حول الاعتراف والأب الروحيّ – الأب بايسيوس الآثوسي

حول الاعتراف والأب الروحيّ

الأب بايسيوس الآثوسي

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

سؤال: هل ينعم بالراحة الداخليّة مَن لا يعترف؟

الجواب: كيف يكون مرتاحاً؟ لكي يشعر الإنسان بالراحة التامة يجب أن يطرد من داخله كلّ سوء وهذا لا يتم إلاّ بالاعتراف. يفتح قلبه لأبيه الروحيّ ويقرّ بذنوبه وزلاّته باتضاع، فتُفتح أمامه أبواب السماء، لتحلّ نعمة الله عليه بغزارة، ويتحرّر من وقر خطاياه.
كما يهتمّ الإنسان المريض أن يكون دوماً على اتصال وثيق بالطبيب، هكذا على من يريد أن يكون ذا صحة روحيّة سليمة أن يكون دوماً على اتصال ويثق بأبيه الروحيّ.
مهما كان الإنسان ذا مستوى روحيّ سامٍ، ومهما استطاع أن ينظّم أموره الروحيّة بنفسه، لا يستطيع أن يجد راحة تامّة إلاّ باللجوء من وقت لآخر إلى الاعتراف، لأنّ الله يشاء أن يصلح الإنسانَ إنسانٌ آخر مثله. إنّه تدبير إلهيّ يقود الإنسان إلى الإتضاع.
لا يثمر الإنسان الروحيّ ثماراً روحيّة إلاّ بالاعتراف الصحيح، لأنّه بواسطته يطرد من نفسه كلّ ما هو غير مفيد.
من ضروريّات الحياة اليوم أن يلجأ المرء إلى أب روحيّ لكي يعترف ويجد إرشاداً. يجب على الآباء الروحيّين أن يضعوا لأبنائهم برنامج حياة روحيّة من صلاة ومطالعة ومداومة على حضور الخدم الكنسيّة ومناولة الأسرار المقدّسة، لأنّهم بهذا يحفظون أولادهم الروحيّين من الضياع، وهؤلاء يحيون حياة مطمئنّة دون قلق أو خوف.
من ليس له أبٌ ليرشده في مسيرته الروحيّة يعش قلقاً تعِباً، وبصعوبة يصل إلى هدفه المنشود. وإن أراد حلّ مشاكله بنفسه، فإنّه، مهما كان متعلِّماً، فإنَ روح الكبرياء والاعتداد بالذات هي التي تحرّكه لذلك يبقى في تخبّط وظلام. وأمّا من يقصد أباً، بروح التواضع ونكران الذات، ليسأل نصحاً وإرشاداً يُساعَد، لأنّ الله سوف يمنح الأب الروحيّ، بدون شكّ، البصيرة ليعطيه الجواب والحلّ الملائمين.
من الأفضل جدّاً أن يكون للزوجين أب روحيّ واحد. لأنّه باختلاف الآباء تختلف أيضاً الآراء، وقد يخلق هذا جوّاً من التوتر بين الطرفين. وأمّا الأب الواحد فإنّه يعرفهما كليهما ويصلح أخطاءهما، فتحفظ بهذا دفّة حياتهما مسيرها بدقّة وبشكل صحيح.
من لا يقبل ملاحظات أبيه الذي يحبّه فإنّه، من الواضح، لا يستطيع أن يفيد نفسه بنفسه مهما كان حاذقاً.
إن لم ننظّف أنفسنا بواسطة الاعتراف، عندما نتمرّغ في أوساخ الخطيئة، فإنّنا نضيف إلى طيننا طيناً آخر، وعندئذ، تصعب عمليّة التنظيف وتتعذر جداً.
عندما يكون الأب الروحيّ مستنيراً يفهم ويميّز الحالات بعضها من بعض، ويمنح النصائح والإرشادات كما تقتضي كلّ حالة. لا يحتاج المرء إلى ساعات طوال وإلى كلام كثير لكي يعطي صورة واضحة عن نفسه إن كان ضميره حيّاً ويعمل بشكل صحيح. ولكن إن كان داخله مشحوناً بالقلق، فإنّه لو تكلّم ساعات فلن يعطي الصورة الواضحة عن نفسه.
عندما نخطأ إلى إنسان ما علينا أن نطلب منه المسامحة ونصطلح معه قبل توجّهنا إلى الاعتراف للإقرار بذنبنا، لأنّه بهذا فقط تحلّ علينا نعمة الله. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا دون أن نكون قد اصطلحنا مسبقاً مع أخينا فلن نجد السلام الحقيقيّ لأنّنا لم نتّضع.

سؤال: لماذا لا يشعر المرء، وهو يعترف، بنفس الألم عندما يقترف الخطيئة؟

الجواب: قد يكون قد مرّ زمن طويل على اقتراف الخطيئة، واندمل الجرح ونسينا خطيئتنا. أو يكون الإنسان قد برّر نفسه أثناء الاعتراف. لذلك أشير عليك أن أسرعْ إلى الاعتراف ولا تؤجل واحذر أن لا تبرّر ذاتك مطلقاً، لأنّ من يعترف ويبرّر ذاته لا يلقى الراحة الداخليّة عكس من يؤثّم نفسه ويلومها، فإنّه يشعر بغبطة داخليّة كبيرة بسبب ضميره الحيّ.
كلّ أب روحيّ لا يكون مستعداً أن يذهب إلى الجحيم، إن اقتضى الأمر، محبّة بخلاص أبنائه الروحيّين لا يسمّى أباً روحيّاً.
بالاعتراف الصحيح يُمحى كلّ الماضي، وينفتح باب جديد للحياة، وتحلّ نعمة الله لتغيّر الإنسان بجملته، ويختفي الاضطراب والحزن ويحلّ الهدوء والسلام، ليس داخليّاً فقط بل وخارجيّاً أيضاً إذ ينعكس سلامه على تصرّفاته وسكناته. لقد أشرت مرّة على البعض بأن يلتقطوا لأنفسهم صوراً فوتوغرافيّة قبل الاعتراف وبعده ليروا بأنفسهم التغيّر الحاصل على ملامحهم، لأنّ الوجه يعكس حالة الإنسان الداخليّة. نعم إنّ أسرار الكنيسة تصنع العجائب، فكلّما اقترب الإنسان من يسوع المسيح الإله والإنسان كلّما تألّه وشعّ بالنعمة الإلهيّة.
إن أراد أحد أن يعيش حياة روحيّة حارّة تحت إرشاد أب روحيّ مختبَر سيذوق طعم الفرح العلويّ، الروحيّ، السماويّ، ولا يعد يهتمّ في ما بعد بالأمور الأرضيّة، الماديّة، الجسديّة.

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

من أقوال الأب بورفيريوس الرائيّ

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

* جابه كلّ الأمور بمحبّة، بطيبة، بوداعة، بصبر وتواضع. كن دوماً كالصخر الذي يمرّ فوقه الموج ثمّ يعود ثانية من حيث أتى. كن ثابتاً غير متزعزع. قد تتساءل هل هذا ممكن يا أبانا؟! نعم بنعمة الله هذا ممكن. أمّا إذا جابهنا الأمور بقوانا البشريّة، طبعاً سيكون هذا غير ممكن.
* لا تتّخذ موقفاً معادياً ضدّ من يجدّف على الله. أبغض أقوالهم وأفعالهم. وأمّا هم فأحبّهم كبشر ضعفاء وصلّ من أجلهم.
* أحبب الجميع وخاصّة أولئك الذين يسبّبون لك المتاعب. أظهرْ لهم المحبّة بكلّ بساطة دون أن يشعروا بأنّك تتغصّب لتحبّهم أو لتتحمّلهم.
* التذمّر على الآخرين يؤذي نفسك بالدرجة الأولى، لأنّه لا يدعك تصلّي بارتياح. والروح القدس لا يقترب أبداً من نفس متذمرة ولا يسكن فيها.
* أيّها المسيح أنت حبّي. أنا لا أفكّر بالموت. أنا أودّ أن أفكّر فقط بالمسيح. افتحوا أيديكم وارتموا في أحضان المسيح، وعندئذ سوف يحيا هو داخلكم. ازدروا الأهواء ولا تهتمّوا للشيطان. التفتوا فقط نحو المسيح. ولكي يتمّ هذا اطلبوا أوّلاً نعمته.
* وجّهوا أذهانكم دوماً نحو العلاء، نحو المسيح. اعملوا مع المسيح، عيشوا مع المسيح، تنفّسوا المسيح، تألّموا مع المسيح وافرحوا أيضاً معه. ليكن المسيح كلّ شيء بالنسبة إليكم. المسيح هو عروس نفوسكم، هو أبوكم، هو كلّ شيء. لا يوجد أمر أسمى في هذه الحياة من محبّة المسيح. المسيح كلّه فرح، كلّه غبطة. النفس السكرى بمحبّة المسيح هي دوماً فرحة وسعيدة مهما واجهت من أتعاب وبذلت من تضحيات.
* نحن سعداء بقدر ما نحبّ كلّ البشر، وعندئذ سوف نشعر بأنّ الكلّ أيضاً يبادلوننا الحبّ. لا يستطيع أحد أن يصل إلى الله إن لم يمرّ أوّلاً بالبشر.
* لا يستطيع المسيح أن يحبّنا إن لم نكن نحن أهلاً لهذه المحبّة. لكي يحبّنا المسيح يجب أن يرى داخلنا شيئاً مميّزاً. هيّئ نفسك دوماً لاكتساب ما يحبّ المسيح أن تملكه داخلك. وما هو هذا الشيء؟ إنّه التواضع. إن لم نملك التواضع لا نستطيع أن نحبّ المسيح.
* لا يستطيع أحد أن يعلّمك الصلاة، لا الكتب ولا الأب الروحيّ ولا أحد. الأستاذ الوحيد للصلاة هو النعمة الإلهيّة. فقط الروح القدس هو الذي يعلِّم الصلاة. إن لم تدخل في جو النعمة لا تستطيع أن تصلّي.
* لا تنشغلوا باقتلاع أشواك نفوسكم، بل وجّهوا كلّ قواكم الداخليّة نحو عمل الصلاح، نحو المسيح، والأشواك سوف تنقلع من نفسها. (هنا يريدنا الأب القدّيس أن نوجّه جهادنا نحو الإيجابيّات لا نحو السلبيّات).
* إنّ طريقة الجهاد الأكثر ضمانة وسهولة هي طريق المحبّة. لا ترهقوا أنفسكم بطرد الظلام منها. يكفي أن تفتحوا ثقباً صغيراً داخلكم ليدخل نور المسيح، فيتلاشى الظلام حالاً. وهذا ما يحصل مع ضعفاتنا وأهوائنا، ازدروها واحتقروا الشرّ، والتفتوا فقط نحو المسيح. جاهدوا ببساطة وبدون عصبيّة أو تشنّج. وجّهوا كلّ قواكم إلى اقتناء محبّة المسيح وإلى الالتصاق به، وهكذا يتحوّل الشرّ في داخلكم خيراً بشكل سرّيّ دون أن تعلموا كيف وحتى دون أن تتعبوا. اقرأوا الكتب المقدّسة، رتّلوا ورنّموا المزامير وقوانين الكتب الكنسيّة، وهكذا يتّجه الفكر، تلقائيّاً، نحو المسيح، وتحلّ الحلاوة الإلهيّة في القلب.

مختارات من سير قديسين

مختارات من سير قديسين

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

في هيكل الأصنام

سمع مرّة القدّيس دانيال العامودي (409-493) البعض يتحدّثون عن معبد للأصنام تقطنه الشّياطين في منطقة قريبة منه، وإنّ هؤلاء الأبالسة ألحقت بالمنطقة أضراراً بالغة، فلم يكن يجسر أحد من السّكّان أن يمرّ بالمعبد لا نهاراً ولا ليلاً حتى قنط هؤلاء من طردهم واستكانوا لوجودهم.

عرف القدّيس بتوجّعهم وآلامهم ومخاوفهم، فراح يفكّر كيف يستطيع أن ينجدهم. تذكّر القدّيس أنطونيوس الكبير وكم تحمّل من هجومات الشّياطين وكيف انتصر عليهم في النّهاية. فدعا أحدهم وأخذ يستخبر منه عن المعبد وما بداخله ثم طلب منه أن يدلّه على مدخله.

وعندما وصل البار إلى المكان الخطر تظاهر بأنّه أحد المحارِبين، فدخل المعبد دون خوف متسلّحاً بكلمات صاحب المزامير: ” الرّبّ نوري ومخلّصي فممن أخاف. الرّبّ عاضد حياتي فممن أخشى.. “. (مز1:26) ثم راح يتجوّل داخل المعبد وهو يرسم إشارة الصّليب ويسجد مصلّياً في كلّ زاوية منه.

ولمّا حلّ الليل إذا به يسمع ضربات قويّة وضجة أناس كثيري العدد، فبقي لابثاً دون حراك يصلّي.

وفي الليلة الثّانية عادت الضّربات أيضاً وبقي هو على نفس الوضع مصلّياً. وفي الليلة الثّالثة أراد أن ينام قليلاً، فإذا به يشاهد أثناء غفوته جماعة سوداء تقترب منه وتصيح: ” من أرسلك إلى هذا المكان أيّها البائس الشّقي لتستحلّه. أتريد أن تلقى موتاً شنيعاً كما صادف غيرك؟ سوف نجرّك لنلقيك في النهر فتموت غرقاً “. بينما راحت جماعة أخرى ترجمه بالحجارة بغية سحقه بها. استيقظ جندي المسيح وراح يتجوّل من جديد في أطراف المعبد مرتّلاً ومسبّحاً الرّبّ ومستهزئاً بالشّياطين بلهجة متوعّدة: “هيّا ارحلوا بسرعة قبل أن يفوتكم الوقت. ستنزل نار من صليب المسيح لتحرقكم، فارحلوا قبل فوات الأوان “.

راحت الشّياطين تزيد من هجماتها، بينما بقي القدّيس هائداً بدون حراك داخل المعبد رافعاً يديه مصلّياً.

سمع أهل المنطقة وتعجّبوا مما يحدث، فاتّجهوا بأجمعهم كباراً وصغاراً ليروا بأمّ العين كيف أن هذا المكان الشّديد الخطورة قد أصبح مكاناً هادئاً، وكيف في هذا المكان بالذّات صار يتمجّد اسم الرّبّ، بينما كان لوقت قصير مسرحاً ترقص عليه الشّياطين ومرتعاً للأرواح الخبيثة. سمعوا جماعة الشّياطين تهدد رجل الله صارخة: ” إنّ هذا المكان هو لنا منذ أعوام طويلة، فاهرب أنت منه قبل أن نقطّعك إرباً “. وآخرون منهم كانوا يتوعّدون: “لا بل سنلقيك في النهر… “. وفعلاً أحسّ البار بأنّ الشّياطين تجرّه بقدميه، فلم يضطّرب، بل أخذ يصلّي بقوّة صارخاً في وجههم: “إنّ المسيح هو مخلّصي وسوف يغرّقكم الآن بقوّة يمينه في الهاوية السّفلى المريعة “. وللحال سُمعت صرخات مدوّية مخيفة، واختفى فجأة بعدها الأعداء المظلمون.

نعم، إنّ صلاة وتهديد القدّيس طردهم بعيداً عن مكانهم. وهكذا تخلّصت المنطقة من شرهم وجورهم.

X X X

القدّيس يوحنّا الخوزيبي

روماني الأصل. لم يُذكر شيء عن مكان أو تاريخ مولده. جلّ ما نعرف أنّه أُعطي اسم إيليّا في المعموديّة. تيتّم باكراً. ربّته جدّته وساهمت في تأمين متابعة علومه. بعد وفاة جدّته، احتضنه عمّه الذي كان أباً لعائلة كبيرة. في وسط هذه العائلة عاش يوحنّا. عانى من البؤس والمعاملة السيّئة مما جعله يبدو حزيناً ووحيداً.

كانت زيارة مدافن الأموات في عيد الفصح المجيد عادة قديمة درج عليها العديدون من أقارب إيليّا. فذهب هو بدوره ليزور قبر جدّته التي لم يكن قد مضى على وفاتها وقت طويل. وبينما كان يبكي فراقها سمع فجأة صوتاً مصحوباً برنين أجراس يقول له: ” لا تبكِ. أنا معك، المسيح قام “. نهض الصّبيّ خائفاً، مفتّشاً عن مصدر الصّوت، فرأى المسيح القائم يبتسم له وهو خارج من هيكل الكنيسة.

أتمّ القدّيس يوحنّا علومه الثّانويّة، وما عليه الآن إلاّ أن يختار المهنة التي تناسبه. وفيما كان يصلّي ذات يوم سمع صوتاً يهمس له: ” إلى الدّير، إلى الدّير “.

وهكذا ما أن أنهى خدمته العسكريّة سنة 1936 حتّى لبّى الدّعوة ودخل دير نيامتس Neants الشّهير (وهو دير روماني يقع في منطقة مولدافيا. عاش فيه لفترة من الزمن القدّيس الروسي باييسي فيلتشوفسكي مؤسس الحياة الرّهبانية في روسيا.) وكان حينها في سنّ العشرين من عمره. خدم في الدّير كمساعد للأخ المسؤول عن الصّيدليّة وبعدها عمل كأمين للمكتبة ثم سيم بعد ذلك مبتدئاً لابساً الجبّة. ضاعف يوحنّا أصوامه وصلواته وذهب ببركة الرّئيس حاجّاً إلى الأراضي المقدّسة برفقة راهبين آخرين، وأقام في دير القدّيس سابا حيث كان يعيش رهبان يونانيّون ورومانيّون معاً. أتقن هناك اللغة اليونانيّة واستطاع أن يترجم عدّة كتب روحيّة من اليونانيّة إلى اللغة الرّومانيّة خاصة كتابات القدّيس نيقوديموس الآثوسي (وهو قدّيس نسك في الجبل المقدس في القرن التاسع عشر.) حظي باحترام كلّ الآباء لصمته واندفاعه في تطبيق الحياة النّسكيّة وخاصّة الصّلاة القلبيّة.

في تلك الآونة تعرضت المنطقة لبعض الاضطّرابات السّياسيّة وخاصّة عندما كان يشنّ العرب بعض الهجمات على الإنكليز المحتلّين، فكان الدّير عندئذ يتحوّل إلى مستشفى لإسعاف الجرحى مقدّماً لهم الاسعافات اللازمة. فصرف يوحنّا بدوره وقته وذاته في سبيل الاعتناء بالمصابين حتّى وقع هو نفسه أسير مرض الديزنطاريا بسبب قلّة المياه وفقدان الوسائل اللازمة والضّروريّة للعيش السّليم.

في بداية الحرب العالميّة الثّانية، وبما أنّ رومانيا كانت حليفةً للألمان ومعادية للإنكليز، فقد اعتقل هؤلاء الأخيرون الرّهبان الرّومانيّين، وكان يوحنّا من بين الأسرى، فاختير كمترجم للإنكليز آنذاك. أخيراً أُطلق سراحه وعاد إلى سابق أعماله في الدّير. ثم ما لبث أن توشّح بالإسكيم الكبير (اللباس الذي يحصل عليه الراهب إشارة إلى نّذوره عندما يُعلنها) وعُيّن رئيس على دير روماني في وادي الأردن.

أدّى يوحنّا واجبه على أكمل وجه وبكلّ دراية وحكمة وتواضع (1947-1953). كان يمضي يومه بالعمل اليدوي وتدبير شؤون الإخوة، وأمّا لياليه فكان يلجأ إلى الصّحراء بعيداً مصليّاً. كان الشّوق إلى حياة الهدوء والنّسك يلهب قلبه وعقله إلى أن شعر ذات يوم بأنّ الوقت قد حان لكي يتنحّى عن رئاسة الدّير ويحيا حياة التّوحّد والعزلة. فأخبر تلاميذه بمنية قلبه، وأشعل فيهم الحميّة من أجل مواجهة الحروب الرّوحيّة محبّةً بالسّيّد. وفي عام 1953 انكفأ كليّاً في الصّحراء القريبة من دير خوزيبا (دير لوالدة الإله) وأقام في مغارة ترتفع 50 متراً فوق واد جبلي. واظب خلال سبع سنوات متوالية على الصّلاة المستمرّة وقراءة كتب الآباء وتأليف الأناشيد الرّوحيّة. تحمّل بجلادة حرارة المناخ وبرودته وكلّ أنواع التّقشّفات وهجوم الشّياطين واعتداء العرب عليه الذين حاولوا صرفه عن المكان. كان يقصد الدّير في الأعياد الكبيرة فقط. لم يكن يستقبل في مغارته سوى تلميذه إيوانيكيوس، تلك المغارة التي كان يتعذّر الوصول إليها خاصّة بعد نزع السّلّم عنها. وبعد أن عاين القدّيس رؤيا إلهيّة تنبؤه بقرب أجله أسلم الرّوح بين يدي خالقه وهو يبارك الجهات الأربع وكان ذلك في 5 آب من عام 1960.

أثناء خدمة الدّفن، اجتاحت المغارة فجأة أسراب كبيرة من الطّيور الكاسرة، وحطّت على جسد القدّيس لكي تشارك الرّهبان بأصواتها أثناء ترتيل خدمة الجنّاز.

بعد عشرين سنة من رقاده، أبصر تلميذه إيوانيكيوس في حلمه القدّيس يوحنّا يأمره بإخراج جسده المدفون من الموضع الذي فيه، إلاّ أنّ رئيس الدّير آنذاك أجّل طلبه لأنّ الظّروف لم تكن مؤاتية. زار بعد فترة المغارةَ بعض من أبنائه الرّوحيّين لنيل بركة القدّيس. ويا للعجب!! فما أن فتح  التّلميذ القبر، حتى اكتشف بأن جسد القدّيس لم يبلَ وكانت تفوح منه رائحة عطرة. نُقلت الرّفات بعدها باحتراز إلى دير خوزيبا حيث أصبح مصدر بركة وشفاء للكثيرين من الحجّاج الذين كانوا يؤمّون الدّير.

فبشفاعاته أيّها الرّبّ يسوع المسيح ارحمنا وخلّصنا آمين.

X X X

الأخ دانيال المريض

كان الأخ دانيال واحدا من مجاهدي جبل آثوس، يتابع جهاده النّسكي في  كوخ القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم في اسقيط القدّيس بندليمون. وقد أكّد لنا هو بنفسه ما سبق أن سمعناه من آباء كثيرين وذلك أنّ له عشرين سنة ونيِّف مطروحاً على سرير الأمراض، يعاني من ألم شديد في الرّأس والوسط، في الكليتين والقلب والرّجلين، ولم يكن من النّادر أن يجتاح الألم جسده كلّه عضواً فعضواً. إلى أطبّاء كثيرين لجأ وتحاليل عديدة أجرى، كما خضع لوفرة من الصّور الشّعاعيّة. غير أنّ النّتيجة كانت أبداً واحدة لا تتغيّر: لم يستطع الأطبّاء تحديد أي مرض عضوي يفسّر تلك الأمراض التي استمرّ يعاني منها، لقد وقف الطبّ والعلم عاجزين أمام أدوائه الغامضة.

منذ سنوات قليلة وتحديداً في السّابع والعشرين من شهر تمّوز وخلال سهرانة القدّيس بندليمون، انتصب الأخ دانيال أمام أيقونة القدّيس والدّموع تملأ مقلتيه متضرّعاً: “يا قدّيس الله وشفيع إسقيطنا، إنّك طبيب شهيد وقد أرقت دمك حبّا بالرّبّ يسوع، لذا أسألك أن تصنع محبّة وتتوسّل إلى السّيّد المسيح أن يهبني الصّحّة، لكي وأنا أيضاً إذا ما تمتّعت بالعافية أستطيع أن أمجّد الله وأرتّل خلال السّهرانات.”

ما إن انتهى من صلاته حتى أُخذ في إغفاءة بسبب تعبه وألمه الجزيلين. فإذا به يشاهد خلال رؤيا القدّيس بندليمون ساجداً أمام العرش الإلهي يتضرّع إلى الله ليمنّ على الأخ دانيال بالصّحّة. وسمع صوت السّيّد يقول للقدّيس: “يا أخي العظيم في الشّهداء بندليمون، أتراك أوفر رأفة منّي؟ أم أنّك أكثر محبّة للبشر. أعرف تماماً كيف أنّك سفكت دمك لأجل محبّتي. ولكن ألم أرق أنا أيضاً دمي وقتاً ما لأجل خلاص النّفوس؟ إعلم أنّي أرتضي مرّات عديدة أن يمرض الجسد لتخلُص النّفس. بهذه الطّريقة أبغي أن يخلص جمعٌ كبير من النّاس.”

عند سماع هذه الكلمات استيقظ الأخ دانيال ممجدّا اسم الله وشاكراً للقدّيس وساطته. وكما أخبرنا هو بنفسه، شعر حينئذ أنّ حملاً ثقيلاً قد أُزيح من فوق منكبيه وتعلّم كيف يحتمل بصبر وشكر وفرح صليب مرضه ووهنه.

X X X

الفقير والغني

أخبر المطران ثيوفانيس، ملاك أبرشية آفيا (جزيرة في اليونان) ، القصّة التّالية: كان أحد أبناء أبرشيّته الفقراء قد ورث إناءً ذا قيمة أثريّة جزيلة. حدث مرّة أن رأى أحد أغنياء المنطقة هذا الإناء فأُخذ به ورغب في شرائه بأيّة وسيلة ممكنة. غير أنّه فشل في الحصول على مراده بالحسنى والتملّق وذلك لأنّ الفقير، رغم جهله قيمة الإناء، رفض بيعه كونه إرثاً عائلياً. إذ ذاك لجأ الغني إلى القوّة وسلب الفقير ميراثه الغالي.

لم يمض زمن طويل على هذا الأمر حتى رقد الغني وهو في ريعان الشّباب. أراد أهله أن يصنعوا له حسب العادة الجارية وينقلوا جسده بعد ثلاث سنين من وفاته، فلمّا فتحوا القبر ألفوا الجسد غير منحلّ. انتظروا ثلاث سنين أخر وأعادوا الكرّة فلم يوفّقوا إذ وجدوا الجسد منتفخاً كالطّبل دونما انحلال. فقاموا بمحاولة ثالثة لكن دون جدوى. حينئذ دعوا الأسقف ثيوفانيس وطلبوا إليه أن يتلو صلاة الحلّ على الميت، غير أنّ النّتيجة لم تتغيّر.

بعد ذلك نصح الأسقف الأهل بأن يوقفوا الجسد المنتفخ في مكان عام  ليأتي كلّ سكّان القرية واحد فواحد ويسامحوا الميت وهكذا يسامحه إلهنا الكلّي صلاحه ويحلّ جسده. كما أنّ الأسقف طلب من أحد الثّقاة أن يقف بجانب الميت ويسمع كلّ ما يقال.

مرّ أهل القرية كلّهم أمام الجسد مصلّين إلى الله ليسامح الرّاقد. ولمّا جاء دور الفقير سمعه رجل الأسقف يقول: “هيه إنّه لعدل أن تعاني هذا الأمر وتبقى دون انحلال بسبب الإناء الذي اغتصبته مني. فلتلبث هكذا منتفخاً إلى الأبد ما دمت قد ارتضيت أن تسلبني ما ورثته عن أمّي التي ولدتني.”

ولمّا عرف الأسقف بما حدث استدعى الرّجل الفقير وسأله عمّا عناه بمقولته تلك. وعندما وقف على الحقيقة سأل أهل الغني عن الإناء، فعرف منهم أنّه، أي الإناء، يشكّل، حالياً، جزءاً من ثروتهم. فطلب إليهم أن يعيدوا الإناء إلى صاحبه الحقيقي عسى الله يمنّ بالغفران على ابنهم الرّاقد.

عمل الأهل بمشورة الأسقف الذي وضع الإناء بطريقة ما بيد الميت  وسأل الفقير أن يتقدّم ويأخذ الإناء مسامحاً الغني من كلّ قلبه على الظلم الذي لحقه بسببه. فلمّا تمّ ذلك أمام عيون أهل القرية المجتمعين، انحلّ ذاك الجسد، الذي لبث منتفخاً غير منحلّ سنين طويلة، على الفور وتحوّل إلى غبار. ذهل الحاضرون ومجّدوا الله الكلّي الصّلاح والدّيّان العادل. على إثر ذلك هجر الأسقف العالم وذهب إلى جبل آثوس حيث أمضى حياته كراهب بسيط مجهول من كلّ أحد مبتغياً إرضاء وجهه تعالى.  

” ما فعلتم بأحد أخوتي هؤلاء الصّغار فبي قد فعلتموه.”

إن كانت الطّريق الأقصر إلى قلب الله هي محبّة القريب والإحسان إليه، فظلم الإنسان لأخيه الإنسان هو الطّريق الذي يقوده بعيدا عن الله.

X X X

القدّيس أدريانوس رئيس دير أوندروسوف Ondroussov  

والمغبوط كبريانوس الذي من ستوروجيفسك Storojevsk

كان اسم القدّيس أدريانوس وهو في العالم اندراوس زافالاشين. ينحدر من إحدى عائلات البوايار Boyards التي كانت من حاشية القيصر الكبير يوحنّا الثّالث Vasilievitch . عاش في أملاك ذويه بالقرب من بحيرة لادوغا وكان مولعاً بالصّيد. وبينما كان في أحد الأيّام من سنة 1494 يلاحق أيّلاً في الغابة المجاورة للبحيرة، وصل أمام قلاية القدّيس ألكسندر سفير (عيده في 30 آب) (svir)  الذي كان يعيش في نسك صارم إذ لم يرَ وجه آدمي مدّة 7 سنوات متتالية.

أُعجب الشّاب أشدّ الإعجاب بالقدّيس ألكسندر وبجهاداته الرّوحيّة، وأخذ يتردّد على زيارته بانتظام. كان يحضر له المؤن الضّروريّة، ويحصل بالمقابل على النّصائح الرّوحيّة القيّمة والارشادات المفيدة.

دخل الشّاب أدريانوس إلى دير فالامو ببركة القدّيس ألكسندر، وخلال فترة قصيرة حصل على إذن من الآباء الشّيوخ لكي يعيش متوحّداً على الضّفاف الشّرقيّة لبحيرة لادوغا.

ابتنى له هناك كنيسة على اسم دخول السّيّدة والدة الإله إلى الهيكل، وكنيسة أخرى على اسم القدّيس نيقولاوس. اجتمع طلاّب الرّهبنة حوله، فأسّس لهم بجانب الكنيسة ديراً على اسم القدّيس نيقولاوس أيضاً، أمّا سكّان تلك المنطقة فأطلقوا عليه اسم دير اندراوس.

هناك في غابة جزيرة سالا الواقعة مقابل منسك القدّيس، كان يعيش رئيس عصابة يخلق لأدريانوس الإزعاجات والمتاعب الكثيرة. لكنّ رجل الله نجح، بلطافته ودماثته، في ثنيه عن شروره، حتّى تركه ذلك اللص يعيش بسلام وهدوء. بعد ذلك بفترة وجيزة هاجمت شرذمة من الأشرار الأشقياء ذلك اللص وزجّوه في السّجن. فجأة وهو في سجنه ظهر أمامه القدّيس أدريانوس وقال له: ” لأجل رحمة السّيّد وباسم الذي طلبتُ منك أن تُبقي على الأخوّة بيننا، ها أنت منذ الآن تصير حرّاً طليقاً “. وللحال سقطت السّلاسل الحديديّة من يدي الأسير وتحرّر من قيوده وراح يركض نحو الدّير لكي يشكر القدّيس على صنيعه وإحسانه إليه. ثم ما لبث اللص أن علم بأنّ القدّيس كان قد أمضى ليلته يصلّي ويتضرّع من أجله.

بعد هذه الأحداث، أدرك رئيس اللصوص بأنّ حياته الفاسدة هذه قد أدّت به إلى الضّياع. فارتدّ إلى الإيمان وتاب وأتى إلى القدّيس يطلب منه بأن يقوده في طريق الخلاص.

رُسم (هذا اللص) راهباً تحت اسم كبريانوس. وبجهاداته النّسكيّة ومحبّته ورحمته، لم ينل فقط غفران خطاياه، إنّما اكتسب أيضاً موهبة صنع العجائب. وبعد موته نال الكثيرون، بفضله وشفاعاته، إحسانات إلهيّة جزيلة.

في عام 1549 استُدعي القدّيس أدريانوس إلى البلاط الملكي في موسكو ليكون عرّاباً للملكة حنّة ابنة القيصر يوحنّا الرّابع. وفي طريق عودته إلى الدّير، وعلى بعد 20 فرسخاً منه، قتله أناس أشرار أرادوا الاستيلاء على العطايا التي وُهبت له من قِبَلِ الملكة (يُعيّد له في 15 أيار).

لم يعلم أحد بما جرى. ولكن، بعد سنتين من تاريخ موته، ظهر القدّيس لشيوخ الدّير وأعلمهم بحادثة وفاته. وبأمر منه، أطلق الرّهبان حصاناً يدلّهم على مكان وجود بقايا القدّيس. نُقلت الرّفاة وأودعت كنيسة القدّيس نيقولاوس. يعيَّد لذكرى نقل رفاته في 17 أيّار.

أُهمل الدّير بعد أن هجره الرّهبان وأصبح خرِباً. في عام 1789 هبّت فجأة عاصفة هوجاء في ذلك الموضع وهدّدت بالخطر حياة أحد الرّهبان واسمه اينوكنديوس، فوعد هذا أنّه إن نجا من هذه العاصفة سوف يجدّد بناء الدّير. بعد شهر من وقوع هذه الحادثة، ظهر القدّيس نيقولاوس يرافقه القدّيس أدريانوس للرّاهب اينوكنديوس لكي يذكّراه بوعده، معلنَيْن له عن قرب وقوعه في تجربة أخرى جديدة إن لم يفِ بوعده.

في السّنة التّالية، واجهت الرّاهب اينوكنديوس من جديد عاصفة في الموضع السّابق عينه بالقرب من الدّير. ورغم هذا الإنذار الثّاني، دفع عنه فكرة التّرميم وأجّل وعد تحقيق مشروعه. في وقت لاحق رأى إينوكنديوس في الحلم القدّيس أدريانوس ينقذه من الغرق ويذكّره بوعده.

أخيراً وبعد حوالي 30 عاماً استطاع الشيخ إينوكنديوس أن يُصلح المنسك عام 1817، وسنة 1883 شُيّدت كنيسة صغيرة في المكان الذي استُشهد فيه القدّيس أدريانوس.

فبشفاعاتهما اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

X X X

القدّيس فانتينوس العجائبي

وُلد الأب فانتينوس حوالي عام 927م. في كنف عائلة تقيّة ومعروفة في منطقة كالابرا جنوبي إيطاليا. انعكف منذ الطّفوليّة على المطالعة والتّعمّق في الكتب المقدّسة. كان يزدري بكلّ أنواع التّسليات والملّذات التي كان يتعاطاها الأولاد الذين كانوا في سنّه، إذ وجّه كلّ اهتمامه نحو التّأمّل بالخيرات الأبديّة.

لاحظ ذووه ميل الطّفل نحو الأمور الإلهيّة، فكرّسوه لله وهو في الثامنة من عمره، وعهدوا به إلى القدّيس إيليّا الكهفي (وهو أحد الوجوه البارزة في الرّهبنة البيزنطيّة في جنوبي إيطاليا). أبصر القدّيس ما كان عليه فانتينوس من دعوة مميّزة ففوّض أمر تدريبه في الطّريق الرّوحي إلى أفضل رهبانه، فاقتنى فانتينوس حكمة الشّيوخ وهو بعد طفل، لهذا ألبسه القدّيس إيليّا الثّوب الرّهباني بعد 5 سنوات من دخوله الدّير، وجعله طبّاخاً. كان العمل صعباً وشاقّاً بالنّسبة إليه، ولكنّه كان مطهِّراً أيضاً للنّفس، لأنّه كلّما اتّفق أن ألِفَ نفسه أمام النّار التي كان يضطّرم لهيبها داخل الفرن، كان ينتقل للحال بفكره إلى تلك النّار الأبديّة التي سوف يُلقى الخطأة فيها، وهكذا اكتسب بهذا الفكر نعمة النّدامة وروح التّوبة.

منذ دخوله الدّير لم يكن يتناول الطّعام إلاّ كلّ يومين أو ثلاثة. وبدأ في التّقشف الزائد في السّنة الثّانية لتوشّحه بالنّذر الرّهباني، إذ لم يكن يأكل إلاّ الخضار ومرّة واحدة في الأسبوع، ونادراً ما كان يتزوّد بالقليل من الخبز.

كان فانتينوس يتقدّم في كلّ الفضائل طارداً عنه كلّ لذّة جسديّة، وقد أصبح قلبه النّقي أرضاً خصبة تحمل وبوفرة ثمار الرّوح القدس.

عندما أسلم القدّيس إيليّا روحه لله سنة 960م. قرّر فانتينوس اعتناق حياة الوحدة الكاملة، وكان ذلك بعد أن مضى عليه 20 عاماً في الدّير اكتسب خلالها خبرة كافية تؤهّله لاقتبال نظام نسكي صارم. انعزل في موضع صحراوي في منطقة جبل ميركوريون Mercurion في شمال الكالابرا في وادي لاو Lao حيث عاش عدة سنوات في تقشّف شديد، شبه عريان، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. جُرّب بقساوة من الشّياطين التي كانت تظهر له بشكل أهله وهم يتوجّعون في حزن وأسى على فقده محاولين إعادته إلى العالم. وأحياناً أخرى كانت تظهر له الشّياطين بشكل حيوانات مفترسة. إلاّ أنّه كان ينتصر على كلّ هذه التّجارب برسم إشارة الصّليب المحيية وبالصّلوات الليليّة الطّويلة.

بعد 18 سنة من الجهادات والأتعاب الجزيلة، عثر عليه أهله، الذين كانوا يفتّشون عنه، في عزلته. وبعد عدّة لقاءات مؤثّرة معهم تهتزّ لها العواطف استطاع، وبنعمة المسيح، أن يقنعهم لكي يبتعدوا هم أيضاً عن حياة العالم وأباطيله. وهكذا أودع والدته وأخته في دير للرّاهبات، وأجرى بنفسه سيامة والده واثنين من إخوته لوقا وكوزما فأصبحت العائلة كلّها رهباناً، فقادهم هو كلّهم في الطّريق الضيّقة التي تؤدّي إلى الملكوت.

أصبحت تلك الجبال الصّحراويّة فيما بعد مساكن يقطنها الرّجال والنّساء الذين اختاروا أن يعيشوا وهم على الأرض حياة ملائكيّة تحت إرشاد المغبوط فانتينوس الذي كان أباً للكلّ ومعلّماً للشّريعة الإلهيّة ومثالاً حيّاً للفضائل الإنجيليّة.

وبما أنّ تحمّل مسؤوليّة خلاص العديد من النّفوس لم تدعه يتفرّغ لله وحده دونما تشتّت، وبما أنّه كان متعطّشاً للتّعمّق أكثر في التّأمّل بالإلهيّات، عهد إدارة شؤون الدّير إلى أخيه لوقا، كما وضع مدبّرين يديرون الأمور في الشّركات الرّهبانيّة الأخرى، وانصرف بعدها سرّاً ليعتزل في موضع آخر حيث اعتبره سكّانه جاسوساً فأوثقوه ورموا به في مكان مظلم تحت الأرض وتركوه دون عناية عرضة للسع الحشرات وكلّ حثالة. وجد القدّيس نفسه في المكان الذي وضعوه فيه مغموراً بالنّعمة الإلهيّة، فبقي غريباً عن كلّ توجّع وألم من جرّاء وضعه الصّعب لا بل أحسّ بحلاوة الحياة مع الله وهو على هذه الحالة.

عندما أدرك الذين سبّبوا له هذه الآلام ما كان عليه من الفضيلة والإيمان، فكّوا أسره منطرحين عند قدميه طالبين منه الصّفح والغفران. عاد فانتينوس فانتقل ليقيم في موضع آخر ملائم للحياة الهدوئيّة، وحيث تتوفّر فيه المياه والخضرة، إلاّ أنّه تعرّض من جديد للاضطّرابات التي كان يسبّبها له الزوّار. للحين قرّر العودة إلى ديره.

عاد إلى حياة الشّركة دون أن يتخلّى عن نظامه النّسكي الشّاق الذي كان يتّبعه من قبل. كان يقتات من الخضار النيّئة ويفترش الحضيض ويتنقّل شبه عريان. كان فنّ الخطّ عمله اليدوي، وكان يمضي نهاريه ولياليه في الصّلاة المتواصلة وإنشاد التّراتيل. كان شوقه إلى الله يزداد يوماً فيوماً حتّى اكتسب نعمة اللاهوى، ولم يعد يشبع من الرّحيق الإلهي الذي كان يستقيه من فيض قلبه. اقتنى موهبة طرد الشّياطين وشفاء الأمراض النّفسيّة منها والجسديّة. كانت له السّلطة على الحيوانات المفترسة والزحّافات ويأمرها كآدم جديد فتخضع له. كان، بعجائبه، يزوّد الدّير بكلّ احتياجاته.

عند فجر أحد الأيّام وأثناء خدمة الصلاة السّحريّة، أُخذ القدّيس في انخطاف وبقي رافعاً يديه وعينيه نحو السّماء حتّى صلاة الغروب. وعندما سأله تلاميذه ما الذي عاينه أجابهم بدموع حارّة: ” إنّ الذي تريدون معرفته أمر يفوق الوصف ولا يعبَّر عنه “. وعلى أثر هذا الكلام ألقى جبّته على الأرض تاركاً كلّ شيء، وخرج من الدّير عارياً متوغّلاً في الجبل حيث مكث هناك مدّة 20 يوماً صائماً دون طعام أو شراب.

عاش هكذا ولمدّة 4 سنوات محلوق الرأس واللحية، يقتات فقط من الأعشاب البريّة. بدا وكأنّه مسّه الجنون بالنّسبة للذين يجهلونه وأيضاً بالنّسبة لرهبان ديره. راح يتنبّأ عن حدوث قريب لاجتياحات تطال البلاد من قبائل العرب المغاربة، كما تنبّأ النّبي إرميا قديماً في أورشليم وذلك بسبب تقهقر وانحلال التّقاليد المسيحيّة.

عاد في أحد الأيّام وقابل الإخوة من جديد وأعلن لهم عن مجيء القدّيس نيلس الذي نسك في جبل ميركوريون كالابرا Mercurion Calabra (عيده في 26 أيلول) ، الذي سبق ودرّبه على الحياة النّسكيّة و كان يكنّ له في قلبه تقديراً كبيراً. عندما أخبر القدّيس فانتينوس القدّيس نيل عن رؤيا كان قد حُمل خلالها من قِبَل ملاكين ليتأمّل في مكان العذاب الأبدي ومكان الرّاحة والغبطة الأبديّة، راح القدّيس نيل يوبّخ الرّهبان على اتهامهم القدّيس فانتينوس بأنّه قد خرج عن طوره، بينما هو قد ارتفع إلى السّماء الثّالثة مماثلاً القدّيس بولس الرّسول.

بعد وقت طويل من الجهاد والأتعاب النّسكيّة، ظهر ملاك الرّب للقدّيس فانتينوس خلال صلاته الليليّة وأمره بأن يحضر إلى تسالونيكي بغية جذب العديد من النّفوس هناك إلى عمل الفضيلة.

جمع القدّيس الرّهبان في الكنيسة، وأوصاهم بأن لا يهدروا الوقت الذي أعطاه الله لنا من أجل التّوبة في التّعلّق بالأمور الأرضيّة أو في الاهتمامات الباطلة، بل أن يحثّوا بعضهم البعض ويجتهدوا لكي يكونوا مستحقّين لملاقاة السّيّد عندما سوف يعود ليدين العالم. بعد أن ودّعهم، أبحر إلى اليونان يرافقه تلميذاه فيتاليوس ونيكيفوروس.

وصلوا إلى جزر البيلوبونيز بعد رحلة بحريّة جميلة وأقاموا فترة في كورنثوس وأثينا. كثيرة هي النّفوس التي كانت تلتمس الخلاص لأنّها، لمجرّد رؤية هؤلاء الرّجال الإلهيّين الذين كانت تفوح منهم رائحة طيب الرّوح القدس، كانت تتسارع إليهم لنيل البركة. إلاّ أن فانتينوس وقع في مرض شديد وانتظر الجميع موته، لكنّه أنبأهم بأنّه سوف يقضي أجله في تسالونيكي.

عندما استعاد عافيته، انتقل إلى لاريسا وعاش لبعض الوقت بالقرب من كنيسة القدّيس أخيلّوس ناشراً بفيض تعاليمة الرّوحيّة. من هناك أبحر الثّلاثة إلى تسالونيكي، حيث أقاموا في كنيسة القدّيس ميناس. جذبت شهرة فانتينوس الواسعة العديد من شخصيّات المدينة المعروفين، حتّى أتاه المطران نفسه لزيارته ونيل بركة صلاته والاستماع إلى عذب كلامه.

أصبح القدّيس طبيباً لكلّ المجرَّبين وملجأ للمحزونين، ومعلِّماً للذين يريدون السّير في طريق الله. بدّل مسكنه بعد ثلاثة أشهر ومع هذا لم يتوقّف تدفّق الزوّار عليه، بل كان يزداد بالأكثر.

بينما كان ذات يوم موجوداً بالقرب من باب كاساندرا Porte de Casandra نزل فانتينوس فجأة وتوجّه نحو كنيسة القدّيسة أنيسيّة، فالتقى هناك براهبين آتيين من الجبل المقدّس ومتوجّهين نحو أثينا. أحدهما كان شيخاً وقوراً والآخر شاباً دون لحية (خصيّاً)، انحنى أمامهما ساجداً عند قدميهما وطالباً بركتهما. بعد اجتيازهما، أوحى القدّيس فانتينوس إلى تلميذه، المنذهل من هذا التّصرّف، بأنّ أحد الاثنين كان القدّيس أثناسيوس مؤسّس دير اللافرا الكبير، والآخر القدّيس بولس الذي من دير كسيروبوتامو، اللذين سوف يتألّقان كنجمين لامعين في الجبل المقدّس.

ولدى عودة الرّاهبين الآثوسيّين من تسالونيكي، تقدّما بدورهما إلى فانتينوس لينل بركته، بعدما سمعا بعجائبه وأدركا بأنّه إيّاه الرّاهب الذي التقياه أثناء مرورهما إلى أثينا في كنيسة القدّيسة أنيسيّة.

استمر القدّيس فانتينوس ينشر رحمة الله بعجائبه، وبفضل تبصّره أُنقذت المدينة من هجوم البلغار. بعد حوالي 8 سنوات من إقامته في مدينة القدّيس ديمتريوس، رقد بسلام في الرّب سنة 1000م. عن عمر يناهز 73 عاماً.

فبشفاعاته اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

مختارات من سير مباركة

مختارات من سير مباركة
إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

الرّسول يعقوب

يخبرنا التّقليد بأنّ الرّسول يعقوب، أخا الإنجيلي يوحنّا، في الوقت الذي كان يُقاد فيه إلى الاستشهاد التقى في الطّريق بذاك الذي أسلمه. فأوقفه القدّيس وقبّله قائلاً له: “السّلام لك يا أخي”. فلمّا رأى ذاك عدم شرّ الرّسول القدّيس تعجّب وصرخ بحماس: ” إنّي مسيحي منذ هذه اللحظة “. وبعد هذا الإقرار والاعتراف قُطع رأسه مع الرّسول.
الرّاهب واللصوص

تاه أحد الرّهبان في البريّة وأضاع طريق العودة، فراح يسير ساعات طوالاً دون هدف إلى أن التقى بأشخاص عابري الطّريق وكانوا لصوصاً أشراراً، فتوسّل إليهم أن يدلّوه على الطّريق الصّحيح ولكنّهم استهزأوا به ودلّوه خطأ. فهم الرّاهب قصدهم ولكنّه بقي صامتاً ورافقهم إلى أن وصلوا إلى نهر كان عليهم اجتيازه، وفجأة ظهر لهم تمساح مخيف هدّد حياتهم بالخطر لو لم يتداركهم الرّاهب وينجّيهم معرّضاً نفسه للخطر بدلاً عنهم. تأثّر أحد اللصوص من موقف الرّاهب فوقع عند قدميه يطلب منه الغفران معترفاً بأنّهم لو استطاعوا عبور النّهر لكانوا قتلوه بدون شفقة. ولكنّ طيبته وحسن معاملته لهم غيّرتهم وردعتهم عن فعل الشّر.
شكّ الرّاهب

راهب من أوبتينا يدعى دوروثاوس ذهب ذات يوم لمقابلة الأب أمبروسيوس (1812-1891) وانتظر ساعات طويلة خروج الشّيخ من قلايته. حلّ الليل، وبدأ ذهن الأب دوروثاوس يستضيف أفكاراً سيّئة: “الكلّ يعتبرون الشّيخ قدّيساً، ولكن ما هذه القداسة التي تُرغمك على الانتظار ساعات طوال؟ إنّ هذا الانتظار سيجعلك تخسر خدمة المساء وسوف تضطر بالتّالي إلى النّهوض متأخّراً فتخسر بذلك أيضاً صلاة السّحر. فليتحمّل إذن هو خطيئة كهذه “. وبينما كان يفكّر هكذا إذا بصوت الشّيخ يقول: “ها قد أتيت، ها قد أتيت”. وما إن خرج من قلايته حتى اتّجه فوراً ناحية الأب وباركه وأمسكه بلطف من لحيته، ثم ضربه ضرباً خفيفاً على وجهه مداعباً وقائلاً: “هناك راهبات ينتظرن شهراً بكامله كي يرونني، ويضطررن أحياناً إلى المبيت في المضافة. كما يوجد نساء يأتين من بعيد لمقابلتي ولكنهنّ يصبرن وينتظرن أيضاً. يجب أن أطلق أولاً هؤلاء لأنّه بسببهنّ لا أستقبل، مرّات كثيرة، العديد من الإخوة، إذ من غير الممكن أن أواجه الجميع في اليوم نفسه. فماذا تقول إذن فهل أنا أتحمّل خطيئة تذمّرهم جميعاً ؟”
بعد هذا الحدث لم يعد يشكّك الأب دوروثاوس بقداسة الأب أمبروسيوس ولم يعد يسمح لأفكاره أن تدين تأخّره مطلقاً. وهكذا أصبح كلّما خرج من قلاية الشّيخ يشعر بسلام وفرح كبيرين.
القدّيسان استفانوس وسرجيوس

كان القدّيس استفانوس أسقف مدينة بيرم الرّوسيّة يكنّ محبّة عظيمة للقدّيس سرجيوس رادونيج (1314-1392 مؤسّس لافرا الثّالوث الأقدس في زاغورسك). وذات يوم بينما كان الأسقف يقصد موسكو، عبر طريق قريبة من لافرا الثّالوث، ولكنّه، وبما إنه كان مسرعاً، أراد تجاوز الدّير وفي نيّته أن يزور القدّيس لدى عودته. غير أنّه وقبل أن يبتعد عن الدّير أوقف العربة التي كانت تقلّه وشرع يرتّل بواجب الاستئهال ثم انحنى نحو اللافرا قائلا: ” السّلام لك أيّها الأخ الرّوحي سرجيوس “. حصل هذا في الوقت الذي كان فيه القدّيس سرجيوس على مائدة الطّعام مع الإخوة. وبما كان له من البصيرة الرّوحيّة فلقد رأى الأسقفَ ساجداً نحوه. فقطع طعامه ووقف منتصباً مصليّاً ثم سجد بدوره للأسقف قائلاً: ” افرح أنت أيضاً يا راعي قطيع المسيح. فلترافقك بركة الرّبّ”.
بقي الإخوة منذهلين متسائلين ماذا حصل لرئيسهم. وظنّ البعض بأنّه أُهّل لرؤيا ما. وعندما إنتهوا من الطّعام اقتربوا منه طالبين توضيح ما حدث فقال: “عندما وقفت كان الأسقف مارّاً بالدّير قاصداً موسكو، فسجد للثّالوث القدّوس وباركنا أيضاً نحن الخطأة”.
تعجّب تلاميذ القدّيس الذين أكّدوا هذا الحادث من بصيرة الشّيخ الرّوحيّة ومجدّوا الله.
أفكار المتوحّد

من أخبار القدّيس سيرافيم ساروفسكي:
أخبر المتوحّد جرجس ماخورين قائلاً: “كنت أحارب منذ زمن أفكاراً توسوس لي بأن أترك ديري وأبحث عن آخر أكثر هدوءاً. لأنّ الزوّار كثر والكلّ يطلب مقابلتي، بالإضافة إلى الرّسائل التي لا تحصى التي أتلقّاها. فأنا أخجل من طرد الزوّار، ويجب أن أردّ على جميع الرّسائل وخاصة ما هو مهمّ منها. لقد استمرّت هذه الأفكار سنتين ولكنّي لم أستطع كشفها لأحد. وذات يوم أتاني أحد الرّهبان وأخبرني بأنّ هناك زائراً قادماً من بريّة ساروف من قِبَل الأب سيرافيم يطلب الانفراد بي. وعندما قابلته قال لي: “إنّ الأب سيرافيم يمنحك بركته ويقول لك إنّه من المخجل حقاً، بعد كلّ هذه السّنين التي قضيتها في الجهاد، أن تخضع لأفكار كهذه وتترك ديرك لتدخل آخر. ابق هنا ولا تذهب إلى أي مكان آخر فالمجاهد مجاهد في كلّ مكان”.
ما إن قال الزائر هذا حتى انحنى وخرج ذاهباً في سبيله. بقيت مسمَّراً في مكاني متسائلاً بانذهال واستغراب: كيف تأتّى لرجل أجهله كلّ الجهل، ولم أره أبداً في حياتي، ولم أراسله قط، أن يعرف أفكاري وخفيّاتي بهذه التّفاصيل والدّقة. وعندما عدت إلى نفسي رجوت الرّاهب أن يعود ويُدخل الزّائر من جديد علّي أستطيع أن أعرف منه أكثر حول هذا الموضوع. ولكنّه كان قد ذهب بعيداً ولم يستطع أحد أن يجده. لقد اختفى!”
نبل ضابط شاب

ربطت صداقة متينة بين ضابط من ضبّاط الجيش البيزنطي وأحد الأسياد الأغنياء. فراح هذا الأخير يستضيف في منزله، بين فينة وأخرى، صديقه الضّابط الذي كان على جانب كبير من الوقار والجمال. فعلقت به زوجة السّيّد الشّابة، ومن هواهه مرضت مرضاً ثقيلاً عجز الأطبّاء عن علاجه، إلى أن قالوا ذات يوم لزوجها: “اعرضها على أطبّاء نفسانيين إذ قد يكون مرضاً نفسيّاً”. فأمسك الثري زوجته وأرغمها على البوح والاعتراف بكلّ ما يخالجها ويعذّبها. فقالت: “أنت يا سيّدي، وبنيّة حسنة، تأتي برجال أصدقاء لك إلى المنزل، وأما إنا فكوني امرأة شابّة أقع في فخاخ العدوّ بسبب ضيوفك هؤلاء. وأمّا الآن فأنّي أتعذّب بسبب صديقك الضّابط هذا فإنّ هواه يقضّ مضجعي”.
ولدى سماع الزوج هذا الكلام هدأت نفسه، ولكي تبقى علاقته بصديقه مصانة، كاشفه بالأمر راجياً إيّاه أن يبقى الأمر سرّاً بينهما. وأمّا الشّاب النّبيل النّفس فتأسّف لحال المرأة من كلّ قلبه وقال لصديقه: “لا تغتمّ للأمر يا صاحبي. فبما إنني أنا السّبب في هذا فإنّي أرجو أن أقوم أنا أيضاً بإصلاحه سريعاً “.
وفي اليوم التّالي قصد الضّابط الحلاق وطلب منه أن يقصّ له شعر رأسه، وأن يحلق له لحيته وحواجبه أيضاً. وهكذا وبمنظره القبيح هذا قصد بيت صديقه وطلب أن يرى زوجته المريضة. ولمّا دخل حجرتها برفقة زوجها، كشف عن رأسه وقال لها: “انظري يا سيّدتي كيف سمح الرّبّ أن يصبح منظري”. فحالما رأته المريضة نفرت من قباحته، وتخلّصت للحال من الهوى الذي كان يعذّبها. وهكذا لم يعد هذا الضّابط التّقي الشّريف يزور بيت صديقه أبداً.
الصّداقة الحقّة

أمسك يوماً جماعة من المحاربين الأتراك شمّاساً مسيحيّاً وراحوا يتفنّنوا في تعذيبه. فسمع بذلك أحد معارفه المسيحيّين المدعو سانكتولوس، وكان يجلّ الشّماس كثيراً ويعتبره قدّيساً نظراً لورعه وعظم فضيلته، فأخذ يتوسّط لدى العديد من وجهاء المدينة ليخلّصه ولكنّه لم يصل إلى نتيجة ترجى، بل حظي فقط بإذن حراسة الشّماس في الليلة السّابقة لاستشهاده، على أن يعذَّب هو بدلاً عنه إن فرّ. قبِل سانكتولوس هذا العرض بكلّ فرح. وعند انتصاف الليل، وعندما أخلد الجميع إلى النوم، أيقظ الشّماس وطلب منه أن يهرب بأكبر سرعة ممكنة وخاصة أنّه جهّز له حصاناً سريع العدو.
– مستحيل يا صديقي، قال شهيد المستقبل، إن فررت أنا فمن المتعذّر أن تنجو أنت من أيديهم، فكيف أعرّضك لموت قاس كهذا.
– لا تهتم بي سوف يحميني الرّبّ.
وهكذا ضغط عليه وأرغمه على الهرب. وفي اليوم التّالي طلب القائد السّجين فأجابه حارسه أي سانكتولوس بشيء من اللامبالاة والاستخفاف:
– لقد هرب .
– ومن المؤكّد أنّك علمت بطريقة فراره.
– نعم.
– وبما إنك رجل صالح (بسخرية) لا أريد أن أعذّبك، ولكني أعرض عليك أن تختار بنفسك الميتة التي ترغب بها.
– أنا بين يدي الله. وطريقة الموت التي يختارها لي هي التي أقبلها بشكر.
قرّر القائد أن يقطع رأسه، وأوكل هذه المهمة إلى جندي ضخم الجثّة قوي السّاعد مفتول العضلات.
ركع سانكتولوس وصلّى ثم أحنى رأسه ليتقبّل الضّربة. كانت نفسه مبتهجة لأنّه بعد قليل سينعم بحضرة المسيح. وما إن رفع الجندي فأسه ليقطع هامة الشّهيد، حتى يبست تلك اليد في الحال وبقيت مرتفعة في الهواء وكأنّ قوّة سريّة قد جمّدتها، وأخذ يصرخ من الألم الذي اعتراه، فاضطرب كلّ من كان حوله قائلين: “ماذا سنفعل الآن بهذا الرّجل؟ يبدو أنّه قدّيس وأنّ الله معه”.
وهكذا راحوا يتوسّلون إلى الشّهيد أن يشفي يد الجندي الذي كان يصرخ باستمرار من الألم ويداه الاثنتان ما زالتا مرفوعتين. فقال الشّهيد:
– أنا لا أستطيع أن أطلب منّة كهذه من الله إن لم يَعِدْ هذا الجندي أولاً بأنّه لا يعود يؤذي بعد الآن أحداً من المسيحيين.
– إني أعد بذلك. قال الجندي وهو يرتعد خوفاً.
– أنزل يديك إذن.
وبكلمته هذه تحرّكت اليدان. فرمى الجندي فأسه بعيداً، تلك الفأس التي كان سيستعملها لقتل الشّهيد.
وهكذا عفّ القائد عن قطع هامة سانكتولوس الذي أصبح فيما بعد رسولاً بين هذه الجماعة من المحاربين.

البار بيمن

البار بيمن

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

كان هذا البار ذا بنية جسديّة ضعيفة منذ ولادته، إذ بقي طوال حياته يعاني من علل كثيرة نالت مختلف أعضاء جسده، لكنّها لم تستطع أن تطال صلابة ولا سموّ روحه، بل بالحري أتاحت له الفرصة كي يحفظ إناء نفسه نقيّاً طاهراً لم تفسده الأهواء ولا دنّسته الرّذائل.

كان بيمن يرغب منذ نعومة أظفاره أن يصبح راهباً لكنّ أهله كانوا يعارضونه ويقاومون رغبته هذه بشتّى الطّرق. وفي أحد الأيّام، وقد اشتدّ به المرض حتّى شارف على الموت، قرّر أهله أن يصحبوه إلى دير اللافرا  في كييف حيث كانوا يقطنون عساه يُبرأ بصلوات رهبان الدّير. أمّا القدّيس فإذ كان يعلم حقّ العلم، في قرارة نفسه، أنّه إذا شُفي فسوف يُبعده أهله من جديد عن الدّير، ولن يتسنّى له فيما بعد أن يزوره ولا أن يصبح بين عداد رهبانه، راح يصلّي بحرارة كبيرة كي لا يمنّ الله عليه بنعمة الشّفاء. فاستجاب الرّبّ لطلبته إذ لم تُجدِ نفعاً كلّ صلوات الآباء، فاضطّر ذووه أن يتركوه في الدّير عسى الله يتحنّن عليه في يوم من الأيّام ويمنحه البرء والشّفاء.

وفي إحدى الليالي، وبينما كان الجميع نياماً، ظهر لبيمن جوق من الملائكة بهيئة رئيس الدّير مع الإخوة الرّهبان قائلين له: ” لا تخف إنّ ما تعانيه من أمراض إنّما هو لخيرك وخلاصك وليتمجّد بك اسمه القدّوس. ولكنّك لن تحظى بالشّفاء الكامل إلاّ قبل ليلة واحدة فقط من رقادك. ثمّ ألبسوه الزّيّ الرّهباني وتوشّح بالإسكيم المقدّس باحتفال مهيب وأُعطي اسم بيمن. ناولوه بعد ذلك شمعة واحدة وأوصوه بأن يتركها مضاءة مدّة 40 يوماً و40 ليلة.

استفاق الرّهبان على أصوات التّراتيل والتّرانيم التي كانت تصدر من قلايّة المريض. فهرعوا مسرعين ليتحقّقوا ما يجري، وإذا بهم يرون العاجز المريض مرتدياً الملابس الرّهبانية، ومازالت رائحة طيب زكيّة تعبق في القلايّة، وتحقّقوا من صحّة تكريسه هذا عندما وجدوا ثيابه العلمانيّة وشعره المقصوص موضوعين على ضريح القدّيس ثاودوسيوس (مؤسّس دير الكهوف في كييف) في الكنيسة. بعد هذا الحدث العجيب، استطاع بيمن البقاء في الدّير بموافقة الرّئيس.

بقي بيمن يعاني ولسنين طويلة من أمراض خطيرة، متعرّضاً لآلام رهيبة مريعة كانت تدعو الإخوة لليأس من شفائه وللتّذمّر في كثير من الأحيان من خدمته والاعتناء به، فكانوا يتركونه مراراً كثيرة، ولعدّة أيّام، دون أن يقدّموا له الحاجات الضّروريّة من طعام أو شراب… كما وضعوا معه في قلايته أخاً آخر مريضاً. وبما أنّ الإثنين كانا يشتكيان من النّقص في تأمين حاجيّاتهما اليوميّة، سأل بيمن رفيقه المريض إن كان يقبل بأن يخدمه إن حظي بالصّحّة التّامة. فقبل الرّاهب، وبكلّ فرح، عرضه هذا. ثم ما لبث أن برء هذا الرّاهب بعد أيّام معدودة بصلوات البار بيمن.

وفى هذا الأخ بوعده من تقديم المساعدة اللازمة لبيمن، لكنّه ما لبث هو الآخر أن بدأ يتضجّر ويتأفّف من أمراض بيمن الكثيرة. فتركه كما فعل الآخرون وذهب ليقيم في قلاية أخرى. وبتدبير إلهي وقع من جديد طريح الفراش إذ ابتُلي بمرض خطير كان يعاني بسببه من عطش مستمرّ لا يُروى له فيه غليل أبداً.

أخبر الرّهبان بيمن البار عن حالة الأخ فأجابهم: ” إنّ ما نزرعه إيّاه نحصد أيضاً ” (غلا7:6). ولكنّ رأفته ومحبّته للأخ غلبتا مبادلة السّوء بالسّوء، فطلب أن يرى المريض. وما أن نهض هذا الأخير من فراشه حتّى شعر بالتّحسّن وتعافى كليّاً. فهرول يطلب السّماح من القدّيس الذي بادره قائلاً: “اعلم يا أخي، إنّ الذين يهتمّون بالفقراء بفرح ويخدمون المرضى بصبر، ينالون جزاء أتعابهم في الحياة الأبديّة ولا ينتقلون إلى الموت ولا يرون فساداً “. ثم أضاف بأنّه هو تحمّل بفرح كلّ صعوبات أمراضه وآلامه المبرّحة دون أن يطلب من الله الشّفاء لثقته التّامة بوعد السّيّد القائل: “بصبركم تقتنون أنفسكم (لو:19:21) “. لذا فهو يتمنّى أن ينال عوض هذه الأتعاب الرّاحة في الحياة الآتية حيث ينتفي كلّ حزن وألم. ومنذ ذلك الحين لم يعد هذا الرّاهب يفارق القدّيس بيمن، وكأيّوب آخر لم يكن يكفّ عن شكر الله في كلّ تجربة أو ضيق يتعرّض لهما.

عاش بيمن في الدّير ينعم بسلام وهدوء داخليين بالرّغم من بلاياه مدّة 20 سنة. وفي ليلة انتقاله، شوهدت ثلاثة أعمدة من نور تظلّل الكنيسة وغرفة الطّعام. وفي صباح اليوم التّالي وُجد القدّيس في حالة صحيّة جيّدة، فقام يتنقّل في الدّير ويزور الإخوة في قلاليهم شافياً السّقماء منهم، ثم دخل الكنيسة حيث اشترك في القدّاس الإلهي وتناول الأسرار المقدّسة. ذهب بعد ذلك برفقة بعض الإخوة لزيارة مغارة القدّيس أنطونيوس (المؤسس الأول لدير الكهوف) الموجودة في كييف للتّبرّك منها وحدّد المكان الذي كان يريد أن يُدفَن فيه. ثم ما لبث أن نظر إلى الإخوة وقال مسبّحاً ومترنّماً: ” ها قد أتى أولئك الذين ألبسوني الزّيّ الرّهباني لكي يأخذوا نفسي “. قال هذا وتمدّد على سريره وأودع نفسه بسلام، تلك النّفس المؤمنة ذات الرّجاء الذي لا يخيب الذي بربّنا يسوع المسيح. لقد رسم آباء الدّير أن يُعيّد له في 7 آب أي يوم رقاده. فبصلواته اللهم ارحمنا وخلّصنا آمين.

عن كتاب دير الكهوف (باليونانية)

مختارات من سير مباركة – 4

مختارات من سير مباركة – 4
إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده”

أحكام الله

حدث يوما إن شيخاً قدّيساً ابتهل إلى الله لكي يكشف له السّرّ التالي: لماذا معظم الصّديقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلَمون، فيما العديد من الخطأة والظّالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟
وإذ أراد الله أن يكشف له سؤل قلبه وضع في نفسه فكراً أن “اذهبْ إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.
لم يبطئ الشّيخ في إطاعة الصّوت الإلهي، بل قام وانطلق للحال باتّجاه العالم. إذ ذاك وجد نفسه يسلك طريقاً واسعاً يعبره النّاس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشّيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّباً منتظراً.
وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غني، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثم أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولما إنتهى من عدّها ظنّ نفسه أنّه أعادها إلى مكانها بين طيّات ثيابه حيث كانت أوّلاً، بيد أنّها في الحقيقة سقطت على الأرض دون أن يلاحظها لعجلته، ثم امتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفاً وراءه ذهبيّاته الثّمينة.
لم يمضِ زمن قليل حتى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد النّقود مطروحة على الأرض فالتقطها وحثّ خطاه مبتعداً.
وبعد ذلك أتى ثالث وكان فقيراً متعَباً ينوء تحت حمله الثّقيل، يسير على قدميه متمهّلاً، فجلس هو أيضاً هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغني ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النّقود التي وجدتَها “. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئاً من هذا القبيل. حينئذ ابتدأ الغني يضربه بسير الحصان الجلدي. وبضربة على أمّ رأسه أصاب منه مقتلاً فأرداه صريعاً، ثم شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه كلّها. ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والنّدم يتأكّله.
أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب مدمّى الفؤاد من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الرّبّ: “يا ترى ما هي مشيئتك يا ربّ، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!!” للحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن أيّها الشّيخ، لأنّ جلّ ما يحصل إنّما يحصل بحسب مشيئة الله وتدبيره من أجل التّأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المائة الذّهبيّة هو جار لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغني الجشع بخمسين فقط وبطريقة غير قانونيّة. وبما إن البستاني الفقير توسّل إلى الرّبّ أن يأخذ العدل مجراه، فشاء الله أن ينال مطلبه مضاعَفاً إذ حصل على مائة بدلاً من خمسين. أمّا ذاك الذي قُتل ظلماً، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل ( لأن قام بأعمال حسنة قد أرضت الله) دبّر أن يُقتل هو ظلماً لتخلص نفسه.
أمّا الجشع الطّمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعاً أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه فيطلب التّوبة والرّحمة. وها هو الآن قد ترك العالم وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب.
أما أنت فعد الآن إلى قلايتك ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتّنقيب”.
إنّا نحن معشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور لا تُحدَّد تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة فلنسمع القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم يدعونا قائلاً: “الأحزان تولّد الصّبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تُفسَّر واهتمامه بنا لا يُدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدّاً “.

أالقدّيسة إيريني والملاك

جال مرّة في خاطر القدّيسة إيريني رئيسة دير خريسّوفلاندو (القرن التّاسع) فكر أن: “لو يمنّ الرّبّ عليّ بموهبة البصيرة الرّوحيّة لأعرف دواخل الرّاهبات، لكنت قوّمت أخطاءهنّ، ولشدّدت المتراخيات منهنّ في الحياة الرّوحيّة”. وهكذا بدأت تصلّي، باستمرار، إلى الله ذارفة دموعاً غزيرة وضاربة سجدات كثيرة.
فظهر أمامها حينئذ ملاك بهي المنظر أبيض اللباس وقال لها: “افرحي يا أمة الله المؤمنة. لقد استجيبت صلاتك التي ارتفعت كالبخّور إلى العرش الإلهي، وها قد أرسلني الرّبّ لأخدمك وأكون دوماً قربك وأكشف لك الأسرار والخفيّات من أجل خلاص الرّاهبات”.
شكرت القدّيسة الله بحرارة، وصارت تدعو إليها كلّ يوم راهبة وتحضّها على كشف أفكارها لتقوّم لها اعوجاجها. وهكذا عرفت الرّاهبات، يوماً بعد يوم، ما للقدّيسة من موهبة روحيّة، فأخذن يعترفن بخفايا قلوبهن، طالبات منها أن تساعدهنّ على النّمو والتّقدّم في حياتهنّ الرّوحيّة.

الأب المغبوط ديمتريوس الذي من باسارابوف Bassarabov

وُلد القدّيس ديمتريوس في بداية القرن الثّالث، في كنف عائلة قرويّة من منطقة باسارابوف الواقعة جنوبي نهر الدّانوب، وكانت آنذاك تابعة للمملكة البلغاريّة.
دخل القدّيس ديمتريوس، وبشجاعة منذ طفوليّته، في مصارعات وجهادات روحيّة من أجل اقتناء الفضيلة ملتزماً حياة الصّلاة والصّوم.
وبينما كان ذاهباً في أحد الأيّام إلى الحقل لكي يرعى الأبقار، وطأت قدمه عفواً عشّاً للعصافير كان مغطّى بالأعشاب، فسحق الأفراخ الموجودة فيه. تأثّر جدّاً لهذا الفعل وقرّر أن يعاقب ذاته. فترك ساقه التي اعتبرها مسؤولة عن هذا الخطأ عارية، ولمدّة ثلاث سنوات، صيفاً شتاء معتبراً نفسه أنّه اقترف جريمة قتل.
التحق القدّيس، بعد ذلك، بإحدى الشّركات الرّهبانيّة، وبعد أن تدرّب جيّداً على حياة الطّاعة، انعزل في غابة مجاورة، مقيماً داخل مغارة تقع بالقرب من نهر لوموس Lomos ، مجهولاً من النّاس، مقدّما صلواته وساكباً دموعه ليلاً نهاراً أمام الله. علِم مسبقاً بيوم وفاته الذي ما إن أزف حتى تمدّد بين حجرين وأودع روحه بسلام إلى الرّبّ.
مرّت سنوات طوال نسي خلالها العالم كلّه وجود النّاسك ولم يعد أحد يذكره. ولكن وبعد ثلاثة قرون على وفاته، فاضت مياه النّهر فارتفع مستواه حتى المغارة، وجرف التّيّار الحجرين اللذين كانا يحجزان جسد القدّيس، ودفع الجسد إلى الخارج حيث بقي غارقاً في الوحل. بعد مائة سنة من ذلك، ظهر القدّيس في الحلم لفتاة صغيرة شلاّء، وأمرها بأن تطلب من أهلها حملها إلى ضفّة النّهر لكي تنال الشّفاء. ما إن أُذيع الخبر حتى حضرت جموع كثيرة مع إكليريكيي الأبرشيّة يرافقون العائلة حتى الموضع. وكان أهل المنطقة يرون فوق الموضع نوراً عجيباً دون أن يدركوا سبب ذلك. فأخذ العامّة يحفرون المكان حتى وجدوا جسد القدّيس غير مصاب بأذى، سليماً ومشعّاً بنعمة الرّوح القدس. وللحال شُفيت الفتاة المريضة.
نُقل الجثمان باحتفال جنائزي مهيب إلى باسارابوف حيث تمّت بواسطته معجزات شفاء كثيرة، كما أخذت الجموع الغفيرة تؤم المكان من كلّ ناحية وصوب للتّبرك من رفات القدّيس.
أرسل حاكم هونغرو- فالاشي أعيان المدينة والكهنة للتّحقق من هذا الاكتشاف العجيب، وأمر بإشادة كنيسة في القرية تحمل اسم القدّيس ديمتريوس، ووضُعت الرّفات هناك حيث تمّت بواسطتها، ولسنوات عديدة متتالية، عجائب جمّة.
في نهاية الحرب الرّوسيّة التّركيّة سنة 1774 وصلت الجيوش الرّوسيّة إلى حدود منطقة باسارابوف، فأمر الجنرال بطرس سالتيكوف Saltikov نقل ذخائر القدّيس ديمتريوس إلى روسيّا، خوفاً من انتهاك حرمتها أو تدنيسها من قِبَل الأتراك.
عندما وصل الموكب الذي يحمل الرّفات إلى بوخارست، طلب مسيحي تقي اسمه ديمتريوس شاتزي Chatzi وكان صديقاً للجنرال، بأن يُترك جسد القدّيس في رومانيا ليتبرّك الشّعب منه. وافق الجنرال سالتيكوف على هذا الطّلب، وأخذ فقط يد القدّيس وأرسلها إلى لافرا المغاور في كييف للاحتفاظ بها كذخيرة مقدّسة.
وُضع جسد القدّيس ديمتريوس في كاتدرائيّة بوخارست حيث كُرّمت رفاته بسبب العجائب الكثيرة الحاصلة، وغدا القدّيس شفيعاً للمدينة ولكلّ رومانيا.
وفي كلّ عام وفي السّابع والعشرين من شهر تشرين الأوّل، تحتشد جموع غفيرة في بوخارست لكي تحتفل بعيد القدّيس ديمتريوس حيث يتبرّك الشّعب، ولمدّة ثلاثة أيّام، من بقاياه المقدّسة التي يفوح منها شذى طيّب زكي الرّائحة.

تذكار نقل رفاة الشّهيدة فيلوثاي الجديدة التي من Tirnovo إلى Curtea de Arges

وُلدت القدّيسة الشّهيدة فيلوثاي في تيرنوفو البلغاريّة من عائلة قرويّة بسيطة. ما إن زرعت الوالدة التّقيّة في نفس ابنتها أولى مبادئ الفضيلة حتى غادرت الحياة، وهي لا تزال في ريعان الصّبا، إلى الأخدار السّماويّة.
بعد مرور وقت قصير تزوّج الوالد امرأة أخرى كانت تُنزل بالفتاة شتّى التّعذيبات، إلا أنّ فيلوثاي كانت تتحمّل هذه الآلام والأحزان بصبر عجيب كان سبباً لنموّها في حياة الفضيلة والتّقوى.
عندما بلغت فيلوثاي سنّ الثّانية عشرة من عمرها، راحت زوجة أبيها ترسلها إلى الحقول حيث كان يعمل والدها لكي تحمل له الزاد. بيد أن الفتاة كانت، وهي في طريقها، تلتقي بالفقراء وتوزّع عليهم الحصّة الكبيرة من الطّعام التي كانت بحوذتها.
عاد والدها ذات مساء جائعاً منهوك القوى، وأخذ يستفسر من زوجته عن سبب إرسالها القليل من الطّعام له، فأجابته بأنّها تؤمّن له كمية كافية، وبأنّ فيلوثاي هي المسؤولة عن ذلك. وبما إن هذا الأمر كان يتكرّر يوميّاً، أراد الوالد التّأكّد من صحّة كلام زوجته، فأختبأ ذات يوم وراء إحدى الأشجار ليرى ما تفعله ابنته بالزّاد. وما إن رآها توزّع القوت على الفقراء الذين كانوا يقتربون منها بفرح، لم يستطع أن يكظم غيظه، فانقضّ عليها وأوثقها بحبل وأخذ يضربها بآلة زراعيّة كان يحملها في منطقته، فجرح لها ساقها وأخذ دمها يسيل بغزارة حتى أسلمت فيلوثاي روحها لله.
حاول الأب القاتل أن يرفع الجسد لكي يواريه عن الأنظار، إلاّ أنّه لم يفلح لأنّ الجسد غدا أثقل من الرّصاص، وكان محاطاً بنور سماوي ساطع. ما إن رأى الأب هذا المشهد حتى أخذ ضميره يؤنّبه على فعلته هذه، وراح يركض مسرعاً إلى تيرنوفو لكي يسلّم نفسه للسّلطات. علم الأسقف بما جرى، فحضر للحال إلى المكان الذي تمّت فيه الحادثة، يرافقه جمع غفير من الإكليريكيّين والعلمانيّين، لكي يدفن جسد الشّهيدة الشّابّة في الكاتدرائيّة التّابعة لأبرشيّته. ذهبت كلّ الجهود والمحاولات في إزاحة الجثمان من مكانه أدراج الرّياح. فقرّروا حينئذ بأن يذكروا أسماء كلّ الهياكل الكبيرة في العالم المسيحي وفي بلغاريا، على أمل أن تبدي القدّيسة إشارة إلى المكان الذي تفضّل أن يُدفن جسدها فيه. وهكذا أخذ رجال الدّين يذكرون أسماء كنائس رومانيا، وعندما ذكروا اسم كنيسة مبنيّة حديثاً في Curtea de (Arges) في فالاشي (رومانيا) حتى خفّ للحال ثقل جسد القدّيسة، فتأكّدت للجميع إرادتها، فوجّهوا رسالة إلى حاكم المنطقة هناك وهو رادو الأوّل (1375-1377) الذي حضر للحال مع كلّ حاشيته وجموع كثيرة إلى ضفاف الدّانوب لاستقبال رفات القدّيسة، ولكي ينقلوها إلى كنيستها التي أصبحت فيما بعد، وما زالت حتى اليوم بفضل عجائب القدّيسة، إحدى أبرز وأهم مراكز الحج في رومانيا. يُعيَّد للقديسة فيلوثاي الجديدة في السّابع من شهر كانون الأوّل. فبشفاعاتها أيّها الرّبّ يسوع المسيح ارحمنا وخلّصنا آمين.

من أخبار الأب الرّوحي أغناطيوس

من أخبار الأب الرّوحي أغناطيوس

إعداد راهبات دير مار يعقوب – دده

1 – قنديل العذراء مريم

إنّ الأب الرّوحي إغناطيوس (1827-1927) هو واحد من أكثر الشّخصيّات المحترمة والظّريفة في الجبل المقدّس. عاش أكثر من ثمانين سنة في حياة نسكيّة قاسية في كاتوناكيا (منطقة في الجبل المقدس) وأصبح إناء لمواهب الرّوح القدس.

قبِل الأب إغناطيوس تلميذا موهوباً، هو الأب نيوفيطس، شاب ذو حماس وحميّة نسكيّة مفرطة.

في إحدى الليالي، سمع الأب نيوفيطس طرقات خفيفة على باب قلايته، كما سمع صوت نسائيّاً ناعماً يهمس له:

–       انهض، يا ولدي، انزل إلى الكنيسة لقد انطفأ الآن قنديلي.

قفز الأب من نومه ونزل وهو قلق إلى الكنيسة، فوجد قنديل والدة الإله العذراء مريم مطفأً. أشعله وهو متأثّر جدّاً، ثم تلا صلاة حارّة وقفل عائداً إلى قلايته.

حدثت هذه الواقعة أيضاً في الليالي التّالية. فأخذ التّلميذ المتحمّس يفكّر في نفسه قائلاً: ” يبدو إنّي تقدّمت في حياتي الرّوحية كثيراً دون أن أعي ذلك. وها إنّي أخذت أصعد السلّم بدون تعب. كيف لا وها هي سيّدة السّماء والأرض تزورني، وأسمع صوتها الملائكي. يا لها من سعادة أشعر بها وأنا أشعل لها قنديلها “. كان هذا البائس يتأمّل بهذا وقد تملّكه الغرور، بينما لم يتوقّف شيطان الكبرياء عن رشقه بسهامه الملتهبة لكي يزجّه في تجربة كبيرة قد لا يخرج منها سالماً.

كان الأب نيوفيطس يشعر دوماً بتأنيب الضّمير إذ كيف يمرّ بهذه الحالة دون أن يكشفها لأبيه الرّوحي. كان يسمع في داخله صوتاً ينصحه أن يخبر شيخه بالحادثة. لكنّه كان دوماً يبعد هذا الفكر ويصمّ أذنيه عن سماع الصّوت قائلاً: ” لماذا أبوح للشّيخ بما يجري؟ أخطيئة هي حتى أعترف بها؟ حادثة مقدّسة تحدث، وبمقدار ما أعيشها سريّاً وبصمت بمقدار ما تُصان قدسيّتها “.

أمّا الأب إغناطيوس الذي امتاز بفضيلة التّمييز الرّوحي فلقد فهم من بعض تصرّفات تلميذه ما يحدث. فلم يبقَ غير مبال بل كان يذكّره باستمرار قائلاً: ” يا ولدي نيوفيطس، ينبغي أن تعلمني بكلّ مجريات حياتك. لا تنسَ ذلك”.

وفي أحد الأيّام أرغمه أثناء الاعتراف أن يقصّ عليه، وبالتّفصيل، كلّ ما يحدث معه. ثم، وبرعايته الكبيرة ومحبّته الأبويّة، فصّل له كلّ الحوادث الجارية وأوضح له كيف أنّه وقع في شرك الشّيطان. فسأله:

–       أي نوع من المشاعر سادت داخلك عندما كنت تشعل القنديل المنطفئ؟

–       فرح ورضى، لأنّي استحققت هذه البركة.

–       وشيء آخر أيضاً؟

–       نعم. شيء آخر. اضطّراب غامض وقلق لأنّي لم أعلمك بشيء.

–       هذا الشّعور الأخير يشهد بجلاء حضور الشّيطان.

ثم راح يشرح له ألاعيب الشّيطان وحبائله، وفي نهاية الحديث قال له:

–       يا ولدي الضّال، لقد استهزأ بك الشّيطان وضحك عليك. هل العذراء بحاجة لي أو لك؟ هل هي بحاجة إلى مساعدتك؟ انتبه!! إذا قُرع باب قلايتك ثانية، لا تنهض ولا تذهب لإيقاد القنديل، وأنا مسؤول عن عدم طاعتك.

لم ينتظر هذا الرّاهب الشّاب أبداً مثل هذا الخزي وخاصّة في موضوع “التّرقي الرّوحي”. لكنّه اعترف، وبالتّاكيد، بجميل أبيه عليه الذي خلّصه من فخ العدو. إنّ خطط الشّيطان المظلمة تبدّدت كالدّخان أمام فضيلة التّمييز التي تحلّى بها الأب إغناطيوس

2– مرض أنجلوس

للأسف الشّديد يقع الكثير من المسيحيّين المهاجرين إلى البلاد الأميركيّة في بدع شتّى موجَّهة ضدّ المسيح والإيمان الأرثوذكسي القويم، وهكذا دون أن يدروا، أو لعلّهم يدرون أحياناً، يفقدون إيمانهم. وهذا ما جرى أيضاً للشّاب أنجلوس الذي هاجر من بلاده اليونان إلى أميركا وكلّه آمال بأن يفلح في أعماله ويغدو من الأثرياء.

وهكذا أعماه حبّ المال، فراح يستزيد منه ما استطاع، خاضعاً للجشع والطّمع، فأظلم عقله واستسلم لفكر الكبرياء والافتخار والزّهو، ووقع في بدع شيطانيّة سمّمت أفكاره حتّى إنّه اعتنق رسميّاً شعائر وطقوس الملحدين، وتجاسر فوطئ بدون وجل إيقونة السّيّد المسيح والعذراء أمّ الإله.

كثيرون يقومون بالشّيء عينه، ولا نراهم يتعرّضون لأدنى أذى أو يلحقهم أي ضرر. إنّ الله، الكلّي الرأفة، يطيل أناته على هذا الجنوح والشّطط، ولكنّه ما يلبث أن يشقّ ستار صمته ويتدخّل لخلاص الإنسان في اللحظة التي يراه فيها قد أوشك على الهلاك. وهذا ما حصل بالذّات لأنجلوس. فبينما كان خارجاً ذات يوم من القاعة التي كان يمارس فيها أعماله الشّائنة، ضربه الله ضربة قويّة ليكون عِبرة للآخرين إذ تخلّى عنه وأسلمه إلى سيطرة إبليس. من ينظر إليه كان يدرك تماماً بأنّه قد فقد عقله أو أُصيب بمسّ، إذ كان يأتي بحركات وتصرّفات غير عاديّة. فراح النّاس يتناقلون الخبر: ” الغني أنجلوس جنّ… أنجلوس ليس على ما يرام… لقد فقد رشده الشّاب الثري أنجلوس فإنّه لا يعرف ما يقول ولا ماذا يعمل…. مسكين إنّه مصاب بمرض نفسي عضال…. لقد أفقده عقله حبّ الثّراء…”.

راح إخوته ينتقلون به من طبيب إلى طبيب، ومن مستشفى للأمراض العقليّة إلى مستشفى آخر. خضع لفحوصات عديدة، وتجرّع أقوى الأدوية، واصطحبوه إلى أشهر المراكز العلاجيّة ولكن دون نتيجة ترجى. لقد اعترف بعض الأطبّاء قائلين: ” أنّه مرض غريب ليس كالأمراض العاديّة المشاعة. خالة خاصّة، لا ندري كيف نواجهها؟!! “.

بدأ أهل أنجلوس يفهمون سبب مرضه، ولذلك تخلّوا عن كلّ ما يُسمّى بالطبّ العلمي واتّجهوا نحو سبيل آخر. لقد قرّروا أن يعودوا به إلى بلاده لكي يعرضوه على الكهنة. الآن حلّت استقسامات (صلوات من وضع القدّيس باسيليوس الكبير لطرد الشّياطين) القدّيس باسيليوس مكان الأدوية. الآن اتّخذ العلاج منحىً آخر. إنّه الطّريق إلى جبل آثوس.

وهكذا وُجد أنجلوس مع أخيه جاورجيوس في الإسقيط الجديد حيث يقيم بعض معارفهما. لقد عانى الكثير من الآباء هناك لكي يخرجوا الشّيطان من الممسوس ولكن كلّ أتعابهم ذهبت أدراج الرّياح. لقد كان الشّيطان قويّاً جدّاً. وبعد تفكير مليّ ارتأوا أن يلجأوا إلى أحد الآباء المختَبرين المدعو الأب إغناطيوس، الذي كان له باع طويل في هذا الموضوع، كما ساعد كثيرين من الممسوسين وأبرأهم من سيطرة إبليس.

اقتيد أنجلوس إلى كاتوناكيا حيث يقيم الأب الشّيخ، وما أن رآه حتّى فهم للتوّ بأنّ هذه الحالة تحتاج إلى جهاد كبير وأعراق كثيرة لكي تتحرر خليقة الله من هذا الرّوح النّجس. فطلب الأب من تلميذه أن يساعده في جهاده هذا. وهكذا فقد قرّرا الصّوم مدّة أربعين يوماً على أن يحتفلوا بخدمة القدّاس الإلهي كلّ يوم طالبين رحمة الله لهذا المعذَّب. ثم طلب الشّيخ من الفتى أنجلوس أن يخضع يوميّاً للاعتراف مقرّاً بكلّ فكر يوحيه له الشّيطان ثم وفي نهاية الاعتراف يتلو عليه الاستقسامات ثم يتقدّم للمناولة الإلهيّة. وفي اليوم التّاسع والثّلاثين، وبعد المناولة المقدّسة، تنفّس أنجلوس الصّعداء وشعر بالعتق والحريّة. لقد سقطت السّلاسل التي قيّدته سنين طويلة. لقد أصبح في سكون لا يوصف.

عاد أنجلوس إلى أميركا ثانية، ولكن هذه المرّة بروح جديدة، ليتابع حياته العادية بخوف الله وتقواه، متذكّراً دوماً فضل صلوات آباء الجبل وخاصة جهاد الأب المتوشح بالله إغناطيوس.

أنستاسيّا القبرصيّة

أنستاسيّا القبرصيّة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

زارت إحدى النّساء القبرصيّات يوماً القدّيس يوحنّا الرّحوم، فبسطت شعرها على قدميه مبلّلة إيّاهما بالدّموع ومتسلّحة بالإيمان الوطيد وقالت له: “أيّها السّيّد المثلّث الغبطة، لقد اقترفت خطيئة كبيرة لا تستطيع إذن بشر سماعها، ولكنّي أعلم أنّك، إن أردت، فأنت قادر أن تسامحني لأنّ الرّبّ قال للرّسل: “كلّ ما حللتموه على الأرض يكون محلولاً في السّماء، وكلّ ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطاً في السّماء: متى:18:18”.
فلمّا سمع القدّيس هذا خاف أن يسدّ أذنيه عن توسّل المرأة فيكون سبباً في هلاكها فقال لها:
– إن كنت حقيقة تؤمنين، أيّتها المرأة، بأنّ الرّبّ سوف يغفر لك خطيئتك بواسطتي أنا الحقير فاعترفي بها لي.
– لا أظنّ بأنّ أذن بشر تستطيع تحمّل سماع اعترافي، لكنّي واثقة بأن الرّبّ سوف يحميك أنت لدى سماعها.
– إن كنت تخجلين من البوح بها، اذهبي واكتبيها لي بأيّة لغة أردت ثم اعطيني الورقة.
– بالحقيقة، يا سيّدي، لا أستطيع.
– (بعد صمت قصير) أتستطيعين بعد كتابتها أن تختميها ثم تسلّميها لي؟
– نعم، يا سيّد، سأفعل هذا. ولكنّي أستحلفك بنفسك الملائكيّة ألا تقع هذه الورقة بيد إنسان.
فوعدها القدّيس بأن لا يدع أحداً يفتح الورقة أو يقرأها. فذهبت تلك وكتبت خطيئتها بخطّ يدها، ثم ختمت الورقة وقصدت القدّيس المغبوط. فأخذها ذاك وخبّأها. وبعد خمسة أيّام رقد دون أن يترك أيّة وصيّة أو إشارة بشأن الورقة.
وصدفة، أو بالأحرى بتدبير إلهيّ، لم تكن المرأة في المدينة يوم رقاد البطريرك. وأغلب الظنّ بأنّ الله سمح بهذا ليُظهر دالّة القدّيس لديه.
وصلت أنستاسيّا، وهذا كان اسمها، إلى المدينة في اليوم الثّاني لدفن البطريرك في كنيسة القدّيس تيخون. وما إن علمت بموت البطريرك، حتّى اعتراها للحال هيجان شديد وكأنّه قد مسّها جنون، ظانّة بأنّ الورقة التي سلّمتها له أصبحت في دار الأسقفيّة وستُفضح خطيئتها أمام الملأ. فركضت مهرولة إلى حيث يرقد القدّيس، وطفقت، وكلّها إيمان، تتوسّل إليه، وكأنّه حيّ أمامها، وتصرخ من أعماق قلبها وتقول:
” يا رجل الله، لم أستطع أن أشرح لك ذنبي الكبيراً جدّاً، وها هو الآن قد أصبح معروفاً لدى الجميع. يا ليتني لم أُفصح لك عن سرّي. يا لشقاوتي وبؤسي. ظننت بأنّي سأُعتق من خجلي، وها قد أصبحت سخرية للكلّ، وعوض الشّفاء لقيت الإهانة. ما كانت حاجتي في اعترافي لك بمشكلتي؟ ولكنّي لن أفقد إيماني ولن أكفّ عن البكاء فوق ذخائرك المقدّسة حتّى أعلم ماذا سيحصل لي. إنّك لم تمت أيّها القدّيس بل أنت نائم. إنّه مكتوب بأنّ الأبرار يحيون إلى الأبد (حكمة سليمان:15:5) فأنا لا أطلب شيئاً سوى أن أعلم ماذا حصل للورقة التي سلّمتها إليك.
إنّ الرّبّ الذي قال وقتاً ما للكنعانيّة: “إيمانك خلّصك: متى 28:15″، أراد أيضاً أن يؤكّد لها شفاءها ككنعانيّة أخرى.
بقيت أنستاسيّا ثلاثة أيّام قرب ضريح القدّيس دون أن تأكل شيئاً البتّة. وفي الليلة الثّالثة وبينما كانت تكرّر نفس الكلام، ممتلئة إيماناً وذارفة الدّموع السّخينة، فجأة خرج القدّيس من قبره يرافقه أسقفان آخران كانا مدفونين معه، الأوّل عن اليمين والآخر عن اليسار وقال للمرأة: “إلى متى أيّتها المرأة تزعجين الرّاقدين هنا؟ اتركيهم في هدأتهم. لقد بلّلت دموعك ثيابي”. ثم سلّمها الورقة المختومة مضيفاً: “خذيها. أتعرفينها؟ افتحيها لتري ما فيها”. ثم ما لبثوا أن عادوا ثلاثتهم إلى مثواهم. وأمّا المرأة فعندما عادت إلى نفسها وجدت الورقة لا تزال في يدها، فأخذت تتفحّصها بتدقيق فوجدت الختم على حاله والورقة غير مفضوضة، فراحت تفتحها بيد مرتعشة، وإذا بالورقة بيضاء لا كتابة فيها سوى هذه الملاحظة القائلة: “بشفاعة القدّيس يوحنّا غُفرت لك خطاياك”.

المتقدّم في الكهنة جون رومانيدس

المتقدّم في الكهنة جون رومانيدس

المتقدم في الكهنة جورج ميتالينوس[*]

كشف الأب رومانيدس في تعريف عن نفسه، وهو أمر نادراً ما كان يقوم به، ما يلي:

“أتى والداي من مدينة كاستروبوليس الرومانية في أراباسوس كابادوكية، وهي مسقط رأس الإمبراطور الروماني موريق (582-602) الذي حدّد القديس غريغوريوس الكبير (590-604) بابا لروما، الذي بدوره عيّن أوغسطين أوّل رئيس أساقفة لكانتربري.

لقد أبصرتُ النور في بيرية في الثاني من آذار 1927. مع أهلي تركت اليونان مهاجراً إلى أميركا في الخامس عشر من أيار 1927، بعمر 72 يوم فقط، ، وتربيّت في منهاتن في مدينة نيويورك.

أنا خرّيج الكلية اليونانية في بروكلين، كلية اللاهوت في جامعة يال، مع دكتوراه من كلية اللاهوت في جامعة أثينا الوطنية، ومن مدرسة الفلسفة في جامعة هارفارد (كلية الآداب والعلوم). أنا أستاذ فخري في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي وأستاذ زائر في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند في لبنان، منذ 1970.”

إلى هذه سوف نضيف أنّه دَرَس أيضاً في معهد القديس فلاديمير في نيويورك، ومعهد القديس سرجيوس في باريس، كما في ميونيخ، ألمانيا. سيم كاهناً في 1951، ومنذ ذلك الحين خدم في عدّة أبرشيات من الولايات المتحدة الأميركية. كما خدم كأستاذ في كلية الصليب المقدّس للاهوت، لكنّه استقال في 1965، احتجاجاً على صرف الأب جورج فلوروفسكي من الكلية.

تمّ تعيينه لكرسي العقائد في كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي في الثاني عشر من حزيران 1968، لكنّه لم ينتسب لأنّه اتُهِم بالشيوعية. في النهاية التزم هناك في 1970. استقال في 1984 لأسباب شخصية وأُعطي تعويضاً كاملاً، لكن ما لم يكن مناسباً هو إعطاؤه لقب أستاذ فخري.

أعماله

بين كتاباته وفرة من الدراسات، أغلبها لم يزل غير منشور، وينبغي نشره كلّه في سلسلة من الأجزاء. ينبغي الحفاظ على هذه الآثار لأن فيها الكثير لتقدّمه وتظهره.

أطروحته في الدكتوراه حول “الخطيئة الأصلية” كانت بحثاً ثورياً بكل معنى الكلمة إذ فتحت سبلاً جديدة في لاهوتنا، أعقبتها كتبه ذات الشأن حول الرومانية في حقل التاريخ. لقد أعاد الأب جون إحياء كلاً من البحث والفهم. كتب أندرو سوبكو أطروحة للدكتوراه تحت عنوان “نبي الأرثوذكسية الرومية – لاهوت الأب جون رومانيدس”، في كندا عام 1998. في هذه الأطروحة دقّق سوبكو بشكل منهجي في أعمال الأب رومانيدس ومساهمته في العلوم.

على نفس المستوى من الأهمية كانت مساهمته في كنيستنا، باشتراكه في الحوارات اللاهوتية مع غير الأرثوذكس، خاصةً الأنكليكان، كما مع غير المسيحيين (اليهود والمسلمين). لقد ساعده كون الإنكليزية لغته الأصلية وأمّن له اليسر الذي كان يحتاجه ليبسط بدقة مواقف كنيستنا. في الحوار مع الاتحاد اللوثري العالمي (1978)، كان لي فرصة التعرّف إليه أكثر، لأصبح صديقاً له، وما هو أكثر أهمّية من ذلك بالنسبة لي هو أني أصبحت تلميذاً له، إضافةً إلى اكبابي على الدراسة المستفيضة والمستمرّة لأعماله. في هذه الحوارات، كانت تظهر بوضوح معرفته بالتقليد الآبائي، في موازاة معرفته للتزوير الذي تعرّض له هذا التقليد في الشرق كما في الغرب. كما كانت تظهر بشكل خاص معرفته بلاهوت القديس غريغوريوس بالاماس، حجر زاوية التقليد الأرثوذكسي.

كان الأب جون من دعاة الترابط بين اللاهوت والخبرة في الروح القدس، ومن حَمَلَة التعليم عن مراحل تقدم القديسين الروحي (التطهر- الاستنارة – التأّله) كمتطلبات أساسية للمجامع المسكونية ولقبولها بإخلاص، وهو ما أُهمِل في الغرب، وحتّى في فكرنا اللاهوتي المتغرِّب. هذه النزعة نحو الفكر الآبائي كأحد أشكال الأصالة الكنسية كان استمراراً وتكميلاً لاتجاه الأب جورج فلوروفسكي الذي تابع الأب رومانيدس مساره في الحوار المسكوني، وعلى مثاله تحوّل هو أيضاً إلى مصدر إزعاج وصلابة في التعاطي. في يوم من الأيام، سوف يُكتَب كلّ هذا، وسوف تظهر شخصية هذا الراحل البارزة، إلى جانب مساهمته الحقيقية في حضور الأرثوذكسية عالمياً ومسكونياً.

ما قبل رومانيدس وما بعده

عند مراجعة أعماله اللاهوتية، التربوية والأدبية والنضالية، نحن نُلزَم طبيعياً بالإشارة إلى فترتين: ما قبل رومانيدس وما بعده. فهو قد أدخل فاصلاً حقيقياً وصدعاً في تاريخنا السكولاستيكي الذي كان بمثابة أسر بابلي للاهوتنا. لقد ختمت أطروحته هذا المسلك الإحيائي إلى درجة أنّ تأثيره على التفكير اللاهوتي ظهر حتى في كتابات الذين انتقدوه لأسباب متعددة أو عارضوه فكرياً. من إنجازات الأب يوحنا بشكل خاص:

‌أ.        أعاد الأولوية إلى اللاهوت الآبائي التجريبي في حقل اللاهوت الأكاديمي، مستبعداً طريقة اللاهوت العقلانية-التأملية-الماورائية.

‌ب.    ربط اللاهوت الأكاديمي بالعبادة وتقليد الفيلوكاليا الآبائي، مبرهِناً الترابط ما بين اللاهوت والحياة الروحية والميزة الروحية العلاجية للاهوت العقائدي.

‌ج.     في طريقته اللاهوتية، أدرك وتبنّى الصلة الشديدة بين العقيدة والتاريخ، وبفضل هذه الطريقة استطاع أن يفهم، على غرار القليلين، أنّ اللاهوت تغرّب في أوروبا الغربية ومات بتأثير القوة التي فرضها الاحتلال الإفرنجي. إلى هذا، فإن معرفته الواسعة بالتاريخ، الإفرنجي والرومي (فهو كان أستاذاً للتاريخ في جامعة يال Yale)، ساعدته على تحديد وتحليل التضاد بين الحضارتين الإفرنجية والرومية مع تقديم معايير رومية لتفحص تاريخنا وحضارتنا.

‌د.       وهكذا قد ساعد في البحث الواسع حول الهلينية أيضاً، بما يتخطّى السيناريوهات الغربية المفبركة، عن طريق استعماله المستقيم المؤهَّل للأسماء التاريخية وأهميتها ودورها في مجرى تاريخنا.

غير الأرثوذكس

في الواقع، لقد اعترف غير الأرثوذكس، أكثر منّا، بشخصية الأب يوحنا وأهميته للأرثوذكسية. لقد اعتُبِر أرفع الباحثين الأرثوذكسيين في فكر أوغسطين، حتى أنّه ساعد اللاهوت الغربي على فهمه، وتميّز في أنّه “على الأكيد أهمّ اللاهوتيين الأرثوذكسيين الذي تضمنّت أعماله دراسة نقدية لفكر أوغسكين على ضوء اللاهوت الآبائي”. وينبغي أن نذكر أننا مدينون للأب يوحنّا لجزمه البالغ الأهمية بأنّ تعليم برلعام الكالبري القائل بأن خبرات الأنبياء في إدراك الله هي “ظواهر طبيعية، يمكن إنجازها أو إهمالها”، هو تعليم مستمّد من رسالة أوغسطين عن الثالوث.

أيها الأب يوحنا المحترم والعزيز، إن أصدقاءك وزملاءك الناطقين باسمك، جميعهم يعبّرون عن امتنانهم لكل ما قدّمت لنا بنعمة الله، ومعهم الآلاف من الطلاب المباشَرين وغير المباشَرين. نحن نتمسّك بالحقيقة اللاهوتية التي تركت لنا، لتكون لنا مشعلاً في الظلمة التي بذرها الجهل والمراوغة واللامبالاة والنفعية. لقد وحّدتَنا بالعنصر الآبائي المُتَضَمَّن في دنيا اللاهوت الأكاديمي بالتحفيز المستمر نحو العبادة والممارسة النسكية، حيث ينشأ اللاهوت الحقيقي. شكراً لك.

يا زميلي وشريكي في الخدمة، فليكن ذكرك مؤبّداً وإلى اللقاء مجدداً عند المذبح السماوي.

——————————————————————————–

[*] عميد كلية اللاهوت في جامعة أثينا. هذا النص هو من كلمة ألقاها في حفل تأبين للأب يوحنا رومانيدس.

الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

الأب الشيخ جرفاسيوس براسكيفوبولوس من بترا

نقلها إلى العربية بتصرف الأخ يوسف كبا

طفولته

نسبٌ فقير، ونفسٌ غنيّة
في أحد الأيّام من عام 1877 ولد جاورجيوس براسكيفوبولوس في قرية غرانيتسا (Granitsa) في غورتينيا (Gortynia). وكان لوالديه خرالمبولوس وفاسيليكي قطيع من الغنم. كان ابنهما يساعدهما بالإعتناء بها. إلاّ أنّه حُرم من أمه وهو في الرابعة من عمره، وقد عانى فيما بعد من قسوة زوجة أبيه وظلمها له. ومن غرائب ذلك انها كانت تشدّ رباطاً حول معدته لئلا يشتكي من الجوع. ومع هذا فإن جاورجيوس لم يكن يتشكّى من شئ. ولحالة الفقر التي كانت اسرته عليها، لم يتمكّن من الدراسة الإبتدائيّة إلاّ بصعوبات مالية كبيرة، وبمساعدة رفاقه.

بعد هذا ما لبث جاورجيوس أن انخرط في العمل الشاق لمساعدة أسرته. عمل أولاً في التجارة، ثم في الخياطة، وأخيراً لدى لحّام. في هذه الفترة كان يزعجه أمران: الأوّل، أنه كان يتعب من دون نتيجة ملموسة، والثاني توقه الحار الى التعلّم. لكن اللّه كان يهيّئه من خلال كل هذه الأتعاب لجعله عاملاً في كنيسته المقدسة. كان جاورجيوس يتوق لأن يتشبّه بالقديسين. وكثيراً ما كان يناجي والدته المتوفية، ويطلب مساعدتها لتمكينه من مغادرة الى الدير، لكي يكرّس نفسه للعذراء والدة الإله.

“الشوق الإلهي لأهل البراري لا يتوقف” (اللحن الأول الانديفونا الاولى2)
بقي جاورجيوس يُخفي شوقه الى التكريس إلى أن أباح به يوماً لأمه بالتبني التي عارضت في البداية ثم ما لبثت أن أعطته بركتها قبيل بدء صوم الميلاد.

وصل جاورجيوس إلى ديره الحبيب، دير كيرنيتسا (Kernitsa)، يوم عيد القديس متى الإنجيلي عام 1890، وكان حينها في الثالثة عشرة من عمره. وعندما دخل الكنيسة أحس وكأن ايقونات العذراء وسائر القديسين تبتسم له وترحّب به. من البداية اتخذ وعداً على نفسه، بأن يطيع إرشادات الشيوخ كأنّها من اللّه. كان واجبه أن يقرأ في الكنيسة، وأن يساعد في الفرن، ثم بتنظيف ساحات الدير وغسل الثياب… وكان يجاهد بتعب لإتمام واجباته على أكمل وجه. بالإضافة الى ذلك، كان يسير مدة ساعة على الاقدام للوصول الى المدرسة، حيث كان يتابع دراسته. إلاّ إن رئيس الدير، على ما يبدو، كان فظاً، فنصحه بالتوقف عن الدرس لئلا “يبذّر زيت المصابيح بلا فائدة”. وبالإضافة إلى إزعاجات وتأثيرات سلبيّة أخرى من إخوة الدير، اضطر جاورجيوس الى مغادرة الدير بعد سنتين من دخوله. فتوجّه الى دير الكهف الكبير.

في دير الكهف الكبير  (Great Cave – Μέγα Σπέλαιον)
كانت روح جاورجيوس تتوق دوماً الى المزيد من العلم والمحبة الإلهية. في طريقه الى دير الكهف الكبير، عانى كثيراً من التعب والجوع واعتلّت صحته. لحسن الحظ استطاع الوصول الى دير القديس اثناسيوس في فيليا ((Kleitoria Philia حيث اهتم به الأب بيصاريون بعد أن عانى الفتى جاورجيوس من حمى الشمس وتورّم القدمين خلال أسابيع من سيره على الأقدام. ثم لدى تحسُّن صحته، تابع سيره الى دير الكهف الكبير، وقد كان لأول مرة يشاهد جماعة رهبانية كبيرة كهذه. فدخل الكنيسة وكانت تُقام خدمة الغروب في الاسبوع العظيم المقدس. لكن مع الأسف، شاهده كل الرهبان ولم يعِره أحد منهم أي انتباه. فقال في نفسه: “لعلّي لن أستطيع ان أحقق آمالي في هذا الدير؟” فقط ايقونة والدة الإله أعطته بنظراتها شيئاً من الأمل. ثم أخذ يصليّ بدموع… فأتاه صوت يقول له :”اذهب الى دير رئيس الملائكة في إيجيليا ((Aigialeia وتابع دراستك في مدرستها العليا”. عندما خرج من الكنيسة، انتبه إليه أحد الرهبان واعطاه قطعة خبز ليأكل، ومكاناً ليرتاح فيه. وقد عرف، رغم انكسار قلبه والدموع التي في عينيه، أن العذراء، الأم الحنون، لا بد أن تسرع وتساعده.

في دير رؤساء الملائكة
يقول الانجيل” ملكوت السموات يُخطف اختطافاً…”(متى12:11(. الملكوت يأتي بغصب النفس. هذا لم يغِب عن تفكير جاورجيوس الفتى، بل كان له طريق حياة. هكذا سعى الى دير رؤساء الملائكة وعندما وصل تلقى استقبالاً كمضافة ابراهيم. وفي الحال وضع نفسه في حماية رؤساء الملائكة، وتقبّل بطاعة سلطة الأب جرمانوس الروحية عليه. وهكذا عاد ليتابع حياته النسكية والدروس اليومية. وفي الحال احتل المكانة الأولى في الصف. إلاّ إن هذا جلب عليه غيرة رفاقه وحسدهم. فقد تعرّض للافتراء المنظّم، إلاّ انه لم يفقد شجاعته متسلحاً بأسلحة الروح. ثم شعر يوماً بعد يوم أن اللّه يريده في مكان آخر، لا في دير رؤساء الملائكة.

دير آخر
سمع مرة أن دير الييروكوميو(بيت المُسنّين) ذو حالة روحية جيدة، وان مطران باترا كان رجلاً قديساً. وما لبثت السيدة العذراء في هذا الدير (الييروكوميتيسا Gerokomitissa) أن ألهمته بزيارة ذاك الدير، وقد زاره بالفعل، واحسّ أن اللّه يريده أن يمضي بقية حياته هنا. وهكذا ما لبث أن انضم جاورجيوس المبتدئ الى أخوية هذا الدير تحت اسم جرفاسيوس (Gervasios) ومن هناك أيضاً تابع دراسته المحبوبة في مدرسة باترا العالية، مطبّقاً ما كان يؤمن به من أن “على الثقافة أن تترافق مع الحياة في المسيح”. وهكذا كان يخدم الدير من كل قلبه، بدون تذمّر ويصلّي ويصوم ويدرس، بصلوات القديس اندراوس الرسول شفيع مدينة بترا.

في الهيكل المقدّس

سيامته شماساً
بعد أن عانت شجرة نفس جرفاسيوس من الرياح العاتية، ضربت جذوراً عميقة في الأرض وأينعت ثماراً طيبة، فكان شماساً في عام 1902. وقد كان يتابع دراسته إلى ذلك الحين وأصبح من مدرسة ريزاريوس Rizarios)) حيث كان مدير المدرسة حينها القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس. وأمّا الشماس فكان يحبّ القديس كثيراً، ويتشبّه به في فضيلته باستمرار. كان الشماس تلميذاً نموذجياً في مدرسة ريزاريوس الكهنوتية، مختاراً بإشعاعه الروحيّ، وطيبة نفسه، كنموذج صالح بين زملائه. كان القديس نكتاريوس يدرّسهم مادة الرعائيات. ويروي أحد زملاء جرفاسيوس عنه انه طلب يوماً ان يتكلّم في الصف، فبعد أن سمح له القديس قال الشماس جرفاسيوس: “الراعي الصالح هو الذي لا يكتفي بأداء واجباته روتينياً كوظيفة، بل يكرّس نفسه للكنيسة من كل قلبه ونيّته، ويجاهد من دون توقف ليجعل شعبه يختبر تعاليم الانجيل، بعمق، وصولاً إلى جوهر الأمور، من دون أن يتوقف عن محاربة الفريسيّة كما فعل السيّد في هيكل سليمان…محباً الأصدقاء والأعداء، باذلاً نفسه في سبيل إعادة الخروف الضال…” فناداه القديس نكتاريوس وقال دامع العينين “هذا هو النوع الذي نريده من الرعاة”، وأضاف متنبئاً: “إني أرى فيه (جرفاسيوس) قائداً مستقبلياً للكنيسة، وراعياً للمسيحية، فليباركه اللّه”.

وقد تمكّن الشماس جرفاسيوس من متابعة دراسته اللاهوتية في جامعة أثينا، بدعم من محسنة تُدعى كاترينا ماتزونيس (Matzounis) تكفّلت بمصاريفه.

سيامته الكهنوتية
منذ أن كان شماساً كانت ترنيمته المحببة “لقد فرحت نفسي وابتهج قلبي، عندما قالوا لي: إلى بيت الرب نحن ذاهبون” (أنافثمي اللحن الأول، الأنديفونا 3:1). هكذا إلى أن ضمّه الربُ إلى خدّام هيكل العلي.

بين العامين 1912-1913 خدم الكاهن جرفاسيوس في الجيش أثناء حرب البلقان. في عام 1917 أُوقف أمام محكمة عُرفية، وكما يشهد بنايتوس تريمبيلاس (Trembelas)، أنه خرج بريئاً مما اتُهم به لشجاعته وهدوئه واستقامته. بين العامين 1918-1919، درّس في مدرسة سيروس العليا Syros))، ثم عاد إلى ديره (الييروكيميو) مجاهداً في إحيائه. يقول أحد تلاميذه، بيروسيوس مطران هيدرا: “كان الأب جرفاسيوس متحمّساً في عمله، لقد أنكر كل شئ لنفسه، من أجل غايته المقدسة. حاول إصلاح الحياة الليتورجية في الدير لجعله كأديرة الشركة الأخرى… إلاّ إن الرهبان القدماء في الديرعارضوه بعناد، وما لبث أن أدرك انه لن يستطيع الإستمرار. فأخذ إذناً من المطران بمغادرة الدير وأقام في مكان قريب من المدينة، متذكراً دائماً واجباته الرهبانية العزيزة على قلبه”.

نشاط الأب جرفاسيوس

كاهن الرعية الغيور
عَيَّن مطران بترا، أنطونيوس، الأب جرفاسيوس كاهناً على كنيسة القديسة براسكيفي ثم كنيسة القديس ديميتريوس. وكان الأب كمنارة تنيرالجميع. كان يعرف كل أبناء رعيته شخصياً، بخاصة الشباب منهم، مواظباً على الخدمة والتعليم، متذكراً قول سفر الرؤيا “إنك لست بارداً ولا حاراً… فأنا مزمع أن أتقيّأك” (رؤ3:15-16). في الصيف كانت العادة ان يرتاح الكاهن لفترة من كثافة عمله البشاري، إلاّ أن الاب جرفاسيوس كان يرفض ذلك قائلاً: “إن الشيطان لا يتوقف عن العمل (الرديء) فلماذا أتوقّف أنا؟ ثم إنه في الصيف يعمل الشيطان أكثر، ولاشيء يقيّده”. هكذا كانت غيرته كبيرة للربّ، رغم معارضة البعض له، واعتباره إيّاه مبتدعاً. لقد ألغى تمرير الصينية. ونقل طاولة بيع الشمع الى الرواق الخارجي للكنيسة (Narthex) ليوقف أصوات تبديل الاموال وسط القداس الإلهي. وفَتَح الابواب الجانبية للكنيسة ليدخل كل من يريد من الفقراء دون إحراج أو خجل من ثيابهم أو من عدم استطاعتهم دفع المال. ورغم تشكّي عمدة الكنيسة عليه الى المطران كان جوابه “إن بيت ابي بيت صلاة يُدعى” (مت13:21). وكان يمنع الزواج عندما تكون القربى من الدرجة الاولى أو الثانية أو الثالثة.

الى ذلك، كان يحب الخدم الكنسية والصلوات كثيراً. يردّد كلمات الصلاة بحيوية وانفعال لا يُعبَّر عنه، بحيث أن الذي يسمع قراءته لصلاة الساعات أو الغروب أو غيرها لا يستطيع أن يبقى على الأََََرض. لكن نشاط الأب جرفاسيوس الرعائي هذا لم يكن أبداً على حساب نسكه (Askesis) الشخصي. فقد كان يُمضي معظم لياليه مصلياً، خاصة في كتاب المزامير، أمام القنديل المشتعل بالإضافة الى كتابته المواعظ ومقالات أخرى حتى الصباح. ومن عاداته أنه لم يكن يستلقي الليلة السابقة لاحتفاله بالذيبحة الإلهية، بل كان يمضي كل الليل واقفاً أو جالساً في كرسيّه. إن خدمته للقداس الإلهي وموعظته النارية فيه كانت تحمّس المؤمنين كثيراً على حضور الصلاة في كنيسته.

كان الأب جرفاسيوس مشتعلاً بالحب الإلهي، مرتعداً من خطاياه ومن الخدمة الرعائية السماوية التي يؤديها. وقد اعتاد أن يصف الاطفال بملائكة السماء. ويحب كثيراً صوت ترتيلهم، كأن المسيح يتكلم من خلالهم. كما أنه لم يتوقف عن الإحسان، نهاراً وليلاً. وكثيراً ما شوهد ليلاً يتفّقد بيوت الفقراء، محسناً إليهم روحياً ومادياً. وقد تَجدَّدت فيه بالفعل روح القديسين، يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير ويوحنا الرحوم.

الكارز بالنعمة
التعليم الإلهي والوعظ هما روح كل خدمة مقدّسة في الكنيسة، وخاصة خدمة القداس الإلهي، ومن دونها تؤول العبادة الإلهية إلى طقوس جافة. لأن كثيرين من المؤمنين ليسوا معتادين على الرمزية (Symbolism)، فمن الضروري إيضاح معاني المفردات والعبارات في صلواتنا. ولكي ندرك اهتمام الاب جرفاسيوس بخدمة الكلمة الإلهيّة يمكن لنا أن نلقي نظرة على برنامجه العادي ليوم الأحد: دائماً كان يعظ في الليتورجيا الإلهية الليلية في كنيسة القديس ديميتريوس. ثم كان لديه حديث تعليمي للذكور والإناث، ثم أيضاً حديث آخر في كنيسة القديس ديميتريوس بعد الظهر، وفي المساء كان يعظ في الكنيسة الكتدرائية ((Evangelistria. وفوق هذا، فهو لم يتوقف عن الوعظ يومياً لكي ينقذ ما أمكنه من الخراف من فم الوحش العقلي (الشيطان).

حتى في سنيه الأخيرة، عندما لم يعد باستطاعته النهوض، كان يعظ بواسطة الميكروفون الموصل إلى غرفة مجاورة يحتشد فيها المؤمنون لسماع مواعظه. هكذا بقي على اتصال مع شعبه حتى أيامه الأخيره. حماسه هذا في الوعظ أثار حسد الكثيرين، أما لسان حاله فكان “الويل لي إن لم أبشر” (كو9 :16). يقول إيروثيوس مطران هيدرا (Hydra) عن وعظه: “إنه كان كتابياً”. فقد كان الأب جرفاسيوس يتمتع بمعرفة عميقة للكتاب المقدس، وبخاصة العهد القديم، والآبائيات. مما حمل تعزية وتنبيهاً وتحذيراً للمؤمنين ودافعاً للتوبة. كان معلماً شارحاً للكلمة الإلهية، لا مجرّد واعظ من الباب الملوكي. كان واعياً أيضاً لكون التعليم والوعظ لا يكتملان إلاّ بسرّ الشكر الإلهي (أع 24:2). هكذا، هذه معاً، تؤمّن لنا عملاً روحياً متكاملاً، هكذا يتحقق التجسُّد الإلهي لمخلصنا يسوع المسيح، بتمامه. لقد كان من الصعب الفصل بين الواعظ والمحتفل بالأسرار في شخص الأب جرفاسيوس اثناء الليتورجية الإلهية. مما يفسّر نبوياً عبارة بولس الرسول “حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم في الخدمة الكهنوتية التي لإنجيل اللّه، ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدّساً بالروح القدس (رو16:15)”. ويتابع المطران إيروثيوس قائلاً: “أذكر أن قلبي كان يزداد خفقاناً عندما كنت أسمع مواعظ الأب جرفاسيوس، كنت متأكداً دوماً أني سأعود بشيء جديد سيغيّر عالمي الداخلي. وهذا كان حال الكثيرين، ليس أنا فقط. لقد كان تأثيره كبيراً في مثاله الشخصي، وحياته المقدسة من جهة، ومحتوى مواعظه السامي من جهة أخرى. كل من يسمع وعظه كان يدخل في جو التراث الآبائي المقدس”.

مؤسس مدرسة تعليم ديني
كان للشباب المكانة الأولى في قلب الأب جرفاسيوس. لذلك قام بحملة روحية لإنقاذهم من صحراء الجهل والإهمال. فقد أسّس في عام 1932 مدرسة تعليم مسيحي لا فقط في بترا بل في كل اليونان. وكان تلاميذه بالآلاف. ويشهد تلميذه الاستاذ بنايوتس تريمبيلاس كم كان صبوراً ومُحبّاً ومتفهّماً لتلاميذه. كان الأب جرفاسيوس قد قسّم التلاميذ الى مجموعات من خمسة الى عشرة طلاّب، وكان ينبّه الجميع على أنهم هم مستقبل الكنيسة، خاصة الفتيات،لأن مستقبل الوطن ككل يعتمد على قلب الأسرة، وهوالأم. وقد اعتاد أن يقول: “أعطني أمهات صالحات، ولا تخف من اي سوء يصيب المجتمع، مهما حل به من شرور. إن بقي رابط العائلة، الأم، سليماً، فأنا أضمن لكم حضارة حيّة مقدّسة…” لذلك كان يريد من النساء، وخاصةالفتيات، أن يكنّ محتشمات رزينات منتبهات في كلامهنّ وتصرفاتهن. لهذا كان يخصّص كل يوم إثنين، حديثاً لاهوتياً أو روحياً خاصاً بالنساء.

لم تتوقف نشاطات الاب جرفاسيوس عند هذا الحد. فقد أنشأ في أيام الصيف مخيمات للشباب بدءً من عام1946، ثم بنى أبنية ثابتة لهذه الغاية في منطقة سيخينا قرب باترا. هنا أيضا كان عيش الأسرار الكنسية محور النشاط الرعائي للأب جرفاسيوس. كنيسة القديسة براسكيفي كانت في وسط المخيمّ. كان مؤمنا أن هذا هو السبيل لتجديد الشباب روحياً. وعند اجتماع الراعي مع الشبيبة عند المساء في الكنيسة، كان يتم اعتراف جماعي عن شوؤن المخيم، كعائلة واحدة.

اهتمام الراعي بالسجناء
الى جانب مهمّاته الرعائية الكثيرة، لم يهمل أولئك الذين في السجون. فقد عمل في سبيل تحسين ظروف حياتهم اليومية، من أجل تقريبهم قدر المستطاع من الرّب الفادي، من خلال الأسرار الكنسية. لم يكن الأب جرفاسيوس يخشى من الأتعاب والتضحيات عندما كان يتبنى إلتزامَ عمل رعائي ما.

المرشد الروحي المستنير
نفوس مثقلة بالخطيئة كثيرة كانت تجد الراحة والسلام بالقرب من الأب جرفاسيوس. فقد كان يعيش الحياة المقدّسة بنفسه، ويوفي الحق كما يجب، وذلك لاستنارته بالروح القدس. كثيراً ما كان يستمر في تقبّل الاعترافات حتى منتصف الليل وحينها كان يبدأ الاستعداد لإقامة الليتورجيا الإلهية (القداس) كما هي عادته، لكي يتمكّن أبناؤه من حضور القداس قبل شروق الشمس، لكي يذهبوا من ثمَّ إلى أعمالهم في أوقاتها المحّددة.

كان لسرّ التوبة والاعتراف أهمية بالغة لدى الاب جرفاسيوس. فقد كان يقول: “سرّ التوبة والاعتراف هو بامتياز مفتاح ملكوت السموات”. وكان يوصي بأن يبدأ الفتيان بالاعتراف في حين السادسة من عمرهم. وذلك عملاً بقول الكتاب المقدس “جيّد للرجل ان يحمل النير منذ صباهُ” (مراثي 3:27). لم يكن الأب جرفاسيوس يرى في القصاصات والحروم الكنسية إجراءات عقابية، بل تعبيراً عن محبة الكنيسة للخاطئ. فهذه القصاصات مقترنة دائماً مع التعطّف والتسامح مع أولئك الراغبين في الخلاص ومعرفة الحق. كان الأب جرفاسيوس يتمتع بموهبة التمييز وكشف الأفكار المخبأة بالإضافة إلى تعزية وإرشاد وتشديد كل مَن يأتي إليه، بالإضافة لموهبةٍ لا نجدها في كل الآباء الروحيين، وهي موهبة تشخيص الحالة الروحية لكل مؤمن من خلال اعترافه، والإشارة بدقة الى ما هو مفيد له للخلاص ولتقدّمه الروحي. ثم إنه كان يتقبّل حتى عصيان توصياته من أبنائه الروحيين عندما كانوا يعودون تائبين، مهما كانت خطاياهم كبيرة. هذا شيء بسيط مما يمكن قوله عن اهتمام الأب جرفاسيوس برعاية خراف المسيح الناطقة، مما يعطي فقط اشارات إلى استنارته وقداسة حياته.

حث المؤمنين على المناولة المتواترة
كان يقول الأب جرفاسيوس عن أهمية القداس الإلهي (الليتورجيا الإلهية) ما يلي: “الليتورجيا التي نتممّها نحن الارثوذكس لها غاية أساسية هي تأليهنا، هذا يتم من خلال المشاركة بخوف اللّه وإيمان ومحبة في الأسرار الطاهرة، بعد ان يدعونا خادم الأسرار، كما من فوق، من السماء، أن نفعل. طبعاً إلاّ إذا كان لدينا أسباب موجبة تمنعنا من التقدّم”. هكذا كان حضور لقداس بالنسبة له ولأبناء رعيته يعني المشاركة في المناولة. وقد كان يتمّم القداس حوالي أربع مرات في الاسبوع. كان يركّز في تعليمه على الإصحاح السادس من انجيل يوحنا حيث يقول الربّ “الذي يأكل جسدي ويشرب دمي له حياة ابدية” (يو54:6)، مع تأكيده على حُسن الاستعداد للمناولة، بالاعتراف كلما دعت الضرورة، مع الصوم والصلاة. وقد جعلتْ المناولةُ المتواترة الأب جرفاسيوس وأبناء رعيّته جسداً وحداً مع المسيح، وإخوة فيما بينهم. لقد كانوا يشعرون بالترابط معاً، من خلال عيش أسرار الكنيسة. وبالرغم من أن اللّه “نور لا يُدنى منه” إلاّ أن المؤمنين الأطهار يستحقون ان تستحوذ عليهم النعمة الإلهية كالعليقة الملتهبة قديماً.

بطل راسخ في التسليم الشريف وقوانين الكنيسة

اليوم تحارَب الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية من عدة اطراف, من الداخل والخارج. هناك مَنْ يجاهر بموت التسليم الشريف وعقائد الكنيسة. لقد عاش الاب جرفاسيوس, ولم يعلّم فقط أرثوذكسياً, بل لم يحِدْ عن التسليم وقوانين الكنيسة المقدسة, ولم يغيّر أي شيء في ما أسَّسه الآباء على قاعدة الإنجيل وبالإلهام الإلهي. كان محارباً حاراً للهراطقة ومدافعاً عن الكنيسة من الذئاب الخاطفة التي في ثياب الحملان, كالاتحاديين (Uniates) وشهود يهوه والماسونيين… وقد حمّل الرسالة للكثيرين من أبنائه الروحيين. لم يكن يتردد في إعلانه صراحةً استهجانه لمقولة عصمة بابا رومية, وتحكّمه بالروحيات والقوانين الكنسية والعقائد. كان يقول “نحن بحاجة الى اهتمام كبير وحساسية, كما في أمور العقيدة والايمان, كذلك في أمور التسليم الشريف مما تتبنّاه الكنيسة. فآباء كثيرون قد حفظوا لنا وسلّمونا الأرثوذكسية الصافية, بجهاداتهم ونضالهم ومعاناتهم بطرق شتى… ولم يقبلوا, لا بالترغيب ولا بالترهيب, أن يخونوا الارثوذكسية…”. وفي قضية التقويم الكنسي كان يقول “لا يحق لأحد ان يغيّر شيئاً من الكنيسة, إلا من خلال مجمع عام, كالمجمع المسكوني مثلاً, لان الآباء حافظوا على ما ألهَمَهم به الروح القدس لقرون طويلة. والتراجع عن أمور صغيرة يقود الى أمور أكبر… فليحفظ الرب رعيته وينيرها”.

يعتقد البعض أن قوانين الكنيسة لا علاقة لها مباشرة بتعليم الرب يسوع, أو أنها صارت قديمة, هذا الفتور أو حتى هذه الوقاحة لدى البعض, كانت تُحزن الأب جرفاسيوس كثيراً.

اضطهاد الكارز الناريّ بالانجيل

الافتراء الاول
كما اضطُهِدَ المسيح, هكذا ينتظر المؤمن ان يُضطَهَد ايضاً (يو 20:15). وهذا ايضاً كان وضع الأب جرفاسيوس, الذي تعرّض لافتراءات واضطهادات عدة. لكنه كان واعياً أن كل ما يعمله كان لمجد الله.

كان الاتهام الأول أن إتمامه للقداس الالهي ليلاً كان يترافق مع العربدة. هذا ما وصل إلى المطران. إلا إن الشرطي الذي أتى فجأة إلى أحد القداديس الليلية, صُعِق من الخشوع والورع الإلهيين اللذين كانا سائدين أثناء الخدمة الإلهية, وقال في تقريره فيما بعد “لقد غادرتُ مسرعاً اذ شعرتُ أنني في السماء لا على الارض…”

الاتهام الباطل التالي الذي رتّبه الشيطان باذر الشرور, هو أن الأب جرفاسيوس كان يعامل الفتيات والصبيان بقساوة ورعونة ليجعلهم يرفضون الزواج وينضمون إلى الرهبنة. إلا إن كتابات الأب ومواعظه والوقائع, أثبَتَت زيف هذه الادعاءات.

ثم إن كثيرين ممن كانوا يتضايقون من نشاط الأب جرفاسيوس وتعليمه راحوا يشون به إلى مطران باترا طالبين منه أن يتدخَّل مباشرة ليحد من مواعظه ونشاطاته الروحية إلاَّ إن جواب الأب كان: “إن الله جدير بالطاعة أكثر من النَّاس, الويل لي إن لم أبشر… يمكن أن تعاقبني أو تحبسني… إلاَّ أنَّ كلمة الله لا تقيد” (2تيم 9:2). إلا أنه تحت ضغط بعض المنافقين والأثرياء وبعض البعيدين عن الكنيسة وحياتها الروحية وبعض الكهنة المتهاونين، قرّر المطران تغيير وقت المواعظ المسائية من السابعة الى الرابعة بعد الظهر, آملاَ في إلغائها في مرحلة قادمة. إلا إن الأب جرفاسيوس والشعب رفضا ذلك حيث أن هذا الوقت غير مناسب, وحدث أن بعض المؤمنين كانوا يفتحون الكنيسة المغلقة عنوة من أجل إتمام المواعظ في وقتها… وحصلت بلبلة كبيرة أتُهم فيها الأب جرفاسيوس بالتمرد والعصيان. وقد بلغت الأمور إلى المجمع المقدس الذي دعى الأب جرفاسيوس للإستجواب… إلا أن براءته ظهرت في النهاية، وهذا ما شهد به حتى الأعداء بعد رقاده. وكان للشعب المؤمن دور كبير في إثبات براءة الأب جرفاسيوس وقداسة سيرته.

بعد هذه الأحداث، وبعد إيقافه في إحدى الأديرة لفترة, عاد الأب جرفاسيوس الى نشاطه الروحي أكثر من السابق, حيث أصبح يعظ في الكنيسة الكاتدرائية في باترا.

الأب جرفاسيوس مستشار المجمع

طاعته لصوت الكنيسة

في عام 1939 اعتلى رئاسة أساقفة أثينا المطران خريسانثوس. رئيس الأساقفة هذا بعد مشاورات وتفكير، كما يذكر الأستاذ تريمبيلا الذي كان له دور في المسألة, إقتنع بتعيين الأب جرفاسيوس سكريتيراً أولاً له (chancellor). وبعد معارضة أولية وتهيُّب قبل الأب القديس, وخضع كإبن أمين للكنيسة المقدسة.

هكذا أقام الأب جرفاسيوس في دير بتراكي (Petraki) ولم يكن ليهدأ ليلاً نهاراً من النشاط بغيرة إيليا النبي عاملاً في مختلف المجالات الكنسية.

مساعيه في تنقية الكنيسة من الشوائب.

همه الأكبر كان: كيف يمكن تخليص الكنيسة من الذين دخلوها كذئاب لا تشفق على الرعية؟ لقد ساهم في إيقاف العديد من الأكليريكيين المنحرفين في البدع والماسونيَّة والعصرانية والتحررية (medernism) وتعب في سبيل إصلاحهم, بعد أن كانوا معتادين على البارات والمقاهي, وحلق الذقون وجمع الثروات والتسكع في شوارع أثينا والمدن الأخرى. وبخاصة المتبتلين منهم الذين كان يدعوهم للإلتزام بقوانين أديرتهم .

في عام 1941 إستراح الأب جرفاسيوس من مهامه الكبيرة وعاد الى رعيته المحبوبة في باترا. وحتى عندما انتخب رئيس أساقفة جديد طلب منه العودة الى أثينا كواعظ إلا أنه رفض. وقال لأحد أبنائه الروحيين في هذا الخصوص: “إنهم يريدونني أن أعود كواجهة يتخفون وراءها ويعيدون بناء كل الإنحرافات والشواذات التي هدمتها بيدي. إن فعلت هذا وعدت, فأنا متعد للشريعة (2غلا 18:2). ثم إنَّهم قد يضعون التاج الأسقفي على                 رأسي, ولكن هل هذا ما أريده؟ بالطبع لا, فأنا لي رسالة أخرى في مكان آخر. بالنسبة لي منبر الوعظ الذي أخدم الكنيسة من خلاله يكفيني”.

هكذا لم يكن الأب جرفاسيوس يطلب ما لنفسه مقابل أعماله وأتعابه في كرم الكنيسة. إقتداءً بالأباء القديسين، كان يتجنب كل مركز رئاسي في الكنيسة مؤثِرا أن يبقى راعياً بسيطاً لشعب الله.

“إنَّ الله عجيب في قديسيه الذين في أرضه”

موهبة التبصر

في الواقع كان الأب جرفاسيوس عائشاً ومتحركاً بالروح القدس. فبعد أن كرَّس ذاته وكل حياته لمن أحب منذ شبابه لم يبخل عليه الرب بالمواهب الإلهية ومنها موهبة النبؤة والتبصر في الأحداث. وقد قصَّ العديد من أبنائه الروحيين وقائع عن تنبوئه في شؤونهم وكيف تمَّت بالفعل كما سبق وقال لهم.

موهبة صنع العجائب

تلقّى خادم الرب المتواضع الذي لم يكن يسعى الى المناصب من الرب ما هو أثمن جزاء عن أتعابه. فإنه كان يصنع العجائب وهو لم يزل على قيد الحياة. وقد تمتع بقوة كبيرة على طرد الشياطين. كثيرون شهدوا بأنه كان يكفي للأب جرفاسيوس أن يرفع يديه للصلاة حتى يشفي شخصاً مريضاً.

“الصدِّيق يحيا الى الأبد”

رقاد الأب جرفاسيوس

في التاسع والعشرين من شهر حزيران 1964 شعر الأب جرفاسيوس بتلاشي قواه الجسدية. فإنه خلال سبعة وثمانين سنة من عمره “لم يعطي لعينيه نوما ولا لصدغيه راحة” (مز4:131). لقد اجتهد في سائر الشؤون الرعائية بروح طفولية بريئة. لكن منذ ذاك اليوم لم يستطع النهوض من سرير مرضه. إلاَّ أنَّ الرب لم يشأ أن يبقى خادمه طويلاً في سرير المرض فما عاناه خلال سني حياته من الأتعاب كان كافياً. في يوم عيد الرسل القدِّيسين (29 حزيران)، في ساعة الصباح الأولى، طلب أيقونة والدة الإله وأخذ يقبلها ويقول: “يا أمِّي الحنونة لا تهمليني”. بهذه الكلمات أسلم روحه بين يدي الله, ودخل الأبدية حيث سيستمر في الصلاة من أجل أبنائه وكنيسته. هكذا قرعت الأجراس الحزينة في كل باترا. الكل، إكليروساً وشعباً، بكوا وتألموا على فقدانه. تجمع الناس حول قلاَّيته لمرافقته الى كنيسة القديس ديميتريوس, حيث كان يمضي معظم أوقاته في الرعاية. الكل تدافعوا للمس رفاته للتبرك. الجميع شاركوا في دفنه, كانوا يدفنون أحد أقاربهم الشخصيين, في صمت وخشوع, رجالاً ونساءً, شيوخاً وشباباً وأطفالاً. سيل من الناس رافقه حتى مثواه الأخيرة. لقد غاب جسده في التراب لكنه كقدوة منيرة، وكغيور حار للرب, بقي حياً في نفوس الكثيرين. وقد تبعت رقاده علامات صامتة عدة, أظهرت تلقي الرب لروح الأب جرفاسيوس الطاهرة, وأكَّدت سكناه في أحضان إبراهيم أبي الأباء.

عن كتاب

Kostopoulos Cyril, Hierd.

Elder Gervasios of Patras

Orthodox Kypseli Publications

Thessaloniki, 1995