عن السذاجة والحكمة

عن السذاجة والحكمة

البطريرك بافل الصربي

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أن تكون إنساناً حقّاً في هذا العالم هو بالحقيقة نفس الشيء كأن تكون حملاً بين الذئاب لأن “الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يوحنا 19:5). ومجدداً أقول لكم تذكّروا: حمل بين الذئاب معرّض للخطر من جهتين. أولاً، يمكن أن تمزّقه الذئاب. لكن هذا في يد الله. وثانياً، قد يقرر الحمل هكذا: لكونك محاطاً بالذئاب فما من سبيل للعيش غير أن تصير كالذئب سانّاً أسنانك، فتتعلّم كيف تعوي، تستبدل حوافرك بمخالب، وهكذا تتحوّل من حمل إلى ذئب. لم يرسلنا المسيح من أجل هذا، بل لكي بإيماننا وحياتنا بحسب الإيمان قد نجتذب الذئاب ليصيروا حملاناً للمسيح إذا أرادوا ذلك

يعلّمنا المسيح أن ننجو من كلا الخطرين: “كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ” (متى 16:10). سوف تنقذك الحكمة من التمزّق، والبساطة والبراءة سوف تمنعانك من أن تصير ذئباً. من جهة أخرى، هذا يعني أنه يمكننا تنمية قدراتنا العقلية أكثر وأكثر، إلى اللانهاية، ولكن بشرط أن ننمي بالتوازي في ذواتنا اللطف الذي يعطينا الاتزان. يتطلع الإنسان في هذا العالم إلى كل الأشياء كما تفعل آلاف الأعين، والذباب والنحل… لكننا نرى في فكرنا ما لا يستطيعون رؤيته، أي العالم الروحي الداخلي والأبدية

لكن الفكر بارد. أحياناً يخترق الأحياء، عبر القلب. على عكس ذلك، الصلاح دافئ وغير أعمى. صحيح القول الشعبي بأن “الإنسان اللطيف والأحمق أخوان طبيعيان”. أي، إذا كان إنسان ما لطيفاً لكنه غير حكيم، فالآخرون لن يستغلّوه وحسب بل أيضاً سوف يضحكون منه ويزلّوه. حسناً، لكي لا يتحوّل العقل إلى مكر، والصلاح إلى غباء، علينا أن نوحّد العقل مع الصلاح. هذا يكون إنساناً إنجيلياً، شخصية أرثوذكسية: العقل والصلاح معاً

من الخطير تنمية العقل وتناسي الصلاح أو الازدراء به أو اعتباره مهيناً. وبالطبع، إنسان كهذا قد يدمّر حياته وحياة الآخرين بقربه. كل المجرمين الكبار والمنتحلون أصحاب عقول نامية جداً، وعلى درجات مختلفة من القدرات الفائقة وحتّى التعليم

وكما قلت سابقاً، الصلاح بحد ذاته ليس كافياً ومؤذٍ. هنا الحل للمسيحي. تنمية العقل الذي منحه إياه الله من بين جملة أشياء تجعلنا مختلفين عن الكائنات الحية الأخرى، التي لا تملك إلا الغرائز. نحن أيضاً عندنا غرائز لكن عندنا عقل ايضاً، منحنا إياه الله، وبه أقامنا الله فوق المخلوقات الأخرى. نحن أيضاً عندنا قلب وإرادة وحرية

فليعلّمنا الرب ويساعدنا على أن نمتلك العقل والصلاح معاً وننمّيهما لمجده، ولمنفعة عائلاتنا ووطننا وكل البشرية، ولخلاصنا وخلاصهم

* من مجموعات عظات ومقابلات غبطة البطريرك بافل الصربي: البطريرك بافل، السير نحو الأبدية

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله

القديس يوحنا ماكسيموفيتش

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

“أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ.” (مزمور 7:139-10)

يجب أن تكون هذه الكلمات الملهَمة من الله لكاتب المزامير داود في أفكارنا في هذه الأيام، حيث العالم برمّته مهتزّ بكل معنى الكلمة، وتأتي أخبار الأسى والصدمات والمصائب من كل الجهات. قبل أن تصل إلى التركيز على ما يجري في بلد ما تذهلك أحداث أكثر تهديداً قد تفجّرت في مكان آخر بشكل غير مُتوقَّع؛ وقبل أن تتلقفها، تشغل انتباهك أخبار أخرى من مكان آخر، وتقودك إلى إضاعة القضايا السابقة مع أن أياً منها لم يبلغ خواتيمه. عبثاً يتشاور ممثلو الدول من أجل إيجاد علاج للمعاناة المشتركة ويشجعون واحدهم الآخر قائلين: “سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ” (إرمياء 14:6). المصائب في الأراضي حيث تتكشف لا تنتهي، فتبدأ فجأة كوارث جديدة في أماكن كانت تُعتبر آمنة وهادئة

الذين يفرّون من المشاكل في مكان ما يجدون أنفسهم وسط مشاكل أخرى في مكان أسوأ. “كَمَا إِذَا هَرَبَ إِنْسَانٌ مِنْ أَمَامِ الأَسَدِ فَصَادَفَهُ الدُّبُّ، أَوْ دَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ فَلَدَغَتْهُ الْحَيَّةُ!” (عاموس 19:5). أو كما يقول نبي آخر: “وَيَكُونُ أَنَّ الْهَارِبَ مِنْ صَوْتِ الرُّعْبِ يَسْقُطُ فِي الْحُفْرَةِ، وَالصَّاعِدَ مِنْ وَسَطِ الْحُفْرَةِ يُؤْخَذُ بِالْفَخِّ. لأَنَّ مَيَازِيبَ مِنَ الْعَلاَءِ انْفَتَحَتْ، وَأُسُسَ الأَرْضِ تَزَلْزَلَتْ.” (أشعياء 18:24)

هذا ما نراه يحدث في أيامنا. ينطلق الشخص إلى عمله بسلام فيسقط فجأة ضحية عمل عسكري اندلع في مكان لم يتوقعه أحد. الشخص الذي يهرب من خطر العمل العسكري، يجد نفسه وسط أهوال الكوارث الطبيعية أو الزلزال أو الإعصار. ويلاقي الكثيرون حتفهم حيث يفرّون، بينما يكون الآخرون على استعداد للمخاطرة بحياتهم بدلاً من إهدارها في أماكن تعتبر آمنة، لأنهم يتوقعون كوارث أخرى يمكن أن تأتي قريبًا على تلك المناطق. يبدو أنه لا يوجد مكان على الكرة الأرضية في الآونة الأخيرة يشكّل ملاذاً هادئاً وسلامياً من المشاكل في العالم.

كل شيء صار معقّداً: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. “بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” على ما يكتب الرسول بولس (2كورنثوس 26:11). وإلى هذه الأخطار في أيامنا ينبغي أن نضيف “أخطار في الهواء وأخطار من السماء” وهي مرعبة بشكل خاص

ولكن عندما كان هذا المتقدم في الرسل المجيد بولس يحتمل كل المخاطر التي يذكرها كانت لديه تعزية عظيمة. كان يعلم أنه يعاني من أجل المسيح وأن المسيح سيكافئه على هذه المعاناة. “لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2تيموثاوس 12:1). كان يعلم أن الرب سيمنحه القوة اللازمة لتحمّل المزيد من الضيقات، ولهذا السبب قال بجرأة: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (فيليبي 13:4)

إن هذه الكوارث الحالية مرعبة للغاية بالنسبة لنا، فقد جاءت علينا لأننا لسنا ثابتين في الإيمان، ولأننا لا نتحمّلها من أجل المسيح. لهذا السبب، لا أمل لدينا في الحصول على الأكاليل من ورائها. وما هو أسوأ من ذلك ويتركنا عاجزين في جهودنا لمواجهة مصائبنا، هو أننا لا ندعّم أنفسنا بقوة المسيح. نحن نضع رجاءنا لا في الله بل في القوى والوسائل البشرية. نحن ننسى كلمات الكتاب المقدس: “لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ. طُوبَى لِمَنْ إِلهُ يَعْقُوبَ مُعِينُهُ، وَرَجَاؤُهُ عَلَى الرَّبِّ إِلهِهِ” (مزمور 3:146 و5). وأيضاً: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ. إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ، فَبَاطِلاً يَسْهَرُ الْحَارِسُ” (مزمور 1:126). لا نفتأ نحاول إيجاد أساس ثابت بعيدًا عن الله. وهكذا فإننا نعاني ما تنبأ به النبي: “لِذلِكَ يَكُونُ لَكُمْ هذَا الإِثْمُ كَصَدْعٍ مُنْقَضٍّ نَاتِئٍ فِي جِدَارٍ مُرْتَفِعٍ، يَأْتِي هدُّهُ بَغْتَةً فِي لَحْظَةٍ” (إشعياء 13:30). ويل لمن يميلون ضد تلك الجدران! تماماً كما يسحق الجدار المنهار أولئك الذين يميلون إليه، بنفس الطريقة، مع تدمير الآمال الكاذبة، سيهلك كل من وضعوا ثقتهم فيها. سوف يكون أملهم مثل “عُكَّازَ قَصَبٍ”. “عِنْدَ مَسْكِهِمْ بِكَ بِالْكَفِّ، انْكَسَرْتَ وَمَزَّقْتَ لَهُمْ كُلَّ كَتِفٍ، وَلَمَّا تَوَكَّأُوا عَلَيْكَ انْكَسَرْتَ وَقَلْقَلْتَ كُلَّ مُتُونِهِمْ” (حزقيال 7:29). الأمر مختلف تماماً عند الذين يطلبون المعونة من الله. “اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا. لِذلِكَ لاَ نَخْشَى وَلَوْ تَزَحْزَحَتِ الأَرْضُ، وَلَوِ انْقَلَبَتِ الْجِبَالُ إِلَى قَلْبِ الْبِحَارِ” (مزمور 1:46-2)

ما من شيء يخيف مَن رجاؤه في الله. هو لا يخشى لا البشر ولا عمل الشرير. “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ عاضد حَيَاتِي، مِمَّنْ أفزع؟” (مزمور 1:27). إنه هادئ إذ يعيش في بيته “اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يسكن” (مزمور 91:1). مستعدّ للإبحار عبر البحر “فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ، وَسُبُلُكَ فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ” /زمور 77:19). بجرأة، كما على أجنحة، يطير في السماء إلى الأراضي البعيدة، قائلاً: “إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ (مزمور 139:10-11). هو يعرف أنه يرضي الله لحفظ حياته “يَسْقُطُ ألوف عَنْ جَانِبيكَ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. أما إِلَيْكَ فلاَ يَقْتربُون” (مزمور 7:91)

حتّى الموت لا يرهبه لأن مَن المسيح هو حياته الموتُ هو ربح (فيليبي 21:1). “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رومية 35:8-39). “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ” (2 كورنثوس 1:7).

هذا ما يقوله الرب: “حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ” (إشعياء 6:58-9)

أيها الرب علّمني أن أعمل مشيئتك ويوم أدعوك استمع لي. فلتكن رحمتك علينا لأننا عليك وضعنا رجاءنا

الحقير يوحنا، أسقف شنغهاي

30 آب، 1937، عيد القديس ألكسندر نفسكي

الهدوئية واللاهوت: مساهمة في الحوار حول المجمع الكبير المقدس

الهدوئية واللاهوت: مساهمة في الحوار حول المجمع الكبير المقدس

جورج منتزاريذس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بمناسبة انعقاد ’المجمع’ الكبير المقدس للكنيسة الأرثوذكسية، نُشر هذا النص للأستاذ جورج منتزاريذس، وهو يدور حول طريقة إنتاج اللاهوت الأرثوذكسي. إنه مساهمة في النقاش الأوسع الذي يسبق المناقشات التي كانت مُنتَظرة في المجمع

ليست الهدوئية مدرسة لاهوتية أو نظاماً كنسياً وحسب، إنها بالأحرى ظاهرة تسمو على المدارس والأنظمة المتعددة. لا بل من الأصح أن الهدوئية ليست محصورة بفترة محددة في تاريخ الرهبنة، كالقرن الرابع عشر، حين هاجم الراهب الجهبذ برلعام الكاليبري الرهبان الأثوسيين وأثار النزاع الهدوئي المعروف. الهدوئية هي صقل السكون الذي هو الصفة الراسخة للرهبنة الأرثوذكسية. لكن ما هو السكون ومما يتألف؟

بالمعنى العادي، “الهدوئية” (السكون) تتساوى مع عدم التنقّل، أي عكس الحركة؛ وتُعتبر قابلة للتحديد بالراحة في تضاد مع العمل والانشغال. بتعابير أخرى، يُفهَم السكون على أنه خارجي وبالأساس حالة جسدية، من دون أي محتوى روحي أو ارتباط مباشر بحياة الناس الداخلية. إنه يتطابق مع ما يسميه الآباء الهمود [+]

لكن في التقليد الأرثوذكسي، للسكون معنى مختلف كلياً. إنه لا يتساوى مع عدم الحركة، ولا مع الراحة. ولا هو يُعامَل كنوع من أنواع التحول المتمسك بالعرف أو الفضيلة. السكون هو أرقى أشكال عدم الاهتمام والفضيلة الأكثر كمالاً. إنه الطريق نحو معرفة الله التي تُتوّج بمعاينة الله. الفضائل الأخرى، التي تُنجَز بالعمل، أي بإتمام الوصايا، هي المرحلة الأولى، وهي شرط مطلوب إن أردنا أن نتابع تقدمنا نحو معاينة الله

القديس الهدوئي العظيم، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يعبّر عن هذا الأمر بدقة في قوله: “لا يقدّم أي من الرسل أو الآباء الحاملون الله الهدوء على العمل، لكن في التزامهم بالوصايا يظهِرون عن معرفةٍ وإيمان محبة الله “[3]

لم يكن السكون في يوم من الأيام مفضلاً على الالتزام بالوصايا. عدم الالتزام الطوعي بالوصايا هو العكس تماماً للسكون. بسبب محبتهم لله، يلتزم الهدوئيون بأمانة بوصاياه وبالتالي يصيرون قادرين على إدراكه. إن رغبتهم بالبقاء معه هي ما يسمح لهم بعبور مرحلة الضطراب والقلق ولمعانقة نار السكون الإلهية، حتى “يستطيعوا أن يسمعوا سكون المسيح” [4]. لهذا السبب، نموذج السكون والحياة الهدوئية في الأرثوذكسية هو سيدتنا الفائقة القداسة التي تحمل النار الإلهية بين يديها [5]

من خلال الالتزام بالوصايا نظهِر محبتنا لله ونقارب معرفته. “اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي” [6]. لكن حالة الصلاة القلبية تسمو على التزام الوصايا. فيما الالتزام بالوصايا الذي يسمى بشكل أعم ’العمل’ في التقليد النسكي، يقود إلى ’المعاينة’، فإن سكون الذهن هو الموضع حيث تتمّ المعاينة الإلهية

طبيعي أن الناس، قبل بلوغهم مستوى سكون الذهن، عليهم أن يجربوا تركيز عقلهم لتحريره من الاهتمامات وسحبه من الهموم الدنيوية. بهذه الطريقة، يتمّ تقديم الإعراض عن أشياء هذا العالم كطريقة للتطهر النسكي وعملية للارتقاء نحو سكون الذهن. لهذا السبب يضع القديس يوحنا السينائي، معلّم الهدوئية، الزهد على أنه عارضة السلم الأولى، في كتاب السلم الذي هو دليله إلى الهدوئية. فهو يقول أنه ما من أحد يدخل الخدر السماوي بإكليل إن لم يمارس الزهد المثلث: للأشياء وللآخرين، قطع المشيئة الذاتية، ورفض المجد الباطل [7]

اختبار السكون

إن اختبار السكون يتطلب بالطبع سلاماً خارجياً. لا يمكن تحقيقه في اضطراب الحياة المعاصرة وضجيجها، على الرغم من الوجود الدائم لشواذات لامعة تستطيع أن تحقق ما لا يتحقق. السكون هو حالة للنفس، أو بدقة أكثر، حالة للذهن. عندما يتوقف ذهننا عن استهلاك ذاته في الأمور الخارجية ويكفّ عن التشبّع بمحفزات هذا العالم، يعود إلى ذاته ومن خلال ذاته ’يصعد إلى فهم الله’ [8]. يُختَبَر السكون أولاً وقبل كل شيء في الصحراء، وكل الهدوئيون العظماء عبروا في الصحراء

في ما يتعلّق بالاقتراب من الله ومعرفته، فيُشار عادةً إلى الآية من المزامير ’كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ’ [9]. هذه الآية تؤخذ غالباً على أنها تعني السكون الخارجي. بتعبير آخر، لا يُعتَبَر السكون سوى الامتناع عن العمل والراحة الخارجية. لكن سكون مثل هذا وراحة مثل هذه ليس فيهما أي فحوى إيجابية وبالطبع لا تقدمان أي معرفة لله. ’لأن معرفة الله لا تُعطى بالسكون من الخارج… بل بالحري يتحقق السكون في أولئك الذين جاهدوا شرعياً وحسناً’ [10]. إذا توقف الناس عن العمل، من باب احترام الوصايا، من دون أن يستغلّوا في العمل الروحي، يكونون كسالى على الجانبين وبالتالي هم يخطأون على الأكيد [11]

لا تأتي معرفة الله كنتيجة للسكون الخارجي، مع أن اكتسابه نافع. ولا الهدوئية هي حصراً في السكون الخارجي. إن سكون الهدوئية الأرثوذكسية ليست نظرية، بل هي حالة اختبارية بإفراط. إنها تفترض مسبقاً احترام الوصايا وتنمية الفضائل. عندما ينضج النسّاك في المرحلة، في العمل، أو بتعبير آخر عندما يجاهدون شرعياً وحسناً سعياً إلى الفضائل، يصيرون قادرين على الالتفات نحو المعاينة. والفرح الناتج عن هذه المعاينة الإلهية هو السكون الحقيقي، إنه سكون الذهن

في عرض شكلَي الحياة النسكية هذين، يكتب القديس غريغوريوس اللاهوتي أن شكلَي الحياة النسكية كلاهما حسن ومحبوب والناس مدعوون إلى اتّباع الشكل الذي يلائمهم. العمل هو لغالبية البشر، بينما المعاينة هي للكاملين [12]. القديس غريغوريوس فضّل المعاينة. هو لم يبلغ هذا التفضيل بسبب تركيبته النفسية بل بالأحرى بالمحبة الإلهية “للصلاح والسكون” المتشبّع منهما [13]

يظهر أن صديق القديس غريغوريوس الأقرب، القديس باسيليوس الكبير، فضّل العمل. هذا جعله أساس الحياة الرهبانية التي أسسها. لقد ذُكِر أنه استثنى حياة النسّاك بشكل كامل، على اعتبار أنها غير قابلة للمصالحة مع طبيعتنا الاجتماعية وربما لم يقبل النساك إلا نحو آخر حياته وعلى أنهم شواذات. هذه النظرة هي بالغالب تبسيطية. المظاهر تغش بالغالب. القديس باسيليوس الكبير اختبر السكونَ بقوة ولاحظ أهميته للحياة الروحية. لقد كان أيضاً الأساس الصحيح لعمله الرعائي والاجتماعي الذي ما من مساوٍ له. كيف لنا أن نفسر أجاباته للأسقف مودستوس أو فقره المُطْبِق بعد أن وزع كل خيراته الأرضية التي ورثها من أهله؟ـ

يشير القديس باسيليوس إلى أنه إذا كان فكرنا غافلاً “لا نستطيع أن نبلغ إلى محبة الله ولا محبة قريبنا” [14]. إن التشديد الذي يلجأ إليه عند الإضاءة على التنبيه الوارد في سِفْر تَثْنِيَةِ الاشْتِراع بأن “انتبه لنفسك” [15] نموذجي عن ما لديه للقول. في إحدى مواعظه حول هذا القول الكتابي يقول معلّقاً: “انتبه لنفسك، إذاً. أي لا أنت ولا عائلتك ولا المحيطين بك، بل لنفسك فقط” [16]

ليس السكون ملازماً للعمل وحسب بل هو بالحقيقة شرط مسبق للقيام الصحيح به. كل عمل صائب هو ثمر السكون. التقيّد الدقيق بوصية المحبة المزدوجة تفترض توحيد الشخص البشري الكسير، تنظيم الفكر، وسكون العقل. لم يشجع القديس باسيليوس تأسيس مراكز للنسّاك، وهو ما كان ممكناً أن يكون سهلاً، على ضوء عدد الجماعات النصف-نسكية التي كان قد أسسها المؤمنون في أيامه. هو لم يقم بذلك لأنه نفسه قد عاش ونشأ في السكون، وأُعطي له معاينة الله، كما يكشف في إحدى الرسائل [17]

لقد فضّل القديس باسيليوس دير الشركة لأنه أراد أن يتلافى الخطر الكبير الناتج عن الانقسام والرضا عن النفس الذي قد يصِل إليه الكثيرون إذا اتّبعوا حياة غير منظّمة [18]. ولكن لتنظيم الدير على أساس جيد وللحفاظ على منظورها الهدوئي المواهبي مفتوحاً فقد حدد الزهد شرطاً شدد عليه وحدده على أنه “تحويل القلب البشري إلى المجال السماوي” [19]. هذه النظرة للمؤسسة الرهبانية والحياة المسيحية طورها لاحقاً أخو باسيل الروحي والفعلي، أي القديس غريغوريوس النيصّي، في كتاباته الجميلة الروحية الهدوئية

الرهبنة الأرثوذكسية: نصيب مريم الصالح (لوقا 42:10)

من بداياتها، كانت الرهبنة الأرثوذكسية هدوئية. الرهبان الأولون، في عيشهم بعيداً عن العالم وممارستهم الصلاة المستمرة كانوا بالجوهر هدوئيين [20]. لقد أحسّوا بأن عليهم اللجوء إلى السكون “لكي يتحدّثوا إلى الله بوضوح” [21]. هذا كان ما زال مطلباً بديهياً لكل مؤمن حقيقي. وهكذا يكون السكون صفة أساسية لهيئة الكنيسة. إنه نصيب مريم الصالح الذي ثبّته المسيح بشخصه والذي يشدد عليه كل التقليد الأرثوذكسي ويمدحه. إنه يفسّر أيضاً الإلفة الموجودة دائماً بين جسم الكنيسة الأرثوذكسية بأكمله والتقليد النسكي، كما تظهر في الفيلوكاليا ونصوص القديسين إسحق السرياني وأفرام السرياني ويوحنا السلمي ونيقوديموس الأثوسي وغيرهم

بالنسبة لكل المسيحيين، السكون هو طريقة للنسك وأسلوب حياة. على منوال الأخلاق، حياة المؤمنة الروحية لا تُوصَف بشكل مضخّم ولا بشكل مجتزأ، بل هي تنفرد بشكل ديناميكي من خلال التخلي عن الذات للمشيئة الإلهية. في الرهبنة، يتحقق هذا بالطاعة. بعبور مرحلة التطهر من الأهواء والالتزام بالوصايا، يحقق الرهبان تنقية العقل والقلب من خلال الطاعة. بهذه الطريقة، هم يختبرون السكون كحالة سكون للعقل أو القلب. إنهم يختبرونها كحالة اتحاد بين العقل والقلب أو كتأمّل بإنسان القلب المختبئ [22]، حيث يصير ممكناً رؤية انعكاس حقيقة الله. هنا لا يعود السكون نسكياً بل فوق كل شيء مواهبياً. إنه حالة من طهارة النفس فيها يتحرر الناس من كل تشوش وفوضى داخليين، إلى نقطة يتخطون فيها ذواتهم ويستسلمون إلى معاينة الله. في حالة السكون هذه يصير الناس شفافين أمام الله، معروفين منه، لأنه يريدهم وهم يعرفون الله لأنهم ملتزمون بإرادته. لهذا السبب، كما يكتب الشيخ (القديس) صوفروني أن لا نسك في هذه الحياة المواهبية الأصيلة [23]. في هذه الحياة، يكون قد تمّ تخطي الأهواء التي النسك هو سلاح ضروري ضدها

في حقل اللاهوت الأكاديمي، أحياناً يُثار السؤال: “ما الأساس الكتابي للهدوئية، ما الهدف الذي تخدمه وإلى أي وصية يستند، فيما كما هو معروف جيداً، كل وصايا الإنجيل تُختَصَر بوصية المحبة المزدوجة؟”ـ

بالطبع هناك مادة في هذه الأسئلة، لكن في الوقت نفسه تبقى بلا إجابة من اللاهوت الأكاديمي. هناك بالطبع سند كتابي للسكون الهدوئي في نص من المزامير: “كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ” [24]. هذا قد تمّ فهمه بمعنى عملي من دون أي استفاضة أو تعمّق بالمعنى. على الأقل هذا ما فهمه الإنسانويون البيزنطيون المعاصرون للقديس سمعان اللاهوتي الحديث. هناك أيضاً أمثلة عملية من الكتاب المقدس مع النبي إيليا على جبل الكرمل، يوحنا المعمدان في الصحراء، ويسوع نفسه الذي انسحب ليصلّي في سكون الصحراء [26]. لكن حتى هذه ليست كافية لتبرير الهدوئية. كثيرون يؤمنون بأن السكون يفوق على العمل. ما ليس مفهوماً بشكل صحيح هو أن من دون السكون يتقوّض العمل نفسه. من دون السكون، كل خلاص الجنس البشري يكون منقوصاً لأننا لسنا “مخلَّصين” بل ما زلنا مهشّمين

بشكل عام، لا يجد كلا اللاهوت التنزيهي واللاهوت العقائدي (الإيجابي) أيَّ تبرير للسكون والهدوئية. يجب السعي إلى الإجابة على سؤال اللاهوت الأكاديمي في نوع من اللاهوت السامي غير المعروف في نطاق خبرة الكنيسة. يمكننا أن نجد جواباً على هذا السؤال فقط حيث يمكن أن نختبر ونثبّت العلاقة الأساسية بين السكون واختبار ماهيّة المسيحية، خاصةً تطبيق وصية المحبة المزدوجة. هناك، تتقدّم خبرة السكون والهدوئية كحقل لتأسيس اللاهوت المسيحي في اللاهوت السامي

الهدف الأساسي للاهوت هو معرفة الله

إذا كان الهدف الأساسي للاهوت هو معرفة الله وإذا كان هذا يتمّ كنتيجة لشركة المحبة بين الله والناس، الهدوئية والسكون، كوسيلة عملية لمعرفة الله وكثمرة لها، فهذا يثبّت أصالة هذه المعرفة بحسب اللاهوت السامي، أي اختبارياً ووجودياً. إن عمق العقائد لا يُقاس، بحسب معلّم الهدوئية القديس يوحنا السلمي. إن عقل الهدوئي قادر على اختبار هذه الأمور من دون أي خطر. تبقى كل مقاربة لهذه الأمور لا يسبقها التحرر من الأهواء محفوفة بالمخاطر [27]

هذا الخطر أشار إليه أيضاً القديس غريغوريوس اللاهوتي [28]. اللاهوت يفترض مسبقاً الطهارة في العلاقة والشركة مع أقنوم كلمة الله. هذا يوضحه القديس يوحنا السلمي بكلامه عن عدم تطهر الحواس واتحادها بالله “الحوار مع الله هو أمر خطِر”. كلّ مَن ينطق باللاهوت في حالة كهذه “ينطق بتخميناته” [29]. إن أحد مقتضيات اللاهوت، وهو أيضاً حالة أصيلة، هو السكون مع الطهارة: “فليتمم عمل اللاهوتي المتدرّج في الطهارة” [30]. واللاهوت كحالة يتمّ اختباره في سكون الفكر وسكون القلب. يكتب الرسول بولس أن الناس الروحيين يحكمون في كل شيء ولا يحكم فيهم أحد [31]. يمنح سكون الفكر صفاءً لعقل الناسك ويسمح له بالتآلف مع المسيح. مع هذه الموهبة، التي تعمل دوماً ضمن جسد المسيح أي الكنيسة، يشهد اللاهوت الاختباري على حقيقة الروح القدس السامية بالرغم من أنه يستعمل دوماً الخطاب البشري المناسب

من المميز بشكل خاص أن القديس سمعان اللاهوتي الحديث في عظته عن السكون يحدّ نفسه بشكل شبه حصري في الحديث عن خبرة أشخاص تخلّوا عن العالم واهتماماته وكرّسوا أنفسهم للمسيح ومواهبه. وهكذا، هو يشير إلى الزانية التي غسلت قدمي المسيح بدموعها، مركزاّ بشكل كامل على ذلك القادر على غفران خطاياها. إنه يستذكر حالة التلاميذ الثلاثة الذين صعدوا مع المسيح على طور ثابور واختبروا عجب تجليه، وانذهال التلاميذ الذين كانوا مختبئين في غرفة “خوفاً من اليهود” عندما رأوا معلمهم القائم من الموت، وما إليه

يقول القديس أنه ليس على النساك أن يأخذوا هذه الأمثلة كمجرد روايات، بل عليهم أن يروها تتحقق فيهم. إن لم يتحقق ذلك وابتعد النساك عن الوصايا وتوقفوا عن ممارسة الأعمال الجسدية فيما هم يجهلون كيف يعملون روحياً فهم يفشلون في كلا الحقلين ويخطأون. إن الذين يعرفون العمل الروحي جيداً لا تمنعهم معرفتهم عن إتمام الوصايا عملياً من خلال الجهد الجسدي. بالواقع، قد يجدونه أكثر سهولة. لكن إذا توقف الناس الذين تكرّسوا للجهد النسكي عن ممارسته فهم يصيرون عاجزين عن العمل الروحي [32]. يطبّق القديس غريغوريوس بالاماس التمييز بين معرفتي الله العقلية والتجريبية باستعمال عبارتي “لاهوت” و”معاينة”. يقول القديس أن اللاهوت بعيد عن معاينة الله، التي تتحقق في النور، بُعدَ معرفة الشيء عن اقتنائه: “الكلام عن الله ليس نفس الأمر كالشركة معه”. يحتاج اللاهوت للكلام المنطوق، وحتّى لفن الكلام، كما لاستعمال الحجج المنطقية والبراهين، لتمرير المعرفة إلى الآخرين. هذا يمكن أن يعمله أناس أصحاب حكمة دنيوية حتى ولو لم يكونوا أنقياء روحياً. لكن لكي يكتسب الناس الله ويتآلفوا مع نوره الفائق الطهارة، بقدر ما تستطيع الطبيعة البشرية، فهذا يستحيل تحقيقه من دون خروجهم من ذواتهم أو تخطيها. وهذا يتطلب مسبقاً التطهر الذي يأتي عِبر ممارسة الفضائل [33]

هذه الصفة الوجدانية لمعرفة الله (بمعنى تخطي الذات دون أن تعني نوبة عاطفية) تنسجم بشكل كامل مع الطبيعة النسكية للنظرة المسيحية إلى الشخص البشري. لا يحقق الناس إمكانيتهم إلا إذا تخطوا ما هم عليه. نحن لم نُخلَق من الله لنبقى كما نحن. نحن مخلوقون بشراً لكي نصير آلهة بالنعمة. إن شبه الله هو المتغيّر الوجداني الممنوح لنا منذ أن تكوّنت طبيعتنا، لكمالنا كأشخاص وتحقيق هدف وجودنا

عمل اللاهوت الأكاديمي مهم عندما يخدم الكنيسة بتواضع

إن إمكانية التسامي الوجداني هي من الطبيعة البشرية قلباً وقالباً. الطبيعة البشرية هي تصوير لصورة الله. هذا لا يعني أنها ليست حقيقية. على العكس هذا يعني أنها حقيقية جداً ومتحرّكة بالواقع. لمزيد من الدقة، هذا يعني أنها شخصية؛ وبتعبير آخر، أن حقيقتها ويقينها يكمنان في العلاقة المباشرة مع النموذج الأعلى المطلَق، الذي يتجاوز نسبيتها. إنها مرتبطة بالكائن الحقيقي الذي تصوّره

البشر لا متناهون وزهيدون في آن معاً. نحن لامتناهون عندما نبقى أنقياء ونعكس في داخلنا الكائن الحقيقي أي الله. الله لا متناهٍ بالطبيعة ونحن صورته لا متناهون بالنعمة. ولكن عندما نتلطخ، أي نُظلِم، لا نعود نساوي شيئاً. نكون ظلاميين بشكل مطلق وزهيدين لأننا نجعل النموذج الذي فينا باهتاً ونخدشه، وهو المطلَق واللامتناهي

كتب القديس إغناطيوس المتوشّح بالله: “اللاهوت الهدوئي يسمَع سكونَ الله. إنه يتابع عمل مريم التي جلست عند قدمي يسوع وأنصتت إلى تعليمه” [35]. هناك ايضاً لاهوت أكاديمي يعمل عمل أختها مرثا، التي كانت مغمورة بالتهيئة لعشاء المسيح [36]. من دون عمل مرثا الدؤوب، ما كان العشاء ليتهيأ. كمثل مريم، مارثا أحبّت المسيح. لقد امتدح المسيح موقف مريم، لكنه قال أن النصيب الصالح لن يؤخذ منها [37]

لطالما كان اللاهوت الأكاديمي موجّهاً نحو العالم ومُرهقاً بخدمة كثيرة [38]. إنه يربط اللاهوت بفقه اللغة والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وكل ما يعتبره نافعاً كعلمٍ. إنه يعمل دائماً باهتمام دنيوي عظيم للتهيئة لعشاء الكنيسة وأحياناً بالفعل مثل مارثا يعبّر عن الهلع من أولئك الذين تبنّوا موقف مريم، متناسين مديح المسيح لها. ولكن مع أنه يعمل عمل مرثا، غالباً ما يسرق من حصة مريم. وهذا يخلق ظروفاً خطرة على الكنيسة والمؤمنين

عمل اللاهوت الأكاديمي نافع ومهمّ عندما يخدم بتواضع، مفتّشاً ومظهِراً حياة الكنيسة وتقليدها. لكنه يصير أقل أماناً، وحتّى خطيراً، عندما يذعِن للزهو والتلوّن البشريَين. إن تحويل اللاهوت غير التجريبي إلى شكل خطير من أشكال الكلام الفارغ هو أمر ذو أهمية كبرى. يشير القديس سمعان اللاهوتي الحديث إلى أن الكلام البطّال ليس كلاماً غير نافع وحسب، كما قد يفترض البعض، بل هو كلام تمّت صياغته من دون وعي مستند إلى التجربة لما يُقال. مثلاً، عندما يعلّم البعض مقتَ المجد العالمي فيما هم أنفسهم لا يزدرونه كمسبب للضرر وسبباً لخسارة “المجد الذي من فوق” يكونون ناطقين عبثاً وكاذبين [39]

يقوم اللاهوت الأكاديمي على المعرفة. وهو يكون على حق عندما يقوم على معرفة صحيحة. اللاهوت الاختباري لا يقوم على المعرفة بل أساسه هو النور. المعرفة ليست نوراً، بينما النور هو معرفة [40]. يكون اللاهوت الأكاديمي مؤسَّساً بشكل صحيح عندما يتأسس في معرفة النور. هذا الأساس يُغني اللاهوت الأكاديمي. واللاهوتيون الأكاديميون ملزَمون بمهمة إغناء فكرهم ولاهوتهم بلاهوت النور الذي يتضمّن بعض اشكال الاحتكاك مع اللاهوت التجريبي، وبعض أنواع ممارسة إخلاء الذات والطاعة لكي يكون لاهوتهم مثمراً. من دون هذه المستَلزَمة، يصير اللاهوت الأكاديمي كلاماً فارغاً لا بل كلاماً كاذباً. بحسب القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي “ما من شيء اكثر فقراً من فكر يتأمّل بالله من دون الله” [41]. في النهاية، في الإشارة إلى طبيعة اللاهوت السردية، يكتب الشيخ (القديس) صوفروني أن اللاهوت الحقيقي ليس نتاج العقل البشري ولا نتاج الدراسات النقدية بل هو إعلان يتعلّق بالكائن الأسمى يدخل الناس فيه من خلال عمل الروح القدس [42]. لهذا السبب، المقاربة الحقيقية لتعليم الكنيسة العقائدي تكون من خلال “ضد العقائد (anti-dogmatics)” أي من خلال الخبرة الشخصية

يمكن تحديد اتجاهَين ضمن اللاهوت الأكاديمي: المحافِظ والتقدمي. اللاهوتيون المحافِظون، برعونتهم وعقمهم، يتكلّمون من دون أن يكونوا ما يصفون. إنهم عاجزون عن تشجيع أو إعاقة أي تحرّك نحو نار السكون الإلهية. اللاهوتيون التقدميون بمخيلتهم الجَسورة واستبصارهم يحاولون أن يكونوا دوماً على توافق إبداعي مع المجتمع الدهري. لكن، بهذه الطريقة، لا يُحافَظ على اللاهوت الحقيقي ولا يتمّ أي تقدّم. إن محور المحافَظَة الحقيقية والتقدمية الحقيقية في اللاهوت الحقيقي تبقى دائماً نار السكون الذي يكتفي بموقف مريم. إن حامل شعلة النار هذه هو الهدوئية الأرثوذكسية التي حُفِظَت عبر السنين ويمكن تحسسها تجريبياً في كلٍ من مراحل التجديد في الكنيسة الأرثوذكسية. ولهذا تبقى الهدوئية المصدر الأمين لكل تجديد في الكنيسة الأرثوذكسية

+الهمود (inaction – αργία)

[1] See Gregory the Theologian, Λόγος εις εαυτόν 26,7, PG 35,1237B.

[2] See Symeon the New Theologian, Ηθικά 15,1, ed. J. Darrouzès, Syméon le Nouveau Théologien, Traités Théologiques et Éthiques, Sources Chrétiennes, vol. 129, Paris 1967, p. 444.

[3] ibid. pp. 454-6.

[4] Ignatios of Antioch Προς Εφεσίους 15, 2.

[5] Dismissal Hymn of Our Lady the Consolation.

[6] Jn. 14, 21.

[7] John the Sinaïte, Ladder 2,14, PG 88, 657Α.

[8] Basil the Great Επιστολή 2, 2, PG 32, 228A

[9] Ps. 45, 11

[10] Symeon the New Theologian, op. cit. p. 454.

[11] ibid. p. 452.

[12] Gregory the Theologian, Έπη ηθικά 33, PG 37, 928A.

[13] See idem, Απολογητικός της εις Πόντον φυγής 6, PG 35, 413Β.

[14] Basil the Great, Όροι κατά πλάτος 5,1, PG 31, 920Β.

[15] Deut. 15, 9.

[16] Basil the Great, Ομιλία εις το «πρόσεχε σεαυτώ» 2, PG 31, 201Α.

[17] idem, Επιστολή Αμφιλοχίω Επισκόπω 233,1, PG 32, 865D.

[18] idem, Όροι κατά πλάτος 7,1-2, PG 31, 929A- 932A.

[19] ibid. 7,3, PG 31,940CD.

[20] See John Meyendorff, «Ησυχασμός», Θρησκευτική και Ηθική Εγκυκλοπαιδεία, vol. 6, Athens 1965, col. 83.

[21] See Gregory the Theologian, Λόγος εις εαυτόν 26,7, PG 35, 1237Α.

[22] See I Peter, 3, 4.

[23] Archimandrite Sophrony (Sakharov), We shall see Him as He is, Stavropegic Monastery of Saint John the Baptist, Essex 1988.

[24] Ps. 45, 11.

[25] See Symeon the New Theologian, op. cit. 15,135-138, p. 454.

[26] See Matth. 4, 1; 14, 13. Mk. 1, 12-13; 1, 35. Lk. 4, 1; 5, 16.

[27] See John the Sinaïte, op. cit., 27, 9, PG 88,1097C.

[28] See Gregory the Theologian Λόγος 27 (Θεολογικός 1) ,7, PG 36,13D.

[29] See John the Sinaïte, op. cit., 30,12-13, PG 88,1157C.

[30] ibid.

[31] See I Cor. 2, 15.

[32] See Symeon the New Theologian, op. cit., 15, 94 ff., and p. 450 ff.

[33] See Gregory Palamas Υπέρ των ιερώς ησυχαζόντων 1, 3, 42, ed. P. Christou, Γρηγορίου του Παλαμά, Συγγράμματα, vol. 1, Thessaloniki 1962, p.453.

[34] Ignatios of Antioch, op. cit. 15, 2.

[35] See Lk. 10, 39.

[36] See Lk. 10, 40.

[37] See Archimandrite Sophrony (Sakharov) Building the Temple of God within us and to our Brothers, Stavropegic Monastery of Saint John the Baptist, Essex 2013.

[38] Lk. 10, 40.

[39] See Symeon the New Theologian, op. cit. 1, 461-8, ed. J. Darrouzès, Syméon le Nouveau Théologien, Traités Théologiques et Éthiques, Sources Chrétiennes, vol. 122, Paris 1966, p. 306.

[40] idem. Κατηχήσεις 28, Sources Chrétiennes, vol. 118, p. 146.

[41] Diadokhos of Fotiki, Κεφάλαια γνωστικά 7, ed. J. E. Weis- Liebersdorf, p. 10.

[42] See Archimandrite Sophrony (Sakharov) The Monk of Mount Athos.

* أستاذ شرف في مدرسة اللاهوت في جامعة أريستو في تسالونيكي ـ

التلقيح وفيروس التضليل

التلقيح وفيروس التضليل

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

نقلته إلى العربية الخورية جولي عطية عيسى

يوم الخميس في 14 أيار 2020، عُقد اجتماعٌ تثقيفيّ للإكليركيّين والعلمانيّين في مطرانيّة نافباكتوس وآيو فلاسيو، تزامنًا مع فتح الكنائس من أجل مشاركة المؤمنين في الأسرار المقدّسة، بعد أن كانت مغلقةً أمامهم بسبب أزمة فيروس كورونا. وجرى الاجتماع في كنيسة القدّيسة باراسكيفي في نافباكتوس برئاسة صاحب السيادة المتروبوليت يروثيوس الذي كان مؤّخرًا الناطق الرسميّ حول هذه الشؤون في كنيسة اليونان. وبعد النقاش، طُرح عليه السؤال التالي الذي تليه إجابته عليه:ـ

ما العلاقة بين اللقاح والشريحة الأسطوريّة؟

هذا “فيروس” آخر ظهر مؤخّرًا، ألا وهو “فيروس التضليل”

عندما كنّا صغارًا، كنّا نأخذ اللقاح كلّ عام، وكان يفيد صحّتنا جدًّا. من أجل أن يستخدم الناس الأدوية واللقاحات، تخضع هذه إلى عمليّةٍ علميّةٍ ضروريّةٍ تأخذ وقتًا كبيرًا

إنّ عمليّة تطوير طريقةٍ تشخيصيّةٍ جديدة، أو دواءٍ جديد، أو لقاحٍ جديد، هي عمليّةٌ شاقّةٌ تتمّ على مدى سنواتٍ عديدة، وهي مكلفة. تمرّ عادةً بمرحلة البحث الأساسيّ، ثمّ الاختبار على الحيوانات والبشر، ثمّ تأتي مرحلة التجارب السريريّة. وهذا يتطلّب تمويلاً متواصلاً للباحثين وشركات الأبحاث، إلى أن يوُافق على المنتج ويُطرح في السوق من قبل الشركة التي أنتجته

إذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، لا يمكنني أن أفهم كيف أنّهم، خلال هذه العمليّة وخلال إنتاج الملايين من اللقاحات، سيزرعون شريحةً، ولماذا لا يستطيعون فعل ذلك بأدويةٍ أخرى نستعملها وبلقاحاتٍ أخذناها وما زلنا نأخذها كلّ سنة. هذه المعلومات هي ذات طبيعة تآمريّة، ومن الضروريّ ألاّ نتصرّف من أنفسنا بل أن نطيع المجمع المقدّس

الأمراض النفسجسمية

* الأمراض النفسجسمية

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

لقد سبق أن حددنا الفرق بين علم اللاهوت الأرثوذكسي، والعلاج النفسي وعلم النفس والتحليل النفسي الإنسانيين أو المتمحورَين حول الإنسان. هنا، لكي نكمل هذا الجزء من الكتاب، سوف نناقش أربعة أنواع من الأمراض النفسجسمية

يجب علينا أن نلاحظ أن مصطلح “الأمراض النفسجسمية” لا يستعمل هنا بالمعنى الطبي المعتاد للإشارة إلى أمراض مثل الربو أو القرحة أو حالات القلق، ولكن بالمعنى اللاهوتي لكي نشير إلى الأمراض التي تؤثر على كل من النفس والجسد

الإنسان هو كيان نفسجسماني، فهو مصنوع من نفس وجسد مرتبطين ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً ويؤثّران على بعضهما البعض. هذا يعني أن مرض النفس يؤثّر على الجسد أيضاً، ومرض الجسد أيضاً له تأثير على النفس. بالتالي توجد أمراض روحية للنفس، وأمراض نفسية عاطفية، وأمراض عصبية بيولوجية، وأمراض عضوية

قد يوجد أيضاً تفاعل متبادل بين هذه الأمراض ما يتطلب في بعض الأحيان تمييزاً كبيراً وحكمة لاكتشافه، إذ أن أمراض النفس الروحية تعمل على مستوى نفسي وبيولوجي، والأمراض النفسية تؤثر على المرء بطرق مختلفة كثيرة، والأمراض العضوية قد تسبّب مشاكل نفسية بل ومن الممكن أيضاً أن تسبّب مشاكل روحية. هذا ويبقى هناك حالات لا تتأثر فيها الأمراض ببعضها البعض

ما يلي هو تحليل مختصر لهذه الأنواع الأربعة من الأمراض:ـ

تغطي الفئة الأولى أمراض النفس الروحية. عندما استعملت عنوان “الطب النفسي الأرثوذكسي” لكتابي كنت أفكّر بصورة رئيسية بالأمراض التي تشوّه علاقة الإنسان الشخصية مع الله وتسبب الاضطراب في كل كيانه النفسجسماني

بحسب تعليم الآباء القديسين، عندما يظلم نوس الإنسان فإنه لا يستطيع أن يبني علاقة شخصية روحية مع الله ويصير مريضاً بشكل خطير. مَن لم يقتنِ الصلاة العقلية (ما يشير إلى عدم اقتنائه شركة شخصية مع الله) يمكن اعتباره مريضاً روحياً. يشير الأب يوحنا رومانيدس لأمراض النفس الروحية تلك: “كل إنسان هو مريض نفسي بالمعنى الآبائي. ليس بالضرورة أن يكون مصاباً بالفصام لكي يكون مريضاً نفسياً. من وجهة نظر الآباء، تعريف المريض النفسي، هو كل مَن لا تعمل قدرته النوسية بطريقة صحيحة، بمعنى أن نوسه مملوء بالأفكار، لا الأفكار الرديئة وحسب بل والحسنة أيضاً”ـ

يكون نوس الإنسان مريضاً لأنه بعيد عن الله، فيصير إما شيطانياً أو حيوانياً كما يقول القديسان مكسيموس المعترف وغريغوريوس بالاماس. قد لا تظهر هذه الحالة على الجسد ولكن هذا الإنسان يكون مريضاً بنظر الله. في الإنجيل وفي كتابات الآباء عدّة نصوص تصف هذه الحالة… ـ

يكمن جهاد الإنسان في كشف نوسه الغارق بقدرته المنطقية وأهوائه، واكتساب موهبة الصلاة العقلية، والصعود حتى إلى ما هو أعلى حيث الاتحاد بالله ومعاينة النور غير المخلوق. عندئذ يكون قد صار هيكلاً للروح القدس حيث يقيم الله، وقد بلغ الشركة الشخصية مع الله وهذا هو خلاصه

بالتالي، مصطلح المرض في كتابي “الطب النفسي الأرثوذكسي” هو بصورة رئيسية يعني مرض الإنسان الروحي. وغالبية ما كُتب في الكتاب هو، عملياً، طب وقائي. إنه وصف لما ينبغي فعله لتجنّب المرض. فمثلاً، في باب “علم الأمراض الأرثوذكسي” وفي فصل “الأفكار” إشارة إلى شفاء نفس الإنسان. توجد أيضاً مقاطع في الكتاب تصف شفاء النفس، والقلب، والقدرة المنطقية، والنوس، وما إلى ذلك. إنني أصر على موضوع الأفكار لأنني أعتبر أن الأفكار سبب رئيسي للمرض، في حين أن الأفكار الصحيحة تساعد على شفاء النفس

تلعب وصايا المسيح دوراً مهماً في وقاية الناس من المرض، وفي شفائه إن وقع في المرض. تنظّم هذه الوصايا الأجزاء الثلاثة للنفس وتجعلها سليمة. إن وصايا الصوم والسهر والصلاة مهمة، إلا أن مجال وصايا المسيح أوسع كونها تكمن في الاتضاع والتوبة والصبر وما إلى ذلك. يعطي الأطباء الروحيون المجرّبون التعليمات المناسبة. إنهم يعلِّمون ما يجب عمله في كل حالة لبلوغ الخلاص، حيث أن ما يعمل كدواء عند شخص ما قد يكون سماً عند آخر

بخلاف أمراض النفس الروحية توجد أمراض نفسية تؤثر على العالم النفسي للإنسان ما يؤثّر على سلوكه الاجتماعي. يهتمّ علم النفس بهذه الأمور علماً أن لكل مدرسة من مدارس علم النفس طريقة مختلفة بالتعامل مع المشاكل، وتختلف هذه الطرق عن التعليم الأرثوذكسي في عدة جوانب. سبب الأمراض النفسية هو إما أمراض في عالم الإنسان الداخلي، أي في أفكاره وضميره وشعوره بالذنب وانفعالاته، أو التعامل الخاطئ مع المشاكل الأسرية أو الاجتماعية. إلا أن أحد الأسباب قد يكون أيضاً العجز عن التعامل مع الأمراض الجسدية. تضمّ هذه الفئة حالات معاناة الإنسان من سوء المعاملة في طفولته أو مراهقته، ومن صعوبات واجهته في البيئة الاجتماعية والأسرية، كما من مشاكل سببها خبرات أليمة من الماضي، والعديد من الأسباب الأخرى. مهم أيضاً أن نشير إلى أنّ ما يسمّى “علم النفس الجزيئي” يتطور في أيامنا هذه

في السابق، عندما كانت الأسر والمجتمعات منظمة، أي عندما كانت مبادئ الحب والاهتمام بالآخرين ما تزال أكثر فعالية، والأهم من ذلك عندما كانت طريقة الحياة الكنسية أكثر انتشاراً وكانت خبرة التقليد الأرثوذكسي أساس حياة النفس، كانت تُعالَج كل هذه المشاكل النفسية. مع الأسف، نمط الحياة الفردي هو وراء العديد من هذه الحالات النفسية. فبمجرد أن فُقد منهج حياة الشركة الكنسية، صار الناس بدون معونة وصاروا يلجؤون إلى علماء النفس وينضمّ بعضهم إلى جماعات ومجتمعات علاجية مختلفة بهدف الحصول على التعزية والمعونة من مصدر علمي. بتعبير آخر، ما تم تحقيقه في الماضي من خلال التقليد ككل، يسعى الباحثون في هذه الأمور إلى تحقيقه الآن

عندما يرغب الشخص في أن يعيش كنسياً في مجتمع كنسي منظم (رعية أو دير) فهو يسلك بحسب المتطلبات الكنسية الصحيحة، وعندما يقبل الإرشاد من أب روحي، يمكن أن يحصل على المساعدة بصورة ملائمة لكي يواجه هذه الصراعات الداخلية ولكي يحوّل حالات القلق إلى اهتمام روحي، ما لم تكن قد أثرت على جسده حيث يصير بحاجة أيضاً إلى المساعدة الطبية. في كل الأحوال، تقليد الكنيسة اليقظ، الذي يعلّم عن التعامل مع الأفكار وشفاء الأهواء وتحقيق الاعتدال في عالم المشاعر الداخلي، هو يشفي الاضطراب النفسي والعاطفي. الإنسان الذي يعيش حقاً في الكنيسة مع الأسرار والحياة النسكية تحت إرشاد أب روحي، يُشفى من كل هذه الحالات النفسية

أيضاً هناك فئة من الأمراض العصبية البيولوجية والمرتبطة بالبنيان البيولوجي للإنسان والمتعلقة باضطرابات الجهاز العصبي المركزي والطرفي. العديد من الأمراض التي يهتم بها الطب النفسي، كالذُهان والفصام، بات معروفاً أن لها أساس بيولوجي. من أسباب هذه الأمراض الوراثة والعوامل البيئية. هذه الأمراض قد كثُرَت في أيامنا لعدة أسباب ويساهم طب الأعصاب المتطور في علاجها

على المرضى الذين يعانون من هذه الأمراض أن يتبعوا التعليمات الملائمة التي يعطيها لهم أطباء الأعصاب والأطباء النفسيين، إذ يحتاجون لتناول عقاقير محددة لإعادة التوازن لعمليات الكيمياء الحيوية في المخ وسائر الجهاز العصبي. جدير بالذكر هنا أنه كان في الماضي اختصاص يسمى الطب النفس-عصبي إلا أنه تم فصلهما الآن. بالتالي يهتم أطباء الأعصاب بالاضطرابات العصبية كجلطات المخ، التيبس المتعدد، والأمراض الأخرى المرتبطة بالمخ، ويقومون بتحويل المرضى الذين يعانون من الاكتئاب والاضطرابات الأخرى ذات الأساس البيولوجي إلى الأطباء النفسيين أو علماء النفس. في نفس الوقت، ينبغي على هؤلاء المرضى أن يقبلوا أيضاً بتمييز علاج الكنيسة الشافي المتكون من الأسرار والنسك، طالما أن الأمراض العصبية البيولوجية تؤثر أيضاً على المجال الروحي للشخص

أظهرت الخبرة أن بعض هؤلاء المرضى يكفيهم أن يتناولوا العقاقير فيصيروا قادرين على العيش بطريقة متزنة في المجتمع. فهم يحصلون أيضاً على المساعدة لكي لا يصيروا عدوانيين أو مدمرين لذواتهم، وبالتالي يبقون متكاملين داخل المجتمع. إلا أن الاستعمال الخاطئ للأدوية النفسية يغيّر شخصية الإنسان. لذا هو يحتاج للمساعدة الروحية في نفس الوقت لإعطاء معنى لحياته. لا تعمل الأدوية النفسية على كل جوانب الإنسان لأنه ليس آلة بيولوجية بل له نفس أيضاً. مع ذلك، عندما يعيش المرضى بهذه الحالات داخل الكنيسة، بالتوازي مع علاج علم الطب، ويتبعون أيضاً طرق العلاج الكنسية، فإنهم يحصلون على فائدة كبيرة

أغلب الأمراض تكون بدنية إذ تمرض الأجزاء والأعضاء المختلفة للجسم البشري. من الممكن أن تؤثر هذه الأمراض على الإنسان على المستوى النفسي والروحي، وكنتيجة لذلك قد يفقد إيمانه في الله، ويحبَط، ويدمر علاقته مع الآخرين. يواجه الآخرون الذين يؤمنون بالله هذه الأمراض البدنية بطريقة إيجابية

بحسب آباء الكنيسة، عندما يكون الشخص مريضاً بدنياً ويسبح الله تكون هذه علامة على صحته الروحية. يؤكد الآباء النساك على جوانب عديدة من هذا الموضوع. بحسب القديس ذياذوخوس الذي من فوتيكي، يكون الصبر في التجارب والشكر على البلايا شكلاً ثانياً للاستشهاد. عندئذ يحسب الله المرض كاستشهاد ويتلقى الشخص المريض إكليل الشهادة بحسب كلمات المسيح: “من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى 22:10)

عادة يسمح الله بالمرض البدني من أجل تطهيرنا الروحي. يذكر القديس يوحنا السلمي أنه توجد أمراض تطهرنا من خطايانا، وأمراض تعطي الاتضاع لأذهاننا. أصحاب التمييز هم فقط الذين يستطيعون إعطاء التشخيص الصحيح. من أجل هذا يوصينا القديس يوحنا السلمي ألا نحاول تمييز السبب في مرض شخص ما لأننا قد نخطئ وننتقده ونعطي حكماً خاطئاً. إننا نقبل المرض بصبر وتمجيد لله

إننا نعلم أن الأمراض الجسدية لها خاصية مطهرة. يؤكد القديس إسحق السرياني على أن الصبر في تجارب الحياة يولد الصحة الروحية، والصحة الروحية تجلب معرفة الله، ومعرفة الله تخلق محبته، وتكون محبة الله تلك أقوى من الحياة. للصبر قيمة كبيرة، ولكن هكذا تكون الطاعة أيضاً لتدبير الله

متى كانت حياة الشخص ذات معنى وروحه سليمة، فإنه لا ينهار نفسياً حتى لو مرض جسده لأسباب عديدة. عندما تكون إرادة الله أن نعاني من مرض لوقت طويل، فإننا نصبح من خلال صبرنا وشكرنا لله شهداء ونتلقى أكاليل الشهادة. في الواقع من الممكن أن نتلقى حتى أكاليل أعظم من أكاليل الشهداء لأنهم عانوا من العديد من العذابات لوقت قصير في حين نعاني نحن على مدار حياتنا كلها. على كل حال من الضروري أن نقتني الصبر وشكر الله

لقد تناولنا باختصار الأنواع الأربعة للأمراض: الأمراض الروحية للنفس، والأمراض النفسية، والأمراض العصبية بيولوجية، والأمراض البدنية. كما قلنا من قبل، يوجد تفاعل متبادل واضح بينها، لكن من الممكن أيضاً أن تعمل تلك الأمراض بطريقة منفصلة عن بعضها البعض. يعتمد ذلك على النضج الروحي للشخص. قد يكون الشخص مريضاً روحياً حيث يكون النوس مصاباً ومظلماً، ومع ذلك يكون سليماً بدنياً. إنه من الممكن حتى أن يكون شخص ما مريضاً على المستوى البدني والنفسي والعصبي بيولوجي بينما يعمل النوس الخاص به بشكل سليم، وفي هذه الحالة يكون سليماً من الوجهة الروحية. يعتمد الأمر على الطريقة التي يعيش بها، وعلى علاقته بالله والآخرين، وعلى درجة حياته الكنسية

الأمر الأكثر أهمية هو الصحة الروحية. لا ينبغي على الأمراض البدنية والنفسية والعصبية بيولوجية أن تزعجنا مثل أمراض الروح، لأنه من الممكن، كما قلنا من قبل، أن يمرض الجسد بينما تبقى الروح سليمة. لقد قال لي أحد المرضى في إحدى المرات: “إنني غير مهتم بألم جسدي. ما يزعجني ويحزنني هو نقص صحتي الروحية فأنا لا أتعامل مع الأمور بطريقة سليمة. أنا قلق من الداخل وليس لي شركة مع الله”. أخبرني أيضاً شخص آخر: “أشعر بمحبة نحو الله ولا يزعجني المرض الجسدي”. يكون لدى الشخص صاحب الصحة الروحية السليمة أفكاراً جيدة، ويتعامل مع كل المشاكل بطريقة صحيحة، ويطيع الله وآباءه الروحيين ولا يغلبه اليأس على الرغم من شعوره أنه خاطئ

ينبغي أن يحصل المرضى بأمراض نفسية وعصبية بيولوجية على معونة روحية من أب روحي جيد معتاد على المنهج الهدوئي الذي للكنيسة الأرثوذكسية، وعلى مساعدة طبية من طبيب جيد، سواء طبيب أمراض نفسية أو طبيب أمراض عصبية بحسب الظروف، يقدم المساعدة بالأدوية النفسية أو يقوم أيضاً بتحويلهم إلى الأخصائي النفسي عند الضرورة. ينبغي في حالة كل من الأب الروحي والمتخصص الطبي، قبل كل شيء وقبل كل خبرة شخصية واستنتاجات علمية، طلب معونة الله من أجل تشخيص سليم للمرض وتعامل سليم مع المريض. بهذه الطريقة يكون التعاون الجيد بين الآباء الروحيين والأطباء أكثر فاعلية

(Psychsomatic)

الأمراض النفسجسمية هي المتعلقة بتفاعل العقل والجسد، وهي غالباً أمراض جسدية سببها أو سبب تفاقمها يكون عاملاً نفسياً، أو العكس أي حالات نفسية سببها جسدي

“من كتاب “علم الطب الروحي”**

الكورونا افتقاد من الله

الكورونا افتقاد من الله

المطران ثيودوسي (سنيغيريف)*

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

سؤال: تطغى أخبار الجائحة على كل ما عداها. وقد علمنا مؤخراً عن إصابة رهبان لافرا كييف وعن المطران يونان، وكيل رئيس الأساقفة، الذي تلقى العلاج في مستشفى ألكسندروف في كييف. بالإضافة إلى أخبار مشابهة من مختلف الأبرشيات في أوكرانيا. كيف يفهم المؤمنون هذه الأخبار وكيف تقرؤونها؟

جواب: قد يُفاجأ بعض القرّاء من جوابي. لكن إصابة المطران يونان ورهبان اللافرا افتقاد من الله للكثير من المؤمنين أتت في الوقت المناسب. كلنا مهتمون بصحتهم وشفائهم. لقد تمّ فحصهم في الوقت المناسب وهم يتلقّون العلاج المناسب. لكن لا يمكننا إخفاء المنفعة الروحية التي يمنحها الله من الأسى المرافق. ماذا جرى؟ خفتت أصوات الوعّاظ المفرطين بالغيرة و”المتقدسين” الذين لم يأبهوا لشيء، ولم يكن يعيدهم إلى عقلهم لا طلب البطريرك ولا حتّى الوقائع التاريخية عن اندثار أديار أرثوذكسية بأكملها خلال جوائح العصور الوسطى، ولا حتى الخبر الأخير عن وفاة الأسقف الصربي ميلوتين (كنيزيفيتش)

الآن هدؤوا قليلاً. أنظر إلى كهنة أعرفهم تلوثوا بهذه الأفكار المتطرفة، لكنهم الآن يقولون: “سيدنا بدأنا نفهم”. لكنهم قبل ذلك، أساؤوا إلى رؤسائهم وتمتموا على أساقفتهم بأنهم “قليلو الإيمان”. لكن تدبير الله اختار لمهمة غرس الحكمة الأكثر استحقاقاً بين إكليريكيينا وأكثرهم سلطة روحية: سيدنا يونان وإخوته في دير كهوف كييف. فليمنحهم الرب القوة والثبات والشفاء العاجل

سؤال: لكن هل هناك سبب روحي لهذه الجائحة العالمية، أو كل ما يجري هو عادي؟

جواب: بالطبع هناك سبب روحي لكل ما يحدث لكنه متشعب ولكل جزء من المجتمع وجهته. لا يمكننا إنكار أن الوباء ونتائجه نافعة جداً لبعض القوى العالمية، وهذا يعني أنه لا يمكننا حذف إمكانية أن هذه القوى كانت وراءها وهي تتداول بها. لكن علينا أن نذكر بأن في الوقت نفسه، ما كان الله ليسمح بتطور هذا الوباء وبلوغه ما بلغه لو لم يكن يقصد بعض المعنى العقابي التربوي. لمَن هو هذا العقاب والتعليم؟ بشكل عام، للبشر في كل العالم، وبشكل خاص للكنيسة الأورثوذكسية في كل العالم

سؤال: أرجو أن تشرحوا ببعض التفصيل

جواب: وصل العالم الحديث إلى بداية القرن الحادي والعشرين بتناقضات داخلية عميقة. التناقض الأساسي هو بين صوت الله، ومنه ضمير الإنسان، وقوانين الإنسانوية التي بلغت في الغرب حدّ التفاهة حتّى أن غالباً ما صار يسمّى الأبيض أسوداً والأسود أبيضاً، وبشكل عام امتزجت الألوان. في الطب، هذا يسمّى عمى ألوان. في الوقت نفسه، الأجيال الأكبر ما زالت تذكر الأسماء الصحيحة للألوان. هذا هو الصَدَع الروحي العميق في المجتمع المعاصر. يمكننا أن نتصوّر أن الجنس البشري كان في حالة روحية أخلاقية مشابهة قبل الطوفان. جائحة الكورونا هي مثل طوفان مُصَغّر، سوف تقتل البعض وتحفظ الآخرين، لكنها سوف تهزّ إيمان البشر بحصانة الإنسانوية، وهذا يعني أيضاً الخطيئة التي صارت قاعدة. بشكل عام، هذا سوف يؤدّي بالشعب العادي إلى إعادة تقييم مؤقتة لمسلّمات حياة الخطيئة التي صاروا معتادين على عيشها في العقود الأخيرة.

سؤال: وبالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية ما معنى أن الله سمح بحدوث هذه الجائحة؟

جواب: بالنسبة للأرثوذكسية ككل، ينبغي تقسيم السؤال على مكونين. المكون الأول هو… الذين بأيديهم وضعوا الأرثوذكسية في العالم على شفير الانشقاق… فهذا افتقاد إلهي، وخلاص من الله. وليس مفاجئاً أبداً أن العالم الدهري… الذي كانوا مؤخراً يريدون إرضاءه على حساب الوحدة الأرثوذكسية… يدير وجهه عنهم عندما يطلبون إذنه ليقيموا القداس بأي شكل وفي أي مكان. هذا درس جيد. وفي الوقت عينه نتعاطف مع رؤساء الكهنة الذين بقوا مخلصين للروح الآبائية في القوانين الأرثوذكسية. ربما هم يفهمون بشكل جيد الأسباب الروحية للأحداث الحالية ونتائجها الممكنة. فليعطِنا الرب أن يكون هذا الوضع بداية حسنة لإعادة التفكير بالأسباب التي أوصلت الأرثوذكسية إلى حافة الانشقاق

المكوّن الثاني يتعلّق بغالبية العالم الأرثوذكسي: معنى هذه التجربة؛ النتائج التي ينبغي استنتاجها مما يجري؛ ماذا يتوقع الرب منا؟ قد يكون الاستنتاج الأساسي هو أننا ظهرنا كلياً غير جاهزين لهذا النوع من التحديات المعاصرة. نحن فعلياً بحاجة إلى إعادة التفكير بأشكال الحياة الخارجية في الكنيسة الأرثوذكسية تحت الظروف القهرية.

سؤال: وماذا ترى في البث المباشر للخدَم؟ بظل كل ما يجري، الكثيرون يطرحون سؤال: أمن الممكن أن يكون هناك حياة روحية من دون كنائس؟

جواب: لقد تفعّلت نقاشات لاهوتية في الكنيسة حول موضوع إمكانية العيش من دون كنائس. سوف أقول أنه قد يأتي وقت حين، سواء أردنا أو لا، سوف نعيش من دون كنائس، كما عاش المسيحيون من دونها في القرون الثلاثة الأولى. فليحفظنا الرب من العيش إلى ذلك الوقت. لكن مهمتنا الآن، بالنسبة للأرثوذكسيين المعاصرين، هي التفكير بشكل حياة في الكنيسة تحت أي ظروف وإنتاج هذا الشكل، حتى إن أخذوا كنائسنا منا. بالنهاية، هذا قد يحدث عاجلاً أو آجلاً

من الممكن العيش والخلاص من دون كنائس فخمة. ولكن يستحيل العيش والخلاص من دون نعمة الأسرار . كل قيمة الكنيسة الأرثوذكسية هي أن هنا نعمة الأسرار تُسكَب في حياة الإنسان. لكن يمكن أيضاً إقامة الأسرار خارج جدران الكنيسة. يمكن أن تقف كنيسة من دون أسرار تُقام فيها، من دون دم، خالية من معناها وغايتها، كمثل الأيا صوفيا في اسطنبول. المعنى هو أن خلاص الإنسان ليس في بناء الكنيسة، بل في أسرارها. قد يأتي وقت لن تكون لنا كنائسنا، فلنقرأ بصدق وذكاء كلمات الرؤيا. ماذا عندها؟ أتتوقف الحياة الروحية؟ أتتوقف إقامة الأسرار؟ بالطبع لا. ومهمتنا هي أن نفكر بكيف سوف نعيش في ظل تلك الظروف. لقد دفعتنا هذه الجائحة العالمية إلى هذا

لقد وصلت معلومات (في وقت المقابلة) حول الكورونا. كل كنائس أوستراليا الأرثوذكسية سوف تُغلَق لنصف سنة. نصف سنة! ينبغي أن يحرّكنا هذا الأمر إلى المباشرة فوراً وبطريقة منهجية إلى تطوير طرق بديلة لمشاركة المؤمنين في أسرار الكنيسة المملوءة نعمة

سؤال: أتعتقدون أن الكنيسة الأرثوذكسية سوف تسمح في نهاية المطاف بالاعتراف عِبر وسائل الاتصال الحديثة؟ كثيرون يتجادلون حول هذا الأمر حالياً

جواب: أفترض أن هذا بالكلية ممكن. بالإضافة، في ظل الظروف القائمة خلال الجائحة، قد تكون وسائل الاعتراف الوسائل الرئيسية المعروفة. لكن هذا التغيير أو أي تغيير آخر في شكل إقامة سرّ يجب أن يُراجَع ويُبارَك بالفكر المجمعي. لا ينبغي أن يكون هذا قراراً شخصياً من أسقف أو كاهن. بشكل عام، الأسرار أو الطقوس التي تستدعي احتكاكاً شخصياً أو مشاركة في شيء مادي لا يمكن إقامتها عن بعد. وهذا لا ينطبق على الاعتراف، وقد جرى هذا الشواذ عدة مرات في حياة الأرثوذكسيين الروحية خلال القرن العشرين (يقصد هنا تحت الحكم الشيوعي: المترجم)

سؤال: سيدنا، ماذا تقولون عن الاشتراك بالأسرار بالاتصال المباشر (أونلاين)؟

جواب: هذه ممارسة مؤقتة. بالطبع، إنها مشاركة كاملة في الخدَم، لكنها بالرغم من ذلك أفضل من لا شيء. من الممكن أن ملايين الأرثوذكسيين في كل العالم يشكرون الله على هذه الفرصة، أي أن يسمعوا ويروا ويصلّوا مع الكهنة. من خلال الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة لا يمكننا أن نشارك وحسب، يمكن أن نجد عظات وأدب روحي منوِّر وموسيقى كنسية وأفلام أرثوذكسية وغيرها الكثير. ولكن إن باشروا بسَوقِنا (كالماشية) بشكل جدي، فهذه سوف تكون من أوائل الأشياء التي سوف يقطعونها. من ثمّ سوف نتذكّر كم كنا غير مكتفين بالخِدَم المباشرة.. إذا في يوم من الأيام انتقلنا إلى السراديب، كما حدث قبلاً في التاريخ، فسوف نتذكّر الإنترنت بحَنين. علينا أن نقدّر ما لدينا

لقد تكلمنا إلى صحفيين أرثوذكسيين عن كيف في الثلاثين سنة الأخيرة الكثيرون من أبناء رعايانا صاروا مدللين روحياً ومتراخين. لقد صاروا معتادين على أن يكون لديهم كل شيء بوفرة، كنائس عند كل زاوية، مناولة في كل خدمة، أديار، آباء روحيين وما عليك إلا الاختيار، زيارات حج، عظات، زياحات بالصلبان وكل ما تشتهيه النفس… جيل كامل من المدللين روحياً، “أولاد” بالغون ترعرعوا مع شعور بأهميتهم، وحولهم ينبغي أن يتمحور العالم كله، بما فيه العالم الروحي… لكن الآن، ما أن ضغطت الكنيسة قليلاً فبدلاً من أن يمسكوا بأيدي بعضهم برجولة، راحت أجيال الشباب من المؤمنين تدين كهنتها وتهمس ضد رئاسات الكنيسة، متهمة إياهم بمحاباة السلطات وعملياً بخيانة الإيمان. لكن لنتذكّر كيف كان كل شيء قبل ثلاثين سنة، كله كان مختلفاً، كل خدمة، كل اشتراك بالأسرار كان حدثاً مكتملاً يعزّه المؤمن في قلبه لوقت طويل. أخبروني الآن، هل نجد شيوخاً من المؤمنين يجزعون ويتأففون مما يجري؟ بصعوبة نجدهم. فجيل السوفيات من المؤمنين يعرفون تماماً ثمن الروحيات. لا يسمحون لأنفسهم بإدانة رعاتهم، بل على العكس يحاولون دعمهم. اليوم، علينا أن نكون صبورين وحسب. علينا أن نقبل كل شيء كما من يديّ الرب، نحتمل، نستنتج، ونستعد لتجارب المستقبل في الكنيسة، وهي قد تكون أقسى

سؤال: اتعتقدون أن هذا سوف يكون قريباً؟

جواب: أرغب من كل قلبي بأن لا يجري هذا قريباً. أريد أن أصدّق بأن جيلنا لن يحيا إلى التجارب الأخروية. مع أن هذا لا يعرفه إلا الله. في النبوءات التي انتقلت شفوياً من قديسي القرن العشرين المحليين كالقديس لافرندي شارنيكوف وكوشكا أوديسا وأمفيلوخيوس بوكاييف، نقع أحياناً على كلام عن وقت آتٍ حين سوف تتجدد الكنائس وتُستعاد وتُذَهَّب القبب ولكن لن نستطيع دخولها. يقول القديس كوشكا أن علينا أن نحتفظ بخبز التقدمة والماء المقدس لبعض الوقت، ربما لستة أشهر. لقد اعتدنا أن هذه النبوءات تنمو بسرعة مع إضافات وملحقات من الغيورين الذين تنقصهم الحكمة. فهم يقدّمون ما يرِد في رؤوسهم. ومن دون خجل يختلقون ويضيفون إلى كلمات القديسين نزواتهم الشخصية عن “كفر رؤساء الكهنة” و”تتويج ضد المسيح على يد بطريرك أرثوذكسي” وما شابه. وتتحول تخيلاتهم إلى نشرات عن نساك القرن العشرين مع نبوءات صحيحة. ويبدو للكثيرين أن القديسين قالوا هذه الأشياء بالفعل، ولكن الأمر يختلف عن ذلك.

إليك بمثال: أنا تحدثت كثيراً مع الراهبة حاملة الإسكيم الكبير الراقدة فيرا (شميخوفا) وهي ابنة روحية قريبة من القديس كوشكا أوديسا، وقد تربّت عند قدميه. لطالما أخبرتنا وأرَتْنا في كتب ما قال القديس فعلياً في حياته، وما نَسَبَه إليه لاحقاً الأخرويون وما لا يمكن أن يكون قد قاله من حيث المبدأ، وقد تمّ نشره بملايين النسخ. صدّقني هناك فرق جوهري. وهذا ما يجري أيضاً مع الكثيرين من نساك القرن العشرين

سؤال: أيمكنكم أن تخبرونا أكثر وبشكل خاص ما قاله القديسون وما لم يقولوه؟

جواب: سوف أقول بشكل أكثر تخصيصاً ما قاله القديس كوشكا أوديسا. أما ما لم يقله وقد نُسِب إليه فموضوع واسع وحساس وأعتقد أنه يمكننا أن نحكي عنه عندما يحين الوقت. يمكننا أن نفترض الأمر نفسه عن القديس لافرندي شيرنيكوف. برهان غير مباشر على هذا الكلام هو أن في مصادر أدبية مختلفة تَرِد التوقعات نفسها مع تفاصيل مختلفة جذرياً. إذا غربلنا من نبوءات قديسي القرن العشرين كل الابتداعات المعادية للكنيسة، لا يبقى إلا الكلام عن الوقت حين كنائس الله سوف تكون قبابها مذهّبة ولكن يستحيل دخولها، كما قال القديس لافرندي. كما أن القديس كوشكا حذّر مسبقاً بأنه سوف يأتي وقت نحتاج إلى تخزين القربان والأنديذورون والتقدمة والماء المقدس لنصف سنة. سوف تكون الكنائس عاملة ولكن لن نستطيع أن نتناول فيها. نصف سنة. ألا يثير هذا بعض التشابهات؟

سؤال: يبدو أنه ينطبق على اليوم

جواب: نعم بالنسبة للأرثوذكسيين في أوستراليا وأميركا وأوروبا، هذا هو الواقع اليوم. بالنسبة لنا، قد تكون واقع الغد

سؤال: أمر مثير للاهتمام لكن محزن. أيمكن أننا لا نستطيع أن نرجو الأفضل في المستقبل؟

جواب: لمَ لا؟ على العكس بشكل مطلَق. بحسب نبوءات قديسي ونساك القرن العشرين أنفسهم، نحن الأرثوذكسيون ما زال أمامنا أن نختبر إزهاراً غير قليل في كنيستنا وشعبنا. ولكن لهذا على العالم أن يعيد تشغيل أو يعيد ضبط الشهادات التي قد نكون منها الآن

* مختارات من مقابلة معه أجراها الشماس سيرجي جيروك. النص الكامل بالإنكليزية على https://orthochristian.com/131274.html

** المطران ثيودوسي مطران بوياركا في أوكرانيا ووكيل رئيس الأساقفة أونوفري.

رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

رسالة من أم أرثوذكسية في أزمة الكورونا

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أنا أم أرثوذكسية، وقد صرت أرثوذكسية منذ ثلاثين سنة وزوجي مولود أرثوذكسياً وقد تربّى في الكنيسة الأرثوذكسية. عندنا أربع أولاد هنا وواحد في السماء. في الأشهر الثلاثة الأخيرة، لم أسمع أسقفاً واحداً، أو توجيهاً من أسقف، يحكي عن أطفالنا. الإشارة الوحيدة للأطفال كانت أن عليهم أن يبقوا في البيت إن كانوا غير قادرين على حفظ التباعد كما يجب

أنا حزينة للغاية من هذا، وبصراحة أنا غاضبة وأعتقد أن هذا من حقي. أنا وزوجي، مثل العديد من الآباء الأرثوذكسيين الآخرين، ناضلنا وقمنا بالعمل الشاق، أسبوعًا بعد أسبوع، عامًا بعد عام، لمدة اثنتي عشرة سنة الآن، لأخذ أطفالنا إلى الكنيسة وتعليمهم إيماننا

وبفيروس واحد، ونعرف الآن أنه ليس مميتًا بالقدر الذي حُكي عنه، سحبوا الخيط لا من اثني عشر عامًا من عملنا وحسب بل من آلاف السنين من العمل الذي راكمه كل الأهل الأرثوذكسيين، بجدية كاملة عاملين على نقل إيماننا الغالي والفريد لأطفالنا، كما فعل آباؤنا وأجدادنا. هذا كله خطأ

كنت آخذ أطفالي معي إلى الكنيسة طوال الأشهر التسعة قبل ولادتهم. كنت أرسم علامة الصليب على بطني لأنهم لا يستطيعون القيام بذلك بأنفسهم. كانوا معي بينما كنت أقف مع الجوقة أرتّل. عِبري، سمعوا الصلوات وتناولوا إلى أن ولدوا ثم عُمِّدوا في كنيسة تغصّ بالمؤمنين محاطين بالمحبة

بعد ولادتهم، توقفتُ عن الترتيل مع الجوقة لكي أتولاهم. عندما كانوا نيقين أو متعَبين، مشيت معهم حول الكنيسة وهم يقبّلون الأيقونات على الجدران. تلك التي لم يتمكنوا من الوصول إليها، جعلتهم يقبلون أيديهم ويتطاولون إلى أعلى ليضعوا قبلاتهم على الأيقونات. عندما كبروا بما فيه الكفاية، كانوا يدلفون إلى التقبيلات، وعندما لا يستطيعون الوصول إلى الأيقونات في الأعلى، كانوا يقبّلون الصليب الخشبي المحفور على مستواهم، وهو الذي صنعه والدهم بيديه قبل أن يولدوا

ما زلت أشاهد الأطفال يفعلون ذلك لأنهم يدركون غريزيًا الأشياء التي تمثّل الله ويأنسونها من دون أي خوف. في السنوات التي تلت، أسبوعًا بعد أسبوع، كانت عائلتنا تقطع ما يشغلها يوم السبت للتحضير لصلاة الغروب. كنا نأخذهم للتبرّك من الأيقونات كل مرة. ونأخذهم إلى المناولة كل مرة

كنا نستيقظ باكراً أحداً بعد أحد بعد أحد، لا مع طفل واحد، ولا اثنين، ولا ثلاثة، بل مع أربعة أطفال. نلبِسهم ملابسهم الكنسية، ونقودهم إلى الكنيسة ونثابر أثناء الخِدَم. ندخل إلى الكنيسة معهم ونخرج معهم، ننخزهم لمنعهم من الجري إلى الهيكل، ونأخذهم إلى النونية، ونسكِتهم أثناء الإنجيل، ونعلّمهم أن لا يتكلموا عندما يتحدث الأب. لطالما أخذهم العرابون من دون خوف لتقبيل الأيقونات وإعطائي استراحة. فاتني المئات من العظات إذ كنت أمشي في الخارج مع طفل صغير متعَب، ولطالما فعلت ذلك أسبوعاً بعد أسبوع بعد أسبوع

كنا نأخذهم أيضًا إلى المناولة أسبوعًا بعد أسبوع، عامًا بعد عام. بصبر، باستمرار، بإخلاص، لأن هكذا ننقل إيماننا إلى جيلنا التالي. إنهم يتعلمون منّا. إنهم يتعلمون من كل ما يرونه وما يفعلونه، أكثر مما يسمعونه لسنوات. لا يقوم الأهل بذلك لأنه سهل. ما من أهل يفعلون ذلك من أجل “المتعة” أو للعرض. إنه عمل كثير للغاية. إنه عمل شاق ودؤوب ومثابر. لذا، الكارثة هي أن مَن يضع البروتوكولات المناقضة التي قد نتخيلها هم أساقفتنا وكهنتنا من كل الكنائس

هم يريدونني الآن أن أسجّل لكي أحضر أطفالي إلى الكنيسة، حيث يرتدي جميع البالغين كمامات، وهو أمر مخيف للغاية بالنسبة للطفل. الأطفال مطالَبون بتطهير أيديهم عند وصولهم إذ يُنظر إليهم على أنهم مصانع جراثيم متنقلة إذا لا سمح الله سعلوا أو عطسوا. إثنان من أطفالي يرتدون كمامات واثنان لا بحسب أعمارهم. لا يُسمح لأي منهم بتقبيل الأيقونات أو معانقة عرابيهم أو أجدادهم أو أصدقائهم، الخائفون بدورهم من كل هذا، وقد يتراجعون إذا اقترب أطفالي منهم

من ثم آخذهم ليتناولوا حيث الكاهن يبدّل الملعقة بعد أن يتناولوا، بعد أن يكون قد غطّسها في جسد المسيح ودمه، وهو أقوى مطهّر لنا وصول إليه في هذا العالم. وإذ نترك الكنيسة دون أن نتحدث إلى أحد أتأمّل في ما إذا كان هذا ما أريد أن أريه لأطفالي بعد اثنتي عشر سنة من العمل الدؤوب والتعليم. فليرحم الله كل الذين يصنعون هذه القرارات المدمّرة. الأذى الذي يلحقونه بإيمان أطفالنا لا يُقاس

إذا كان إيماني “مُفرِط” كما قال لي أحد الأساقفة في آذار الماضي، فلربما أجداده وأهله كان إيمانهم ” مُفرِطاً” أيضاً، وقد يكون هذا ما قاده إلى الكهنوت وسنوات الخدمة في كنيستنا. لماذا قد يصير الإيمان فجأة مُفرِطاً؟ ولماذا هم يوبّخون الأرثوذكسيين الملتزمين واصفين إيانا بالتقوى المبالَغة بطريقة مسيئة، معتبرين أننا لا نهتمّ بإخوتنا من أبناء الرعية لأننا لا نتبنّى توجيهاتهم الجديدة؟ إذا كانوا فعلاً يؤمنون بأننا كذلك فهذا كذب صافٍ

عبر السنين، تغيّبت عن خِدم لا تُعدّ لأن أطفالي كانوا مرضى وعليّ كأمٍّ أن أبقى في المنزل. الآن، نحن الأصحاء وغير الخائفين، يُقال لنا أن علينا أن نتخلّى عن ممارسة إيماننا لِيرتاح أناس خائفون. علينا أن نبدّل إيماننا لكي يشعروا “بأمان”. إن إيماني وإيمان أطفالي قابل للنقاش وللإقصاء. ومع هذا أنا التي تُقرَّع على أني غير مُحِبّة

إذا كان الخائفون من ممارسة إيماننا يريدون المناولة، فعلى رعايانا أن تصنع ترتيبات حتّى يستطيع كهنتنا أن يخدموهم بشكل يريحهم. لكن ليس عليهم أن يعيدوا كتابة إيماننا بسبب فيروس عابر. هذا ليس محبة. لست أعرف ما هو لكنه ليس محبة. هذا خطأ وأتمنى أن المزيد من الآباء والكهنة الصالحين والمؤمنين سوف يرفعون الصوت ويدافعون عن أطفالنا الأرثوذكسيين وإيماننا ويقاتلون من أجل ما نعرف أنه نقي وحقيقي وصحيح

لن نأخذ أطفالنا إلى أي كنيسة حيث يرون البالغين مع كمامات، حيث لا يُسمح لهم بتقبيل الأيقونات، أو حيث يرون ملاعق مختلفة للمناولة. ليس عندي تفسير لهذا أقدمه لأطفالي. ما من تفسير. هذه ليست الأرثوذكسية. هذا ليس إيماننا

Source: Letter from An Orthodox Mom. https://orthodoxethos.com/post/letter-from-an-orthodox-mom

واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية

واقع “المجموعات” في الكنيسة الأنطاكية

الأب أنطوان ملكي

عرفت الكنيسة الأنطاكية مؤخراً، وبخاصة بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي ومنصاته، ظهور “مجموعات” عديدة. غالباً ما يترافق ظهور هذه المجموعات مع صفحة أو صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي دون أن تتقدم المجموعة بطلب بركة من مجمع أو من أسقف. الواقع الرعائي يتيح لهذه المجموعات أن تعمل، فتستمر طالما قضيتها قائمة، كمثل غيارى البلمند أو مجموعات الدعم التي نشأت حول أزمة حماطورة، ومن ثم إما تندثر أو تتحوّل إلى صفحة. لكن، مع البيان الذي أصدرته “مجموعة أرثوذكسيون” في مطلع حزيران 2020، صار من الضروري الانتباه إلى ظاهرة المجموعات وتقييمها رعائياً

لم يعرف التقليد الأرثوذكسي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر أيّ تجمعات قانونية للمؤمنين إلا بشكلين: الرعية والدير. وبحسب التقليد أيضاً، يخضع هذان الشكلان للأسقف الذي يسوسهما قاطعاً باستقامة كلمة حق. على مدى هذه السنين، لم تكن العلاقات بين المطارنة والرعايا وكهنتها والأديار ورهبانها دائماً سلامية وبنّاءة، ما استدعى أن تتطرق المجامع، المسكونية والمحلية، إلى تنظيم هذه العلاقات من خلال قوانين هي علاجات أكثر منها دساتير.

إلا أن منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبتأثّر مباشر بالغرب، بدأت تظهر في الكنيسة الأرثوذكسية جمعيات وأخويات. هذه الجمعيات قد تضمّ إكليريكيين وعلمانيين وتكون ذات أهداف محددة تعمل على تحقيقها. الأهمّ في الأمر هو أن هذه الجمعيات تعمل من ضمن الكنيسة ومن خلال بناها القائمة وبالتنسيق مع المطارنة والكهنة في الرعايا. علاقات هذه الجمعيات بالرئاسات الكنسية، شأن علاقات الأديار والرعايا، لم تكن دوماً على قلب الله ولا كما هو مخطط لها. فبعض الجمعيات كانت تتخطى حدودها حيناً والرئاسات تتخطّى حدودها أحياناً.

أنطاكية ليست شواذاً عن غيرها من شقيقاتها من الكنائس. أهمّ الجمعيات التي ظهرت في أنطاكية هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية التي أخذت الإذن والبركة من المجمع الأنطاكي من خلال ما يُعرَف بالطرس البطريركي. ومثلها الجمعيات الأخرى التي أخذت شرعيتها من أهدافها التي وافق عليها إما المجمع، للجمعيات التي تعمل على مستوى الكرسي الأنطاكي، أو المطران المعني، للجمعيات التي تعمل على مستوى الأبرشية أو بعض الرعايا، وفي كل الأحوال تتخذ هذه الجمعيات صفة قانونية في وجه السلطات عن طريق علم وخبر صادر عن الدولة. لا يخلو التاريخ من توترات حدثت لأن أحد الطرفين تخطى حدوده، لكن الأمور لم تصل يوماً إلى حدِّ أن يدين أحد المطارنة أيّاً من الجمعيات أو أن تتطاول إحدى هذه الجمعيات على أحد الرؤساء استعلاءً أو إدانة. عمل هذه الجمعيات أظهرها شريكة في تكميل الكرسي الأنطاكي وحفظ لها موقعاً واضحاً في القانون الكنسي بشكل يجعل عملها يتكامل مع عمل الرعاة

المجموعات التي تتكاثر في هذه الأيام تختلف، كحالة في الكنيسة عن جمعيات الماضي. الأكيد أن وجود كل هذه المجموعات اليوم ليس طبيعياً، لأنه ببساطة لا يتّفق مع التقليد، لا من حيث الكيان ولا من حيث السلوك. فالسمة العامة أن يكون أعضاء المجموعات مجمّعين من رعايا مختلفة وأحياناً من أديار. ما يجمع هذه المجموعات في أغلب الأحيان، من دون تعميم مطلَق، هو وحدة هدف مصحوبة بعدم التزام بالرعايا وخلاف مع كهنتها. طبعاً، هذا صار متاحاً بسبب توفر وسائل النقل، حيث صار كلّ مَن لا يعجبه كاهن رعيته، عن حق أو عن تشبّث، حراً في اختيار رعية أخرى أو دير يصلي فيهما أو يتنقل بينها. من نتائج هذا التفكك في الرعايا أن صار للأديار أبناء ورعايا، وصار الدير يفتقد هؤلاء إذا تغيبوا ويسائلهم. ليس أكيداً أن كل الأديار تطلب من الذين يلتزمون بها أن يعيدوا النظر في علاقاتهم برعيتهم

كون المجموعات كيانات غير تقليدية يستدعي التأمّل في تأثيرها على حياة الكنيسة. ما يلي نموذج من عمل إحدى هذه المجموعات، وهي تُدعى “أرثوذكسيون”. سبب اختيارها هو بيان أصدرته من دون تاريخ، وفيه توجّه انتقادات للكهنة والمطران في أبرشية طرابلس والكورة انطلاقاً من مقالين نُشرا في الكرمة، نشرة المطرانية

واضح أن المجموعة تنتقد في بيانها، كمَن له سلطان، وتعطي نفسها صلاحية أن تسمّي راعي الأبرشية، الذي تصدر النشرة على مسؤوليته، بشكل يفتقد للياقة العامة والبنوية بشكل خاص. فمن القواعد المعروفة أن كلّ ما يصدر في نشرة الكرمة يكون بلا توقيع ما عدا كلمة الراعي، وهذا نمط متّبع في كل الأبرشيات في أنطاكية وغيرها. لذا كلام المجموعة عن تردد في الرد مردود خاصةً عند الإشارة إلى “الكثيرين”. فإن كانت المجموعة أو الكثيرون يرون أنهم من أبناء الكنيسة، فاللياقة والترتيب يقتديان أن يتوجّهوا إلى المطران بملاحظاتهم إذ لا موقع شرعي يتيح لهم التقييم خارج هذا الإطار. والمطران له أن يقبل هذه الملاحظات أبوياً، والأمثلة كثيرة عن صدور تصحيح أو إيضاح في عدد لاحق من النشرة، يضع الأمور في نصابها التعليمي الصحيح. لكن الواضح من نصّ البيان غياب اللياقة حتى أن يصف كاتب البيان أو ممليه راعي الأبرشية بأنه راهب سابق. مَن هي هذه المجموعة ومن أين أخذت التكليف للحكم بأن المطران راهب سابق؟ هل في المجموعة رهبان مختَبَرون يعرفون الرهبنة حقاً ليحكموا بتجريد رمز الرهبنة الأنطاكية من نفسه؟ إن إلحاق هذا القول بأنه “مشهود له بالإيمان الصّحيح والتقوى” هو تذاكٍ في غير مكانه لأنه أيضاً صادر عن جهة غير مخوّلة الحكم في الأمر

للمجموعة الحرية في أن ترى فكراً بروتستانتياً في أي مقال يصدر في نشرة الكرمة أو غيرها، لكن ليس لها أن ترى نفسها في موقع الحسيب والرقيب حيث يصحّ التساؤل: مَن عيّنها؟ قد تكون المجموعة على الغيرة التي تحاول إظهارها لكنها ليست على مستوى المعرفة الذي يتيح لها محاسبة أحد، وإلا كانت تفضلت إلى المجمع وقدّمت شكواها على المطران، بما يكون أكثر تهذيباً وأقلّ بلبالاً في الشعب

أهم ما في التعبير عن الرأي في الكنيسة، كما خارجها، هو البقاء في حدود الأدب بشكل يؤول إلى بناء السامعين من المؤمنين. أن تتيح المجموعة لنفسها أن تقول أي كلام يعني أن عليها أن تتيح لغيرها أن يقول ما لديه وتحاوره. المطران هو مطرانها ومطران غيرها أيضاً، إلا إن كانت ترى أنها تحتكر كل النعَم التي في الكنيسة. من هنا يكون سؤال المجموعة < أين كهنتنا من “مسيحِنا وتعاليمه”:> سؤال خارج إطاره. الكاهن أبٌ يطالبه ابناؤه الذين في الرعية أو يطالبه المطران الذي هو أبوه. أن يطالبه غيرهما هو إنتاج للفوضى. وعليه يكون بيان “أرثوذكسيون” زرعاً للفوضى. خاصةً أن الكلام بدأ عن مقالتين وانتقل إلى سلوك رعائي، فهل يعرف “أرثوذكسيون” ما يريدون؟ واضح جداً في تكرارهم تسمية صاحب السيادة باسمه بين مزدوجين أن من بين أهداف البيان التجريح بالمطران، وبالتالي بمَن يمثّل من كنيسة أنطاكية وكهنته وأبرشيته، وهذا ما تؤكّده مجموعة الأسئلة التي تلي التسمية

ختام البيان يشير إلى أن كاتبه أو ممليه انتبه إلى أنه استرسل في التصويب على المطران وتذكّر أن المدى الذي يتحرّك فيه هو الكنيسة فوجد المخرج في سرد كلام له شكل التقوى. الانطباع الذي يتولّد لدى قارئ البيان هو أن كاتبيه ينطبق عليهم وصف الرسول بولس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (13:3) بأنهم: “مُضِلّونَ وَمُضَلّونَ”

كما ذُكِر في مطلع المقال، بيان “أرثوذكسيون” هو نموذج عن فوضى يرعى وجودها في الكنيسة احترام حرية التعبير التي يكفلها هذا الزمن. قد تكون مجانبة آباء الكنيسة التعرض لهذه الفوضى عن احترام لهذه الحرية أو تردد أو طول أناة أو كسل. لكن الأكيد أن غالبية الأبناء، من المجموعات والأفراد، لا تحترم هذا الأمر ولا تقدّر السوء الذي ينتج عن تخطيها له

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

عن ضد المسيح وعلامة الوحش و666

القديس بورفيريوس الكافسوكاليفي

نقلتها إلى العربية ماريا وسلوى الأشقر

سألني الشيخ: “قل لي يا بنَيّ ماذا قال الشيخ أميليانوس عن 666 وضد المسيح؟” فأجبته: “لقد قال لنا في اجتماع قبل أيام قليلة بألاّ نهتمّ. علينا أن نكون مهتمين باقتناء علاقة حيّة مع المسيح ولا نولي اهتماماً كثيراً لضد المسيح، كي لا يصير هو مركز حياتنا لا المسيح”. فإذ بالشيخ (القديس بورفيريوس) يضرب سريره بيديه ويقول: “ماذا قلتَ يا بنيّ؟ المجد لك أيها الإله، أني وجدتُ أباً روحياً يوافقني! يا بنيّ، هؤلاء الآباء الروحيون هنا في العالم، ماذا يفعلون؟ لقد أوقعوا النفوس في الاضطراب، وخلقوا الكثير من المشكلات في العائلات بالـ666. هناك أناس في العالم لا يستطيعون النوم ويتعاطون عقاقير نفسية وحبوب للنوم لكي يغفوا. ما هو هذا الأمر؟ المسيح لا يريد هذه الأشياء يا بنيّ. أأقول لك شيئاً؟”

فقلت: “ماذا أيها الشيخ؟”

فقال لي: “بالنسبة لنا نحن المسيحيين، عندما نعيش خبرة المسيح لا يوجد ضد المسيح. قل لي شيئاً، أنا أجلس على هذا السرير، أتستطيع أنت أن تجلس؟” أجبته: “لا، أيها الشيخ”. فسألني: “لماذا؟” فأجبتُ: “لأني إن جلستُ فسوف أسحقك”. فسألني مجدداً: “ألن تستطيع الجلوس هنا أبداً؟” فقلتُ له: “عندما تمضي، أَجلِسُ أيها الشيخ”. فقال لي: “بالضبط يا بنيّ. الأمر نفسه يحصل في النفوس. عندما يكون المسيح في داخلنا، أيستطيع ضد المسيح الحضور؟ أيستطيع أي شيء معاكس أن يدخل إلى نفوسنا؟ لهذا السبب يا بنيّ، نحن لا نقتني المسيح في داخلنا اليوم ولهذا السبب نهتمّ بضد المسيح.ـ

عندما نحوي المسيح في داخلنا كل شيء يصير فردوساً. المسيح هو الكلّ يا بنيّ وليس علينا أن نهابَ معاكسَه. هذا عليك أن تخبره للناس دائماً. ولأقلْ لك شيئاً. إذا جاء الآن ضد المسيح شخصياً ومعه جهاز يطلِق أشعة لايزر وختم عليّ 666 بالقوة، فلن أستاء. سوف تسألني: ’أيها الشيخ أليس هذا ختم ضد المسيح؟’ نعم، ولكن حتى ولو كتب عليّ 666 ألفَ مرة بأشعة الليزر، بشكل غير قابل للإزالة، فلن أستاء. لماذا؟ لأن يا ولدي، الشهداء الأوائل أطاحوا بالوحوش الضارية، وعندما رسموا إشارة الصليب صارت الوحوش الضارية كالحملان. لقد رموهم في البحر، ولكن عندما رسموا إشارة الصليب صار البحر كمثل أرض جافة وساروا عليها. رموهم بالنار، وعندما رسموا إشارة الصليب بردت النار. يا بنيّ المبارك، ماذا أصبحنا اليوم؟ أنؤمن بالمسيح؟ بصليبنا؟ لماذا أتى المسيح؟ ألم يأتِ ليشددنا في ضعفاتنا؟

هذا ما عليك أن تقوله للشيخ. وعليك أن تخبر الناس ألا يخافوا ضد المسيح. نحن أبناء المسيح، أبناء الكنيسة.” كل هذا ترك أثراً كبيراً عليّ.ـ

Source: Ανθολόγιο Συμβουλών Γέροντος Πορφυρίου, σελ 71, 72-75, δ΄ έκδ. 2003.

***

عن نهاية الأزمنة

عن نهاية الأزمنة

الأب سيرافيم روز

نقلتها إلى العربية أسرة التراث الأرثوذكسي

أول ما ينبغي اقتناؤه للتفسير الصحيح لعلامات الأزمنة هو معرفة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا بالطريقة التي يبدو بها وحسب، بل وفقًا للطريقة التي فسرته بها الكنيسة؛ معرفة كتابات الآباء القديسين؛ معرفة تاريخ الكنيسة؛ والإلمام بمختلف أنواع البدع والأخطاء التي هاجمت فهم الكنيسة الحقيقي للعقيدة، وخاصة في الماضي. إذا لم يكن لدينا أساس في مصادر مثل هذه، فسوف نجد أنفسنا مرتبكين وغير مستعدين. فبالضبط ما يخبرنا به ربنا: كونوا على أهبة، كونوا مستعدين. ما لم يكن لدينا هذه المعرفة الأساسية، فإننا لن نكون مستعدين وسنسيء تفسير علامات الأزمنة…ـ

أهم ما يكتسبه المرء من خلال الكتابات الأرثوذكسية الأساسية هو فضيلةٌ تسمى التمييز. عندما نلتقي ظاهرتين يبدو أنهما متطابقتان أو متشابهتان تمامًا مع بعضهما البعض، فإن فضيلة التمييز تسمح لنا برؤية أي هي الصحيحة وأي هي الباطلة: أي تحمل روح المسيح وأي قد تحمل روح ضد المسيح.ـ

إن طبيعة ضد المسيح، الذي سيصبح آخر حاكم عالمي عظيم وآخر معادٍ للمسيح، أنه ليس ضد للمسيح وحسب. “ضد” لا تعني “معادياً” وحسب، بل أيضًا “أنه يقلّده ويدّعي مكانه”. ضد المسيح، كما يقول جميع الآباء القديسين في كتاباتهم عنه، هو الشخص الذي يقلّد المسيح، أي يحاول خداع الناس بالنظر، كما لو كان المسيح قد عاد إلى الأرض. لذلك، مَن كان فهمه للمسيحية ضبابياً أو يقرأ الكتاب المقدس بالاستناد إلى افكاره وحسب، وآراء المرء قد تأتي من الجو الذي ليس مسيحيًا بل معادٍ للمسيحية، فعندئذ سيصل إلى استنتاجات ضد المسيحية. عند رؤية شخص ضد المسيح، قد ينخدع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه المسيح.ـ

يمكننا أن نعطي عدداً من الأمثلة عن كيفية عمل فضيلة التمييز على فهم بعض الظواهر المعقدة قليلاً. إحدى هذه الظواهر هي الحركة المواهبية (الكاريزماتيك)… إذا نظرتم بعمق إلى ما يقولونه في هذه الحركة… ترون أن ما يسمّونه إحياءً روحياً وحياةً روحية هو في الواقع ما وصفه الآباء الجدد مثل الأسقف إغناتيوس بريانشانينوف بعناية بأنه خداع، أي نوع من حمّى الدم مما يجعلهم يبدون كما لو كان روحانيين في حين أنهم حقاً لا يدركون الحقيقة الروحية على الإطلاق. في الواقع، إنهم مختلفون عن الحياة المسيحية الحقيقية التي تنعكس في هذه الكتب الأرثوذكسية الأساسية اختلاف السماء من الأرض…ـ

مرة أخرى، يمكنكم أن تروا كيف يمكِّنُنا التمييزُ في تقييم الظواهر الأخرى التي قد لا تكون متطابقة مع الظاهرة الأرثوذكسية، بل هي أشياء جديدة. عندما تنظرون إليها لأول مرة، تتساءلون عن ماهية كل شيء. هذه هي سمة الموضات الفكرية: شيء ما ينطلق في الجو، يمسك به الجميع لأن الوقت مؤاتٍ، وبعد ذلك يبدأ الجميع في الحديث عنه ويصير موضة العصر. لا أحد يعرف كيف. كل ما في الأمر أن الجميع كانوا على استعداد لذلك، وفجأة ذكره أحدهم فبدأ في الانتشار في كل مكان.ـ

وهكذا، عودة إلى النقطة الأولى: نحن نراقب علامات الأزمنة من أجل التعرّف على المسيح عندما يأتي، حيث أنه كان هناك العديد من المسحاء الكذبة، وسيأتي المزيد من الكذابين، وفي النهاية سيأتي شخص يُدعى ضد المسيح. سيوحّد المسيح الدجّال كل الذين خُدعوا باعتقادهم أنه المسيح، وهذا سيشمل كل الذين فشِل تفسيرهم للمسيحية. في كثير من الأوقات يحدث أن تنظروا إلى بعض الأشخاص الذين يعترفون بالمسيحية، ويبدو أن العديد من أفكارهم صحيحة، أي أنهم يتكلّمون بحسب الكتاب المقدس. ثم تنظرون هنا وهناك، فترون خطأ من هناك، وخطأ من هناك…ـ

علامة أخرى من أعراض عصرنا هي العلامة التالية المذكورة في هذا الفصل من متى: أن محبة الكثيرين تبرد. يبدو أن هذه خاصية محددة في عصرنا، إلى درجة أكبر بكثير من أي وقت في التاريخ الماضي. يمكن للمرء أن يرى هذا في ما يُسمّى العدمية. يرتكب الناس جرائم بدون سبب معين، لا من أجل الربح ولكن فقط من أجل التشويق لأنهم لا يملكون الله بداخلهم. في مختلف الأماكن الآن، يمكن للمرء أن يرى غياب العلاقات الإنسانية الطبيعية في العائلات، والتي تنتج أناساً باردين. هذا النوع من الناس، في المجتمع الشمولي، يُستخدم كسائقين عبيد، يعملون في معسكرات الاعتقال وما إلى ذلك…ـ

كل علامات الأزمنة سلبية للغاية. إنها علامات على أن العالم ينهار، وأن نهاية العالم قريبة وأن ضد المسيح على وشك القدوم. من السهل جدًا النظر إلى كل علامات الأزمنة السلبيّة هذه والدخول في مثل هذه الحالة المزاجية التي لا نبحث فيها إلا عن الأشياء السلبية. في الواقع، يمكن للمرء أن يطور شخصية كاملة، أي نوعاً سلبياً من الشخصية، بناءً على ذلك. عندما يأتي أي خبر جديد، يقول أحدهم “نعم، بالطبع ، هذا ما هو عليه، وسيزداد الأمر سوءًا.” يأتي الأمر التالي ويقول أحدهم ، “نعم، نعم، من الواضح أن هذا ما سيحدث، والآن سيكون أسوأ من ذلك.” كل ما يحدث يُمظَر إليه على أنه مجرد تحقيق سلبي للأوقات الرهيبة.ـ

صحيح أن علينا أن نكون على دراية بهذه الأشياء وألا نكون متفائلين من غير داعٍ بشأن الأحداث المعاصرة، لأن الأخبار في عصرنا نادراً ما تكون جيدة. ولكن في الوقت نفسه، علينا أن نضع في اعتبارنا الغرض الكامل من مشاهدتنا لعلامات الأزمنة. نحن نراقبها ليس فقط حتى نعرف متى سيأتي ضد المسيح. هذا شيء ثانوي. نحن نراقب علامات الأزمنة حتى نعرف متى سيأتي المسيح. هذا شيء أساسي يجب أن نضعه في الاعتبار حتى لا نغرق في الحزن والاكتئاب أو الاعتزال بعد أن نخزّن الطعام من أجل الكارثة العظيمة. هذا ليس من الحكمة. علينا أن نكون مسيحيين أكثر، أي أن نفكّر بالآخرين، محاولين مساعدة الآخرين. إذا كنا أنفسنا باردين ومكتئبين ومتشائمين، فنحن نشارك في هذا البرودة، وهي علامة على النهاية. علينا أن نكون دافئين وأن نساعد بعضنا البعض. هذه هي علامة المسيحية.ـ

إذا نظرتم إلى التاريخ (في الواقع، هذا سبب وجيه آخر لقراءة تاريخ الكنيسة)، فسترون أنه طوال تاريخ البشرية بأكمله، في كل أنحاء العهد القديم والعهد الجديد وجميع الممالك المسيحية بعد ذلك، وإذا نظرتم إلى العالم الوثني، فالقصة نفسها: هناك معاناة مستمرة. حيث يكون المسيحيون هناك محاكمات واضطهاد، ومن خلال كل هذا بلغ المسيحيون ملكوت السماء. لذلك، عندما يأتي وقت الاضطهاد، من المفترض أن نفرح…ـ

***