من تاريخ الكنيسة: ابجارا الحاكم ويسوع

 

 

السلام من ابجارا حاكم أدسا إلى يسوع المخلّص السامي، الذي ظهر في مملكة أورشليم. لقد سمعت أنباءك وأنباء آيات الشفاء التي صنعتها بدون أدوية أو عقاقير. لأنّه يقال إنّك تجعل العمي يبصرون والعرج يمشون، وإنّك تطهّر البرص وتخرج الأرواح النجسة والشياطين، وتشفي المصابين بأمراض مستعصية وتقيم الموتى.
وإذ سمعت كلّ هذه الأمور عنك استنتجت أنّه لا بدّ أن يكون أحد الأمرين صحيحاً، إمّا أن تكون أنت الله، وإذ نزلت من السماء فإنّك تصنع هذه الأمور، أو تكون أنت ابن الله إذ تصنع هذه الأمور.
لذلك كتبت إليك لأطلب أن تكلّف نفسك مؤونة التعب لتأتي إليّ وتشفيني من المرض الذي أعانيه. لأنّني سمعت أن اليهود يتذمّرون عليك ويتآمرون لإيذائك. ولكنّني لديّ مدينة جميلة جدّاً مع صغرها، وهي تتّسع لكلينا.

إجابة يسوع على الحاكم ابجارا على يد الساعي حنانيا

طوباك يا من آمنت بي دون أن تراني. لأنّه مكتوب عنّي أنّ الذين رأوني لا يؤمنون بي أمّا الذين لم يروني فيؤمنون ويخلصون. أمّا بخصوص ما كتبت إليّ عنه لكي آتي إليك فيلزمني أن أتمّ هنا كلّ الأشياء التي من أجلها أرسلت، وبعد إتمامها أصعد ثانية إلى من أرسلني. ولكنّني بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك من مرضك ويعطي الحياة لك ولمن لك.

وقد أضيف لهاتين الرسالتين الوصف التالي باللغة السريانيّ:

وبعد صعود يسوع فإنّ يهوذا، الذي يدعى أيضاً توما ( لم يُعرف توما باسم يهوذا إلاّ في كتاب تعاليم الرسل السريانيّ) أرسل إليه تدّاوس الرسول أحد السبعين. ولمّا أتى سكن مع طوبيّا بن طوبيّا. ولمّا ذاع خبره قيل لإبجارا إنّ أحد رسل يسوع أتى كما سبق أن كتب لك.
عندئذ بدأ تداوس يشفي كلّ مرض وكلّ ضعف بقوّة الله، حتّى تعجّب الجميع. ولمّا سمع ابجارا بالأعمال العظيمة والعجيبة التي صنعها، وآيات الشفاء التي أجراها، بدأ يشتبه بأنّه هو الذي كتب إليه عنه يسوع قائلاً: بعد صعودي أرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك.
لك استدعى طوبيّا الذي كان يسكن معه تداوس وقال: قد سمعت أنّ شخصاً ذا سلطان أتى وهو يسكن في بيتك. أحضره لي. فأتى طوبيا إلى تداوس وقال له: استدعاني الحاكم ابجارا وأخبرني أن آخذك إليه لكي تشفيه. فقال تداوس: سأذهب لأنّني أرسلت إليه بسلطان.
ومن ثمّ قام طوبيا مبكراً في اليوم التالي، وأخذ تداوس وأتى إلى ابجارا ولمّا أتى كان الأشراف حاضرين وقائمين حول ابجارا. وحالما دخل ظهرت رؤيا عظيمة لابجارا في وجه الرسول تداوس. ولمّا رآها ابجارا انطرح أمام تداوس بينما تعجّب كلّ الواقفين، لأنّهم لم يروا الرؤيا التي ظهرت لابجارا وحده.
ثم استعلم من تداوس إن كان هو حقّاً تلميذاً ليسوع ابن الله الذي قال له سأرسل إليك أحد تلاميذي ليشفيك ويعطيك الحياة. فقال تداوس: لأنّك آمنت بمن أرسلني إيماناً قويّاً فقد أرسلت إليك. وأكثر من هذا إن كنت تؤمن به يمنح لك سؤل قلبك حسب إيمانك.
فقال له ابجارا: لقد آمنت به حتى أنّني وددت أن أجرّد جيشاً وأهلك أولئك اليهود الذين صلبوه لو لم يؤخرني عن ذلك سلطان الرومانيّين. فقال تداوس: لقد تمّم ربّنا إرادة أبيه، وإذ تمّمها صعد إلى أبيه. فأجاب ابجارا: وأنا أيضاً آمنت به وبأبيه. فقال له تداوس: ولذلك أضع يدي عليك باسمه. ولمّا فعل ذلك شفي ابجارا في الحال من المرض والآلام التي كان يعانيها.

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

الــيــاس بــطريــرك الـعـرب

سامر عوض

سيرته

البطريرك إيلياس الرابع (معوض) بطريرك مدينة الله إنطاكية العظمى وسائر المشرق، أنطاكية هي الكرسي البطريركي الثالث بعد القسطنطينية والإسكندرية، والبطريرك إيلياس هو البطريرك الـ 170 بعد بطرس الرسول أول أسقف إعتلى سدة أنطاكية بين عامي (45-53) والبطريرك العربي السادس بعد البطريرك ملاتيوس الثاني (1899-1906) والبطريرك غريغوريوس الرابع (1906-1928) والبطريرك أرسانيوس (1931) والبطريرك ألكسندروس الثالث (1931-1958) والبطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958-1970)، ثالث عشر الرسل القديسين الأطهار بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى.
ولد إيلياس بن دياب معوض عام 1914 في مدينة أرصون (المتن الجنوبي – لبنان) وتلقى علومه الإبتدائية والثانوية في دير القديس جاورجيوس (دير الحرف) التابع لأبرشية جبيل والبترون (جبل لبنان)، وفي مدارس الطائفة في دمشق وحمص.
لبس الثوب الإكليركي عام 1927 على عهد البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد) ولقد أرسله البطريرك ألكسندروس الثالث (طحان) عام 1934 إلى معهد خالكي اللاهوتي قرب استانبول، وحاز على شهادة اللاهوت عام 1939
عُيّن مديراً لمدرسة البلمند الإكليركية وسيم كاهناً ورقّي إلى درجة الأرشمندريتية عام 1941، ودرَّس الأدب العربي في المدرسة الآسية الأرثوذكسية بدمشق، وفي عام 1947 انتدب إلى البرازيل لرعاية الجالية العربية في ريو دي جانيرو، وبقي هنالك ثلاث سنوات إلى أن انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس راعياً لأبرشية حلب عام 1950 خلفاً للمثلث الرحمات المطران روفائيل نمر (1912-1950)
مثّل الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، في مؤتمرات أرثوذكسية عامة في رودس(1961-1963-1964) وفي جنيف في سويسرا (1968) كما واشترك في أعمال الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين في بيروت (7-10 أيار 1970) وحينها ألقيت باسم الكنيسة الأرثوذكسية كلمتين واحدة بالفرنسية لسيادة المطران جورج (خضر) وأخرى بالعربية للمطران إيلياس (معوض) مطران حلب، عبر من خلالها عن مأساتين مرّتا بفلسطين بصلب المسيح منذ حوالي الألفي عام، وبإغتصاب الأرض وانتهاك المقدسات باحتلال الصهاينة لفلسطين، وقد أظهر المطران معوض في كلمته الجانب الإنساني لقضية فلسطين كما وبيّن حينها الموقف السلبي للغرب (المسيحي) من القضية الفلسطينية وأنهى كلمته بقول مؤثر: “فلسطين ستبقى لنا، وستبقى ما دمنا نؤمن بحقنا وندافع بأرواحنا عنها”.
ترأس المطران الياس عام 1969 نيابة عن البطريرك ثيوذوسيوس السادس الخدمة الإلهية لرسامة الأرشمندريت قسطنطين باباستيفانو مطراناً على بغداد والكويت، والأرشمندريت ألكسي عبد الكريم مطراناً على حمص.
وقد لعب المطران الياس قي حلب دوراً بارزاً على صعيد العلاقات مع الطوائف الشقيقة، وتبؤا مكانة كبيرة بين مطارنة حلب فجمع أواصر المحبة معهم، وكانت له في حلب علاقة طيبة مع مفتيها.
انتخب المطران إيلياس قائمقاماً بطريركياً عقب وفاة البطريرك ثيوذوسيوس السادس (أبو رجيلي) في 19/9/1970 وانتخب بعد ذلك بطريركاً في 25/9 وتم التنصيب في 27 منه، وإعتلى السدة البطريركية تحت إسم إيلياس الرابع بعد أن تعاقب على الكرسي الأنطاكي بطاركة تحت إسم إيلياس في القرون التاسع، الحادي عشر والثاني عشر
زار اليونان في عام 1971 وفي 1972 وبتاريخ 22 حزيران 1972 ترأس غبطته المجمع الذي وضع النظام الأساسي الجديد لكنيسة أنطاكية، وفي عام 1974 ترأس الوفد المسيحي المكون من أساقفة وكهنة ينتمون إلى طوائف عدة في لاهور (باكستان) كما وزار المملكة العربية السعودية في عام 1975 وإلتقى الملك الراحل خالد بن عبد العزيز وبحث معه قضايا عربية، واقترح على الملك عقد مؤتمر مسيحي إسلامي للبحث في مسألة القدس، إهتم غبطته بتشديد أواصر الأخوة في العالم الأرثوذكسي فزار الكنائس المستقلة والبطريركيات وكان العين الساهرة على أبرشيات المهجر ليعزز من إرتباطها بكنيستها الأم، فتفقد الكنيسة الأرثوذكسية في الأمريكيتين عام 1977 وزار أمريكا اللاتينية سنة 1978.
دافع البطريرك إيلياس عن قضية العرب الأولى فلسطين فاستحق بحق لقب بطريرك العرب، كل العرب من المحيط إلى الخليج، مسيحيين ومسلمين، فكان بطريرك إنسانية العرب، بطريرك الضمير العربي، وحمل هاجس فلسطين الأرض والشعب كل حياته
رقد البطريرك إيلياس بالرب في 21/6/1979 إثر نوبة قلبية حادة، وقد نعاه مطارنة المجمع المقدس، آباء الكنيسة الأنطاكية إلى العالم أجمع، وبذلك طويت صفحة رجل مرَّ من المتن إلى إستنبول فحلب مطراناً فمدينة الله أنطاكية بطريركاً
أجريت مراسم الدفن بحضور ممثلين عن الكنائس المسيحية من سوريا ولبنان والأردن ومصر، ورئيس الوزراء السوري محمد علي الحلبي ممثلاً الرئيس حافظ الأسد، ورئيس الوزراء اللبناني سليم الحص ممثلاً الرئيس الياس سركيس وممثل عن الزعيم الليبي معمر القذافي وممثل عن منظمة التحرير الفلسطينية، وعدد من الوزراء والنواب السوريين واللبنانيين وعدد من السفراء ممثلي عدد من الملوك والرؤساء وعقب انتهاء مراسم الدفن قلد الحلبي البطريرك وسام أمية الذي منحه إياه الرئيس الأسد كما قلده الحص وشاح الأرز الذي منحه إياه الرئيس سركيس وبعد ذلك وري البطريرك الثرى في مدفن البطاركة الأنطاكيين في دمشق بعد أن انتقل إليها مركز البطريركية عام 1342 على عهد البطريرك إغناطيوس الثاني وهو البطريرك الأول الذي أقام في دمشق
وخلف غبطته، مطران اللاذقية حينها إغناطيوس (هزيم) الذي انتخب بطريركاً في 2/7 وتم تنصيبه في 8/7 تحت إسم إغناطيوس الرابع (هزيم)

مؤلفاته

أ- الكتب:
1-      الآباء الرسوليون، كتاب صادر عن منشورات النور بالاشتراك مع رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط في عام 1970، نقله عن اليونانية المطران إيلياس (معوض)، ويضم بين دفتيه نصوصاً قديمة تعود إلى القرون الأولى مع تعليق ودراسة عنها وعن هوية كاتبها، بما يختص: إقليمس أسقف رومية، تعليم الرسل الإثني عشر، رسالة برنابا، رسائل إغناطيوس الأنطاكي، بوليكربوس أسقف أزمير، الراعي لهرماس بما يضم من رؤى ووصايا وأمثال
2-      في المعمودية، للقديس يوحنا الذهبي الفم، صدر في عام 1975، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، يتألف الكتاب من ثماني مواعظ في المعمودية، ففي الأولى يصف الذهبي الفم المعمودية بأنها زواج روحي بين النفس والمسيح ويبين كيفية عيش الحياة في المسيح بصورة عملية، أما في الموعظة الثانية فيسرد تعليمه للمدعوين مفصلاً عن مخطط الخلاص والرحمة الإلهية وأن عدل الله يظهر جلياً من خلال قصاص آدم، ويشرح طقس العماد وما يتبعه من مناولة جسد الرب ودمه الكريمين ومسح الجبين والجسد بالزيت المقدس، أما الموعظة الثالثة فتبين أن المعمودية فرح المؤمنين لتسربلهم بالنعيم الإلهي، بينما تبين لنا الموعظتان الرابعة والخامسة الواجبات الأخلاقية المفروضة على المستنيرين (فإذا كان أحدنا في المسيح فهو خلقة جديدة) فالمعمد نور يضيء قدام الناس من خلال أعماله التي تمجد الآب الذي في السماوات. فالمؤمن مصلوب على صليب أهوائه وما بعد الصلب إلا القيامة. أما في الموعظة السادسة فيحذرنا الذهبي الفم من ارتياد المسارح والملاهي وما يسببه ذلك من تأثيرات سلبية على المؤمنين، أما الموعظة السابعة فتتحدث عن بقايا القديسين ومدى فائدتها للمؤمنين. وفي الموعظة الثامنة يمدح القديس يوحنا المؤمن المتمسك بالخيرات السماوية ويرسم منهجاً للحياة المسيحية.
3-      بولس الرسول، للكاتب جوزيف هولزنر، نقله إلى العربية المطران إيلياس (معوض)، يبحث الكتاب في شخصية بولس ذا الثقافة اليهودية والهوية الرومانية وقصة اعتناقه المسيحية وإهتدائه على طريق دمشق وأسفاره التبشيرية ورسائله إلى تلاميذه والكنائس المنتشرة واهتمامه بالمسيحيين ورحلاته إلى روما وغير ذلك من التفاصيل. وفق إسلوب يعود بالقارئ إلى زمان ومكان بولس بما يحمله الكتاب من دقائق وتاريخ تساعد المؤمن على فهم لاهوت بولس وكيفية العيش وفق منطق وفكر المسيح بالإضافة إلى معلومات تاريخية وجغرافية تخص الأماكن التي زارها بولس. ويعد الكتاب الأوسع من ناحية التكلم عن الرسول بولس في لغتنا العربية فبولس لم يكن معلماً فحسب بل رسولاً نقل ما عند الله إلى بني البشر.
4-      الجبل المقدس آثوس، لبابانطونيو، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع)، ويتألف من فصول عدة تتحدث عن الجبل المقدس وعاصمته ومينائه وبعض أديرته ونمط النسك فيه وحياته الرهبانية ويسرد سير بعض الذين نسكوا في الجبل المقدس وتقدسوا ويشرح عن الهدوئية وسيكولوجيا الرهبان ويشرح الكتاب الفن الأيقونوغرافي في الجبل ويتحدث عن أقسام الجبل.
5-      مختارات من أدب آباء الكنيسة، ويتضمن خمسة أبحاث للقديس باسيليوس الكبير (القرن الرابع) وعشرة للقديس سمعان اللاهوتي الحديث (القرن الحادي عشر) وذلك وفق صياغة آبائية تراعي القارئ وتطلعه على أمور لاهوتية من منظار آبائي.
6-      الحياة في المسيح، للقديس نيقولاوس كاباسيلاس، نقله عن اليونانية البطريرك إيلياس (الرابع) وصدر عن منشورات النور عام 1982 أي بعد وفاته بثلاث سنوات وأعيدت طباعته عام 2002 ويتحدث الكتاب بخلاصات عدة عما يعيشه المؤمن من وسائل الخلاص ليس بالمفهوم العلمي فحسب بل بالمعنى الحياتي أيضاً الذي يتمكن المؤمن من خلاله للوصول إلى الله.
7-      طريق النعمة
8-      كتاب حول الشعر اليوناني الحديث

ب‌- المقالات:
1- الإتجاهات الجديدة في اللاهوت الأرثوذكسي، ويتكلم عن التقليد ومدى أهميته وتأثيره وكيفية فهمه والتعامل معه وقد ذكرت المقالة التعليم العقائدي من خلال المجامع المسكونية السبعة وتطور اللاهوت الأرثوذكسي على مر العصور من القرون الأولى حتى ظهور الإتجاهات اللاهوتية الحديثة.
2- أناشيد في يهوذا،للقديس رومانوس المرنم، ترجمها المطران إيلياس وهي عبارة عن سبع مقاطع تتحدث عن يهوذا وغشه وخيانته للسيد وتسليمه المسيح وتحوله من خروف إلة ذئب يهجم كالوحش على الراعي وتسرد الأناشيد حسرة يهوذا بأسلوب التأمل وتختم بتوسل إلى الله لكي يرحمنا ويهبنا أن نعرف دائماً طريق الحق لنسير عليه ونصل إلى المسيح.
3- التحرر من الأهواء، القديس إسحق السرياني، فالتحرر من الأهواء يتم عن طريق احتقار الذات وعدم القنية فهما أداتان للحصول على الصبر والانعتاق من سلطان الشرير فبالصبر يتحرر المؤمن من الأهواء وإن أحسن إستخدامه فالألم الشديد يطهر النفس من الخطيئة كما الدواء يزيل الداء من الجسد.
4- رسالة القيامة، وهي رسالة وجهها البطريرك إيلياس بمناسبة عيد القيامة عام 197 وبدأها بالقول: “القيامة هي الحدث العجيب الذي وضع حداً لحيرة الفكر”، بين غبطته المدى الكبير لتأثير القيامة على الكون من بشر ومخلوقات وأن هنالك حاجة كبيرة ليحيا البشر القيامة من خلال أفعالهم وأقوالهم وأشارت الرسالة إلى الشعب الفلسطيني وأن قضيته ليست قضية شعب بل قضية الإنسانية برمتها.
5- صياغة كياننا تجعلنا قوة تتحدى البطل، ويبين المقال أهمية معرفة الإنسان لذاته لكي يتمكن من صياغتها فحقيقة النفس الإنسانية هي المحبة التي تطبع الإنسان بفكر الله والمسيح هو المثال الأسمى للمحبة حين بذل ذاته على الصليب من أجل العالم، فبين الله والإنسان عهد محبة على المؤمن تحقيقه بأن يمارسها في حياته فيتغلب على الشرير فيتحرر المسيحيون وتتحرر الإنسانية جمعاء فتعيش الحق.
6- قيامة الرب في المجدلية، جزء من عظة إثنين الباعوث في الكاتدرائية المريمية لغبطة البطريرك وفيها يؤكد أن ما حدث للمجدلية هو صورة حية لما يمكن أن تجترح محبة المسيح لنا نحن البشر فالإنسان ذا مصدر إلهي ولذلك يحتوي في حياته أن يكون إلهاً مع أنه مخلوق والحرية هي جوهر التعبير عن الله، والمسيح يقف صامتاً صمت الله وصمته جمال يتكلم في الطبيعة من خلالها فكأن صمته يتكلم ويجترح العجائب في كيان المجدلية المغرورة فتحولها الداخلي قيامة عظمة تريك قيامة الإنسانية كلها فالمجدلية هي الرسم الأخير لما ستصير إليه الإنسانية وما يشتاق إليه الرب.
7- لماذا قبل الله أن يتألم، هذه المقالة نشرت عقب وفاة البطريرك إيلياس ويسأل فيها لمذا تألم الله ومات؟ ألم يكن من المستطاع أن يخلص العالم بدون العذاب والألم والموت لكن الله هو إله محبة وحرية ومن طبيعتهما أن يبقيا في ألم دائم لأن الألم هو الصفة الجوهرية التي ترافق جوهر الأزل المستمر في أزلية الخلق والإبداع الذاتية وعملية الخلق الدائم تفترض مخاضاً أبدياً وألماً أزلياً والمحبة الكاملة هي المنتهى الحتمي للذين يتعذبون.

المراجع:

1- الكتب
• أثناسيو، الأرشمندريت د. متري هاجي، موسوعة بطريركية أنطاكية التاريخية والأثرية،
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الأول
• بيطار، الأرشمندريت توما، سير القديسين (السنكسار)، الجزء الثاني
• إدارة مجلة النعمة، تقويم النعمة، 1964
• ديك، الأرشمندريت د. إغناطيوس، الحضور المسيحي في حلب في الألفين المنصرمين
• كاباسيلاس، القديس نيقولاوس، الحياة في المسيح، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الذهبي الفم، القديس يوحنا، في المعمودية، تعريب البطريرك الياس الرابع
• معوض، البطريرك الياس، مختارات من أدب آباء الكنيسة
• هولزنر، جوزيف، بولس الرسول ، تعريب البطريرك الياس الرابع
• الآباء الرسوليون، تعريب البطريرك الياس الرابع
• أبو زيدان، مشيل، في الذكرى الخامسة لانتقال المثلث الرحمات المطران ألكسي عبد الكريم غلى الأخدار السماوية

2- المجلات
• مجلة النور، العدد 7،عام 1979
• مجلة النور، العدد 1،عام 1971
• مجلة النور، العدد 9،عام 1969
• مجلة النور، العدد 3،عام 1971
• مجلة النور، العدد 6،عام 1971
• مجلة النور، العدد 1،عام 1972 (يونان)
• مجلة النور، العدد 5،عام 1979 (روسيا)
• مجلة النور، العدد 7،عام 1978
• مجلة النور، العدد 9،عام 1964
• مجلة الكلمة، العدد 3، عام 1991

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

المثلث الرحمات صاحب الغبطة الميتروبوليت أرسانيوس حداد
ميتروبوليت اللاذقية والبطريرك المنتخب على أنطاكية

إعداد: ميلاد جبارة – فادي بشور

نتابع اليوم ما بدأناه في مشوارنا مع آباء الكرسي الأنطاكي في النصف الأول من القرن العشرين، فسنتحدث عن سيادة المطران أرسانيوس حداد راعي أبرشية اللاذقية، وبطريرك أنطاكي منتخب، آملين أن تسهم هذه السيرة في المساهمة في نهضة الكرسي ووجود أناس ساعين إلى تكريس ذواتهم للرب الإله. (المعدان)

ولد سيادة المطران أرسانيوس (أسعد حداد) في قرية عبي منطقة الشحار الغربي في قضاء بحمدون، وهو ابن عم البطريرك غريغوريوس الرابع حداد.

خدمته الكهنوتية

كان شماساً إنجيلياً في خدمة المطران غفرائيل شاتيلا راعي أبرشية بيروت ولبنان، وسيم كاهناً يوم عيد الميلاد من السنة 1898 وأرشمندريتاً في 30 كانون الأول من السنة ذاتها، ورفع إلى درجة الأسقفية في 2 كانون الثاني من العام في 1899 في احتفال كنسي ضخم ترأسه غبطة البطريرك ملاتيوس الثاني بمشاركة السادة المطارنة: نيقوديموس (عكار)، غريغوريوس (حماة)، غريغوريوس (طرابلس)، أثناسيوس (أداسيس). وخطب المطران الجديد متوجهاً إلى البطريرك معلناً أنه يدرك عدم كفاءته البشرية للعمل المنوط به لكنه يتقوى بالسيد له المجد وسيحاول إتمام واجباته على أحسن وجه ويطلب أن يساعده الشعب بالصلوات ليحافظ على الآثار التي خلفها غبطته في كرسي اللاذقية واختتم خطابه بالشكر للدولة العثمانية وبالدعاء للسلطان العثماني فرد غبطة البطريرك بالشكر على ما أبداه نحوه من محبة وشغف للعمل في حقل الرب.

في اللاذقية

يعرف عن المطران أرسانيوس أنه الوحيد الذي رافقه البطريرك ملاتيوس الثاني ليسلمه أبرشيته، وكان مهتماً بحل خلافات نشبت في اللاذقية بين آل مرقس وآل كومين وكان البطريرك ملاتيوس منحازاً لآل كومين عندما كان مطراناً على اللاذقية فاستولى آل مرقس على كنيسة مار جرجس وأصلحوها فهي كانت خربة واستقدموا كاهناً عليها ورفعوا الرئاسة للبطريرك اليوناني احتجاجاً على تصرف مطرانهم. ومن آثار تفاقم هذه المشكلة تشكيل حارتين في اللاذقية عرفتا بالعامية بالحارة الفوقانية (وهي المنطقة الممتدة من القلعة شمالاً وحتى شارع القوتلي جنوباً) والحارة التحتانية (وهي الممتدة من شارع القوتلي وحتى منزل آل سعادة وآل نصري قرب كنيسة مار ميخائيل حالياُ). فكان من أوائل مهام الميتروبوليت أرسانيوس هي وضع حد للخلافات بينهما فبعيد وصوله مع البطريرك ملاتيوس إلى مرفأ اللاذقية ذهب إلى منزل حبيب مرقس فقال صاحب هذا البيت: “اليوم صار الخلاص لأهل هذا البيت” وتم الصلح. ثم ذهب إلى كاتدرائية القديس نيقولاوس وأقيمت صلاة الشكر. وقام المطران الجديد بشراء البيوت المجاورة لكنيسة مار جرجس وسورها تمهيداً لترميمها مع الكنيسة. وجددت في عهده كنيسة مار سابا في اللاذقية حيث تبرع آل نصري بمبلغ500 ليرة ذهبية
وفي أول وصوله تم انتخاب مجلس ملي جديد، وألف محكمة روحية للنظر في جميع القضايا الدينية، وأسس جمعية باكورة الإحسان لمساعدة الفقيرات، ولما كان شماساً في بيروت أسس مجلة المنار وتابع مهمته هذه لما صار ميتروبوليتاً على اللاذقية، عرف عنه أنه كان يقوم بعمله على أكمل وجه تجاه الأساقفة الآخرين، فكان أول الوافدين إلى مطرانية بيروت، لتهنئة المطران جراسيموس الميتروبوليت الجديد عليها، وشارك في انتخاب البطريرك غريغوريوس سنة 1906 وشارك في حفلة تنصيبه وعين قائمقاماً بطريركياً بعد وفاة البطريرك غريغوريوس

صفاته

بالرغم من أنه لم يكن متعلماً إلا أنه كان أرثوذكسياً لا غش فيه، أدار الأبرشية بحنكة لم يكن لها مثيل يحب الشباب ويجمعهم لكي يروي لهم سير القديسين. وكان حافظاً جميع الخدم الطقسية وكان يصحح كل أخطاء كهنته التيبيكونية دون الرجوع إلى نصوص مكتوبة. جعل من مطرانيته ديراً للرهبان، فعاش معه أربعة أرشمندريتية هم: الأرشمندريت نيفن سابا، الأرشمندريت تريفن غريب، الأرشمندريت جبرائيل دميان، الأرشمندريت ألكسندروس جحا. والكاهن ميخائيل خلوف. وأرسلهم إلى معاهد اللاهوت فقد أرسل الأرشمندريت تريفن (الذي صار مطراناً على اللاذقية) إلى معهد خالكي، والأرشمندريت جبرائيل (الذي صار مطراناً على اللاذقية أيضاً) إلى كييف، والأرشمندريت ألكسندروس (الذي صار مطراناً على حمص) والأب ميخائيل إلى موسكو، وأما الأرشمندريت نيفن إذ لم يكن متعلماً كفاية بقي معه في دار المطرانية. وكان مهتماً بالوعظ لدرجة أنه كان يستقدم الأرشمندريت فوتيوس خوري واعظ الكرسي الأنطاكي آنذاك (لاحقاً مطران بغداد والكويت) لإلقاء محاضرات روحية خلال فترة الصوم الكبير. كان محبوباً من الأوساط الإسلامية وكان شيوخها يزورونه في دار المطرانية وبشكل خاص شيخ الطائفة المولوية.

أمور تذكر

كان خلال الانتخابات النيابية، يغادر مدينة اللاذقية مركز الميتروبوليتية ليبتعد عن الأجواء الانتخابية ويطلب من الوجيهين اسحق نصري ووديع سعادة ألا يتصلا به إلا بعد انتهاء الانتخابات فيزور بيت الفائز ليهنئه وبيت الخاسر أيضاً. فرز الشماس فوتيوس ياسمين للاهتمام بالتعليم الديني في مدرسة الروم للشباب وعين الأب ميخائيل خلوف مديراً لها ومن بعده الأرشمندريت جبرائيل دميان، واستقدم الراهبة ماريا من دير زهرة الإحسان في بيروت للتعليم في مدرسة الروم للبنات.
ببركته وإشرافه قام الشماس ثيوذوسيوس مطلق وهو فلسطيني الأصل بالتعاون مع الأب أيوب خوري كاهن قرية المزيرعة بإصدار كتب للتعليم الديني ينشرها المطران فور جهوزيتها، ومنها كتاب السواعي الصغير
من حبه للسلام وعدم رغبته بالذهاب لا إلى المحاكم الروحية ولا المدنية كان يحاول حل المشاكل التي تحدث بين أبناءه فكان يظهر قسوة مصطنعةً ويحكى أنه في مدينة اللاذقية كانت هناك عائلة (رباحية) وأحد أفرادها يدعى عبدو يملك فرساً يركبها لكي يتاجر ببعض الحاجيات خارج اللاذقية، فأخذ أحد أعيان الطائفة من آل (صابور) المتمتع بمقام كبير في الطائفة هذه الفرس ولم يردها إلى عبدو فذهب الأخير إلى المطران أرسانيوس وشكا الأول، فجلب المطران الوجيه ولما سأله عن فعلته، أجاب:” أدفع له ثمنها وأزيد لأني أريدها” فأمره بإعادتها فرفض وازداد عناداً فما كان من المطران أرسانيوس إلا أن أمر بجلده قائلاً: “لا يهمني من يكون” فرضح وأعاد الفرس لصاحبها
عرف عن المطران أرسانيوس أنه قضى العمر في مطرانية اللاذقية يصالح بين الأزواج فلم يعثر في سجلاته إلا على حالة طلاق واحدة لاستحالة العيش المشترك.
في عام 1924 إثر الأزمة الناشئة في أبرشية نيويورك الأنطاكية للروم الأرثوذكس، انتخب المجمع الأنطاكي المنعقد برئاسة غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع، قدس الأرشمندريت فكتور (أبو عسلي) ميتروبوليتاً على الأبرشية، واتفق أن يرسل وفداً إلى الأبرشية لمصالحة الأنطاكيين الذين تخاصموا حول مرجعيتهم الروحية إلى ثلاث فرق، أنطاكية وروسية وأمريكية، فأرسل غبطته مطران حوران زخريا لكي يسيم المنتخب بدون علم المجمع فاتفق أرسانيوس (اللاذقية) وباسيليوس (عكار) وألكسندروس(طرابلس) على رفض العمل وأبرقوا لغبطته ولغبطة بطريرك أورشليم آنذاك دميانوس لكي يمنع السيامة حيث كان من المقرر أن يشترك مطرانان من الكنيسة الأورشليمية في السيامة ( القوانين المقدسة تحدد أنه لشرطونية الأسقف يجب وجود ثلاثة أساقفة على الأقل) ونشئت أزمة طويلة انتهت بأن خرج أرسانيوس منها بعد سيامة فكتور ومن ثم تصالح باسيليوس وألكسندروس مع غبطته طالبين بركته

انتخابه بطريركاً على أنطاكية والحوادث التي رافقته

لقد كان القانون البطريركي يعطي أصواتاً لعلمانيي مدينة دمشق عددها عشرة وصوت لكاهن عن مدينة دمشق وصوت لكل من الوكيلين البطريركين في دمشق وأنطاكية، ضماناً لفوز المطارنة الوطنيين بعد استعفاء البطريرك اسبيريدون آخر البطاركة اليونان
ولكن عدد الأصوات المعطاة للدمشقيين يفوق عدد مطارنة الكرسي الأنطاكي آنذاك فيتحكمون بمصير المرشحين إلى المنصب البطريركي فجرت عدة محاولات لتغيير القانون باءت بالفشل بسبب رفض الدمشقيين التنازل عن حقهم وفي المجمع الأخير حيث توفي البطريرك غريغوريوس الرابع في 1928 المنعقد في سوق الغرب انتخب المطارنة بالإجماع أرسانيوس قائمقاماً بطريركياً فأجرى عدة محاولات لتغيير رأي الدمشقيين ونجح في ذلك ولكن خلال الاجتماع الأخير معهم عادوا عن موقفهم ووقف إلى جانبهم المطرانان ألكسندروس (طحان) وثيوذوسيوس (صور وصيدا) طمعاً برضاهم، فلما دعا أرسانيوس إلى مجمع ترشيحي لترشيح 3 مطارنة أبى الدمشقيون المشاركة إن لم يكن المرشحون هم (ألكسندروس: المسجل عليه دعاوى قانونية من رعيته)، (وملاتيوس: مطران سابق لديار بكر ولا يحق له لا أن ينتخب ولا أن ينتخب لأنه لم يكن من المطارنة العاملين)،( وثيوذوسيوس) وهددوا المطارنة، فقام أكثرية المطارنة من دمشق إلى دير مار الياس شويا حيث عدلوا نظام الانتخابات. والتأم المجمع في 20/1/1930 في دير مار جرجس الحميراء في جلسة انتخابية بمشاركة: روفائيل (حلب)، إغناطيوس (حماة)، أبيفانيوس (حمص)، زخريا (حوران)، جراسيموس (بيروت)، باسيليوس (عكار)، فكتور أبو عسلي(أمريكا) والأرشمندريت بولس خوري ممثلاً المطران بولس (جبيل والبترون) وانتخب أرسانيوس بطريركاً في 24/1 وأبلغ العالم كله بالنبأ المفرح بأن فترة ترمل البطريركية الأنطاكية قد انتهت. ولكن المطارنة الثلاثة المتخلفين وهم ألكسندروس وثيوذوسيوس ونيفن (زحلة) قد انتخبوا ألكسندروس بطريركاً
عاد البطريرك أرسانيوس إلى اللاذقية ومشى من دار المطرانية إلى كنيسة مار سابا يتقدمه ثماني مطارنة وأربع أرشمندريتية وعدد من الشمامسة وفرق الكشاف وعناصر الجيش الفرنسي. واكتظت الشوارع بالمسيحيين والمسلمين وحضر الجنرال شيفر وحاكم الحكومة العلوية في اللاذقية فكان شيئاً لم تشهده اللاذقية من قبل.
ولكن الدمشقيين هددوا البطريرك أرسانيوس ومنعوه من دخول دمشق، فمنعاً لتفاقم المشكلة آثر البطريرك المنتخب أرسانيوس البقاء في اللاذقية. أرسل البطريرك المسكوني مندوباً عنه ليحاول حل المشكلات ففوضه البطريرك أرسانيوس للتوقيع باسمه على أي اتفاق مع المطران “البطريرك الثاني” ألكسندروس، ولكن أرسانيوس لم يكن يتقن اليونانية عكس ألكسندروس الذي كان يتقنها وقوي الحجة ومتعلماً فتأثر خريسنثوس المندوب بألكسندروس وآثره عوضاً عن أرسانيوس فوضع اتفاق بنص على أن أرسانيوس هو البطريرك وألكسندروس بطريرك سابق وله الوكالة الدائمة لأرسانيوس وفي حال استقالة أرسانيوس أو وفاته يصبح هو البطريرك دون أي انتخاب. والسلطة الفرنسية التي أرادت أن تساند الوطنيين فبعد أن ساندت أرسانيوس تراجعت ودعمت ألكسندروس لأنها رغبت في أن يكون البطريرك من دمشق، مركز التجمع الأول للوطنيين. تاريخ 30/4/1931 يصل إلى مسمع المجمع أن بطاركة القسطنطينية والإسكندرية وأورشليم أرسلوا صكوك الاعتراف بألكسندروس بطريركاً شرعياً (وكانت هذه محاولة لإعادة السيطرة اليونانية على البطريركية الأنطاكية) وهذا ما حصل. منعاً لتفاقم الأمور، آثر الميتروبوليت أرسانيوس أن يكمل عمله كمطران على اللاذقية وانسحب من السدة البطريركية على أن يصبح هو البطريرك في حال وفاة أو اعتزال البطريرك ألكسندروس (عكس الاتفاق السابق)

وفاته

حزن المطران أرسانيوس كثيراً للمؤامرات التي أحيكت ضده فما لبث أن أصيب بداء السكري، وأصابته دملة كبيرة في رقبته فآثر الأطباء أنه يجب أن تشق فذهب إلى مشفى مار جرجس (مشفى الروم) في بيروت وبسبب السكري تسممت الدملة حيث عاجلته المنية هناك في حزيران 1932. ووافاه البطريرك ألكسندروس والمطرانان ثيوذوسيوس ونيفن فصرخ المطران إغناطيوس حريكة: “مات البطريرك أرسانيوس، عاش البطريرك ألكسندروس!” فبكى الجميع عليه ووعد البطريرك بأنه سيجعل اسم أرسانيوس نظامياً ضمن لائحة البطاركة، لكنه لم يحقق كلامه بل ذهب أدراج الرياح.
نقل الراحل الكبير إلى اللاذقية وتمت جنازته في كنيسة مار سابا ثم ووري الثرى في مقبرة الكنيسة ولكن بعد هدم الكنيسة وطمر المقبرة لبناء مدرسة الكلية الوطنية الأرثوذكسية نقل جثمانه إلى مدفن رؤساء الكهنة في المقبرة بالفاروس.

ولم يسجل اسم البطريرك أرسانيوس في اللائحة النظامية لبطاركة الكنيسة الأنطاكية إلى يومنا هذا ولكن يبقى في قلوب الأنطاكيين راعياً وأباً وبطريركاً منتخباً على أنطاكية هكذا شاء الروح القدس حامي الكنيسة الأرثوذكسية

المراجع
1. د. أسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج 3 ، منشورات النور
2. عماد ربيز، أرسانيوس حداد: مطران اللاذقية وبطريرك منتخب على أنطاكيا، دراسة في معهد البلمند، غير منشورة.
3. د. علي خليل، اللاذقية في مطلع القرن العشرين، ط1، 2007
4. غيد الياس بيطار، اللاذقية عبر الزمن، الجزء الأول: التاريخ، ط 1 ، 2001
5. جورج منصور (حالياً سيادة المطران باسيليوس)، الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة، أطروحة لنيل إجازة في اللاهوت، غير منشورة
6. الأب نايف اسطفان، الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1930-1933، 2006
7. الأب نايف اسطفان، أزمة أبرشية نيويورك وما يليها للروم الأرثوذكس 1924، 2006

بعض الإفتراضات المسبقة المتعلقة باللاهوت الخلاصي في المجامع المسكونية السبعة

بعض الإفتراضات المسبقة المتعلقة باللاهوت الخلاصي

في المجامع المسكونية السبعة

الأب يوحنا رومانيدس

ملاحظة

توصل الإفرنج وحلفاؤهم التيوتونيون إلى تسمية أنفسهم إفرنج. نحن نسمي هذا الحلف ذا الطابع التيوتوني بإسم الفرنكو لاتين لكي نميزهم عن اللاتين الحقيقيين في التاريخ الروماني.

أ. صياغات العقيدة وسر الله

1) يجب أن نميز بين صياغات العقيدة حول أسرار الثالوث القدوس والتجسد والحياة في مجد ملاك المجلس الأعظم قبل وبعد تجسده وحياة المؤمنين في جسده، الكنيسة. فالصياغات العقائدية هي موجهات وسط الحيرة التي تسببها الإنحرافات الهرطقية عن درب الشفاء الضيق الذي يوصل إلى التمجيد/ الصلب في المسيح.

من أجل ذلك، ما يوصل إلى الشفاء هو أرثوذكسي وما يبعد عنه هو هرطوقي. طريقة أخرى لقول هذا هو أن العقيدة ليست ماورائية بالطبيعة وأرثوذكسية العقيدة يحددها نجاح العلاج التي توصل إليه، لأنها ليست نهاية بحد ذاتها. وفي نهاية المطاف يكمن “مجيء الكامل” (1كو 13 :10) حين نرى رب المجد في هذه الحياة “وجهاً لوجه” (1 كو 13 :12) حيث الكلمات والمفاهيم عن الله تبطل.

خبرة التمجد/ التأله هي ما أنتج أنبياء العهد القديم والرسل وأنبياء العهد الجديد والتقليد الآبائي وصياغات العقيدة هي فقط مؤشرات على هذا الطريق الضيق. ولكنها لا تصف مجد “الكامل” غير المخلوق كما أنها لا تكشف جوهره أو طبيعته التي لا يعرفها إلا هو نفسه أي أفراد الثالوث القدوس.

2) الCredo ut intellegam هي إفتراضات بأن الإنسان يصل بالإيمان، على الأقل، إلى فهم جزئي لمادة أو جوهر الله خلف الصياغات العقائدية وهذه الإفتراضات هي مسبقة في اللاهوت الفرنكو – لاتيني ولم يعرفها آباء المجامع المسكونية الروميين. نقطة الإنطلاق الفرنكو – لاتينية هذه ظهرت مع انسلم كانتربري وارتكزت على التأملات الأوغسطينية الموروثة، مثل الخلاص وغيرها…. يجد المرء في هذين المسعيين (مسعى اوغسطين ومسعى السكولاستيين) خلطاً بين صياغات العقيدة وأسرار الإتحاد بالله التي إليها فقط تشير هذه الصياغات. فكرة أن المرء يؤمن بتعاليم الكنيسة لكي يفهم عقلياً الأسرار، هي إلى حد ما ميزة الهراطقة أمثال بولس سموزاتا والآريوسيين والأفنوميين والنساطرة.

3) موقع الصياغات العقائدية المذكور أعلاه معروف فقط من خبرات الذين تمجدوا في العهد القديم، اقله من ابراهيم حتى يوحنا، حيث لا يوجد أي تشابه بين الله غير المخلوق ومخلوقاته. وبسبب ذلك لا يكون التعبير عنه فقط مستحيلاً إنما أيضاً يستحيل تخيله. نكرر أن هذه الحقيقة تعرف فقط بالتمجيد/ الصلب/ المصالحة/ التأله لدى بطاركة وأنبياء العهد القديم وبرسل وأنبياء العهد الجديد وخلفائهم في جسم المسيح.

4) الفرق بين العهدين القديم والجديد هو تجسد الرب ملاك المجد وإلغاء موتهم في قيامة المسيح مع مؤمني العهد الجديد. لقد مات الذين تمجدوا قبل تجسد ملاك المجمع الأعظم ولكن أرواحهم أقيمت مع هذا الملاك لكي يصبحوا أعضاءً في جسده الكنيسة. المستنيرون والمتمجدون بالملاك المتجسد يشاركون في القيامة الأولى لأرواحهم التي لا تموت مع أجسادهم (يو 8 :51) ويستمرون كأعضاء في جسد المسيح مع مؤمني العهد القديم بإنتظار قيامة الأجساد العامة.

5) الهدف الوحيد في صياغات العقيدة في المجامع المحلية والمسكونية هو حماية المؤمن من أفكار الذين قد يقودونه بعيداً عن العلاج بالتمجد/ الصلب/ المصالحة في رب المجد. كل الحقيقة المعلنة في العنصرة المستمرة في كل من التمجدات التاريخية غير قابلة للزيادة أو التحسن.

ب. اللاهوت الخلاصي

6) الكتاب المقدس هو سجل الأعمال الخلاصية المجيدة التي عملها الرب بملاك المجد خاصته قبل وبعد تجسده. هذا الملاك أرشد وخلص شعبه وبطاركته وأنبياءه في العهد القديم وهو يرشد ويخلص مؤمنيه من خلال رسله وأنبيائه في العهد الجديد منذ العنصرة حتى المنتهى. أفراد شعب الله ليسوا مخلَّصين كأنفس نيوبلاتونية تبحث عن حياة مغبوطة beata vita وبالتالي بدون الجسد. بخلاف المسلمين، لم يستطع السكولا ستيكيون الفرنكو – لاتين تصور سبب ضرورة الجسد في حالة الـ beata vita المقبلة. بعكس هذا، أعضاء شعب الله هم أعضاء مجتمعهم بأجسادهم. البشر ليسوا أجسادهم وحدها ولا نفوسهم وحدها ولكن الإثنين معاً وبالفعل، في مجتمعهم حيث هم شعب الله المؤمن.

7) الترانيم الأرثوذكسية تمدح بتكرار المسيح ما قبل المتجسد، أي رب المجد، لأنه خلص إسرائيل من أعدائه الجسديين والروحيين ودمجه بجسده في الكنيسة.

8) هناك وجهان للخلاص: الأول بالتمجد في جسد المسيح أي الكنيسة، والثاني هو رؤية نفس هذا المجد – مجد المسيح – غير المخلوق كأنه نيران الجحيم والظلمة الخارجية. الإثنان هما نتيجة محبة الله لكل الخليقة إذ أنه يحب الملعون والممجد بالتساوي. (أنظر 1 تيم 4 :10). الجميع مخلَّصون، لكن المؤمنين هم مخلَّصون بالفعل لأنهم اختاروا أن يُشفوا من خلال تمجدهم وصلبهم مع المسيح وبعضهم البعض.

9) إن الأمر هكذا لأن المجد ليس مفروضاً على البشر والملائكة على غير إرادتهم. فهو عطية من الله على الناس أن يختاروها ويعملوا لها. عند اختيارها يُعطى المؤمن القوة للعبور في التطهر واستنارة القلب والوصول إلى التمجد الذي قد يدوم لفترات مختلفة في هذه الحياة. أما في الحياة المقبلة فينتقل الممجَد من مجد إلى مجد إلى غير نهاية.

10) إنتقاء الملائكة لمجد الله او لا، كان في الأزمنة المخلوقة (الأزل) وقبل خلق الوقت. وقد قبِل الملائكة طريقة المجد هذه أو رفضوها بقدر قدرتهم الزمنية(dimension) . ولأن هذا حدث كان في الأزل وليس في الوقت فلم يكن هناك من ندامة. الملائكة الذين قبلوا هذه الطريقة في الزمن هم كاملون إلى ما لا نهاية وهم مدموجون مع أعضاء جسد المسيح الممجَدون من مجد إلى مجد ومن جيل الى جيل. وعلى عكس هذا الخلاص فالجحيم الذي يختاره الشخص يتحول الى مجرد ركود، أي إلى الحياة المغبوطة التي لدى بعض الأديان الوثنية والتقليد الأوغسطيني.

11) بخلاف إله النيو افلاطونيين والسكولا ستيكيين، إله ال،بياء هو نفسه ليس محرِكاً وغير متحرك إنما هو متحرتك لأنه ولا بأي شكل مقارن بمخلوقاته.

12) إذاً الرؤية الفرنكو – لاتينية المبهجة إلى الله في الحقيقة الكاملة والجنة الجامدة، هي في الواقع كل ما هو الجحيم. هذا الجحيم في الحياة المغبوطة هو المكافأة الطبيعية للذين أبقوا كل حياتهم للسعادة، الأرضية أو السماوية. هذه المكافأة من السعادة هي نتيجة محبة الله للذين رفضوا عطيته من التمجيد/ الصلب أي المحبة المفرغة ذاتها. الله يعطيهم السعادة التي ناضلوا لها في حياتهم الأنانية ليس للمعاقبة بل بسبب المحبة.

(قرر الأرثوذكس حذف المقطع السابق من النسخة النهائية)

ج. رب المجد، طبيب نفوسنا وأجسادنا

12) يشير الآباء والصلوات الأرثوذكسية بشكل دائم إلى الرب المتجسد كطبيب نفوس وأجساد المؤمنين والسبب أنه هو بالتحديد هذا الطبيب. ليس من باب المجاز أن الرسول بولس يتكلم إلى اولئك الذين “يأكلون” و “يشربون” من الكأس “بدون استحقاق” بتسلسل تنازلي على أنهم “ضعفاء ومرضى” و “أموات” (1 كو 11 : 27 – 30). هذه المجموعات الثلاث هي “الأشخاص العاديين (العلمانيين)” الذين يقولون “آمين” في الصلوات المشتركة (الجماعية). هم إما “ضعفاء” وهي حالة من التطهر، أو “مرضى” وهي لا تعني بالحقيقة أنهم على درب الشفاء، و “الأموات” هم الذين لا يختلف اشتراكهم في مجد المسيح عن غير المؤمنين. إنهم لم يصبحوا بعد “أعضاء في جسد المسيح” و “هياكل للروح القدس” لأنهم لا يصلّون بعد ولا يرددون المزامير في نفوسهم على خلاف الصلوات والمزامير التي يرددونها في أفكارهم.

13) يوجد ضمنياً في هذا التسلسل المرضي عملية بيولوجية أو عصبية أو قوة في القلب مريضة. يسمي بولس هذه القوة “روحاً بشرية في القلب حيث يفحص الروح القدس أن الإنسان أصبح إبناً لله عندما يمتلك على الأقل أنواعاً من الألسن”. لأسباب أشرحها في مكان آخر توصل الآباء إلى تسمية روح بولس بعبارةnoera energeia التي ترجمتها “ملكة النوس”. إذاً العبادة الجماعية تسمى “العبادة العقلية” والصلاة في القلب تدعى “صلاة النوس.

د. إستثناءات

14) لا داعي للقول أن المواقف التالية لا مكان لها في السياق السابق:

أ – بأن البشرية ورثت خطيئة آدم وحواء وبالتالي هي تستحق الدينونة الأبدية.

ب – إن الله اختار البعض من اولئك المذنبين ليخلصوا بدون استحقاق شخصي.

ج – إن المسيح مات على الصليب فقط من أجلهم.

د – إن المسيح يحب فقط اولئك الخطأة المتجهين إلى النعيم.

ه – أنه كان على المسيح أن يصلب ليصالح الله مع البشر.

15) عبارة “من أجل ذلك” في رومية 5 :12 لها تاريخ مستمر وغير منقطع وتظهر في الرسائل البابوية القانونية حتى اليوم. هنا لدينا الشكل المذكر. الكلمة الوحيدة التي قد تشير إليها العبارة هي الكلمة المذكر موت التي تسبقها (طبعاً الكلام عن النص اليوناني). الترجمة الصحيحة هي إذاً “بسبب ذلك الموت أخطأ الجميع”. هنا لا يستعمل بولس الموت كنهاية لحياة الإنسان بل كمرض الإنسان الحي لأنه محروم من مجد الرب وهذا جذر الخطيئة. بكلام آخر “الكل أخطأوا وحرموا من مجد الله”. هذا هو مرض الإنسانية الأساسي الذي يحتاج إلى الشفاء بالتمجيد. ما فعله الفرنكو – لاتين للمسيحية بهذه العبارة “من أجل ذلك” هو بالتالي صاعق مذهل.

16) في كتابة التقرير عن تطور الحوار اللوثري – الأرثوذكسي، في اللقاء السابع في تموز 1993 ، رسمنا بعض خطوط المواضيع الأكثر أهمية للمعالجة بما يتعلق الإعتبارات المسبقة الخلاصية في المجامع المسكونية. بالطبع، الأكثر أهمية هو مماثلة (مطابقة) المسيح مع ملاك الرب في العليقة المحترقة، الخ. هذه المطابقة هي العالقة بين الأرثوذكس والهراطقة في مجادلات المجمعين المسكونين الأول والثاني. يبدو أنه على المرء أن يميز بين آرائه الشخصية حول إن كان الآباء محقون في هذه النقطة أو إن كانوا بالفعل يفعلون هذه المماثلة. كل المجامع المسكونية تعتمد هذه المماثلة. لهذا السبب أشارت الكتابة إلى أن لا اوغسطين ولا أي من أتباعه قبلوا أياً من المجامع المسكونية الرومانية.

17) إشارة أخرى من الإشارات الأكثر أهمية إلى أن الفرنكو – لاتين لم يقبلوا بالحقيقة المجامع المسكونية السبعة هو إضافتهم الفيليوك إلى دستور الإيمان. في خبرة التمجد، يبقى ما هو شخصي (اقنومي) في الثالوث يخص واحد من الأقانيم وما هو مشترك يخص الثلاثة.

ه. قبول المجامع

18) المجامع المحلية والمسكونية مقبولة لأنها تدافع عن طريقة رب المجد في شفاء الشخصية البشرية منذ العهد القديم إلى اليوم. لم تكن الكنيسة مهتمة يوماً بوحدتها كنهاية بحد ذاتها إنما اهتمامها فقط في إطار شفاء المؤمنين بالتطهر – الإستنارة – التمجيد – وعلينا تحديد معنى قبول المجامع المسكونية السبعة في هذا الإطار.

قُدِّمت في اللقاء التحضيري اللوثري-الأرثوذكسي، 5-10 تموز 1994، البندقية-ايطاليا

المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

المسيح في العهد القديم والمجامع المسكونية

الأب يوحنا رومانيدس

لقد فقد أو رفض أتباع أوغسطين الوجه الأساسي للإفتراضات الضمنية اللاهوتية المختصة بشخص المسيح في كل المجامع المسكونية.وهذا ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان هؤلاء يقبلون هذه المجامع فعلاً.

كل الآباء، باستثناء وحيد هو أوغسطين، يشددون على أن يسوع المسيح قبل ميلاده من العذراء والدة الإله، في شخصه الممجد غير المخلوق، رب الصباؤوت، أظهر الله في شخصه لبطاركة وأنبياء العهد القديم. يوافق الأريوسيون والأفنوميون على أن من فعل هذا هو المسيح بشخصه او بأقنومه الذي تواجد قبل خلق الأجيال، ولكنهم يصرّون على أنه خُلق من عدم وبالتالي هو ليس من نفس طبيعة الله الذي هو وحده الله بالطبيعة.

ولكي يبرهن الأريوسيون والأفنوميون رأيهم ناقشوا، كما فعل اليهودي تريفو مع يوستينوس الشهيد، بأن من قال في العليقة المحترقة :أهيه الذي أهيه” (خروج 14:3) (انا هو الذي هو) لم يكن ملاك الرب بل الله نفسه من خلال الكلمة الملاك المخلوق. بالمقابل يشدد الآباء على ان الملاك الكلمة أعلن هذا عن نفسه وليس فقط عن الله، فملاك الرب تكلم بحكم حقه عندما قال لموسى “أنا إله أبيك ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب”(خروج 6:3).

يناقش القديس أثناسيوس في مواجهة الأريوسيين ان اسم “ملاك” ينطبق أحياناً على الكلمة غير المخلوق وأحياناً على ملاك مخلوق. ويركز على أنه ليس هناك أي إمكانية للخلط بين أن يرى الإنسان ملاكاً مخلوقاً أو ان يرى ابن الله غير المخلوق الذي يُدعى أحياناً “ملاك” في العهد القديم. وأيضاً يركز على أن “عندما يُرى الابن يُرى الآب، لأن الابن هو شعاع الآب. وعليه فالآب والابن واحد… واضح جداً أن الله يتكلم من خلال الكلمة وليس من خلال أي أحد آخر… ومن رأى الابن يعرف أنه لم يرَ ملاكاً ولا رأى أعظم من الملائكة وحسب وباختصار لم يرَ خليقة بل رأى الآب نفسه. ومن يسمع الكلمة يعرف أنه يسمع الآب؛ لأن من يغمره الشعاع، يعرف انه مستنير بالشمس” (ضد الأريوسيين،III، 12-14). ويقول القديس أثناسيوس، أن مفتاح العهد القديم هو معرفة أن “الآب لا يعمل شيئاً إلا بواسطة الابن” (المرجع نفسه 12).

هذا يعني ان المسيح هو المركز في العهد القديم لأنه الملاك الما قبل المتجسد، ملاك الرب وملاك المجلس الأعلى، رب المجد ورب الصباؤوت الذي به رأى الأنبياء وسمعوا الله وبواسطته حصلوا على النعمة والمعونة والغفران.

اتفق الأرثوذكس مع الأريوسيين على أن الملاك الكلمة الذي ظهر وأظهر الله للأنبياء هو نفسه الذي أصبح إنساناً ومسيحاً. يجب أن يؤخذ هذا الاتفاق بجدية كاملة على أنه مفتاح لفهم قرارات المجمع الأول والمجامع المسكونية اللاحقة. ومن الضروري إدراك ان الجدل بين الأرثوذكسيين والأريوسيين لم يكن تأملاً بشخص ثانٍ نظري في الثالوث الأقدس يستطيع البعض الإدعاء باستنباط شخصيته من التمعن في المقاطع الإنجيلية بمساعدة الفلسفة اليونانية والروح القدس. لقد كانوا يناقشون خبرة الأنبياء والرسل الروحية، خاصةً موضوع ما إذا كان الشخص الذي ظهر في مجد وأعلن نفسه كصورة لله وأعلن الآب كنموذج أصلي، هو كلمة مخلوق أم لا.

وقد استمر النقاش نفسه الى المجمع المسكوني الثاني لأن الأفنوميين اتخذوا نفس مواقف الأريوسيين في ما يتعلق بظهورات الكلمة الملاك – الذي زعموا انه مخلوق – للأنبياء. بادر القديس باسيليوس الكبير افنوميوس بشيء من فقدان الصبر بالقول: “أيها الملحد، ألن تتوقف عن دعوته بغير الكائن وهو مَن بالحقيقة كائن ومصدر للحياة، وهو من يعطي الكائنات كيانها او عدمه؟ هو الذي استعمل، عندما كلّم عبده موسى، كنيته الخاصة والمناسبة لأبديته، مسمياً نفسه “الذي هو”. لأنه قال “أنا هو الذي هو”. وأحد لن ينكر هذه الأشياء التي قالها شخص الرب، أحد من الذين ليس “حين يقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم” (2 كور 3: 15). لأنه مكتوب، ان ملاك الرب ظهر لموسى في “لهيب نار من وسط عليقة” (خروج 3: 2). وفي حين ان الكتاب يقدّم ملاكاً في الرواية، يتبع صوت الرب: “ثم قال أنا اله أبيك أله ابراهيم” (خروج 3: 6). وبعد ذلك بقليل “أنا هو الذي هو”. إذاً من هو هذا الملاك والرب معاً؟ أليس إذاً هو الذي تعلمنا انه يدعى “رسول الرأي العظيم” (أشعيا 9: 6)”. يلخص القديس باسيليوس ملاحظات القديس أثناسيوس الكبير والآباء الأول حول اللقاء بين الملاك الكلمة ويعقوب، ويعطي صياغة للمبدأ التأويلي نفسه كما نرى لدى أسقف الإسكندرية. “انه واضح للجميع، انه حيثما يدعى الشخص نفسه ملاكاً والله معاً، فالمدعو هو الابن المولود الذي يظهر نفسه للبشر من جيل الى جيل ويعلن ارادة الآب لقديسيه. إذاً يجب أن لا نفتكر بأن الذي سمّى نفسه بإسم “الذي هو” لموسى، هو غير الله الكلمة الذي هو “في البدء مع الله” (يوحنا 1:1-2)”(دحض افنوميوس).

في جوابه على حجج القديس باسيليوس، إدّعى افنوميوس أن الابن هو ملاك “الذي هو”، ولكن ليس “الذي هو” نفسه. هذا الملاك يدعى إلهاً لإظهار تقدمه على كل ما خلقه هو، دون أن يعني هذا أنه هو “الذي هو”. إذاً افنوميوس يدعي أن المرسِل الى موسى كان “الذي هو” نفسه أما المرسَل وهو الذي تكلم كان ملاك “الذي هو” ورب غيره من المخلوقات”. (غريغوريوس النيصصي، ضد افنوميوس 11).

قد تبدو حدة الذهن السفسطية في هذه الحجة غريبة ولكنها مهمة للشهادة على حقيقة التطابق بين الملاك المدعو الله في العهد القديم والمسيح الابن الوحيد المولود من الله والخالق. وهذا التطابق كان راسخاً في التقليد بشكل لم يستطع الأفنوميون التفكير بالتخلي عنه كما أراد اوغسطين أن يفعل في افريقيا الشمالية بالرغم من أن معلمه (أمبروسيوس) وكل الآباء الغربيين وافقوا مع هذا التقليد.

لم يستطع القديس باسيليوس الرد على أفنوميوس لأنه توفي ولكن أخاه غريغوريوس كتب إثني عشر كتاباً ضد أفنوميوس وناقشها مع القديس جيروم خلال المجمع المسكوني الثاني عام 381. ويعالج القديس غريغوريوس من بين جملة أمور أن “إذا كان موسى صلى أن لا يقود الشعب ملاك إنما السيد (خروج 15:33، 9:34) [(هوذا ملاكي يسير أمامك (خروج 34:32) وأنا أرسل أمامك ملاكاً (خروج 2:33)] وإن كان الرب هو مَن يناقش موسى ليكون مرافقاً له وقائداً للجيش (خروج 33: 2و17) فيظهر جلياً أن الذي عرّف عن نفسه بصفة “الذي هو” هو الله المولود الوحيد. وإذا أنكر أحد ما هذا فهو يظهر نفسه مؤيداً للمذهب اليهودي في عدم الربط بين الإبن وتحرر الشعب. لأنه إن لم يكن الملاك هو الذي تقدم الشعب وإن لم يكن الإبن هو الذي أظهر نفسه بإسم “الذي هو”، كما يقول أفنوميوس، فنبلغ الى نقل عقائد المجمع (synagogue) الى كنيسة الله. وعليه فيجب تبني أحد الإحتمالين، إما أن الابن لم يظهر لموسى أبداً، أو ان الابن هو نفسه “الذي هو” ومنه أتت الكلمة لعبده. ولكن أفنوميوس يخالف ماسبق قوله متذرعاً بالكتاب نفسه (خروج 2:3) حيث يقرأ أن صوت ملاك تدخّل وبهذا بدأت محادثة “الذي هو”. وهذا في كل الأحوال ليس معارضة بل تأكيداً لنظرتنا. وأيضاً قال ان النبي، لكي يظهر للناس سر المسيح، سمّاه “الذي هو” و”الملاك”،ولا يمكن أن تعني هذه الكلمات الآب كما لو انه لم يستعمل إلا “الذي هو” في المناقشة” (ضد افنوميوس، XI، 3).

يجب أن تكون المقاطع المأخوذة من الآباء، أعمدة المجمعين المسكونيين الأول والثاني، دلالات كافية على أن آباء المجمع كانوا يرون تشابهاً بين عقيدة الثالوث القدوس وظهورات المسيح الكلمة LOGOS بدون جسد للأنبياء وبطبيعته البشرية للرسل. ما من أحد في التقليد، باستثناء اوغسطين، أنكر تماثل الكلمة، في شخصه المجرد الذي أظهر اله العهد القديم غير المنظور للأنبياء، والذي أصبح انساناً واستمر في إظهار مجد الله في ومن خلال طبيعته البشرية التي أخذها من العذراء.

لم يختلف الأرثوذكسيون مع الأريوسيين والأفنوميين على من هو الكلمة في العهدين القديم والجديد بل على ما هو الكلمة وما هي علاقته بالله الآب. لقد اعتبر الأرثوذكسيون دائماً ان الكلمة ليس مخلوقاً ولا متغيراً وموجوداً دائماً من جوهر (325) و أقنوم (381) الآب الذي بطبيعته هو مبدأ وجود الإبن منذ الأزل قبل الأجيال. الأريوسيون والأفنوميون أصروا على أن هذا الملاك-الكلمة (ملاك وكلمة في آنٍ) هو مخلوق متغير يستمد وحوده الأزلي من العدم وليس مخلوقاً من طبيعة الله بل من إرادته.

إذاً السؤال الأساسي كان: هل ما رآه الأنبياء والرسل في مجد الله غير المخلوق (الأرثوذكس والأريوسيون) او القوى المخلوقة (الأفنوميون) هو كلمة مخلوق أم غير مخلوق؟ هذا الكلمة هو الله بالطبيعة وبالتالي لديه كل قوى الله بالطبيعة؟ أم هم رأوا الهاً بالنعمة لديه بعض وليس كل قوى الآب وبالتالي هو يملكها بالنعمة فقط وليس بالطبيعة؟ لقد توافق الأرثوذكس مع الأريوسيين والأفنوميين على أنه إن كان الكلمة يملك كل قوى الآب بالطبيعة إذاً هو غير مخلوق وإلا فهو مخلوق.

فالسؤال المطروح كان خبرات الإعلان او التمجيد او التأله التي أعطاها الله بروحه بواسطة كلمته الملاك المسيح للأنبياء والرسل والقديسين. هذه الخبرات في حياة القديسين مسجلة أولاً في الكتاب المقدس وأيضاً في دستور العنصرة ما بعد الإنجيل وفي جسد المسيح: الكنيسة. إذاً يعود الطرفان الى آباء كل الأجيال بسيرهم المسجلة ابتداءً بالتكوين وصولاً الى أيامهم. لم يستطيعوا التوافق على مصداقية authority شهادات زمانهم العهد القديم والعهد الجديد شكلا أرضية مشتركة للمناقشة إضافة الى التقليد الآبائي الأول.

إذاً الأرثوذكس والهراطقة استعملوا الكتاب المقدس لبرهان ما إذا كان الأنبياء والرسل شاهدوا إلهاً مخلوقاً أم غير مخلوق، او شخص المسيح قبل وبعد تجسده. المناقشة بسيطة إذ كان كل من الطرفين يحضّر لائحة بكل قوى الله المسجلة في الكتاب، والشيء نفسه بالنسبة للملاك الكلمة الابن الوحيد المولود. والمطلوب كان أن تتطابق هذه اللوائح وليس فقط أن تتشابه لأنها إذا تطابقت يكون غير مخلوق إما إذا تشابهت فقط فهو مخلوق. والعملية نفسها طبّقت على الروح القدس.

توافق الفريقان الأرثوذكسي والأريوسي كلياً مع التقليد الموروث من العهد القديم والمشهود له من الرسل والقديسين الذين أظهر الله لهم مجده في ابنه المتجسد. هذا التقليد يقول بأن المخلوقات لا تستطيع أن تعرف جوهر الله غير المخلوق وليس هناك أي تشابه بين غير المخلوق والمخلوق من العدم ex nihilo. إذاَ لكي يبرهن الأريوسيون أن الكلمة مخلوق، اعتبروا انه لا يعرف لا جوهر الآب ولا حتى جوهره هو، وبالتالي هو لا يشبه الله في شيء.الأرثوذكسيون اعتبروا ان الكلمة يعرف جوهر الآب وهو مشابه له في كل شيء، ويملك بالطبيعة كل ما هو في طبيعة الآب ما عدا الأبوة أي أن يكون مبدأ وجود الابن والروح القدس.

ألأرثوذكسيون والأريوسيون كانوا متفقين على ان ما هو الله بنفسه بالطبيعة يختلف عن ما هو او ما يفعل بالمشيئة، ولكنهم اختلفوا بحدة في تطبيق هذا التمييز بين الجوهر الإلهي والإرادة او القوى. وعليه فقد اعتبر الأرثوذكسيون ان الله يسبب وجود الكلمة بالطبيعة ويسبب وجود المخلوقات بالمشيئة، بينما اعتبر الأريوسيون ان الكلمة وكل المخلوقات معه هم نتاج المشيئة الإلهية.

مقابل كل هذه الأسئلة، قال الأفنوميون بإن جوهر الله هو نفسه قوى الله غير المخلوقة، وإن الكلمة هو نتاج قوة الله المخلوقة وإن الروح القدس هو نتاج قوة الكلمة المخلوقة وإن كل ذبيحة[1] species هي نتاج إحدى القوى المخلوقة في الروح القدس. وبحسب أفنوميوس، لو لم تكن كل ذبيحة تملك قواها الشخصية من الروح القدس لكان هناك ذبيحة واحدة مخلوقة وليس أكثر. هنا أفنوميوس يسخر، على طريقته الخاصة، من شهادة الكتاب والآباء حول التمجيد حيث يتشارك كل مخلوق ويشترك كل قديس مع الكلمة الحاضر للجميع من خلال إكثار مجده غير المخلوق المتوفر بالكلية -وليس جزئياً- لكل شخص، فهذا المجد هو لكل شخص وبه كما علّم المسيح (يوحنا 14 :2-23) وأختُبر في العنصرة (أعمال 2 :3-4) والذي يحمل في الكلمة الآب والروح القدس معاً. هذا يعني أنه ليس في الله أية عوالم وأنه لا يغذي بخبز القربان وخمره فقط بل بكل أجزاء الوجود وأشكاله المتعددة. وعليه لا يضّحي المسيح بأي شخص من أجل منفعة مشتركة ولكن في الوقت نفسه، المنفعة المشتركة هي خير لكل شخص بمفرده. وهكذا تكون عودة المسيح الى تلاميذه بروح المجد في العنصرة نتيجة لسر صعود المسيح بمجده الشخصي، وهو الآن موجود بالكلية لجميع وفي جميع الذين هم في حالات الإستنارة والتمجيد (theosis). لهذا السبب، كل من يتناول من جسد ودم المسيح في الإفخارستيا، لا يحصل على جزء من المسيح وحسب بل على كامل طبيعته البشرية التي لا تزال تجدد نفسها، منذ العنصرة، في كل عضو من جسده (الكنيسة) بشكل غير قابل للإنقسام.إذاً بالمشاركة في خبز الإفخارستيا الواحد وبالكأس الواحدة، يحصل كل عضو على المسيح بكامله وليس على جزء فقط، ويصير ما هو أصلاً، هيكلاً او مسكناً للآب والروح القدس بواسطة الابن المتجسد، بالمشاركة مع الأعضاء الآخرين في جسد المسيح.

 


[1] الترجمة الحرفية لكلمة species هي خبز القربان وخمره

القدّيسون الأنطاكيّون

القدّيسون الأنطاكيّون

* القداسة في الكنيسة الأرثوذكسية، هي الهاجس وهي المآل. إرادة الله قداستكم كما قيل. والقداسة هي الخلاص. ما معنى القداسة؟ مَن هو القدّيس؟ وما عن القدّيسين الأنطاكيّين؟ هذا ما نجد الجواب عليه في التالي:

* الله قدّوس. هو الآخر بالكلية الذي لا بلوغ إليه إلاّ به. والقداسة هي الإشتراك في حياة القدّوس بنعمة منه. قطعة الحديد متى أُلقيت في النار اشتركت فيما للنار. صارت والنار واحدة. استحالت ناريّة. ومع ذلك تبقى حديداً. بمثل ذلك، متى اشترك المؤمن بالربّ يسوع في حياة الإله القدّوس صار وإيّاه واحداً. تَنَيرَن. تألّه وصار قدّيساً.

كنيسة المسيح هي كنيسة قدّيسين. لا مكان فيها إلاّ للقدّيسين. ليس القدّيس مَن يصنع العجائب بالضرورة. ليست القداسة خوارق بل حياة جديدة. القدّيس خاطئ أيضاً، مثلي ومثلك. وجلّ جلال مَن لا يُخطئ. يُخطئ لأنه ضعيف، لأن فيه ثقلاً يدفعه إلى الخطيئة. لكنه إنسان يؤمن بالله ويطلب الله ويعرف الله. يخطئ مرغماً، والخطيئة هي عبادة الذات والتنكّر لله. يطلب الله لذلك يطيعه. يجاهد ضدّ الخطيئة حتى الدم. لذلك هو التائب إلى ربّه أبداً. كلّما أبعدَته الخطيئة عن ربّه عاد إليه بتوبة أحرّ. وبالعودة تُغفر له خطاياه، كما تُنقّي النار الذهب من الخَبَث. وهو باق على هذه الوتيرة إقبالاً وإدباراً إلى أن تتخلّله محبّة الله، حياة الله، نار الله، فيعتصم بالله ولا يعود يُخطئ إليه من بعد. إذ ذاك يتقدّس كلّه بنعمة الله. يصير قدّيساً.

على هذا كان طبيعياً أن تذخر الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكية بالقدّيسين. هؤلاء نعرف قلّة منهم. وكلّهم عند ربّه مستبان. أما الذين تداول التراث الكنسي أسماءهم، جيلاً بعد جيل، فإن هم سوى عيّنة لاحظها المؤمنون وأثّرت في وجدانهم فأبرزوها، فيما يُسمّى بـ “إعلان القداسة”، وضمّنوها سنتهم الكنسيّة وأعيادهم، واتّخذوها قدوة ومعيناً وشفيعاً.

وعلى امتداد التاريخ الكنسي في هذه الديار لم تخلُ بقعة ولا زمان من القداسة والقدّيسين. عندنا أنه حيثما نضب معين القداسة كفّت الكنيسة عن أن تكون.

منذ القرن المسيحي الأول وسيل القدّيسين لا يتوقّف. المسيحيّون دُعوا كذلك أولاً في أنطاكية. بعض مَن ورد ذكره في أسفار العهد الجديد كان أنطاكياً – بالمدى الجغرافي الذي عرفته أنطاكية عبر التاريخ – نظير بولس الرسول ولوقا الإنجيلي وحنانيا الدمشقي. الأرض المقدّسة، في كل حال، إلى القرن الخامس الميلادي، كانت امتداداً أنطاكياً. في القرن الثاني الميلادي أسماء بارزة كانت من هنا كأغناطيوس الأنطاكي المستشهد سنة 117م. هذا في الوطن. وفي المهجر أيضاً كانت للأنطاكيين، منذ وقت مبكّر، شهادتهم. أنيقيتوس الشهيد، أسقف رومية الحادي عشر المتوفّى سنة ~ 161 م، كان حمصياً. إيريناوس الليّوني في بلاد الغال (فرنسا) كان من هذه الديار. والأسماء تتتالى. بعضهم سطع نوره في أرجاء المسكونة كبابيلا مؤدّب الملوك وملاتيوس الأنطاكي ويوحنا الذهبي الفم وأفرام وإسحق السوريين ومارون الناسك القورشي وسمعان العمودي ومكسيموس الجولاني المعترف ويوحنا الدمشقي. كان منهم الرسول والنبي والمعترف والشهيد والمعادل الرسل والأسقف والناسك والطبيب والعادم الفضّة الصانع العجائب والمرنّم والمتباله والكاهن والشمّاس والعذراء والأرملة والولد والرضيع.

الكنيسة الكرجية، أي الجيورجية، تلمذها، في القرن السادس الميلادي، ثلاثة عشر راهباً سورياً. مشرِّع الكنيسة الأنكليكانية، القدّيس ثيودوروس كانتربري، في القرن السابع، كان من طرسوس الكيليكية. أوّل متروبوليت على كييف وسائر الروسية في القرن العاشر كان القدّيس ميخائيل السوري. أحد الذين أعادوا الحياة النسكية إلى إيطاليا في القرن السادس للميلاد كان إسحق السوري السبولاتي.

وسيل القدّيسين الأنطاكيين في زمن المسلمين لم يتوقّف البتّة. بات أغزر لأن أزمنة الضيق تجعل التوق إلى القداسة أحرّ. ثباتهم واستمرارهم كان هو البرهان. أما حفظ التواريخ والسجلات فأضحى صعباً، وأحياناً متعذّراً. مطالعة المخطوطات والوثائق القديمة المتبقّية تُبرز أسماء عدّة غابت عن التداول ردحاً من الزمان. من الأسماء المستعادة اليوم بطرس الحوراني المستشهد في زمن الأمويين (+715م)، والشهيد أنطونيوس القريشي والشهيد إيليا البعلبكي والبار تيموثاوس العمودي في زمن العبّاسيّين. في زمن الحمدانيين، في حلب، عندنا مثلاً البطريرك الشهيد خريستوفوروس الأنطاكي (+967م)، صديق سيف الدولة الحمداني. وفي زمن المماليك، هناك أمثال الشهيد رزق الله بن نبع الدمشقي الطرابلسي والشهيد يعقوب الحمصي. وفي زمن العثمانيّين كثرة قضت كالشهيد جرجس الأسود الدمشقي والشهيد داود الحلبي (+1660م). ثم آخر قدّيس جرى إعلان قداسته عندنا، منذ عهد قريب، كان القدّيس الشهيد يوسف الدمشقي الذي قضى في أحداث 1860م. وهناك عدد من الأبرار، في الوقت الحاضر، ينتظر إعلان قداسته متى استُكملت الإجراءات المجمعية اللازمة. مثل هؤلاء البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد والشهيدان نقولا وحبيب خشّه والشهيد جبرائيل نصير والشهيد في الكهنة سليمان الأنطاكي. هؤلاء وسواهم مجّدوا الله بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكما تنتشر القداسة في زمن أنطاكية الكنيسة تنتشر في كل موضع فيها. مراجعة جداول القدّيسين تزوِّدنا بأسماء تنتمي إلى الكثير من المناطق التي نعرف. دونكم مثلاً بربارة البعلبكية ولاونديوس الطرابلسي وبمفيلوس البيروتي وأكّلينا الجبيلية ودوروثاوس الصوري وثلالاوس جبل لبنان الصانع العجائب (القرن 3) وزنوبيوس الصيداني. وما يقال عن المناطق اللبنانية يقال أيضاً عن المناطق الأخرى في سوريا وسائر أنطاكية.

زبدة القول إن رائحة القداسة عالقة في هذه الأرجاء، منذ البدء. في أوائل الستينات كان أحد القدّيسين الأحياء مسافراً بالطائرة فارتجّت نفسه فسأل: أين نحن؟ فأجابوه: “فوق سوريا ولبنان!” فقال: هذه الديار ملأى برفات القدّيسين!

الأرشمندريت توما (بيطار)

دير مار يوحنا – دوما

تشرين الأول 2003