حتى نبقى على الإيمان القويم

حتى نبقى على الإيمان القويم

 

الأرشمندريت توما بيطار

نقاط على الحروف،  18 كانون الأول 2005

يوم خضع أو لَزِمَ الصمتَ أكثرُ الكنيسة في شأن بدعة المشيئة الواحدة، ضغطتْ سلطةُ الدولة وسلطةُ الأمر الواقع في الكنيسة القدّيسَ مكسيموس المعترف فكان جوابه: “خير لي أن أموت من أن أضلّ عن الإيمان في أقلّ بنوده”.

 لِمَ هذا التمسُّك بأدقّ العقيدة في كنيسة المسيح؟ لأنّ العقيدة هي إيقونة عمل روح الله في وجدان الكنيسة. صحيح أنّ ثمّة تعبيراً كلامياً عن حقيقة عمل روح الله هذا، لكن العقيدة ليست، بحال، مسألة كلام قابل، بتدابير الناس واستنسابهم، للتعديل. الصيغ العقدية التي انحدرت إلينا قابلة للتدقيق والتوضيح؟ بكل تأكيد! لا! هذه الصيغ ليست عندنا مُنزلة! لكنَّ التدقيق والتوضيح، متى دعت الحاجة إليهما، ليسا مسعىً بشرياً وحسب، بل عمل إلهي في آن معاً. ليس في وسع أحد، كائناً مَن كان، ولا في وسع جماعة، مهما علا شأنها وسَمَت رتبتها العلميّة أن تُدخل على ما سبق أن قيل، في العقيدة المسيحية، حرفاً واحداً أو نقطة واحدة. إذا ما قلنا عن أنفسنا إن كنيستنا هي كنيسة المجامع المسكونية السبعة المقدّسة فليس هذا لأنّنا نتوقّف عند حدود العدد بل لأنّ الكنيسة المقدّسة شهدت لكون النصوص التي عبّرت عنها المجامع المسكونية السبعة نصوصاً ملهمة من الله في لغة الذين اشتركوا فيها. لذا نحسبها مقدّسة ونحسب الآباء الذين اشتركوا فيها قدّيسين. هؤلاء تعاونوا مع روح الله في بسط أمور الإيمان بالله على غرار ما ورد في المجمع الأول الذي ضمّ الرسل والمشايخ في أورشليم. يومها كتبوا إلى الإخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية، جواباً على المسائل المطروحة، بوعي كاملٍ لأمرَين: أولهما أن ما ارتأوه ارتأوه “وقد صرنا بنفس واحدة” وإثر ما “رأى الروح القدس ونحن” على حدّ تعبير النصّ (راجع أع 15: 25، 28). أن يكون هناك مجمع ثامن وتاسع وعاشر هذا بديهي، متى دعت الحاجة، شرط أن يبقى المتكلّم هو الروح القدس ونحن. طبعاً كثيرون ادّعوا في الماضي، الأمانة، زوراً، لهذا المنحى الإلهي الإنساني في تعاطي شؤون الكنيسة فلم تثبت مزاعمهم لأنّ روح الربّ هو الضامن لكنيسة المسيح، وأبواب الجحيم لا تقوى عليها. والروح القدس يحفظ استقامة الإيمان بالقلّة دون الكثرة، بالأفراد دون الجماعات، متى لزم الأمر. المقياس، في كل حال، باقٍ داخلياً لا خارجياً، روحياً لا مادياً. على هذا لا يمكن لتدابير المفترين، مهما اشتدّت، على الإيمان القويم، أن تثبت. ثمّة أزمنة للهرطقات لكن حقّ الله، في النهاية، هو الغلاّب. ليس ثمّة مؤسّسة على الأرض ولا ثمّة فرد ينحصر فيه قول كلمة الحقّ. لا هناك بابوية فردية ولا بابوية مجمعية في الكنيسة. الكل قابل للشطط. ولكن لأنّ الأمور، في الكنيسة، ينبغي أن تكون قائمة بلياقة وترتيب يُطيع المؤمنون مدبّريهم، مجامعَ وأساقفةً وكهنةً. إلاّ أنّ هذا لا يُعتبر حاصلاً إلاّ في إطار حقّ الإنجيل. الطاعة في حدود الشريعة لا بخلافها، وإلاّ لا تعود الكنيسة كنيسة. انتماؤنا ليس البتّة إلى مؤسّسة بشريّة ولا حتى إلى مؤسّسة إلهية. انتماؤنا هو إلى كيان إلهي إنساني. هنا بالذات يكمن سرّ الكنيسة. كل الهرطقات، في التاريخ، مردّها التغاضي عن هذه المسلَّمة: أنّ الكنيسة إلهية وإنسانية معاً.

 

ركنُ العقائد عندنا هو عقيدة التجسّد. كل العقائد الأخرى تنبثق منها أو تصبّ فيها. هذا، في الحقيقة، لأنّ الكنيسة، بطبيعتها، تجسّدية. ملء اللاهوت فيها وملء الناسوت. كل ما فيها إلهي وإنساني معاً، كل المنتمين إليها، طريقة تفكيرهم، مقاربتهم للأمور. عقيدة التجسّد، عندنا، هي إيقونة لحياة الكنيسة، وفي الكنيسة الواحدة لوجدان المؤمنين الواحد. لا إمكان تغيير في العقيدة، أي في الإيقونة، لأنّها صورة الحياة عينها. التغيير تنكّر للحياة الجديدة، طعن فيها. لذا تقطع الهرطقة عن الله لأنّها تشوِّه صورة حياة الله في الكنيسة. مَن سلك قويماً في الكنيسة شهد قويماً ومَن سلك ملتوياً شهد ملتوياً. دونك عيِّنة من السلوك القويم ومن خلافه وكيف يفضي إلى شهادة فاسدة.

 

تقول مثلاً أنا لا أُقبِّل يمين الكاهن لأنّه إنسان أو تقول أنا لا أَقْبَل أن أُساهم القدسات بالملعقة لأنّ الملعقة أداة لنقل الميكروبات. تقول مثلاً إنّ الإيقونة قطعة فنّية ذات موضوع كنسي وتعرضها بجانب سواها من اللوحات الفنّية. تقول مثلاً إنّ الترتيل البيزنطي نمط موسيقي وتُقيم له حفلات على المسرح كغيره من الأنماط الموسيقية وتجعله مادة تعليمية لدُرّاس الموسيقى في الكونسرفتوار. تتعاطى الكتاب المقدّس كنصّ أو كأدب أو كثقافة. تدرّس اللاهوت كجملة مواد تعليمية في المعاهد والجامعات، لمَن يرغب. تتعاطى البناء الكنسي كبناء والفكر الكنسي كفكر والعبادة كطقوس والكنيسة عينها كواحدة من الديانات أو الطوائف. كل هذا وغيره الكثير تتحرّك على أساسه كل يوم ولا ترى فيه غضاضة. ولكنْ كلُّ هذا مؤشّر على وجدان كنسي غير قويم لأنّه ليس مشبعاً بالمنحى الإلهي الإنساني المفترض أن يكون. وفقاً لطبيعة الكنيسة الإلهية الإنسانية أنتَ تقبِّل يد الكاهن لأنّك ترى فيه إيقونة مرئية للمسيح غير المنظور. ولا تتعاطى القدسات، متى ساهمتها، من حيث هي ملعقة وخمر وماء وخبز بل من حيث هي المسيح يسوع عينه آتياً إليك في إيقونة الخبز جسداً والخمر دماً. في إطار الرؤية الكنسيّة تتعاطى الإيقونة لا باعتبارها لوحة كاللوحات ولا لقيمتها الفنّية بل لأنّها علامة حضور إلهي ومطرحُ تجلٍّ وموضع لقاء السماء بالأرض. الترتيل البيزنطي لا تقف فيه عند حدود النغم بل تتعاطاه كأداة عبادة تساعد الناس فيه ليرتفعوا إلى فوق وتستنزل فيه رحمات الله إلى مستوى عِشرة الناس. وماذا يُقال عن الكتاب المقدّس؟ بارَكَنا الربّ الإله بمَن كان لا يقرأ الإنجيل والرسائل إلاّ أمام الإيقونات وواقفاً أبداً في وضع الصلاة (راجع سيرة القدّيس سيرافيم ساروفسكي). والشيء نفسه يُقال عن كل أمر آخر في الكنيسة وما يختصّ بالمؤمنين. الكنيسة كيان فريد لا مثيل له في العالم. خطأ كبير أن نعتبرها واحدة من الديانات أو الطوائف أو مؤسّسات هذا الدهر.

 

الموضوع، أولاً وأخيراً، إذاً، هو موضوع وجدان كنسي ذي طابع إلهي إنساني فذّ. هذا ينبغي أن يكون لدينا واحداً ووجدان الكنيسة التاريخي التراثي وإلاّ لا نكون منها ولا ننتمي إليها. بغير هذا الوجدان نسقط في الضلال، نُسبى إلى بابل فكر هذا العالم، نمسي أرضاً خصبة لكل هرطقة!

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

—————————————————————————————————————————————————————– 

فاسولا ريدن: وجهة نظر أرثوذكسية

إعداد الأب أنطوان ملكي

تعاليمها

أهم تعاليم فاسولا هو الدعوة إلى الوحدة المسيحية. وهي لذلك تحلّل المناولة المشتركة، خاصةً خلال رحلات الحجّ التي تنظمها. وهي تؤكّد أن يسوع كشف لها أن الإفخارستيا ينبغي أن تكون الوسيلة لبلوغ الوحدة: “يدعونا ربّنا إلى عيش الوحدة في قلوبنا، حول مذبح واحد متشاركين بالمناولة” وتضيف أنّ “السلطات الكنسية لا تفهم هذا الأمر لأنّ عليهم أن يتوبوا لكي يتمكّنوا من الاستماع لما يقوله الروح القدس لهم”.[1]

 

 

من أوضح دعواتها في هذا الإطار كلام في إحدى رحلات الحج في تركيا: إذا قال لكم البعض أنكم تقومون بعمل خاطئ عندما تعيشون الوحدة الروحية أو تشتركون بالمناولة، كما جرى اليوم وفي الأيام الماضية، فعليكم أن تقولوا لهم: … أنا أتبع وصايا المسيح وحسب. فما هو الأفضل لكم أن تتبعوا وصايا المسيح أو أن تعصوها؟ … سوف أستمع لوصية الرب وأبقى فيه لأني قرأت، بمعونة الروح القدس، علامات الأزمنة التي تدعونا إلى الوحدة والاشتراك حول مذبح واحد”[2]

من تعاليم فاسولا، التي تشترك مع غيرها من دعاة الوحدة غير المستندة إلى التقليد والكتاب، هو الدعوة إلى توحيد تاريخ التعييد للفصح. ففي عام 2007 أطلقت جماعة الحياة المسيحية في الله عريضة عنوانه “تاريخ واحد” مطالبة الأرثوذكس والكاثوليك بتوحيد تاريخ عيد الفصح، استناداً إلى ما طلبه يسوع في الرسائل التي نقلتها فاسولا. وبحسب فاسولا إذا نجحت العريضة فإن يسوع يَعِد بزمان من السلام[3]. وكما يشرح أحد أتباعها في مقال منشور على موقع TLIG الرسمي: “إذا توافق رؤساء الكنائس على تاريخ التعييد للفصح، فإن كل الحروب على المسكونة سوف تتوقّف. سوف يكون عندنا سلام كوني: كلّ شيء سوف يقع في مكانه. كلّ شيء سوف يصير أفضل للجميع. هذا ما شرحته لي فاسولا”[4].

وتؤكّد فاسولا أن يسوع كرّر أكثر من مرة أنّ “الحروب… الإرهاب، الكوارث الطبيعية، كالتسونامي مثلاً، كلّ هذا بسبب انقسام الكنيسة”[5]

هذا وقد تعرّض نقّاد فاسولا لموثوقيّة رسائلها لأنّ هذه الرسائل تغيّرت مع الوقت. ففي 1995 ذكرت فاسولا في مقابلة مع The Times  أنّ الله أعطاها الإذن بالقيام بهذه التغييرات. فقد ذكرت: “من الممكن لإله كامل أن يندم (regret) على ما سبق له قوله، تماماً كما ندم على خلقه لجنس سقط من النعمة.[6]

 

التزامها بالكثلكة وملاحظات عامّة حول تعليمها

أمّا عن التزامها بالكثلكة، فيذكر أقرب تابعيها، الأب رينيه لورانتاين، في حديثه عن أنّ البابا والحبل بلا دنس هما نقطتا الخلاف الأبرز بين الأرثوذكس والكاثوليك: “في هاتين النقطتين، فاسولا تلتزم (adheres) بالكامل بالعقيدة الكاثوليكية، وهذا ما يشكّل مشكلة لدى بعض الأرثوذكس”[7]

إلى هذا، يوجد عدد من النقاط التي يلاحظها قارئ رسائلها وينبغي التوقّف عنده:

  1. تدّعي أنّها تزوّجت بيسوع وأعطاها خاتماً بطريقة فائقة الطبيعة (رسالة 23 آذار 1987).

  2. تذكر أن يسوعها يسمّي الذين لا يتوافقون معها “زمرة قايين” (رسالة 18 كانون الثاني 1991) وأن مَن يرفض فاسولا يرفضه هو شخصياً (رسالة 15 تشرين الثاني 1991).

  3. تعلّم عن الجحيم تعليماً هو أقرب إلى الخرافة وتعاليم البدع منه إلى ما تذكره الكنيسة خاصةً في التفاصيل والمناقشات التي دارت بينها وبين الشيطان، إذ تروي أنّها زارت الجحيم برفقة يسوع (رسالة 7 آذار 1987).

  4. تعليمها عن ضد المسيح، معطوفاً على تعليمها عن الجحيم، أقرب إلى تعليم الألفيين خاصةً في التهديد والوعيد الذي يحمله، وربط الكوارث والمحن بمجيء ضد المسيح وإيقافها باتحاد المسيحيين.

  5. تستعمل لغة العصر الجديد، أي لغة عمومية مبهَمة وتحمل الكثير من التفاسير، خاصةً عند حديثها عن الرئاسات الكنسية وعن الأقانيم الثلاثة.

من ناحية ثانية، يمكن إيراد عدد من الملاحظات تسهم في طرح البعد الفائق للطبيعة عن رسائل فاسولا وسلوكها:

  1. التبدل في عدد من الأفكار الواردة في الرسائل

  2. شكل تلقّي الرسائل، خاصة موضوع الخط الغريب، مثير للشكوك لعدم تطابقه مع التقليد، ما يوحي بالمسّ الشيطاني أكثر منه بالخبرة الروحية البنّاءة.

  3. عدم وضوح موقف فاسولا من الرئاسات والقوانين الكنسية واستعدادها لتخطيها والدعوة لإهمالها في الكثير من الحالات.

  4. الدور الرئيسي الذي تظهر فاسولا من خلاله في هذه الرسائل، حيث تكون رفيقة يسوع وزوجته ورسولته…

 

مواقف الكنائس الأرثوذكسية

بالإضافة إلى الموقف الواضح الصادر كنيسة اليونان والمذكور آنفاً، صدر في 2002 موقف عن كنيسة أورشليم برسالة موقّعة من الراهب سارافيم، أمين سر البطريركية، ومن أهمّ ما جاء فيه: ” إن حركة السيدة فاسولا غير مقبولة كحركة أرثوذكسية، بل هي مسكونية وتساوم ضد الحقيقة وترتكز على رؤاها… الرؤى التي تصفها السيدة رايدن لا تشترك مع رؤى الآباء القديسين بأي من الصفات. فالمتوشّحون بالله مُنحوا الرؤى بعد لله وللقريب ت كثيرة من حياة الصليب والطاعة والاتّضاع والصلوات والصوم والمحب وإخفاء الذات طوعياً، ومن كلّ هذا لا يظهر لدى السيدة رايدن إلا إقلاعها عن حياتها الدنيوية السابقة…”[8]

أمّا كنسة رومانيا، فقد صدر موقفها من بعد زيارة حجّ نظّمتها في أيار 2010، حيث استقبلها الكاهن دانيال كريشان في مدينة بوسكا. وقد تكلّمت فاسولا في الكنيسة بالحجاج ودعتهم إلى المناولة المشتركة، وقد شارك في القداس أحد الكهنة الكاثوليك المرافقين لها. موقف الكنيسة الرومانية عبّر عنه المجمع، بطلب من مطران بوسكا، في رسالة رفضت فيها تعاليم فاسولا والنشاطات المماثلة لرحلات الحج التي تقوم بها كما أوقفت الكاهن دانيال عن الخدمة[9].

آخر المواقف هو للكرسي القسطنطيني الذي اصدر بياناً مجمعياً في السادس عشر من آذار 2011، على أثر انتقال فاسولا للعيش في رودس، وقد جاء فيه: “إن الكنيسة الأرثوذكسية باتباعها بدقّة مثال الرسل القديسين وتعاليمهم، كما تعاليم خلفائهم آباء الكنيسة، وقرارات المجامع المسكونية الملهَمَة من الله، تصون الإيمان كجوهرة غالية الثمن، إيمان الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، الذي تختبره الجماعة المسيحية باشتراكها في الأسرار ومجمل حياة الجسم الكنسي المؤسَّس من الله.

وعليه، كل حركة وتوتر مرتَجَل، سواء كان شخصياً أو جماعياً، ويحمل ازدراءً او خرقاً لعقائد الإيمان والحياة الأرثوذكسيين اللذين يُعاشان في المسيح ضمن الكنيسة على أنّهما السبيل الوحيد لخلاص نفوسنا، وبخاصةً الصادرة عن شخصيات تدّعي لذاتها المواهبية، مرفوضة دائماً على أنّها ابتداع غير مقبول.

بهذه الروح، وحرصاً على الشعب الأرثوذكسي الورع، الذي لا يعرف جيداً الأمور المترتّبة من خطر الخديعة، ولحمايته المفيدة من التشوّش الروحي، نشجب فاسيليكي باراسكيفيس بنداكي – رايدن، المعروفة على نطاق واسع باسم فاسولا، من الكنيسة الأمّ، ومعها منظمّتها التي تحمل اسم “الحياة الحقيقية في الله”، لأنّها تقترح بطيش تعاليم تقوم على ما يُزعَم بأنّه “حوار مباشر بينها وبين مؤسس الكنيسة ربّنا يسوع المسيح”، كما نشجب الذين استولَت عليهم وداعمي “الحياة الحقيقية في الله”، لكونهم ينحرفون اعتباطياً عن تعليم الكنيسة المُعطى من الله، لا بل أنّهم يحيّرون ذهنية المؤمنين الأتقياء.

لذا، نحن ندعو أنصار هذه البدَع المرفوضة والأشخاص الذين يدعمونها، الذين من الآن وصاعداً لن يُقبَلوا في الشركة الكنسية، ليس فقط إلى عدم التورّط في أعمال تبشيرية في الأبرشيات المحلية، بل أيضاً إلى عدم نشر تعاليمهم المبتَدَعة، للحيلولة دون الوقوع تحت العقوبات التي تنصّ عليها القوانين المقدّسة.

أخيراً، نعبّر عن أسف البطريركية المسكونيّة العميق لأعمال بعض إكليريكيي الكنيسة الأرثوذكسية – لحسن الحظ أنّهم قلّة – الذين يحاورون المسمّاة فاسولا ويعطونها “شهادة في الأرثوذكسية”.”

يدافع أتباع فاسولا عنها في وجه هذه المواقف بالقول بأنّ قرار كنيسة اليونان لا يذكر كلمة “حرم excommunication”، خاصة أنّ الكنيسة لا تحرم أحداً إلا بعد أن تناقشه، وكنيسة اليونان لم تناقش فاسولا. أمّا في قرار كنيسة القسطنطينية فهم يرون أنّ لا قيمة له لأنّه ليس صادراً عن البطريرك شخصياً، في حين أنّه قرار مجمعي صادر عن سكريتيريا المجمع. وفي هذه الحجة الأخيرة دليل واضح على عدم فهمهم لتركيبة الكنيسة الأرثوذكسية حيث البطريرك متقدّم بين متساويين. إلى هذا، إنّهم يبرزون عند أي حوار صورة لورقة موقّعة من بطريرك الإسكندرية ثيوذوروس، يقولون أنّها شهادة بأنّ إيمان فاسولا أرثوذكسي، ويستندون إلى قانون يقول بأنّ الإنسان عند انتقاله من مكان إلى آخر يبقى لمدة خمس سنوات تحت سلطة الكرسي التي كان فيها. فلكَون فاسولا مصرية الأصل فإن رسالة البطريرك ثيوذوروس شهادة كافية. وهنا لا بد من الملاحظة أنّه لا يوجد هكذا قانون في الكنيسة الأرثوذكسية، إضافة إلى أنّها تركت مصر مما يزيد عن الأربعين سنة.

 

 

 


[1] “Vassula speaks of unity and intercommunion”, 2008, http://www.tligvideo.org/chich.html

[2] www.tlig.org/print/en/news/2007-06-29/2045

[3] رسالة 10 كانون الأول 2001.

[4] “My Valentine’s Day Kitchen Table Talk with Vassula”  (http://www.tlig.org/en/news/2007-03-27/2035

[5] من فيديو أثناء رحلة حج في تركيا سنة 2007، مصدره http://vimeo.com/11074886 عند التوقيت 4:50 من الفيديو.

[6] http://www.latimes.com/news/local/la-me-visionary10jan10,1,4003585.story

[7] http://www.propheties.it/celestial/vassula/rydentes.htm

[8] النص كاملاً موجود باللغتين اليونانية والإنكليزية على موقع دير الضابط الكلّ http://www.impantokratoros.gr/EFC7D523.en.aspx.

[9] http://www.infovassula.ch/tligcrecan.htm

فاسولا ريدن


النبية الكاذبة فاسولا ريدن

ترجمة إدارة شبكة القديس سارافيم ساروف

مراجعة الأب أنطوان ملكي

في رسالة مؤرخة بتاريخ 24 نيسان (2010)، نُشرت على موقعها الرسمي، ادعت رايدن بأن تحذيرات من بركان أيسلندا لهذا العام والنيزك الذي شوهد في وسط وغرب أمريكا قد وردت في رسائلها، وأنّ الصلاة التي لقّنها إياها يسوع ورددها أتباعها قد خففت من تأثيراتهما إلى هذا الحد… وتقول الرسالة أنه إذا استمرت السلطات الكنسية في محاربة الله ومنعه من الكلام (من خلال فاسولا رايدن) فإن الناس سوف تنقلب عن الإيمان وعقاب الله بالنار سيكون رهيباً.

وتدّعي فاسولا بأن الرب يسوع أعطاها صلاة خاصة في تشرين الثاني عام 2009 للحد من تأثيرات البركان والنيزك الكارثية. وتذكّرهم بأنها سبقت وتنبأت عن أحداث 11 أيلول وكارثة تسونامي. وادّعت بأنها طرحت على يسوع السؤال “لماذا يسمح بكل هذا؟” فأجابها أنّ الناس يموتون بسبب “الإرتداد عنه”. وتدعي أن الذين ينتقدون نشاطاتها ويمنعون الناس عن الإصغاء لها سوف تأخذ بهم العدالة الإلهية إلى الجحيم (10 كانون الثاني 2002). وأحدى أهم النقاط التي وردت في رسائلها المزعومة هي تلك التي تدعي فيها أن الرب قال “ الآن أرعى كرمتي بيدي شخصياً” (22 آب أوغسطس 1989) وأن الرب سيختار “كهنة الله الحي، كهنة الأمين، ومن خلال الكهنوت الجديد سيعيد بناء الكنيسة“ (29 تشرين أول أكتوبر 1991)، وكأن الكنيسة لم تكن في رعاية الرب مخالفة بذلك قوله “وها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر”، وقوله “متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون حاضراً في وسطهم“ وقوله “لا أترككم يتامى“ في وعده بحلول الروح القدس في الكنيسة وبقائه معها إلى يوم المجيء الثاني

 

من هي فاسولا ريدن؟

في العام 1985 بدأت تنشر رسائلها مدعية أن الملاك الحارس “دانيال“ كان يلقنها ما تكتبه وكان يحرّك يدها للكتابة رغماً عنها (بشكل لا إرادي)، ليحلّ سريعاً فيما بعد الرب يسوع المسيح مكانه والذي كان يخط رسائله من خلالها والذي دعاها لتنادي “بالحياة الحقيقية في المسيح“. وقد أكد عدد من الخبراء أنها مزيج من تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيسة الكاثوليكية وبعض النبوءات والتحذيرات من أحداث كارثية. ووفقاً لموقعها الخاص على الإنترنت “الحياة الحقيقية في الله TLIG “ فقد وُجّهت لها الدعوات لأكثر من 90 بلداً في العالم وألقت أكثر من 900 محاضرة، حتى أنه وفق زعمها قد طُلب إليها أن تتحدث عن الوحدة ثلاث مرات في مجلس الكنائس العالمي في جنيف (لم نتمكن من التحقق من صحة ذلك)

ورغم انها تصرّح بأنها يونانية أرثوذكسية لكنها حاولت منذ بداياتها الحصول على موافقة الكنيسة الكاثوليكية، وفي الواقع أن الكثيرين من أنصارها بمن فيهم الإكليريكيين هم كاثوليك. كما أن دعواتها لتقديس قلبَي مريم ويسوع وعبادتهما هي دعوات كاثوليكية لا أثر لها في الكنيسة الأرثوذكسية، ناهيك عن دعوتها الناس لصلاة المسبحة الوردية وزيارة المزارات الكاثوليكية فحسب، قائلة نقلاً عن إحدى رسائلها المزعومة “مباركين هؤلاء الذين يقيمون صلاة المسبحة الوردية“. كما أنها تؤمن بالعذاب وبأن الصلاة تقي منه، وادّعت أنه أتيح لها رؤية الجحيم ووصفت أموراً بعيدة عن تصوّر الكنيسة له. وفي الحقيقة يصعب على المتتبّع لرسائلها أن يجد أي روح أرثوذكسية فيها – كما تدّعي- . هذا ويوجد لها اعتراف على أحد الفيديوهات تقرّ فيه بأنها لم تكن تتردد على كنيسة و”لم تكن تبحث عن الله مطلقاً“، بل كانت تؤمن بأن الله موجود دون أن تتلقى أي تعليم ديني محدد. وعندما تزوجت من أحد اللوثريين البروتستنت هجرت الأرثوذكسية واتبعت إحدى الحركات العالمية التي أرسلتها إلى أماكن متفرقة في العالم. ولم تكن لا هي ولا زوجها ممن يمارسون أي شعائر دينية. وفي عام 1985 وبينما كانت تكتب قائمة باحتياجاتها من الخضار فجأة رأت ملاكها الحارس يحرك القلم ويكتب على الورقة ما يريد أن يقول لها، وقدم نفسه باسم “دانيال“ وأمَرَها بقراءة الكتاب المقدس ومن ثم صارت الرسائل تأتي من الله

وقد أصدرت كلتا الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تحذيرات جدية من تعاليمها ونشاطاتها، لكنها لم تزل تجد مناصرين من كبار الإكليروس الكاثوليكي مما يوحي لأنصارها بأن الكرسي الرسولي يدعمها وبأنّ هناك مؤامرة في الأوساط الفاتيكانية كانت وراء التحذيرات التي صدرت بشأنها. واعتبر أتباعها أن عدم الاعتراف بأن يسوع يتكلم معها من قبل السلطات الكنسية هو تكرار للتاريخ عندما لم يصدّق اليهود أن يسوع هو “المسيّا “. ولذلك فإن “الأمناء“ من رجال الدين الذين صدّقوها هم بمثابة رسل العصر الجديد الذين سيتلَمِذوا العالم . وقد وصفها أحد أتباعها بأنها “واحدة من أعظم أنبياء الله كما كان أنبياء العهد القديم، وأنّ رسائل الحياة الحقيقية في المسيح التي تنشرها ليست سوى إحدى أهم عطايا الله للجنس البشري، وأن رفض هذه الرسائل هو بمثابة التجديف الذي لا يُغتفر على الروح القدس “

ولدت فاسيولا لأبوين يونانيين في مصر عام 1942، تزوجت عام 1966 لموظف بروتستنتي في منظمة الأغذية والزراعة وأنجبت منه ولدين. بدأت منذ العام 1985 تدعي بأنها تتلقى رسائل موحاة من يسوع المسيح، محتواها يدور حول الحركة المسكونية وانقلاب الناس والكنيسة عن الدين وقلبَي مريم ويسوع المقدسين. وكان لنشر هذه التعاليم والدعم الذي لاقته من قبل لاهوتيين عالميين مثل رينيه لورينتين الأثر المهم في وجود أتباع ومؤيدين لتعاليمها في صفوف العديد من العلمانيين والإكليريكيين على حد سواء (مطارنة وكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية).

رسائلها مجموعة الآن في حوالي 10 – 12 مجلد تدور كلها تقريباً حول إثارة المشاعر الإنسانية والحديث حول الإرتداد في العالم المسيحي والكنيسة والعلمانية والعقلانية التي جعلت الإيمان فاتراً. أتباعها يدينون الإجهاض والاستنساخ والعصر الجديد، ويعظون بالولاء للبابا والحاجة لقبول الأسرار وأهمية الصوم. وأخيراً وليس آخراً يدعون حدوث عجائب بتلك الرسائل حتى دون أن يوجد لها أي توثيق علمي

في السادس من تشرين الأول عام 1995 صدر عن مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان بيان يعلن بوضوح أن الرسائل التي تنشرها فاسيولا رايدن وتدّعي أنها من السيد المسيح، بالإضافة لاحتوائها على نقاط إيجابية، لكنها تحوي الكثير من المغالطات والتناقضات مع العقيدة الكاثوليكية كاللغة الغامضة التي تستخدمها في الإشارة لأقانيم الثالوث الأقدس والخلط بين هذه الأقانيم، والادعاء بقرب وصول ضد – المسيح AntiChrist وحلول فترة من السلام والرخاء على العالم – الفكرة الألفية حول حدوث فترة من السلام والرخاء على الأرض تسبق الدينونة الأخيرة – قبل مجيء المسيح الثاني (كما في رسائل 24 كانون أول ديسمبر 1989، و10 تشرين الثاني نوفمبر 1988) .. واستغرب البيان تناقض تعاليم فاسيولا رايدن مع تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية التي تدعي الانتماء لها، ودعا البيان في ختامه كل الأساقفة الكاثوليك إلى عدم السماح لتعاليمها بالانتشار بين رعاياهم والعمل على تنوير المؤمنين لزيف هذه الرسائل

وسرعان ما احتج أنصارها على البيان وادّعوا أنه صدر بلا توقيع بمعنى أنه دون علم رئيس مجمع العقيدة والإيمان الكاردينال راتسنغر (البابا بنديكت السادس عشر حالياً)، وأنه من صياغة وصنع بعض القوى الماسونية في الفاتيكان

ورغم الشكوك التي حامت بسبب تصريحات تتسم بالليونة أدلى بها الكاردينال راتسنغر لمجموعة من مؤيديها في المكسيك في أيار عام 1996، عاد الفاتيكان في قرار له في تشرين الثاني من العام نفسه ليؤكد على أن الحظر على نشر وقراءة رسائل فاسولا، واعتبارها رسائل من وحيها الخاص هو حظر ساري المفعول ونافذ

 

اختفاء، حذف وتعديلات على الرسائل

هذه المعلومات نُشرت في مجلة إيطالية اسمها Jesus تحت عنوان “عندما يُصحح يسوع”، في تشرين الأول من عام 1996 وأشارت إلى عمليات الحذف والتعديل التي أدخلتها السيدة رايدن على رسائلها المزعومة

فقد أتلفت المدعوّة رايدن رسائل الأشهُر العشرة الأولى من دعوتها المزعومة والتي يفترض أنها الأهم في كل ظاهرة جديدة، وتعترف بذلك شخصياً وتقول “نعم لقد أحرقتهم لأن لدي الكثير منهم“، وهذه وحده يعتبر طريقة غير محترمة للتعامل مع رسائل تقول أنها من الوحي الإلهي. ولكن رينيه لورنتين لا يتردد في الدفاع عنها وينفي قيامها بإتلاف الرسائل – على خلاف اعترافها هي بذلك – ويقول أنها “لم تدمر شيئاً لكنها لم تنشر تلك الرسائل إلا أن لديها خطط للقيام بذلك“. ولا يزال الوعد قائماً منذ أكثر من عشر سنوات بنشر هذه الرسائل دون أن يتم .. هذا التناقض لا يترك مكاناً للثقة

اكتشف الأب الفرنسيسكاني فيليب بافيتش وهو كرواتي الأصل تعديلات كثيرة قامت بها المدعوة رايدن على الرسائل، عندما كان مقيماً في ميديغورييه وقد تلقى نسخاً من رسائلها قام بمقارنتها مع النسخ الأصلية المكتوبة بخط اليد لها فاكتشف وجود مقاطع محذوفة ومُشار إليها بأن الحذف تم من قبل السيدة رايدن نفسها وبالتعاون مع أحد مناصريها المدعو إرفين شلاخر Erwin Schlacher. وقد قام بإرسال الرسائل إلى المترجمة إيلينا كارفالو لترجمتها إلى اللغة البرتغالية، فقامت كارفالو بمراسلة السيدة رايدن والاستيضاح منها، وردت فاسولا رايدن عليها بالفاكس في تاريخ 1 تشرين أول أكتوبر 1993 تقول فيها مبررة ذلك: “كل شيء حذف بمشيئة الله، وبكلمتين مختصرتين، الله يعطيني رسائل خاصة ورسائل مشفّرة. في البداية قمت بتصوير نسخ عن كل تلك الرسائل، وعندما أردنا طباعتها لاحقاً جعلني الله أفهم أن الرسائل الخاصة وتلك المشفرة التي قد لا يفهمها الناس لا يجب أن يتم طباعتها.(…) لدي جهازي كمبيوتر محمول، أحدهما أدعوه الكمبيوتر الخاص، (…) والثاني هو العام والذي يحتوي على ما يجب أن يتم طباعته. الله ينقل من الكمبيوتر الخاص ما يجب أن يتم طباعته ويدخله في الكمبيوتر العام “.

وتدعي أنها في البداية قد نشرت كل شيء على الملأ لكن الله لم يرد ذلك. وفي نهاية الفاكس تقول أن اللاهوتي رينيه لورنتين سوف يدحض كلّ تلك الإفتراءات. لكن هذا الدحض لم يأتِ مما زاد في هشاشية مصداقيتها المهزوزة أصلاً. وبإجراء الفحص الدقيق لنسخ الرسائل المكتوبة باليد وتلك التي تم طباعتها منها، تبين أن المقاطع المحذوفة هي تلك التي تشير إلى نبوءات لم تتحقق، مما تسبب بخيبة أمل لبطلة الرواية. مثل رغبة العذراء بلقاء الكاهن المريمي دون ستيفانو غابي الذي لم يتم، وطلب يسوع من فاسولا أن تطلب مقابلة البابا لتغسل قدميه ومن ثم يحتفلان بدرب الصليب سويّة. ثم إشارة يسوع إلى أنه سوف يجعل الناس “تعبد“ أمّه القديسة والتي تمّ شطبها وتصحيحها بخط فاسولا إلى “يكرمون“ بدل كلمة يعبدون.

وهنا علينا أن نتساءل عن ماهية هذا الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي لا يستطيع اختيار المفردات الصحيحة والذي هو بحاجة لأن يصحح عباراته وكلماته الخاصة

أخيراً وفي مذكّكرة طويلة نشرت في بلفاست عام 1994 تقول فاسولا رايدن مدافعة عن هذه التصحيحات أن الآب السماوي قال لها حرفياً في رسالة بتاريخ 12 تشرين أول أكتوبر 1986 “السلام معك، لا تترددي في تصحيح أي كلمة ترين أنها غير صحيحة أو أنها قد تتسبب لك بالإزعاج. أنا، الله، سأمنحك الشعور بذلك. هل أنت سعيدة يا فاسولا ؟“.. هذا الآب السماوي المزعوم نفسه يقول لها في رسالة مؤرخة بتاريخ 14 تموز يوليو 1992 “رددي فقط الكلمات التي أقولها لكِ، لا تزيدي ولا تنقصي، أريدك خاصة لي”.

 

الكتابة التلقائية

في لقاء مع حجاج كنديين في سويسرا عام 1991 تحدثت السيدة رايدن بنفسها عن الطريقة التي يتمّ بها تسليم الرسائل المزعومة: “كنت أعدّ قائمة باحتياجاتي للحفلة في تلك الليلة وتناولت ورقة لأكتب عليها ما أحتاج. وفي اللحظة التي أمسكت بالورقة والقلم شعرت بتيار غريب كالكهرباء يسري في كل جسدي وصولاً إلى يدي وخاصة يدي اليمنى … وخرج القلم من بين أصابعي كما لو أنني أردت التخلص منه، ولم يعد بإمكاني الإمساك به مجدداً، كما لم أستطع أن أفتح يدي مجدداً كما لو أنها التصقت. صارت الورقة كالمغناطيس ولم أعد أقوى على رفع يديّ كما لو أن وزنها صار 100 كيلوغرام. لم أكن خائفة ولا أعرف لماذا، فتركت يديّ لأنظر ماذا سيحدث. لم يكن الخط خطي وسرعان ما صارت الكلمات مقروءة “أنا ملاكك واسمي دان (دانيال)“ ولكن سرعان ما حلّ محله يسوع، الآب، مريم العذراء وقديسون آخرون“

والأمر الهام في هذا التصريح هو أنها كانت مجبرة على كتابة ما كُتب بواسطة قوة خفية خارقة، وأن الخط الذي كتبت به الرسائل ليس هو خطها لأن القلم كان يتحرك وحده دون أن تتدخل هي. فقد اعترفت شخصياً بأنها لم تكن تقوى على السيطرة على يدها عندما كان الله يكلمها (9 نيسان أبريل 1992)، وبأن يسوع مرة طلب إليها أن تكتب وقال بأنه سيسحب قوته لكي تتمكن من السيطرة مجدداً على يدها (19 كانون أول ديسمبر 1989)

وهنا نعتقد أنه ليس من طبيعة الإله الذي نعرفه في الكتاب المقدس أن يسيطر على الشخص الذي يتواصل معه ويلغي حريته، وليس من المعروف أن هذا الشخص يصبح “ سكرتيراً لله “ يكتب املاءاته

 

بعض ادعاءاتها

–  بأن هناك قوىً أعطيت لها: ورد في رسائلها “ كل الأعمال سأفعلها أنا – تعني الرب يسوع – من خلالها، وسأتكلم من خلالها“ (10 تشرين الثاني نوفمبر 1987)، و“محبتك لي سوف تشفيهم، سوف أستخدم حبك لي لكي أشفيهم. اشفِهم، اشفِهم يا فاسولا، إنك تحملين معي صليبي “ (10 شباط فبراير 1987)

– بأنها دُعيت لمهمة كبرى لها أهمية حيوية بالنسبة للكنيسة والعالم: “يا صيادة البشر، انشري شبكة الحب والسلام في العالم … عندما كنتُ بالجسد على الأرض علّمت مجموعة صغيرة من الرجال كيف يصبحون صيادي بشر، وتركتهم في العالم لينشروا كلمتي لكل الناس. انا الرب يسوع أطلب إليك وسأريكِ كيف يتم هذا العمل“ (26 نيسان أبريل 1987)، وتدّعي أنها كاهنة “ يا كاهنتي، لأنك كاهنتي سوف أكون معك ولن أتركك وحدك “ (17 آذار مارس 1987

– لرسائلها سلطة تفوق كل سلطة روحية: “ولكن بالطبع يا فاسولا أنت لا تنتمين لهم، أنت تخصينني وحدي، أنا خالقك وأبوك الأقدس، أنتِ تحت سلطتي .. إذا سألوكِ إلى من تنتمين فقولي أنك تخصينني أنا وأنك تحت سلطتي“ (27 تشرين أول 1987). وفي رسالة أخرى “انهضي يا ابنتي الكنيسة بحاجة لك“ (وليس العكس !، 29 آذار 1988)، وفي رسالة أخرى “من أجلي يا فاسولا سوف توحدين كنيستي“ (3 تموز 1987)

– تدعو ريدن إلى اختبار “العلاقة الشخصية “مع الله، وتقول في محاضرة لها في آسيا: “ … من المهم جداً ألا نصير بيروقراطيين، كتابيين، أو لاهوتيين بشكل آلي. بل أن نعطي الروح القدس المساحة اللازمة لكي يكشف عن نفسه وأن نبني علاقة وطيدة مع الله، وعندها فقط يمكننا ان نخدم الله وشعبه”.

 

إيحاءات جنسية

عند المرور على هذه الداعية الشيطانية لا بد وأن نقف عند الأمور المقرفة والمقززة التي ذكرتها في تلك الرسائل، وفيها خير دليل على طبيعة من يتراءى لها وماهيته، وهو فعلاً ذلك الذي بإمكانه أن يغير من هيئته ليصير كملاك، ونعني هنا الشيطان عدو الكنيسة

هنا مقتطفات من “الحوار” بينها وبين يسوعها المزعوم

“شاهدت بعينيّ الروحيتين الرب يسوع يجلس إلى الطاولة معي يراقبني وأنا أتناول الطعام. قال لي “ هل هو جيد؟” فقلت “نعم، شكراً لك يا رب “ (25 أيار 1988)

– يسألها يسوع “ هل تعلمين كم أحبك؟ “. تجيبه “ نعم يا يسوع “. فيقول “ لماذا إذاً ترفضين أن أقبّلك ؟ … ألم أخبرك من قبل يا فاسولا أن لا ترفضي لي طلباً ؟ بماذا أجبتني؟ “ . فتقول “ بأني لن ارفض لك طلباً مهما يكن “. يتابع يسوعها “ لماذا إذاً ترفضين قبلتي يا فاسولا؟ … اسمحي لي أن أقبّلك، دعيني أفعل ؟ هل ستدعيني الآن؟ تعالي إليّ واشعري بقبلتي، قبلة سماوية على جبينك، هل أنت مستعدة؟ “ (19 آذار 1987)

 

موقف الكنيسة الأرثوذكسية

عبّرت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية عن هذا الموقف – بحكم أن السيدة رايدن يونانية الأصل – في عام 2001 عندما اجتمعت “اللجنة المختصة بمحاربة الهرطقات“ واتخذت القرار التالي بشأن فاسيولا رايدن (ترجمة غير رسمية عن اللغة اليونانية): ” بعد ان تدارست اللجنة الأدلة المطروحة، استخلصت أن فاسولا رايدن قد فصلت نفسها عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية، رغم أنها لم تزل تقدم نفسها على أنها تنتمي إليها. ويجب أن يكون معلوماً أن المجلة الدورية الكنسية Dialoge قد نشرت في الأعداد 1 و17 تقارير مفصلة عن منظمة فاسولا رايدن “.

وقد طالبت فاسولا وزير العدل اليوناني بمحاكمة سكرتير المجمع اليوناني المقدس الأب كيرياكوس تسوروس آنذاك بتهمة الذم والتشهير، ولكنها سرعان ما تراجعت وتخلت عن تلك الدعوة

في قراءتنا للكتاب المقدس نطالع عدة نماذج لأشخاص تراءى لهم ملائكة الله، فالنبي دانيال لما ظهر له الملاك وقع ارضاً من الخوف (دانيال8: 17)، والرعاة الذين ظهر لهم ملاك يبشرهم بميلاد المخلص كانت أولى الكلمات التي قالها لهم “لا تخافوا“ مما يعني أن هلعاً أصابهم للوهلة الأولى من رؤية ملاك (لوقا2: 10)، وأخيراً التلميذ الذي كان الرب يحبه يوحنا قد سجد للملاك الذي رآه مرتين وفي المرتين كان الملاك ينهيه عن ذلك (رؤيا19: 10، 22: 8). أما فاسولا فتقول حين ظهر لها الملاك أول الأمر “كنت سعيدة جداً وأحلّق في أرجاء المنزل وبالكاد تلامس قدميّ الأرض، وأردد بصوت عالٍ: أنا أسعد شخص على هذاه الأرض، وأنا ربما الشخص الوحيد على الأرض الذي يمكنه أن يتواصل بهذه الطريقة مع ملاكه“. ناهيك عن أن حركة الكتابة الغريبة التلقائية تختلف عن كل أولئك الذين ظهرت لهم ملائكة في الماضي كما يذكر الكتاب المقدس

وتدّعي فاسولا أنها الرسول الذي اختاره المسيح في يومنا هذا لكي يُظهره للعالم، وكأنه قد تخلى عن كنيسته التي تشهد له في العالم. وادّعت أنه طلب إليها قائلاً “أحبك كما أنتِ يا فاسولا .. كوني عروسي“. ومن المعروف أن لقب المسيح “العريس = الختن“ في الكنيسة الأرثوذكسية جاء من اعتبار أن الكنيسة هي عروس المسيح الوحيدة بالمعنى المجازي للكلمة، وهذا المصطلح استخدمه الرب يسوع عن نفسه بأنه العريس “لا يصوم بنو العرس مادام العريس معهم ولكن تأتي أيام عندما يرفع عنهم العريس فحينئذ يصومون“. وقد يتبادر للذهن أن الكنيسة تسمّي بعد قديساتها “عرائس“ المسيح، لكن ذلك هو معنىً مجازي أعطيَ لأولئك الذين عاشوا حياة القداسة والبتولية ولم يكونوا في حياتهم متزوجين، إنه لقب يعني أنهنّ عِشنَ “ مكرّسات “ للمسيح وحده دون سواه

تهاجم الرسائل المزعومة كل من يحاول إيقاف فاسولا وتنعته بأنه يؤذي الكنيسة، ولا يحضرنا أي قديس على مرّ الزمن قد حظي بمثل هذا الدفاع. فالكتاب المقدس يتحدث على أن اضطهاد الكنيسة هو اضطهاد للمسيح نفسه، كما يخاطب الرب شاول (بولس الرسول) على طريق دمشق “شاول شاول لماذا تضطهدني؟“ ولكن لم يكن هناك أي إشارة لشخص محدد. وحدهم الأنبياء الكذبة يدافعون عن أنفسهم بهذه الطريقة ضد أي نقدٍ أو تكذيب

تدعي ريدن أن الرب اختارها لأنها أكثر عجزاً وبؤساًً من أي رجل عرفه، وبأن مسكنتها تجذبه لكي يواسيها. إن القاريء الفطن للكتاب المقدس يرى في حديث الرب مع شاول، ذلك البطل اليهودي ومضطهد الكنيسة بإفراط، ليحوّله من أكبر عدو للكنيسة إلى واحد من أهم رسله، هو بذاته معجزة خارقة تستحق الوقوف عندها. ولا يمكن المقارنة بين ذلك وبين تحويل فتاة غير مؤمنة إلى داعية للسلام والوحدة، ليس في هذا ما يستحق الذكر على الإطلاق

في إحدى الرسائل ادّعت أن الرب يسوع قال لها “.. الروح القدس يأتي مني … الثالوث الأقدس هو واحد، يمكنك أن تدعوني الآب أيضاً“.. وهنا تبرز مشكلة الفيليوك أي الإضافة التي قام بها الغرب على قانون مجمع نيقية بأن الروح القدس ينبثق من الابن أيضاً. وهذا قد أدين ورُفض من قبل الكنيسة الأرثوذكسية في حينه وحتى اليوم. والأمر الآخر هو السقوط في هرطقة قديمة كانت قد رفضتها الكنيسة في القرون الأولى وهي تدّعي أن الله واحد لكنه يُظهر نفسه في ثلاثة هيئات مختلفة كما الماء الذي يمكن أن يكون بخاراً وسائلاً وصلباً، ولكن ليس الجميع معاً في وقت واحد. في عقيدة الثالوث يؤمن الأرثوذكس كما الكاثوليك والبروتستنت أن الله واحد قد كشف عن نفسه من خلال أقانيم ثلاثة، ولا يمكن أن ندعو الإبن أباً لأن الآب هو الآب والابن هو الابن. والأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر لكنها منفصلة أيضاً عن بعضها (لا اندماج ولا انحلال وكذلك لا انقسام ولا تباين)

 

هل لديها دعم كنسي حقاً ؟

رغم انها تضع على موقعها الرسمي شهادات لبعض كبار رجال الدين، لكن الحقيقة هي غير ذلك. فالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تدعي الإنتماء إليها قد قطعتها من الشركة Excommunication، ورفضت دعواتها كذلك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ومن جهة ثانية فقد أدانتها الكنيسة الكاثوليكية ومعظم من تضع أسماءهم في موقعها الرسمي قد أعلنوا عدم تصديقهم لها مثل المطران توماس ماركوريلوس وجوزيف مارتوماس في الهند. وكثير من المطارنة واللاهوتيين أعلنوا لاحقاً أنهم لم يكونوا على علم بمن تكون وأنها في معظم الحالات كانت تطلب الإذن بالكلام وكان يُعطى لها

 

خاتمة

حذّر القديس مكسيموس المعترف من أنه قد “تهاجمنا الشياطين بشكل غير منظور تحت ستار الصداقة الروحية” (Third Century on Theology, 78).  وجاء في كتاب الفيلوكاليا عن لسان القديس بطرس الدمشقي “ليس عجباً أن يغير الشيطان نفسه ويظهر في هيئة ملاك من نور (كورنثوس الثانية 11: 14)، إنه يزرع في داخلنا أفكاراً تبدو أنها صحيحة عندما نفتقد للخبرة الكافية “ (الكتاب الثاني، الفصل التاسع)، ولنا في قول الرسول بولس عبرة واضحة: “لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون، مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ولا عجب  لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور، فليس عظيما إن كان خدامه أيضا يغيرون شكلهم كخدام للبر. الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم (كورنثوس الثانية11: 13-15 ).

الأمّ رافاييلا

 

الأمّ رافاييلا

شهادة معاصرة عن الحياة المسيحيّة الرهبانيّة من قلب أميركا الشماليّة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

 

نتساءل أحياناً كثيرة ما الذي يمكن لراهب أو راهبة أن يقدّمه أو يعلّمه لنا في هذه الحياة الفاسدة في حين أنّهم يعيشون منعزلين في أديرتهم…

يأتينا الجواب من عمق تعليم كنيستنا الأرثوذكسيّة: “لا يوجد طريقتان للحياة المسيحيّة، واحدة للذين في العالم وأخرى للذين في الأديرة، لأنّه ليس هناك سوى إنجيل واحدٍ و‘حياة وطريق وحقّ’ واحد وهو يسوع المسيح نفسه، وبه يمكن أن نعيش إيماننا بطرق متنوّعة بحسب مواهبنا المختلفة المعطاة لنا من السيّد” هكذا تشهد الأمّ رافاييلا من وسط أميركا الشماليّة.

لأوّل مرّة، في تاريخ هذه القارّة، تبرز حركة قويّة من رجال ونساء يحاولون عيش الحياة الرهبانيّة الأرثوذكسيّة في هذا الجزء من العالم. لقد ظهرت على الأقلّ، في السنوات الأخيرة، ستّ مجموعات رهبانيّة، أو شبه رهبانيّة، تتألّف في معظم الأحيان من خمسة إلى ستّة أعضاء، يدبّرها واحد من الآباء الرهبان من خارج البلاد.

بيد أنّ دير حاملات الطيب المقدّس الذي ترأسه الأمّ رافاييلا، كاتبة هذه المقالات، لا ينتمي إلى هذه المجموعات. إذ قد أنشأته الأمّ رافييلا، (وقد كانت سابقاً راهبة تابعة للكنيسة الأسقفيّة البروتستانتيّة)، وهي لم تزل إلى اليوم ترأسه وتدبّر أموره.

عندما كانت الأمّ رافاييلا راهبة أسقفيّة، كانت تعلّم في المدارس، وتعزف الأورغ، وتحرِّر منشورات الجماعة الرهبانيّة، كما كانت تمثّل الدير التابعة له في اجتماعات الأساقفة. وقد تركت الكنيسة الأسقفيّة بعد عشر سنوات من رهبنتها، وانضمّت إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة في العام 1977. وفي السنة نفسها أعطيت بركة متابعة مسيرتها الرهبانيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة في أميركا مع أخت أخرى كانت هي أيضاً راهبة أسقفيّة سابقة. وهكذا تأسّست أخويّة حاملات الطيب. وفي العام 1988 حصلت الأخويّة على ملكيّة خاصّة بها شمالي ولاية نيويورك. وفي العام 1997 سُميّت الأخويّة ديراً تحت رعاية المتروبوليت ثيودوسيوس الجزيل الاحترام الذي نصّب الأمّ رافاييلا رئيسة بحضور أسقف أوتاوا سيرافيم.

لقد قامت الأمّ رافاييلا، على مدى عشرين سنة، بكتابة مقالات عديدة كانت عصارة خبرتها في التعامل مع اللّواتي قصدن الدير بغية انتهاج الحياة الرهبانيّة. وتقول الأمّ: “إنّ تعليم المسيح الحقيقيّ هو لكلّ إنسان، فالصلاة والصمت والإيمان والطاعة والطهارة وحسن التمييز…. وأهمّ هذه كلّها المحبّة، هي لكلّ إنسان مسيحيّ سواء كان مدعوّاً إلى حياة البتوليّة، أو إلى الحياة العائليّة على حدّ سواء.

ولنعد، الآن، إلى سؤالنا الأساسيّ وهو: “ما الذي يمكن أن نتعلّمه، نحن العلمانيّين من الرهبان؟”. تجيبنا الأمّ رافاييلا قائلة: “يأتي الرهبان من عالمنا نفسه حاملين معهم إنسانهم العتيق في أعماقهم وأذهانهم وأجسادهم، وحتى في ذكرياتهم وعواطفهم وأهوائهم. لذلك، فالشيطان الذي يعمل في المجتمعات والعائلات الدنيويّة، هو نفسه يعمل عملاً مضاعَفاً في الأديرة المسيحيّة، ليمنع الرهبان من التحرّر من هذا الإنسان القديم.”

ولكنّنا نحن نحتاج إلى سماع “صوت البريّة” و”كلمة القفر” ( أي الكلام الإلهيّ الصادر عن الأديرة المسيحيّة)، وذلك، لأنّ جوّ السكون المحيط بأولائك الرهبان يزوّدهم بالقدرة على رؤية الأمور بطريقة أوضح وأدقّ، وهذا ما لا يمكننا، نحن العلمانيّين، الوصول إليه في لجّة حركتنا التي لا تتوقّف، ونشاطاتنا التي لا تنتهي، والصخب والضجيج المحيطان بنا. لذلك، باستطاعة الرهبان، لا بل من واجبهم، أن يقدِّموا الإرشاد الروحيّ إلى إخوتهم المسيحيّين العلمانيّين الذين يلجأون إليهم، وذلك من أجل الحفاظ على صحّة جسد المسيح الواحد وسلامته. أمّا نحن، فنؤكّد أنّ الصوت الصادر إلينا من الدير هو حقيقةٌ لا يمكن أن يُستهان بها، لأنّ قوّته تنبع من حيث يصدر أي من البيئة الرهبانيّة”.

فلنتلقّف، إذاً، هذا الصوت شاكرين الله الذي يرسله إلينا ليحثّنا وينيرنا ويشجعنا ويؤدّبنا…

الأب توماس هوبكو

معهد القدّيس فلاديمير للاهوت

 

الصمت!!

 

كثيراً ما أسمع الأهل يشتكون بأنّهم لا يفهمون ما يجري مع أولادهم المراهقين، فهم صامتون وحسب، وفلان لا يكلّم فلان الآخر لأنّه قد أساء إليه. إنّ أصدقائي، العاملين مع المراهقين في المدارس والأبرشيّات، غالباً ما يشاركونني انطباعاتي عن المراهقين ” الذين لا يستطيعون تحمّل فترات حتّى قصيرة من الصمت.” وخبرتي الخاصّة مع اللّواتي أردن دخول الحياة الرهبانيّة تؤكّد هذه الانطباعات.

يقول خبراء نموّ الأطفال بأنّ الطفل الذي يكبر متابعاً التلفاز الذي يغدو بمثابة مربٍّ مرافق له، ومصدر رئيسيّ للثقافة منذ عمر الروضة، لا يكون، هذا الطفل، قادراً في ما بعد على استعادة قدراته الخلاقّة على التعلّم، هذه القدرات التي تتشكّل خلال تلك الفترة من النموّ عند الطفل.

ويقول جون روزموند، وهو عالم نفس مختصّ بالعلاقات العائليّة: “إنّ الطفل الذي يقضي أمام التلفاز ثلاثين ساعة في الأسبوع في مرحلة ما قبل المدرسة، يصل إلى عمر الستّ عشرة سنة وقد شاهد ستّة عشرة ألف ساعة من التلفاز مقابل اثنتي عشرة ألف ساعة من المدرسة، وإنّ هذا الوقت لا يمكن أن يعوَّض”. وبرأيه، ورأي علماء النفس الآخرين، أنّ ساعة من اللّعب في الطين، مع تشكيل أشكال مختلفة منه، لهي أفضل بكثير من ساعة أمام التلفاز، ولو كان البرنامج المعروض من أفضل البرامج التثقيفيّة، لأنّ اللّعب يحفّز قدرات الدماغ، بينما يقوم التلفاز بدور المهدّئ لجسد الطفل وخياله وذكائه.

من الضروريّ أن لا يقضي الأطفال أكثر من خمس ساعات في الأسبوع أمام التلفاز أي بمعدّل نصف ساعة في اليوم. وقد تظنّ أنّ التلفاز يصنع لك معروفاً  بتهدئة طفلك المشاغب، ولكنّك مخطئ في ظنّك هذا. فالتلفاز يمنع طفلك، فقط، من تعلّم كيف يقضي وقته بشكل خلاّق، إذ إنّه بصوره المتلاحقة السريعة يحدّ من قدرة الطفل على الانتباه.

فلا نعجبنّ، بعد ذلك، عندما يقع الناس في حيرة، وفي نوع من الضياع متى تعرّضوا لفترات من الصمت المتواصل لا تتخلّلها تسلية أو تنوّع.

أظنّ أنّ قلّة من الأولاد هم قادرون على الصمت. ويؤكّد الكثيرون من الأصدقاء المثقَّفون بأنّ كلامي هذا ليس مبالغاً فيه، وإنّ عمليّة تعليم الأولاد اليوم هي جهد بلا أمل إن لم يملك المعلِّم، من جهة، وسائل تعليم متطوِّرة تتضمّن إحدى وسائل الإعلام، ومن جهة، أخرى مواهب مقدِّم تلفزيونيّ.

حبّذا لو يتمّ تطوير علاج نفسيّ  (psychotherapy) قادر على معالجة الأذى الحاصل لهذا الجيل، لكي يستطيع أن يستعيد مَلَكَة التفكير البشريّ وطاقاته، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع الصمت بشكل طبيعيّ حتى ولو كلّف ذلك الكثير من العمل الشاقّ.

ولكن يبدو أنّ معظم الناس اليوم يعتبرون الصمت صفة سلبيّة تنمّ عن عدم القدرة أو عدم الرغبة في التواصل. أو يعتبرونه سلاحاً لرفض التعبير عن الحبّ والثقة و الغفران، هذه الأمور التي تدعونا المسيحيّة لإظهارها نحو الآخر، وبخاصّة ضمن العائلات.

أعتقد، أيضاً، أنّ هناك أمران يخلقان هذا الشعور بعدم الارتياح تجاه الصمت:

فمن الناحية الأولى، لقد لعبت عمليّة التعليم عن طريق التلفاز دوراً مهمّاً في تحويل عدّة أجيال إلى أناس لا يستطيعون الصمت. لأنّ خبرة هؤلاء في التعلّم، ليست خبرة صراع من أجل الفهم، لأنّهم يخضعون للعلم، فقط، من خلال التسلية، متلقّفين المعلومات بشكل سلبيّ من دون أيّ تشغيل لفكرهم ليصبح مبدعاً.

في الحقيقة، هناك العديد من الأشياء التي لا نستطيع أن نتعلّمها بهذا الأسلوب، إذ إنّ الكثير من الفكر الذي وصل إلينا عن طريق الأدب المكتوب قابل للتفسير والنقاش بما أنّه غير محدود. وأعني بهذا الأدب أعمال الفلاسفة الكلاسيكيّين واللاّهوتيّين وآباء الكنيسة والنسّاك بالإضافة إلى الإنجيل نفسه، ناهيك عن الخدم الكنسيّة وبخاصة القدّاس الإلهيّ.

فكلّ ما نحتاجه نجده في هذا الأدب الشبيه بالمعلِّم الحاذق الذي يقدِّم التعليم الجيّد.  ولكن، ولكي يقطف الطالب ثمرة هذا التعليم، عليه أن يُعمل فكره لاستنباط المعاني، فيحصّل، نتيجة لذلك، فكراً خلاّقاً ذا حسّ بالمسؤولية .

وبعكس البرامج البصريّة، تتيح لنا هذه الكتب والخدم الكنسيّة فرصة للإصغاء، فتوقظ قدرتنا على الاستجابة الراكدة في أعماقنا، وهكذا نستطيع أن نؤكّد وجود شكل من الصمت خلاّقٍ ضمن هذا النوع من الأدب والعبادة والثقافة.

وعلينا أن نقدّر فرصة النموّ والتطوّر المذخرة في هذه الكتب والخدم الليتورجيّة، فلا نضيّعها، بل نجني ما تحمله من تطوّر ثقافيّ خلاّق.

 

“الصمت يمنعني من التواصل مع الآخرين وفهمهم!!”

ومن الناحية الثانية، تنتج الصعوبة في التعامل مع الصمت عن هذا الادّعاء بأنّ الصمت هو حاجز أمام التواصل. في الحقيقة، إنّ المرء لا يستطيع أن يعرف الناس والظروف التي حولهم بشكل جيّد من دون الإصغاء إليهم، والسماح لهم بكشف أنفسهم. وأيّة معرفة يمكن الحصول عليها عن طريق آخر، غير هذا الإصغاء، هي معرفة مرتكزة على التكهّن أكثر منها على الحقيقة، والتي غالباً ما تكون مضلِّة وغير صحيحة.

ونحن إذ ندّعي أنّنا نحبّ الخليقة الإلهيّة، فلنأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار والجدّ، وإذ ذاك سوف نرى أنّ هذا هو السبب الجوهريّ الخفيّ للدمار الذي يحصل حولنا.

الشخص الوحيد الذي أنا مسؤول عنه، وعن معرفته بشكل كامل أمام الله هو أنا نفسي. نحن لا نستطيع أن نوجّه الآخرين إلى تعلّم أو فعل ما لا نستطيع نحن أنفسنا أن نفعله أو حتّى نرغب بفعله. لذا، إذا أردنا أن نتعلّم أفضل الطرق لمحبّة الآخرين، وجب علينا أن نتعلّم الطرق الصحيحة لمحبّة أنفسنا أوّلاً. أمّا أوّل محطّة تعبر بها هذه الطرق فهي الصمت، أي الصمت الضروريّ لتعلّم فنّ الإصغاء، وأعني الإصغاء إلى أنفسنا أوّلاً.

لقد عرّف الآباء القدّيسون معرفة النفس، معرفة حقّة، بأنّها الطريق الضيّق والشّاق, فكم بالأحرى يكون هذا الطريق شاقّاً وصعباً على من تشرّبوا، منذ طفولتهم المبكّرة، عدم القدرة على التعامل مع الصمت.

فالآباء الذين لا يستطيعون، أو ببساطة لا يريدون، أن يصغوا إلى أولادهم كأشخاص أحبّاء، وليس كمصدر للإزعاج، يجدون أنفسهم أمام أولاد مشبعين بالألم والغضب. وإذ يتعلّم هؤلاء الأولاد من آبائهم أنّ الأشياء المزعجة أو المؤلمة, بما فيها هم ذواتهم, يجب تجنّبها، يعطيهم ألمهم وغضبهم دافعا آخر ليهربوا من الصمت, أي من مواجهة حقيقية ذواتهم. وحينذاك، كم يكون مفرّحاً أن نرى معجزة ما تجعل أولئك الأشخاص يعثرون على من يساعدهم، في وقت من الأوقات في حياتهم، ليبدؤوا بالتعلّم من جديد. إذ لا يتمّ الشفاء من الغضب والألم إلاّ بمواجهته والتعبير عنه أو الاعتراف به. ولا يتعلّم الإنسان محبّة الآخرين، والقدرة على الغفران، إلاّ إذا تعلّم محبّة نفسه ومسامحتها، وذلك كلّه يكون في الصمت.

ومن المؤسف، حقّاً، أن نتعرّض، نحن أبناء الكنيسة، لهذا النوع من الأذى، وذلك عندما لا نجد ضمن الرعيّة من يستطيع الإصغاء لنا. وهكذا، وطلباً للشفاء، نلجأ إلى طبيب نفسيّ، أو إلى مجموعات[1] تحتضننا، أي إلى حيث نجد من يصغي لنا، وجوّاً يمنحنا (ربّما لأوّل مرّةٍ في حياتنا) القدرة الخلاّقة على الاستجابة. فتنمو في داخلنا ردّة فعل تجاه الكنيسة تتجلّى في الغضب عليها، لأنّها لم تقدّم لنا الدعم الذي نحتاجه، والذي منحنا إيّاه الأطبّاء أو المجموعات المختصّة. ردّة الفعل هذه ليست مفاجئة بل متوقَّعة، ومن وجهة نظري مبرَّرة.

وبالنتيجة، فحين نتجاوز المراحل الأساسيّة للشفاء بأن نجد من يصغي إلينا في جوّ علاج نفسيّ متوازن، نجد أنفسنا، بدورنا، قادرين على الإصغاء. إذ إنّنا نبدأ بسماع ورؤية الأشياء من حولنا، تلك الأشياء التي، حين كنّا مصابين بالأذى، لم نكن قادرين على رؤيتها  وسماعها من قبل. وكلّما تقدّمنا في الشفاء، كلّما اكتشفنا أنّنا ما زلنا أطفالاً نتغذّى بالحليب في خطواتنا الأولى, وأنّ هناك عالماً كاملاً من البالغين المسيحيّين الناضجين الذين ينتظروننا لكي نبدأ في النموّ الصحيح لأوّل مرّة.

وإذ نصل إلى نقطة البداية في الإصغاء إلى أنفسنا في الصمت نجد أنّنا, بخلاف ما كنّا نتوقّع, لسنا وحيدين… فما يدعوه غير المؤمنين اليوم “القوّة الأعلى الأسمى” (أي الله) يكشف عن نفسه، بقوّة أكبر، في الصمت، فيعلن ذاته لنا كوجود جوهرّي سرمديّ…

مبارَكون أولئك الذين ينهلون من منابع التعليم الأرثوذكسيّ، ويعلمون أنّ ذلك “الوجود” هو “خالقهم نفسه” الذي أحبّهم الى درجة الموت عنهم على الصليب. فإذ نعرف أنّه “هو” خلقنا ويعرفنا أفضل مما نعرف، نحن، أنفسنا، وأنّه “هو” مات لأجلنا ونحن خطأة, تقودنا هذه المعرفة إلى روحه القدوس الشافي الذي هو أعظم محبّة وقوّة، وأقرب من أيٍّ من الأشخاص المحدودين المخلوقين الذين قد أساؤوا استعمال محبّتهم تجاهنا في الماضي. “هو” يشفي بطريقة لا يستطيعها أحد منّا تجاه نفسه ولا تجاه الآخرين. ومع ذلك فإنّنا عندما نتّحد به في المناولة، نبدأ، فعلاً، بالتوسّط لديه من أجل الآخرين ليحصلوا على حبّه الشافي ووجوده المحيي.

ولكن… ما دور الكنيسة هنا؟!

نستطيع القول إنّه من واجب الكنيسة أن تقدِّم طرق تعليم خلاّقة مع خبرتها الروحيّة المتنامية. ولكن، من ناحية، لا يمكن للكنيسة أن تنافس وسائل التسلية، وتبقى أمينة لنفسها في الوقت نفسه. ومن ناحية أخرى، إنّه لخطأ فادح أن تتحوّل الأبرشيّات ومعاهد اللاّهوت والأديار إلى مجموعات دعم أو عيادات من أجل العلاج النفسيّ الاحترافيّ، لأنّ هذه المؤسّسات لها دور آخر في الكنيسة، فهي مُعدَّة لتكون مدارس بالمعنى الكامل للكلمة.

فالكهنة ورعاة الأبرشيّات أو حتّى رؤساء الأديار، لا يقومون، مثلاً، بجراحة قلب مفتوح لأعضاء الرعيّة، ولا يحاولون أن يجبروا كسور عظامهم, كما أنّه لا يتوجّب عليهم أن يقوموا بأدوار أخرى لا تخصّهم. على هؤلاء الرعاة أن يكونوا واعين تماماً أين يمكن أن يقدِّموا المساعدة والتشجيع. وبنفس الوقت، لا بدّ أن يمتلكوا التواضع، لكي يطلبوا المساعدة من أجل أنفسهم عندما يحتاجونها, تماماً كما يحصلون على استشارة طبيّة عند إصابتهم بمرض ما.

فإذا لم يختبر هؤلاء الرعاة هذا الإصغاء الشافي في حياتهم, وإذا لم يمارسوا الصلاة الصامتة أمام الله، ويتعلّموا من الكتب المقدّسة والخدم الكنسيّة، فلن يستطيعوا أن يكونوا معلّمين لغيرهم. وإذ يعترفون بمحدوديّة معرفتهم في هذا المجال، يبادرون إلى استلهام الروح القدس الذي ينيرهم ليتفهّموا، بعمق، صراعاتهم الخاصّة، وصراعات أبنائهم.

إذاً هيّا لنبدأ, نحن من ندعو أنفسنا مسيحيّين، وربّما معلّمين لغيرنا, بالدخول في هذه الشركة الحقيقيّة مع الله إلهنا, لنعرفه بالصمت والصلاة، ونعرف أنفسنا والآخرين وكلّ الخليقة، وندرك وجودنا، كلّنا معاً، في الثالوث القدّوس الذي يخلق ويعزّي ويفتدي كلّ الناس.

 

آدم يتحدّث من خارج الفردوس

 

“ها أنا جالس خارج الفردوس وقد أُغلق الباب خلفي. نعم، هذه هي النتيجة البديهيّة والمنطقيّة لخياراتي الشخصيّة. لقد عرفت معنى الفرح والحرّيّة في الفردوس, ولكنّي لا أستطيع العودة إلى هناك, كما إنّني لا أستطيع الإدّعاء أو التظاهر بأنّ هذا لم يحدث قطّ.

إنّني أعي، تماماً، ما هي الخيارات التي تبنيّتها, ولذلك أدرك، أيضاً، أنّني عالق هنا بكليتي. إنّني أرى، الآن وبوضوح، إلى أيّ حدّ قد خُدعت، وكم كانت الحيّة مضلِّلة لي إذ فتحت عينيّ على خيارات أخرى كانت أمامي في الفردوس. إنّني, إذ أرى النتائج الحاصلة, أدرك، الآن، كم كانت تلك الرؤية مضلِّلة, فما اعتقدت أنّه بديل آخر عما أعطاني إيّاه الله كان مبنيّاً على وهم وكذبة كبيرة.

ولكن ربّما, هنا خارج الفردوس, أستطيع أنا والحيّة أن نعمل بجدّ على تحقيق هذا البديل, إلى أن يأخذ الشكل الذي نريد أن يكون عليه, ألا وهو نمط حياة رغدة أكثرعذوبة من هواء الفردوس العليل.

لقد تعلّمت أنّه علي أن أعمل على ضوء الحقيقة الجديدة للحياة التي خلقتها خياراتي الخاصّة؛ ألا وهي الموت. لم يكن للموت وجود هناك، فكيف كان لي، إذاً، أن أعرف أنّ الصور الجميلة التي زيّنها لي عقلي (عندما تخيّلت أنّ الله كان يخفي عنّي شيئاً رائعاً بالتأكيد) هي صور مضلِّلة, وبخاصّة عندما فكّرت أنّني أستطيع أن أكون إلهاً، أنا أيضاً، وأن أشرّع القوانين مثله؟ كيف كان لي أن أعرف أنّ قوانيني لن تجلب لي إلاّ الموت بدلاً من الحياة التي تمنحنيها شريعته.

لقد وسوس لي فكري بأنّ الله ليس عادلاً!! فأنا أحبّ أن آكل أيّ شيء يبدو لي جيّداً! وبخاصّة عندما يكون هناك من يؤكّد لي أنّه ما من حاجة لإنكار نفسي. أيّ نوع من الآلهة هو هذا الإله الذي يصوغ مثل هذه القوانين بقوله: “إن أكلت من هذه الفاكهة موتا تموت؟” لا أظنّ أنّني أستطيع أن أحبّ إلهاً كهذا بعد الآن.

هو يقول إنّني إذا كنت أحبّه، فعليّ أن أحفظ وصاياه. ولكن، ها هو قد طردني خارج ملكوته, فلماذا عليّ أن أحبّه بعد الآن؟! سوف أنساه هو وقوانينه، وأخلق عالماً خاصّاً بي له حقائقه الخاصّة به. ها هي الأفعى خارج الفردوس معي، وتبدو أنّها واثقة من نفسها تماماً, فإذا كانت هي قادرة على أن تبقى على قيد الحياة، بطريقتها الخاصّة، فأنا، أيضاً، أستطيع ذلك.

وها أنا، مع كلّ غضبي ومرارتي، مضطرّ أن أعمل بجدّ لتدبير حياتي الجديدة، ولأتصارع مع الله على الدوام. ولكن من حسن الحظّ أنّ هناك موتاً, وبهذا لا أعود مضطرّاً على أن أستمرّ على هذا المنوال الى الأبد.

يتوجّب عليّ أن أعمل بجدّ لكي أحرث الأرض، مع أنّ هذا العمل لا يبدو سهلاّ هنا في الخارج. كما أنّني لا أحبّ الطريقة التي باتت الحيوانات تنظر بها إليّ. وكلّ تلك النباتات الجميلة تبدو، الآن، وكأنّها أصبحت غير نافعة. وحين يأتي الموت، ذات يوم، يمكنني أن أستريح من كلّ هذا, وحتّى ذلك الوقت يمكنني أن أستمتع بحياتي حسب قوانيني الخاصّة.

ومع أنّ هذه الحياة تبدو قاسية، إلاّ أنّني إذا فكّرت بها على أنّها مجرّد لعبة، فسأكون بخير. سأحوّل حياتي إلى لعبة حظّ، وأستمتع بخداعها قليلاً. ففي النهاية سوف أموت، فلماذا، إذاً، لا أستمتع بحياتي. أستطيع أن أستمتع بالكثير من الأشياء التي حولي, ليس الأكل فحسب، وإنّما العديد من الأشياء، أيضاً. ومع أنّ شريعة الله تقول إنّ هذا التمتّع سيجلب لي المزيد من الموت والدمار، ولكن، لا بأس، سأفعل ما يحلو لي.

آه, لدي مشكلة هنا. لقد سمعت أنّ الله هو في حالة حرب مستمرّة مع هذه الحيّة. حسناً… إنّه يعلم أنّ الحيّة جالسة معي هنا، خارجاً، تساعدني لأحيك هذه الأفكار. آه, عليه أن يجد طريقة لكي يغادر عالمه المثاليّ، ويجلس هنا معنا أيضاً. ولكن، لا, لا, فليبقَ مكانه إذ سيكون من المزعج جدّاً أن أجده هنا حولي, فأنا والأفعى نحاول أن ننشئ عالماً بديلاً خاصّاً بنا, فعلى الأقلّ يجب أن يسمح لنا باللهو فيه، قليلاً، إلى أن نموت.

لقد طردنا الله من عالمه النقيّ السامي، ولا بدّ أنّه يشعر أنّ ما  فعله كان جيّداً جدّاً، لأنّنا كنّا قد نثرنا الفوضى في عالمه المرتَّب. حسناً, يمكنه، الآن، أن يتركنا وشأننا, فنحن، الآن، بالغون، ويمكننا أن نتّخذ قراراتنا بأنفسنا، ونحيا وفقاً لهذه القرارات، وبالتالي أن نقبل نتائجها. على كلّ حال، فالموت الذي تسبّبنا به ليس سيّئاً إلى هذا الحدّ، إذ إنّنا بواسطته لسنا مضطرّين للعيش في هذه النتائج إلى الأبد.

إنّني أمرّ بوقت عصيب حقّاً مع أنّه لم يمضِ عليّ هنا خارجاً سوى فترة قصيرة، ويوجد معي في هذا العالم الكثير من الناس يعيشون مثلي تماماً. يمكنني أن أرى جيّداً أنّ هذا المكان لا يشبه الفردوس أبداً. ويبدو أنّ قوانيني تواجه العراقيل أينما ذهبت. وكلّ واحد، هنا، يحاول أن يسنّ قوانينه، وقراراته، بحيث نستمرّ جميعاً سائرين في طريق بديل لطريق الله. إنّي لا أحبّ نتائج قرارات هؤلاء الناس, وأنا مستعدّ للموت بسبب قراراتي، ولكن، لماذا عليّ أن أعاني بسبب ما يفعله هؤلاء الناس الأغبياء. حقّاً إنّ هذا ليس عدلاً!!

عليّ، إذاً، أن أكون حريصاً  في اختيار قراراتي، لتأتي أقوى من خيارات الناس الآخرين، فلا يستطيعون، بالتالي، أن يؤذ     وني. يمكنني، ببساطة، أن أتجاهلهم وأبتعد عنهم، أو أن أجد طرقاً أخرى للتخلّص منهم إذا لم يتبعوا طرقي الخاصّة. أليس هذا ما فعله الله نفسه معي؟؟ حتّى إنّه يمكنني أن أقتلهم إذا لم يكن هناك طريقة أخرى.

في الليلة الثانية، لوجودي خارج الفردوس، حلمت حلماً خرج فيه الله إلينا، إلى ههنا، بطريقة لم أكن أتصورها قطّ, إذ اتّخذ بشريتي نفسها, تلك التي أعطاني إيّاها, وذلك من إحدى حفيداتي. لقد بدا الله، في الحلم، وكأنّ عليه أن يعيش هنا، في هذا المكان، كما أفعل أنا, وأن يواجه نتائج خيارات كلّ منّا, وحتّى إنّه كان معرَّضاً لأن تلعب الحيّة أيضاً بأفكاره.

لقد كان بإمكانه أن يكوِّن جسده الخاصّ كما يريد، كونه يعرف سرّ تركيب الجسد, كما كان قادراً أن يتحكّم بكلّ منّا، ويجبرنا أن نعيش وفقاً لقوانينه هو، بما أنّه قادر على ذلك.

لكنّه فعل شيئاً غريباً للغاية, في الحلم  طبعا. إنه لم يحاول حتّى أن ينافسنا في لعبتنا, بل اتّخذ أكثر شكل قابل للعطب على الإطلاق، وبدلاً من أن يتجنّبنا، أو على الأقلّ أن يتّخذ بعض الخطوط الدفاعيّة لكي لا نكون قادرين حتّى على لمسه، قضى كلّ وقته معنا، محاولا أن يكون قريباً منّا على قدر المتاح. لقد ظلّ يتحدّث عن الحبّ، وعن كلّ المشاعر المعاكسة لشعوري أي الغضب والمرارة. ظلّ يردّد أنّ الغفران هو المفتاح لدخول الفردوس, ولقد بدا أنّه يعني هذا الكلام حقّاً.

لقد علمت أنّه “هو”، لأنّه لمرّة واحدة، في الحلم، نزع الحجاب، وشعّ منه ذلك النور البهيّ الفردوسيّ عندما كان على الجبل مع بعض تلاميذه. وكانت تلك هي اللّحظة الوحيدة التي بدا فيها مختلفاً عنّا.

إلاّ أنّ حلمي بدأ يتحوّل إلى كابوس في نهايته، فلقد كان قادراً أن يعمل كلّ الأشياء التي كنت أفعلها لكي لا أسمح لهذه الحياة أن تكون جدّيّة, ولقد كان قادراً أن يحوّلها إلى لعبة. لكنّه بدلاً من ذلك، دفعنا إلى إخراج أسوأ ما فينا، وبالحقيقة، أجبرنا على أن نكون لئيمين وقاسين وساخطين إلى أقصى درجة. لقد انتزع منّا الجوّ اللّطيف الذي كنّا قد خلقناه حولنا هنا، لنعوّض عن صلاحه الفائق النقاء، وجماله الذي تركناه خلفنا في الفردوس. ولذلك, فقد فعلنا الشيء الوحيد الذي كان بإمكاننا فعله، لنحافظ على عالمنا مستمرّاً, لقد قتلناه… على كلّ حال، فإنّه “هو” من سنّ ذلك القانون بخصوص الموت!!

لكنّ الجزء الأخير من حلمي هو الذي ما زال يزعجني باستمرار. كان من المفترض أن يُنهي الموت القصّة بالنسبة لنا وله, لكن ذلك لم يحدث. لقد بدا أنّنا استطعنا قتل جسده، لكنّنا لم نستطع قتله “هو”. لقد عاد, عاد حتّى بالجسد الذي قتلناه به, وكان له نفس المجد الفردوسيّ الذي ظهر للحظات قليلة على الجبل.

وعندها سمعت, في حلمي, أنّه كوننا لم نستطع قتله، فإنّ الموت لن يكون المحطّة النهائيّة بالنسبة لنا بما أنّنا نماثله في كلّ النواحي ماعدا صلاحه وحبّه. والأسوأ أنّني سأعيش منذ الآن وفقا لمعاييره، هو، مرّة أخرى، ولن أكون قادراً على متابعة اللّهو والتسلية. لقد ولّى زمن المرح.

عندما استيقظت من حلمي أتت الحيّة، في الحال، لتؤكّد لي أنّه لم يكن حقيقيّاً, فحتّى لو حدث مثل ذلك الأمر، فما نزال نملك خياراتنا. يمكنني أن أحافظ على شعوري بالمرارة, ويمكنني أن أستمرّ في تجنّب الله حتّى لو أتى إليّ ليريني كم يحبّني ويفهمني ذلك كونه عاش هنا بنفسه. يمكنني أن أستمرّ بتفضيل تسليتي وقوانيني الخاصّة. كما أشارت الحية إلى أنّها هي نفسها ستفعل ذلك، وأنّه يمكنني أن أنضمّ إليه إن أردت. إذاً، ستبقى لدينا حياتنا وخياراتنا البديلة إلى الأبد، تماماً، كما هي الحال هنا الآن. المشكلة، فقط، إنّه لن يكون هناك موت لينهيها.

لكنّ الأمر سيصبح أسوأ، وسيبقى هكذا الى الأبد, فكلّ منّا سوف يسنّ قوانينه الخاصّة، ولن يكون هناك أحد يطيع قوانين الآخر. سوف نقضي كلّ وقتنا ونحن نحاول تدمير أحلام الآخرين وإبداعاتهم. وسيكون ذلك هو الجحيم حقّاً.

سيكون صعباً عليّ جدّاً الابتعاد عن هذه الأفعى!! ترى، ماذا سيحدث لو أنّي حاولت أن أمشي بحسب طريقة هذا الإله, الذي أصبح له اسم، الآن، إذ سمح لي أن أدعوه يسوع في الحلم؟!. ماذا لو تعلّمت أن أحبّ وأغفر؟! ماذا لو أنّني حرمت نفسي بعضاً من تلك الخيارات التي ماكنت لأتّخذها لو كنت ما زلت في الفردوس؟!

لا, سيكون ذلك صعباً جدّاً جدّاً، وسأكون بلا حول ولا قوّة كما كان هو هنا أثناء صلبه. يا للنبل!! عندما أضحّي بحياتي وأحلامي وكلّ خططي، في سبيل مساعدة شخص آخر! أن أتعلّم بأن أحبّ شخصاً آخر، أيّ شخص على الإطلاق، لدرجة أن أقوم بتلك التضحية!! لا أن أختار، وأنتقي، من هو مستحقّ لتضحيتي إذ سبق هو واعتبر كل إنسان مستحقِّا، مضحىً عن الجميع.

إنّ الأمر مغرٍ حقّاً! فلقد قال “هو” إنّه سوف يعطيني حياته نفسها، لكي تكون لي القوّة والحبّ والسلطة، لأفعل هذه الأشياء بطريقته هو.

عليّ أن أفكّر بهذا. عليّ، الآن، أن أتّخذ قراراً. ولكن… إنّني لست متأكّداً تماماً أيّ طريق أريد حقّاً أن أسلكه!

ألا يمكن أن يكون صراع آدم هذا صراعك أنت بالذات؟

وأي طريق تريد أن تسلك؟ الطريق الواسع الذي يؤدّي إلى الهلاك،أم الضيّق الذي يفضي إلى الحياة؟

 

 

 


[1] تنتشر في الولايات المتّحدة الأميركيّة مجموعات تضمّ أشخاصاً يعانون من مشاكل عائليّة واجتماعيّة، فيتبادلون الخبرات، ويسندون بعضهم البعض في مجابهة الحياة. من أمثال هؤلاء، مجموعات تضمّ أشخاصاً متزوّجين من أناس مدمنين على الخمر أو على كثرة الأكل أو… أو… (المعرب)