فساد الجسد وجمال النفس

الأحد الأول بعد العنصرة: أحد جميع القديسين

فساد الجسد وجمال النفس

القديس يوحنا الذهبي الفم

عن كتاب “منهج الواعظ” للمطران أبيفانيوس زائد

“كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا به قدام أبي الذي في السموات”(متى ۱٠:٣٢). هكذا أُعِدَّت الجوائز والعقابات هناك، حسب قول المخلص الصادق. ولكن لماذا نطلب الجائزة هناك ونحن قادرون أن نحصل على الخلاص بواسطة الرجاء فقط؟ فإن فعلنا خيراً ولم نحصل على المكافأة عنه في هذه الحياة، فلا نضطرب لأن هذه المكافأة تضاعَف لنا في الحياة الآتية. وإن فعلنا شراً ولم نعاقَب عليه في هذه الحياة فلا نتهامل بل يجب ان نخاف من عملنا هذا، لان القصاص الابدي ينتظرنا هناك، إذا لم نبدل الشر بالصلاح. واذا كان المعترفون بالمسيح يستحقون المجد في هذه الحياة، فلنفكّر في الأكاليل غير البالية التي سيحصلون عليها في المستقبل. وإذا كان هؤلاء يمجَّدون حتى من أعدائهم، ألا يعظمهم المحب البشر الذي تفوق محبته محبة جميع الآباء الأرضيين؟ هناك تُعطى الجوائز عن الأعمال الصالحة والعقوبات عن الأعمال الشريرة. فكل الذين يرفضون ابن الله يعذَبون هنا وهناك. يعذَبون هنا لأنهم يضمرون الشر، وهناك لأنهم يدفعون إلى العذاب الدائم بعد القبر. وبالعكس فإن الذين يتبعون المسيح حقيقة فإنهم يحصلون على الفائدة هنا وهناك. هنا، لأنهم يتغلبون على الموت ويمجدون اكثر من الاحياء. وهناك، لانهم يتمتعون بالخيرات التي لا توصف. إن الله مستعد للإحسان أكثر من العقاب فلا تخشَ الموت، وإن لم يحن الوقت، لأننا سنقوم لحياة أفضل من هذه بكثير!

قد تقول أن الجسد يبلى. إذن، يجب أن يكون فرحنا كثيراً بهذا لأن لا جوهرَ للجسد. لو لم يبلَ الجسد لاستولت الكبرياء على الكثيرين، والكبرياء أعظم الشرور. ولما آمن البشر بأن الجسد قد أُخذ من التراب، ومع هذا فإن كثيرين، مع مشاهدتهم حوادث الموت المتكررة، يشكّون في فناء الجسد. لو لم يبلَ الجسد لاشتد تعلق الناس به. فإن بعضنا، مع علمهم بأن الجسد يفنى تماماً، نراهم يعانقون القبور.  فماذا كانوا يفعلون لو قدروا على حفظ صورة الجسد تامة، ولما مال الأرضيون إلى الحياة الآتية، ولاستمر في عنادهم الذين يعتبرون الدنيا خالدة غير معترفين بأن الله هو الذي خلق العالم.  ولترك الكثيرون مساكنهم وعاشوا في المقابر وخاطبوا الراقدين كالمجانين بلا انقطاع لأنهم حرموا الخالد المؤكد. وعلى هذه الصورة، كيف لا تدخل عبادة الأوثان إلينا بأنواعها المختلفة؟ ليعلمنا الأب السماوي الرحيم إن كل أرضي زائل يسلط الفساد على الجسد البشري أمامنا.

وليس الجمال بالجسد. فإن الجمال الحقيقي يتوقف على النور الذي تطيعه النفس في الذات الإنسانية. كل جمال في حياة الأرضي يتوقف على النفس. فإذا كانت النفس فرحة يتفتح الورد على الوجنتين، وإذا كانت حزينة تنزع الجمال من الجسد وتوشح هذا بالسواد. وإذا كانت النفس في سرور دائم فيكون الجسد أيضاً في الصحة التامة. وأما إذا كانت النفس في حزن دائم فلا ريب إن الجسد يكون أضعف من العنكبوت. بغضب النفس يتشوّه منظر الجسد وبصفاء العينين يزداد رونقاً وجمالاً. إذا استولى الحسد على النفس علا الجسدَ الشحوبُ والاصفرار، وإن طفحت بمحبة القريب اشترك معها بالوجه المشرق الجميل. ولذلك فكثيرات من النساء غير الجميلات الوجوه يحصلن على جمال خصوصي من جمال نفوسهن. وبالعكس كثيرات من الجميلات الوجوه يشوّهن جمالهنَّ بعدم الجمال في نفوسهنّ. إن الوجه الجميل يتورّد دائماً بحمرة الخجل. أما الوجه الذي لا يعرف الحياة فهو أقبح من الوحوش. لأن النفس الخجول تحيل هيئة صاحبها وادعة محبوبة. فمحبة الجمال الجسدي محزنة مضحكة معاً، وأما محبة الجمال الروحاني فمتّحدة باللذّة الطاهرة المنعشة.

الجسد كالوجه المستعار يستر النفس فيكون حسب ما تكون عليه. فإن كانت قبيحة فسرعان ما تصير جميلة إن شاءت. لنفتّش إذاً عن الجمال الداخلي، عن جمال النفس، حتى يرغب السيّد في جمالنا ويهبنا الخيرات الأبدية بنعمة سيّدنا يسوع المسيح ومحبّته للبشر الذي له المجد والسلطة الى الدهر آمين.

بدء العام الجديد

بدء العام الجديد

للقديس يوحنا الذهبي الفم

كثيراً ما يرافق لقاء العام الجديد عند المسيحيين كفر وإلحاد وإفراط وعدم اعتدال. أما الكفر والإلحاد فلأن الكثيرين من المسيحيين يتفاءلون ظانين أنه إذا مضى عليهم اليوم الأول من السنة وهم مسرورون، فالعام كله سيمضي كذلك. وأما الإفراط وعدم الاعتدال، فلأن الجميع رجالاً ونساءً يحتسون الخمر حتى الصباح.

فهذا السلوك لا يتفق مع حكمة الروح المسيحي اذا اتبعناه، أو سمحنا للآخرين أن يتبعوه. ألم نسمع قول القديس بولس الرسول: “فإنكم تحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين فأنا أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً” (غلاطية 10:4-11). ومن جهة أخرى، ليس من المعقول أن يُبنى على يوم واحد صُرف بسرور، الشيء نفسه طوال العام كله.

إذن لا يجوز لنا مراقبة الأيام وأن نحب بعضاً منها وننفر من غيرها. بل علينا أن نعلم جيداً أنه لا شر إلا من الخطيئة ولا خير إلا من أعمال البر. السرور لا يكون بالسكر بل بالصلوات الروحية، وليس بالخمر والملاهي بل بالوعظ والإرشاد. فالسكر يحدث الهياج، والإرشاد يهدئ الاضطراب. الأول يظلم العقل والثاني ينير الظلام. الأول يسبب أحزاناً لم تكن في البال والثاني يبددها مهما كانت.

على المسيحي ألاّ يحتفل بشهور محددة، ولا يأول يوم من الشهر، ولا بأيام الآحاد فقط، بل عليه أن يصرف أيام حياته كافةً في احتفال دائم. ما هي الحفلات التي تناسب المسيحي؟ لنسمع ما علمه رسول المسيح: “فلنعيّد إذاً لا بالخمير العتيق ولا بخمير السوء والخبث بل بفطير الخلوص والحق”(كورنثوس الأولى 8:5). إذاً إن كان ضميرك نقياً فاحتفالك يدوم لأنك تتعزى بالنعم الآتية. وإن كنت مثقلاً بالخطايا الكثيرة، فالحفلات لا تكون لك أحسن من المآتم، ولا نفع لك من يومك السعيد، إن كانت نفسك معذبة بتأنيب ضميرك. فإن كنت تريد النفع لنفسك من اليوم الأول من الشهر فاعمل هكذا. وإذا بلغت اليوم الأخير من السنة فاشكر الإله السماوي الذي أوصلك إلى نهاية العام. اتضع بقلبك، واعدد أيام حياتك، وقل لنفسك: الأيام تمر وتذهب، والأعوام سوف تنتهي، وقد مضى القسم الأكبر من حياتي فما الذي فعلته من أعمال البر؟ كيف أترك هذه الحياة دون أن أتزود شيئاً من أعمال الحق؟

ينبغي لنا أن نفكر بحكمة في أول الشهر. يجب أن نذكر الكلمات السابقة عن تداول الأعوام. لنفكر في اليوم الآتي حتى لا يقال عنا كما قال نبي الله عن اليهود: “فأفني أيامهم كنفس وسنيهم كالفجاءة” (مزمور 33:77). إن مراقبة الأيام عمل مغاير لروح الحكمة المسيحية وتضليل وثني. إنك قُبلت مع الأجناد السماوية وأصبحت مع جماعة الملائكة حيث لا يبدل نور النهار بظلام اليل بل هناك نهار دائم لا يزول، ليس لك هناك ما يتفق مع هذه الدنيا، كشروق الشمس وغروبها، وتبدل الأيام لكن إذا صرفت حياتك بالبر والصلاح فاللل يكون عندك نهاراً، وعكس ذلك يكون الذين يصرفون حيتهم بالكفر وعدم الاعتدال، فيتحةل نهارهم إل ليل داجٍ لأن نفوسهم أظلمت. فلنتجنب الأعمال التي لا تأتي بنفع، لأن الرسول المملوء حكمة يأمرنا أن نعمل حسب قول الرب: “إن أكلتم أو شربتم أو عملتم شيئاً فاعملوا كل شيء لمجد الله” (كورنثوس الأولى 31:10). لنهتم بالأعمال لا بالأقوال. ولنمجد بلا فتور المسيح الرب الذي يليق به مع الآب الأزلي والروح الكلي قدسه كل مجد وإكرام وسجود، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.آمين.

الصداقة المثالية

الصداقة المثالية

من رسالة القديسة أنثوسا إلى ابنها القديس يوحنا الذهبي الفم

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

” الصديق الأمين دواء الحياة” (إبن سيراخ 16:6). “الصديق الأمين ملجأ حصين” (إبن سيراخ 14:6).

ما هو الأمر الذي لا يفعله الصديق الأصيل؟ أيّة سعادة لا يخلقها لنا؟ أيّة منفعة وأي أمان؟ قد تسمّي ألف كنز ولكن أيّاً منها لا يقارَن بصديق حقيقي.

لنذكر أولاً كم من السعادة تجلب الصداقة. الصديق وضّاء بالفرح، وهو يفيض عندما يرى صديقه. لإنّه متحد به بوحدة هي للنفس سعادة لا تُوصَف. إنّ مجرد تفكيره به يجعله مرتفعاً ومحمولاً بفكره. أتحدث عن الأصدقاء الأصيلين المتفقين. الذين قد يختارون الموت من أجل أصدقائهم، من أجل الذين يحبونهم بحرارة. لا تتخيّل أنك قادر على على ردّ ما أقول عن طريق وصف أولئك الذين يحبون بخفة ويجالسونك المائدة (إبن سيراخ 10:6) وليس لك بهم إلا معرفة ضئيلة. مَن عنده صديق كالذي أصف يفهم كلامي. إنّه يصلّي من لصديقه كما لنفسه. أعرف رجلاً، إذا طلب الصلاة من اشخاص قديسين، يطلبها لصديقه أولاً ثم لنفسه.

إن الصديق الحقيقيّ هو ذلك الذي تصبح الأوقات والأماكن محبوبة بسببه. إذ، كما أن الأشياء المشعّة ترمي بلمعانها على الأماكن المجاورة، كذلك الأصدقاء يضفون نعمتهم على الأماكن التي يكونون فيها. ونحن في أكثر الأوقات، عندما نقف في هذه الأماكن بدون أصدقائنا، ننوح ونتنهد لتذكرنا الأيام التي كنّا فيها معاً.

ليس ممكناً التعبير من خلال الكلمات عن السعادة التي يسببها وجود الأصدقاء، إنما الذين اختبروها يعرفونها. يستطيع المرء أن يطلب خدمة من صديق، ويحصل عليها بدون أي ريبة. عندما يطلب الأصدقاء منا أي شيء نكون ممتنين لهم ونحزن عندما يبطئون بالطلب. نحن لا نملك شيئاً ليس لهم. وغالباً، مع أننا نمقت كل الأشياء الأرضية، ‘لا إننا لا بسببهم لا نرغب بالرحيل عن هذه الحياة، وهم مرغوبون عندننا أكثر من النور. نعم، بالواقع، الصديق مرغوب أكثر من الضوء نفسه. أتحدث عن الصديق الأصيل. لا تعترض، قد نفضّل أن تُطفأ الشمس من أن نُحرَم الأصدقاء. قد نفضّل أن نعيش في الظلام من أن نعيش بدون أصدقاء. وكيف اقول هذا؟ لأن كثيرين من الذين يرون الشمس هم في الظلام. أما الأغنياء بالأصدقاء فلا يكونون في محنة أبداً. أتحدث عن الأصدقاء الروحيين الذين لا يضعون شيئاً فوق الصداقة. هكذا كان بولس، الذي أراد طوعياً أن يضحي بنفسه، من دون أن يسألن واراد طوعياً ان يسقط في الجحيم من أجل إخوته (روما 3:9). بهذه عاطفة تتأجج المحبة. خذْ هذا مثلاً عن الصداقة. الأصدقاء يتخطون الآباء والبنين، أي الأصدقاء بحسب المسيح.

الصداقة هي أمر عظيم وعظمتها لا نتعلمها بالدرس أو بكلمات الشرح، إنما فقط بالخبرة نفسها. ذاك لأن غياب المحبة جلب الهرطقات وجعل الأمم عبّاد وثن. إن الذي يحب لا يتمنّى أن يحكم أو أن يتسلّط، بل بالأحرى يكون أكثر امتناناً إذا تلقّى طلبات. إنّه يفضّل أن يقدّم الخدمات بدل أخذها لأنّه يحب والأخذ لا يشبع شهوته. إنه لا يبتهج في اختبار اللطف كما في أن يكون لطيفاً لأنه يفضّل أن يحفظ صديقه على ارتباط معه بدل أن يكون مديوناً له، أو بالأحرى إنه يتمنى أن يكون مديوناً لصديقه وأن يكون صديقه الدائن. إنه يتمنى أن يمنح الخدمات لا كَمَن يقدم خدمات بل كَمَن يفي ديناً.

عندما تُفقَد الصداقة، نحن نربك بخدماتنا الذين نخدمهم ونضخم الأمور الصغيرة. إنما عندما توجد الصداقة فنحن نكتم الخدمات ونتمنى أن نُظهِر الأمور الكبيرة كصغيرة حتى نظهر صديقنا كمديون لنا بل على العكس كدائن ونحن كمديونين. أنا أعرف أنّ كثيرين لا يفهمون ذلك، إنّما السبب هو أنني أتحدث عن أمر سماوي. إنّه كما لو أني أتحدث عن بعض النباتات التي تنمو في الهند والتي لم يختبرها أحد. لا تستطيع اللغة أن تظهر هذه النبتة حتى ولو استعملنا عشرات الآلاف من الكلمات. حتى الآن، كل ما أقوله يبقى بلا جدوى لأن أحداً لا يقدر ان يصفها. هذه النبتة قد غُرسَت في الملكوت، وأغصانها محملة لا بالجواهر بل بالحياة التي لا تنتهي، الحياة الأكثر متعة من الجواهر.

ولكن عن أي نوع من المتعة أنت ترغب ابلكلام؟ أهي المتعة الشائنة أم المتعة الفاضلة؟ إن حلاوة الصداقة تتخطى كل المتع الأخرى. أنت قد  تذكر حلاوة العسل، غير أن العسل قد يؤدي إلى التخمة، بينما الصديق لا يتخم طالما هو صديق. تزداد الشهوة عند إرضائها، بينما هذه المتعة لا يمكنم لها أن تتركنا مشبَعين. إن الصديق أكثر حلاوة من الحياة الحاضرة. لهذا، يتمنى كثيرون الموت بعد رحيل أصدقائهم. مع الصديق، يصبح النفي محمولاً بينما من دونه لا يختار أحد العيش حتّى في موطنه. حتّى الفقر محمول مع الصديق والغنى والصحة لا يطاقان من دونه.

أن يكون عندك صديق هو أم يكون عندك نفس أخرى. إنه الانسجام والتناغم اللذين لا يساويهما شيء. في هذا يساوي الواحد كثرة. إذ لو اتّحد إلإثنان أو عشرة، فإن كلاً منهم لا يعود واحداً بل يصبح لكل منهم قدرة العشرة وقيمتهم. وسوف تجد الواحد في العشرة والعشرة في الواحد. إذا كان لهم عدو، فهو لا يهاجم الواحد بل العشرة، وبالتالي لا يُهزَم ولا يتراجع من الواحد بل من العشرة. إذا وقع واحد منهم في عوز، فهو ليس مهجوراً لأنه يزدهر بجزئه الأكبر، أي بالتسعة، ويكون جزؤه الأضعف في أمان أي أن الجزء الأصغر يزهو. لكل منهم عشرون يد وعشرون عين والعدد نفسه من الأرجل, لأنه لا ينظر بعينيه الشخصيتين فقط بل بأعين الكل. إنه لا يسير برجليه الشخصيتين فقط بل بأرجل الكل ولا يعمل بيديه فقط بل بأيدي الكل. إن له عشرة أنفس، لأنه لا يهتم لنفسه بل التسعة الآخرون يهتمون له. ولو كانوا مئة فالأمر نفسه سوف يحدث والقدرة سوف تزداد.

أنظر إلى فضيلة المحبة التي من الله! كيف أنها تجعل شخصاً واحداً غير مقهولر ومساوياً لكثيرين. كيف يمكن للشخص الواحد أن يكون في أماكن مختلفة. أن يكون الشخص في روما وفي بلاد فارس في آن واحد، ما تعجز الطبيعة عن عمله تعمله المحبة. إذ إن جزءً من المرء سوف يكون هناك وجزء آخر هنا. بل بالأحرى سوف يكون كله هناك وكله هنل. وإذا كان له ألق صديق، والفان، تصوّر إلى أي ذروة ترتفع قوته. أترى كم أن المحبة هي أمر نافع؟ إنه لأمر رائع: أن تجعل المرء ألف صعف. إذاً السؤال هو: لمَ لا نحوز هذه القوة ونضع أنفسنا في أمان؟ إنها أفضل من كل قوة ومن كل فضيلة. إنها أكثر من الصحة وأفضل من ضوء النهار نفسه. إنها الفرح. إلى متى نحتجز محبتنا في شخص أو اثنين؟

تعلّم من اعتبار العكس. لنفرض أن شخصاً ما لا اصدقاء له، هذا غاية الجهل (“يقول الأحمق لا صديق لي” ابن سيراخ 16:20). ما هو نوع الحياة التي يحياهاهذا الشخص؟ حتى ولو كان عنده غنى مضاعفاً ألف مرة، ولو كام يعيش في الوفرة والرفاهية ويمتلك أضعافاً من الأشياء الجيدة، فهو محروم بالمطلق وعارٍ. ولكن مع الأصدقاء الأمر مختلف. حتى ولو كانوا فقراء فمعهم أكثر من الأغنياء. ما لا يجازف امرء بقوله لنفسه، فإن صديقه يقوله له. وما لا يستطيع تأمينه لنفسه، فيستطيع تأمين أكثر منه من خلال الآخرين. وهكذا يكون الصديق لنا سبباً لكل سعادة وفرح. لأنه من المستحيل أن يُصاب مرء ما بأذى وهو محاطٌ بكثرة من الحراس. حتى حراس الإمبراطور الشخصيون ليسوا حريصين كما الأصدقاء. فأولئك يحرسون بالخوف من النظام أما هؤلاء فبالمحبة. المحبة أكثر إلزاماً من الخوف. بالواقع، قد يخشى الملك حراسه أما الصديق فيثق بأصدقائه أكثر من نفسه وبسببهم لا يخشى المتآمرين عليه.

إذاً لندبّر هذه السلعة لأنفسنا: الفقير حتى يتعزّى عن فقره، والغني حتى تصبح ثرواته في أمان، الحاكم حتى يكم بسلام والمحكوم حتى يكون له حكامٌ صالحون.

إن الصداقة فرصة لعمل الخير ومصدر للرحمة. حتى بين الوحوش، فإن أكثرها وحشية وصعوبة مراس هي تلك التي لا تتآلف معاً. نحن نسكن المدن وعندنا أسواق حتى نبني علاقات مع بعضنا البعض. هذا أمر به الرسول بولس عندما حرّم ” ” (عبرانيين 25:10). إذ لا شيء أسوأ من العزلة وغياب المجتمع والعلاقة مع الآخرين.

قد يتساءل البعض إذاً: ماذا عن الرهبان، وعن المتوحدين على رؤوس الجبال؟ إنهم ليسوا بدون أصدقاء. لقد نزحوا عن جلبة الأسواق ولكن عندهم الكثيرين ممَن هم على اتفاق معهم ومرتبطون ببعضهم البعض في المسيح. وهم قد انسحبوا إلى هناك لكي يتمموا هذا الأمر. ولأن الحماسة في الأعمال تقود الكثيرين إلى النزاعات فهم قد تركوا العالم ليحصّلوا المحبة الإلهية بقوة أكبر. قد يقول المشكك: ماذا؟ إذا كان الرجل وحيداً، كيف يكون له أصدقاء؟ أنا بالواقع أتمنى لو كان ممكناً أن نعيش كلنا معاً ولكن في الوقت نفسه أن تبقى الصداقة ثابتة. إذ ليس المكان ما يصنع الصديق ، إلى هذا، فالرهبان عندهم الكثيرون ممن يحترمونهم، ولا أحد يحترم إلاّ الذي يحب. فالرهبان يصلون لكل العالم وهذا أكبر دليل على الصداقة.

وللسبب نفسه نحن نقبّل بعضنا بعضاً في القداس. حتى نكون واحداً مع أننا كثيرون. ونحن نصلي من أجل غير المؤمنين والموعوظين والمرضى وثمار الأرض والمسافرين في البر والبحر. لاحظ قوة المحبة في الصلوات وفي الأسرار المقدسة وفي التعليم. إنها سبب كل الأمور الحسنة. إذا التزمنا بهذه الوصايا مع الانتباه اللازم فسوف نقدر على تدبير الأمور الحاضرة جيداً ولحصول على الملكوت.

الصداقة المثالية

الصداقة المثالية

من رسالة القديسة أنثوسا إلى ابنها القديس يوحنا الذهبي الفم

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

” الصديق الأمين دواء الحياة” (إبن سيراخ 16:6). “الصديق الأمين ملجأ حصين” (إبن سيراخ 14:6).

ما هو الأمر الذي لا يفعله الصديق الأصيل؟ أيّة سعادة لا يخلقها لنا؟ أيّة منفعة وأي أمان؟ قد تسمّي ألف كنز ولكن أيّاً منها لا يقارَن بصديق حقيقي.

لنذكر أولاً كم من السعادة تجلب الصداقة. الصديق وضّاء بالفرح، وهو يفيض عندما يرى صديقه. لإنّه متحد به بوحدة هي للنفس سعادة لا تُوصَف. إنّ مجرد تفكيره به يجعله مرتفعاً ومحمولاً بفكره. أتحدث عن الأصدقاء الأصيلين المتفقين. الذين قد يختارون الموت من أجل أصدقائهم، من أجل الذين يحبونهم بحرارة. لا تتخيّل أنك قادر على على ردّ ما أقول عن طريق وصف أولئك الذين يحبون بخفة ويجالسونك المائدة (إبن سيراخ 10:6) وليس لك بهم إلا معرفة ضئيلة. مَن عنده صديق كالذي أصف يفهم كلامي. إنّه يصلّي من لصديقه كما لنفسه. أعرف رجلاً، إذا طلب الصلاة من اشخاص قديسين، يطلبها لصديقه أولاً ثم لنفسه.

إن الصديق الحقيقيّ هو ذلك الذي تصبح الأوقات والأماكن محبوبة بسببه. إذ، كما أن الأشياء المشعّة ترمي بلمعانها على الأماكن المجاورة، كذلك الأصدقاء يضفون نعمتهم على الأماكن التي يكونون فيها. ونحن في أكثر الأوقات، عندما نقف في هذه الأماكن بدون أصدقائنا، ننوح ونتنهد لتذكرنا الأيام التي كنّا فيها معاً.

ليس ممكناً التعبير من خلال الكلمات عن السعادة التي يسببها وجود الأصدقاء، إنما الذين اختبروها يعرفونها. يستطيع المرء أن يطلب خدمة من صديق، ويحصل عليها بدون أي ريبة. عندما يطلب الأصدقاء منا أي شيء نكون ممتنين لهم ونحزن عندما يبطئون بالطلب. نحن لا نملك شيئاً ليس لهم. وغالباً، مع أننا نمقت كل الأشياء الأرضية، ‘لا إننا لا بسببهم لا نرغب بالرحيل عن هذه الحياة، وهم مرغوبون عندننا أكثر من النور. نعم، بالواقع، الصديق مرغوب أكثر من الضوء نفسه. أتحدث عن الصديق الأصيل. لا تعترض، قد نفضّل أن تُطفأ الشمس من أن نُحرَم الأصدقاء. قد نفضّل أن نعيش في الظلام من أن نعيش بدون أصدقاء. وكيف اقول هذا؟ لأن كثيرين من الذين يرون الشمس هم في الظلام. أما الأغنياء بالأصدقاء فلا يكونون في محنة أبداً. أتحدث عن الأصدقاء الروحيين الذين لا يضعون شيئاً فوق الصداقة. هكذا كان بولس، الذي أراد طوعياً أن يضحي بنفسه، من دون أن يسألن واراد طوعياً ان يسقط في الجحيم من أجل إخوته (روما 3:9). بهذه عاطفة تتأجج المحبة. خذْ هذا مثلاً عن الصداقة. الأصدقاء يتخطون الآباء والبنين، أي الأصدقاء بحسب المسيح.

الصداقة هي أمر عظيم وعظمتها لا نتعلمها بالدرس أو بكلمات الشرح، إنما فقط بالخبرة نفسها. ذاك لأن غياب المحبة جلب الهرطقات وجعل الأمم عبّاد وثن. إن الذي يحب لا يتمنّى أن يحكم أو أن يتسلّط، بل بالأحرى يكون أكثر امتناناً إذا تلقّى طلبات. إنّه يفضّل أن يقدّم الخدمات بدل أخذها لأنّه يحب والأخذ لا يشبع شهوته. إنه لا يبتهج في اختبار اللطف كما في أن يكون لطيفاً لأنه يفضّل أن يحفظ صديقه على ارتباط معه بدل أن يكون مديوناً له، أو بالأحرى إنه يتمنى أن يكون مديوناً لصديقه وأن يكون صديقه الدائن. إنه يتمنى أن يمنح الخدمات لا كَمَن يقدم خدمات بل كَمَن يفي ديناً.

عندما تُفقَد الصداقة، نحن نربك بخدماتنا الذين نخدمهم ونضخم الأمور الصغيرة. إنما عندما توجد الصداقة فنحن نكتم الخدمات ونتمنى أن نُظهِر الأمور الكبيرة كصغيرة حتى نظهر صديقنا كمديون لنا بل على العكس كدائن ونحن كمديونين. أنا أعرف أنّ كثيرين لا يفهمون ذلك، إنّما السبب هو أنني أتحدث عن أمر سماوي. إنّه كما لو أني أتحدث عن بعض النباتات التي تنمو في الهند والتي لم يختبرها أحد. لا تستطيع اللغة أن تظهر هذه النبتة حتى ولو استعملنا عشرات الآلاف من الكلمات. حتى الآن، كل ما أقوله يبقى بلا جدوى لأن أحداً لا يقدر ان يصفها. هذه النبتة قد غُرسَت في الملكوت، وأغصانها محملة لا بالجواهر بل بالحياة التي لا تنتهي، الحياة الأكثر متعة من الجواهر.

ولكن عن أي نوع من المتعة أنت ترغب ابلكلام؟ أهي المتعة الشائنة أم المتعة الفاضلة؟ إن حلاوة الصداقة تتخطى كل المتع الأخرى. أنت قد  تذكر حلاوة العسل، غير أن العسل قد يؤدي إلى التخمة، بينما الصديق لا يتخم طالما هو صديق. تزداد الشهوة عند إرضائها، بينما هذه المتعة لا يمكنم لها أن تتركنا مشبَعين. إن الصديق أكثر حلاوة من الحياة الحاضرة. لهذا، يتمنى كثيرون الموت بعد رحيل أصدقائهم. مع الصديق، يصبح النفي محمولاً بينما من دونه لا يختار أحد العيش حتّى في موطنه. حتّى الفقر محمول مع الصديق والغنى والصحة لا يطاقان من دونه.

أن يكون عندك صديق هو أم يكون عندك نفس أخرى. إنه الانسجام والتناغم اللذين لا يساويهما شيء. في هذا يساوي الواحد كثرة. إذ لو اتّحد إلإثنان أو عشرة، فإن كلاً منهم لا يعود واحداً بل يصبح لكل منهم قدرة العشرة وقيمتهم. وسوف تجد الواحد في العشرة والعشرة في الواحد. إذا كان لهم عدو، فهو لا يهاجم الواحد بل العشرة، وبالتالي لا يُهزَم ولا يتراجع من الواحد بل من العشرة. إذا وقع واحد منهم في عوز، فهو ليس مهجوراً لأنه يزدهر بجزئه الأكبر، أي بالتسعة، ويكون جزؤه الأضعف في أمان أي أن الجزء الأصغر يزهو. لكل منهم عشرون يد وعشرون عين والعدد نفسه من الأرجل, لأنه لا ينظر بعينيه الشخصيتين فقط بل بأعين الكل. إنه لا يسير برجليه الشخصيتين فقط بل بأرجل الكل ولا يعمل بيديه فقط بل بأيدي الكل. إن له عشرة أنفس، لأنه لا يهتم لنفسه بل التسعة الآخرون يهتمون له. ولو كانوا مئة فالأمر نفسه سوف يحدث والقدرة سوف تزداد.

أنظر إلى فضيلة المحبة التي من الله! كيف أنها تجعل شخصاً واحداً غير مقهولر ومساوياً لكثيرين. كيف يمكن للشخص الواحد أن يكون في أماكن مختلفة. أن يكون الشخص في روما وفي بلاد فارس في آن واحد، ما تعجز الطبيعة عن عمله تعمله المحبة. إذ إن جزءً من المرء سوف يكون هناك وجزء آخر هنا. بل بالأحرى سوف يكون كله هناك وكله هنل. وإذا كان له ألق صديق، والفان، تصوّر إلى أي ذروة ترتفع قوته. أترى كم أن المحبة هي أمر نافع؟ إنه لأمر رائع: أن تجعل المرء ألف صعف. إذاً السؤال هو: لمَ لا نحوز هذه القوة ونضع أنفسنا في أمان؟ إنها أفضل من كل قوة ومن كل فضيلة. إنها أكثر من الصحة وأفضل من ضوء النهار نفسه. إنها الفرح. إلى متى نحتجز محبتنا في شخص أو اثنين؟

تعلّم من اعتبار العكس. لنفرض أن شخصاً ما لا اصدقاء له، هذا غاية الجهل (“يقول الأحمق لا صديق لي” ابن سيراخ 16:20). ما هو نوع الحياة التي يحياهاهذا الشخص؟ حتى ولو كان عنده غنى مضاعفاً ألف مرة، ولو كام يعيش في الوفرة والرفاهية ويمتلك أضعافاً من الأشياء الجيدة، فهو محروم بالمطلق وعارٍ. ولكن مع الأصدقاء الأمر مختلف. حتى ولو كانوا فقراء فمعهم أكثر من الأغنياء. ما لا يجازف امرء بقوله لنفسه، فإن صديقه يقوله له. وما لا يستطيع تأمينه لنفسه، فيستطيع تأمين أكثر منه من خلال الآخرين. وهكذا يكون الصديق لنا سبباً لكل سعادة وفرح. لأنه من المستحيل أن يُصاب مرء ما بأذى وهو محاطٌ بكثرة من الحراس. حتى حراس الإمبراطور الشخصيون ليسوا حريصين كما الأصدقاء. فأولئك يحرسون بالخوف من النظام أما هؤلاء فبالمحبة. المحبة أكثر إلزاماً من الخوف. بالواقع، قد يخشى الملك حراسه أما الصديق فيثق بأصدقائه أكثر من نفسه وبسببهم لا يخشى المتآمرين عليه.

إذاً لندبّر هذه السلعة لأنفسنا: الفقير حتى يتعزّى عن فقره، والغني حتى تصبح ثرواته في أمان، الحاكم حتى يكم بسلام والمحكوم حتى يكون له حكامٌ صالحون.

إن الصداقة فرصة لعمل الخير ومصدر للرحمة. حتى بين الوحوش، فإن أكثرها وحشية وصعوبة مراس هي تلك التي لا تتآلف معاً. نحن نسكن المدن وعندنا أسواق حتى نبني علاقات مع بعضنا البعض. هذا أمر به الرسول بولس عندما حرّم ” ” (عبرانيين 25:10). إذ لا شيء أسوأ من العزلة وغياب المجتمع والعلاقة مع الآخرين.

قد يتساءل البعض إذاً: ماذا عن الرهبان، وعن المتوحدين على رؤوس الجبال؟ إنهم ليسوا بدون أصدقاء. لقد نزحوا عن جلبة الأسواق ولكن عندهم الكثيرين ممَن هم على اتفاق معهم ومرتبطون ببعضهم البعض في المسيح. وهم قد انسحبوا إلى هناك لكي يتمموا هذا الأمر. ولأن الحماسة في الأعمال تقود الكثيرين إلى النزاعات فهم قد تركوا العالم ليحصّلوا المحبة الإلهية بقوة أكبر. قد يقول المشكك: ماذا؟ إذا كان الرجل وحيداً، كيف يكون له أصدقاء؟ أنا بالواقع أتمنى لو كان ممكناً أن نعيش كلنا معاً ولكن في الوقت نفسه أن تبقى الصداقة ثابتة. إذ ليس المكان ما يصنع الصديق ، إلى هذا، فالرهبان عندهم الكثيرون ممن يحترمونهم، ولا أحد يحترم إلاّ الذي يحب. فالرهبان يصلون لكل العالم وهذا أكبر دليل على الصداقة.

وللسبب نفسه نحن نقبّل بعضنا بعضاً في القداس. حتى نكون واحداً مع أننا كثيرون. ونحن نصلي من أجل غير المؤمنين والموعوظين والمرضى وثمار الأرض والمسافرين في البر والبحر. لاحظ قوة المحبة في الصلوات وفي الأسرار المقدسة وفي التعليم. إنها سبب كل الأمور الحسنة. إذا التزمنا بهذه الوصايا مع الانتباه اللازم فسوف نقدر على تدبير الأمور الحاضرة جيداً ولحصول على الملكوت.

من أجل إصلاح الذين يعيشون في الأهواء ويسعون وراء الإكرام والمديح

من أجل إصلاح الذين يعيشون في الأهواء ويسعون وراء الإكرام والمديح

القديس أفرام السرياني

تعريب الأب أفرام كرياكوس

إني أرتعد يا إخوتي وقلبي يتحسر من الحزن بسبب النبي القائل: “أنظروا أيها المتهاونون وتعجّبوا واهلكوا….” (حبقوق ۱:٥؛ أع ۱٣:٤۱)

هذا أولاً بسبب عدم تأدبي لأني صرت مَعبَراً لكل خطيئة، وقيّد العدو بشدةٍ أعضائي كلّها بالخطيئة. كان عليّ بالأحرى أن أبكي وأنوح على نفسي بسبب خزيي وبعدها أفحص ما يتعلّق بالآخرين. كان عليّ أولاً أن أُخرج الخشبة من عيني وبعدها أنظر القذى التي في عين الآخرين. (متى ٧:٣ – لوقا ٦:٤۱).

لكن التهاونَ الحاصل في أيامنا يجعلني أغور عميقاً في الحزن، لاني أرى ضعف التعليم الحاضر، ولا أستطيع أن أحتمل وفق قول النبي: “رأيتُ الجهلاءَ فمقتُّهم” (مز ۱۱٨:۱٥٨).

أيّ جهاز لم يستخدمه العدو ضدنا أو أية مكيدة خادعة لم يَسدُ بها علينا؟ من لا ينوح على المصائب التي تلاحقنا؟ لكن انتبهوا، أرجوكم، لكلماتي أنتم الذين اقتبلتم الحياة الرهبانية وارتعدوا، لأننا وإن كنا نحمل الاسكيم الرهباني، إلا أننا نشارك العدوَّ في شرّه.

اسكيمنا ملائكي، لكن طريق عيشنا عالمي. هل الملائكة في السماء يعيشون في الخصام والغيرة كما نراها اليوم فيما بين الرهبان؟ لقد تجذّر فيما بينهم الحسد والفساد والنميمة. في الواقع يزرع الشيطان، وبطرق مختلفة سمومه في كل واحد منّا، ويقضي بفنّ على كل واحد. الواحد يصوم، لكنه يغار ويتعاطى النميمة. الآخر يضبط نفسه من الشهوة والثرثرة، لكنه واقع في التكبّر. آخر أيضاً يمارس السهرانية لكنه غارق في النميمة، آخر أيضاً ابتعد عن النميمة لكنه يعاني من التذمر وعدم الطاعة. آخر يضبط نفسه من المآكل لكنه يتباهى ويتفاخر ويستعلي. آخر يصبر على الصلوات لكنه مغلوب عليه من الغضب…..

كل واحد يمسكه الشر بطرق مختلفة، ولا يوجد من يعي ضعفه وشرّه. لذلك يحلّ الخصام والخلاف فيما بين الرهبان. من لا يرتعد لذلك؟ من لا يحزن على ذلك؟ كيف انحرفنا عن السلوك الرهباني القديم؟ لقد تركنا العالم، لكننا نفكر عالميّاً. تركنا القنية، لكننا لا نتخلى عن الخلافات. تركنا بيوتنا، لكننا غارقون في الهموم. ليس لنا غنى لكننا لا نبتعد عن التفاخر. تركنا الزواج لكننا لم نتخلَّ عن الشهوة. نتواضع ظاهريّاً، لكن أنفسنا تسعى وراء الإكرام والمديح. ظاهريّاً نحن بلا قنية، لكن الطمع يسودنا. بالكلام نمتنع لكن بالذهن نتعلّق وبكلّ شيء.

من ذا الذي لا يرثي لحالنا ولتعليمنا؟ عجب واحد من أعمال الرهبان وبخاصة الشباب والمبتدئين: لم ينكروا بعدُ العالم حتى بدأوا ينتفخون ويتشامخون. لم يتلقوا بعد دروسهم الأولى حتى بدأوا يرشدون الآخرين. لم يروا بعدُ الداخل حتى بدأوا يتبحّرون في الاعماق. لم يعبروا بعد العتبة حتى أخذوا يتطايرون في السحب. لم يذوقوا بعدُ النسك حتى أخذوا يتولعون بالمجد الباطل. لم يسمعوا بعدُ صوت التاديب حتى بدأوا يؤنبون الآخرين. لم ينخرطوا بعدُ في الأخوية حتى باتوا يأمرون. لم يدخلوا بعدُ باب الدير حتى أخذوا يعترضون ويحكمون ويغضبون. ولماذا أُطيلُ الكلام سُدى؟ كثيرة هي عاداتهم السيئة هذه. لا يوجد من يستشعر. لا يوجد من يتنكر لخصاله الرديئة، من أجل الله، وكي يقدّم نفسه خادماً للإخوة عن طريق الطاعة. بعكس ذلك، وعن طريق التوبيخ يرى من المناسب أن يُعارض. إن أمروه يجعل نفسه آمراً. لا يُبدي حماساً في الأعمال الصالحة، بل يعتاد الأشياء الباطلة. لم يَقضِ بعد ثلاثة أيام في الدير حتى بدأَ يخاصم من شاخ في الحياة الرهبانية. هذا لأنه لا يريد أن يُطيع، لا يريد أن يخضع ويقطع مشيئته فيفتش عن الألاعيب والحيل… بدل الطاعة ينتقد ويأمر ويؤنّب ويغضب ويثور…

يُقال له “إفعل هذا يا أخي”، فيُجيب “لا أفعله إن لم يأتِ معي ذاك”. “إنه مستغرق في قراءة الكتاب المقدس. وأنا عليَّ أن أُطالع”. ويقول أيضاً :”فلان يستريح؛ عليَّ أنا أيضاً أن أستريح.. هذا الأخ ذهب ليلاقي الآباء؛ يجي أن اذهب أنا أيضاً. هذا الأخ نال الإكرام؛ يجب أن أناله أنا أيضاً. هذا الأخ حصل على مِثل هذا المقام والمسؤولية لِمَ لَم أُقَم عليها أنا أيضاً؟” وغيرها من رجوليات الشباب… هذا هو تواضع المبتدئين. هذه هي أتعابهم. بهذا كله يسعون الى الملكوت جاهلين أنهم يدفعون بأنفسهم الى الهلاك ويصيرون أعداء الله.

هذا التصرف كله يظهر أننا لم نترك بعد سلوكنا الدنيوي الخارجي. ظاهريّاً تركنا العالم، لكن في الواقع بقي اهتمامنا عالمياً ولا دفاع لنا. نحن بالاسكيم رهبان، لكن بحسب الاستعداد الداخلي بقينا قساةً لا إنسانيين. بالإسكيم متواضعون لكن في النية مؤذونَ. في الشكل مؤمنون لكن في الواقع كافرون، في الشكل محبّون لكن في الواقع أعداء، في الشكل أصدقاء وفي الواقع حاقدون. في الشكل صائمون، لكن في الداخل لصوص. في الشكل أعفّاء وفي القلب فاسقون. في الظاهر هادئون لكن في الداخل نحلمُ. في الشكل ودعاء لكن في الواقع متشامخون. في الشكل أعزّاء لكن في الواقع وقحون. في الظاهر مرشدون وفي الواقع غشاشون. في الظاهر أبرياء لكن في الواقع رهيبون. في الظاهر لا نحسد لكن في الواقع كلنا غيرة وفساد. في الظاهر نساعد لكن في الواقع خائنون.

ما هو السبب الذي جعلنا أن نكون هكذا؟

هذا لأنه ليس لنا تواضع حقيقي. ليس خوف الله عندنا وأمام اعيننا. نزدري ونستخفّ بوصية المخلص. بكلمة الرب توطدت السموات (مز ٣٢:٦) وأمّا نحن فلا نتقبلها حتى نظير كلمتنا. ذلك الفم الرهيب غير المدرك المرعب تفوّه وقال: “من أراد أن يصير فيكم عظيماً يكون لكم خادماً” (مر ۱٠:٤٣). ونحن قبل أن ندخل أبواب الاسكيم الرهاني نتواقح ونتكبّر بعضنا على بعض. ونؤذي بعضنا بعضاً. نعتبر أنفسنا حكماء، رؤساء، مثقفين كلّنا معلّمين وأوّلين، فلا ينقصنا حتى الرسول القائل: “لو كان كل الجسد سمعاً فاين الشم؟” (۱كور ۱٢:۱٧). لو كنا كلنا أوّلين، كلنا رؤساء، كيف يكون تنوّع أمر الله؟ ربما يقنعكم القول التالي: “لا يأخذ أحدٌ هذه الكرامة بنفسه بل المدعو من الله”(عب ٥:٤)، أو القول الآخر:”لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي” (يعقوب ٣:۱). لذلك عيّن الله رئاسات وسلاطين (تيطس ٣:۱) لأنهم ولو كانوا كلهم في السموات عديمي الفساد والموت، كونهم أرواحاً خادمة، إلا إن الله لم يَسُرَّه ان ينتموا الى طغمة واحدة، بل فيما بين الخدّام الالهيين العادمي الموت أمَرَ الله أن يوجد رؤساء وسلاطين ولا يتخطى الواحد منهم مرتبته. طالما صاروا كلهم بترتيب وتنوّع، لماذا نحن نختلف فيما بيننا؟ ملائكة ورؤساء ملائكة لا يعصون أمر الله، ونحن نستعبد بعضنا بعضاً، نريد أن نتخطى بعضنا بعضاً ونستعجل في أذية واستضعاف بعضنا بعضاً، كأننا ننجز هكذا شيئاً كبيراً هامّاً. يا لها من جهالة في الذهن تجعلنا لا نصغي إلى قول الرسول: “ما دُعيَ كلُّ واحد فيه ايها الإخوة فليلبث في ذلك مع الله” (۱كور ٧:٢٤)

ماذا جرى حتى لم نعد نخاف ابداً الربَّ الذي قال: “كلّ من أُعطي كثيراً يُطلب منه كثيرٌ” (لوقا ۱٢:٤٨). هكذا وبهذه الطريقة يُكتسب التواضع، فلا نعيش غير مبالين بدون خوف الله، وكأننا لن نسمع الحكم الرهيب ولن نعطيَ جواباً عن أعمالنا. أرجوكم، ايها الاخوة الأحباء ألاّ تعيشوا هكذا حتى لا نصبح عثرة للذين هم في الخارج، فلا نزيدنَّ خطايا على خطايانا، فيُجدَّف بسببنا على الإسكيم الرهباني لأن تلك الساعة الرهيبة سوف تأتي ولن تتأخر حين سنُحاسب ونكون بلا دفاع. ماذا يمكننا أن نقول حينئذٍ؟ ماذا كان على الرب أن يفعل ولم يفعله لنا؟ ألم نَرَ كلمة الله نفسه متواضعاً آخذاً صورة عبدٍ (في ٢:٦) لكي نكون نحن أيضاً وضيعين؟ ألم نرَ وجهه غير الموصوف يُهزَأ به ويُبصَق عليه (متى ٢٦:٦٧، ٢٧:٣، مر ۱٤:٦٥، لوقا ٢٢:٦٤) لكي لا نغضب كثيراً عندما يحتقروننا؟ ألم نرَ ظهره يُجلدُ حتى نطيع بدورنا من هم أعلى منا؟ ألم نرَ كيف لطموا وجهه الذي ينظر الى الأرض فيجعلها ترتعد (مز ۱٠٣:٣٢) حتى لا نكون نحن أيضاً وحوشاً نفترس بعضنا البعض؟ ألم نسمعه يقول: “أنا لا أفعل شيء من عندي” (يو ٨:٢٨) حتى لا نكون نحن أنانيين مكتفين بأنفسنا؟ ألم نسمعه يقول أيضاً “أنا أطيع ولا أقاوم” (أش ٥٠:٥) حتى لا نتذمر ونعترض؟ ألم نسمعه يقول “تعلموا مني أنا الوديع والمتواضع القلب” (متى ۱۱:٢٩) حتى نكون نحن أيضاً ودعاء متواضعين لا أناساً يفسدون ويؤذون بعضهم بعضاً (غلا ٥:۱٥)؟ يوم الحساب قريب، فماذا نقول وبماذا نجيب؟

أرجوكم ايها الأخوة لا تفعلوا هكذا، حتى لا نُطرد من الغبطة الابدية بداعي أهوائنا الجسدية، حتى لا نخسر المجد الابدي بداعي إكرام واحد عابر، حتى لا ندان في الجحيم الرهيب، جحيم النار، بسبب خصام، غيرة أو نميمة. إن كنت تريد أن تخلص بدون ريب. لماذا تلاحظ قريبك على الدوام؟ إن كنتَ قد دخلت الطريق وحملت النير لماذا تبدّل رأيك؟ وإلاّ كيف يظهر ثمر طاعتك؟ تشجع لأنه لا المراكز ولا الإكرام، لا صدور المآدب والمقامات، لا الرئاسة ولا المجد يدخلونك ملكوت السموات ويمنحونك غفران الخطايا.

كل هذا لا ينجّي من الهلاك بل بالأحرى يهلك؟ بينما التواضع والطاعة المحبة والصبر وطول الاناة، الأمور هذه هي التي تنجّي الإنسان. لا نستطيع أن نتقدّم ونخلص سوى عن طريق التشبه بربّنا في كل شيء.

ألم تسمعوا من قال: “لم آتِ لأُخدَم بل لأَخدُم” (متى ٢٠:٢٨) وأيضاً “جئتُ ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو ٦:٣٨)

وأيضاً “فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع” (متى ٢٣:۱٢؛ لوقا ۱٤:۱۱)

ألم تسمعوا من قال: “طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات” (متى ٥:٣)

ألم تسمعوا القول: “جلستَ وتقوّلتَ على أخيك وعيّرتَ ابن أمّك”، وأن الرب يعد قائلاً ” لكني سأوبخك وأنصب ذنوبك أمامك” (مز ٤٩:٢٠-٢۱)

وأيضاً: “إن الذي يبغض أخاه فهو في ظلمة” (۱يو ٢:۱۱) ألم تسمعوا أن الشيطان سقط من السموات بسبب تكبره (أش ۱٤:۱٣-۱٥) كيف أنه سقط من مجده العظيم بسبب معاندته لله؟ كيف أن مريم أخت موسى بسبب قول رديء امتلأت برصاً. ولماذا أمام هذه الأمثال كلها نسدّ آذاننا كالحيات السامة؟ لا أعني فقط الآذان الجسدية بل آذان قلبنا لأن الجسدية تسمع لكن الآذان القلبية لا تلبّي. لماذا لا نثق بالرسول القائل: “من يثبت في المحبة يثبت في الله” (۱يو٤:۱٦). أرجوكم إذاً أنتم قطيع المسيح المختار. لنكن ساهرين طالما لدينا الوقت. لنضبط أنفسنا طالما لدينا الفرصة ربما تأتي فجأة تلك الساعة الرهيبة فنحزن بمرارة. نندم لكن دون فائدة. لنكن ساهرين حتى لا نلقَ ذلك الخزي الكبير أمام الله والملائكة والبشر. لنوقف الخصامات خاصة نحن الذين في سن الرشد. تواضعوا بقدر استطاعتكم. في زمن آبائنا كانت الرفاهية شائعة ومع ذلك كانت حياتهم دقيقة في اتباع الوصايا. كان لديهم تواضع كبير وبساطة وانسحاق. اليوم أيضاً الحرب كبيرة فلا تكونوا غير مبالين كما لا تعتبروا أنكم أدركتم الكمال. أنتم بحاجة الى كثير من التعب ومن الوقت لكي تخلصوا.

لا تعتقدوا أن في اللباس الأسود والزنّار تكمن الحياة الرهبانية. كما لا الأيادي النظيفة تخلّص ولا البراعة في تفسير الكتاب هي الكمال. لا في حلق الرأس (عادة الرهبان قديماً) ولا في ترتيب الشعر بل في اكتساب الفضائل المناسبة. لا أقول هذا كله لأقلل من أهمية الإسكيم الرهباني. حاشا. لكن لكي أؤكد أنه علينا أن تتجانس معه طريق حياتنا وأعمالنا. الإسكيم بدون الأعمال لا نفع له. فلا تكونوا لا مبالين وكسالى تحتاجون إلى تعب كثير لتلجموا أهواء الجسد. إن كان كلامي هذا لا يسرّكم فلا بأس من ذلك لأني أريد أن استخدم الكيّ حتى تتحرّروا من الجرح البليغ. لا تعتقدوا أن الله يجهل أهواءكم الخفية. إني اخجل في وصف ما تفعلون في السر، إن ذكرتها لا تتحملون بل تهربون بعيداً.

لذلك ارجوكم تواضعوا عن طريق الطاعة والمحبة والبساطة وإذلال النفس والانسحاق، بها تخضعون بعضكم لبعض وتضبطوا أنفسكم متسلحين بالصوم، بالصلاة والسهر.

لا تتجبّروا بالخصام وتتعالوا بالترتيل. لا تكونوا ساهرين في أفكاركم ونظراتكم كالوحوش المفترسة بينما تنعسون في الصلاة وتغلقون العينين (متى ۱٣:۱٥؛ أع ٢٨:٢٧؛ مرا ٣:٤٥؛ أش ٦:٥ – ٢٩:۱٠). لا تكونوا مقتدرين في الثرثرة كالثيران وفي تمجيد الله خسعاناً كالثعالب. لا تكونوا في الجدل غالبين وفي الروحيات ضعفاء. لا تكونوا مغبوطين في المزاح وعابسين عندما تنصحون. لا تكونوا أصحاء في النهار وفي شراهة البطن ومرضى وكسالى في الصلاة الليلية. لا تكونوا شجعاناً في الحديث مع الآخرين وضعفاء في العمل والتطبيق. لا تكونوا مقتدرين فيما تأمرون ومُحبطين فيما تُؤمرون. لا تكونوا مسرورين في اخضاع الآخرين ونافرين في الخضوع للآخرين. لا تكونوا قساة في أوامركم ومتذمرين لأوامر الآخرين… لا تكونوا مسرعين إلى الموائد ومتكاسلين في الأشغال. لا تكونوا أقوياء في كثرة المآكل وضعفاء في الصوم. لا تكونوا متهللين في شرب الخمر ومتحفظين لشرب الماء. لا تكونوا ساهرين تراقبون ما حولكم بينما ذهنكم مظلم لا يميّز الصلاح. لا تكونوا مهذبين أمام النساء ومتوحشين امام الإخوة.

بعكس ذلك أرجوكم يا أبناء الله الأحباء، توقوا إلى الأعمال الصالحة، إلى كل ما هو للبنيان، كل ما له صيت حسن (في ٤:٨). فوق كل شيء، اسعوا وراء التواضع، المحبة، الصلاح والوداعة. تنازلوا لبعضكم البعض ولا تتخاصموا. اتعبوا في الصوم والصلاة كي تستطيعوا ان تتغلبوا على الاهواء الجسدية حتى لا نحرم من مثل هذه الخيرات الكبيرة بداعي الاهواء الهزيلة. فلا نخسرنّ المجد الابدي ساعين وراء المجد العابر. لنسرع أرجوكم طالما نحن في الجسد لنعمل ما يُرضي الرب (أف ٥:۱٠). لنسرع ونغصب أنفسنا لأن العاصفة آتية فلا نكن غير مبالين. صراعنا ليس ضدّ الناس المنظورين لأن محاربنا غير منظور. لذلك الخطر كبير للمتهاملين أما للغالبين فلهم ثواب عظيم.

لنحارب عدوّنا بفن وحكمة. إن دعانا الى الشراهة فلنحاربه بالإمساك. إن أثار فينا شهوة الزنى فلنضبط حواسنا ونصبر فيتبخّر. إن دفعنا الى الغضب فلنتسلح بالوداعة والسلام. إن أشعل فينا الكراهية فلنلتصق بالمحبّة. إن دفعنا إلى طلب الإكرام فلنُظهر له انسحاقنا، إن حرّضنا على طلب المجد فلنرتدِ البساطة. إن جعلنا نلجأ الى الكبرياء فلنتفكّر بتواضع الربّ. إن جرّنا الى حسد أخينا فلنفتكر بما آل اليه قاين (تك ٤:۱۱). إن دفعنا الى النميمة فلنتذكر هلاك عيسو (تك ٢٥:٣٤….عب ۱٢:۱٦-۱٧)؛ إن جعلنا نتكلّم شرّاً فلنَصن نفسنا بالصمت. هكذا إن قاومناه يهرب ولن يثبت أمامنا. فتعود إلينا النعمة الإلهية من جديد.

ثق يا أخي اني أخطات في كلّ ما نصحتك به. كونوا أنتم على الأقل أنقياء لأنني تمرّغت كثيراً في حمأة الخطيئة. اهتموا عن طريق التوبة الصادقة بتحريري أنا ايضاً. ثقوا إني لم أتبع ولا واحد من تلك النصائح لكن أنتم زيّنوا كلماتي بالعمل. إني واثق أنكم تصيرون بلا عيب. اما أنا فسأدان عما أقول ولا أفعل.

لذا لا نتهامل في سبيل خلاصنا. لا تعتبروا أقوالي خيالية. لم أضِف شيئاً جديداً عما في الكتب المقدسة ولم أكذب فيما قلته. طوبى للذي يتقبل بذار الكلمة كالأرض الصالحة ويثمر، الواحد ثلاثين والآخر ستين والآخر مئة (متى ۱٣:٨-٩). هكذا مزيَّنين بالثمار منوَّرين بالفضائل تسرّون ربّنا يسوع المسيح. وهو بدوره يبهجكم في راحة ملكوته الى أبد الدهور. آمين

المرأة الخاطئة

المرأة الخاطئة

للقديس أفرام السوري

ترجمة الأب أنطوان ملكي

اسمعوا أيها الأحباء كم أن الله هو رحيم، وكونوا في الراحة. المرأة الخاطئة غفر زلاتها؛ نعم، لقد رفعها حين كانت مبتلاة. بالوحل فتح عيني الأعمى، حتى يرى بحدقتيه النور. للمشلول وهب الشفاء، فقام ومشى وحمل سريره. ولنا أعطى الجواهر، جسده ودمه المقدسين. لقد جلب عقاقيره سرياً وبها يشفي علانيةً. هو يطوف في أرض يهوذا كطبيب حاملاً أدويته. سمعان دعاه إلى العيد ليأكل الخبز في بيته. فرحت المرأة الخاطئة عندما سمعت أنه جلس يحتفل في بيت سمعان. تجمعت أفكارها معاً مثل البحر وكالأمواج العظيمة جاشت محبتها. لقد شاهدت بحر النعمة، وكيف ألزم نفسه في مكان واحد واعتزمت أن تمضي وتُغرق كل شرها بين أمواجه.

لأن قلبها أثم، فقد ربطته بسلاسل العذاب ودموعه، وابتدأت تندب في ذاتها: “ماذا نفعني هذا الزنا؟ ماذا أفادني هذا الفسق؟ لقد لوثت الأبرياء بدون خجل. لقد أفسدت اليتامى، وبدون خوف سرقت من البائعين بضائعهم، ولم يكتفِ جشعي. لقد كنت كالنبّال في الحرب، وقد قتلت الصالح والطالح. لقد كنت مثل عاصفة في البحر وغمرت سفن الكثيرين. لماذا لم أربح رجلاً واحداً؟ فقد كان ليصلح فسقي، لأن رجلاً واحداً هو من الله أما كثيرون فهم من الشيطان.

لقد قالت هذه الأشياء في داخلها ثم بدأت تتصرف بالظاهر. غسلت عينيها ومسحت الصبغة التي أعمتهما. تفجرت الدموع من عينيها على هذا الصباغ المميت. سحبت ورمت من يديها سوار شبابها الجذاب. خلعت عن جسدها غطاء الدعارة الكتاني وألقته بعيداً، وقررت أن تمضي وتزيّن نفسها بثوب المصالحة. خلعت من رجليها حذاء الفسق المزيَّن ووجهت خطواتها في طريق النسر السماوي. أخذت ذهبها براحتيها وحملته إلى وجه الملكوت وراحت تبكي في سرها إلى الذي يسمع في العلن: “هذا يا رب ما جنيته من الإثم، به سوف أشتري لنفسي العتق. هذا ما جمعته من الأيتام، به سوف أكسب رب الأيتام”.

هذه الأشياء قالتها في سرها ثم بدأت بالتصرف في العلن. أخذت الذهب على راحتيها وحملت صندوق حليها في يديها. ثم ذهبت مسرعة بأسى إلى العطار. رآها العطار وافتكر في نفسه، وراح يسألها. هكذا راح يقول لبنت الهوى بكلماته الأولى: “ألم يكفيك، يا ابنة الهوى، أنك أفسدت كل مدينتنا؟ ماذا يعني هذا الشكل الذي تُظهرين اليوم لمحبيك وكأنك رميت جانباً كل عبثك وكسوت نفسك بالتواضع؟ حتى الآن كنت دائماً تأتين إلي بمظهر مختلف عمّا أنت عليه اليوم. أنت لا تلبسين ملابس جميلة ولم تجلبي إلا القليل من الذهب ولست تطلبين المرهم الغالي الثمن لتجعلي فسقك لطيفاً. لكن عجباً! اليوم ثوبك خسيس، ولم تجلبي الكثير من الذهب. لا أفهم تغيرك. لمَ هذا المظهر؟ إما اكتسي بثوب يناسب قدرتك أو اشتري مرهماً يلائم ملبسك وإلا فإن هذا العطر لا يناسب ولن يكون مناسباً لهذا اللباس. هل حدث أن بائعاً التقاكِ وجلب ثروة كبيرة وأنتِ رأيت أنه لا يحب ثيابك المثيرة للشهوة؟ وهكذا خلعتِ الفسق عنك وكسوتِ نفسك بالخنوع حتى بتغيير الملابس تحققين ثروة أكبر. ولكن إن كان يحب هذا المظهر لأنه رجل محتشم بالحقيقة، إذاً وا أسفاه عليه! بماذا وقع؟ في خليج ابتلع بضاعته. ولكني أسديك نصيحة، كرجل يريد منفعتك، أن تبعدي عنك المحبين الكثيرين الذين لم يسعفوك بشيء منذ شبابك. ومن الآن فصاعداً اسعي وراء زوج يصلح رداءتك”.

هذه الأشياء بالحكمة قالها العطّار لبنت الهوى. أجابت المرأة الخاطئة وقالت له، للعطار، بعد حديثه: “لا تعوّقني أيها الرجل، ولا توقفني بالأسئلة. لقد طلبتُ منك العطر ليس مجاناً إنما سوف أدفع لك ثمنه بدون تذمر. خذ الذهب قدر ما تريد واعطِني العطر الثمين، خذ ما لا يثبت واعطِني ما يثبت، وأنا سوف أذهب إلى الذي يدوم وسوف أشتري ما يدوم. وبالنسبة لما قلتَه عن التاجر، لقد التقيت رجلاً يحمل ثروات غزيرة. لقد سلبني وسلبتُه. لقد سلبني انتهاكاتي وخطاياي، وأنا سلبته ثروته. وبالنسبة لما قلتَه عن زوج، لقد كسبت زوجاً في الملكوت، سلطانه يدوم إلى الأبد ومملكته لا تفنى”. وحملت العطر ومضت.

لقد مضت بعجلة. عندما رآها الشيطان غضب وحزن حزناً عظيماً في فكره. للحظة ابتهج ومن جديد للحظة أخرى حزن. لقد فرح في داخله لأنها تحمل الزيت المعطر. لكنها مكتسية بلباس خسيس – هذا العمل أخافه. عندها شق طريقه إليها وتبعها كما يتبع السارق التاجر. تنصت إلى تمتمات شفتيها كي يسمع صوت كلماتها. راقب مقلتي عينيها عن قرب ليعرف أين يتوجَه بريق عينيها. وكان يمشي بقرب رجليها حتى يعرف أين هو ذهابها. الشيطان مليء بالدهاء، من كلامنا يعرف هدفنا. هكذا علمنا ربنا ألا نرفع صوتنا عندما نصلي، حتى لا يعرف الشيطان كلماتنا ويقترب ويصبح خصمنا. وهكذا إذ رأى الشيطان أنه لا يستطيع تغيير رأيها أكتسى بزي رجل وجمع حوله حشداً من الشبان، مثل محبيها في الأوقات الغابرة. وعندها توجّه إليها هكذا: “بحياتك أيتها المرأة، أخبريني أين توجهين خطواتك؟ ماذا تعني هذه العجلة؟ فأنت مستعجلة أكثر من أي يوم آخر. ماذا يعني هذا الخنوع، فنفسك خانعة مثل خادمة؟ بدل ثياب الحرير الرفيع، وا أسفاه! أنت ترتدين ثوب حداد قذراً. بدل أساور الذهب والفضة، لا يوجد حتى خاتم في إصبعك. بدل الصنادل الجميلة لقدميك لا تنتعلين حتى حذاء بالياً. اكشفي لي عن عملك هذا، فأنا لا أفهم تبدلك. هل هو أن أحد محبيك مات وتذهبين لدفنه؟ سوف نذهب إلى الجنازة لاحقاً ومعك نشترك في الحزن”.

أجابت المرأة الخاطئة وقالت له، للشيطان بعد كلامه: “حسناً قلت أني أذهب لأدفن الميت، الميت الذي مات من أجلي. خطيئة أفكاري قد ماتت، وأنا أذهب لأدفنها”. أجاب الشيطان قائلاً لها، للمرأة الخاطئة بعد كلماتها: “إذهبي أيتها المرأة، أنا أخبرك أني أول محبيك. أنا لست مكانك بذاتي، إنما أنا أضع يديّ عليك. سوف أعطيك مجدداً ذهباً أكثر مما مضى”.

أجابت المرأة الخاطئة وقالت له، للشيطان بعد كلامه: “لقد ضجرت منك أيها الرجل، وأنت لم تعد أبداً حبيبي. لقد كسبت زوجاً في السماء، إنه الله، كل شيء انتهى، وسلطته تدوم إلى الأبد، ومملكته لا تزول. لهذا وا أسفاه! بحضورك أقول، وأقول مجدداً ولا أكذب. لقد كنت أمة للشيطان منذ طفولتي إلى هذا اليوم. لقد كنت جسراً وهو يدوس علي، وقد أفسدت آلاف الرجال. لقد أعمى طلاء العينين عينيّ، وقد كنت عمياء بين عميان كثيرين أنا أعميتهم. لقد صرت بلا نظر دون أن أعلم أن هناك مَن يمنح النور للذين لا نظر لهم. عجباً! أذهب لأنال الضوء لعينيّ، وبذاك النور لأعطي النور لكثيرين. لقد كنت مقيدة بإحكام ولم أعرف بأن هناك مَن يقلب الأوثان. عجباً! أذهب لكي تُتلف أوثاني، وهكذا لتُتلف حماقات كثيرين. لقد كنت جريحة ولم أعرف أن هناك مَن يبلسم الجراح. وعجباً! أذهب لتُبلسم جراحي”. هذه الأشياء قالتها بنت الهوى للشيطان بحكمتها، وهو راح يئن، وحزن وناح، وصرخ بصوت عالٍ وتكلّم هكذا: “لقد غُلبت بك أيتها المرأة ولا أدري ماذا أفعل”.

ما أن اقتنع إبليس أنه لا يستطيع تغيير رأيها، راح يندب نفسه وهكذا تكلّم: “من الآن فصاعداً فَسُد اعتزازي وفخرُ كل أيامي. كيف لي أن أنصب لها شركاً، هذه الصاعدة إلى فوق؟ كيف لي أن أرمي سهاماً عليها، هذه التي لا تهتز؟ إذاً سوف أدخل في حضرة يسوع. عجباً! هي على وشك الدخول إلى حضرته. سوف أقول له هكذا: “هذه المرأة هي مومس”. ربما يرفض أن يستقبلها. وسوف أقول له هكذا: “هذه المرأة التي تقف في حضرتك هي إمرأة بنت هوى. لقد أسرت الرجال بدعارتها، إنها ملوثة منذ شبابها. لكن أنت أيها السيد، صالح وكل الرجال يزدحمون لرؤيتك. وإذا رأى الناس أنك تتكلم إلى المومس، سوف يبتعدون من حضرتك وواحد منهم لن يحييك”.

هذه الأشياء قالها الشيطان في نفسه لكنه لم يتحرك. ثم غيّر سبيل فكره، وهكذا كان ما تكلم به: “كيف سوف أدخل إلى حضرة يسوع، إذ أن الأشياء السرية مستعلنة لديه؟ إنه يعرفني، يعرف مَن أكون، وأن غايتي ليست أية خدمة حسنة. إذا اتفق وأن وبخني فأنا أفشل وكل خدعتي تضيع. سوف أمضي إلى بيت سمعان إذ أن الأشياء السرية ليست مستعلنة له. وفي قلبه سوف أضعها، وهو قد يعلق على هذه الصنارة. وهكذا سوف أقول له: “بحياتك يا سمعان أخبرني. هذا الرجل الذي ينزل في بيتك، أهو رجل صالح أم هو صديق لفاعلي الشر؟ أنا رجل غني وعندي ممتلكات، وأرغب مثلك أن أدعوه كي يدخل ويبارك ممتلكاتي.

أجاب سمعان وهكذا قال للشيطان بعد كلامه: “منذ أول يوم رأيته لم أرَ أي شهوة فيه، إنما هدوءً وسلاماً، تواضعاً وحسن مظهر. المريض أبرأ من دون مكافأة، والعليل شفى من دون أجر. إنه يقترب ويقف قرب القبر ويدعو فيقوم الميت. يايرس دعاه ليقيم إبنته إلى الحياة، إيماناً بأنه قادر على إقامتها إلى الحياة. ومضى معه في الطريق، أعطى الشفاء للمرأة السقيمة التي اقتربت من ذيل ثوبه وخطفت الشفاء منه وحل عنها ألمها الذي كان مراً وصعباً. ولقد مضى أيضاً إلى الصحراء ورأى الجياع الباهتين من الجوع فجعلهم يجلسون على العشب وأطعمهم برحمته. في السفينة غفا كما شاء وهاج البحر على التلاميذ فاستيقظ ووبخ الموج فكان هدوء عظيم. الأرملة البائسة التي كانت تسير وراء ابنها الوحيد على طريق القبر، واساها فأعطاه إليها وأبهج قلبها. للرجل الذي كان أصماً وأعمى جلب الشفاء بصوته. البرص أبرأهم بكلمته؛ ولأعضاء المشلول أعاد القوة. للرجل الأعمى المتألم والمرهق فتح عينيه فرأى النور. ولآخرَين التمساه مرة واحدة فتح أعينهما. أما بالنسبة لي أنا، هكذا سمعت بصيت الرجل من بعيد ودعوته ليبارك ممتلكاتي ويصون قطعاني”.

أجاب الشيطان وقال لسمعان بعد كلامه: “لا تمدح رجلاً في بدايته حتى تعرف نهايته. حتى الآن هذا الرجل رزين ولا تجد نفسه لذة في الخمر. إن مضى من منزلك وحرص على ألاّ يتحدث مع زانية، يكون عندها رجلاً باراً وليس صديقاً لفاعلي الشر”.

وقفت المرأة الخاطئة المليئة بالانتهاكات متشبثة بالباب. شبكت ذراعيها بالصلاة وهكذا تكلمت راجية: “أيها الابن المبارك الذي نزلت إلى الأرض لخلاص الانسان، لا تغلق بوجهي لأنك أنت دعوتني وأنا أتيت. أنا أعرف أنك ما نبذتني. إفتح لي أبواب رحمتك حتى أدخل يا سيدي وأجد فيك أنت ملجأً من الشرير وجمهرته. لقد كنت مثل العصفور الدوري والصقر طاردني، فهربت ووجدت مأوى في عشك. لقد كنت عجلة والنير ناكدني، وسوف أعود عن ضلالاتي إليك. ضع على كتفي نيرك حتى أحمله وأعمل مع ثيرانك”. هذا ما قالته الزانية على الباب بنحيب كثير. نظر رب المنزل ورآها فتغير لون وجهه، وراح يقول لها، للزانية، بأول كلامه: “إمضي أنتِ من هنا أيتها الزانية، لأن هذا الرجل الذي يقيم في منزلنا هو رجل بار والذين معه هم بلا لوم. ألا يكفيك أنك أفسدت كل المدينة؟ أنتِ أفسدت الطاهر بلا خجل؛ أنتِ سلبت اليتامى وما استحيتِ؛ وأنتِ سلبتِ مخازن التجار بهدوء غير مرتبك. منه (من يسوع) قلبك ونفسك يعملان للأخذ، ولكن منه لن تنهبي شيئاً لأنه بار ومَن معه بلا لوم.

أجابت المرأة الخاطئة وقالت له، لسمعان أيضاً عندما انتهى: “أنت بالتأكيد حارس الباب، أنت يا مَن يعرف أشياء سرية. قدّم المسألة على المأدبة وأنت سوف تكون حراً من اللوم. وإذا أرادني أحد أن أدخل فهو يأمرني وأنا أدخل”. أسرع سمعان وأغلق الباب ودنا ووقف بعيداً. ثم تلكأ لوقت طويل ولم يعرض المسألة على المأدبة. لكن ذاك الذي يعرف ما هو سر أومأ لسمعان وقال له: “تعالَ إلى هنا، أنا آمرك، ألا يقف أحد ما عند الباب؟ كائناً مَن كان، افتح له ليدخل ودعه يحصل على ما يريد ثم يمضي. إن كان جائعاً جوعاً للخبز، في بيتك مائدة الحياة؛ وإن كان عطشاناً عطشاً للماء فالنبع المبارك في دارك. وإن كان مريضاً يطلب الشفاء فالطبيب العظيم في منزلك. يتعذب الخاطئون بحثاً عني، أنا لأجلهم بذلت نفسي. أنا لن أصعد إلى السماء، إلى المسكن الذي منه نزلت، حتى أحمل الخروف الذي ضلّ من منزل أبيه وأرفعه على كتفيّ وأحمله عالياً إلى النعيم”. أجاب سمعان وهكذا قال ليسوع عندما انتهى من الكلام: “سيدي هذه المرأة التي تقف في المدخل هي بنت هوى: إنها فاسقة وغير حرة المولد، مدنسة منذ طفولتها. وأنت يا سيدي رجل بار والكل متلهفون لرؤيتك. وإذا رآك الناس تتحادث مع الساقطة، كلهم سوف يفرون من قربك وأحد لن يحييك”. أجاب يسوع وهكذا قال لسمعان عندما انتهى من الكلام: “كائناً مَن كان، افتح له ليدخل وأنت فلتكن بلا لوم. وحتى لو كانت سيئاته كثيرة سوف أقبله بدون توبيخ”.

اقترب سمعان وفتح الباب وابتدأ يتكلم هكذا: “تعالي، ادخلي، أنجزي ما أردتِ، لمَن هو مثلك”. المرأة الزانية، ملأى بالخطايا، تقدمت ووقفت عند رجليه، وشبكت يديها بالصلاة، وبهذه الكلمات تكلمت: “عيناي أصبحتا جداول لا تتوقف عن إرواء الحقول، واليوم تغسلان قدمي ذاك الذي يسعى وراء الخطاة. هذا الشعر، الغزير بالعقد منذ طفولتي إلى هذا اليوم، لا يحزنْك أنه سوف يمسح هذا الجسم المقدس. الفم الذي قبّل الفاسقين، لا تمنعْه من تقبيل الجسد الذي يغفر الخطايا والذنوب”. هذه الأشياء قالتها بنت الهوى مع بكاء كثير. وسمعان وقف بعيداً ليرى ما سوف يفعل لها. لكن ذاك الذي يعرف الأشياء السرية وبّخ سمعان وقال له: “عجباً! سوف أقول لك يا سمعان ما أنت تفكر به من جهة الزانية. في فكرك تخيّلت وفي داخل نفسك قلت: “لقد دعوتُ هذا الرجل باراً ولكن للأسف! بنت الهوى تقبّله. لقد دعوته ليبارك ممتلكاتي وللأسف! بنت الهوى تعانقه. يا سمعان كان هناك مديونان لدائن واحد؛ الأول له عليه خمسمائة فلس والآخر خمسون. ولما رأى الدائن أن الإثنين لا يملكان شيئاً البتة سامحهما وترك لهما دينهما. أي منهما ينبغي به أن يؤدي الشكر الأعظم؟ ذاك الذي تُرك له خمسمائة أم ذاك الذي تُرك له خمسون؟” أجاب سمعان وقال ليسوع عند انتهائه من الكلام: “ذاك الذي تُرك له خمسمائة يجب أن يؤدي شكراً أعظم”. أجاب يسوع وتكلم هكذا: “أنت هو الذي عليه الخمسون وهذه المرأة عليها الخمسمائة. عجباً! أتيتُ إلى بيتك يا سمعان وماءً لقدميّ لم تقدم؛ وهذه المرأة التي قلتَ عنها أنها كانت بنت هوى، ومنذ حداثتها تلوثت، فقد غسلت رجليّ بالدموع ومسحتهما بشعرها. أينبغي بي أن أبعدَها يا سمعان من دون الحصول على المغفرة؟ الحق الحق أقول لك سوف أكتب عنها في الإنجيل. إمضِ أيتها المرأة مغفورة لك خطاياكِ وكل سقطاتك قد حُجبَت من الآن وإلى نهاية العالم”.

فليحسبنا ربنا مستحقين لسماع كلمته “تعالوا ادخلوا يا مبارَكي أبي، رثوا المُلك المعَد لكل الذين يفعلون مشيئتي ويطيعون وصاياي”. له المجد ولنا الرحمة كل حين. آمين. آمين.

من كتاب طريق الخلاص، للقديس ثيوفانس الحبيس

من كتاب طريق الخلاص، للقديس ثيوفانس الحبيس

المدخل

قد يكون ممكناً أن نصف الأحاسيس والميول التي ينبغي بالمسيحي امتلاكها، لكنّ هذا بعيد جداً عن أن يكون كافياً لترتيب خلاصه. المهم لدينا هو الحياة الحقيقية بروح المسيح. لكن فقط لامسوا هذا الأمر وسوف تنظرون كم من التعقيدات تتكشّف وكم من الدلائل تُطلَب عند كل خطوة.

صحيح أنه ممكن أن نعرف غاية الإنسان الأخيرة: الاتحاد بالله. وقد يكون ممكناً وصف الطريق إلى هذه الغاية: الإيمان والسير بحسب الوصايا بمعونة النعمة الإلهية. وقد يقول البعض: هذه هي الطريق فسيروا بها.

هذا الكلام يسهل قوله لكن كيف تنفيذه؟ كثيرون تنقصهم الرغبة بالمسير. النفس، مشدودة بهذا الهوى أو ذاك، تصدّ بعناد كل قوة وكل دعوة. تتحوّل الأعين بعيداً عن الله دون أن تريد النظر إليه. فالإنسان لا يميل إلى ناموس المسيح، ولا هو مستعد حتّى للاستماع إليه. قد يسأل البعض، كيف يصل الإنسان إلى نقطة ولادة الرغبة بالسير نحو الله على طريق المسيح؟ ما الذي يفعله الإنسان حتى يطبع الناموس نفسه في قلبه، فيتصرّف المرء بحسب هذا الناموس من نفسه وبدون تكلّف، فلا يكون الناموس حِملاً عليه بل يبدو وكأنه نابع منه؟

لكن لنفترض أن شخصاً ما تحوّل نحو الله، ولنفترض أنه توصّل إلى محبة ناموسه. هل سوف ينجح التحوّل إلى الله، وهو ضروري جداً، والسير على طريق المسيح لمجرّد أننا نرغب به؟ لا. إلى جانب الرغبة، ينبغي امتلاك القوة والمعرفة للتصرّف. على المرء أن يمتلك حكمة ناشطة.

مَن يدخل الطريق التي ترضي الله، أو مَن يبدأ بمعونة النعمة بالجهاد نحو الله على طريق ناموس المسيح، سوف يكون مهدداً، بشكل لا يمكن تلافيه، بأن يضيّع الطريق عند كل مفترق، بأن يضلّ ويهلك فيما هو يتخيّل أنّه مخلَّص. هذه المفترقات لا يمكن تلافيها لأن الميول الخاطئة والاضطراب في قدرات الإنسان قادرة على تقديم الأمور بضوء زائف، أي خداع الإنسان وتدميره. إلى هذه ينضمّ تملّق الشيطان المتباطئ بالابتعاد عن ضحاياه، فإذا انتقل إلى نور المسيح واحد من الذين تحت سلطانه، يلحق به ويستغلّ كل الطرق للإمساك به مجدداً، وغالباً ما ينجح بذلك.

بالنتيجة، ضروري لكل مَن امتلك الرغبة بالسير على الطريق المذكور إلى الرب، بالإضافة إلى هذه الرغبة، أن يرى كل الانحرافات الممكنة على هذا الطريق، حتى يتنبّه المسافر مسبقاً، ويرى الأخطار التي قد يصادفها، فيعرف كيف يتجنبها.

هذه الاعتبارات العامّة التي لا يمكن تلافيها على طريق الخلاص تجعل مما لا مفرّ منه بعض القوانين التوجيهية للحياة المسيحية والتي بها تتحدد هذه الحياة: كيف البلوغ إلى الرغبة الخلاصية بالشركة مع الله والغيرة للبقاء في هذه الشركة، وكيف البلوغ إلى الله من دون محنة عند كل المفترقات الموجودة على الطريق وعند كل خطوة. بتعبير آخر، كيف المباشرة بسلوك الحياة المسيحة وكيف، بعد الابتداء، بلوغ الكمال فيها؟

إن بذار الحياة المسيحية وتطورها مختلفان بالجوهر عن بذار الحياة الطبيعية وتطورها، ذلك بسبب الميزة الخاصة للحياة المسيحية وعلاقتها بالطبيعة. لا يولَد الإنسان مسيحياً بل يصير بعد الولادة. إن بذار المسيح يقع على تربة القلب الذي ينبض أصلاً. عند النبتة، على سبيل المثال، تكون بداية الحياة في تنشيط الشطأ في التربة، أي إيقاظه وكأنه قوة نائمة، بينما الإنسان المولود طبيعياً يواجهه مطلب المسيحية فتكون بداية الحياة المسيحية نوعاً من إعادة الخلق ومنح قوى جديدة وحياة جديدة.

علاوة على ذلك، لنفترض أن المسيحية أتت كقانون، أي أن القرار صدر بعيش حياة مسيحية: بذار الحياة (هذا القرار) ليس محاطاً في الإنسان بعناصر محببة إليه. وإلى جانب هذا، كل الأنسان، جسداً وروحاً، يبقى غير متأقلم مع الحياة الجديدة، وغير مستسلم لنير المسيح. وبالتالي من هذه اللحظة يبدأ الإنسان عملاً من العَرق، عملاً ليربّي كامل نفسه وكل قدراته بحسب معايير المسيح.

لهذا السبب، فيما الثمر في النباتات، على سبيل المثال، هو تطور تدريجي لكل المَلَكات، سهل وغير مقيّد، في المسيحي هو معركة مع الذات فيها الكثير من العمل، صعبة ومحزنة، وتتطلّب منه أن يعرّض مَلَكاته لأمور هي لا تميل إليها. كمثل جندي، عليه أن يأخذ كل جزء من الأرض، حتى ما له، من أعدائه عن طريق الحرب، بالسيف ذي الحد المزدوج أي إرغام نفسه ومواجهتها. بالنهاية، بعد أعمال طويلة وجهادات، تظهر المبادئ المسيحية منتصرة، حاكمة بدون معارض. وهي تتغلغل في كل تركيبة الطبيعة البشرية، طاردة منها التطلبات والميول العدائية، وواضعة في مكانها حالة من اللاهوى والطهارة، جاعلة إياها مستحقة لبركة طهارة القلب، أي أن ترى الله في ذاتها في الشركة الأكثر إخلاصاُ معه.

هذا هو مكان الحياة المسيحية فينا. ولهذه الحياة ثلاث درجات ممكن ذكرها: التحوّل إلى الله، التطهّر أو تغيير الذات، القداسة.

في المرحلة الأولى يتحوّل الإنسان من الظلمة إلى النور، من سلطة الشيطان إلى الله. في الثانية، يطهّر غرفة قلبه من كل نجاسة حتى يستقبل المسيح السيد الآتي إليه، في الثالثة، يأتي الرب، يأخذ مسكنه في القلب ويشترك مع الإنسان. هذه هي حالة الشركة المباركة مع الله، وهدف كل الأعمال والمساعي النسكية.

وصف كل هذا وتحديد قوانينه يعني تحديد طريق الخلاص.

إن الإرشاد الكامل في هذا الأمر يأخذ الرجل الواقف على مفترق طرق الخطيئة، يقوده عبر طريق التطهر الملتهب، ويرفعه إلى درجة الكمال التي يمكنه إحرازها بحسب درجة نضجه في المسيح. وهكذا نظهر كيف تبدأ الحياة المسيحية فينا، كيف تكتمل وتنضج وتتقوّى، وكيف تظهر ذاتها في كمالها.

الحق والمحبة في كتابات القديس يوحنّا الإنجيلي

الحق والمحبة في كتابات القديس يوحنّا الإنجيلي

القديس الأسقف ثيوفانس الحبيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن القديس يوحنّا اللاهوتي، الرسول والإنجيلي، تلميذ الرب المحبوب، هو قبل كل شيء مثال للمحبة ومعلّم لها، فالمحبة تتنفس من خلال إنجيله، فيما دروسها تملأ رسائله، وحياته هي مثال واضح عنها.

لقد شرح حول كل أسرار المحبة: مصدرها، حركتها في الأعمال، تأوّجها، والقمم التي تقود تابعها إليها. إن القديس يوحنا معروف جداً وبشكل خاص في موضوع المحبة هذا. وإذا تأمّل أيّ كان بموضوع المحبة، لا بد أن يفتكر مباشرة بالقديس كمثال لها وأن يتحوّل إليه كمعلم عنها.

فلنتفحّص الآن كيف استعمل حكماء هذا العصر تعليمه. إن عندهم نوع خاص من الحكمة التافهة تسمّى “اللاتفريقيّة” (Indifferentism)1. وهم يقولون بحكمتهم: أمِن بما يحلو لك فهذا لا يهم، إنما أحبب الجميع كإخوتك، كن محسناً إليهم، وليكن لك تأثير مفيد عليهم. إنهم يشيرون إلى أن الإنجيلي يوحنّا يحكي عن المحبة فقط. بالنسبة إليه، المحبة هي النور والحياة وكل الكمال. وبحسب كلماته، مَن لا يحب يمشي في الظلام ويسكن في الموت ويكون قاتلاً.

كما نعرف، عجز القديس يوحنّا عن المشي في شيخوخته، فكانوا يحملونه إلى الكنيسة. هناك يحذّر “إيها الإخوة، لنحب بعضنا بعضاً”. إذاً هو أعطى المحبة قيمة كبرى. لكنهم يخبروننا بأنه علينا أن نحب مثل تلك المحبة الغريبة، أقله إذا كنا نرغب بذلك.

أنا شخصياً اضطررت لسماع هذه “الحكمة”. قد تضطرون إلى سماع شيء مماثل. فلنقابل تعليمهم المضلِّل بتعليم القدّيس يوحنّا اللاهوتي الصحيح ولنحفظ أفكارنا من الميل عن أصول الحس المسيحي الصحيح إلى حكمة اللاتفريقيين العبثية. يرغب هؤلاء المدعوين حكماء ببناء كل شيء بمعزل عن الله بما فيها سعادتهم الخارجية وفضيلتهم. ومن هذا هم يجاهدون حيثما استطاعوا لكي ينسجوا بحنكة مدرسةً فكريةً لا حاجة فيها للكلام عن الله. إنهم يقرعون طبول المحبة ويخبروننا بأن نحب بعضنا البعض لكن من دون داعٍ للتفكير بالله. إن الإنجيلي القديس يهزمهم عند هذه النقطة. مع أنه يذكّرنا دائماً وبشكل دقيق بمحبة أحدنا الآخر، لكنه يضع المحبة في ارتباط قوي مع الله، مع محبته ومعرفته المستحيل فصلهما. لاحظوا أين تنشأ محبة القديس يوحنا لله، ليس في أننا نحبه بل في أنه هو يحبنا، وقد أرسل ابنه ليكون الكفارة عن خطايانا. ويضيف، أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبنا هكذا ينبغي أن يحب بعضنا بعضاً (1يوحنا 10:4-11). بحسب تفكيره، يجب أن تُبنى محبتنا المتبادلة بعمل الإيمان بالرب الذي أتى ليخلصنا، وبالتالي ليس صحيحاً أن يؤمن المرء كما يحلو له.

ثم يعلّم، أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً  لأن المحبة هي من الله (1يوحنا 7:4). إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا (1يوحنا 12:4)، الله محبة ومَن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يوحنا 16:4). كما ترون، إنه لا يقول أي كلمة عن المحبة بدون ذكر الله والمخلّص. المحبة هي من الله وتقود إليه. إذاً مَن يقول أنه يحب أخاه ولا يعرف الله والمخلص، هو كاذب والحق ليس فيه (1يوحنا 4:2 و20:4). وهكذا من الممكن أن نلخّص كل تعليم الإنجيلي عن المحبة بالكلمات التالية: حتى تحبّ أخاك يجب أن تحبّ الله، ولكي تحبّ الله، عليك بالتأكيد أن تعرفه في داخلك وتعرف بشكل خاص عمله الخلاصي لنا. يجب أن نعرف ونؤمن. بمَ تكمن إرادة الله؟ بالمحبة والإيمان، هكذا تقول الوصية: أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ونحب بعضنا بعضاً (1يوحنا 23:3). إنه لا يوصينا فقط بأن نحب بل أيضاً بأن نؤمن بالرب، وبطريقة يكون الإيمان مصدر المحبة. إذا شاء أحد ما أن يجمع كل الأماكن التي يحكي فيها الإنجيلي يوحنا عن المحبة فقط، لا بد أن يضحد تعليمه التفكير الخاطئ بأن تحب وتؤمن كما يحلو لك.

إلى جانب تعليمه عن المحبة هو يحكي أيضاً عن الإيمان مستقلاً عن ناموس المحبة. انظروا كيف أنه يرفض بشكل مطلق أولئك القائلين: أحب كيفما تشاء. ماذا يعلّم في الآيات الأولى: الذي كان من البدء، الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح (1يوحنا 1:1-3).

أهم نقطة عند القديس يوحنا وسائر الرسل هي التعليم عن الشركة مع الله عبر الرب يسوع المسيح الذي منه تنبع شركة المؤمنين مع بعضهم البعض. كيف لنا أن نحب الأول دون الآخر؟ من ثم يسأل القديس يوحنا هذا السؤال: مَن هو الكاذب؟ ويجيب هكذا: “مَن هو الكذّاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن. كلّ مَن ينكر الابن ليس له الآب أيضاً ومَن يعترف بالابن فله الآب أيضاً” (1يوحنا 22:2-23، 15:4). تتلخص كل القضية في الاعتراف بأن الرب يسوع المسيح هو ابن الله وإله. إذاً، كيف يكون ممكناً القول “آمِن كما تريد”.

من ثمّ يأتي التحذير: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح” (1يوحنا 1:4-3). كلّ مَن يقول “آمِن كما تشاء” لا يعترف بيسوع المسيح، لأنه لو اعترف بالمسيح فلا يتكلّم هكذا. إذاً لا يستطيع أن يكون من الله. إذاً من أين هو؟ إنه بالحقيقة من ضد المسيح.

في النهاية، يصف الإنجيلي جوهر المسيحية على هذا المنوال: “وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه. مَن له الابن فله الحياة ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة” (1يوحنا 11:5-12). مَن عنده ابن الله؟ المؤمنون باسمه. لذلك يقول ويكتب: “أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية” (1يوحنا 13:5). بالتالي، إن مَن لا يؤمن بابن الله ليست له الحياة الأبدية. أمن الممكن أن لا فرق بالإيمان؟ لا. “نعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يوحنا 20:5).

يجب أن تكون هذه المقاطع كافية، على ما أفترض، لكي تظهر للاتفريقيين أنهم عبثاً يسعون إلى إيجاد تأييد لكذبهم في تفسير تعليم القديس يوحنا اللاهوتي. على الأرجح أنهم يطلقون هذه الادعاءات من دون أن يكونوا قد قرأوا كتابات القديس يوحنا المقدسة الملهَمة من الله، لكنهم يقتبسون منه استناداً إلى إشاعات عن محبته الفيّاضة. فليجدوا لهم الآن شيئاً غير هذه الحجة ليدافعوا عن تعليمهم أمامنا نحن المؤمنين. إن كلمة واحدة من التلميذ المحبوب تكفي لتخزي تعليمهم و تثبّت بلا شك إيماننا على نحو بيّن، في ما أعطي لنا من الرب عبر الرسل القديسين وحفظة الكنيسة.

أرغب فقط في أن أضيف الاعتبار التالي إلى كلمات الرسول الإنجيلي يوحنا الحاسمة: بعد أن غرّبوا أنفسهم بفكرهم عن الرب، تعلّق هؤلاء العادمو الإيمان بأعمال الرحمة التي مصدرها ودعامتها هي المحبة. إنهم يتصرفون بهذه الطريقة فقط حتى يستندوا إلى شيء ومن دون أن يكونوا أكيدين أنهم قد وجدوا أساساً صلباً. لو كان عندهم فهماً واضحاً لكيفية تصرُف الرجل بطريقة مثمرة، لما ثبتوا في تعليمهم.

إن جوهر المسألة هو أننا لسنا في الوضع الملائم. إذاً، نحن لا نستطيع أن نتصرّف بالطريقة الصحيحة. لكي نعمل بالطريقة الصحيحة يجب أن ندخل في الحالة الصحيحة. نحن نعجز عن هذا بقوانا الذاتية. الرب، إذ أتى إلى الأرض، رفع الإنسان إلى الحالة الصحيحة. لم يقُد الإنسان إلى هذه الحالة إلا لأن الأخير قبِل منه بشرية مجدَّدة وبالتالي ربح إمكانية التصرف بالشكل الملائم. نحن نكتسب هذه الحالة بالمعمودية، لأن المعمّدين في المسيح لبسوا المسيح. منذ المعمودية نصبح واحداً مع السيد ونبدأ بعيش حياته والعمل بقواه.

على الذين يدّعون المحبة أو العمل الصحيح (لأن المحبة هي ملء الناموس) أن يقبلوا أولاً كل مقدمات المسيحية لكي يصبحوا قادرين على السير بحق ويرفضوا خطأهم. هذا مستحيل من دون الإيمان، لأن الإيمان هو جذر المسيحية وبداية كل شيء. يقول الرب نفسه: “اثبتوا فيّ وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم إن لم تثبتوا فيّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً. إن كان أحد لا يثبت فيّ يُطرَح خارجا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق” (يوحنا 4:15-6).

إذا راح أحدهم يشرح لكم عن المحبة أو العمل المثمر بمعزل عن الإيمان الصحيح، قولوا له: “انتظر! آمن أولاً بشكل صحيح. بالإيمان اكتسب تعاليم المسيحية الخلاصية ومن خلالها اتحد بالرب واجعل حياتك وقوتك متوقفتين عليه كما قد تعتمد صحتك على دواء، وعندها يصبح عملك مثمراً. إن الحقيقة هي أن الشهادة لحياة بارة هي العمل المثمر في المحبة، ولكن لبلوغها والثبات فيها على المرء أن يقبل حقيقة الله بإيمان ويعبر في كل أعمال الله المقدِّسة. فقط في هذه الشروط، أي بالسلوك بالمحبة الحقيقية، يمكن للمرء أن ينمو في كل شيء إلى الله، على ذاك الذي هو الرأس، المسيح (أفسس 15:4). نستطيع أن نجمل على هذا النحو: مَن ليس له الإيمان الصحيح لا يدخل حالة البِر، ومَن لا يدخل حالة البر لا يستطيع أن يعمل كما ينبغي. أترون الآن كيف لا يصح القول: آمن كما يحلو لك، فقط أحبْ؟”

الإيمان ليس صورة معرفة الله وعلاقتنا به، بل هو يتضمّن كل ما أعطانا الله من الأمور الخلاصية، ليس الكنيسة فقط كمؤسسة بل كل ما تحتويه للخلاص. هذه المؤسسات الخلاصية تصون الإيمان الفاعل. رجالنا الذين يسمّون أنفسهم حكماء قد لا يعارضون التعليم المسيحي، لكن، قبل كل شيء، الأعراف المسيحية تصدّهم، لأن هذه الأعراف ليست أكثر من الإيمان بالحقيقة والعمل، وهكذا فإن خطيئتهم الأساسية هي أنهم لا يرغبون في العمل بروح الإيمان. من المدهش كيف أن هؤلاء الأشخاص يعلّقون بإصرار على المآثر والأعمال لكنهم يسلخون أنفسهم عن النشاط في حقل الإيمان المقدس. هنا ينقص شيء ما. بالتأكيد، هم مطّلعون على قوانين الفكر المنطقي. يوجد هنا ازدواجية حتى أنّ المرء يشك في أنهم فعلاً فاعلون وليسوا أدوات لروح غريب هو بدوره غريب عن الحق.

أيها الإخوة، إذ قد فهمنا هذا، لنحفظ أنفسنا من فكر هذا العالم الشرير. لا يتردد عن الحق إلا الذين لم يتذوقوه. فلنمتلئ من التواضع ومن روح الحق الذي هو كل ما يطلبه إيماننا المقدس، عندها سوف نمتلك ونحمل في داخلنا شهادة تهلك كل الحجج الخاطئة التي في الخارج. لينيرنا الرب بحقه، آمين.

1- الإيمان بأن كل الأديان متساوية من حيث الصحة.

كيف نتعلّم محبة الرب

كيف نتعلّم محبة الرب

عظة للقديس ثيوفانس الحبيس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في الأسبوع الماضي علمتنا حاملات الطيب المحبة، واليوم يعلّمنا القديس يوحنا اللاهوتي الموضوع نفسه. فهو قد أحبّ الرب أكثر من كل الآخرين وكان محبوباً منه. فلنطبع في ذهننا صورة المحبة هذه، ولنبدأ بتحويل أحاسيسنا وموقفنا من الله بحسبها. كيف بلغ القديس يوحنا اللاهوتي إلى هذه المحبة النبيلة للرب وصار مثالاً للمحبة عندنا جميعاً؟ أظن أنّه قام بذلك بالطريقة ذاتها التي يتّبعها الناس ليحبّ أحدهم الآخر. إنهم يرون جمال شخص ما أو طيبته فينشدّون إليه بكل قلبهم. على المنوال نفسه، رأى القديس يوحنا جمال الرب وصار مشدوداً إليه. لقد أحسّ بمحبة الرب الخاصة له، وتالياً اشتعل بالمحبة إليه. لقد رأى أعمال الرب العظيمة الرائعة والمثمرة فتحرّك بتقوى متّقدة وصار مكرّساً فيها وارتاح إليها. هكذا هي طريق الصعود بمحبة الرب. فلنتبعها حتى نكتسبها في النهاية.

أولاً: القديس يوحنا رأى حلاوة الرب وانشدّ إليها. على المنوال نفسه، تنشأ المحبة بين الناس. إنهم يرون جمال شخص ما، الجمال الروحي أو الجسدي، فتنشأ محبة بعضهم لبعض. إذا رفعنا فكرنا إلى معاينة جمال الرب، فبالتأكيد لن نبقى باردين لا مبالين به. جمال الرب هو مجموع كل كماله. يقول القديس تيخن الزادونسكي: “انظر وتمعنْ، ماذا ينقص الرب؟”. كل ما تشتهيه موجود في ملءٍ لا يُوصف ولا يُحَد. أتطلب البركة؟ فعنده البركة الأبدية الحقيقية. أتطلب الجمال؟ فهو بهي بالحسن أكثر من بني البشر (مزمور 3:44). أتسعى إلى النبل؟ فمَن هو أكثر نبلاً من ابن الله؟ أتسعى إلى الشرف؟ فمّن هو الأشرف أو الأرفع من ملك السماوات؟ أتسعى إلى الحكمة؟ إنه أقنوم حكمة الله. أتسعى إلى السعادة؟ إنه فرح الأرواح المباركة ومختاري الله وسعادتهم. أتحتاج التعزية؟ مَن يستطيع أن يعزيك أكثر من الرب يسوع؟ أتسعى إلى الراحة؟ هنا الراحة الأبدية للنفوس التي تحبه. أتريد الحياة؟ إنه نبع الحياة. أتخشى الضياع؟ إنه الطريق. أتخشى الخديعة؟ إنه الحق. أتخاف الموت؟ إنه الحياة كما يؤكّد بذاته: “أنا الطريق والحق والحياة”. باختصار، كل ما تحبه النفس البشرية، من الكمال والجمال والصلاح، موجود فيه. أرغِم فكرَك على إدراك هذا وسوف لن تستطيع ألاّ تحب الله. القديسة كاترينا الشهدة كانت وعدت بأن تحب مَن تجد عنده مقدار غناها وجمالها وحكمتها، متوقعةً أنها لن تجد هذا الشخص في كل العالم. رأت أن ما عندها ليس شيئاً بالمقارنة مع جماله وحكمته وغناه. فأعطته نفسها بالكلية متشبثة به ومقدمة نفسها إليه.

ثانياً: عندما أحس القديس يوحنا اللاهوتي بمحبة السيد له، اشتعل بمحبته. عندما تُختَبَر المحبة الصادقة غير الأنانية عند الآخر توحي دائماً بشعور مماثل. فلنختبر محبة الرب ونزكِّ محبتنا له. يسأل القديس تيخن: “ما الذي لم يفعله ابن الله لنا؟ ما الذي لم يوصله إلينا؟ ما الذي لم يحتمله ويتعذب منه من أجل الأنفس الفقيرة المحتاجة؟ ما هي الأعمال والعذابات التي لم يحتملها بنفسه لكي يجلبنا إلى أبيه السماوي، نحن الذين ابتعدنا عنه؟ لقد نزل من السماء لكي يرفعنا نحن المطرودين من الفردوس والملكوت. لقد وُلد بالجسد من أجلنا حتى يأتي بنا إلى عنده عبر إعادة الولادة الروحية. لقد واضع نفسه من أجلنا حتى يرفعنا. لقد أصبح فقيراً لكي يغنينا نحن البائسين. لقد تحمّل الإهانة والجراح لكي يشفينا ويؤلهنا. لقد مات عنا لكي يعطينا الحياة نحن الذين كنا أمواتاً. انظر إلى أي تنازل واتضاع حملته محبته الكاملة ورحمته العطوفة. ألم يختبر كل منا هذه الحركة من محبة الله؟ كم مرة ابتعدنا عن هذه المحبة بالخطيئة؟ وفي كل مرة نعود إلى الاتحاد به عبر رحمته بعبارة واحدة “أنا مذنب ولن أعيدها”. كم من المرات أغضبناه باستسلامنا لتجربة ملاذ هذا العالم. وعندما عدنا إليه مجدداً استقبلنا إلى مائدته لنشترك في جسده ونشرب دمه. أليس هذا حنان محبته الرحومة؟ المسيح بيننا في حياتنا اليومية. مَن منّا لم يختبر اهتمامه وقربه في إنقاذنا من المحن والمرض والحزن والأوقات الصعبة، وفي كل حاجاتنا الروحية والجسدية؟ أمن الممكن ألاّ نتجاوب مع هذه المحبة العظيمة ونتوجه إلى الذي يحبنا بلا كلل؟ أمن الممكن أن ننسى محبة الرب لنا بسبب الانشغال وعدم الانتباه؟ متى عرفنا محبته وتذكرناها، من المستحل ألاّ نختبر شعوراً من المحبة للرب مهما كان قلبنا قاسياً. مَن يسير دوماً في حضرة محبة الله، سوف يكون دائماً مستنيراً بمحبته له. هذه هي طبيعة المحبة.

ثالثاً: تذوّق القديس يوحنا حلاوة المحبة للرب واتكأ على صدره بمنتهى السلام. المحبة بحد ذاتها هي عطية لا تُقارَن. إنها تجلب بركة أرفع من كل ما في السماء والأرض. يقول الرب: “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني. والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي… إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (يوحنا 21:14و23). كم من العزاء في هذه الكلمات! كم هي عظمة وسامية وعود ابن الله التي يعطيها لمحبيه: أن محبّ المسيح سوف يشارك الآب والابن بالصداقة. يعجز الفكر البشر عن سبر غور صلاح الله. الله العظيم الأبدي وغير المدرَك يشتهي أن يقيم صداقة مع الإنسان الذي خلقه والذي هو عبده. إنه يرغب بهذه الصداقة طالما أن الإنسان لا يرفضها… صداقة مع الآب ومع ابنه يسوع كما يكتب القديس يوحنا. حيث يكون الآب والابن فهناك الروح القدس أيضاً. انظر إلى ما يبلغ محب المسيح! مَن يحبه يستحق أن يكون مسكناً ومنزلاً للثالوث الفائق القداسة. الإله المثلث الأقانيم، الآب والابن الروح القدس، مستعد جداً لأن يسكن في الإنسان بالنعمة. “الله محبة ومَن يثبت في لمحبة يثبت في الله والله فيه” (1يوحنا 16:4). هذا القلب مبارك بالحقيقة! حتى هنا على الأرض سوف يحس الفرح المسكوب بوفرة في قلوب المختارين للحياة الأبدية. يتذوّق القلب جوهرَ صلاح الله ويمتلك ما يعبّر عنه في قول الرب “ملكوت الله في داخلكم”.

حيث يكون الله يكون كل ما له. إذا كان الله في داخلك بسبب محبتك، إذاً سوف يبررك من خطاياك، يحررك من أسرك، يهبك السلام بدل الضمير الشرير والفرح بدل بؤسك، التعزية بدل حزنك، التبرئة في يوم الرب، العون على أعدائك، الحكمة والمعرفة بدل التشوّش والجهل، والقوة في ضعفك (عن القديس تيخن). إذا سكن الرب بسبب محبتك، فمَن هو عليك، وأي أذى قادر أن يصيبك؟ إذا كان هو سلامك فمّن يستطيع أن يقلقك؟ إذا كان هو فرحك وعزاؤك فأي إنسان أو أي شيء يقدر أن يسبب لك الأسى؟ إذا كان هو قوتك فمَن يستطيع أن يغلبك؟ إذا كان هو مَلِكَك فمَن يستطيع أن يُخضعك؟ “إذا كان الله معنا فمَن علينا؟”، هكذا يصرخ الرسول بولس بقوة مع كل محبي الرب (روما 31:8). هذه هي المحبة وانظر ما تجلب معها! إن الذين يلجون إلى محبة الله يشعرون بأنهم أكثر كمالاً، لأن المحبة هي رباط الكمال (كولوسي 14:3).

إذا رغبتَ بمحبة الرب، فجاهد إلى معاينة جماله أو ملء كماله بعقلك، اشعر بدفء محبته وتذوّق حلاوة المحبة بذاتها في قلبك. لا يمكن للمرء أن يتعلّم المحبة، إنها تتم في الأماكن المخبأة من القلب. إنها تُبذَر سريّاً وتنضج غير منظورة، كما البذور التي تقع دون علم الباذر فتتبرعم وينمو لها ساق وسنبلة وبذار في السنبلة. المحبة تُبذَر سرياً كما تأثيرها في المحبوب. أدِرْ فكرَك في قلبك إلى وجه الرب المشع المليء بالمحبة والمستحق لها، ومن عينيه سوف تنزل شرارة إلى قلبك وتضيئه بمحبة الرب. مَن يقف بجانب النار يستدفئ بها، ومَن يتوجه إلى الرب بفكره وقلبه يستدفئ بحرارة محبته، ويتهيأ باستعداد دافئ نحو الرب “محبة الله قد انسكبت في قلوبنا” (روما 5:5)، هكذا يعلّم الرسول بولس. المحبة هي هبة، ولكنها هبة مهيأة لكل مَن يسعى إليها. اشتهيها واطلبها وسوف تحصل عليها. كما أن الله يتقبل كل إنسان بسرور، هكذا من المستحيل ألاّ نحبه. في أي حال، وبما أن الله لا يحبه الجميع إذ لا يتوجهون نحوه ويسعون إليه جميعاً، فقد أحبنا هو أولاً وعلينا بالتالي أن نحبه.

هذه هي الحال: لقد أحببنا شيئاً ما بدلاً منه، شيئاً لا يرضيه ولا هو يباركه، ونحن عاجزون عن محبته لأن لنا قلباً واحداً وليس اثنان. إذاً، لا نستطيع أن نعمل لله وللعالم. تذكروا أيها الإخوة أن محبة العالم عداوة لله (يعقوب 4:4). عداوة لله! هذا أمر رهيب! وأسوأ منه هذه الكلمات: “إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح، فليكن أناثيما، ماران أثا” (1 كورنثوس 22:16). هكذا كان تعبير الرسول بولس عن محبته الغيورة.

فلنمعن النظر في هذه الأمور، أيها الإخوة، ونلزم أنفسنا على محبة الرب من كل قلوبنا وكل نفوسنا وكل قوتنا. بل ما هو أفضل هو أن نوقظ محبته النائمة فينا ونفعّلها حتى نراها ويراها كل إنسان. آمين.

ألقيت في 8 أيار 1864

الطريق العسر والضيق

الطريق العسر والضيق

للقديس الأسقف ثيوفانس الحبيس

تعريب الأب أنطوان ملكي

كثيراً ما نسمع الناس يقولون: “الرب عند خلقه الإنسان، أدخله إلى الفردوس وأمّن له كل شيء ليتمتع به”. بعد السقوط، وبالرغم من أن الإنسان طُرد من الفردوس، إلاّ إن قدرته على التلذذ بقيت: الأزهار قدمت متعة الشم، الثمار قدمت الطعم الطيب، السماء بنجومها قدمت لذة النظر، غناء الطيور حمل جمال السمع. بعدئذ، في السياق نفسه، اخترع الإنسان الموسيقى. كل ما في الطبيعة يتحدث عن صلاح الله الخالق. وبالرغم من إرادة الله الفاضلة، هناك مَن يريدون أن يضعوا العوائق والقيود في كل مكان. إنهم ينتهكون الطبيعة، يتطاولون على الله، ويقدّمون صورة مشوهة عنه.

إنها حالة مزرية بالحقيقة! لقد كتبتُ لكِ في رسالتي الأخيرة أن العلمانيين، إذا أرادوا أن يكونوا مسيحيين حقيقيين، يجب ألاّ ينقبضوا من الصراحة الرهبانية. وفي ما كتبت، ظننت أني أقنعتك وأن كل ارتباكاتك قد تبددت. ولكن أي لخبطة عندنا هنا؟ لماذا وضعتِ نفسَك في هذه الورطة، وكأن الحقيقة إلى جانبهم؟ عليكِ أن تقولي لهم: “استمروا يا أصدقائي وامرحوا وتلهّوا، افتحوا أبواب اللذة واسعة وانتَشوا وعربدوا في مأدبة هذه الحياة… لا أحد يمنعكم، ولا أحد يضع أي حاجز في طريقكم. عيشوا كما تريدون. لقد أُخبِرتُم، بكلمات السيد، أن هناك طريقين لبني البشر: الطريق الضيق والطريق الواسع، وأن الأول يقود إلى الحياة بينما الثاني فيؤدي إلى الهلاك. أقرؤها بأنفسكم، إذا رغبتم. إنها هنا صريحة في الإنجيل: “ادخلوا من الباب الضيّق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي غلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه” (متى 13:7-14).

إذا أردتم أن تسمعوا فاسمعوا، وإن لم تريدوا فافعلوا ما تريدون. هذه ليست تأليفاً بشرياً. إنها وصية الرب، لا أقل. جاهدوا كي تدخلوا من الباب الضيق، يقول الرب في مكان آخر، لأن كثيرين سوف يحاولون الدخول ولن يستطيعوا. جاهدوا، يعني، أسرعوا وكأنكم في سباق تتبارون مع آخرين لدخول هذه البوابة الضيقة العسرة، مهملين الآخرين، لا بل مغتصبينها منهم: دعوني أدخل، دعوني أدخل! وكأنكم خائفون من أن تُغلَق هذه الأبواب.

ليس لنا أن نخمّن السبب في كل هذا، فالله وضعه بهذه الطريقة وهكذا هو. نعم، وأي إله هو هذا؟ هو الذي، لخلاصنا، تقدّمَنا بنفسه في هذه الطريق الضيقة، وبعد كل أنواع العذابات، قدّم نفسه على الصليب قائلاً للص المصلوب: “اليوم تكون معي في الملكوت”. بالنهاية، هو مخلصنا! على كل الذين يريدون أن يخلصوا أن يتبعوه. واتِّباعه ممكن فقط بحمل الصليب. “مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (مرقس 34:8). هذه هي درب الذين يشتهون الخلاص: الرسل والشهداء والرؤساء والقديسون، وكل الذين حصلوا على الخلاص ويقطنون الآن مدينة الله أورشليم العلوية.

إذاً، ما العمل؟ بالتأكيد، لا يستطيع أحد أن يخلص يغير هذا، خاصةً أن أيّاً من المخلَّصين لم يبلغ إلى البركة الأبدية بغير هذه الطريق. أليس من الأفضل أن نستسلم لهذه الضرورة حتى ولو لم تكن كثيرة الحلاوة؟ إن العذاب الأبدي أكثر سوءً. فليضبط الراغبون بالخلاص أنفسَهم ولا يبحثوا عن أعذار. هذا صعب، ولكن ما العمل؟ الحياة تسمّى جهاداً، ليس بدون سبب، وكما يقول الرسول بولس: “جاهد الجهاد الحسن” (1تيموثاوس 12:6). أما بالنسبة للذين لا يرغبون بالاستسلام، ويتصرفون كما يحلو لهم، فيجب أن يعرفوا أن القوانين المختلفة والشروط ليست عمل الإنسان: إنها وصايا الله. قد تُضاف هنا كلمة شرح: ما هي ضرورة هذا الشرط أو ذاك؟ لماذا، مثلاً، نحتاج إلى الصوم؟ لمَ الوحدة؟ ولمَ الإكثار من الصلوات؟ وغيرها. على أي حال، لن أتابع في هذا. الذين يتبعون  الطريق الخلاصية يعرفون كم أن كل هذا ضروري، بينما الذين يجتنبون هذا الطريق، فلن يسمعوا عن كل هذا. أظن أني قد كتبت إليك حول ما يختص بهذه التفسيرات المنحرفة للكتاب المقدس في رسالتك. صحيح أنه كان في الملكوت أمور عديدة جلبت المتعة للإنسان، لكن هذه الأمور لم تكن إلا زينة خارجية للحياة الفردوسية. لقد كانت عناصر خارجية. لم يكن هدف الإنسان الأول التلذذ بهذه الأشياء بل الشركة مع الله من خلال التطبيق الطوعي لإرادته. لو بقي الملكوت مكان سكن الإنسان، لكان الناس تمتعوا بهذه الخارجيات أيضاً، دون أن تشغل أفكارهم أو تكون همّاً لهم، كونها ظلاً وملحقاً طبيعياً للحياة التي ترضي الله.

إذاً أنتِ ترين أنه في الملكوت لا يناقشون ولا يتشاجرون  حول اللذات، بينما نحن الذين فقدنا الملكوت فنرغب في جعل الملذات هدفنا الأساسي في الحياة. لو كانت المبهِجات قادرة على أن تكون شرعياً نصيب الإنسان الساقط، لما كان السيد طرد جديّنا من الملكوت. إذ، بطردهما، أظهر أن حياة السهولة والمتعة لا تناسب الإنسان المؤمن. كما تعلمين، بالسقوط تغّير نظام الأمور بأكمله. لقد أُضيفت إلى حياة الإنسان فترة قصيرة من الوجود الأرضي، مليئة بالأحزان والمتاعب، مصَمَّمة لإنارة الإنسان وإصلاحه وتطهيره وجعله مستحقاً للفرح الأبدي في ملكوت أبدي مختلف. حياة الإنسان الحقيقية تأتي بعد القبر، وبتحديد أكثر، بعد القيامة. أمّا الحياة الحالية فهي مجرد عتبة وتحضير للحياة الآتية. لقد قضى الله أن يكون في الحياة الحالية أحزان خارجية ومحن، وقد وصف لها قيوداً مختلفة كوسائل للتطهير. الشهداء سُلِخ جلدهم بمخالب حديدية وبها تهيئوا للملكوت. هذه صورة عن حياة الإنسان الحاضرة التي فيها يتهيأ لأبدية مبارَكة، من خلال القيود المطهِّرة والارتباكات التي هي كالسياط. إذا توصّلالانسان إلى فهم قصر هذه الحياة الحاضرة وكم من النفع هناك في قيودها ومخاضاتها للحياة الآتية التي لا تنتهي، سوف لن يتوقف فقط عن تجنبها ولكن على العكس سوف يطلبها ويسعى إليها كما وراء شيء صالح وإيجابي. هكذا يتقدّم كل الذين يفهمون جيداً معنى الحياة الحاضرة.

حقيقة أن الإنسان، بعد طرده من الملكوت، لم يُجرَّد من كل وسائل المتعة، لا تعني أنه لا مكان للضيقات في نظام الحياة الحاضرة. للتوصل إلى شرح هذه النقطة، تأتي إلى الفكر كلمات معلمي العزيز أمفيتياتروف. كنت مرةً أسير إلى جانبه في مغارة وسألته: “لماذا توجد هذه التباينات في الطبيعة؟ هنا زهرة جميلة إلى جانبها قراص لاسع، والسماء أحياناً صافية وأحياناً أخرى ملبدة؟” أجاب: “أيها الصديق الساذج، هذه التفاوتات ليست أمراً تافهاً في تدبير الله وحكمته المتعلقة بخلاصنا. الرب الرحوم يقول للإنسان: إن من الحق ألاّ يغادر العرق جبينك، إن قدرك هو أن يرهقك الكدح. لكني أحياناً أعطيك تذوقاً لحلاوة الحياة، فأسمح لعينيك بأن تمتلآ بالنور، ولجبينك بأن يتلطف من التجاعيد، وللبسمة بأن تلعب على شفتيك، حتى لا تفقد الرجاء وتسقط في اليأس. إن العدل هو أن تُخرج لك الأرض شوكاً وحسكاً، لكني أمرت أن تنتج أحياناً وفرة من المبهجات حتى لا تفقد الثقة بأن استعادة البركة الضائعة ما زالت ممكنة. إنه لعدل ألاّ يكون في الهواء فوقك وحولك إلاّ العواصف والبرق والرعد، لكنك غالباً ما ترى الشمس اللامعة وتتمتع ببرودة الصباح اللذيذة وهدوء المساء المنعش، حتى تتذكر أن السماوات ليست مغلقة دونك بالمطلق، وأن صدري مفتوح دائماً لك، وأنني مستعد لقبولك في المساكن السماوية”.

إذاً، هذا هو سبب بقاء بعض المفرحات في الطبيعة، وليس السبب تحويل هذه الفتات إلى حفلة تدوم العمر، ولا هو أن نبني من هذه الكسرات معبداً للسعادة على الأرض. لكن الساعين بيننا إلى اللذة يفكرون بشكل مختلف. برأيهم، كل عائق وكل حاجز أمام التلذذ هو انتهاك لطبيعة الإنسان ومعاكس لإرادة الله. لقد سبق لي وقلت أن الأمر ليس كذلك وأن الله نفسه أمر بأن يسلك الإنسان الطريق الضيق، وما يلي يوضح أن هذا ليس بأي شكل من الأشكال انتهاكاً للطبيعة البشرية.

عندما سقط الإنسان لم ينزل فقط عن كرامته بل قبل أيضاً بعض المبادئ الغريبة عن طبيعته الأصلية، وهي بذور كل أشكال الشر. بالتالي، يجب أن نميّز في الإنسان الساقط بين ما هو أصيل لطبيعته وما هو دخيل عليها، مع أنه موجود فيها. كل القوانين والسبل التي تكبح الإنسان والتي وضعها الله وأسّسها، هي بشكل مطلق موجهة ضد بذور الشر الدخيلة حتى تسحقها وتخنقها، وبالتالي تحرّر طبيعة الإنسان الحقيقية.

وهكذا، فالقيود ليست انتهاكاً للطبيعة بل هي وسائل وأدوات نافعة. إنها كمثل العملية الجراحية لاستئصال ورم خبيث، أو مثل اللزقة لاستخراج شيء مضر. إن طبيعتنا هي في عبودية. إن الرب، بوضعه القيود المختلفة علينا، يريد تحرير طبيعتنا. لكننا نقاوم: “لا تقترب منا! لا تضع حولنا سياجاً من القوانين!” وبالتالي، بدل الدفاع عن أنفسنا، نحن نفتري عليها. إن السعاة إلى اللذة هم أنفس ضائعة. هذا لا يعني أنه ليس في الحياة مكان للمتعة. يجب أن نقبل كل شيء من يدي الله بشكر. في الوقت نفسه، يجب ألاّ نكافح وراء اللذات، وأكثر من ذلك، يجب ألاّ نثور ضد كل أنواع الوصايا الكابحة. فالرب لم يعطِ هذه الوصايا لهذا السبب. يظهر هذا التمرد لا فقط في قلة تفهم موضوع المسألة ولكن أيضاً في الإلحاد المحارب. أنتِ ترين إلى أين يقود كل ذلك. لكنهم يفكرون به بخفة. قد يكونون على حق في الوقت الحاضر، ولكن ما الذي سوف يجدونه في العالم الآتي؟ العُسر غير الطوعي سوف يكون بلا نفع لهم، وسوف يكون مرّاً وبائساً. فليرحمنا الرب ويخلصنا.