الروح القدس

الروح القدس

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأرشمندريت أفرام كرياكوس

 

تعلّموا جيّداً، أيها الإخوة، طابَعَ خَتم المسيح الحقيقي. أيها المؤمنون، أنتم تعرفون خصائصه. إنّ ختمه الفريد هو بالحقيقة إشراق الروح القدس، مع العلم أنه يتّخذ أشكالاً متعددة في فعله، ومعالم متعددة في فضائله. أوّلاً ومن حيث الضرورة يأتي التواضع، لأنه أساس الفضائل الأخرى كلّها وجوهرها: “إلى مَن أنظر، يقول الرب، إلاّ إلى الوديع، إلى المتواضع والذي يرتعد لكلماتي؟” (أشعيا 2:66). ثانياً يأتي النوح منبعُ الدموع التي أود أن أقول عنها أشياء كثيرة، لكنّي لا أجد التعابير المناسبة لذلك. إنها عجب لا يُستطاع التكلم عنه. أي كيف أن الدموع التي تسيل من العينين الحسيّتين تطهّر النفس عقليّاً من وسخ خطاياها؟ كيف أن تلك التي تسقط على الأرض تحرق الشياطين وتسحقها وتحرّر النفس من رباطات الخطيئة غير المنظورة؟ آه! أيتها الدموع المتدفقة بواسطة الاستنارة الإلهيّة، التي تفتح السماء هذه وتعطيني تعزية إلهيّة! إنني أعود وأكرر الكلمات نفسها بدافع شوقي وامتناني: حيث يوجد، ايها الإخوة، دموع غزيرة بمعرفة حقيقية هناك أيضاً إشراق للنور الإلهي. وحيث إشراق النور هناك هبة الصالحات كلها، هناك يُختَم بخاتم الروح القدس داخل القلب، التي منه تأتي أثمار الحياة كلّها. من هنا يُزهر من أجل المسيح السلامُ، الرحمة، الرأفة، الصلاح، البر، الإيمان والعفّة. وبالتالي محبة الأعداء والصلاة من أجلهم، الفرح في التجارب والافتخار في الشدائد. وأيضاً أن يحسب المرء خطايا الآخرين خطاياه، أن يبكي من أجلها وأن يضحّي بحماس بنفسه من أجل الإخوة.

لننظر إذاً، أيّها الإخوة، إلى أنفسنا ولنفحصها بدقة ونتعرّف إلى حالتها. هل يوجد فينا هذا الخاتم؟ فلنميّز من خلال العلامات المذكورة سابقاً إن كان المسيح فينا. أيّها الإخوة المسيحيّون أرجوكم اصغوا، تيقّظوا وابحثوا: هل أشرق النور الإلهي في قلوبكم؟ هل تمتعّتم بنور المعرفة العظيم؟ هل افتقدنا من السماء الشمس المنيرة للذين في الظلام وظلال الموت؟ إن حصل ذلك فلنمجد السيّد الصالح باستمرار ولنشكرْه على الهبة التي منحنا إياها. ولنجاهد بواسطة عمل الوصايا (أي تطبيقها) من أجل أن نوقد في داخلنا الشعلة الإلهية. لكن إن لم نحصل بعد على المسيح أو على خاتمه، إن لم نميّز في أنفسنا العلامات المذكورة أعلاه، بل على العكس نرى العالم الباطل يحيا فينا، ونحن الأشقياء نحيا فيه ظانين أن الأمور العابرة لهي شيء عظيم جداً، وإن كنّا بعد نستسلم للشدائد، نحزن للمصائب، ونفرح للرفاهية والغنى، عند ذلك يا للتعاسة! يا للجهالة والعمى! يا للشقاء وعدم الاحساس! هذه السائدة علينا، التي تشدنا إلى الأرضيات وتعلقنا بها. بالحقيقة يُشفَثق علينا وعلى شقائنا الكامل لأننا نكون غرباء عن الحياة الأبدية والملكوت السماوي نحن الذين ليس فقط لم نحصل بعد في داخلنا على المسيح، بل وجعلنا العالم الباطل فينا ونحن فيه ونهتم بالأمور الأرضية. من الواضح أن هذا الإنسان هو عدو لله، لأن التصاقه بالعالم الباطل عداءٌ لله (يعقوب 4:4). وكما يقول الرسول: “لا تحبّوا العالم والأشياء التي في العالم” (1يوحنا 15:2) لأنه لا يستطيع أحد أن يخدم الله، وفي الوقت نفسه، أن يعيش بحسب العالم كون أمور العالم تعيق محبتنا لله وإرضائه.

المعرفة الروحية

المعرفة الروحية

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

المعرفة الروحية هي مثل بيت مبني في وسط المعرفة الوثنية وفي وسطه صندوق يحتوي كنوز الكتاب المقدس التي لا تُقدّر. لا يكفي دخول هذا المنزل لرؤية هذه الثروات إنما ينبغي فتح الصندوق، وهذا ليس بالحكمة الإنسانية كي تبقى ثروات الروح الموضوعة فيه مجهولة للأرضيين. إن مَن يحفظ الكتابات جميعاً عن ظهر قلب كما يحفظ مزموراً واحداً، في حين يجهل عطايا الروح القدس المخبأة فيها، هو مثل مَن يحمل الصندوق على كتفيه دون أن يعرف ما في داخله.

إذا ما رأيت صندوقاً صغيراً مغلقاً بإحكام قد تحزر أن فيه كنزاً من وزنه ومظهره وربما مما سمعت عنه، فلهذا تلتقطه وتهرب به. ولكن ما المنفعة إذا حملتَه إلى الأبد مغلقاً دون أن تفتحه وترى الثروة التي يحتويها: تلألؤ الأحجار الثمينة، بريق المجوهرات ولمعان الذهب؟ ماذا تنتفع إن لم تكن قادراً على أخذ بعض منه لشراء طعام أو كساء؟ إذا حملت هذا الصندوق مغلقاً فلن تربح شيئا بالرغم من امتلائه بالثروات وستبقى معرضاً للجوع والعطش والعري.

انتبه لي يا أخي، ولنطبّق هذا على الأمور الروحية. لنتصور أن هذا الصندوق هو إنجيل ربنا يسوع المسيح وغيره من الكتابات المقدسة. الحياة الأبدية والبركات التي لا تُوصف موجودة في هذا الكتاب مختوماً عليها بطريقة لا تُرى. يقول السيد: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية”. الرجل الذي يحمل الصندوق هو مَن حَفِظ الكتاب عن ظهر قلب وردده دائماً في فمه حافظاً إياه في ذاكرته كما في صندوق حجارة كريمة. ولأن كلام المسيح هو النور والحياة كما يقول هو “الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة”، هذا الصندوق يحتوي الفضائل والوصايا كالجواهر.

من الوصايا تفيض الفضائل ومنها إظهار الأسرار المخبأة في الحروف. من إتمام الوصايا يأتي تطبيق الفضائل، وبتطبيق الفضائل إتمام الوصايا. إذاً بهذه فُتح لنا باب المعرفة. والأصح انه ليس بهذه فُتح لنا الباب إنما بالقائل :”إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي.. وأظهر له ذاتي”. وعندما “يسكن الله فينا ويسكن بيننا” يظهِر لنا نفسه ونعاين بوعي محتوى الصندوق والكنوز المخبأة في الكتاب المقدس. لا نخدعنّ أنفسنا، ليس من طريقة أخرى لفتح صندوق المعرفة والتمتع بالأشياء الحسنة المحتواة فيه والمشاركة فيها ومعاينتها.

ولكن ما هي هذه الأشياء الحسنة التي أتكلم عنها؟ إنها المحبة اللامتناهية نحو الله والقريب، وازدراء كل المرئيات، وكبح الجسد وكل أعضائنا التي على الأرض بما فيها الشهوة الرديئة. وكما الرجل الميت ليس له فكر يجب أن نكون دائماً بلا أفكار شريرة وشهوات وأحاسيس هوى. يجب أن لا نحس طغيان واضطهاد الشر بل أن نعي فقط وصايا مخلصنا المسيح. يجب أن نفتكر فقط بخلود المجد الإلهي وعدم انتهائه، وبمملكة السماء وبتبني الله لنا من خلال الروح القدس. نحن أصبحنا أبناءً بالتبني والنعمة، نحن “ورثة الله ووارثون مع المسيح” ونحن نكتسب فكر المسيح ومن خلاله نرى الله والمسيح نفسه ساكناً فينا وسائراً معنا بطريقة ممكنة المعرفة. كل هذه الأشياء ممنوحة للذين يسمعون وصايا الله ويعملون بها. انهم يتمتعون لا نهائياً بهذه الأشياء الثمينة التي فوق الوصف من خلال فتح الصندوق الذي تكلمنا عنه، أي رفع الغطاء عن أعين فكرنا ومعاينة الأشياء المخبأة في الكتاب المقدس. أما الآخرون الذين تنقصهم معرفة واختبار الأشياء التي تكلمنا عنها فلن يتذوقوا حلاوة ما في الكتاب المقدس ولا الحياة الأبدية الصادرة منه لأنهم يتكلون فقط على دراسة الكتاب. إضافة إلى ذلك، هذه الدراسة سوف تدينهم عند انتقالهم من هذه الأرض أكثر من الذين لم يسمعوا بالكتاب المقدس مطلقاً. بعض أولئك يخطئ بجهله ويحرّف الكتاب المقدس عندما يفسره بحسب شهواته. هم يريدون أن يمدحوا أنفسهم كأنهم قادرون على الخلاص بدون التقيد الصحيح بوصايا المسيح وهكذا ينكرون قوة الكتاب المقدس.


المعرفة الروحية

المعرفة الروحية

القديس سمعان اللاهوتي الحديث

ترجمة الأب أنطوان ملكي

المعرفة الروحية هي مثل بيت مبني في وسط المعرفة الوثنية وفي وسطه صندوق يحتوي كنوز الكتاب المقدس التي لا تُقدّر. لا يكفي دخول هذا المنزل لرؤية هذه الثروات إنما ينبغي فتح الصندوق، وهذا ليس بالحكمة الإنسانية كي تبقى ثروات الروح الموضوعة فيه مجهولة للأرضيين. إن مَن يحفظ الكتابات جميعاً عن ظهر قلب كما يحفظ مزموراً واحداً، في حين يجهل عطايا الروح القدس المخبأة فيها، هو مثل مَن يحمل الصندوق على كتفيه دون أن يعرف ما في داخله.

إذا ما رأيت صندوقاً صغيراً مغلقاً بإحكام قد تحزر أن فيه كنزاً من وزنه ومظهره وربما مما سمعت عنه، فلهذا تلتقطه وتهرب به. ولكن ما المنفعة إذا حملتَه إلى الأبد مغلقاً دون أن تفتحه وترى الثروة التي يحتويها: تلألؤ الأحجار الثمينة، بريق المجوهرات ولمعان الذهب؟ ماذا تنتفع إن لم تكن قادراً على أخذ بعض منه لشراء طعام أو كساء؟ إذا حملت هذا الصندوق مغلقاً فلن تربح شيئا بالرغم من امتلائه بالثروات وستبقى معرضاً للجوع والعطش والعري.

انتبه لي يا أخي، ولنطبّق هذا على الأمور الروحية. لنتصور أن هذا الصندوق هو إنجيل ربنا يسوع المسيح وغيره من الكتابات المقدسة. الحياة الأبدية والبركات التي لا تُوصف موجودة في هذا الكتاب مختوماً عليها بطريقة لا تُرى. يقول السيد: “فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية”. الرجل الذي يحمل الصندوق هو مَن حَفِظ الكتاب عن ظهر قلب وردده دائماً في فمه حافظاً إياه في ذاكرته كما في صندوق حجارة كريمة. ولأن كلام المسيح هو النور والحياة كما يقول هو “الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة”، هذا الصندوق يحتوي الفضائل والوصايا كالجواهر.

من الوصايا تفيض الفضائل ومنها إظهار الأسرار المخبأة في الحروف. من إتمام الوصايا يأتي تطبيق الفضائل، وبتطبيق الفضائل إتمام الوصايا. إذاً بهذه فُتح لنا باب المعرفة. والأصح انه ليس بهذه فُتح لنا الباب إنما بالقائل :”إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي.. وأظهر له ذاتي”. وعندما “يسكن الله فينا ويسكن بيننا” يظهِر لنا نفسه ونعاين بوعي محتوى الصندوق والكنوز المخبأة في الكتاب المقدس. لا نخدعنّ أنفسنا، ليس من طريقة أخرى لفتح صندوق المعرفة والتمتع بالأشياء الحسنة المحتواة فيه والمشاركة فيها ومعاينتها.

ولكن ما هي هذه الأشياء الحسنة التي أتكلم عنها؟ إنها المحبة اللامتناهية نحو الله والقريب، وازدراء كل المرئيات، وكبح الجسد وكل أعضائنا التي على الأرض بما فيها الشهوة الرديئة. وكما الرجل الميت ليس له فكر يجب أن نكون دائماً بلا أفكار شريرة وشهوات وأحاسيس هوى. يجب أن لا نحس طغيان واضطهاد الشر بل أن نعي فقط وصايا مخلصنا المسيح. يجب أن نفتكر فقط بخلود المجد الإلهي وعدم انتهائه، وبمملكة السماء وبتبني الله لنا من خلال الروح القدس. نحن أصبحنا أبناءً بالتبني والنعمة، نحن “ورثة الله ووارثون مع المسيح” ونحن نكتسب فكر المسيح ومن خلاله نرى الله والمسيح نفسه ساكناً فينا وسائراً معنا بطريقة ممكنة المعرفة. كل هذه الأشياء ممنوحة للذين يسمعون وصايا الله ويعملون بها. انهم يتمتعون لا نهائياً بهذه الأشياء الثمينة التي فوق الوصف من خلال فتح الصندوق الذي تكلمنا عنه، أي رفع الغطاء عن أعين فكرنا ومعاينة الأشياء المخبأة في الكتاب المقدس. أما الآخرون الذين تنقصهم معرفة واختبار الأشياء التي تكلمنا عنها فلن يتذوقوا حلاوة ما في الكتاب المقدس ولا الحياة الأبدية الصادرة منه لأنهم يتكلون فقط على دراسة الكتاب. إضافة إلى ذلك، هذه الدراسة سوف تدينهم عند انتقالهم من هذه الأرض أكثر من الذين لم يسمعوا بالكتاب المقدس مطلقاً. بعض أولئك يخطئ بجهله ويحرّف الكتاب المقدس عندما يفسره بحسب شهواته. هم يريدون أن يمدحوا أنفسهم كأنهم قادرون على الخلاص بدون التقيد الصحيح بوصايا المسيح وهكذا ينكرون قوة الكتاب المقدس.


موهبة البصيرة لدى القدّيس أمبروسيوس شيخ أوبتينا


موهبة البصيرة لدى القدّيس أمبروسيوس شيخ أوبتينا

نقلته إلى العربية راهبات دير مار يعقوب، دده، الكورة

 

 

1- العامل واللصوص

 

أراد أحد العمّال الانصراف بعد أن أنهى وضع الإيقونات الجديدة في إيقونسطاس كنيسة دير أوبتينا الكبرى، ولكنّ القدّيس أمبروسيوس (1812-1891) رأى بما له من البصيرة الرّوحيّة مشهداً مريعاً: في الغابة القريبة من الدّير اختبأ رجلان مزوَّدان بمشرطين ليقتلا العامل متى مرّ من هناك ويسرقا المال الذي كان بحوزته.

وبينما كان هذا العامل يودّع السّتارتز طالباً بركته وصلواته، دعاه الشّيخ لزيارته في صباح اليوم التّالي ليتناول وإيّاه كوباً من الشّاي. ومع أنّ العامل كان في عجلة من أمره إلا أنّه لم يجرؤ على رفض الدّعوة، وهكذا بقي في الدّير.
وفي صباح اليوم التّالي، وجّه الشّيخ له دعوة أخرى مماثلة ليقضيا سويّة بعض الوقت في غروب ذلك اليوم. وما أن التقيا حتى دعاه ثالثة الشّيخ إلى لقاء آخر صباح الغد. وهكذا احتفظ السّتارتز بهذا العامل مدّة ثلاثة أيّام في الدّير. وطبعاً تأسّف العامل لهذا التّأخير الحاصل. ولكنّه لم يعد يعرف كيف يشكر الشّيخ على صنيعه معه عندما علم السّبب.

 

 

2- الدّروس في موسكو

 

من المعروف عند الشّعب الرّوسي أنّ كلام الأب أمبروسيوس كان يحمل صفة النّبوءة. لم يكن يتكلّم كأحد حكماء العالم، بل كانت أقواله أقوال إنسان مستنير من الرّوح القدس.

وكان بعض المسيحيّين يطلبون بركة الشّيخ قبل شروعهم في أيّ عمل لهم. ومن هؤلاء كان كابيتون الذي زار الشّيخ طالباً صلواته لابنه المزمع على السّفر إلى موسكو للحصول على علوم عالية.
لم يعارض الشّيخ طموح الشّاب، ولكنّه اقترح على الأب أن تكون مدينة كورسك بدلاً من موسكو. وهنا استنكر كابيتون الاقتراح قائلاً: “ولكن يا أبي نحن لا نعرف أحداً في كورسك، فكيف نرسل إليها الشّاب. امنحنا، لو سمحت، بركتك ليسافر إلى موسكو”. فأجاب الشّيخ بلهجة المازح: “إنّ موسكو، أيّها الحبيب، سوف تمسكك من أنفك وتضربك بالألواح الخشبيّة”.
وفي نهاية المطاف لم يعمل كابيتون بنصيحة الشّيخ وسافر الفتى إلى موسكو حيث استقرّ في أحد المنازل هناك.
كانت الدّروس تسير بانتظام ونجاح باهر، وكان الأب راضياً مسروراً عن هذه النّتيجة، إلى أن وصلته يوماً برقيّة تدعوه بالذّهاب عاجلاً إلى موسكو. فما الذي جرى؟! لقد وجد كابيتون ابنه مكسور كلتا الرّجلين إذ وقعت عليهما ألواحاً خشبيّة ثقيلة الوزن!!! وها قد أصبح الفتى مشلولاً إلى الأبد.
وعندما زار كابيتون الشّيخ ثانية، كانت دموعه تنهمر كالمطر من عينيه مردّداً: ” لماذا لم أقبل مشورتك يا أبي؟ لماذا لم أنصع لنصيحتك؟”

 

 

3 – التّجّار الثّلاثة

 

من الحوادث التي تُظهر جليّاً موهبة البصيرة التي للأب أمبروسيوس القصّة التّالية التي أخبرت بها الرّاهبة بربارة من دير بيليفسكي:

” لاحظ الشّيخ بأنّي لم أصدّق الكلام الذي قاله لي في المحادثة الأخيرة التي جرت بيننا. فلقد اعتبرت أقواله كلاماً عاديّاً وليست كلاماً معلّناً باستنارة إلهيّة.
وقال لي ذات يوم:
– اذهبي إلى دير تيخونوفسكايا.
– لماذا أذهب يا أبي وليس لديّ ما أقوم به هناك؟ وإن ذهبت فكيف أعود بمفردي؟
– اذهبي، قالها للمرة الثّانية، وسوف تجدين من ينقلك إلى هنا. فهناك ثلاثة تجّار متشوقون لزيارتي ولا يوجد من يدلّهم على الطّريق إلى هنا. فستكونين أنت إذن مرشدتهم.
– اكتب لي شيئاً يعرّفهم بي.
– ماذا سأكتب وأنا لا أعرفهم ولم أرهم؟
فتعجّبت جدّاً ممّا سمعت إذ كيف يمكن لإنسان أن يعرف ما يجري على بعد 65 فرسخاً منه؟ وبالفعل، ففي اليوم التّالي قصدت دير تيخونوفسكيا وأنا أبكي. فمرّ بي مضيف الدّير الأب نيقولاوس وسألني:
– لماذا تبكي؟
– لأنّه لا يوجد أيّ زائر ولا أيّة عربة تقصد أوبتينا، فكيف سأعود؟
– لا تقلقي. يوجد هنا زائرون يقصدون أوبتينا وينتظرون وصول عربة من القرية القريبة لتقلّهم.
– من هم هؤلاء الزّوّار؟
– إنّهم تجّار.
– ومن أين هم؟
– من الجوار.
– هل هم كثر؟ خمسة أو ستة؟
– كلا. بل هم فقط ثلاثة.
بقيت مذهولة تمام الانذهال، فكلّ ما ورد كان مطابقاً لما قاله الشّيخ. يا لها من أمور عجيبة تحدث!! وفي اليوم التّالي رافقت التّجّار وأرشدتهم الطّريق إلى أوبتينا. وعندما أخبرتهم سبب وجودي معهم شملتهم دهشة غريبة وصرخوا بصوت واحد: “عظيم أنت يا ربّ وعجيبة هي أفعالك”.
والآن ها قد وصلوا إلى أوبتينا وشوقهم في ذروته للتّعرف على الأب الشّيخ. أمّا أنا فمنذ ذلك اليوم لم أعد أشكّ مطلقاً بنصائح السّتارتز أو بكلامه، لأنّه من المؤكّد بأنّ كلّ ما يتفوّه به يعلّمه إيّاه الرّوح القدس السّاكن فيه.

 

 

 

مختارات من “إرشادات أبوية”

مختارات من “إرشادات أبوية”

الشيخ فيلوثيوس زرفاكوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

البتولية والزواج

في ما يتعلّق بالحياة التي سوف تسلك فيها، أي البتولية أو الزواج، فهذه إرادة الله. إذ غالباً ما تكون إرادة البشر شيئاً فيما تكون وصية الله شيئاً آخراً. كلا الحياتان، البتولية والزواج، حسنة، لكن العذرية تعلو لأنّ المفترَض أنّ المتبتّل يهتمّ بإرضاء الله بينما المتزوّج يجهد لإرضاء زوجته والعالم (1كونثوس 32:7-34). لا يدفع الله الإنسان نحو هذه أو تلك. “مَن أراد أن يتبعني” (متى 24:10، مرقس 34:8، لوقا 23:9). الإنسان، إذا رغب، عليه أن يختار بنفسه هذه الحياة أو تلك. إذا كان متذبذباً ما بين الإثنين فليرفع الصلوات الحارّة باتّضاع وورع، لكي يكشف الله له أيّاً من الحياتين تحمل خيراً أكبر له إذا ما سلك فيها. والله الذي يقول “اسألوا تُعطوا، اطلبوا تجدوا” (متى 7:7، لوقا 9:11)، سوف يكشف لك. 

لباس النساء

لا يتناسب اللباس غير المتواضع أبداً مع التقاليد الرسولية والآبائية. أغلب النساء فقدنَ عقولَهنّ كلياً. لقد طرحن الاحتشام بعيداً ومضين متعريّات ليجتذبن الرجال، يدخلن بجسارة حتّى إلى الكنائس المقدّسة لا ليصلِين، بل ليفسدنَ ويصدمنَ الآتين إلى الكنيسة… يشهد الذهبي الفم على هذا في عظته الثامنة حول الرسالة الأولى إلى تيموثاوس فيقول “هذه ليست ثياب سيدة متضرّعة. كيف تستطيعين أن تصلّي عندما تلبسين هذه الثياب؟ إنّها ثياب المهرّجين ولاعبي الموسيقى. لا يليق أيّ منها بالسيدات، فلا تقلّدي المومسات”.

أرى أنّه من الحسن أن تُمنع تلك النسوة من دخول الكنائس، كما اللواتي حلقن شعورهن إلى أن تغيّرن آراءهنّ… ما من حاجة لكِ أن تلوّني نفسك وأنتِ لا تكسبين شيئاً من هذا العمل. لا تذهبي إلى دور السينما والمسارح، اذهبي إلى الكنيسة، إلى الأحاديث الروحية، إلى الناس الروحيين لكي تستفيدي. تجنّبي الأحاديث التافهة، النميمة، المزاح، اللهو، والرقص لأنّها جميعاً تضرّ بالروح. إن لم تقطعي هذه الأشياء وتتوبي عنها فسوف تُعاقَبين في الحياة الأبدية. تذكّري الله دائماً يا ابنتي، أحبّيه، نفّذي وصاياه، اشكريه لأنّه أنارَكِ، واعترفي… جاهدي لأن تكوني من أبناء الله….

الافتراء

الافتراء هو الاتّهام الكاذب. يُسَمّى المفتري شيطاناً وهو كذلك، إذ كما أنّ الشيطان افترى على الله عند أول مخلوقَين وخدعهما، كذلك الإنسان الحسود، يتّهم إخوته كذباً ويقنِع الكثيرين بتصديقه. يؤذي المفتري نفسَه والشخص المُفترى عليه ومستمعيه أيضاً… من هنا، كل المُفترى عليهم إذا ما كانوا صبورين وتقبّلوا وسامحوا المفترين، يكونون مبارَكين “طوبى لكم إذا عيّروكم… وقالوا عنكم كلّ كلمة سوء…” مع هذا، يؤذي المفتَرون كثيرين من المُفتَرى عليهم، فالافتراء شَقَّ زيجات شرعية وباعد بين محبين كُثُر، زرع العداوة بين المتحابّين من الأصدقاء والأقرباء والإخوة، رمى أناساً أبرياء في السجون وأرسلهم إلى المنافي وأوصَل غيرهم إلى الموت. لهذا السبب، الافتراء هو أعظم الخطايا وعلى الأب الروحي أن يعاقب المفترين كمجرمين…

أرى أنّه من الحسن أن تُمنع تلك النسوة من دخول الكنائس، كما اللواتي حلقن شعورهن إلى أن تغيّرن آراءهنّ… ما من حاجة لكِ أن تلوّني نفسك وأنتِ لا تكسبين شيئاً من هذا العمل. لا تذهبي إلى دور السينما والمسارح، اذهبي إلى الكنيسة، إلى الأحاديث الروحية، إلى الناس الروحيين لكي تستفيدي. تجنّبي الأحاديث التافهة، النميمة، المزاح، اللهو، والرقص لأنّها جميعاً تضرّ بالروح. إن لم تقطعي هذه الأشياء وتتوبي عنها فسوف تُعاقَبين في الحياة الأبدية. تذكّري الله دائماً يا ابنتي، أحبّيه، نفّذي وصاياه، اشكريه لأنّه أنارَكِ، واعترفي… جاهدي لأن تكوني من أبناء الله….

التوبيخ (من رسالة إلى أحد الرهبان)

يقول القديس مكسيموس المعترف الحامل الإله في إحدى عظاته عن الإدانة أنّ الله الآب لا يدين أحداً. لقد أعطى كل الدينونة للابن، فيما ابن الله، ربّنا يسوع المسيح يأمرنا: “لا تدينوا كي لا تُدانوا”. وبولس المعلم الإلهي فم المسيح يقول: “لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ… أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ… أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟.. وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ.” (روما 1:2-6).

الناس الحمقى الذين اغتصبوا من ابن الله حق الإدانة، إذ يهملون خطاياهم، يحاكمون ويدينون أحدهم الآخر. تنذهل السماوات من هذا والأرض ترتجف، فيما الناس لا يفهمون ولا يخافون الخطيئة العظيمة التي يرتكبون. يحق لنا أن نسمّي هيرودوس ظالماً ومخالفاً للناموس وغير شرعي وغير بارّ. يحق لنا أن لا نسمّي يهوذا تلميذاً بل خائناً. لا يحق لنا أن نسمي أريوس قديساً بل هرطوقيا وذئباً ثائراً، كما علينا أن نصف كلّ هرطوقي بأنّه غير شرعي ومحرّم. علينا أن نقول الحقيقة سواء كان الإنسان حسناً أو سيئاً، وكما ينظر الله والكنيسة إليه علينا أن ننظر. لكن في الوقت عينه لنتذكّر أنّ الله سوف يدينهم وليس لنا الحق بذلك، لأننا نحن أيضاً خطأة و لا نعرف إلى ما سوف ننتهي. يهوذا كان تلميذاً ورسولاً، واللص الذي صُلب مع المسيح كان قاتلاً. في لحظة صار الرسول خائناً فيما اللص إذ تاب دخل أولاً إلى الملكوت. انتبهْ، انتبهْ، انتبهْ!
إذاً، لا أنا ولا أنت ولا أي شخص آخر عندنا الحق بإدانة الحكّام أو رؤساء الكهنة أو الإكليريكيين أو العلمانيين، شبّاناً وكهولاً ورجالاً ونساء. إذا انحرفوا علينا أن نوبّخهم لا بإهانات أو بغضب أو اهتياج، بل بطول أناة ومحبة وبطريقة دمثة، لنظهر لهم ما هو صحيح وبارّ وحسن، ونصلّي إلى الله أن يمنحهم التوبة والاستنارة. هذا ليس توبيخاً بل هو إرشاد ونصيحة، إنّه اهتمام ومحبة لمنفعتهم. من جهة أخرى، إذا انفجرنا غضباً، أو غيظاً أو اهتياجاً، ورحنا نحلف ونشتم ونلعن ونظهر الشرّ، عندها نعلن خطيئتهم لآخرين لا يعرفون عنها شيئاً، نذيعها وننشرها بانفعال وكره، فهذا لا يكون مجرّد توبيخ بل هو نقص بالمحبة وغيظ. لا يكون الشيء الجيّد جيداً إلا إذا عملناه بطريقة جيّدة… غالباً ما تجعل الطريقة الحسنة الإنسان الشرير حسناً، بينما الطريقة الشريرة تحوّل الإنسان الجيّد شريراً.
طالما أنت تسألني رأيي، أقول لك، كأب روحي، الأفضل والأكثر نفعاً هو الصمت، الصمت مع الناس والكلام الداخلي في النوس، أي الصلاة مع الله. اهربْ من المناقشات التي في غير محلها، كنْ صامتًا فتخلص. قد أبدو مزعجاً لأني أقول الحقيقة المرّة. أنا أقوم بواجبي، تماماً كما الآباء يوجّهون أولادهم، فَهُم غالباً ما يوبّخون أولادهم ويعنّفونهم عندما ينحرفون، وأحياناً يضربونهم. إنّهم لا يقومون بذلك لأنّهم يكرهونهم، بل لأنهم يحبونهم، لكي يبعدوهم عن الشرّ.
أنا أقوم بذلك أيضاً كأب روحي، لأني أحبكم وأهتمّ لكم كأولادي ومن خدمتي أن أنصحكم وواجبي أن أوبّخكم، ليس لأني أكرهكم بل بسبب محبتي لكم ولكل ما ينفعكم ويفيدكم ويفضي إلى خلاصكم. أنصحكم من الآن وصاعداً أن تحجِموا عن الأعمال التي يمقتها الله والتي تؤذيكم، وأن تعطوا الحسنات التي تصرفونها للفقراء واليتامى والأرامل، حتى تجدوها في السماوات. أسأل كل الرجل والنساء، الشبّان والكهول، أن نمقت الخطيئة ونتقرّب من الله بكل نفوسنا. احفظوا وصاياه، حتى نسلك هنا في حياة سلامية وسعيدة ونًُمنَح في نهاية الحياة الحاضرة أن نسكن في مساكن الفردوس المحبوبة.

العفـــة والبتـوليّـة

العفـــة والبتـوليّـة


إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

مدخل

هل الطهارة حكر على الرهبان؟!..أم هي شيء يختص بعصور مضت، وأساطير جميلة تبقى أحداثاً استثنائية لا تمتُّ إلى الواقع المادي بصلة، خاصة في أيامنا؟ هل آية “كونوا كاملين” تفوه بها معلم حالم إلى شرذمة من العاطلين عن العمل والمكبوتين في حياتهم حتى ينسيهم شقاءهم؟

لا يا أحبة، لأن ” هذه هي إرادة الله قداستكم “(1تس 3:4). فشهادة ألفي سنة من عمر الكنيسة، برهنت للعالم أن القداسة ليست حدثاً استثنائياً لا يصلُ إليه سوى “مختارون” بل هي النتيجة الطبيعية لكل من حاول أن يعيش بحسب وصايا الرب “إذا شاء”، أي إذا شاء الإنسان أن يتبع المسيح.
كيف؟..فلنسمع إحدى الإجابات البسيطة من إنسان كان مضطهِداً للمسيح ثم تاب ليصبح قديساً كبيراً: ” لأن هذه هي إرادة الله قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه (أي جسده) بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول احد على أخيه في هذا الأمر…” (1تس 3:4-6 ).
العفة!!! إنها خرافة في أيامنا. لكن إذا أردت أن تعيش كمسيحي، أن تكون ملح الأرض ونور العالم، فلا بد للملح والنور أن يكونا نقيين صافيين، لئلا إذا فسدا يفسدا كل ما خلقه الله. مستحيل!!! “أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوِّيني”. فالعفة ليست كبتاً، لان كل من يقرأ الإنجيل يعرف تماماً أن العفة هي ملء الحب، حب الخالق وحب الإنسان، صورة الله المدعو إلى التأله.
إخوتي الشباب، إناثاً وذكوراً،
قد تدعونا الضرورة أو اللياقات للمشاركة في مناسبات شتّى تخصّ من حولنا من جيران أو زملاء في العمل … وقد يتواجد هناك أناس بعيدون عن معرفة الرب يسوع وعن ما يليق بالإنسان المسيحي وما يوافق من تصرفات أمام الآخرين.
لننتبه هناك أمور تثير الخطايا فيستسلم البعض خوفاً من الموجودين ماذا سيقولون عنّا أو من الكبار الملزمون نحن بطاعتهم أو…. الخوف قد يكبح قدرة الخطيئة ولكنه يعجز عن تعطيل ردّة فعلها، إنه يجعل الذين ردعهم عن فعل الخطيئة أكثر تعطّشاً إلى معاودة فعلها، إذاً الخوف إما يجعلنا نستسلم أو نمتنع ولكن لي هو الحلّ. الحلّ هو الاقتناع والإيمان والتصميم أننا نريد أن نتبع الرب ونمجده في حياتنا.
فإغراء الشهوة نستطيع مقاومته بالانسحاق الداخلي ورمي ضعفنا أمام الرب والمثل السيئ لا نقتدي به لأننا أولاد الله.
وها أنا، يا أخي، أطرح عليك بعض الأسئلة أرجو من خلال إجابتك عليها أن تعرف نفسك جيداً هل أنت عفيفاً أم لا: “الجسد صبور يكفي ألا نعطيه عادات سيّئة. البتول قوي يحفظ ذاته لكي يصل إلى السّلام.”
1- هل أخطأت بالفكر، بالنّظر، بالسّمع، باللمس، بالكلام، بالقلب؟
2- هل كانت عفّتك إيجابيّة مقدَّمة لله ومكرَّسة له؟
3- هل تعلم أنّ مسك البطن وصيانة اللسان ولجام العينين هم طهارة للجسد؟
4- هل تعلم أنّ بذار عرق الصّوم يُنبت سنبل العفّة ومن الشّبع يتولّد الفسق ومن الامتلاء النّجاسة؟
5- هل تتحفّظ من كلّ شيء فيه لذّة من لذّات هذا العالم لكي يكون الجسد دائماً هادئاً ومحفوظاً من الحركات الشّيطانيّة؟
6- هل تقع في النّسيان والتّواني والشّهوة التي هي أسباب الخطيئة؟
7- هل تسيطر على غرائزك أم تستسلم لها؟
8- هل تحارب الشّهوة بمطالعة الكتاب المقدّس، سير القدّيسين، حضور الصّلوات الطّقسيّة بتواتر؟
9- هل تكرّم جسدك وتحبّه وتنعّمه وتنيّحه أم إنّك تقسو عليه؟
10- هل تقهر الشّهوة أم تتساهل وتخضع لها؟
11- هل تسعى لتتخلّص من روح الزنا بدموع التّوبة؟
12- هل تعلم أنّ السّهر والصّلاة والجوع والتّعب مع العزلة عن النّاس تبطل شهوة الزنا؟
13- هل تفكّر بالخطايا القديمة التي فعلتها؟
14- هل تتناول الأسرار المقدّسة باستمرار كقوّة ضدّ الشّهوة؟
15- هل تسعى لضبط حواسّك: النّظر، اللسان، اللمس؟
16- هل تحاسب نفسك وترصد تحرّكاتها؟

الهرب من الزنا – حفظ الحواس – لا تكن غير مبال بخلاصك

للقدّيس أفرام السّرياني

إن سقطت في خطيئة الزنا لا تبقى واقعاً أسفل. ولا تزدرِ بطول أناة الله وصبره. تذكّر أنّ الموت لن يتأخّر (سيراخ 12:14). تذكّر أنّك لن تستطيع أن تهرب من أيدي الله. لا تكن غير مبالٍ بل تُبْ. اسكب دموعاً، تنهّد لأنّ الشّيطان قد استهزأ بك. لا تتهامل ولا تكن غير مبال بل قف بشجاعة أمام المعادي وسدّ النّافذة التي منها يسرقك العدو عادة، فيرجع عندئذ خاوياً لأنّه لم يجد المدخل المناسب.

إغلاق النّافذة هو حفظ حواسّنا التي منها يتسرّب في النّفس الخير أو الشّرّ: النّظر، السّمع، اللمس، الذّوق، ولا ندع أفكارنا تتشتّت باطلاً بما لا يليق.
إن كنّا أيّها الأحبّاء غير مهتمّين بخلاصنا ربّما تفاجئنا نهايتنا ونخرج من هذه الحياة في الوقت الذي فيه نُدان. ماذا نظنّ عن هذا الذي مات؟ هل يعود بعد إلى بيته؟ بعد سنة، بعد مائة أو ألف سنة؟ لماذا نطالب بأشياء لا تبقى ونزدري بأمور باقية؟ قل للذي يريد أن يخضعك للرّغبات الدّنسة:
“يا عدوّ الحقيقة هل أخجل منك وأتمّم رغباتك؟ اذهب عنّي إلى من يشبهك من أناس دنسين. اتبع غرائز الخنازير واغرق معهم (متى 31:8-32). لن تراني بعد عبداّ منصاعاّ إليك، متمّماً رغباتك. كفى الوقت الذي عبر باطلاً. من الآن فصاعداً سأهتمّ بالحقيقة. سوف أبتهل إلى الله لكي ينجّيني من أعمالك. لقد منحني الرّوح القدس وأنا أغضبه. لقد أعطاني نفساً وجسداً نقيّين وأنا دنّستهما” هكذا قل أيّها الحبيب لذاك الذي يحاول أن يوقعك في الأهواء المهلكة.
قال أحد القدّيسين: يشبه الزنا كلباً إن داعبته تعلّق بك وإن طردته هرب. فأرجوك انتبه إلى نفسك ولا تتهامل في سلوك حياتك. لا تخسر أثمار أتعابك بسبب تمتّع صغير، ولا تسلّم بداعي عدم الطّهارة أجرة عملك، أجرة الهدوء والإمساك والفضائل الباقية. لا تخسرها بسبب عدم الطّهارة وتتشبّه بذاك الذي يضع أجرته كلّها داخل كيس فاسد. قليل من الخمير يخمّر العجين كلّه (1كو 6:5). أما أنت فاحفظ نفسك من كلّ شيء بمخافة الله.

1 – القدّيسة توماييس التي من الإسكندريّة (القرن الخامس الميلادي)

” ليكن المضجع بلا دنس” (رسالة بولس الرسول الى العبرانيين 13:4 )

وُلدت القدّيسة توماييس [1] في الإسكندريّة لوالدين تقيّين ربّياها على محبّة المسيح والشّهادة له في الحياة اليوميّة بكلّ تفاصيلها الصّغيرة.

تزوّجت في الثّامنة عشرة من أحد صيّادي السّمك، وحظيت باحترام الجميع لسيرتها العفيفة. لكنّ عدوّ الخير، لا يفرحه أن يرى روحاً نقيّة تنير من حولها وتبني عائلة تشعّ فرحاً وسلاماً بالرّبّ، فغرس شهوة رديئة في نفس حميها (والد زوجها)، الذي كان يقيم معهما في نفس البيت.
وفي أحد الأيّام، بينما خرج زوج توماييس إلى الصّيد كعادته، حاول الأب أن يغوي القدّيسة. لكنّ توماييس، إذ اعتادت منذ الطّفوليّة أن تكون أمينة لوصايا الرّبّ، لم تشأ أن تدنّس نفسها النّقيّة، فاستعانت باسم الرّبّ يسوع لتصُدَّه وتردّه إلى صوابه. لقد قاومت القدّيسة بعزم شديد وهي تقول له :” ما هذا الذي تريد فعله يا أبي، إنّه من زرع الشّيطان”، فما كان من ذلك البائس إلا أن استل سيف ابنه مهدّداً إيّاها بالموت إن لم تذعن له، حينئذ قالت توماييس :”إنّني أفضِّل الموت على أن يتمّ هذا الأمر المنكر”. لكنّ الشّيطان كان قد تسلّط على الأب فقتلها. وللحال ضُرب القاتل بالعمى، فأخذ يدور حول نفسه ملتمساً المخرج لكنّه لم يستطع أن يجد الباب. وبقي على هذه الحال إلى أن سمع أصوات بعض الصّيّادين يقتربون من المنزل وينادون طالبين ابنه، فأجابهم:” إنّه في الصّيد، ولكن أرجوكم أن تدلّوني أين يوجد الباب، إنّي لا أستطيع أن أبصر شيئاً”. عندها، دخل الرّجال البيت باستغراب، فاستدركهم الأب:” لقد ارتكبت جريمة، امسكوني وسلِّموني إلى القضاء”.
لمّا علم القدّيس دانيال، كاهن إسقيط مصر في ذلك الوقت، بخبر هذه المرأة التي استشهدت حبّاً بالمسيح وحفاظاً على هيكل الرّوح القدس (أي جسدها)، أدرك أنّ نصيبها لا بدّ أن يكون مماثلاً لنصيب العذارى البتولات، فأراد أن يأخذ رُفاتها ليضعها في مقبرة الرّهبان. وأمام استهجان آباء الدّير لدفن امرأة مع الآباء، سيّما أنّها مقتولة، أجابهم الأب دانيال :”إنّ هذه المرأة هي أمِّي، إنّها أمّي الرّوحيّة وأمّكم أنتم أيضاً، لقد قَضت من أجل العفّة”.
“من أهلك نفسه لأجلي يجدها”:
كان القدّيس دانيال مؤمناً بقداسة توماييس، هذه المرأة العاديّة التي آثرت موت الجسد على أن تتنكّر لإيمانها. “فالإيمان بدون الأعمال ميّت”، ومن يتنكّرُ لوصايا المسيح ينكر المسيح نفسه ويُعلنُه خادماً لأهوائه.
* جُرِّب مرةً أحد الرّهبان في الإسقيط بقتال الزّنا، فذهب إلى القدّيس دانيال وكشف له أمره، فقال له الشّيخ :”يا بني اذهب إلى الدّير الذي دُفنت فيه توماييس ثم اجعل مبيتك ومقامك فوق مدفن الآباء هناك، وصلِّ قائلاً:” يا إله توماييس العفيفة أعنِّي ونجِّني من محنة الزّنا، وإنّي أؤمن أنّك ستخلُص من هذه المحنة”. ففعل الأخ كما نصحه الشّيخ، وبعد قليل هدأت نفسه وبطلت التّجربة عنه، فعاد إلى ديره وقال لأبيه :”إنّي أُعتقت بقوّة الرّبّ يسوع المسيح وبحسن صلاتك”، فسأله الشّيخ عن كيفيّة حدوث ذلك، فقال: “إنّي لمّا داومت على الانسحاق والصّلاة إلى الله وعمل المطّانيّات، نمت فظهرت لي القدّيسة وقالت لي: يا راهب… يا راهب خذ هذه البركة وامض بسلام إلى قلايتك. فلمّا أخذتُ البركة خفّ القتال ووثقت أنّي تحرّرت منه”، فقال له القدّيس دانيال :” كلُّ من جاهد من أجل العفّة يكون له عند الله دالّة عظيمة”.
تعيِّد الكنيسة للقدّيسة توماييس في الرّابع عشر من شهر نيسان، أي يوم رقادها لأنّه يوم اتحادها بختنها السّماوي. فبشفاعة “شهيدة العفّة” أهِّلنا أيّها الرّبّ أن نكون أمينين لوصاياك، قادرين على كبح كلِّ شهواتنا الرّديئة محبّة بك يا من ” أحبّنا أوّلاً وبذل نفسه من أجلنا”.

[1] الاسم توماييس هو مؤنث اسم توما.

2 – توبة امرأة يهوديّة تنصّرت ودخلت الدّير مع الأسقف الذي زنى معها

 

أخبر أحد الآباء المتوشّحين بالله قائلاً:

– وإن كنّا بعد خطأة ولكنّنا لا نزال نملك الإيمان، لأنّ الرّبّ قال: “إن لم يولد أحد من الماء والرّوح لا يدخل ملكوت السّموات”.
– ولكنّ تلك لم تكن تسمع كلامه بل كانت تقول: سأموت على الإيمان الذي وُلدت عليه. ألا أومن بنفس الإله الذي تؤمن أنت به؟ وإن كنت لا أخلص إن لم أعتمد، كما تزعم، فلأقضي حياتي على الأقل دون عذاب، ولأكن كسارة وراحيل.
– صدّقيني لن يدعني الرّبّ أهلك وأنا في هذه الخطيئة، بل سيقبلني تائباً. وسوف يأخذك إلى جانبه، ليس وأنت على الإيمان الذي أنت عليه الآن بل على الإيمان المسيحي. تعالي إلى الكنيسة لتري ما هو إيمان المسيحيّين بالله ولكي ترينني أنا الخاطئ أيضاً.
– حسناً، هذا أستطيع أن أفعله، ولكن لا ترغمني على فعل الآخر.
وهكذا ذهبا إلى الكنيسة. وعندما دخل الأسقف رأته المرأة في حلّة لامعة بهيّة مع جميع خدّامه. وعندما دنا من المذبح الإلهي، فُتحت عيناها وكأنّها بقوّة إلهيّة غير منظورة، فشاهدت رجلاً متّشحاً بالبياض وجماله يفوق كلّ وصف، يخرج من المذبح ويأخذ الأسقف ويقيّده إلى عامود، ثمّ يدخل هو نفسه إلى المذبح ويكهن مع الكهنة والشّمامسة. وعندما دنت ساعة رفع القربان، رأت طفلاً مرتفعاً في يده ويتقطّع إلى قطع لتوزَّع فيما بعد على الشّعب. وعندما تناول الجميع من القدسات، رأت الطّفل نفسه حيّاً يبرق كالنّور والنّار في الوقت نفسه. وعندما انتهت خدمة القدّاس الإلهي فكّ قيود الأسقف ثم اختفى.
ما إن رأت المرأة هذه الأعجوبة حتى خرجت مسرعة إلى المنزل وهي تبكي وتتوسّل قائلة: “أهّلني يا ربّ أن أصبح مسيحيّة وأن أموت أيضاً هكذا”. وبعد قليل وصل الأسقف وقال لها: “أرأيت أيّ إيمان لنا نحن المسيحيّين؟” قالت: “يا ليتني لم أرَ”. ثم قصّت على الأسقف، والدّموع ملء عينيها، كلّ ما رأت. وللحال ندم على خطاياه وقال لها: “ليكن لنا هذا اليوم يوم بداية توبة وحياة جديدة، وسوف أطرق أنا باب أحد الأديار لأغلق على نفسي وأبكي خطاياي كلّ الأيّام التي بقيت. فالتهب عندئذ أيضاً قلب المرأة بالحنين إلى الله، فسقطت على قدميه وقالت: “لا تتركني هنا. اجعلني مسيحيّة وضعني في دير ثم اذهب بسلام في الطّريق التي اخترتها لنفسك. وأمّا أنا فمنذ هذه اللحظة سأكرّس نفسي للرّبّ وسأذهب إلى حيث يقودني هو”.
وبدون أن يضيّع الوقت عمّد الأسقف المرأة ووضعها في أحد الأديرة. وأمّا هو فاعتزل العالم دون أن يُعلِم أحداً بمقرّه. وما لبث أن تقدّم كثيراً في حياة النّسك والجهاد حتى أنّه في مدّة ثلاث سنوات وُهب موهبة رؤية المستقبل وصنع العجائب. وهكذا قضى وأُحصي مع القدّيسين.

 

3 – عفّة زوجين

 


أخبر أحد الآباء قائلاً:
بينما كان أحد التّجّار مسافراً في البحر تعرّضت السّفينة لنوّ كبير فغرقت السّفينة ولم ينجُ إلا هو وحده ولكنّه فقد بهذا كلّ أمواله الخاصّة وتلك التي استدانها أيضاً. وعندما عاد من سفرته ألقاه مقرضوه في السّجن وأخذوا له كلّ محتويات منزله بحيث بات لا يملك سوى الثّياب التي كانت عليه هو وامرأته.
وذات يوم وعندما كان جالساً في السّجن يأكل مع زوجته، دخل أحد وجهاء المدينة لكي يهب السّجناء بعض الإحسان، فرأى المرأة جالسة قرب زوجها فراقت في عينيه لأنّها كانت جميلة جدّاً. فأرسل يستدعيها مع أحد الحرّاس وبفرح كبير قبلت المرأة الدّعوة ظنّاً منها أنّه سيحسن إليها ببعض المال. وأمّا الرّجل فانتحى بها جانباً واستفسر منها على سبب وجودها في السّجن. فقصّت عليه قصّتها كاملة فأجابها: “إن أنا سددت الدّين هل تقيمين معي هذه الليلة؟” وبما أن هذه المرأة كانت حكيمة إلى جانب جمالها فقالت له:” لقد سمعت بأنّ الرّسول يقول: لا تتسلّط المرأة على جسدها بل رجلها، فدعني أيّها السّيّد أن أسأل زوجي ومهما أمر بعد ذلك سوف أفعله”. ثم ذهبت إلى زوجها وقصّت عليه كلّ ما عرض لها فقال لها زوجها: “اذهبي أيّتها الأخت واطردي هذا الرّجل فإنّ رجاءنا بالله وطيد ولن يتركنا ولن يهجرنا إلى النّهاية”. فذهبت المرأة إلى الرّجل وقالت له: “لم يوافق زوجي”.
وفي ذلك الوقت عينه كان أحد اللصوص سجيناً في غرفة منفردة مجاورة لغرفة الزّوجين، فسمع حديثهما وتنهّد قائلاً مخاطباً نفسه: “انظر، يا شقي، بأيّة حالة سيّئة هما ومع ذلك لم يقبلا بأن ينالا أموالاً غير نظيفة مقابل حريّتهما. لقد وضعا شرفهما فوق كلّ غنى وازدريا بكلّ شيء في هذه الحياة مقابل الحفاظ على عفّتهما. فماذا أفعل أنا الشّقي الذي لم يأبه يوماً لوجود خالق ديّان حتى أنّي ارتكبت جريمة شنعاء.”
وللحال قام ودعاهما من طاق غرفته وقال لهما: “كنت فيما سلف لصّاً وارتكبت جرائم لا عدّ لها وأعلم بأنّه عندما ستدنو السّاعة ويأتي الأمير ليحاكمني سوف يقضى عليّ كقاتل. وعندما رأيت حفظكما لشرفكما وعفّتكما تأثّرت كثيراً. فاذهبا إذن إلى المكان الفلاني في سور المدينة واحفرا وخذا المال الذي تجداه هناك وسدّدا به دينكما واصرفاه على كلّ ما تحتاجا إليه وصلّيا من أجلي عساني أجد أنا أيضاً رحمة ومعونة من لدن الله.
وبعد أيّام قليلة أتى إلى المدينة الأمير وأمر بأن يُقطع رأس اللص. وبعد ذلك قالت المرأة لزوجها: “أتسمح يا سيّدي بأن أذهب إلى حيث قال لنا اللص لأتحقّق صدق قوله؟” فأجابها زوجها: “افعلي كما تشائين”.
وعند المساء أخذت المرأة مجرفة ووجدت المكان وحفرت فوجدت إناء مملوءاً من الذهب. فأخذته وراحت تسدّد ديونهما شيئاً فشيئاً إلى أن حرّرت زوجها من السّجن.
وقال الأب الذي روى هذه الحادثة: “كما حفظ هذان وصيّة الرّبّ كذلك أظهر لهما الرّبّ غنى رحمته”.

 

عن راهبة رأت في رؤيا والديها أحدهما في الجحيم والآخر في السّماء فترهبت

 


سئلت إحدى الرّاهبات المسنّات المتقدّمات في حياة التّقوى كيف أصبحت راهبة فأجابت:
“كان أبي رجلاً هادئاً صالحاً، لكنّه كان عليلاً لا يفارق سرير المرض إلا نادراً. امتاز ببساطته وصمته إذ لم يكن يتكلّم إلا نادراً حتى ظنّه البعض أبكماً. كان يلجأ إلى فلاحة الأرض وزراعتها، عندما تساعده صحّته، حيث يقضي هناك معظم أوقاته.
أمّا أمّي فكانت على عكس أبي تماماً. فضوليّة تحبّ أن تعرف كلّ ما يجري ولو خارج قريتنا، مهذارة، لم نرها صامتة ولو لوقت قصير بل غالباً ما كانت تنتهر وأخرى تشاحن وأحياناً تتفوّه بكلام بذيء. تصرف معظم أوقاتها بالسّكر مع رجال أشرار وكأنّها امرأة عموميّة. تدير بيتها بطيش وخفّة لدرجة لم يعد يكفينا دخلنا الواسع. ومع كلّ هذا لم تتعرّض لمرض ما، ولم تكن تشكو من أيّ ألم، بل كانت قويّة صحيحة وإن كانت تعيش عيشة إسراف وطيش.
وبعد زمن طويل من المعاناة والألم توفي والدي. وللحال هبّت عاصفة هوجاء، وأبرقت السّماء وأرعدت، وانهمر المطر غزيراً لثلاثة أيّام متواصلة حتى أنّنا لم نستطع الخروج أبداً، وهكذا بقي والدي دون دفن في المنزل. ممّا حدا ببعض مواطنينا عندما رأوا ثورة الطّبيعة إلى القول: “الويل لنا أيّة جبلة شيطانيّة كانت تعيش بيننا ونحن لم نكن ندري. لا بدّ أنّ هذا الرّجل كان عدوّاً لله حتى أنّه لم يسمح بدفنه”. أمّا نحن، فلكي لا تفسد الجثّة ويصبح البيت لا يطاق السّكن فيه، قمنا بدفن والدي بالرّغم من الزّوبعة القائمة.
أمّا أمّي فأخذت تنغمس في الرّذيلة أكثر فأكثر حتى غدا منزلنا فعلاً منزل بغي، وراحت تصرف كلّ ما لدينا حتى لم يبق شيء. وبعد زمن قصير توفيت هي أيضاً وأتت جنازتها رائعة لدرجة كنت تظنّ أنّه حتى الطّبيعة كانت تتحسر على فقدها.
وهكذا أخذت أنا أتقدّم في العمر، وبدأت الشّهوات الشّبابيّة الجسديّة تحاربني وتطغيني. وذات مساء ساورني فكر يقول: “أيّ حياة يجب أن أقتفي؟ هل أتبع آثار أبي وأعيش حياتي بتحفّظ ومقياسي الحشمة والتّعقل؟ ثم ما هو ربح من يعيش حياة كهذه؟ لقد صرف أبي كلّ حياته بالمعاناة والمرض والأحزان حتى أنه عندما مات لم يُدفن كسائر النّاس. وإن كانت حياته قد أعجبت الله فلماذا إذن صادف كلّ هذه الملمّات؟ وما هي حياة أمّي؟ ألم تحيا بصحّة تامّة مع أنّها قضت عمرها بالتّسلية والشّهوات والرّاحة؟ إذن عليّ أنا أيضاً أن أعيش كذلك لأنّه من الأفضل أن أصدّق ما تراه عيناي من أن أصدّق أقوال الآخرين.
وهكذا وجدتني أتّخذ قراراً بأن أقتفي خطوات أمّي. وعندها غرقت في نوم عميق. وفجأة حضرني رجل شرير شرس رماني بنظرة غيظ ممتلئة غضباً، وسألني بصوت مضطرب: “قولي لي بماذا تفكّرين؟”. ومن خوفي واضطرابي لم أجسر على رفع عيني في وجهه. وأمّا هو فكرّر القول بلهجة الآمر: “قولي إذن ماذا قرّرت؟” وعندما رآني وكأنّي أصبحت بجملتي مشلولة من الخوف وقد أوشكت أن أفقد عقلي، أخذ يذكّرني بكلّ الأفكار التي كانت تراودني سابقاً، فتشجّعت قليلاً، وبما أنّي لم أجرؤ على الإنكار بدأت أتوسّل إليه أن يسامحني. فأمسك بيدي وقال: “تعالي لتنظري كلاً من أبيك وأمّك، ولك بعد ذلك أن تختاري أيّ الحياتين تتبعين”. أخذني إلى سهل فسيح في الفردوس حيث الأشجار الكثيرة الرّائعة الجمال والمحمَّلة بكلّ أنواع الثّمار. وبينما كنت أسير معه إذا بوالدي يلاقيني، فاحتضنني وقبّلني ودعاني بابنته الحبيبة، فقبّلته أنا كذلك، وتوسّلت إليه أن أقيم وأبقى معه ولكنّه قاطعني قائلاً: “لا يمكن أن يحصل هذا الآن، ولكن إن اخترت أن تتبعي طريقي ستأتين إلى هنا بعد قليل. أمّا أنا فبقيت أتوسّل إليه لكي أبقى معه، وعندها شدّني الملاك بقوّة من يدي قائلاً: “تعالي الآن لتري أيضاً أمّك، لتتحقّقي أية حياة يجب أن تقتفي”.
فقادني إلى مكان مظلم حيث الأنين والاضطراب. ثم أشار إلى أتون متّقد مرعب تنتشر حواليه بعض ألسنة اللهب الرّهيبة. أمعنت النّظر جيّداً في الأتون فوجدت داخله والدتي تلفّها النيران حتى العنق ودود لا يحصى يلتهمها وأسنانها تصطك من الألم والخوف. وما أن رأتني حتى بدأت تبكي وتقول: “الويل لي يا ابنتي، يا لها من آلام لا تُطاق، يا لها من معاناة لا تنتهي. يا لبؤسي وشقاوتي أنا التّعيسة فإنّه من أجل لذّة يسيرة أعاني الآن ما أعانيه. الويل لي أنا البائسة، فإنّه من أجل راحة حاضرة وقتيّة أتعذّب دهريّاً. أشفقي علي يا ابنتي أنا والدتك التي تحترق بالنّار. تذكّري كلّ ما وهبتك إيّاه وارحميني. مدّي لي يدك وانتشليني من ههنا”.
بقيت جامدة لا أتحرّك بسبب بشاعة هذه الجبلة التي هي أمّي، ولم أجسر من الدّنو منها بينما بقيت هي تصرخ متوجّعة: “يا ابنتي ساعديني ولا تكوني غير مبالية تجاه آلامي أنا والدتك. لا تزدري بهذه المعاناة التي أعاني في هذا اللهيب ولا من هذا الدّود الذي لا يشبع”. مددت يدي وأنا كلّي تأثّر لكي أنتشلها، ولكنّ ألسنة اللهيب لحست يدي فآلمتني جدّاً وبدأت أبكي وأئنّ، ومن صوت أنيني أفقت. صُعق كلّ من كان معي بالمنزل من صوت أنيني وبكائي وهرعوا إليّ منذهلين وطفقوا يسألونني بإصرار عن سبب بكائي.
وعندما هدأت قصصت عليهم الحلم الذي رأيت، ومنذ ذلك الوقت قرّرت أن أتبع طريق أبي مصلّية كي ألاقي نفس نصيبه. وبنعمة الله أدركت أي مجد وشرف يستحقّ كلّ من يختار حياة التّقوى، وأيّة عقوبات تنتظر أولئك الذين يصرفون حياتهم بالشّهوات.

 

 


البتوليّة قبل السّقوط

لقد دعا الله الإنسان بعد أن رتّب له الخليقة تحت سلطته لمشاركته في حياته، لأنّ الإنسان إنّما هو صورة وعمل الطّبيعة الإلهيّة كما يقول الكتاب المقدّس: “وخلق الله الإنسان على صورته ومثاله”. إنّ النّقاوة هي التّشابه الرّئيس بين الله والإنسان. فالطّهارة الفردوسيّة لأوّل زوج مثال على ذلك. فآدم وحوّاء لم يولدا من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل. لم يرثا طبعاً فاسداً من طبيعة سابقة لهما. إنّما خلقهما الله شيئاً جديداً لم يتلوّث من قبل وبالطّريقة التي أرادها لهما الرّبّ. لقد خُلقا على شبهه ولا يمكن أن يكون أعظم من هذا أي أن يكونا على شبه الله في البرّ، في النّقاوة، في القداسة. كانا كلاهما باريّن بلا خطيئة. كانا في منتهى الجمال جسداً ونفساً وروحاً. فحياتهما إذن كانت حياة ملائكيّة، وهذا دليل على وجود البتوليّة قبل السّقوط لآن آدم لم يعرف زوجته إلا بعد السّقوط.

أثر السّقوط على البتوليّة:

إنّ هذه الحياة الملائكيّة لم تدم طويلاً، لأنّ الشّهوة غرّبتهما بعيداً عن الفردوس أي عن حياة الشّركة مع الله، ففقدت الطّبيعة البشريّة بذلك صورتها الإلهيّة ونقاوتها وبساطتها، وعرفت الخطيئة واختبرتها، ودخلت في صراع بين الجسد والرّوح، وهبطت إلى المستوى الجسدي كثيراً، وأصبح من السّهل أن تخطئ، لا بل أصبحت عبدة للخطيئة تسود عليها الأهواء الشّريرة، فصار الإنسان مائلاً نحو الشّر والكبرياء والاشتهاء، ولحقه الألم والموت كما يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصي: “إنّ الثّوب الذي ألبسه الله لجدّينا الأوّلين بعد المعصية يرمز إلى الأفكار العالميّة التي إن قُبلت تؤدّي إلى الموت. لأنّ آدم قبل الخطيئة كان عارياً بدون أي خجل أو خوف عائشاً قرب الله”. ثم يتابع النّيصصي قوله: “لذلك كان زواج آدم وحوّاء آخر مرحلة من مراحل بعدهما عن الفردوس بعد ظهور الأهواء، كما قلنا، وأصبح هذا الزّواج مقترناً بالموت الذي لم يكن موجوداً في طبيعة الإنسان. لأنّ الله لم يخلق الموت ولكنّ الإنسان هو الذي أوجده باختياره عندما خالف وصيّة الخالق”.

ما هي البتوليّة

 

بما أنّ الزّواج كان آخر مرحلة للبعد عن الفردوس، فلقد كان لزاماً أن يكون التّخلي عنه أول مرحلة للزّهد. وإذا كان الزّواج خاضعاً لسلطان الموت، إذن البتوليّة هي تحرّر من سلطته. لأنّ الموت لا يستطيع أن يسود على البتوليّة. إنّ الآباء لم يتكلّموا عن العفاف بقدر ما تحدّثوا عن البتوليّة، وهذا يفسّر لنا بأنّ الرّهبنة كانت بنظرهم هي الحياة الإنجيليّة المثلى. فلقد قال أوريجانس عن البتوليّة: “إنّها شهادة، لأنّ الذي أعطى نفسه للرّبّ متخلّياً عن كلّ اهتمامات هذا الدّهر، والذي انفصل عن بقيّة النّاس العائشين حياة جسديّة والمتعلّقين بأشياء هذه الحياة، والذي لا يفتّش عمّا هو أرضي ولكن على ما في السّموات، هذا الإنسان يستحقّ أن يدعى قدّيساً”. أمّا القدّيس إيرونيموس فيقول: “الزّواج ينتهي عند الموت، وأمّا البتوليّة فتحصل على الإكليل بعد الموت. إنّي أتأمّل في عظمة البتوليّة الشّيء الذي لا أملكه. إنّ ثقل جسدي يشدّني إلى الأرض، ولكن هل هذا يمنع من أن أتأمّل طيران العصافير في الجو”.

إنّ المتبتّلين هم الذين ملأ حبّ المسيح حياتهم وشُغلوا به عن ذواتهم فصار الجلوس عند قدميه موضوع سرورهم، ومشاركته عمله مصدر فرحهم ونبع النّمو فيهم. فليست البتوليّة امتناعاً سلبيّاً عن الزّواج وطلباً للرّاحة من مسؤوليّات الأسرة، وليست وضعاً خارجيّاً، بل هي حالة من الطّهارة الدّاخليّة القلبيّة. ولقد قال القدّيس باسيليوس الكبير: “لست أعرف امرأة ومع ذلك فإنّي لست بتولاً”. البتوليّة إلتصاق بالرّبّ من كلّ القلب، وتسليم الإنسان كلّ نفسه لخدمته تعالى. إنها تفرّغ لله وانسكاب على حبّه في فرح وبذل كاملين. ليس للمتبتّل شيء لنفسه بل للرّبّ وحده، وعن هذا المعنى يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصي: “البتوليّة هي قدرة وعطيّة لحياة أكثر قداسة، لأنّها تخوّل الذين يعيشون بالجسد أن يكونوا شبيهين بالطّبيعة الغير المتجسّمة”. ولقد قالت القدّيسة أنيسيّة: “كرهت مملكة هذا العالم وكلّ زينتها محبّة بيسوع المسيح ربّي الذي شاهدته، الذي أحببته وآمنت به وهو مختار حبّي”. إنّ هذا يعطي معنى للبتوليّة المكرَّسة لله، فلها إذن قيمة لا تعطيها العزوبة المجرَّدة، لأنّ التّبتّل ليس هو انفصالاً عن العالم المادي ف
قط بل التصاقاً بالرّبّ، وليس أساسه مجرّد جهاد الإنسان كأن يتصامم عن صوت طبيعته أو يقتل ميلاً فيه أو يجتنب صورة معينة للحياة، بل هي اشتمال كامل من الرّبّ للإنسان وتسليم الإنسان نفسه بمحبّة للرّبّ. إنّ البتوليّة المكرَّسة لله لها صفة إيجابيّة خاصّة تعليها عن الزّواج، لأنّها شكل خاصّ من الانتماء إلى الله واتحاد بيسوع أوثق من اتحاد أي عضو من جسده فيه.

 

قيمة البتوليّة:

إنّ قيمة البتوليّة مجهولة بالكلّيّة من الإنسان الطّبيعي، لأنّها من السّماء. ويقول القدّيس باسيليوس: “إنّ البتوليّة لشيء عظيم لأنّها تجعل الإنسان شبيهاً بنقاوة الرّبّ نفسه. إنّها صفة النّفس الرّوحانيّة. البتوليّة ثمينة جدّاً عند الرّبّ حافظ النّفس والجسد. النّفس المتأمّلة للجمال الحقيقي تستخدم البتوليّة كجناح تطير به إلى الله، لأنّها تحس أنّها لا تستطيع أن تمجّده بالحقّ إلا بمشابهته طهارته، تلك الطّهارة المقدّسة. فكلّ الفضائل الأخرى كالصّوم والسّهر وغيرها، لا هدف لها سوى محاربة الشّهوات والأهواء التي تسلّطت على الإنسان بعد السّقوط والتي تهدد النّقاوة والبتوليّة”.

البتوليّة عرس سري

 

البتول المكرَّسة هي دائماً عروس. والبتوليّة عرس سريّ لأنّ البتول يعطي ذاته لله دون غيره متّحداً به، لذلك نسمّي يسوع المسيح بالختن. فالعرس هنا روحي، وهو سرّ حبّ بين الله والنفس. إنّ العروس باتّحادها مع العريس تساهم في حياته وتُكرَّس له، فتصبح إناء وبيتاً يجد فيه مسرّته. قيمة البتوليّة قائمة بالعلاقة الزّوجيّة السّريّة والرّوحيّة مع المسيح. وقد قال القدّيس أثناسيوس الكبير: “يسوع المسيح ربّنا وفادينا أعطانا بالبتوليّة مثال القداسة الملائكيّة. فمن يملك هذه الفضيلة تسمّيه الكنيسة عروس المسيح، وينظر إليه الآخرون على أنّه هيكل الله”. وقال المغبوط أغسطينوس: “لا نمدح العذارى لكونهنّ عذارى، بل لكونهنّ عذارى مكرَّسات لله في الإمساك المقدّس”. ويسمّي القدّيس غريغوريوس النّزينزي البتول أيضاً: ” عروس المسيح”. لأنّ الأعراس الحقيقيّة هي أعراس البتولات. وأمّا القديس غريغوريوس النيصصي فيقول: “..أيّتها العذراء، يا عروس المسيح، سبّحي ومجّدي دوماً عروسك. نقّي نفسك لكي تبقي أبد الدّهور لامعة بهيّة مع عروسك البهي.. إنّك تقتدين، بجسدك الطّاهر، بالقوّات السّماويّة معتنقة على هذه الأرض حياة ملائكيّة. إنّك تتبعين طريقاً جميلة مجيدة..”.

لقد كتب الرّهبان أنفسهم أشياء عميقة عن الزّواج لأنّهم عاشوا ما يُرمز إليه أي العرس السّرّي. ولقد قال القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم:” الذي يقترن بملك أرضي يظنّ أنّه حصل على كلّ المجد، ولكنّه للأسف لم يقترن إلا بإنسان عادي. أمّا البتول فعروسها ساكن السّماء المستريح في الشّاروبيم”. ويضيف قائلاً: ” في البتوليّة يضحي الرّبّ هو الحبيب والزّوج، فكيف إذن لا يترك الإنسان كلّ شيء أرضي ليلتصق به وليقدّم له كلّ حياته”.
إنّ طقوس كنيستنا تسمّي العذراء مريم في خدمة المديح “عروساً لا عروس لها”. ويعلّمنا الآباء أنّ على البتول الاستمرار في تحقيق بتوليّته على منوال العذراء ” إلى أن يولد فيه المسيح، إلى أن يحلّ عليه ندى الطّهارة والرّوح القدس كحلوله على البتول” كما يصف القدّيس يوحنّا السّلّمي.

 

ا العذراء.. وإيليّا.. والسّابق:

 

إنّ والدة الإله نموذج البتوليّة وصخرتها التي تحطّمت عليها سلطة الموت، لأنّها وحدها وُجدت غريبة عن الأهواء ووحدها وُجدت نقيّة. ولقد قال عنها القدّيس أمبروسيوس: “إنّ بتولاً واحدة غذّت العالم بأسره ليس باللبن الجسدي ولكن بكلمة الله”. وأيضاً: “بتول واحدة فدت العالم كلّه”.

أمّا القدّيس إيليّا النّبي فهو أيضاً نموذج المتبتّلين من العهد القديم. فلقد امتاز بشظف العيش والتّقوى، يكتفي بالقليل ممّا يقيته الرّبّ به. وكذلك القدّيس يوحنّا المعمدان الذي “لم يكن أعظم منه في مواليد النّساء” ابتعد إلى البريّة ليصون إناءه من كلّ ممّا يلوّثه مبتعداً عن كلّ ضجّة خارجيّة رافعاً عقله إلى فوق. ولقد قال القدّيس غريغوريوس النّيصصي عن هذين القدّيسين: “أعتقد أنّ كلاً من إيليّا النّبي ويوحنّا المعمدان لم يصلا إلى هذه القامة من القداسة لو خضعا للذّات الجسديّة في الزّواج”. وفي العهد الجديد لنا مثال القدّيس يوحنّا الحبيب الذي يقول عنه القدّيس إيرونيموس: “لقد أحبّ الرّبّ يوحنّا الحبيب لأنّه بتول. ولذا حاز الاتّكاء على صدره، ولم يجسر بطرس المتزوّج أن يسأل الرّبّ سؤالاً، فأوعز إلى يوحنّا بالسّؤال. وعند الصّلب أودع يسوع البتول أمّه البتول إلى تلميذه البتول”.

 

من هو البتول المكرَّس:

ليس البتول المكرَّس كما يفتكر الكثيرون شخصاً أسكت فيه نداء الحبّ، بل على العكس هو أكبر المحبّين لأنّه قدّم ذاته جسداً وروحاً في صمت إلى ذاك الذي هو المحبّة. إنّ حبّه عوض أن ينحصر في شخص وعائلة يشمل البشريّة جمعاء التي إليها يحوّل كلّ عطف كامن في قلبه. فيضرع من أجلها ويعمل لتقدّمها ونموّها، وبذلك تكون علاقته بالإنسانيّة علاقة أوثق من علاقة المرتبط بعائلة، وهذا يعلّمنا أنّ البتول غير منقسم داخليّاً. فالرّسول بولس يقول: “أريد أن تكونوا بلا همّ، غير المتزوّج يهتمّ فيما للرّبّ كيف يرضي الرّبّ، أمّا المتزوّج فيهتمّ فيما للعالم كيف يرضي امرأته. إنّ بين المتزوّجة والعذراء فرقاً. غير المتزوّجة تهتمّ فيما للرّبّ لتكون مقدَّسة جسداً وروحاً. وأمّا المتزوّجة فتهتمّ فيما للعالم كيف ترضي رجلها. (1كو 32:7-34)

الزّواج والبتوليّة:

 

هناك خطر كبير في الزّواج إذا استقلّ عن الله وغرق كلّ من الزّوجين بصنميّة المحبوب، هذا فضلاً عمّا يعترض العائلة من اضطرابات وصعوبات قد تنسيها الاهتمام بتوطيد علاقتها بالله. ويقول القدّيس ايرونيموس عن الزّواج: “إنّي أغبّط الزّواج لأنّه يلد البتولات”. أمّا القدّيس غريغوريوس النّزينزي فيقول: “المتزوّج يخصّ المسيح جزئيّاً، أمّا البتول فبالكلّيّة. الأوّل من الممكن ألا يكون مرتبطاً كلّيّاً بأمور العالم، أمّا الثّاني فإنّه ليس من هذا العالم”. الكلّ بحاجة إلى المحبّة الزّوجيّة إلا الذي دعاه يسوع. وبالرّغم من وجود قدّيسين متزوّجين كالقدّيس يوحنّا كرونستادت مثلاً وغيره، إلا أنّ زواجهم كان روحيّاً أكثر منه جسديّاً. فعندما يصل أزواجنا إلى هذا المستوى الرّوحي، حينئذ نستطيع أن نقول بأنّ الزّواج مساوٍ للبتوليّة في الرّتبة وإلا فإنّ البتوليّة تفوق الزّواج كونها توصل إلى الاتحاد بالله عبر النّقاوة. في الحقيقة الزّواج لا يناقض البتوليّة أصلاً، ولا البتوليّة تناقض الزّواج. فسرّ الزّواج سرّ الطّهارة هو. كانت غاية الزّواج قبل المسيح ومنذ خطيئة آدم أن يأتي المسيح لخلاص البشر، وغاية الزّواج بعد المسيح هو توحيد البشر في المسيح، هو إعادة خلق البشر في المسيح عن طريق إعطاء أبناء للكنيسة وعن طريق صنع الكنيسة. ولكنّ المتبتّل لا يحقّق وحدة طبيعته عن طريق سرّ الزّواج بل بالزّواج الرّوحي. لهذا فهو يفهم سرّ الزّواج أكثر من الجميع ويحقّقه أكثر من الجميع.

إنّ البتوليّة أخصب من الزّواج. فالمتبتّل المكرَّس بصلاته والتصاقه بالله يعطي أبناء روحيّين للكنيسة في خصب لا يقاس بخصب الزّواج. أمّا مفتاح هذا الخصب فهو المحبّة. لأنّ المحبّة مقيمة في قلب البتول المكرَّس للمسيح، فتتّسع محبّته إلى البشر جميعاً في أمومة أو أبوّة روحيّة حقيقيّة. وقد يُطرح هذا السّؤال: إذا تبتّل جميع البشر أفلا تنقرض البشريّة؟ إنّ هذا افتراض غير واقع، ومع ذلك فقد ردّ عليه أغسطينوس المغبوط بما معناه: “إذا افترضنا أنّ جميع النّاس سلكوا طريق البتوليّة فلن يكون هذا شراً وإن انقرضت البشريّة. لأنّه إذا سادت العفّة بين النّاس محبّة بالله وتكريساً له فهذه غاية البشريّة. والأفضل أن تنقرض بالوصول إلى غايتها من أن تستمرّ في الأهواء”.

 

النّسك والبتوليّة:

لقد قلنا في بدء موضوعنا أنّ الإنسان بعد السّقوط أصبح تحت سيطرة الأهواء التي أفسدته، وهو يحاول الآن العودة إلى نقاوته الأولى بالنّسك والتّقشّف. لأنّ كلّ رغبة صغيرة في النّفس تمنع هذه النّفس من اتحادها بالله الذي ترمي إليه البتوليّة في هدفها الأوّل. فالتّقشّف أو النّسك يتطلّب زهداً باستعمال الخيرات الطّبيعية الممنوحة لنا من الله بالإضافة إلى الهرب من إمكانيّات الخطيئة: مثلاً الزّهد بفراش ناعم خوفاً من الاسترخاء أو الكسل، والهرب من الغنى خوفاً من الاستسلام للملكيّة وغيره.. ولكن ما هي علاقة النّسك بالبتوليّة؟ إنّ كلّ حياة فيها فقر وحرمان وإمساك هي وسيلة للقضاء على الشّهوة. وبما أنّ الزّواج يتطلّب اتصالاً بمتعة الشّهوة ففي الإمساك إذن وسيلة لقهر الجسد. فالبتوليّة قيمتها بهذا الزّهد بالجسد ورغباته. ولقد قال القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم: “هل تحبّون المجد؟ إذن اسلكوا هذا الطّريق أي طريق البتوليّة ولا شيء آخر غيره. لأنّكم بهذا لن تكونوا لهذا أو لذاك بل للمسيح فقط”. إنّ البتوليّة عبر محاربة الأهواء والضّعفات تقيمنا في القيامة منذ الآن، لأنّ الرّبّ يسوع أبطل الموت والبتوليّة تتجاوز الموت. بالبتوليّة نموت عن العالم وأهوائه تلك الأهواء الفاعلة في الزّواج، ومن ينفصل عن تيّار الموت محقّقاً نقاوة الرّوح يقتل الموت فيه داخلاً في عالم القيامة، عالم الحياة الأبديّة”. ثم يضيف في مكان آخر: “البتول في مأمن من الاضطرابات فهو في ميناء يسوده السّلام، بل أكثر من السّلام إنّه الصّحو والهدوء الذي تحويه نفس ليس لها ما تبغيه على هذه الأرض، بل هي في اتصال دائم مع الله مثبّتة نظرها عليه. من يستطيع أن يعيش سعادتها؟!! وأيّ كلام يصف فرح هذه النّفس وغبطتها؟!! طبعاً لا أحد. فقط الذين سعادتهم هي الله يعرفون عظم الفرح الذي لا يدانيه فرح آخر”.

صعوبة البتوليّة وعظمتها:

 

إذا كانت البتوليّة هكذا، فلا يظننّ أحد أنّها سهلة المرام أو العيش. إذ لا تكفي بتوليّة الجسد لإتمامها، ولكنّ بتوليّة القلب وعفّته هي المطلوبة خوفاً من أن يتسرّب الشّرّ إلى النّفس التي تصبو للاتحاد بالله وحده فتصبح معه واحداً. لذلك لا تستطيع أن تهتمّ بغيره مخافة أن تصير مع هذا الغير واحداً فتفقد سلامها. ويوضّح القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم صعوبة البتوليّة بقوله: “إنّ البتوليّة هي من الصّعوبة بمكان بحيث أنّ المسيح نفسه عندما كان يعلّم تلاميذه لم يلزمهم بها ولم يشأ أن يجعل منها ناموساً. فقد أمرهم أن يميتوا ذواتهم، وهل من شيء أقسى وأمرّ من هذا الأمر؟ وأمرهم أن يصلبوا ذواتهم كلّ يوم، وأن يعملوا الخير مع أعدائهم، ولكن ما أمرهم بلزوم التّبتّل، بل ترك لسامعيه الاختيار الحرّ في ذلك إذ قال: من استطاع أن يحتمل فليحتمل. فطريق البتوليّة صعب، ومعركتها هائلة، وجهادها عنيف، وطريقها ضيّقة ضاغطة. آه كم تحتاج إلى أعراق!! نعم إنّ طريق هذه الفضيلة وعرة وشاقّة وهذا ما أرانا إياه الآباء القدماء الذين تبعوا هذه الفضيلة”. ويضيف أيضاً: “هل تحبّون المجد؟ إذن اتبعوا هذه الطّريق وهذه الطّريق فقط هي التي تقودكم إلى المسيح… الملائكة في السّماء لا يتزوّجون وكذلك البتولات.. الملائكة في السّماء يسبّحون الله على الدّوام وكذلك أيضاً البتولات على الأرض..أفرأيتم امتياز البتوليّة، فإنّ الذين لا يزالون يعيشون على الأرض يشابهون السّماويّين”.

إنّ الشّيطان يشنّ حرباً شعواء بنوع خاصّ على المتبتّلين الذين صلبوا الجسد مع الأهواء وكرّسوا أنفسهم لله. فهو يتمنّى أن يرى هؤلاء المتبتّلين متردّين في مهاوي الرّذيلة. وما أن يراهم قد حملوا سلاح الجهاد ضدّ أجسادهم والعالم حتى يشنّ عليهم حرباً ضروساً علّه يسقطهم في الخطيئة، ويقودهم إلى الفشل والحزن، أو على الأقلّ يحصرهم في ركن الفتور الرّوحي فيزداد حزنهم ويأسهم. لذلك فالجماعة في الشّركة الدّيريّة تساعد العضو أن يحفظ روحه ويجدّد قوّته. وهذا ما أوصى به الرّسول بولس تلميذه تيموثاوس بقوله: “أمّا الشّهوات الشّبابيّة فاهرب منها، واتّبع البرّ والإيمان والمحبّة والسّلام مع الذين يدعون الرّبّ من قلب نقي.” (2تيمو 22:2) كما يقول له في موضع آخر: “تقوّ أنت يا ابني بالنّعمة التي في المسيح يسوع. ليس أحد وهو يتجنّد يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي الذي جنّده، وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلَّل إن لم يجاهد جهاداً شرعيّاً (2تيمو 1:2-5) لذلك نرى القليل من النّاس من تجرّأ على خوض معركة البتوليّة لأنّها تتطلّب إقداماً وبذلاً وموتاً. وهذا يفسّر لنا عظمة البتوليّة وشرفها، فالقدّيس كبريانوس يصف المتبتّلين “بأنّهم أزهار الكنيسة وأروع عمل للنّعمة، إنّهم فرح الكنيسة الذي يزداد كلّما ازداد عددهم. استمري أيّتها العذراء بالعيش كما ابتدأت، فإنّ ثمن فضيلتك لنبيل هو، ورائع هو إكليل عفّتك وبتوليّتك.. أنت ابتدأت أن تكوني إلى ما سنصير نحن عليه يوماً ما. لقد امتلكت من هنا، من هذا العالم، مجد القيامة. أنت معادلة للملائكة طالما بقيت عفيفة”. أمّا القدّيس إيرونيموس فيقول: “البتوليّة صعبة ولأنّها صعبة هي نادرة كما قال الرّبّ إنّ المدعوّين كثيرون والمختارين قليلون”. أمّا القدّيس أمبروسيوس فيقول: “لست أعلم ما هي سيّئات البتوليّة أو ما هو عدم نفعها؟! إن كانت سيّئة هي فإذن حياة الملائكة كذلك، لأنّ كلّ من تخلّى عن امرأة وعن تعزيتها هو كالملائكة في السّماء”. ويعلن القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم بأنّ “المتزوّج يخاف الموت لأنّه يفصله عمّن يحبّ، أمّا البتول فيشتاق الموت لأنّه يُتحده بعروسه المسيح”. أمّا القديس باسيليوس الكبير فيصف عظمة البتوليّة بقوله: “إنّها لعظيمة حقّاً البتوليّة، لأنّها بكلمة مختصرَة تجعل الإنسان مشابهاً بنقاوة الرّبّ نفسه. إنّها حالة النّفس الرّوحانيّة. إنّ بتوليّة كهذه لهي ثمينة جدّاً لدى الله… إنّ النّفس التي تتأمّل الجمال الحقيقي تستخدم النّقاوة كجناح تطير به نحو الله، إنّها تحس بأنّها لا تستطيع أن تمجّده إلا بمشابهته بالنّقاوة الإلهيّة.. إنّها تتّخذ نقاوة الجسد كخادمة للنّقاوة الحقيقيّة، ولكنّها تصطاد بالوقت نفسه كلّ رغبات الجسد. فكلّ الفضائل من صوم وسواه، ما هي إلا تمارين للنّفس لكي تحفظ نقاوتها فتصبح مشابهة بنقاوة الله..”
صحيح إنّ البتوليّة صعبة وطريقها ضيّقة لكنّها أيضاً طريق ملوكي وأساسي لحياة الفضيلة. لذلك فكلّ جهاد نسكي هو محاولة لإعادة النّقاوة، والبتوليّة والنّقاوة مترادفتان. فالقدّيس غريغوريوس النّيصصي يقول: “إنّ البتوليّة عظيمة هي لأنّها ترافق طغمات الملائكة، وتعطي أجنحة للإنسان ليتعالى بها على كلّ رغبة أرضيّة متسامياً نحو السّماء. فأيّ كلام نستطيع التّفوّه به لنبيّن عظمة البتوليّة؟!” ويقول في موضع آخر: “لا يفهمنّ أحد أنّنا بكلامنا هذا نزدري الزّواج. فنحن لا نجهل أهميّته كسرّ مبارَك من العناية الإلهيّة، ولكن بما أنّ الشّهوة تتخلّل الزّواج، وبما أنّ البتوليّة هي حياة فوق الطّبيعة، وتسير في طريق مخالف للطّبيعة متسامية فوق كلّ شهوة لذلك أتت مرتبتها أعلى من الزّواج”.

 

البتوليّة والنّقاوة:

وهنا نتساءل هل كلّ بتول هو نقي وعفيف وعلى عكسه كلّ متزوج؟ طبعاً لا. فكل إنسان راغب في الزّواج يضع حياته الرّوحيّة قبل الجسديّة في زواجه، ويقيّم حياته على أساس الصّلاة، متفكّراً أبداً بساعة خروجه من العالم، ويعمل في كلّ لحظة بما يوافق خلاصه هو إنسان عفيف حكيم ولو كان متزوّجاً. أمّا البتول فيلزم أن يفحص نفسه باستمرار، وإن حدث ووجد في نفسه أيّ فكر غير بتولي، فإنّه يُنظر إليه على أنّه خيانة لربّه يجب تقويمه. فعليه إذن أن يكون أميناً حافظاً نفسه في الطّريق مردّداً دوماً اسم الرّبّ لأنّه موضوع حبّه وانشغاله. يفنى في عمل الرّبّ وينمو بهذا الفناء. يمارس أعمال نسك معيّنة ليحفظ حدود جسده ويقدّمه ذبيحة حبّ للسّيّد، فإنّه لا بدّ لحفظ البتوليّة من حدّ أدنى للنّسك مثلاً في الأكل: تقليل كميّة الطّعام والانتباه إلى نوعيّته. في الكلام: الاعتياد على الصّمت وتجنّب الكلام البطّال. وفي الفكر: طرد التّصوّرات المضرّة وحفظ صفاء الذّهن. ولكنّ الشّرط الأساسي لحفظ البتوليّة والنّقاوة تبقى الصّلاة، صلاة القلب المحبّ الذي يتوق إلى الله ويطلب الاتحاد به دون سواه. لأنّه لا بتوليّة بدون حبّ كما يقول القدّيس يوحنّا السّلّمي: “الإنسان الطّاهر هو الذي أحلّ الحبّ الإلهي محلّ الحبّ الجسدي”. ويقول أيضاً: “من يحاول ردّ هجمات العدو والأهواء عن طريق العفّة الجسديّة فقط، يشبه من يحاول الخروج من دوار البحر وهو يسبح بذراع واحدة”.

الخاتمة:

هذه هي البتوليّة وهذه هي طريقها بكلّ ما يعترضها، وهذه هي عظمتها وشرفها، فمن هو الأمين حتى الموت ليُعطى إكليل الحياة من لدن السّيّد، ناسياً بذلك كلّ تعب ونصب تكبّده في حياته البتوليّة، فمن كان متزوّجاً فليكن بتولاً بقلبه. ومن كان مكرَّساً فليحافظ على جوهرته مصانة. ومن كان بتولاً عاديّاً فليتكرّس دون وجل، لأنّ الله هو المعين والمشدّد، لأنّ قوّته في الضّعف تكمل. ونختم هنا بهذا القول الجميل للعلاّمة ترتليانوس: “بما أنّنا كلّنا هياكل للرّبّ فالبتوليّة هي الحارس لهذا الهيكل، بحيث تمنع أن يدخله كلّ ما يدنسه خوفاً من أن يأتي الرّبّ للإقامة فيه فيراه ملوَّثاً”.

 

 

حول الفلسفة

حول الفلسفة

مختارات من القديس أثناسيوس باريوس*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الفلسفة النظرية والتطبيقية

       – مَلَكَة (خاصيّة) العقل هي عطية عظيمة ورائعة من الله للإنسان. لقد اخترعت العلوم المختلفة. باستعمال هذه المَلَكَة يستخرج الإنسان من الأرض الأنواع المحتلفة من المعادن والحجارة الكريمة. من ثمّ يتفحّص الأصناف المختلفة للحيوانات: ذوات الأربعة وذوات القدمين، الزواحف، الطيور، الحيوانات البريّة، البحرية، والبرمائية؛ المتوحش والداجن، المولّد والمُبيض. إنّه يمتحن كلّ أنواع الأشجار: الدائمة الاخضرار وتلك التي تنثر أوراقها، غير المثمرة وتلك التي تحمل الثمار. إنّه يسعى إلى إيجاد أيّ من الأشجار هي الأكثر ملاءمة لحاجات الفنون المختلفة، وأي هي النافعة فقط للحطب.
      لا يتوقّف العقل هنا. إنّه يترك الكوكب ويصعد إلى الجو. ويرتفع حتّى إلى أعلى من الجو، ويتحرّى الأجسام السماوية: التي بلا حراك، والتي تتحرّك وتُدعى كواكب. إنّه يتحرّى ويراقب كسوفات الشمس والقمر، وغيرها من الكواكب. وبما أنّ كلّ هذه الأشياء التي تحقِّق بها الملَكة العقلية هي خلائق الله، فقد سمّى القدماء الفلسفةَ التي هي معرفة كلّ هذه الأمور “معرفة الأمور الإلهية”. وهذه المعرفة تُسمّى “الجزء النظري من الفلسفة”.
      يختلف “الجزء العملي” عن “الجزء النظري من الفلسفة”. العملي يهتمّ بتفحّص الأفعال البشرية. لهذا السبب يُسمّى “معرفة الأمور البشرية”، كالفضائل والرذائل. هذا الجزء من الفلسفة يظهِر للإنسان ما هي الأمور التي عليه أن يفعلها لكونه كائناً عاقلاً، وما هي الأمور التي ينبغي به الامتناع عنها للسبب نفسه. تؤسّس الفلسفة العملية للقوانين في المدن وللتنظيم في الأمور. إنّها تعلّم كيف يمكن الحفاظ على المدن والبيوت والأفراد. إنّها الجزء الرئيسي من الفلسفة، لأنّها تعِد بإسعاد البشر، بقدر ما تكون السعادة ممكنة للإنسان. وبالحقيقة، الخير الأقصى للفضائل البشرية، وباختصار، هدف الإنسان كإنسان، ليس سوى السعادة أي الحياة المغبوطة.
      إلى هذا، علينا أن نعترف بأنّ السعادة، كما تُفهَم ما ورائياً – أي في ملء كمالها، لا يُبلَغ إليها في الحياة الحاضرة، على ما تثبت الوقائع بذاتها. لكن السعادة المعتدلة ممكنة، على نظير طبيعة الإنسان الخاضعة لمختلف الأهواء والتغيّرات. تكون الحياة ممكنة بالمشاركة أكثر في الخيرات الأخلاقية وأقل في الشرور الأخلاقية التي قوامها الآلام الجسدية، المصائب، والميتات. هذه تُدعى، بشكل غير مناسب، شروراً لأنّها لا تؤذي النفس العاقلة التي هي المكوّن الرئيسي للكائن البشري.

الفلسفة الإلهية (الداخلية)

       – تنقسم الفلسفة إلى دهرية أو “خارجية” وإلهية أو “داخلية”. تُسَمّى الأخيرة فلسفة “من الله”، “سماوية” و”حقيقية”. من الأمثلة على الفلسفة الدهرية هي كتابات الفلاسفة الإغريق القدامى أو الأوروبيين. الفلسفة الإلهية موجودة في الكتاب المقدّس، خاصةً في العهد الجديد – الأناجيل الربعة وأعمال الرسل والرسائل – وفي كتابات آباء الكنيسة القديسين، الأوائل كما اللاحقين.
      – وحدها الفلسفة الإلهية أو الداخلية اسعدت البشر، في الحياة الحاضرة، على قدر المستطاع، وفي الحياة الثانية بشكل أكمل. وهذا، لأنّ تعاليم المسيح تجعل الفضيلة شيئاً عزيزاً، يُعتَنَق بحرية، وليس نتيجة لأي قيد. هذه هي الفلسفة الحقيقية بالفعل: تحرير مَن هم عبيد للأهواء من أهوائهم، تحويل الأرضيين سماويين، اعتناق السعاة إلى المجد الباطل لفكر الله، جعل المائتين خالدين وأبناء للآب السماوي بالنعمة.

الفلسفة الدهرية (الخارجية)

       – الفلسفة الدهرية أو “الخارجية” هي بطبيعتها لا حسنة ولا سيئة. إنّها تصير حسنة أو سيئة بحسب استعمالها من قِبَل مَن يملكونها. المنطق، الماورائيات، اللاهوت، والبلاغة، يمكن استعمالها حسناً. لا أستطيع أن أفهم لماذا تُهمَل البلاغة. فللكنيسة ليست نافعة وحسب بل ضرورية أيضاً. هذه الأمور نافعة وقيّمة في آن معاً، وليس من الضروري اللجوء لأوروبا للتعلّم فيها.
      – كثيرون بالحقيقة ممن يمتلكون “الحكمة الخارجية” أفادوا الكنيسة بشكل عظيم. غيرهم، على العكس، آذوها وشوّشوها.
      في شبابه، كرّس القديس غريغوريوس بالاماس نفسه لدراسة الفلسفة الخارجية (الدهرية) واكتسابها. إذ كان من المناسب لطبيعته النبيلة أن يتسلّح بالأدوات التي تؤمّنها الفلسفة. لم يستغرقه الأمر طويلاً حتّى اتقّن جيداً القواعد والبلاغة، إلى درجة أنّه كان يُمدَح لعظاته وكتاباته من قِبَل كلّ معلمي زمانه، الذبن تميّزوا في هذه المواضيع. من ثمّ اتّقن الفيزياء والمنطق وغيرها من المواضيع التي كتب عنها أرسطو.
      – في أوروبا الغربية، يبالغون في إيلاء الأهمية للفلسفة الدهرية وذلك سعياً لامتداح عبقريتهم. من بينهم كثيرون من الإكليريكيين الذين يضعون جانباً دعوتهم الدينية، يهملونها، لكي يتعلّموا تعاليم غريبة عن تلك الدعوة. وأسوأ من ذلك هو استعمال الفلسفة للحكم على الكتاب المقدّس وانتقاده.

الفلسفة اليونانية القديمة

       – في ما يختصّ بفيثاغوروس وأفلاطون، فقد تمسّكا، ومعما مساعدوهما، بأنّ النفس أبدية، لافتقادهم للتعليم الإلهي المعلَن عنه، فقد تحدّثوا عن طبيعة الحياة الثانية وكأنّها أسطورة.
      – دعا سقراط إلى التربية الصحيحة التي تؤثّر على تطهير النفس من الأهواء غير العاقلة وتحقيق الفضائل: الشجاعة، العدل، الاعتدال، الرأفة، الرِفق والرحمة، وغيرها، وهي تشكّل لبّ الفلسفة الأخلاقية. هذه الفضائل تقود إلى السعادة.
      – أفلاطون الفيلسوف، ومن بعده كلّ الفلاسفة اللاحقين، يصنّفون الخيرات البشرية إلى ثلاثة فئات: 1) خيرات الجسد، 2) خيرات خارج الجسد، و3) خيرات الروح. خيرات الجسد هي الصحة والجمال والقوة. خيرات خارج الجسد هي الثروة، الممتلكات والأصدقاء. خيرات النفس هي الفضائل وكل أنواع التعلّم، التي إذا أُخِذَت معاً تشكّل نظام الفلسفة. وإذا نُظِر إلى تراتبية الخيرات، تُعطى الفلسفة المكان الأول، متخطية بكثير بقيمتها خيرات الجسد وخيرات خارجه.
      – الحسنة الأساسية والخاصّة للقسطنطينية التي كانت تُدعى “ملكة المدن”، هي أنّها منذ البداية كانت أمّ الخطابة والحكمة، ومسكن اليونانيين، عن طريق جمعها للمدارس الثلاث الشهيرة، الأثينية المعروفة بالرواقية، الأرسطوية والأفلاطونية، في علاقة مع تقوى المسيحية. لقد زيّنت تلك الحكمة العالمية بالإيمان الحقيقي بالإله المثلّث الأقانيم، الكليّ القدرة والضابط الكلّ، مع التبشير بالصليب وبساطة الإنجيل. وباختصار، لقد حوّلَت الحكمة العالمية إلى خادم متواضع شاكر للفلسفة الأولى الصحيحة؟

 

 

* ولد القديس أثناسيوس سنة 1722 في باروس وتوفي سنة 1813 في خيوس. كان من أهم الوجوه الكنسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويُذكَر إلى جانب القديسَين نيقوديموس الأثوسي ومكاريوس نوتاراس على أنّهم أكثر الكوليفاذ تأثيراً والمدافعين عن الأرثوذكسية التقليدية. لقد كان تأثير القديس أثناسيوس بارزاً بوجه خاص في مواجهاته مع النماذج الغربية للفلسفة واللاهوت وكمدير لأكاديمية جبل أثوس. يعيَّد له في 24 حزيران. أمّا الكوليفاذ فهي حركة نشأت بين رهبان جبل آثوس في أواسط القرن الثامن عشر وهدفت إلى إعادة إحياء الممارسات التقليدية وعارضت الابتداعات العشوائية. اتّخذت الحركة اسمها من الكوليفا (القمح المسلوق) الذي يُستَعمَل في الجنانيز. أنصارها هم من رهبان الجبل الذين التزموا بشدة بالتقليد وقد شجّعوا على المناولة المتواترة ومارسوا الصلاة القلبية المستمرّة. ابتدأت الحركة في 1754 على أثر جدال في دير القديسة حنّة إذ أراد بعض الرهبان إقامة الذكرانية يوم الأحد فاعترض الكوليفاذ على ذلك إذ لا يجوز إقامتها في يوم قيامة الربّ بل السبت وباقي أيام الأسبوع هي للذكرانيات، على حسب العادات القديمة. ومن هذه القضية انطلق الكوليفاذ للدعوة إلى روحانية متمركزة حول الليتورجيا والتعاليم التي دعا إليها الهدوئيون منذ القرن الرابع عشر. سعت الحركة إلى إعادة اكتشاف اللاهوت الآبائي والحياة الليتورجية وترسيخهما. وقد تعرّض الكوليفاذ للانتقاد والاضطهاد من الرئاسات بالدرجة الأولى حتّى أنّ البطريرك صوفرونيوس الثاني، سنة 1776، أدان القديس أثناسيوس باريوس كهرطوقي وجرّده وحرمه إلى أن راجع المجمع القسطنطيني سنة 1781، برئاسة جبرائيل الرابع، التهَم التي ارتكز إليها صوفرونيوس ورأى أنّ لا أساس لها فأعيد إلى مكانته. من الآباء الكوليفاذ: نيوفيطس الكافسوكاليفي، القديس نيقوديموس الأثوسي، القديس مكاريوس نوتاراس الكورنثي، القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس، القديس قوزما الإيتولي، القديس سابا كاليمنوس، القديس أثناسيوس باروس، القديس باييسيوس فيليشوفسكي، والقديس نيقولا بلاناس.

التطويبات

2. التطويبات

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

طوبى للمساكين بالروح. لأنّ لهم ملكوت السموات.

طوبى للحزانى. لأنّهم يتعزون.

طوبى للودعاء. لأنّهم يرثون الارض.

طوبى للجياع والعطاش الى البر. لأنّهم يشبعون.
طوبى للرحماء. لأنّهم يرحمون.
طوبى لأنقياء القلوب. لأنّهم يعاينون الله.
طوبى لصانعي السلام. لأنّهم ابناء الله يدعون.
طوبى للمضطَهَدين من أجل البر. لأنّ لهم ملكوت السموات.
طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين.
افرحوا وتهللوا. لأنّ أجركم عظيم في السموات.


تفسير التطويبات التسع

* طوبى للمساكين بالروح .لأنّ لهم ملكوت السموات .


5. مَن هم الذين يطوّبهم المخلّص؟

إنّهم المسحوقون من قِبَل الذين يحسبون أنفسهم حكماء وفهماء، لأنّهم لا ثروة لهم ولا معرفة ولا حكمة، أي إنّهم مَن يُنظَر إليهم كمجانين وضعفاء.

6. لمَ فعل ذلك؟

لأنّه بحسب الكتاب المقدّس، عندما تكون قد تمّت النبوءات والوصايا الإلهية قد اكتملت، حكمة الحكماء سوف تُلغى. أيضاً لأنّ الله قال عبر إشعياء النبي “سأبيد حكمة الحكماء وارفض فهم الفهماء”. إذاً الربّ يطوّب مجانين العالم وحمقاه، والذين لا يملكون أيّ معرفة يسمّيهم أكثر المستحقين لتلقّي المعرفة والجكمة الإلهيتين. يحكم الرسول على هذه النتائج ويقول: “لأن جهالة الله أحكم من الناس. وضعف الله أقوى من الناس، فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود” (1كورنثوس 25:1-28).

إذاً هؤلاء هم المساكين بالروح والسبب الذي يؤهّلهم للتطويب. صحيح أنّ حكمة هذا العالم أبيدَت لأنّ الله، كما يقول الرسول بولس، جعلها حماقة، وكلّ المساكين بالروح الذين يؤمنون بالمسيح يظهرون حكماء وفهماء ويُسَمّون مبارَكين كوَرَثة للملكوت السماوي. في هذه التطويبة يأتي أيضاً الحكماء الذين وضعوا حكمتهم جانباً وقبلوا حماقة الإنجيل.

* طوبى للحزانى .لانهم يتعزون .

7. مَن هم الذين يدعوهم المخلّص مبارَكين؟

إنّه يبارك ويطوّب منكسري القلوب، ويعلن لهم الخبر الحسن عن شفاء القلب الذي جرّحته الأحزان، والتعزية التي تأتي إليهم من توقّع الخيرات الآتية.

* طوبى للودعاء .لانهم يرثون الارض .

8. مَن هم الذين يطوّبهم المخلّص؟

إنّه يطوّب أولئك الذين يعانون منذ زمان طويل والذين رجاؤهم على الرب ولا تقلقهم التجارب التي يلاقونها، بل يحيون حياتهم بصبر واحتمال، مظهرين المحبة والسلام للجميع.

9. أيّ أرض سوف يرث الودعاء؟

الأرض هنا هي أورشليم العلوية. للوعد ميزة الرافعة ويشير إلى أورشليم العلوية أي ملكوت الله. يقول الرسول بولس في كلامه عن الوعد ىالذي قطعه الله لإبراهيم حول أرض الميراث: “بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ… لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عبرانيين 9:11-10).

* طوبى للجياع والعطاش الى البر .لانهم يشبعون .

10. مَن هم المطوّبون هنا من المخلّص؟

إنّه يطوّب الذين لديهم رغبة متّقدة لترسيخ العدل والعمل على نحو بارّ، وأيضاً الذين يدعمون قضية الحق ولا يحتملون أيّ إثم، والذين يتفاعل ضميرهم ضد الذين يدوسون ما هو حق. إنّه يدعوهم مبارَكين لأنّهم يةف يُشبَعون في المستقبل، حين تنتصر العدالة الإلهية. يقول الرسول بطرس ما يلي: “لكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ” (2بطرس 13:3).

* طوبى للرحماء .لانهم يرحمون .

11. مَن هم المطوّبون في هذه التطويبة؟

إنه يبارك فاعلي الخير الذين يتألّمون من أجل الآخرين ويمنحون ما يملكون إلى المحتاجين، ليشفوا ويتعزّوا ويغطّوا حاجتهم ونقص الضروريات لديهم. يعلِن الربّ لهم البشارة الحسنة حول رحمة الله التي سوف تًمنَح كتعويض لهم في الحياة الآتية في ملكوت السماوات.

* طوبى لأنقياء القلوب .لأنّهم يعاينون الله .

12. مَن هم الذين يقصدهم المخلّص في هذه التطويبة؟

إنّه يدعو مبارَكين ويطوّب أصحاب الضمير السلامي، على أساس محبتهم الكاملة لله ولقريبهم، اي أولئك الذين يحفظون المشيئة الإلهية ولا يسمحون أي عمل شرير أو شهوة مُضِلّة. هؤلاء هم مبارَكون لأنّهم سوف يعاينون الله في ملكوت السماوات.

* طوبى للمطرودين من أجل البر .لأنّ لهم ملكوت السموات .

13. مَن هم المقصودون في هذه التطويبة؟

إن الرب يطوّب الممتلئين بمحبة الله والقريب ويحاربون لاستعادة السلام على الأرض، متعهّدين الصداقة مع كل البشر ومقدّمين ذواتهم بشوق لترسيخ السلام. إنّ المخلّص يدعوهم مبارَكين لكونهم عمّال صالحون في عمل مشيئة الله ويساهمون في عمله، لأنّ الله هو إله سلام والذين يعملون من أجل السلام هم متعاونون مع الله (أنظر رومية 33:15 و20:16). إنّه يمنحهم الوعد الأعظم بالحياة الآتية لأنّهم تمثّلوا به في مسعى عمل السلام على الأرض.

* طوبى للمضطَهَدين من أجل البر .لأنّ لهم ملكوت السموات .

14. مَن المقصودون هنا؟

إنّهم الأبرار بالكليّة الذين يقدّمون ذواتهم كضحية من أجل العدالة، أي الذين يحوّلون إلى عمل ما يعترفون به ويتمنونه في قلوبهم.

* طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا. لأنّ أجركم عظيم في السموات.

15. مَن هم المقصودون في هذه التطويبة الأخيرة؟

إنّه يطوّب تلاميذه الذين سوف يبشّرون بالحقّ. إنّه يحذّرهم مسبَقاً من الاتّهامات والضطهادات والافتراءات التي سوف تُساق عليهم من عمّال افثمن الذين سوف يقاومون الحق. إنّه يحثّهم على الفرح والابتهاج لأنّ المكافأة التي سوف يحصلون عليها في الملكوت عظيمة جداً، لأنّهم تألّموا من أجل المخلّص، ابن الله وكلمته، وليس لحملهم لهذه الفضيلة أو تلك.

16. ما الذي اشار إليه المخلّص لتلاميذه بإضافته إيضاح أسباب هذا الألم أي أنّ “َإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ”؟

لقد أشار إلى أنّ اضطهاداً عظيماً مخبأ لهم، لنّ معلمي الحق مُطارَدون. كمثال أشار إلى الأنبياء الذين علّموا قبل وجيئه ودعوا إلى التوبة وتحمّلوا الاضطهادات من الشعب الذي انتهك الحق. فكما أنّ الأنبياء يحصلون على مكافأة عظيمة، كذلك هم أيضاً مكافأتهم سوف تكون عظيمة. إنّ إظهار أسباب ذلك على مرتبط بحقيقة أنّ عمل الرسل شبيه بعمل الأنبياء.

17. ما الذي يكشفه تسلسل التطويبات؟

إنّه يكشف ارتقاءً منطقياً ونمواً طبيعياً وسلسلة من المفاهيم.

18. ما معنى هذا الكلام؟

أولاً: إنّه يطوّب الذين استحقوا أن يتسلّموا الحقيقة المعلَنة. ثانياً: إنّه يطوّب الذين يشهدون بأعمالهم على محبتهم للحق. وثالثاً: إنّه يطوّب الذين كمّلوا ذواتهم في محبتهم للمخلّص.

19. في أيٍ من التطويبات يكشف هذا التسلسل؟

التطويبتان الأولان تشيران إلى الذين استحقّوا أن يتسلّموا الحق. التطويبات الستّ اللاحقة تشير إلى العاملين من أجل البِرّ. التاسعة تشير إلى الذين بلغوا الكمال.

20. ما الذي تحمله التطويبات عندما يُنظَر إليها ككلّ؟

إنها تحوي: أ) إنجيل النعمة المعلَن إلى كلّ الذين يقبلون الحقيقةَ المعلَنة بتواضع، ب) المواصفات الأخلاقية الضرورية لمَن يريد ان يرث ملكوت السماوات، وج) أهمية الكاملين الذين يساوون الأنبياء.

21. كيف يمكن تقسيم المواصفات المذكورة في التطويبات على أساس مفهومها الخاص وترتيبها؟

يمكن تقسيمها كما يلي: أ) الفطرية والتي تعزّز الإيمان، ب) تلك التي تقدّس وتقود إلى الكمال.

22. أيّ هي الصفات الفطرية والتي تعزّز الإيمان؟

أ) أنّ يكون الذي يستمع للكلمة الإلهية صاحب فكر متواضع وبدون اغترار بالحكمة العالمية ولا نقص بالمعرفة النظرية ولا بمعرفة الذات، ب) أن يكون الشخص نفسه في حالة من الحزن الوقور وانكسار القلب بسبب الأسى المتولّد عن إدراك حالته الأخلاقية الخاطئة، أو من تسلّط الشرّ في العالم، أو من الحرب المعلَنَة على الحق والعدل، أو حتّى من الظلم والحزن اللذين يحرّكهما العالم بسبب فضيلته.

23. هل هذه الصفات ضرورية لقبول الكلمة الإلهية وتعزيز الإيمان بالمسيح.

نعم، طبعاً.

24. ما هي الصفات التي تقود إلى التقديس والكمال؟

إنّها ستّ صفات مقسّمة إلى ثلاثٍ إيجابيّة وثلاثٍ سلبيّة. الثلاث الإيجابيّة هي: أ) أن يكون وديعاً ومتسامحاً، ب) أن يكون عادلاً أو بارّاً، وج) أن يكون رحوماً. الثلاث السلبيّة هي أن يكون شخصًا أ) يقاوم الشرّ لكي حفظ نقاوة القلب، ب) يتلافى الخلافات والمشاجرات ويحاول أن يحفظ السلام في المجتمع البشري، وج) يدافع عن العدل والحق إلى درجة إنكار الذات والتضحية بها.

25. كيف ينبغي النظر إلى هذه الصفات؟

ينبغي النظر إليها كضرورية وأحكام لا غنى عنها للكمال المسيحي والحياة الأخلاقية المسيحية. فقط مع هذه الأحكام يمكن للمسيحي أن يحقق هدف مصيره على الأرض ويبلغ إلى غاية خلقه على صورة الله ويتلقّى مكافأته الكاملة في ملكوت الله.

26. كيف ينبغي النظر إلى التطويبة التاسعة؟

ينبغي اعتبار أنّها التطويبة التي تشير إلى الذين بلغوا الكمال في افيمان والفضيلة، لأنّهم رُفِعوا إلى مرتبة ان يكونوا معلّمين للكلمة الإلهية، ومساويين للأنبياء الذين سبقوا فأخبروا عن المجيء الإلهي للمخلّص، وقد حصل هذا المجيء كما أعلنوا، وعلى مثالهم سوف يحتملون الاضطهاد من الذين انتهكوا الحقيقة الإلهية وحاربوها.

27. ماذا نلاحظ عندما نقارن الناموس القديم بناموس النعمة؟

نلاحظ ما يلي: القديم يمنع عمل الشر، بينما هذا يطوّب فاعلي البرّ. القديم يهدد مخالفي الناموس بينما هذا يعلن البشارة الحسنة (الإنجيل) والمكافأة الإلهية لفاعلي الخير. يطلب القديم رحيلَ الشرّ، بينما هذا يطلب القديم يثير الخوف، السعي التدريجي للفضيلة. يعد القديم يميراث على الأرض، أمّا هذا فيعلّم البشارة الحسنة عن ميراث في السماوات. القديم يثير الخوف بينما هذا يلهم المحبة. القديم يقود إسرائيل إلى المسيح كمعلّم، بينما هذا يقود البشريّة كلّها إلى المسيح. القديم كان ناموس الخضوع بينما هذا هو ناموس الحرية. القديم كان ناموس العبودية بينما هذا هو ناموس التبنّي.

الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبل

الأخلاق المسيحية – الموعظة على الجبل

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

4-كمال البر في ناموس النعمة

 

28. أين يظهر ارتفاع برّ ناموس النعمة؟

يظهر في موعظة المسيح مخلّصنا على الجبل.

 

29. بأيّ روح توحي كلمات مخلّصنا، وما هي الرغبة التي يعبّر عنها في العظة؟

إنّها روح المحبة للبشر والرغبة في هيمنة السلام على الأرض.

 

30. كيف ننظر إلى بر ناموس النعمة؟

على أنّه أكثر التعابير عن إرادة الله كمالاً.

 

31. ماذا يقول السيد لتلاميذه عن البِر؟

يقول لهم ما يلي: “إن لم يزد برُّكم عن بر العشارين والكتبة، لن تدخلوا ملكوت السماوات”

 

32. كيف باشر السيد إتمام الناموس وإكماله؟

إنه يبدأ كما يلي: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ”.

 

33. كيف يكمّل الوصية السادسة عند هذه النقطة؟

إنّه يكمّلها بمنعه كل إهانة للقريب، حتى يسود المحبة والسلام. يظهر هذا أيضاً في الوصية التالية، التي من خلالها يأمر المخلّص بأنّ كلّ مَن يحزن أخاه ينبغي ألاّ يقدّم قرابينه عند المذبح إلى أن يصالح أخاه. بهذه الطريقة يطلب أنّ تتوقّف كل النزاعات حتى لا يأتي مغيب الشمس بوجود الغضب نحو الأخ واستمرار النزاع.

 

34. كيف يتمم الوصية السابعة؟

إنّه يتممها بالكلمات التالية: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”

 

35. ماذا يطلب المخلّص من أتباعه بهذه الوصية؟

إنّه يطالبهم بنقاوة القلب. لهذا السبب هو يمنع الإساءة إلى شرف عائلة القريب، ليس فقط بالعمل بل أيضاً بالفكر. بالواقع، إنّه يطلب نقاوة القلب بهذه الصرامة، ليأمرنا بنزع كل الأسباب التي تثير الشهوات، من داخل قلوبنا، ويقول: “فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.” بكل هذه الأشياء أراد المخلّص أن ينصحنا بأن نبتعد حتّى عن أكثر الأشخاص قيمة ونفعاً، حتّى لا تتلوّث طهارة قلوبنا ببعض الشهوات الشريرة، فيما نحن أتباعه.

 

36. بأي كلمات أخرى يكمّل المخلّص الوصية السابعة؟

إنّه يكمّلها بإبعاده كل الوسائل التي من خلالها يتم انتهاك الناموس. هذه الوسائل كانت وثائق الطلاق التي من خلالها كان يحق، بحسب الناموس القديم، للرجل أن ينفصل عن امرأته معطياً إياها هكذا كتاب (التثنية 1:24).

ما كانت كلمات المخلّص؟

كانت كلماته ما يلي: “وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.”

 

38. كيف يكمّل وصية العهد القديم حول القَسَم؟

إنّه يكمّلها بهذه الكلمات: “أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ.”

 

39. ما الذي يطلبه بهذه الكلمات؟

إنّه يطلب الكمال الأخلاقي من جهة أتباعه. فالقَسَم الذي يقوم به المرء ليؤكّد أقواله، يفترض مسبقاً عيباً أخلاقياً هو أقرب للكذب ويتعارض مع المسيحية. لهذا السبب، إنّه يأمرهم بأن يكونوا جديرين بالثقة حتى لا يستدعي تثبيت أقوالهم أي قَسَم، بل تكون نعم نعم أو لا لا كافية للوثوق بكلامهم وتأكيده. بعبارة أخرى، ينبغي أن تعني “نعم” ما تعنيه فعليا و”لا” أيضاً ما تعنيه فعلياً. هذا هو الكمال المسيحي. المسيحي مجبَر على أن يكون جديراً بالثقة، حتى يصدّقه الجميع عندما يقول “نعم” أو “لا”، دون أن يتطلّب الأمر أي تأكيد إضافي لتعزيز حقيقة قوله.

 

40. مع هذا، ما الذي يحدث عندما يشكك طالبو الحقيقة بكلام الإنسان؟

إن انتهاك الوصية ليس مبرراً في هذه الحالة، لأنّ المسيحي ملزَم بالبقاء غير متزعزع في تأكيد الحقيقة من خلال النعم واللا.

 

41. هل يمنع المخلّص القَسَم الذي تطلبه السلطات المدنية؟

لا يمكن تأكيد منعاً من هذا النوع من كلام السيد. الهدف الذي قاده إلى قول كلامه يظهِر بالأغلب أنّ السيد منع القَسَم الذي يتبادله الناس مع بعضهم وليس ذاك الذي يقوم أمام السلطات المدنية بحسب متطلبات القانون بهدف تأكيد الحقيقة وتأمين السلطات. إلى ذلك، المخلّص نفسه ارتضى أن يقسِم مام رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح ليعترف به (متى 63:26). أيضاً، الرسول بولس، في رسالته إلى أهل روما، استدعى الله كشاهد له لكي يثبّت كلامه بأنّه دائماً تذكرهم في صلواته (روما 9:1). وعلى المنوال نفسه، كاتباً إلى الكورنثيين، استدعى الله كشاهد له لكي يشهد بأنه لم يكن يرغب بتسبب أي حزن لهم (2كورنثوس 23:1).إلى هذا، ملاك الإعلان أقسَم باسم “الذي يحيا إلى دهر الدهور”، الذي خلق السموات التي توجد فيها، والأرض وكل ما عليها والبحر وكل ما فيه (رؤيا 6:10)

 

42. هل من مكان آخر يمكّن الاستنتاج منه أنّ المخلّص لم يحرّم القَسَم بطريقة مطلقة؟

مما يلي: أ) حقيقة أنّه لم يأخذ الوصية مباشرة من الوصايا العشر، بل من التثنية (12:19)، حيث يرد أنّ قَسَماً باسم الله لتغطية الظلم هو قَسَم مرفوض وعلى القدر نفسه انتهاك الاسم لأنّ القَسَم المُعطى للقريب أياً كانت الحالة قد انتهِك. هذا ما يسميه السيد شهادة زور. هذا يدل على أن القضية قيد النظر تشير إلى اليمين المتبادلة بين شخصين في شهادة وصدق متبادلين. ب) استناداً إلى أنه لا يوجد دليل واضح على ان المخلص حرّم بصورة مطلقة استدعاء اسم الله لغرض تأكيد الحقيقة في وقت مناسب. على العكس من ذلك، يبدو انه سمح بهذا من خلال مثاله الشخصي، وهذا ما تبعه أيضا تلاميذه. لو كانت نية المخلص حظر اليمين بطريقة مطلقة، أي سواء عبثا أو بصورة عادلة، لكان أكمل وصيته بحظر آخر واضح، وهذا ما لم يفعله. وينبغي أن يُذكَر هنا أيضا، أنّ في الحالة الحاضرة، ينطلق المخلص من المبادئ الأخلاقية لا العقائدية. هكذا إذن، حلف اليمين أمام السلطات المدنية بغرض تأكيد ما هو صحيح هو أمر مسموح.

 

43. كيف يكمّل المخلّص ما يرد في ناموس موسى حول “الألم المساوي” أي العقاب على قدر الذنب؟

على الشكل التالي: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.”

 

44. ما الذي يعلّمنا إياه المخلّص في هذه الكلمات؟

أ) إنه يحثّنا على أن نكون متسامحين نحو ما يفعله الآخرون لنا، ويمنعنا من الانتقام ومبادلة الشر بقدر يوازيه من الأذى؛ ب) انه يظهر المدى الذي ينبغي أن يصله تسامحنا من أجل المحبة والسلام اللذين يشكلان مهمة أتباع المسيح ورسالتهم. ج) إنّه يشير إلينا أيضاً حول السُبُل التي علينا اتّباعها لتفادي المشّادات فيسود السلام، وكيف يمكننا أن نغلب الشرير بالأعمال الصالحة والتضحيات، وختاماً د) إنّه يظهِر لنا شكل السلوك الذي علينا تبنّيه نحو الأشرار الذين يخضِعون الآخرين بالعنف، حتّى لا يختلّ السلام وتُجذَب محبة الإخوة.

 

45. ماذا نستنتج مما سبق قوله؟

نستنتج أنّ المسيحي ملزَم بتقديم نفسه كنموذج لإنكار الذات، وأنّ عليه ألا يعتبر الخبث، أو الاستيلاء، أو الظلم ، أو العنف سبباً عادلاً للانتقام. لا بل بالأحرى إنّه ملزَم على أن يقدّم لأخيه مثالاً ثابتاً بالتراجع عن كل ما لا يؤذيه أخلاقياً، وبإظهار، بالأعمال المناسبة، أنّ ما هو محفوظ في داخله هو محبة الأخ ورغبته في أن يراه يتغيّر، وليس الثأر أو الانتقام، إذ فقط بهذه الطريقة يمكن استعادة السلام ومجيء الملكوت على الأرض.

 

46. كيف يكمّل المخلّص وصية الناموس الموسوي حول المحبة والكراهية؟

بقوله: “سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ: أحِبَّ قريبَكَ وأبغِضْ عَدُوَّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكُم: أحِبّوا أَعداءَكُم، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم، فتكونوا أبناءَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ. فهوَ يُطلِـعُ شَمْسَهُ على الأشرارِ والصّالحينَ، ويُمطِرُ على الأبرارِ والظّالمينَ”.

 

47. ما الذي يأمر به المخلّص في هذه الوصية؟

إنّه يأمر بالتالي: أ) المحبة الكاملة لكل البشر من غير تمييز، حتّى لمَن شرّهم فائق، ب) التعبير عن هذه المحبة بمقابلة أعمالهم الشريرة بالأعمال الحسنة، إذ عندما يعمل المؤمنون بهذه الطريقة يصيرون أبناء لأبيهم السماوي، بقدر ما يقوم بأعمال صالحة نحوه، وهو مَن لا يرد الشر بشر بل يغلب الشر بواسطة الصلاح.

 

48. ما هي الكلمات التي يستعملها المخلّص ليظهر ضرورة المحبة؟

يستعمل ما يلي: ” لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟  وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ”.

 

49. ما هي الوصايا التي يعطينا المخلّص في هذه الكلمات؟

إنّه يعطينا وصيتين: “أ) أننا ملزَمون بمحبة أعدائنا، لكي نكسب المكافأة بجوار الله ولا نخزى كالوثنيين، وب) أننا ملزَمون بالتحرّك نحو الكمال وبأن نصير كاملين، بحسب الله نفسه الذي هو النموذج الأول، الذي ندعوه أباً عندما نكتمل بالمحبة. فكلّ مَن يحبّ أعداءه ويعاملهم بصلاح هو كامل في المحبة. إذاً، بهذه الوصية الأخيرة، يكمّل مخلّصنا تشريعَ الناموس الموسوي المتعلّق بالمحبة.

 

50. هل من تعليم آخر يعطيه مخلّصنا فوق إتمام الوصايا والتوجيهات المتعلّقة بالمحبة في الناموس الموسوي؟

إنّه يقودنا إلى التعليم عن وضع رجائنا في الله ويأمرنا بأن نقوم بكلّ ما يرضي الله فقط. فمنه وحده نرجو أن نأخذ المكافأة التي تناسب أعمالنا الصالحة وعليه وحده يمكن أن نضع رجاء خلاصنا.

 

51. كيف يبدا المخلّص تعليمه عن وضع رجائنا على الله؟

يبدأ كما يلي: ” اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.”

 

52. ما الوصية التي يعطينا المخلّص من خلال هذه الكلمات؟

إنّه يوصينا بأن نرجو مكافأتنا من الله لأنّه يرى كل الأمور ويكافئ كلّ إنسان بحسب أعماله. إنّه يشير علينا أيضاً بأن نعمل أعمالاً صالحة من أجل الصلاح وليس لكي يرانا إخوتنا البشر. لأنّ الذين يذيعون أعمالهم الصالحة أمام مَن حولهم إنّما يقومون بذلك لكي يمجدهم البشر وليس الله. لهذا السبب، لن يحصلوا على اي مكافأة على أعمالهم الصالحة لكونهم لم يعملوها مكن أجل الصلاح ولم يضعوا رجاءهم على المكافأة الإلهية.

 

53. هل من وصايا أخرى يعطيها الفادي حول الرجاء بالله؟

نعم، إنها التالية: “وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”.

54. ما الذي يعلّمنا بهذه الكلمات؟

إنّه يعلّمنا أنّ الصلاة هي نتاج الرجاء بالله والتعبير عن القلب الذي يعبده، وأنّها يجب ان تكون صادقة وبسيطة، إذ فقط الصلاة والعبادة اللتين على هذا المنوال ترتفعان غلى الله الذي يرى المصلّي سرياً ويكافؤه علانية في الحاضر والمستقبل. الصلاة المبهرجة لا تليق بالله وهو يرفضها، بينما الذين يقدّمونها يتطلعون إلى البشر ليكافئوهم من دون أن يكون رجاؤهم عند الله، بل بالحرى يعملون كلّ شيء ليتباهوا بين نظرائهم البشر.

 

55. ماذا يحدد الربّ بخصوص طريقة الصلاة؟

يحدد ما يلي: ” وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.”

 

56. ما الوصية التي نتلقّاها من هذا القول؟

أنّ علينا ألاّ نتكلّم هراءً، بل باتّضاع وما ينبغي قوله بالطريقة المناسبة التي تليق بمؤمن وضع رجاءه على الله ويتطلّع إليه. والله الآب سوف يمنحنا كلّ ما نحتاج إليه، لأنّه يرى حاجاتنا قبل أن نطرحها عليه.