّز القديس غريغوريوس بالاماس بشكل حكيم بين إرادة الله السابقة، التي هي رغبته الصالحة، وإرادته الصالحة النهائية أي تجسّد كلمة الله من جهة، وإرادة الله بالتدبير أي ناموس العهد القديم من جهة أخرى. إن تجسّد إبن الله وكلمته هو الرغبة الإلهية السابقة وبالتالي هو مستقلّ عن سقوط الإنسان.

يستنتج القديس نيقوديموس الأثوسي في إشارته إلى هذه المقاطع: “أتسمع أن الله خلق الإنسان على صورته لكي يكون قادراً على احتواء النموذج الأصلي للتجسّد؟  ولهذا صنع الله الإنسان وحدة من العالم العقلي والحسي، وموجَزاً وخلاصةً لكل المخلوقات حتى باتحاده معه يتحد بكل المخلوقات، كما يقول القديس بولس، والخالق والخليقة يصبحان واحداً بالأقنوم بحسب مكسيموس المتوشّح الإله”.

إن حقيقة كون التدبير الإلهي، سر تجسّد ابن الله وكلمته، هو إرادةَ الله السابقة، تظهر من أن الملائكة استفادوا من التجسد أيضاً. نحن نعرف جيداً أن الإنسان أخطأ وليس الملائكة الذين يمجدون الله بلا انقطاع. كون الملائكة استفادوا من التجسد يعني أن هذا الخير كان في فكر الله وهو إرادته الكاملة وليس تدبيراً. بحسب القديس نيكيتا ستيثاتوس، الملائكة كانوا بلا ميل نحو الشر، ولكن بعد التجسد، وخاصةً بعد قيامة المسيح، صاروا ثابتين ضد الشر “ليس بالطبيعة بل بالنعمة”. لقد بلغوا الثبات، بحسب القديس يوحنا الدمشقي، وحصلوا على الصمود بحسب القديس غريغوريوس بالاماس. وهكذا أيضاً كان الإنسان سوف يحصل على التألّه بالنعمة من خلال تجسد المسيح حتى ولو لم يكن السقوط.

بالطبع علينا أن نكرر أن الآباء لم يقاربوا هذا الموضوع افتراضياً كون هذه المقاربة هي طريقة التفكير السكولاستيكية، لكننا استعملنا هذه العبارة الافتراضية لكي نقدّم تشديداً خاصاً على الحقيقة الإيجابية التي مفادها أن من خلال المسيح أتى تألّه الإنسان. من خلال تجسد المسيح صار الملائكة، بالإضافة إلى كونهم غير متغيرين، صاروا أيضاً أكثر تقبّلاً للإستنارة.

يستعمل القديس نيقوديموس حججاً أخرى لكي يظهر أن التجسد هو الإرادة الأصلية، كما يسمّيها النبي إشعياء، كونها قديمة والأولى بين تصاميمه. في الله جوهر، أقنوم وقوى. القوى، أو الفعل الذي به يشترك الله مع الخلائق، خارجية. الأقنوم هو أكثر داخلية والجوهر هو الأعمق في الداخل. “بهذه الثلاثة اتّخذ الله إلى الأبد هذه الروابط الثلاث العامة”. يشترك الآب بالجوهر إلى الأبد مع الابن والروح، بولادة الابن وبثق الروح. “الابن اتّخذ علاقة أقنومية من الشركة مع البشرية، من خلال هذه العلاقة عرف مقدّماً وأدرك مسبقاً الوحدة الفعلية التي بعد هذه العلاقة في الزمن”. وعلى المنوال نفسه، “اتّخذ الله علاقة أبدية… ليشترك بالقوى مع الخلائق الباقية، ومن خلال هذه العلاقة هو عرف مقدّماً وأدرك مسبقاً مصير كل الخلائق العقلية والجسدية”. بما أن هذه العلاقة الأقنومية هي أكثر داخلية من علاقة القوى، فالمعرفة المسبقة للوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية سابقة للوحدة بالقوى وأكثر أصالة منها.

يظهر هذا أيضاً في كلمات الآباء القديسين عن والدة الإله التي هي الشخص الذي خدم سر التجسّد والتي قدّمت جسدها ليكون الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية. وهكذا يقول القديس اندراوس الكريتي “والدة الإله هي… هدف عهد الله لنا. إنها تجلّي الأعماق العويصة غير المفهومة؛ إنّها الهدف الموضوع سلفاً لكل الأجيال لصنع الأجيال؛ إنّها تاج النبوءات الإلهية؛ إنها الإرادة الإلهية التي تفوق الوصف والتي لا سبيل لوصفها بكل ما في الكلمة من معنى قبل الأزل لحراسة الإنسان”.

هذه النظرة اللاهوتية مقبولة إذا افتكرنا أن المسيح هو بداية خلق العالم وتألّه الإنسان ووسطهما ونهايتهما. فقط من هذا المنظار يمكننا أن نرى أن سر التجسد مستقل عن سقوط الإنسان. يقول القديس مكسيموس المعترف أن ربنا يسوع المسيح هو “بداية الأجيال ووسطها ونهايتها، الماضية والحاضرة والمستقبلة”. وفي تفسير هذا الكلام يقول القديس نيقوديموس الأثوسي أن هذا السر هو بداية الخلائق، لأن هدف هذا السر كان بداية المعرفة السابقة لخلق كل الخلائق وسبب هذه المعرفة وهذا الخلق. إنه الوسط لأنه منح الملء لمعرفة الله المسبقة وبالتالي الثبات للملائكة وعدم الموت وعدم الفساد والخلاص للبشر. إنه أيضاً النهاية لأن هذا السر صار الكمال والتأله والمجد والبركة للملائكة والبشر ولكل الخليقة.

د) استنتاجات

بعد تحليل هذا الموقف اللاهوتي، يصل القديس نيقوديموس إلى استنتاجين.

أولاً، أنه “لا بد لسر التجسد من أن يكون، أولاً وقبل كل شيء لأن هذا السر كان إرادة الله المسبقة، كما نقول مع القديس غريغوريوس التسالونيكي، بالدرجة الأولى بسبب صلاح  الله غير المتناهي والجوهري والأسمى، وبالأحرى بسبب هذا الأساس الأكثر عمقاً للصلاح الأبوي، كما قال مكسيموس الحامل الإله”. ثانياً لأن هذا كان ضرورياً لكل الخلائق الروحية والجسدية كبداياتها ووسطها ونهايتها، كما أُظهر.

الاستنتاج الثاني هو أن والدة الإله أيضاً، كونها الوسيلة الأكثر مباشرة وصراحة والسبب المشترك الضروري لهذا السر (لأن جسد المسيح هو جسد مريم بحسب الطوباوي أوغسطين)، كانت معروفة مسبقاً ومسامة من الله قبل كل الخلائق الأخرى، وكل الخلائق الأخرى سيمت ووُجدت من خلالها، كون هذا هو الهدف الذي في فكر الله مسبقاً، كما أنه النهاية التي من أجلها تكوّنت كل الأشياء، كما قال القديس أندراوس.

قد يبدو للوهلة الأولى أن كل ما يُشرح هنا، استناداً إلى تعليم الآباء القديسين، يشير إلى أمور نظرية لا تحمل أي تأثير على الحياة الروحية. ولكن هذا خطأ لأن للعقيدة علاقة عميقة وحميمة بحياة الإنسان الروحية. تُثبَت هذه الحقيقة في هذا التعليم اللاهوتي.

يظهر كل ما رأينا أن كلمة الله صار إنساناً لا لكي يسترضي الصلاح الإلهي، كما يقول اللاهوتيون الغربيون، بل ليؤلّه الطبيعة البشرية بالمحبة والإحسان. إن استرضاء الصلاح الإلهي يعطي بعداً قانونياً للحياة الروحية لأنه يشير إلى أن كل نسكنا يهدف إلى استرضاء الله. من ناحية أخرى، ليس الله مَن يحتاج مداواة بل نحن. لذلك تجسد المسيح كان إرادة الله المسبقة والهدف المُطلَق لخلق الإنسان. لم يكن الإنسان ليستطيع أن يبلغ الشركة مع الله لو لم يكن هناك وحدة أقنومية بين طبيعتي المسيح الإلهية والبشرية، لأن هناك فرق عظيم بين المخلوق وغير المخلوق. لم يكن المخلوق ليستطيع أن يتحد مع غير المخلوق لو لم تكن هذه الوحدة الأقنومية بين الإثنين في شخص المسيح. ما أُضيف بسقوط الإنسان هو آلام المسيح وصليبه وموته وقيامته. وهذه الأمور مفهومة بالطبع بحقيقة أن من خلال تجسده اتّخذ المسيح طبيعة بشرية فائقة النقاوة لكنها قابلة للموت وللهوى.

أرى من واجبي أن أنهي بالقول بأن القديس نيقوديموس الأثوسي، كما يظهر من هذه الأشياء القليلة التي ذكرناها، هو لاهوتي وأب عظيم للكنيسة في التقليد الآبائي والكنسي. إنه لاهوتي أرثوذكسي يرى خلاص الإنسان في العلاج ضمن الافتراضات المسبقة الأرثوذكسية. إذا كان البعض يرى الأمور غير ذلك فلأنهم لا يعرفون تعليم القديس نيقوديموس الذي يقرؤونه مجتزأً ومن خلال افتراضاتهم الخاصة. ولهم يكرر القديس كلماته التي وجّهها إلى متّهميه في حينه: “أرجو ألاّ تفرِطوا بلومي، لأني لا أكتب ما كتبت من رأيي ولا من عقيدتي، بل اتّبعت عقائد اللاهوتيين الذين تكلّموا قبلي. وإذا كان البعض يوبخني محرّكاً بالانفعال فليوبّخ بالأحرى مكسيموس المتوشح بالله، غريغوريوس التسالونيكي وإندراوس العظيم وغيرهم من الذين استعرت منهم هذه العقيدة. للذي يعطي البداية المجد إلى الأبد”.

المرض، الشفاء والمعالِج بحسب القديس يوحنا السلمي

المرض، الشفاء والمعالِج بحسب القديس يوحنا السلمي

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

تعريب الأب أنطوان ملكي

يوجد اليوم كلام كثير عن شفاء الإنسان لأننا أدركنا أن الإنسان مريض من كوننا نعيش حياةً فردانية منفصلة عن الجماعة والحقيقة، مرغمين على العيش بحسب تسليم فقد ميزته الشركوية، حيث لا شركة ولا حفاظ على الشخص. طبيعياً، عندما نحكي عن المرض لا نعني الوجه العصبي ولا النفسي، لكننا نعني المرض كفقدان لمعنى الحياة الحقيقي. إنه مرض وجودي بالدرجة الأولى.

تسعى الكنيسة الأرثوذكسية إلى شفاء الشخصية المريضة وهذا بالواقع عمل اللاهوت الأرثوذكسي. نرى في النصوص الآبائية حقيقة أن اللاهوت الأرثوذكسي هو علم وطريق علاجيان: من جهة، لأن اللاهوتيين هم أولئك الذين اكتسبوا معرفة شخصية لله، ضمن إطار الإعلان، وهكذا شُفيت كل قوى نفسهم بنعمة الله. من جهة أخرى، لأن هؤلاء اللاهوتيين قد وجدوا معنى الحياة أي المعنى الحقيقي لوجودهم، فهم يساعدون الآخرين في رحلتهم على هذه الطريق، طريق التأله.

في محاولتنا لدراسة المشاكل البشرية نأتي إلى إدراك أن هذه المشاكل لاهوتية في العمق، لأنّ الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله. هذا يعني أنّ الإنسان مخلوق من الله ليقيم معه علاقة ويحفظها، كما يقيم علاقة مع الناس الآخرين، ومع كل الخليقة. هذه العلاقة كانت ناجحة لأول المخلوقين من البشر، آدم وحواء، وبالتحديد لأنهما امتلكا نعمة الله. لكن عندما مرض عالم الإنسان الداخلي، وخسر الناس توجههم نحو الله وبالتالي خسروا نعمة الله، عندها انتفت هذه العلاقة الحية والمحيية. نتيجة هذا كان اعتلال كل علاقات الإنسان مع الله، مع أخيه الإنسان، مع الخليقة ومع نفسه. اختلت كل قوته الداخلية والخارجية. لم يعد يركّز على الله، وبالمقابل استبدله بنفسه. إن النفس، بعد انقطاعها عن كل هذه المؤثرات، صارت مستقلة، مما جعله مريضاً في الجوهر والحقيقة. وعليه، مفهوم الصحة في كل ما يلي هو علاقة حقيقية وصحيحة، بينما المرض هو قطع تلك العلاقة عند ابتعاد الإنسان عن حواره الأساسي مع الله، وأخيه الإنسان والخليقة وغرقه في حوار مأساوي مع نفسه.

وعلى سبيل المثال، يمكننا القول بأنّ، قبل السقوط، مركز الإنسان كان الله. نفسه كانت تتغذّى بنعمة الله وجسده بنفسه الممتلئة نعمة. هذا الأمر كانت له نتائجه على كل الخليقة، وبهذا المعنى كان الإنسان ملكاً عليها. لكن كل هذا التوازن تعكّر بالخطيئة. النفس، إذ توقفت عن التغذي من نعمة الله، صارت ترضع من الجد وهكذا تولّدت أهواؤها (الأنانية، الغرور، الكراهية وغيرها). الجسد، إذ توقف عن التغذّي من النفس، صار يرضع من الخليقة المادية. وبالتالي وُجدت الأهواء الجسدية (الشراهة، نزعة التملّك، شهوات السد وغيرها). في هذه الحالة صارت الطبيعة تتعذّب وتُنتَهَك لأنها، بدل أن تتلقى نعمة الله من خلال الزجاج النقي أي النوس، صارت معرضة للعنف على يد الإنسان، لأن ما يريده منها هو إشباع رغباته. وهكذا، وُجدت المشاكل البيئية. بعد السقوط، نجد انقلاباً كاملاً في علاقة الإنسان بالله وبغيره من الناس وبالخليقة. هذا يسمّى مرضاً لا بل مرضاً خطيراً. إن الشفاء، كما يُرى في التقليد الأرثوذكسي، هو إعادة التوجيه المناسبة لهذه العلاقات، إعادة بناء الوجود البشري بطريقة يعود فيها الله إلى مركز الإنسان وتعود نفس الإنسان لتتغذّى من الله. عندما يحدث هذا تنتقل النعمة الإلهية إلى الجسد ومن هناك تُبَث إلى كل الخليقة غير العاقلة.

على ضوء هذا، مشاكل الإنسان ليست نفسية ولا اجتماعية ولا بيئية، بل هي مشاكل علاقات ومسؤولية كونية. إنها مشاكل وجودية تتعلّق بكيان الإنسان ووجوده. ضمن هذا الإطار، نتحدث عن مرض الإنسان وشفائه في الكنيسة وعن اللاهوت كعلم علاجي. لا ترفض الكنيسة الأرثوذكسية العلم الطبّي بل بالعكس هي تقبل الطب وتستعمله في كثير من الحالات. في الوقت نفسه، هي تنظر إلى البعد الوجود لمشاكل الإنسان وتحاول أن تعيد الإنسان إلى منظاره الصحيح وإلى توجهه الوجودي الأصلي. مع هذا، مكننا الحديث عن طب نفسي روحي عن أسس للتركيب النفسي ولكن ليس عن تحليل نفسي. من هذه النقطة، فقد يكون البعض مريضاً من منظار لاهوتي، فيما هو صحيح من وجهة نظر الطب النفسي,

قديسو الكنيسة عملوا أيضاً ضمن هذا الإطار. من بينهم القديس يوحنا السلمي كاتب سلم الفضائل الشهير الذي يحمل هذا الاسم لأنه يحكي عن السلم الذي يسلكه الإنسان في صعوده نحو الله. هو الصعود هو بالحقيقة هو إعادة توجيه لعلاقة  الإنسان بالله وبالخليقة وبشكل طبيعي مع ذاته. كل ما يتبع يجب وضعه ضمن هذا الإطار الأساسي.

1. شخصية القديس يوحنا السينائي

عاش القديس يوحنّا السلّمي في منطقة جبل سيناء في القرن السادس. صار راهباً في السادة عشرة من عمره ومن بعدها عاش حياة نسكية صارمة. صار في أواخر حياته أباً لدير القديسة كاترينا، لكنه في النهاية انسحب إلى الصحراء التي أحبّها كثيراً خلال حياته.

يعطينا كاتب سيرة القديس يوحنّا بعض المعلومات حول حياته. إنه يقدّم لنا بالدرجة الأولى كيف أثبت يوحنا أنه موسى ثانٍ قاد الإسرائيليين الجدد من أرض العبودية إلى أرض الميعاد. بصومه سحق قرون التكبّر والمجد الباطل، أي هذه الأهواء التي يصعب تمييزها على المرء المقيّد بالانشغالات العالمية. ببلوغه سكون النوس والجسد، أطفأ لهيب أتون الشهوة الجسدية. بنعمة الله وجهاده الشخصي تحرر من العبودية للأصنام. لقد أقام نفسه من الموت الذي تهددها. بإماتته كل تعلّق وبتثبيته إدراكه على الحقائق السماوية غير المادية، تمكّن من قطع رباطات الحزن. لقد شُفي كلياً من العُجب والغرور.

واضح هنا أن القديس يوحنا السينائي قام بجهد شخصي عظيم ليكسب حرية نفسه وانعتاقه من استبداد الحواس والمادي، حتى تتمكن كل ملكاته من العمل بحسب الطبيعة وحتى لأن تتمدد إلى ما فوق الطبيعة. لقد تحرّر نوسه ليس فقط من سلطة الأهواء بل أيضاً من الخوف من الموت.

بالواقع، لقد أثبت أن هدوئية النوس تطهره من التأثيرات الخارجية المختلفة، ومن ثم يصبح الإنسان مستبصراً وحكيماً وقادراً على استيعاب المسائل التي عند الآخرين وفي العالم. عندما يتحقق هذا، يجد النوس المتطهر نفسَه في بعد آخر ويرى الأمور بوضوح. تماماً كما أن الأدوات الطبية الأخرى تشخّص أمراض الجسد، كذلك نوس القديس يرى الحالة التي في عمق النفس. إنه يمتلك إدراكاً اختراقياً عظيماً لكن معه رقة. ومع أنه يسبر ويرى أعماق الكائن، بنعمة الله، لكنه يضمّ الإنسان بحنان ومحبة. على هذه النقطة، يمكن بشكل أو بآخر، قراءة قول العهد القديم بشكل عملي: “وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفّ على وجه المياه” (تكوين 2:1) . العمق أو اللجة هو قلب الإنسان المريض، ومع هذا فإن روح الله يتحرّك فوقه بحنان ومحبة لكي يشكّل خليقة جديدة.

إن العائق الأكبر أمام شفاء الإنسان هو تشوش النوس بأصنام الأهواء والأشكال الخارجية. في هذه الحالة، يرى الإنسان الأمور من خلال منشور مجزّأ، وبالطبع يعجز عن مساعدة الناس المجروحين ويبحث عن الحقيقة والحرية.

لقد اكتسب القديس يوحنا السلمي هذا النوس المتطهر، ليس بالدرس في مراكز تعليمية كيرة، بل بالتعلّم من هدوء الصحراء، حيث تعوي الأهواء بشكل خاص وتسعى إلى تدمير الإنسان الكامل. لقد أصبح نوسه إلهياً ومشابهاً لله. وهكذا، أصبح القديس يوحنا الرجل البارز الذي أنشأه الله وجدده الروح القدس في المسيح يسوع. لم ينقل لنا في ما كتب المعرفة البشرية والأفكار الحكيمة بل كيانه الحقيقي ولهذا السبب صارت كلماته مزيلة للنقمة وعلاجية وفي الوقت نفسه معاصرة.

سلم القديس يوحنا هو استمرار للنصوص الهدوئية لآباء الكنيسة العظماء، وهو التحليل النظامي الأول لمرض النفس البشرية واستعادة الإنسان لصحته الروحية. إنه تحليل نفسي باهر وناجح لشخصية الإنسان. على المثال نفسه، هذا العمل الأساسي أكمله آباء الكنيسة الآخرون لاحقاً، مثل القديس مكسيموس المعترف والقديس غريغوريوس بالاماس. لقد شرّح آباء الكنيسة، والقديس يوحنا السلمي بشكل خاص، النفس البشرية بهدف توحيدها، قبل قرون من وجود النظريات المختلفة لأطباء النفس ومحلليها وعلمائها. هذا البحث محصور بعمق النفس، إذ بالواقع، عندما يفهم الإنسان مسألة الشر الذي في كيانه الخاص، بدون أن يحاول إخفاءها، يدرك عندها كل قوة الشر المنتشرة في الخليقة.

سوف نتابع لندرس بعض الاقتباسات وليس لنقدّم تحليلاً كاملاً من رسالته المعروفة “إلى الراعي”.[ 1 ]

2. الكاهن كمعالج

في كتاب سابق لي، حكيت فيه عن الطب النفسي الأرثوذكسي، حاولت أولاً أن أشرح أن المسيحية، وبوجه خاص اللاهوت الأرثوذكسي، هي علم علاجي. لقد فعلت هذا قبل معالجة ماهية المرض وقبل تحليل مرض وشفاء النفس والنوس والعقل والأهواء وغيرها. بالواقع لقد استهللت هذا الكتاب بفصل عن الكاهن كمعالج. بعض القرّاء رأوا أنّه كان ينبغي بي أن أكتب أولاً كل شيء عن الشفاء ومن ثم عن الذين يشفون.

إنّ لإعطاء المركز الأول للكاهن كمعالج أهميته، إذ وحده الإكليريكي الذي اكتسب السعة الضرورية من المعرفة والخبرة، وخاصة من الصحة الوجودية الذاتية، قادر على أن يضع تعاليم الآباء القديسين في الممارسة الصحيحة ويشفي الناس. إن لم يكن كاهن ما معالِجاً، كما يتطلّب التقليد المقدّس، فهو يثبت أنّه قاسٍ وبلا إحساس، حتى ولو استعمل تعاليم آباء الكنيسة. هذا يعني أنه تحت اسم العلاج أو الخلاص أو الهدوئية يمكن لهذا الكاهن أن يقود الناس إلى الموت الروحي. بكلام آخر، عندما يقوم كاهن عاجز وغير مستحق باستعمال النصوص الكتابية والآبائية، يحوّل هذه النصوص إلى مجرد كلمات إيديولوجية وحتّى أخلاقية بنتائج فظيعة على نفس الإنسان ودعوته العلوية. إن استعمالاً سيئاً من هذا النوع لا يمجّد الإنسان المجرّب بالأهواء ولا يقوده إلى اكتشاف العلاقة الأصلية الصحيحة.

بحسب القديس يوحنّا السينائي، على الكاهن الذي يتعهّد علاج الإنسان أن يكون قادراً على ذلك. عليه أن يمتلك الصفات المناسبة وأن يكون قد اكتسب خبرة حياة مع الله ضمن حدود حياته الشخصية. بالواقع، في تفحصه أولاً لعمل الكاهن يستعمل القديس يوحنا تعابير كثيرة، مستخدماً صوراً من عصره. فالكاهن الذي يقود الناس هو راعٍ وربّان وطبيب ومعلّم (2، 3، 4، 5). هذه الصفات الأربع مترابطة فيما بينها، لأنها جميعاً مرتبطة بالوظائف المختلفة التي ينبغي بالكاهن أن يأخذها على عاتقه. إذاً هناك اتصال متبادل بين هذه الصفات الأربع.

يستلزم الراعي قطيعاً عقلياً ينبغي تغذيته بشكل مناسب. يستلزم الربّان سفينة وبحارين وبحراً فيما يستلزم الطبيب مرضى، ويستلزم المعلم أشخاصاً غير متعلمين ينبغي تعليمهم. وهكذا، الراعي هو الوقت نفسه ربّان وطبيب وعلّم. الربّان هو راعٍ وطبيب ومعلم. الطبيب هو راعٍ وربّان ومعلّم. والمعلم هو كل ما ذُكر سابقاً.

على أي حال، في استعماله هذه الصور، يقارن القديس يوحنا السينائي أيضاً بين الفضائل التي ينبغي أن تميّز الكاهن. على الراعي أن يسعى ليشفي قطيعه “بالصدق والالتزام والصلاة” (2). الربّلن هو الرجل الذي “حصّل قوة نوسية من الله ومن جهاده” (3). الطبيب هو الرجل الخالي من أمراض الجسد والنفس والذي لا يحتاج لدواء لصحته (4). المعلّم هو مَن تلقّى “لوحة نوسية من المعرفة”، ونوراً به يستغني عن الكتب الأخرى لأنه، بحسب القديس يوحنا، من غير اللائق بالمعلم أن يعلّم من النسخ والمخطوطات كما أنه من غير اللائق بالرسّام أن يعلم من لوحات قديمة (5).

هذه الصور كما الصفات المرتبطة بها استُعملَت لتظهر أن الكاهن-المعالج يجب أن يكون هو نفسه صحيحاً لأقصى درجة ممكنة. أي أنه ينبغي به أن يكون لديه التوجّه الصحيح، وأن يكون قد اكتسب شخصياً الخبرة الحية والمعرفة الإلهية، حتى يتمكن من مساعدة الناس من خلال خبرته. ليس الأمر موضوع مَلَكة بشرية أو عمل بشر، لكنه عمل بشري-إلهي، ومعونة من عند الله تعمل من خلال الكاهن المعالِج.

في أي حال، علينا أن نشدد هنا على أن الصورة التي تهيمن من بين كل هذه الصور عبر كتاب “السلّم” وتحديداً الفصول التي نحن بصدد درسها، هي صورة الطبيب. على الكاهن أن يشفي الناس المرضى، وهذا لا يتم بالمعرفة البشرية لكن بقوة الله وتعاون الكاهن معها. لهذا السبب يقول القديس يوحنا “” (7). بعض الرجال “أقدم على قيادة النفوس حماقة غير حاسبين حساباً لعبء هذه المسؤولية” (56)، وبالتأكيد بدون خبرة شخصية. عبر نص القديس يوحنا بكامله، إننا نجد الصفات والمواهب التي يجب أن يتحلّى بها الكاهن المعالج. سوف نشير إلى بعضها.

قبل كل شيء، إنّه يشدد على أن العلاج ليس وظيفة بشرية بل إلهية وهي بالطبع تعمل بالقبول المُعطى بحرية لهذا العمل من الكاهن نفسه. إنه يقول أن هناك بعض الذين “نالوا من الله جلياً القدرة على تعهد الآخرين” لكنهم بالرغم من ذلك لا يقومون بهذا العمل بشكر لخلاص أخيهم (59). ومع ذلك، وحده الذي اختبر رحمة الله قادر على “أن يعزّي المتألمين خفية دون أن يدروا” (53). بما أن شفاء الإنسان لا يتم بوسائل بشرية بل بنعمة الله، لهذا غالباً ما يبقى مخبأً وغير ملحوظ. من الله، يصبح الكاهن الخادم الروحي للنفوس (71).

إن لوصول الله إلى قلب الإنسان، وبالتحديد قلب الكاهن المعالج، علامات جلية، لأن الإنسان ولد ثانية روحياً. المواهب الروحية هي أحد التعابير التي تظهر هذه الولادة الجديدة، وهي مواهب بالحقيقة من الروح القدس. من بين هذه المواهب حتى يصبح الكاهن قادراً على رؤية المرض وشفائه: التواضع الذي في أي حال إذا تخطّى حده صار عثرة للخاضعين للعلاج (85)، الصبر باستثناء حالة عدم الطاعة (84)، عدم الخوف من الموت إذ “عار على الراعي أن يخشى الموت ما دام تعريف الطاعة التحرر من خشية الموت” (67)، الخضوع للعمل والتخلي من أجل الخاضعين للعلاج (76)، الهدوء الداخلي (88).

إن العطية الروحية التي هي فوق كل العطايا الأخرى هي المحبة، لأن “المحبة هي التي تُظهر الراعي الحقيقي لأن الراعي العظيم بدافع المحبة شاء أن يُصلَب” (28). فوق هذا، كل هذا ضروري بالضبط لأنّ أولئك الذين يتعلّمون ويشفون يرون الراعي كطبيبهم “ومثال يُحتَذى” وكل ما يقوله ويفعله “قياساً يُعمل بمقتضاه” (27).

يتكلم القديس يوحنا السينائي في نصه كثيراً عن اللاهوى “طوبى للأطباء الذين لا يتعرّضون لغثيان النفس وللرؤساء الذين انعتقوا من الأهواء” (15). إنه أمر مريع بالنسبة لطبيب الجسد أن يحسّ ميلاً نحو المرض عندما يعالج جراح الجسد، وأكثر فظاعة أن يحاول الطبيب الروحي أن يحاول شفاء جروح النفس فيما هو في الهوى. بالحقيقة، مَن تطهّر فعلاً من الهوى سوف يحكم الناس كقاضٍ إلهي (96). على الإكليريكي أن يكون بلا هوى لأنه “خطر أن يسوس إنسان خاضع للأهواء أناساً خاضعين للأهواء أيضاً” كما أنه لا يوافق أن برعى ذئب غنماً (49). بالطبع يؤكد القديس يوحنا السينائي أن الله يقوم بالمعجزات عبر شيوخ بسيطين ومتحررين من الهوى (41-51)، بالضبط لأنه يعرف أن العلاج ليس مجرد عمل من أعمال الإنسان بل نتيجة قوة الله وتعاون الإنسان.

عندما يتكلّم القديس يوحنا السينائي عن اللاهوى، إنه لا يعني عزل الجزء الأهوائي من النفس، كما يؤمن الرواقيون وغيرهم من الديانات الشرقية، بل بالأحرى إنه يعني تجلّي قوى النفس. أي بكلام آخر، في حالة اللاهوى، قوى النفس، العقل والقوى الغضبية والشهوانية، تتحرّك نحو الله وبالله تحب كل الخليقة. إذاً، ليس الموضوع قضية جمود بل حركة لكل القوى النفسية الجسدية.

اللاهوى ضروري للمعالِج لأنه به يكتسب القدرة على الحكم والشفاء بتمييز ونية حسنة وذاك لأن حواس نفسه منظمة “لتمييز ما هو جد وما هو ضار وما هو معتدل”. أي بكلام آخر، هو يعرف متى تأتي قوة ما من الله ومتى تأتي من الشرير، لأنه قادر على التمييز بين المخلوق وغير المخلوق ما يؤدي إلى نتائج علاجية عند مرضاه. الكاهن يعرف أيضاً متى يتّضع أمام الشخص الذي يعالجه ومتى لا، “لا يضعنّ الرئيس نفسه كل حين بغباوة ولا يرفعنّ ذاته دوماً بحماقة” (41). هذا بالطبع يتأثر بوضع المريض وحالته. البعض يستفيد من اتضاع الراعي بينما يتأذى آخرون منه. سوف نرى أهمية موهبة التمييز لاحقاً، عندما نتفحّص طرق العلاج التي يستعملها المعالِج ذو التمييز.

يكيّف القديس يوحنا وضع الكاهن المعالِج وموقعه بموقع موسى ووضعه. كما أنّ موسى رأى الرب، فارتفع إلى أعلى الثاوريا وتحدّث مع الله، من ثمّ تابع ليقود شعب إسرائيل من أرض مصر إلى أرض الميعاد مواجهاً تشكيلة من المشاكل والتجارب المتنوعة، كذلك هو المعالِج. عليه أن يكون في حاة موسى الروحية وبإشرافه يقود شعب الله إلى أرض الميعاد (100).

تذكّرنا الصورة والتكيّف بحقيقة أن هدف العلاج الأرثوذكسي هو تألّه الإنسان وليس التوزان النفسي. هذا العمل إذاً يقوم به الكاهن الذي اتحدت نفسه مع الله وبالتالي “لا يعوزها كلام غيرها لتتعلّم. فإنّ هذه النفس المغبوطة تحمل في ذاتها الكلمة الأزلي وهو معلمها ومرشدها ونورها” (100). لا يعمل نص القديس يوحنا على المستوى البشري بل الإلهي. إنه لا يشير إلى حالات من المرض النفسي أو العصبي، لكن إلى أناس يريدون أن يحققوا واقعهم الداخلي، الذي هو إنجاز هدف خلقهم، أي التأله. إن هذا الهدف هو بالضبط ما يشكّل جوع الإنسان وعطشه الأكبر.

3. الإنسان كحامل للمرض

إن مرض الجسد والنفس ووجود الكاهن المعالِج يفترضان مقدماً بدون شك شخصاً مريضاً. في ما سبق حددنا نوعاً ما مرض النفس بالإستناد إلى كتاب السلم وخاصة الفصل المعنون “إلى الراعي”. فالقديس يوحنا يناقش أمر المرض بشكل واسع وعلينا أن ننظر إلى بعض الصفات المميزة للشخص المريض.

كما ذكرنا سابقاً، يقتضي المرض الروحي فقدان الشركة مع الله، اضطراب العلاقة مع الله ومع الناس الباقين كما مع كل الخليقة، وبالطبع تشويش قوى الإنسان الروحية والجسدية واعتلالها. إذاً، يرى الإنسان المريض مرضه في علاقته مع الله والآخرين ويحدد الله بفكرة أو خيال. فعندما يستعمل الآخرين لكسبه الذاتي أو وعندما ينتهك حرمة الطبيعة يظهر مرضه الروحي.

بالإشارة إلى الإنسان هنا نعن بالتأكيد كل تركيبته، كل مادة التكوين البشري، جسداً ونفساً، لأن الإنسان مصنوع من الاثنين، لا روحاً فقط ولا جسداً فقط. هذا يعني أن هناك تفاعل متبادَل وتأثير بين الجسد والروح. أمراض الروح تنعكس أيضاً في الجسد المنضم إليها، كما أن المرض الجسدي له أو يمكن أن يكون له نتائج على عالم الإنسان النفسي. إذاً، عندما يعجز الانسان عن إشباع جوعه الوجودي، الذي هو تحقيق المعنى الأعمق لوجود، عندها كل كيانه يعاني ويتألم، حتى الجسد. التذمر، الاستياء، الكرب، القلق واليأس كلها مرتبطة بلنقص في تحقيق بحث الإنسان الروحي.

يشير القديس يوحنا إلى عبودية الإنسان الروحية. الله خلقه حراً مع هذا فقد سقط في العبودية الروحية للشيطان والخطيئة والموت. إن هذه الحالة مشابهة لحالة الإسرائيليين الذين كان يحكمهم فرعون وكانوا بحاجة للتحرر. في مقارنته الممتازة لحالة الإنسان المجروح بحالة الإسرائيليين الذين كانوا في أرض مصر، يتكلّم عن “غشاء الوضع البشري الفاني”. بالواقع يخفي الإنسان في ذاته هوى عازلاً وإهانة من “صنع اللبن”، لأن الإنسان سقط من الأمور المتعالية التي خُلق لها إلى أمور أرضية متواضعة. كما يشير أيضاً إلى البحر الأحمر المحرق من الحرارة الجسدية ويركّز على “الظلمات والغيوم والعواصف” و “عتمات الجهل الثلاث” وعن “البحر الميت المالح” وعن كل تجارب الصحراء (100). غالباً ما يجد الإنسان نفسه في حياته أمام ظروف مأساوية تأسره في يأس عظيم، وكل هذا يأتي من فراغه الوجودي ومن ندمه، ومن مسألة الموت في كل معاني الكلمة.

كل هذا يجعل الانسان يعاني العذابات ويحس بالأذى. إنه يشعر بالمرض يجيش بكل كيانه. أيضاً بالنظر إلى هذا من خلال صورة القطيع، يعتبر الإنسان نفسه “قطيعاً متألماً” (7). إن الأمر هو عن “نفوس ملوثة ولا سيما أجساد ملوثة” (72) تحتاج إلى تطهير، وعن أناس سقطوا إلى الأرض بدلاً من الارتفاع نحو الأعلى. هؤلاء الأشخاص ليسوا مكتفين بالتعليم البشري الصرف بل يحتاجون إلى ما هو أكثر إلهية. بالواقع “يتعذر على اللاصقين بالأرض أن يداووا الآخرين” (8). هناك معلمون ومعالجون نفسيون ذوي منظار بشري لا يستطيعون أن يريحوا إنساناً مجروحاً نفساً وجسداً “من الصدأ” (54)، لأنّه “متعب” (76) ويعاني من هذا. يرى الناس جبنهم وعجزهم (41) في دواخلهم، ويحسون أنهم مثل “أولاد صغار” وضعفاء وهكذا يقعون في الحزن والكرب (93).

يظهر كل هذا الوصف إنساناً معذباً ومجرحاً بالكامل. لا يشير القديس يوحنا هنا إلى حالات الأشخاص الذين يحسون أنهم فشلوا في حياتهم. هؤلاء هم أشخاص لم ينجزوا هدفهم الأرضي لأنهم لم يحققوا غرضهم الوجودي الأعمق، أي علاقتهم وشركتهم مع الله، التي هي المحرّك الأقصى لقضيتهم.

ومع ذلك، فالقديس يوحنا السينائي لا يحصر نفسه فقط بالوصف العمومي، بل مضي ليقوم بتشخيصات أكثر عمقاً. إنه يرى الإنسان يتألّم في أعماق نفسه. هذه ليست أمور سطحية أو أمراض جسدية بل هي داخلية تجري في أعماق النفس. وهكذا هو يسمّي الإنسان “سقيم النفس” (80)، ومصاباً بالنعاس الروحي (8). الإنسان يحس بثقل عظيم من الأفكار داخل نفسه (93) يعذبه وهو يطلب العتق بشكل يائس.

من جديد، علينا أن نكرر أن الحديث ليس عن حالات مجردة خارجية بل عن تلوث داخلي محدد. يعرف الإنسان بشكل كامل هذه الحالة لكنه لا يستطيع تحرير نفسه. إنه بحاجة لتدخل الله بمعونة معالج روحي مختبر. وهكذا يكتب القديس يوحنا: “الذين يمنعهم الخجل عن مراجعة الطبيب فكثيراً ما يصابون بالغرغرينة فيموتون” (39).

يخجل الناس في هذه الفئة من كشف جراح نفسهم ولهذا يصلون إلى نقطة حيث تنتن جراحهم وتقودهم إلى الموت الروحي. لهذا السبب، على المرضى أن يبلغوا نقطة البوح بجراحهم إلى طبيب خبير يثقون به (39). الحقيقة هي أن في داخل النفس يوجد “نجاسة غير مخفية” لا تُرى بالعين المجردة. هذه دنس داخلي مؤلف من الأعضاء الفاسدين المحتاجين للشفاء والتطهير (12).

هذا يعني أن الإنسان لا يحتاج لمعالجه من أجل الدعم النفسي أو لشفاء سطحي. إنه لا يحتاج كاهنه لكي يرضي حاجاته الدينية، بل هو يحتاجه ليتدخل في عالمه الداخلي، بتمييز ومحبة، بنعمة الله وحريته، لكي يشفي دنس الإنسان عبر تحرره من الغثيان. هذا المعالج معتاد في حياته العادية من خلال تطهره على أن “يغسل ويطهّر أوساخ الآخرين بفضل النقاوة الممنوحة له من الله، ويقدّم إليه كقربان لا عيب فيه ما كان قبلاً دنساً” (78). المعالج الروحي يقارب الإنسان المجروح باهتمام وحساسية وحنان وملء المحبة والمعرفة، ولكن بالدرجة الأولى بنعمة الله. إنه لا يلهو بخلاص الآخرين ولا هو يهزأ من الذي يقصده طالباً التطهر من أهوائه الداخلية.

بالحقيقة أنه أمر بغيض أن يقارب الإنسان الكاهنَ ليرضي كل هذا الجوع الداخلي وليطهّر قروح نفسه ويتخلّص من كل ذلك الدنس الداخلي، فيرى مع ذلك نمواً لأهوائه الداخلية وتراكماً لفراغه الوجودي وكرباً وموتاً روحياً يكتنفه أكثر من قبل. عندها يزداد جرحه عمقاً ويتعذّب أكثر بكثير.

4. وسائل العلاج

بعد أن رأينا مَن هو المعالِج ومَن هو المريض، سوف ندرس وسائل العلاج التي يستعملها الله من خلال معالِج قادر.

في الجزء السابق شرحنا باقتضاب الحاجة إلى كاهن معالِج سبق له أن شفى نفسه. لأن العلاج والمعالجين وطرق العلاج تتطابق، لا مجال من العودة إلى بعض النقاط التي سبق قولها.

أولاً، إن الحاجة لأب روحي معالج أصيل هي لاستعمال طريقة علاجية مناسبة وتطبيقها. على المعالج أن يكون عارفاً لنفسه جيداً ومحباً بلا حدود للمسيحي المعالَج. على المسيحي أن يكون سعيداً لمجرد وجود طبيبه الروحي. في النهاية، وجود المعالج ينفع الإنسان المريض روحياً. يكتب القديس يوحنا “يشعر المريض بالفرح لمجرد رؤية الطبيب وإن لم يحظَ منه بأي تسكين لأوجاعه” (13). بالتأكيد، هذا يعني أنه على المعالِج أن يمتلك معرفة واضحة بأن “الخطيئة التي قد يرتكبها في فكره” هي أسوأ من عمل التلميذ الفعلي (60). هذه المعرفة سوف تجعله كثير التمييز والمعالجة، وإلاّ فسوف يضع أحمالاً ثقيلة.

ليس من السهل كثيراً شفاء المريض. تحتاج العملية للمحبة والشجاعة الروحية، لأن خلالها تنشأ مشاكل كثيرة تتطلب تدبيراً دقيقاً، وهذا بالضط لأننا نتعامل مع عالم نفس الإنسان المرهَف مع كل تفاصيله الرقيقة. لهذا السبب على المعالِج أن يظهر “غيرة ومحبة وورعاً وعناية وكل تضرعاته أمام الله في سبيل مَن ضلّ كلياً وانكسر” (79). هنا سمي المريض “مكسوراً” وهذا ما يتطلب تدخلاً دقيقاً. على المعالِج أن يكون قادراً ليس فقط على كشف الجروح والرضوض الخارجية  بل أيضاً سبب مرض النفس الذي لا يظهر للخارج (22). إلى هذا، عليه أن يميّز الذين يأتون إليه بحسب رغباتهم أي ما الذي يطلبونه من الطبيب. على العلاج الروحي أن يبدأ عندما يميز بين “الأبناء الحقيقيين”، “الأبناء من زواج ثانٍ” و”أبناء بنات العبيد” و”وغيرهم من المنبوذين”. هذا لأنهم لا يتساوون بالمرض وبالتالي لا يطلبون الشيء نفسه. بالنتيجة، هذا التمييز ضروري جداً للعلاج الذي يتم في عالم النفس. إلى هذا، كما يشدد القديس يوحنا، مطلوب من الأب الروحي المعالِج بذل الذات الكامل لهذه المهمة العالية المسؤولية، أي “بذل النفس لمنفعة نفس الأخ في كل الأمور”. هذه المسؤولية مرتبطة بخطايا الماضي وأحياناً بخطايا المستقبل (57). وهكذا، من هذه المهمة وحدها يمكننا أن نرى أن على المعالج أن يمتلك قوة روحية. “تعوزنا القوة الروحية قبل كل شيء، أيها الأب المحترم،  حتى نستطيع أن نأخذ باليد ونستخلص من حشود الأفكار… وإن كان البعض لا يزالون أطفالاً صغاراً أو ضعفاء جداً فلا بد من رفعهم على الأكتاف” (93). وهكذا، عمل الأبوة الروحية عظيم الشأن، دقيق، حاسم، مسؤول، ومضحي.

بالتأكيد، علينا أن نتذكر هنا أن عمل الأب الروحي والمعالج ليس مركزاً على الإنسان ولا يتم منعزلاً في خواء. إنه يتطلب تناسق النعمة الإلهية مع طاعة المريض بحرية. إن شفاء الجراح الروحية لا يتم بالمشورة البشرية ولا بطرق المختبرات لكن بقوة الله وتعاون الأب الروحي المعالِج. من خلال كامل نص القديس يوحنا نجد تعليماً عن الصلاة وتدخل الله وحقيقة أن المعالج الحقيقي هو الله نفسه لأن كل البشر هم أبناء الله. النموذج الأول للبشر هو الله وليس إنساناً. ومع هذا، لا يعمل الله ولا يستطيع أن يساعد الأب الروحي القادر والمختبر إذا لم يتعاون المريض. في علم العلاج الأرثوذكسي، يتم كل شيء بالقبول الحر وليس بالقوة أو الإكراه.

يعطي القديس يوحنا في كل مكان من نصه قيمة كبيرة للشخص المريض ولتقدمه بإرادة كاملة وبدون ضغط عليه وبالواقع لتعاونه الكامل في علاجه. حرية الإنسان لا تُنتَهَك. يشير في مكان ما إلى أنه كم أن الربان لا يستطيع أن يخلّص سفينته بدون تعاون البحارة، كذلك الطبيب لا يستطيع أن يشفي إنساناً “ما لم يأتِ هذا إليه ويُظهر له جراحه بثقة تامة” (36). هذا يعني أن العناصر التالية مطلوبة للشفاء: ثقة المريض بمعالجه، قبوله الحر بمساعدته وبالتالي كشفه الطوعي لجراحه. هناك حاجة مطلقة للحركة الحرة في كل عمله لأن خلاص المرضى الذين لا يتعاونون مستحيل بالحقيقة (64). وفي الوقت نفسه هناك حالة أن يحس المريض بجبنه وضعفه وبالتالي يسلّم إرادته بالكامل للمعالِج المختبر، لكن في هذه الحالة تقديمه ذاته يجب أن يكون شرطاً مسبقاً. الناس في هذه الفئة يسعون إلى أن يُشفوا برضاهم وبالتالي في هذه الحالة يرجو القديس من الأطباء أن يستجيبوا لرغبتهم (35). واضح هنا أنه لا يمكن تحقق العلاج بدون طاعة حرة ورغبة ذاتية عند الأبناء الروحيين ولهذا السبب “يُعرَف الولد الكريم النسب من تصرفه في غياب أبيه” (58). إلى هذا، عندما نتكلّم عن شفاء في التقليد الأرثوذكسي، نحن نعني التنظيم الصحيح لتركيبة الإنسان العضوية الروحية حتى لا يعود المعالجة والاعتماد المتكرران ضروريين. الإنسان متحرراً من العبودية التي خلقتها الأشياء والتي يفرضها عليه عالم الأهواء، يسافر على طريق  التقدم المستمر والارتفاع.

نتيجة أخرى لطاعة المريض الحرة تتعلق بطريقة اعترافه. بكلام آخر، وسيلة مهمة للعلاج هي سر الاعتراف الذي به يكشف المريض جراحه الداخلية بتسليمه الكامل. يشدد القديس يوحنا على هذه النقطة بشكل خاص. نحن نعرف بالطبع أن هناك نوعان من الاعتراف: كشف جراح النفس حتى تتم المعالجة، وإفشاء الأفكار الداخلية حتى يكتسب المعترف توجيهاً روحياً.

يقدم القديس بعض المعلومات المهمة جداً عن الاعتراف. أولاً، الاعتراف يجب أن يتم بصدق مطلق وحرية، حتى يُتوصل إلى المساعدة الفعالة. هذا لأنه، كما ينصح القديس، حتى ولو كان للأب الروحي المعالج موهبة الرؤيا وبالتالي يتعرّف على جراح النفس، عليه أن يمسك عن كشفها وترك المتقدم إلى الاعتراف يسردها بنفسه. في هكذا حالة، “حثهم على الاعتراف بأقوال مبهمة”. إلى هذا، يجب أن يكون هناك متابعة بعد الاعتراف، إذ كما يعلّم القديس يوحنّا، علينا أن أن نعطيهم انفتاحاً أكبر بعد الاعتراف. في أي حال، على الأب الروحي المعالج أن يثبت نفسه كمثال للتواضع للمرضى، ما خلا في حالة عدم الطاعة حيث عليه أن يعلمهم أن يحترموه (84). يظهر النص بوضوح أن الاعتراف ليس أمراً سهلاً، لكنه يتم بشكل مناسب ضمن إطار الحرية والمحبة والتواضع والاحترام والصبر. هذا يتم لأن كشف العالم الداخلي يتطلب إرشاداً دقيقاً ويشكّل مهمة صعبة جداً ومرهقة.

يعطي القديس يحنا توجيهات مفصلة أخرى حول هذه المهمة الثاقبة الذهن والمسؤولة. يجب حض المريض على أن يكشف بدقة نوع العمل الأثيم الذي وقع به. هذا مطلوب لسببين: أولاً، حتى لا يصبح وقحاً أمام معالجه، وثانياً حتى يستحث محبة معالجه عبر معرفته للخطايا التي حدثت (45). واضح هنا أن العلاقة بين المعالج والمريض مرهفة فعلاً وهناك إمكانية فقدان القدرة على فتح حوار بين الاثنين عبر إما وقاحة المريض أو قلة المحبة عند المعالج. إذاً، هناك حاجة لكثير من الاهتمام لضمان احترام المعالَج ومحبة المعالِج.

مع هذا، حتى الاعتراف بالجراح الداخلية “بحسب نوعها” له حدوده. على المعالج ألاّ يقتحم الحالة الداخلية لشخصية المريض بالقوة أو العنف. ليس هناك أي حاجة لفحص مفصّل لشخصية المريض. يقول القديس يوحنا “احترز ألاّ تكون فاحصاً دقيقاً عن أصغر المخالفات: فلن تكون إذ ذاك متشبّهاً بالله” (51). الله لا يلغي حرية الإنسان ولا يمتحن تفاصيل حياته الشخصية. وبالتالي، على المعالِج أن يعمل ضمن هذا الإطار، وإلاّ فهو يخاطر بفقدان تشبهه بالله وقيامه بعمله على ما يرضي الله. إلى هذا، على المريض روحياً ألاّ يعطي تفاصيل عن خطاياه الجسدية كما في الحالات الأخرى. بكلام آخر، التفاصيل مطلوبة بالنسبة للخطايا الأخرى كونها ضرورية لفهم الأسباب الداخلية للسلوك، أمّا بالنسبة للخطايا الجسدية فعلى المرء أن يكون متحفظاً: “حثّْ أبناءك على ألاّ يعترفوا تفصيلاً بخطايا الزنى، بل أن يتذكروا ليلاً نهاراً بالتفصيل بقية الخطايا كافة” (62). يقول القديس يوحنّا هذا الكلام لأن المريض، في إعطاء للشرح المفصّل، ينغمس في التذكر ويسر به، فتستيقظ في عالمه الداخلي عملات وتغيرات رفيعة.

يشدد المعالِج بشكل طبيعي على سريّة الاعتراف لأنه ممنوع من إفشاء اعتراف أي شخص للآخرين. على المعالِج ألاّ يفضح كشف النفس الذي أعطاه إياه الآخرون. إنه يضع هذا الأمر على المستوى اللاهوتي والفدائي. بكلام آخر، يشرح أنه من جهة، لا يكشف الله الاعتراف الذي يسمعه، ومن جهة أخرى، لأن إفشاء الاعتراف يخلق مشاكل كبيرة لخلاص أصحاب العلاقة إذ يجعلهم في حالة من “الداء العادم الشفاء” (83).

علينا أن نتابع لتفحص الطرق التي يستعملها المعالج الجيد، لأن المتقدمين إلى الاعتراف مختلفون من حيث العمر الروحي ونمط الحياة ومرض النفس وغيرها. على المعالج ذي الخبرة أن يعرف كل هذا، إذ بغيره تتشوّه طريقة العلاج ونوعه وتبطل حرية الإنسان.

على المعالج أن يعرف في تطبيقه لأقوال الإنجيل “على مَن وكيف ومتى” (33). يلعب الوقت ونمط حياة الناس دوراً مهماً في طرقة علاجهم. على الراعي أن يكون مثل قائد يعرف بالتحديد قدرة ومستوى كل واحد من مأموريه لأن العمر الروحي يؤثر فالبعض بحاجة للجوامد والبعض الآخر للبن كونهم “في أوان التعزية” (55). يختلف البشر بأمور كثيرة لهذا على القائمين بهذه الخدمة المشابهة للشهادة، التي هي شفاء الإنسان، أن يأخذوا بعين الاعتبار مكان المرضى ودرجة تجددهم الروحي وعاداتهم (47). أصل البشر مختلف وبالتالي كل شخص بحاجة إلى معاملة مختلفة (44).

يلاحظ القديس يوحنا أن ليس على المعالِج أن يعمل دائماً بالعدل ولا اهتمامه دائماً بعمل العدل مهم، لأن ليس كل الأشخاص يحتملون بالقدر نفسه. وهو يقدم الطريقة التي بها شيخ حكيم وصاحب تمييز تعاطى مع حالة أخين اختلفا في ما بينهما. أحدهما كان مذنباً لكنه كان الأضعف فأعلنه الأب بريئاً. الآخر كان بريئاً لكن لكونه قوياً وشجاعاً أدانه كمذنب وهذا خشية أن كون الحكم العادل سبباً توسيع الصدع بينهما. بالطبع تكلّم مع كل منهما على انفراد وخاصة مع الذي كان مذنباً روحياً (80). يُلاحظ هنا أن معالجة الرجل لم تكن على أساس المحاكم وتسليم العدالة بل على أساس العلم العلاجي أي قدرات كل منهما.

المعرفة التي ينبغي بالمعالِج امتلاكها حتى يشفي أمراض نفوس الذين يقصدونه، ضرورية لأنها مرتبطة بالطرق العلاجية والطب الذي سوف نصفه. إنّها لا تتطلب تشخيصاً صحيحاً أو مجرد معرفة للصفات الخاصة لكل شخص، بل بالأحرى تتطلب الوصفة الصحيحة للأدوية. سوف نلقي نظرة على بعض الطرق العلاجية التي يستعملها طبيب النفوس كما يقدمها القديس يوحنا لنا.

إن وصف الدواء الروحي مرتبط بشدة بتألم قلب المعالج. أي أن الأب الروحي يشترك في ألم الأخ وحالته الروحية. على الأب أن “يكون ميالاً إلى كل واحد وشفوقاً عليه بحسب استحقاقه”. فالعلاج الفعّال يتمّ فقط في “قلب المتألم”. فألم الآخر يصبح ألمه وهو نفسه يعيش حالة المريض. ليست الحالة هنا من حالات الطب الموضوعي، بل حالة من الطب المشخصن. يتمّ التدخل الروحي بطريقة تغيّر الرهبان المخادعين إلى بسطاء وليس العكس (95). إنه يتطلّب حكمة وتمميزاً.

في نص رائع، يكيّف القديس يوحنا أدوات أطباء زمانه في معالجتهم للمرض الجسدي مع وسائل معالجة جراح النفس وأمراضها. على المعالِج الروحي أم يمتلك تنوعاً من الوسائل يماثل تنوع أمراض الناس. للأهواء الجسدية المنظورة يستعمل الضمادة. لمعالجة الأهواء الداخلية التي لا تُرى ولتطهير الحقل الداخلي يستعمل إكسيراً طبياً. لتطهير عين النفس يستعمل مرهماً، وللعمل الجراحي الذي يستدعي تطهير ما هو نتن يستعمل الموسى أو المبضع والسكين. إنه لا يكتفي، في أي حال، بمجرد الجراحة والأدوات المناسبة وبالتالي هو يستعمل أدوات وعلاجات متنوعة خلال العملية وبعدها. إنه يستعمل اسفنجة لإنعاش المريض بالكلمات الرقيقة اللطيفة البسيطة. أيضاً هو يستعمل مادة كاوية في اشتراطه قانوناً وتكفيراً من المحبة  لوقت محدد. وأيضاً إنه يستعمل مرهماً بتزويده بكلمات التعزية التي تريح المريض، وبالمسكِّن برفعه حمل تلميذه حتى يمتلك الأخير “عمى مقدساً” فلا يرى أعماله الحسنة. بالتأكيد هناك حالات حيث ينبغي بالمعالِج أن يستعمل السكين ليقطع عضواً منتناً لخير الإخوة الباقين (12).

واضح من وصف القديس يوحنا أن هناك تنوعاً من الأدوية والأدوات. إنه يتطلَب حيناً علاجاً، وأحياناً أخرى تفريغاً للنتانة، وأحياناً يحتاج إلى جراحة أو استئصال. في أي حال، ينبغي أن تتمّ العملية الجراحية بتمييز وبدون أذى للمريض.

على الدواء المُعطى لهذه النفوس المريضة أن يتلاءم مع حالتهم الروحية. ينصح القديس المعالِج بأن “يرقب ويكيّف الأدوية للسقماء حسبما يوافقهم”. فيجب أن يعزّي الذين خطئوا كثيراً حتى لا يقعوا في اليأس، أمّا المتكبر والأناني فالطريق الضيقة الكربة هي الدواء (35).

على المعالِج أن يصلي للبعض بيقظة كبيرة (9،8)، ولغيرهم عليه أن يعطي التعليم والكلمات (6)، بينما يؤنب آخرين ويسبب لهم بعض الألم حتى لا يكون بصمتهم البغيض سبباً لإطالة مرضهم أو موتهم (25، 26). البعض الآخر يستفيد من ذكر موته (81)، وغيرهم من أمور أخرى، فيما الجماعة تستفيد من ذل المريض، وآخرون يحتاجون إلى عقوبات أكثر ثقلاً (59). يعطي المعالِج لكل واحد ما ينفعه روحياً، حتى النظام الغذائي يكون مختلفاً. بالواقع، على مثال أحد رؤساء الأديار المختبرين، يقول “الأفضل أن نطرد أحداً من الدير من أن نتركه يصنع مشيئته… باسم الرحمة والتسامح” (94).

كل إنسان يُساعَد وينتفع بشكل مختلف. فعندما أشعلت المحبةُ الإلهية الخوفَ في شخص ما لم تعد الكلمات تسيطر عليه. كما أن الخوف في شخص آخر أنشأ عنده الصبر في كل الأعمال، وآخرون قادهم الرجاء بالملكوت إلى الازدراء بكل الأمور الأرضية (34). واضح من كل ما سبق ذكره أن طريقة العلاج هي رسالة وخدمة صليب وليس نشاطاً سطحياً. إن الفرادة المميزة لكل شخص، كما ميله، تتطلب مقاربات مختلفة. فهؤلاء الأشخاص يحتاجون بالدرجة الأولى إلى طبيب روحي ذي تمييز وحساس وخبير، لا يقدم فقط تشخيصاً صحيحاً وعلاجاً مناسباً، بل قبل كل شيء هو مستعد ليتألم مع المريض، ويحس باستيائه وألمه في نفسه وجسده أيضاً. عليه أن يكون بشكل أكيد جاهزاً ومستعداً لحمل صليب التوجيه الروحي. إن العلم الشفائي الروحي ليس مهمة عقلية بل حياة شهادة واستشهاد، على مثال المسيح القديسين، كما قاد موسى الشعب الغليظ الرقبة حاملاً ألمهم.

5. افتراضات العلاج المسبَقة

إلى الآن تكلمنا عن ماهية المرض الروحي، ومَن هو الطبيب، ما هو الشفاء وكيفية تحقيقه. بقي علينا أن نشير إلى أن شفاء الإنسان موجود لا فقط في بعض الدعم النفسي وبعض الممارسات الفردانية، بل أولاً وقبل كل شيء في رحلة الإنسان من الشخصية الفردية المنعزلة نحو علاقة شخصية. إنها رحلة من محبة الذات إلى محبة الله والإنسان معاً، من محبة تبحث عن ذاتها إلى محبة تنكرها. إنه لهذا السبب بالتحديد أن الشفاء يتم في مناخ روح محدد.

الكنيسة، التي لا تُفهَم فقط كعائلة، بل أيضاً كمستشفى روحي، هي المكان الأكثر ملاءمة لممارسة العلاج. لقد أشرنا سابقاً أن أمراض النفس هي نتيجة لفقدان علاقة الإنسان مع الله ومع أخيه الإنسان ومع نفسه ومع كل الخليقة. هذا يتم ضمن الكنيسة.

إن النص الذي درسناه يفترض مسبقاً دير شركة. فهو موجّه إلى رئيس دير، الذي هو الراعي وعمله هم شفاء أهواء الرهبان الجسدية والروحية. أريد أن أشير إلى أن القديس يوحنا تحدّث عن التبصّر في تقبّل “الخراف” حتّى يأخذوا مكانهم في القطيع بولع وغيرة من أجل خلاصهم. ضروري أيضاً للداخل أن يكون بعمر مناسب حتى لا يندم على ذلك لاحقاً بعد حصوله على الثوب الرهباني. في أي حال، حتى ولو أن الرهبان يعيشون في جماعة محددة فلا بد من بقاء إمكانية الحرية بما يلائم كل عمر. على المتقدّم أن يكون حذراً في هذا الأمر لأن ظروف ومكان سكنى كل الذين تحت إمرتنا تختلف بحسب أعمارهم (69). إلى هذا، هناك حاجة إلى اهتمام خاص إذ عندما يعيش المحاربون مع المتراخي تنشأ مشاكل مختلفة (63).

إذاً، الجماعة أي الدير، هي جماعة شفائية يدخل إليها الإنسان كي يشفى ويصير شخصاً ولكن أيضاً ليكتسب شركة جوهرية مع الآخرين. في هذه الجماعة الشفائية هناك طبيب مختص، غيره أخوة روحيون يساعدون اخوتهم على العيش هناك.

إن المركز السطحي للجماعة هو، في أي حال، ليس الإنسان، لأن الجماعة لا تقوم فقط على الناس. إن مركزها هو الله، لأن الرئيس الراعي يقوم بمهمته بقوة الله وقدرته. وهكذا، الجماعة التي فكر القديس يوحنا السينائي هي الدير. مركزها هو بناء الكنيسة، الهيكل المقدس، حيث تُقام الإفخارستيا. إنها العمل الأكثر أهمية لأن بها نبلغ إلى الاتحاد بالله وبإخوتنا وحتى بكل الخليقة وحتى بكل عمل العبادة الجاري في الكنيسة. يشير القديس عند نقطة ما أن شخصاً محبوباً من الله أخبره “أن الله الذي يغدق عطاياه على عبيده دائماً، يزيد في عطائه في أعياد السيد” (20). واضح هنا أنها ليست حالة من الشفاء الإنساني أو التوازن النفسي إنما عطايا تأتي من الله وبالواقع خلال أعياد السيد المسيح الكبيرة. إن الجماعة المتعبدة من أعضاء الكنيسة هي افتراض مسبق لهذا العطاء. بالحقيقة، تُعرف رحلة الإنسان نحو اتحاده بالله من خلال صورة الإفخارستيا المقدسة (93).

إن وجود الجماعة مرتبط بشكل لا ينفصل بإقامة الإفخارستيا المقدسة وبالعبادة كما بعنصر آخر ضروري لشفاء الإنسان، ألا وهو الحقيقة العقائدية للكنيسة، أي العقائد وما نسمّيه الإيمان. القديس يوحنا ينصح الراعي “ورّث أبناءك قبل كل شيء إيماناً خالصاً وعقيدة سليمة” (97). الأرثوذكسية مصنوعة ومركبة من الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة. بالإيمان الأرثوذكسي يقود ليس فقط أبناءه الروحيين إلى الله، ولكن أيضاً أحفاده الروحيين. بالحقيقة، إنها الميراث الروحي الأعظم.

بالنتيجة، إن العناصر الثلاثة التالية هي الشروط المسبقة المطلوبة لشفاء الإنسان: ما يُسمى بالجماعة-الكنيسة، الإفخارستيا-العبادة، والأرثوذكسية أي الصحيح والعقيدة السليمة. حتى الهدوئي أو الناسك ليس مفصولاً عن الجماعة، إذ إنه إمّا عاش قبل توحده في جماعة أو هو بالحقيقة ملهَما من واحدة. هذا لأنه يعيش بروح الجماعة، بقدر ما يحب الله ويشترك معه، ومع العالم كله، وبالطبع بالجسد والدم في الإفخارستيا التي يتلقاها في الكنيسة. الحقيقة هي أنها عندما يصل الإنسان إلى تقدير عمق كيانه والشر الكامن فيه، أي عندما بنعمة الله ومساعدة طبيب روحي ذي خبرة تُشفى نفسه، عندها يأتي إلى معرفة أعماق الشر ولكن أيضاً قمم الفداء. يكفي أن يصل الإنسان إلى نقطة إدراك السقوط والقيامة في أحشاء كيانه. عندها سوف يعرف هدف العالم كله.

خاتمة

إن شفاء الإنسان هو العمل الأكثر أهمية على الأرض. يقول القديس يوحنا: “لا نغّط الذين يقدمون للمسيح كنوزاً أيها الأب المغبوط بل خرافاً ناطقة”. ليس هناك أي عطية أكثر إرضاءً للمسيح من جلب “النفوس بالتوبة” إليه. هذا لأن “العالم بأسره لا يساوي نفساً واحدة لأنه يزول بينما هي باقية غير فاسدة” (90).

إن الطبيب بطهارته، التي ليست من صنيعه بل هي عطية من الله، ينقع قذارة الآخرين، “يكون عاملاً مع القوات الروحية العادمة الأجساد” لأن هذا عملها (78).

اليوم، يسعى الناس بالمطلق إلى شفائهم كما يصفه ويعرضه القديس يوحنا السينائي، وكما تقدمه الكنيسة الأرثوذكسية. إلى هذا، عندما يتبع الإنسان العدالة والسلام والمساواة بين الناس، فهو يسعى في أعماقه إلى الشفاء، أي العلاقة الصحيحة مع الله والآخرين ونفسه والخليقة.  تنشأ الشكاوى والتذمرات والدمدمة المستمرة والأوجاع لأن الإنسان لا يعيش ملئه الممكن في صميمه. بالتأكيد ما هو ضروري لهذا العمل هو وجود أب روحي حساس وصبور، هو نفسه نفس حرة ويحترم بشكل مطلق حرية الإنسان وقادر بالحقيقة على القيادة إلى تحرير الروح وليس إلى إيحاءات ذاتية.