السنة الثامنة – العدد الرابع

 

السنة الثامنة – العدد الرابع

كانون الثاني 2012

 

مختارات آبائية

شرح دستور الإيمان – 2

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس


رعائيات

الزمن

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة


عظة

القطيع الصّغير والكنيسة الحيّ

الأرشمندريت توما بيطار


رعائيات

أخلاقيات عمل الخير في الكنيسة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


شهادات

في الأب الشهيد باسيليوس نصّار

د. عدنان طرابلسي


لاهوت

الموت والخطية الجدية

الميتروبروليت إيروثيوس فلاخوس


لاهوت

ما هي الأرثوذكسية؟

الأب يوحنا رومانيدس


لاهوت

التعليم الآبائي عن سر الثالوث

الأب جورج عطية


ليتورجيا

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 2

عن كتاب “التعزية الحقيقية في الصلوات الإلهية”


أطفالنا

تسلية

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 2

تفسير الصلوات العمومية حسب ترتيب الكنيسة الأرثوذكسية – 2

عن كتاب “التعزية الحقيقية في الصلوات الإلهية”

7 – تفسير ترتيب صلاة الساعة التاسعة

هذه الساعة قد خصصتها الكنيسة لتذكار موت ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي ذاقه بالجسد في الساعة التاسعة من النهار لأجل إعطائنا الرحمة والحق والنعمة والمجد والسكنى في ديار الرب كما يدل على هذا كله فحوى المزمور ال83 أما المزموران الآخران أي ال84 وال85 فيشيران الى الثمار الخلاصية التي حصل المؤمنون عليها بواسطة موت يسوع المسيح على الصليب الكريم أي الى التبرير من الخطيئة الجدية والنجاة من الجحيم السفلي والى علامة الصليب الكريم المعينة للمؤمنين والمخيفة لأعداء المسيح المنظورين والغير المنظورين.

8 – تفسير ترتيب صلاة المساء

لما كان المساء هو عبارة عن زمن غروب الشمس وحلول ظلام الليل وكانت أزمنة العهد القديم بالنسبة الى أزمنة العهد الجديد هي أزمنة ظلال وظلام (لو1: 79) أو كما يسميها بولس الرسول “أزمان ليل” (رو13: 12) لهذا قد رتبت الكنيسة صلاة المساء على طريقة تذكرنا بأهم حوادث العهد القديم كما هي مدونة في كتب موسى والأنبياء.

أما هذه الحوادث فهي: خلق العالم، إقامة الجدّين الأولين في فردوس النعيم، سقوطهما في الخطيئة، طردهما من الفردوس وندامتها، الوعد الإلهي بمجيء المخلص، الإيمان بالمخلص الآتي، إستعداد البشر بواسطة النبؤات والرموز لإقتبال المخلص.

فأولاً في مزمور الغروب “باركي يا نفسي الرب الخ” نسمع بأحسن بيان وأفصح لسان تاريخ خلقة العالم في ستة أيام. ثانياً عند فتح الباب الملوكي (في ليالي الآحاد والأعياد)  أو إزاحة الستار عنه (في ليالي بقية الأسبوع) تتشخص أمامنا إقامة الجدّين الأولين في فردوس النعيم الذي كانت أبوابه حينئذٍ مفتوحة. ثالثاً إغلاق الباب الملوكي أو إرخاء الستار يذكرنا بإغلاق أبواب الفردوس عقيب سقوط الجدين الأولين في الخطيئة. رابعاً خروج الكاهن من الهيكل ووقوفه  أمام الباب الملوكي مكشوف الراس وتلاوته أفاشين الغروب الخشوعية سراً يشخص أمامنا طرد آدم من الفردوس وبكاء أمام أبوابه التي أغلقت في وجهه. وأما تلاوة الطلبات السلامية والمزامير وترتيل “يا رب إليك صرخت الخ” فتذكرنا بندامة الجدّين الأولين وطلبهما استرجاع الغبطة التي أضاعاها بسبب المعصية. خامساً الا يصوذن أي خروج الكاهن بالمبخرة من باب الهيكل الشمالي تتقدمه شمعة شاملة ووقوفه أمام الباب الملوكي وهو مفتوح مع هتافه “الحكمة” ومن ثم تلاوة “يا نوراً بهياً الخ” يذكرنا هذا كله بالوعد الإلهي عن مجيء المخلص الذي هو حكمة إلهية ونور بهي الضياء. سادساً بروكيمنن المساء يشير الى إيمان رجال العهد القديم الأبرار بالمخلص الآتي. وسابعاً تلاوة القراءات (في ليالي الأعياد) من كتب العهد القديم توضح لنا تلك النبؤات والرموز التي كان الله يهيء العالم لاقتبال المخلص.

وأما ما بعد هذا من الطلبات الإبتهالية “لنقل جميعنا الخ” و ” لنكمل طلباتنا المسائية الخ” وهتاف المرتلين ” يا رب ارحم” ثلاثاً و “استجب يا رب” فيدل على اعترافنا أمام الله بخطايانا التي هي نتيجة الخطيئة الجدية والتماسنا العفو عنها لأجل إيماننا بالمخلص الذي أتى كما خلص رجال العهد القديم لأجل ايمانهم بالمخلص الآتي. وأخيراً تلاوة صلاة يمعان الصديق “الآن تطلق عبدك الخ” تخبرنا بإنتهاء زمن العهد الجديد بورود مخلص العالم.

9 – تفسير ترتيب صلاة النوم

إن صلاة النوم المعروفة بالكبرى مؤلفة من ثلاثة أجزاء الأول منها يبتدىء بالمزمور الرابع “إذ دعوت استجبت لي الخ” وينتهي بإفشين باسيليوس الكبير “يا رب يا رب يا من أنقذتنا الخ” وهو يتضمن أولاً تفكر الإنسان قبل نومه بما أتاه في نهاره من الأفكار والأعمال: “والذي تقولونه في قلوبكم تندموا عليه في مضاجعكم” (مز4: 4) “أحمّ في كل ليلة سريري وبدموعي أبلّ فراشي” (مز6: 6). ثانياً تسليمه نفسه للعناية الإلهية “إليك يا رب رفعت نفسي إلهي عليك توكلت” (مز24: 1) “في يديك أستودع روحي” (مز30: 5) “فلا تخشَ من خوفٍ ليلي ولا من سهم يطير في النهار ولا من أمر يسلك في الظلمة. لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في جميع طرقك” (مز90: 5 و 11) وثالثاً طلبه من الله ألاّ يتركه ينام نوم الخطيئة بل أن يقيمه من النوم سالماً ليسلك في طريق وصاياه “أنر عينيّ لئلا أنام الى الموت” (مز12: 3) “أنظر الى تواضعي وتعبي واغفر جميع خطاياي” (مز24: 18). وهذه الأمور الثلاثة تتضمنها أيضاً الطروباريات والأفاشين الموجودة في هذا الجزء.

الثاني يبتدىء من المزمور الخمسين وينتهي بالأفشين “أيها السيد الإله الضابط الكل الخ”. ولما كان النوم يذكر الإنسان بالموت لهذا يتضمن هذا الجزء إظهار التوبة والندامة مع طلب الرحمة والمغفرة كما يظهر هذا جلياً من المزمورَين ال50 وال101 ومن صلاة منسى والطروباريات “ارحمنا يا رب ارحمنا الخ” وتوابعها ومن أفشين الختام.

الثالث يبتدىء من المزمور ال69 وينتهي بأفاشين السيد والسيدة. ولما كان الوقت الذي تكمل فيه صلاة النوم تعتبره الكنيسة وقت نزول المسيح الى الجحيم وإنقاذه نفوس الأبرار والصدّيقين المنتظرين حضور المخلص. لهذا يتألف الجزء الثالث أولاً من مزمورَين (69 و 102) يتضمنان أقوالاً نبوية عن نزول المسيح الى الجحيم وتخليصه نفوس الصدّيقين. وثانياً من تمجيدات وتشكرات (المجدلة والقانون) تُظهر بها الكنيسة فرحها وشكرها لله الذي غلب الموت وأباد الجحيم. وأخيراً تُختم صلاة النوم كلها بأفاشين إبتهالية لوالدة الإله الفائقة القداسة ولإبنها ربنا وإلهنا يسوع المسيح.

فهذه هي صلاة النوم المعروفة بالكبرى التي تتمم في جميع أيام الصوم الكبير المقدّس ما عدا السبوت والآحاد. وأما في باقي أيام السنة فتصير تلاوة صلاة النوم المعروفة بالصغرى لأنها مختصرة من الأولى. فمن الجزء الأول يوجد فيها دستور الإيمان فقط. ومن الجزء الثاني المزمور الخمسون. وأما الجزء الثالث فيوجد بكامله.

تفسير خدمة القداس الإلهي

إن خدمة القداس الإلهي أجلّ وأهمّ سائر الخدم الكنائسية التي مرّ ذكرها. وبما أنها موضوعة لذكر ربنا وإلهنا يسوع المسيح حسبما هو نفسه له المجد قد أمرنا (لو22: 19و 1كو11: 24 – 25) لهذا قد عنيت الكنيسة في ترتيب خدمته على نسق يذكرنا أو بشخص أمامنا حياة مخلصنا على الأرض كلها أي منذ ولادته حتى صعوده الى السماء.

أما ترتيب هذه الخدمة الأصلي فقد وضعه الرسل الأطهار أنفسهم وبقي محفوظاً بالتسليم الى الجيل الرابع بعد المسيح حينما دونه أبوا الكنيسة العظيمان القديسان باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأضافا إليه بعض أفاشين وطلبات من تأليفهما. فدَعيت خدمة القداس المدونة من القديس الأول بقداس باسيليوس الكبير وأما المدونة من القديس الثاني  فدُعيت بقداس يوحنا الذهبي الفم وهي مختصرة من الأولى. ثم عينت الكنيسة أن تُتمم الأولى في أيام مخصوصة فقط . وأما الثانية ففي سائر أيام السنة  ما عدا يومي الأربعاء والجمعة في كل مدة الصوم الكبير التي تُتمم فيها خدمة قداس القدسات السابق تقديسها المعروف بقداس البروجزماني للقديس غريغوريوس الذيالوغس.

وإذ علمتَ هذا فاعلم الآن أن خدمة القداس الإلهي مؤلفة من ثلاثة أقسام وهي: التقدمة، قداس الموعوظين وقداس المؤمنين. وهاك تفسير كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على حدة.

أولاً: التقدمة

إن هذا القسم من خدمة القداس الإلهي يُدعى تقدمة من تقديم القرابين الإلهية من طرف المؤمنين الى الكاهن لكي يتمم بها الذبيحة الغير الدموية. ولهذا قد غلبت عندنا تسمية هذا القسم بالذبيحة. وعليه فالمراد هنا من التقدمة أو الذبيحة تحضير مادة سرّ الشكر (التي هي الخبز والخمر) من الكاهن. وهذا القسم مرتب على نسق يذكرنا من الجهة الواحدة بظروف ميلاد مخلصنا يسوع المسيح ومن الجهة الأخرى بظروف آلامه وصلبه وموته.

فأولاً: إحضار خبزة التقدمة المعروفة بالمقدمة الى المذبح يشير الى مجيء مريم البتول الى المغارة لتلد المسيح. ثم إخراج الحمل من المقدّمة يشير الى ولادة المسيح من العذراء مريم. ولهذا فالمذبح  يشير الى المغارة والصينية الى المذود النجم الى ذلك النجم الذي ظهر في المشرق وجاء بالمجوس الى بيت لحم ليسجدوا للمولود ملك اليهود أي ليسوع المسيح. والأغطية تشير الى القُمط التي قمطت بها مريم ابنها يسوع. أما الكاس والمبخرة والبخور فتشير الى الذهب واللبان والمرّ أي الى الهدايا التي قدمها المجوس للمخلص المولود. وأما الصلوات التي يقولها الكاهن وقت تتميم الذبيحة فتشير الى تسبيح الملائكة وسجود رعاة بيت لحم ومجوس المشرق للمولود مخلص العالم.

وثانياً: بما أن يسوع المسيح بحسب تحديد الله الأزلي كان منذ الولادة حمل الله المقدّم ذاته ضحية عن خطايا العالم وبالتالي كانت ولادته بدء دخوله في طريق الصليب لهذا فالأشياء نفسها المستعملة في خدمة تقدمة الذبيحة مع تذكيرها إيانا بحوادث ولادة المخلص تذكرنا أيضاً بحوادث آلامه وموته لبصلبي ودفنه. فعندما يقطع الكاهن المقدمة من جهاتها الأربع ليخرج منها الحمل يقول الأقوال النبوية “مثل الخروف الخ” والبقية اشارة الى نبؤات الأنبياء عن السر الخلاصي. وبقطعه الحمل شكل صليب برسم صلب المخلص. وبطعنه إياه بالحربة يشير الى طعن جنب المخلص وهو مائت على الصليب.وبوضعه خمراً وماء في الكاس يشير الى خروج الدم والماء من جنب المخلص. وبوضعه جزء السيدة عن يمين الحمل يشير الى المقام الأول الذي لها عند ابنها. وبوضعه تسعة أجزاء القديسين عن يسار الحمل يشير الى أنهم هم أيضاً ذوو مقام عند المخلص. وعدد هذه الأجزاء تسعة على عدد الطغمات الملائكية التسع. وأما أجزاء الأحياء والأموات فيضعها تحت قدميّ الحمل لأنها تقدم استعطافاً واستغفاراًعنهم فلهم مقام الطالب والمتضرع. ثم أن المذبح يشير الى الجلجلة التي صلب عليها المخلص. والأغطية تشير الى السباني التي لفّ بها يوسف ونيقوديموس جسد المسيح الطاهر بعد تنزيلها إياه من على الصليب الكريم. والبخور يشير الى الطيب الذي مُسح به جسد المسيح حين دفنه. والمائدة ترسم القبر المقدس. وأما التبخير حول المائدة وفي الهيكل والكنيسة عند نهاية الذبيحة فيشير الى انتشار الرائحة الزكية الروحانية بالروح القدس في كل العالم بواسطة سر التجسد الإلهي.

ثانياً: قداس الموعوظين

إن هذا القسم الثاني من خدمة القداس الإلهي يبتدىء بقول الكاهن “مباركة مملكة الآب والإبن والروح القدس الخ” وينتهي عندما ينادي الشماس قائلاً “أيها الموعوظون اخرجوا”. أما الحوادث التي يذكرنا بها هذا القسم من حياة المخلص على الأرض فهي التي جرت من ولادته لحين وقت آلامه.

فالطلبات السلامية والأنديفونات تذكرنا بذلك الوقت الذي كان يسوع المسيح عائشاً فيه في مصر ومن ثم في الناصرة مخفياً مجده الإلهي عن أعين البشر. أعني ذلك الوقت الذي غاب فيه المخلص عن أعين البشر بعدما كانوا شاهدوا حين ولادته آيات ظهوره العجيبة فتركهم في حيرة ينتظرون بالصلوات والطلبات ظهوره الإلهي. أما التبيكا أي الرسوم فتشير الى نبؤات الأنبياء الراسمة تجسد ابن الله ولهذا تُختم الطروبارية “يا كلمة الله الإبن الوحيد الخ”. وأما المكارزمي أي التطويبات فتشير الى ظهور المخلص وتعليمه في أورشليم ولهذا حين ترتيل “المجد” و “الآن” من هذه التطويبات يصير الايصوذن أي الدخول بعد الخروج من الهيكل بالإنجيل إشارة الى خروج المخلص من أورشليم للكرازة ببشارة الملكوت في كل اليهودية والجليل. أما الشمعة التي تتقدم الإنجيل في هذا الايصوذن فتشير الى يوحنا السابق والصابغ الذي كان يبشر العالم بإتيان المخلص بعده الذي هو النور الحقيقي الذي ينير ويقدس كل إنسان آتٍ الى العالم والذي تعليمه أي الإنجيل هو “حكمة” إلهية. ثم أن ترتيل الايصوذيكون “هلموا لنسجد ونركع الخ” مع الطروباريات والقناديق يشير الى فرح البشر بقبول الإنجيل وإيمانهم بالمخلص.  بعده يُرتل التسبيح الملائكي “قدوس الله الخ” إشارة الى أن البشر لمّا تعلموا سرّ الثالوث الأقدس بواسطة الإنجيل مجدوا الله بنغمة واحدة مع الملائكة إذا أصبحوا معهم رعية واحدة للراعي الواحد ربنا وإلهنا يسوع المسيح. ثم تصير تلاوة الرسائل إشارة إلى إرسال المسيح تلاميذه ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. ولهذا حين تلاوتها يبخر الكاهن كل الهيكل والاكليروس والشعب إشارة الى انتشار رائحة الإنجيل الزكية في كل العالم بواسطة الرسل الأطهار. وأما تلاوة الإنجيل فتحقق لنا تعليم مخلصنا نفسه وتوضح لنا أعماله العجيبة التي ظهر بها مجده الإلهي لكا العالم.

وهذا القسم كما أنه يُفتتح بالطلبات السلامية أي بطلب السلام بين الله والبشر بواسطة مغفرة خطاياهم وبين الكنائس المنفصلة بعضها عن بعض وبين الرؤساء والمرؤوسين من روحيين وزمنيين وبين عموم أفراد البشر لكي يقضي الجميع حياة سلامية مطمئنة وهادئة متمتعين بخيرات الله الأرضية وبعيدين عن كل الأحزان والشدائد والنوائب كذلك يُختتم بالطلبات الإبتهالية “لنقل جميعنا الخ” إظهاراً لشكرنا على عظم مراحم محبته للبشر وإيماننا الحار بكلمته الأزلية ربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي اقتبل أن يتجسد لأجل خلاصنا.

ثالثاً: قداس المؤمنين

بعدما يقول الشماس “أيها الموعوظون أخرجوا” ينادي المؤمنين بأن يلبثوا واقفين في الكنيسة حتى نهاية القداس الإلهي بقوله “يا جميع المؤمنين أيضاً وأيضاً بسلام الى الى الرب نطلب”. وهذا هوبدء قداس المؤمنين الذي هو مرتب على نسق يذكرنا بأهم الحوادث التي جرت في آخر أيام المخلص على الأرض أي بآلامه وموته ودفنه ونزوله الى الجحيم وقيامته من الأموات وصعود الى السماء.

فأولاً الايصوذن الكبير المعروف بدورة القداس يرسم اتيان المخلص الى الآلام الطوعية. ثانياً وضع القرابين المقدسة على المائدة وتغطيتها بالستر الكبير يشير الى تنزيل جسد الرب عن الصليب ووضعه في القبر وانحداره الى الجحيم ولهذا يقول الكاهن الطروباريات “ان يوسف المتقي أحدر جسدك الخ” و “لقد كنتَ في القبر بالجسد وفي الجحيم بالروح الخ” و “أيها المسيح إن قبرك الخ” ثالثاً غلق الباب الملوكي والستار يشير الى دحرجة الحجر ووضع الختم على باب القبر وضبطه بالحرّاس. وأما تبخير القرابين فيشير الى حنوط يوسف ونيقوديموس وطيوب النسوة. رابعاً فتح ستار الباب الملوكي عند تلاوة دستور الإيمان يشير الى هرَب الحرّاس. ورفرفة الستر الكبير على القرابين تشير الى الزلزلة التي حدثت حين قيامة المخلص. ولما يصل قارىء دستور الإيمان الى قوله “وقام في اليوم الثالث” يُطوى الستر ويوضع على جانب المائدة إشارة الى دحرجة الحجر عن باب القبر من ملاك الرب. خامساً صلاة استحالة الخبز والخمر الى جسد الرب الطاهر ودمه الكريم مع مع كل ما يتقدمها ويتبعها من الأقوال والتراتيل والطلبات حتى انتهاء الكاهن والشماس من تناول الأسرار المقدّسة – هذا كله يرسم عشاء يسوع المسيح السري مع تلاميذه. سادساً رفع الجسد الطاهر من الكاهن عند هتافه “القدسات للقديسين” (أي مناولة الأسرار الطاهرة لا تجوزالا للمؤمنين المطهرين بالتوبة والإعتراف) يشير الى قيامة المخلص من الأموات. سابعاً وضع الجسد في الكأس يعني أن المسيح قد قام بكليته جسداً حياً. ووضع الماء الحارّ يُقصد به جعل الدم المقدّس حاراً كما هو الدم الحي. ثم أن الكاهن بعد انتهائه من تناول الأسرار الطاهرة يضع أجزاء الأحياء والأموات في الكاس لتحصل على نعمة من ملامستها دم المخلص. ثامناً فتح الباب الملوكي وعرض الكاس على الشعب يشيران الى ظهور المخلص لتلاميذه بعد القيامة. تاسعاً يبارك الكاهن الشعب قائلاً: “خلص يا الله شعبك وبارك ميراثك” إشارة الى مباركة المسيح تلاميذه على جبل الزيتون قبل صعوده الى السماء. ولهذا تُرتل الطروبارية “قد نظرنا النور الحقيقي الخ” إظهاراً لفرح المؤمنين بالبركات الروحية التي نالوها بواسطة سر التجسد الإلهي إذ عرفوا به الإيمان الحق وهو السجود للثالوث الغير المنقسم. عاشراً وأخيراً يعرض الكاهن الكاس ثانية على الشعب ثم حالاً يخفيها عن أبصارهم داخل الهيكل على المذبح إشارة الى صعود الرب الى السماء أمام تلاميذه وهم واقفون في جبل الزيتون ينظرون الى السحابة التي أخذته عن أعينهم. أما قول الكاهن نحو الشعب “كل حين الخ” فيشير الى وعد المخلص حين صعوده بأنه سيكون مع المؤمنين به كل الأيام الى انقضاء الدهر آمين.

أما ما بعد هذا من الصلوات والطلبات فهو شكر لله تعالى الذي أهلنا لتناول الأسرار الطاهرة المحيية. ثم يتلو هذا الشكر إعطاء الرخصة من الكاهن للشعب لكي يخرجوا من الكنيسة بسلام بعد أن يقرأ على مسامعهم خارج الهيكل الأفشين المعروف بأفشين وراء المنبر إشارة الى أن المسيح بعد تتميمه سر التدبير الخلاصي اتحد بشعبه ولهذا يخرج الكاهن ويساوي الشعب في الموقف حين تلاوته هذا الأفشين.

التعليم الآبائي عن سر الثالوث

التعليم الآبائي عن سر الثالوث

الأب جورج عطية

من أمالي مادة العقائد

سر الثالوث الأقدس الذي تؤمن به الكنيسة لم يكن اذاً نتاج فكر بشري ولا حصيلة تأثيرات دينية أو فلسفية خارجية متأخرة، وإنما كان أساس بشارة الرسل ذاتها التي عاشوها ونقلوها هم أنفسهم كخبرة تأله وحياة الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي الآب ومع ابنه يسوع. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا (1يو3:1-4).

1 – تعليم كنيسة القرون الأولى:

دليلنا على هذا الكلام ليس فقط آيات الكتاب المقدّس التي قدّمت نماذج عنها، بل أيضاً كل ما وصل إلينا من تعليم كنسي خلال القرون الأولى.

أ – دساتير الإيمان القديمة:

وهي الصيغ المختصرة التي كان يلفظها الذين كانوا يتقدّمون من سر العماد المقدّس أو الذين كانوا يريدون أن يعبّروا بطريقة أو بأخرى عن إيمانهم المسيحي. وبالرغم من كثرة الدساتير بسبب تعدد الكنائس، إلاّ أن هناك قاسماً واحداً مشتركاً يجمع بينها وهو الإيمان بالثالوث الأقدس والخلاص بيسوع المسيح. أقدم هذه الدساتير التي وصلت إلينا الدستور الرسولي والدستور الأثناسيوسي.

ب – أسرار وعبادة الكنيسة الأولى

كانت المعمودية تمنح من أقدم العهد “باسم الآب والإبن والروح القدس” بشهادة كتاب تعليم الرسل الإثني عشر وآباء أولين – مثل يوستينوس وايريناوس وترتليانوس. لا بل أن طريقة التعميد بالتغطيس ثلاثاً تدل على هذا الإيمان. لأن كل غطسة كانت تصير باسم أحد الأقانيم الإلهية. أمّا بخصوص العبادة فأهم ما كان يميّزها “التمجيد” الذي كان يرفع للثالوث الأقدس. أقدم هذه التمجيدات  المعروفة صيغة “المجد للآب والابن والروح القدس” ونشيد الغروب “يا نوراً بهياً”.

ج – إعترافات شهداء قبل موتهم

من بين هذه الإعترافات التي وصلت إلينا والتي نشهد عن إيمان الشهداء الراسخ بالثالوث صلاة القديس بوليكاريوس (أسقف أزمير) الموجهة الى الآب قبل أن يحرق حياً “أمدحك من أجل هذه النعمة ومن أجل كل شيء، وأباركك وأمجدك بواسطة رئيس كهنتك الأبدي والسماوي يسوع المسيح ابنك الوحيد الذي لك معه ومع الروح القدس المجد من الآن والى دهر الدهور آمين”.

د – آباء الكنيسة الأولى

من الطبيعي أن يستمر تعبير الكنيسة عن إيمانها بالثالوث الأقدس بعد الرسل من خلال بشارة وكتابة آبائها الرسوليين. من بين مؤلفات هؤلاء الآباء والتي تتسّم بالبساطة، وصلت إلينا رسالة القديس (اقليمندس الروماني) الى أهل كورنثوس والتي يقول فيها “أليس لنا إله واحد ومسيح واحد وروح قدس واحد انسكب علينا” (46: 6). كذلك من بين الإشارات الكثيرة للثالوث والتي وردت في رسائل القديس أغناطيوس الإنطاكي نذكر “حاولوا أن تتبعوا في عقائد الرب والرسل حتى تنجحوا في أفعالكم في الجسد والروح في الإيمان والمحبة في الآب والإبن والروح القدس” مغنيسية 13: 1.

  • أما الآباء المدافعون: فقد اضطروا أن يتكلموا أكثر عن سر الثالوث لكي يدافعوا عن المسيحية ويدحضوا الهرطقات. فأشاروا بصورة خاصة الى الكلمة الإلهي وعلاقته بخلق العالم. لكن عباراتهم اتسمت أحياناً بعدم الدقّة. وذلك بسبب عدم الإتفاق النهائي في ذلك الحين على الإصطلاحات التي يمكن من خلالها التعبير عن الأسرار الإلهية. فمثلاً: يدحض (اثيناغوراس) تهمة الإلحاد الموجهة الى المسيحيين قائلاً: كيف يدعى ملحدين الذين يعترفون (بالله الآب والله الإبن  والروح القدس) ويقرون بقدرتهم في الوحدة (وحدة الجوهر) وبتمايزهم في  النظام.
  • في حين يهاجم (ايريناوس) ثنائية الغنوسيس معلناً أنه يوجد إله واحد فقط كلي القدرة الذي خلق الكل بواسطة كلمته وروحه.

وعموماً وإن كان قد ظهرت أحياناً لدى  الآباء المدافعين نزعة تعبّر عن عدم مساواة بين الأقانيم كخضوع الإبن للآب فهذا يمكن تفسيره أما من باب التشديد على كون الآب في الثالوث هو المصدر والمبدأ، وأما للرغبة في دحض تطرف الهراطقة الذين كانوا يشددون على وحدانية أقنوم الله مثل الصابليوسيين. وقد ازداد اهتمام الآباء بإيجاد التعابير المناسبة لشرح سر الثالوث الأقدس مع نمو الهرطقات المضادة لهذا السر كالمنارخيين الذين أنكروا حقيقة الأقانيم، والأريوسيين وأعداء الروح القدس الذين هاجموا وحدتها في الجوهر وقد برز بصورة خاصة ضد المونارخيين ترتليانوس والقديس غريغوريوس العجائبي وديونيسيوس بابا رومية. بينما لمع في دفاعهم ضد الآريوسيين القديسون اثناسيوس الكبير والكبادوكيون الثلاثة (باسيليوس وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصصي) وايلاريوس أسقف بواتييه (Poitiers + 367) والقديس امبروسيوس وتلميذه أوغسطينوس.

2 – الإصطلاحات المتعلقة بسر الثالوث (Η Αγια Τριας)

إنه لمن المستحيل أن نعبّر بلغتنا البشرية المخلوقة والقاصرة عن سر الثالوث الفائق على كل إدراك وتعبير. ومع ذلك كان لا بد بسبب الهرطقات التي نمت غالباً في أجواء فلسفية من أن تحارَب بسلاحها. فتستخدم كلمات كانت لها سابقاً معانٍ معينة لتحمل الآن معان جديدة يتفق عليها. فتكون بمثابة السدود المحددة لسريان طوفان البدع. وكما هو معروف فاصطلاح ثالوث (Τριας) نفسه لم يرد في الكتاب المقدس. وكان أول من استخدمه من الآباء في الشرق ثيوفيلوس الإنطاكي (185+) أما الكلمة التي تقابلها باللاتينية وهي Trinitas  فكان ترتليانوس (220+) أول من استخدمها.

يمكن تقسيم الإصطلاحات المختصة بسر الثالوث الى نوعين:

  1. ما له علاقة بالجوهر الإلهي.
  2. ما له علاقة بالأقانيم الإلهية.

وبديهي جداً أن هذه المصطلحات لم تُقبل في البداية بسهولة، بل أثار تداولها عاصفة من سوء التفاهم. لأن ما كان يعتبر عند البعض له علاقة بالجوهر فُهم عند البعض الآخر كمختص بالأقانيم، والعكس بالعكس، ولهذا احتاج الأمر الى وقت طويل حتى تمّ الإتفاق نهائياً بين الآباء على التحديدات الدقيقة التي يحملها كل منها.

أ – الإصطلاحات التي تشير الى وحدة الجوهر الإلهي:

  • جوهر (ουσια): تعنى قاعدة او أساس حقيقة ما، أي هي ما يجعل شيئاً ما أن يكون هو نفسه وليس شيئاً آخر مثلاً جوهر الإنسان هو في كونه حيواناً عاقلاً.
  • وقد استُعمل هذا الإصطلاح في الفلسفة الإغريقية بصورة خاصة عند أرسطو وقد ورد بمعنيين:

أ – جوهر فعلي ما، أي وجود فردي ما. موضوع ما لخبرة مباشرة مثلاً: فلان شخص بشري ما، أي حنا، سعيد، وهذا ما يسميه أرسطو الوجود الأول (πρωτη ουσια).

ب – وجود مجرّد، طبيعة خاصة محققة في أفراد كثيرين من هذا النوع أي ما هو عام في الجميع مثال إنسان، حيوان. وهذا ما يسميه أرسطو جوهراً ثانياً (δευτερα ουσια).

  • فلو طبّق الآباء القديسون كلمة جوهر (ουσια) بالمعنى الأول على الثالوث لوجب أن يقولوا بأنه يوجد ثلاثة آلهة. ولو طبقوها بالمعنى الثاني لوجب القول أن الوجود الإلهي موزّع بين ثلاثة أشخاص. لكنهم فضلوا أن يكونوا مينين للإعلان الإلهي ويضربوا عرض الحائط بالمفاهيم الفلسفية معبّرين عن الثالوث الأقدس بجهالة الحكمة، فقالوا أنه لا يوجد ثلاثة آلهة بل إله واحد في أقانيم ثلاثة وليس عند الأقنوم الكيان الإلهي موزعاً ولا مكرراً كما عند الأفراد البشريين ولا هو أكبر ذاته عند واحد مما هو عند الآخرين ولا حتى أصغر مما ه عند الثلاثة معاً لأن لكل من الأقانيم الثلاثة الجوهر الواحد والذي ليس مقسّماً فيما بينها. من هنا فوحدة الثالوث وحدة حقيقية عملية وليست مجردة كما عند البشر. إذا في الله يوجد جوهر وحيد هو بالذات الألوهة، وهنا الكيان أو الجوهر هو كامل في كل واحد من الأقانيم الثلاثة.

كلمة (ομοουσιος) والتي هي تعبير منشق من كلمة (ομο) تُظهر ليس فقط أن الكيان الإلهي مشترك بين ثلاثة أقانيم بل أيضاً وحدة هذا الكيان الذي هو واحد وحيد، إذ يوجد كيان الآب بكليته في الإبن وفي الروح القدس لكن كلمة (ομοουσιος) لا تُظهر فقط الوحدة بل التمايز أيضاً، لأنها تعبر كذلك عن وجود شخص يتحد مع آخر في الجوهر.

ولقد مرّت فترة عبّر فيها البعض عن جوهر أو كيان الله بكلمتين (ουσια و υποστασις) دون تمييز. وكان من الذين لم يميزوا في البداية بين هاتين الكلمتين، القديسان أثناسيوس الكبير وابيفانيوس ووحتى المجمع المسكوني الأول ذاته، لكن مع الوقت صارت كلمة υποστασις معتبرة عند الأغلبية في الشرق كأقنوم. ولهذا حدث كثير من الإشكال في هذا الموضوع لأن الغربيين كانوا يفهمون هذه الكلمة بمعنى الجوهر.إذ ترجموها بكلمة substantia  ولهذا اتهموا اليونان الذين تكلموا عن ثلاثة (υποστασεις) بالآريوسية لإعتقادهم أنهم يتكلمون عن ثلاثة جواهر. وكانت الكنيسة لصالح الكنيسة الجامعة إذ تنبه الآباء لضرورة تحديد وتوضيح معاني الإصطلاحات الثالوثية. وكان من ضمن التدابير التي اتخذوها عقدهم لمجمع سنة 362 في الإسكندرية توصلوا فيه الى الإعلان عن تطابق الإيمان بالثالوث في الشرق والغرب بالرغم من استعمال ممثلي كل منهما اصطلاحات بمدلولات مختلفة. إذاً فالحقيقة التي يعبر عنها الشرقيون بقولهم جوهر واحد (ουσια) وثلاثة أقانيم  υποστασειςهي ذاتها التي يعبر عنها الغربيون بـ(substantia) والتي تترجم حرفيا بـ (υποστασεις) وثلاثة أشخاص (Persoane)  والتي تترجم حرفياً بـ (υποστασις).

أبرز الذين ساهموا في توضيح الفرق بين (ουσια و υποστασις) كان الكبادوكيون الثلاثة وعلى رأسهم القديس باسيليوس الكبير في رسالته التي وجهها الى أخيه غريغوريوس النيصصي، أظهر فيها أن (ουσια) هي قاعدة الطبيعة الإنسانية لأشخاص كثر، بينما (υποστασις) هي الفرد القائم بحد ذاته أي بطرس، بولس… ثم بيّن كذلك الإختلاف بين البشر والثالوث في تطبيق هذه الإصطلاحات… وهكذا مع الزمن صارت الـ (ουσια) إصطلاحاً يخص الجوهر والكيان الإلهي، بينما الـ (υποστασις) تعني الأقنوم أو الشخص.

substantia” (اللاتينية):

تعتبر في الغرب مطابقة لفحوى إصطلاح (ουσια) كما رأينا. هذه الكلمة في الأساس لها معنيان:

  • القاعدة التي تستند عليها الخواص أو التي فيها مجزرة، وهو ما يوافق تركيبها اللغوي الحرفي (تقف تحت) أو الذي يقف في الأساس أو في الجذور أو في القاعدة، وهو أيضاً ما يقابل حرفياً (υποστασις) اليونانية.
  • المعنى الثاني هو الجوهر الذي يوجد في شيء قائم بذاته من أجل ذاته.

natura” المقابلة لـ (Φυσις) (طبيعة):

اعتبر هذا الإصطلاح متماثلاً في أكثر الأحيان مع الجوهر ولهذا فـ natura  أو essentia  أو substantia  هي المادة التي يتألف منها ما هو واقع وحقيقي مثال: الخشب هو المادة التي صنعت منها المنضدة. إذا فالطبيعة هي ما هو عام لكل الأفراد أو الأشياء من هذا النوع أو الصنف على وجه التحديد الطبيعة هي الجوهر ذاته لأنها معتبرة موضوع الخواص أو المبدأ الداخلي المحدد للأشياء.

ب – الإصطلاحات التي تشير الى الأقانيم الإلهية:

  1. Προσωπον – personae
  2. υποστασις
  • υποστασις: تعني الجوهر الذي ليس جزءاً من مجموع (كرجل، يد…) بل الجوهر الفرد التام الموجود في ذاته ومن أجل ذاته، موجود في ذاته يعني أنه مختلف عن أي (υποστασις) آخر. أو هو طبيعة في صورة فردية قائمة بحد ذاتها. بإختصار هو الطريقة التي توجد فيها الطبيعة أو موضوع حامل الطبيعة.
  • Προσωπον: يعني شخصاً من طبيعة عقلانية مثال نبيل، أسعد… أو وجود مستقل للطبيعة العقلانية.

وفي حين أن (υποστασις) هو إسم عام لكل الموجودات الفردية إن كانت عاقلة أو غير عاقلة فالشخص (Προσωπον) يحوي عنصري الفردية والعقلانية معاً. أو يمكن القول أنه وجود فردي لطبيعة عقلانية. ويعرّف الدمشقي الـ Προσωπον بأنه الموضوع الذي يعبّر عن ذاته بأعماله وخواصه فيتميز عن كيانات أخرى من الطبيعة ذاتها، ولهذا يمكن القول أن الشخص عنده وعي لذاته، قوة أن يقرر، وإرادة أن يكوّن شركة مع أشخاص آخرين. أو بعبارة مختصرة عنده فكر وإرادة ومحبة. وبالنسبة للثالوث الأقدس فلا يفرّق القديس باسيليوس أو أكثر الآباء القديسين بين إصطلاحي Προσωπον والـυποστασις.

ما هي الأرثوذكسية؟

ما هي الأرثوذكسية؟

الأب يوحنا رومانيدس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الشعب والحضارة الأرثوذكسيين يقاومان عملية التغريب (westernization). لكن ما هي الحضارة الأرثوذكسية؟ أهي حضارة بالمعنى الغربي للكلمة؟ لا، الأرثوذكسية ليست حضارة، حتّى ولو أشار توينبي إليها بـ “الحضارة الأرثوذكسية”. لماذا؟ لأن الأرثوذكسية عِلم (science). وبحسب المعايير المعاصرة، هي علم طبّي، وليست حضارة. ليست الأرثوذكسية لا حضارة ولا نظاماً سياسياً، لأنّها تهتمّ بخلاصنا الشخصي، خلاص نفوسنا. تقوم الأرثوذكسية على حقيقتين: “الكلمة صار جسداً” (يوحنا 14:1)، و”ما من توبة في الجحيم” (القديس يوحنا الدمشقي، “المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي”، الكتاب الثاني، الباب الرابع). بالطبع، تحمل الأرثوذكسية في ذاتها ما هو ضروري لخلق حضارة، لكنها بذاتها ليست حضارة. الأرثوذكسية ليست حتّى ديناً. ليست ديناً مثل كلّ الأديان الأخرى. تتميّز الأرثوذكسية عن غيرها بظاهرة فريدة لا يمتلكها أي دين آخر. تتعلّق هذه الظاهرة بمنشأ وطبيعة ومصير البشر، كما بكيفية شفائهم. هذا يجعل الأرثوذكسية مختلفة. الأرثوذكسية هي مسار من العلاج الذي يشفي شخصية الإنسان.

ينشغل الطبيب الأصيل بعلاج كلّ مَن هو مريض، من دون استثناء ومن دون تمييز. إنّه لا يحدد أشخاصاً من بين الآخرين من أجل العلاج. هو لا يهتمّ للمركز الاجتماعي للأشخاص، ولا بوضعهم المادي، ولا بدينهم أو سلوكهم الأخلاقي. لا ينتبه الطبيب الحقيقي إلا إلى إذا كان مَن يقصدونه مرضى وحَسْب. وإذا كانوا مرضى فهو يهتمّ ويحاول أن يعالجهم ويشفي ضعفهم. إنه مُلزَم بمعالجتهم. عندنا في التقليد الأرثوذكسي شيء مشابه، لا بل هو أكثر من ذلك. وهذا الشيء الإضافي هو ما يشكّل طريقتنا في الدفاع ضد التغريب.

لا يحب الله القديسين فقط بل كلّ الناس، من دون استثناء، بمَن فيهم الخطأة والذين في الجحيم وحتّى الشيطان. وهو يتمنّى أن يخلّص كل واحد منهم ويشفيه. إنّه يريد أن يشفيهم جميعاً، لكنّه لا يستطيع ذلك، لأنّ ليس جميعهم يريدون أن يشفوا. نحن نعلم هذا، أنّ الله محبة وهو يرغب في شفاء الكلّ ويحب الكلّ، لأنّ هذا قد تمّ إثباته وما يزال يُثبَت في خبرة الذين بلغوا التمجيد، حيث يمكن معاينة الله، وقد عاينوه.

مع هذا، لا يستطيع الله أن يشفي الجميع، لأنّه لا يتخطّى الإرادة البشرية. يتعاطى الله مع الإنسان باحترام كبير ويحبّه. ولكنّه لا يستطيع أن يشفي إنساناً ما بالقوّة. إنّه يشفي فقط أولئك الذين يرغبون بالشفاء والذين يطلبون شفاءهم. طبيعياً، مَن هو مريض جسدياً، أو حتّى عقلياً، يذهب إلى الطبيب من ذاته وليس بالقوة لكي يتعافى، هذا إذا كان ما يزال قادراً على التفكير السليم. الأمر عينه يحدث في مسيرة الأرثوذكسية العلاجية. علينا أن نذهب إلى الكنيسة بحرية من دون أي إلزام أو ضغط. علينا أن نمضي إلى أناس مشهود لهم قد بلغوا الاستنارة، وهم مختبَرون، ولديهم الطريقة العلاجية التي من التقليد الأرثوذكسي. من بعدها علينا أن نكون مطيعين لهم لكي نجد الشفاء.

الموت والخطية الجدية

الموت والخطية الجدية

الميتروبروليت إيروثيوس فلاخوس

نقلته إلى العربية د. نيفين سعد

(من كتاب الحياة بعد الموت، منشورات دير الأنبا مقار، مصر)

عندما نتحدث عن الموت والخطية الجدية، فإننا لا نعني أن الموت أتى في البداية كشئ موروث في الطبيعة البشرية ثم تبعته الخطية الجدية. ولكننا نعني أن الموت ارتبط ارتباطاً وثيقاً بخطية أبينا الأول آدم كنـتيجة لها. وبالتالي يجب علينا أن نتكلم عن الموت في هذه النقطة، والذي لم يكن في البداية أمراً طبيعياً للإنسان، ولكنه دخل إلى الطبيعة البشرية وبالتالي يعمل كما لو كان متطفلاً.

يكرر الكتاب المقدس أن الله لم يصنع الموت، ولكن الموت دخل إلى العالم بواسطة خطية آدم. أود هنا أن أذكر نصين كتابيين.

النص الأول هو من العهد القديم ويقول: “إذ ليس الموت من صنع الله ولا هلاك الأحياء يسره. لأنه إنما خلق الجميع للبقاء فمواليد العالم إنما كونت معافاة وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض لأن البر خالد” (حك 1: 13-15). من غير المستحيل أن ينبعث الشر من الله طالما أن الله خير. ولهذا عندما خلق الله الإنسان لم يخلقه لكي يموت. وكما نرى في التقليد الآبائي، فمن الطبيعي أنه لم يصنعه لا مائتاً ولا غير مائت, ولكن صنعه بإمكانية أن يصبح مائتاً أو غير مائت.

والنص الثاني هو من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: “… كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس… لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى” (رو5: 12-14). يُرى الموت في هذا النص على أنه دخيل ومتطفل على الطبيعة البشرية، ونتيجة وثمرة لخطية آدم. يتعلق الأمر إذاً بالموت الذي دخل إلى الطبيعة البشرية، وبالتالي اجتاز إلى كل الخليقة.

الخطية التي تولد منها الموت هي سقوط آدم في فردوس النعيم. عندما أمر الله الإنسان الأول ألا يأكل من الثمرة المحرمة أعلمه في نفس الوقت: “لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 17:2). وبعد هذه الخطية, دخل الموت إلى الطبيعة البشرية، أولاً الموت الروحي الذي هو انفصال الإنسان عن الله, ثم الموت الجسدي الذي هو انفصال النفس عن الجسد في الوقت المعين. لقد مات آدم روحياً في اليوم الذي أخطأ فيه, ومات جسدياً أيضاً ولكن بطريقة أبطأ.

على حين أن هذا هو موقف الكتاب المقدس من الموت، وعلى حين يشترك الآباء القديسون في هذه الرؤية، إلا أن علم اللاهوت الغربي يتطلع للأمور بطريقة مختلفة كما سنرى فيما يلي. ينظر علم اللاهوت الغربي للموت على أنه طريقة الله لعقاب الإنسان بسبب خطيته، ويرى ميراث الموت في كل الجنس البشري كميراث للذنب. لقد دحض الأب جون رومانيدس هذه الآراء الخاطئة التي لعلم اللاهوت الغربي في دراسة أصيلة ومهمة، كما قدم تعليم الآباء القديسين عن هذه الأمور[1].

يتبع علماء اللاهوت الغربيون إفتراضات أوغسطينوس، وبالتالي يرون الموت كنتيجة لقرار الله أن ينظر للإنسان كمذنب وأن يعاقب الجنس البشري على الخطية التي ارتكبها آدم. ويرى بعض البروتستانت الموت على أنه حقيقة بسيطة, ولكن تقودهم مثل هذه المفاهيم لاستنتاج أن الله هو علة الموت[2].

توجد رؤية أخرى أيضاً مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا المفهوم، وهي النظرية القائلة أن الشيطان هو أداة الله في تنفيذ قراره بمعاقبة الجنس البشري. لا يستطيع علم اللاهوت الغربي بمثل هذه المفاهيم والآراء أن يعطي شرحاً سليماً للغرض من تجسد المسيح، الذي هو التغلب على قوة الشيطان والموت. كما أنه لا يستطيع أن يفسر بطريقة سليمة الغرض من الأسرار ومن كل الحياة الكنسية.

يبدو في تعليم الآباء كما قلنا أن الموت ليس عقاباً من الله ولكنه ثمرة ونتيجة لخطية آدم. يُستعمل تعبير “موت” لكي نعني عزلة وانفصال الإنسان عن الله الذي فيه الحياة الحقيقية. وبالتالي فإن أي شخص يبتعد عن الحياة أي عن الله فإنه يموت. وكما يؤكد القديس غريغوريوس بالاماس في هذا المعنى قائلاً: “إن أول من عانى هذا الموت هو إبليس الذي ابتعد عن الله بسبب عصيانه. لقد نقل الشيطان المائت الموت إلى الإنسان أيضاً، لأن الإنسان استمع لنصيحته وعصى الله وفقد نعمته”[3].

يقول القديس مكسيموس المعترف أننا عندما نتكلم عن الموت فإننا نعني بصورة رئيسية الانفصال عن الله. ويحدث هذا الانفصال من خلال الخطية، فالخطية هي إذاً مركز الموت. ولأن الإنسان لم يطع وصية الله، ولأنه ابتعد عن الله “كان من الضروري أن يتبع ذلك موت الجسد”[4].

يرى أيضاً القديس يوحنا الدمشقي الأشياء في ضوء ذلك. فهو يؤكد على أن أصل كل الناس هو من الله, ولكن الفساد ونتيجته، الذي هو الموت، يأتي من شرنا الخاص. “لقد أتى الموت مع عقوبات أخرى من خلال الإنسان، أي من خلال تعدي آدم”. خلقة الإنسان هي إذاً عمل قوة الله الخالقة، واستمرار حياتنا هو عمل قوته وطاقته قواه المانحة للتماسك. والموت هو نتيجة اختيارنا الخاص ونتيجة الشر, وهو ليس عقوبة وفعل من الله[5].

وبحسب القديس يوحنا الدمشقي دخل الموت إلى العالم “مثل حيوان مفترس متوحش لكي يدمر حياة الإنسان”[6]. هذا تشبيه جميل جداً ويعبِّر بصورة حية عن الحقيقة بجملتها. في الواقع، يشبه الموت حيواناً متوحشاً غير مروَّض يتلف ويدمر حياة الناس. ونحن جميعاً نتذوق بحق وحشية الموت عندما يموت أحباؤنا.

يتكلم القديس غريغوريوس بالاماس بصورة تفصيلية وبدقة رائعة كما رأينا ذلك في رأيه الجوهري في موضوعنا. عندما سمعت حواء نصيحة الشيطان المكار “رأت, واشتهت, وأكلت, وماتت, وأغوت الرجل, وصنعت لها شريكاً في كل من الأكل والسقوط”[7].

وبالطبع عندما نقول أن آدم مات فإننا لا نعني أن الطبيعة البشرية قد دُمرت تدميراً تاماً. ولكن لأنه اختبر أولاً الموت الروحي، فإنه اختبر الموت الجسدي بعد ذلك, ولكن دون أن يؤول ذلك إلى عدم الوجود. لقد انفصل الإنسان عن الله، واهتز بهذه النتائج ولكن دون أن يُدَمَر كليةً. وكما يخبرنا القديس مقاريوس المصري بطريقة مميزة: “ومع ذلك نحن لا نقول أنه ضاع تماماً وأُبيد من الوجود ومات. لقد مات بمقدار ما اختلت علاقته بالله، ولكنه لا يزال يعيش في طبيعته”[8].

بعد سقوط آدم, ألبسه الله من خلال محبته وشفقته، أقمصة من جلد. إننا نرى في تعليم الآباء أن أقمصة الجلد هذه هي الفساد والموت الذي دخل جسد الإنسان بعد خطيته. ويتكون الفساد من الأمراض، والضعفات، وصعوبات الحياة الإنسانية، وكيفية الحبل به، والحمل به في الرحم، وولادته، وأخيراً مسيرته نحو الموت[9]. وفي الواقع تكون حياة الإنسان بجملتها  سلسلة من ميتات متوالية، فهي موت بطيء[10].

من الواضح مما قلناه حتى الآن أن سبب الموت ليس الله، ولكن الخطية التي ارتكبها الإنسان الأول في الفردوس بحرية إختياره. ولكن من الواضح في تعليم الآباء أن الله سمح بدخول الموت إلى الطبيعة البشرية من حبه ومحبته للبشر.

أول كل شيء، نستطيع أن نقول أنه على الفور بعد خطية آدم كان من المحتمل أن يموت الجسد أيضاً. لكن الله سمح له أن يعيش حتى بعد الخطية “مانحاً له طريقاً للتوبة” وإمكانية تحقيق حياة روحية[11]. وبالتالي أصبحت كل  الآلام المرتبطة بالفساد والموت فرصاً للاشتياق للحياة العليا ولتحقيق الشركة مع الله.

وبحسب القديس باسيليوس الكبير، سمح الله بالموت لكي لا يبقى الإنسان إلى الأبد في موت حي [12]. لقد بلورت الكنيسة هذه الرؤية في صلاة الحلّ التي يصليها الأسقف في خدمة الجناز. فهو يقول من ضمن أشياء أخرى أن الله في محبته لجنس البشر، ولكي لا يصبح الشر أبدياً خالداً، سمح لرباط النفس والجسد الغير قابلة للكسر أن تنحل بإرادته، أي أنه سمح للموت أن يحدث[13].

ينبغي علينا أيضاً أن نقول شيئاً عن مشكلة ميراث الموت، لأنه يوجد اختلاف على هذه النقطة أيضاً بين علم اللاهوت الغربي وعلم اللاهوت الشرقي. فبحسب المفهوم الغربي يكون توريث الموت هو توريث الذنب؛ كما لو كان كل شخص قد أخطأ في شخص آدم وبالتالي يكون كل واحد هو المتسبب في موته الخاص. ولكن في تعليم الآباء القديسين، لا يتعلق الأمر بتوريث الذنب ولكن بتوريث نتيجة خطية آدم والتي هي الفساد والموت. وبمقدار ما ضعفت الطبيعة البشرية بواسطة خطية آدم، بمقدار ما أصبح من الطبيعي أن كل شخص لكونه جزءاً لا يتجزأ من هذه الطبيعة لا يستطيع أن يهرب من الفساد الذي سيطر عليها. بالإضافة إلى ذلك، يوجد رباط لا ينحلّ بين كل الخطايا والأهواء من جهة، والفساد والموت من جهة أخرى. وبالتالي، ليس الموت نتيجة للخطية فقط ولكنه سبب لها أيضاً. ويأتي هذا القول الأخير من وجهة نظر أن الفساد والموت اللذين نرثهما من آبائنا يتسببان في تكوين الأهواء العديدة مثل التهاون، البخل، محبة المجد الباطل؛ وبوجه عام يتسبب الموت في وقوعنا في العديد من الخطايا[14]. إننا نستطيع بهذه الافتراضات أن نتكلم عن انتقال الموت وليس ببساطة عن انتقال الذنب كما يتمسك بذلك علم اللاهوت الغربي.

لقد تمسك أوغسطينوس، الذي كان له تأثير عظيم على علم اللاهوت الغربي النظري وعلى موضوع توريث الموت، بأننا نرث كل خطية آدم؛ على حين أنه من الواضح في تقليد الآباء أننا نرث نتائج الخطية التي هي الفساد والموت، وتنـتقل تلك عند ميلاد الجسد. وبحسب القديس يوحنا ذهبي الفم، يكون التوريث البيولوجي للفساد الذي دخل إلى الطبيعة البشرية لنسل آدم مبرراً. “وهو إذ صار فاسداً، هكذا أيضاً صار الأولاد الذين أنجبهم”. يقول القديس كيرلس السكندري نفس الشيء: “بعد السقوط في ذلك (الموت) أنجبا أطفالاً. ولكونهم ثمرة آتية من فساد، فإنهم أُنجِبوا فاسدين” [15]. وفي الحقيقة يشير القديس يوحنا ذهبي الفم إلى أننا نعمد حتى الأطفال “على الرغم من كونهم بلا خطية”، بحيث قد يُضاف “التقديس، والبر، والتبني، والميراث، والعضوية في أخوية المسيح، والصيرورة كمسكن للروح” [16].

لقد كان الهدف من تجسد المسيح هو تدمير الموت والخطية، وهزيمة الشيطان. وفي الحقيقة، اتخذ المسيح جسداً مائتاً وضعيفاً لكي يهزم الموت. فقد غلب الموت من خلال صلبه وقيامته، وأعطى الإنسان أن يغلبه هو نفسه في حياته الشخصية بعد أن يتحد به. ويتحقق هذا الهدف من خلال أسرار الكنيسة التي لا تحرر الإنسان مما يسمى الشعور النفسي بالذنب، ولا هي تستعطف الله عن خطية آدم، ولكنها تهزم الموت. إننا نصبح من خلال المعمودية أعضاءاً في جسد المسيح القائم، ومن خلال التناول المقدس من جسد ودم المسيح نتناول دواء عدم الموت. ليست النفس فقط هي التي تتحد بالله، ولكن الجسد أيضاً يتلقى شعوراً بهذا التغيير الداخلي وبتحول النفس. ويُرى ذلك بوضوح في رفات قديسي الكنيسة.

وبالطبع توجد حقيقة عميقة المعنى، وهي أنه حتى بعد المعمودية والتناول المقدس يبقى الموت. لأنه، كما يشرح القديس مكسيموس المعترف، ما حدث في حياة المسيح يحدث هنا أيضاً. ففي ولادة المسيح التي هي بلا خطية بقي فساد جسده من أجل غرض معين، وهو أنه بفضل آلامه المخلصة يستطيع أن يهزم الموت. وهكذا، تبقى طبيعة الشخص المعمد قابلة للهلاك بعد المعمودية ليس كعقاب لطبيعته الخاطئة، ولكن كوسيلة لإدانة الخطية والقضاء عليها [17]. يصبح الإنسان بواسطة المعمودية، ومن خلال حرية إرادته قادراً على محاربة الخطية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهلاك وموت جسده. ومن هذا المنطلق، يكون خلاص الإنسان عملية إلهية، ولكنه أيضاً تعاون بشري.

إن كل هذه الأمور التي قدمناها حتى الآن مذكورة بوضوح شديد في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية. ولكوننا لا نستطيع أن نقدم هنا تحليلاً مستفيضاً لكل ما يقوله الرسول، فسوف نؤكد باختصار على نقاط قليلة.

النص التالي هو الذي يقدم تلك الحقيقة: “فإني أُسَر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا”(رو7: 22-25).

لو درس أحد بعناية الإطار الذي قيلت فيه هذه الأشياء، فإنه سوف يقتنع بأن الرسول يشير هنا إلى زمن الناموس عندما كان يحاول من خلال ناموس الله أن يحرر نفسه من ناموس الخطية ولم يستطع. ولكنه نجح في ذلك بقوة المسيح المتجسد. وهكذا، نستطيع أن نرى هنا قيمة المسيح المتجسد بالمقارنة بناموس العهد القديم، وأننا نخلص ليس بطاعة الناموس ببساطة، ولكن بالإشتراك في قيامة المسيح في حياتنا الشخصية.

من الواضح في النص الذي استشهدنا به أن الإنسان الباطني يخدم ناموس الله ويُسر به، مما يعني أنه يقتني الصلاة الداخلية والاستنارة النوسية. ونحن نعلم جيداً أن رجال العهد القديم الأبرار اقتنعوا أيضاً بالصلاة الداخلية. فالإنسان يتنقى من الأهواء بواسطة الناموس ويصل لتذكر الله الدائم.

ولكن بينما يُسَر الإنسان الباطني بناموس الله فإنه في نفس الوقت يشعر بناموس الخطية في أعضائه. وناموس الخطية هذا هو الفساد والموت الذي خلق فرصاً للخطية لكي تأخذ اليد العليا. تساعد الأمراض، والضيقات، وعملية الموت ورحلته أهواء النفس على التعبير عن نفسها على عكس الطبيعة، كما أنها تعطي الشيطان فرصة لكي يشن حرباً ضد الإنسان. وهذا هو بالضبط ما يتحمله القديسون. ولذلك يعبر الرسول عن مراثي كل أناس العهد القديم الأبرار الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطان الموت وغير قادرين على تحرير أنفسهم بواسطة الناموس عندما قال: “ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت”.

يأتي هذا التحرر مع تجسد المسيح ومع آلامه وقيامته التي يختبرها الإنسان في الكنيسة التي هي جسد المسيح. وهذا هو السبب الذي يجعله محتاجاً إلى تقديم الشكر القلبي لله. ثم بعد ذلك يقول الرسول: “لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت”(رو2:8). فالمسيح فعل ما لم يستطع الناموس أن يفعله بإدانته الخطية والموت في جسده (رو 3:8) وبالتالي صار الإنسان ودُعي “روحانياً”.

ولكي نكمل موضوع الموت ينبغي علينا أن نقول أن الموت لم يُخلَق بواسطة الله، بمعنى أن الإنسان لم يُخلَق من قِبَل الله ككيان مائت. ولكن الموت دخل إلى الطبيعة البشرية كدخيل بعد خطية آدم من خلال صبر ومحبة الله. لأنه بفضل الموت لا يستطيع الشر أن يبقى خالداً وأبدياً. الموت يُوَرَث بسبب ضعف الطبيعة البشرية وليس كذنب الإنسان وكعقاب الله. وفي الوقت المعين، ومن خلال تجسد ابنه، أعطى الله للإنسان إمكانية القضاء على الموت. لقد تم القضاء على الموت الروحي أولاً عندما اتحد الإنسان بجسد المسيح القائم بواسطة الأسرار، ثم بعد ذلك تحرر من الموت الجسدي أيضاً.

 

  1. See John Romanides: The Ancestral Sin, ed. Domos 1989 (Gk(
  2. Ibid. p. 7f.
  3. Gregory Palamas: Homily 16. EPE 9, p. 434ff (GK(
  4. Second Century on Love, 93, Philokalia 2, ed. Faber, p. 81.
  5. John of Damascus: The Orthodox Faith, BK, 2, 28. FC37, p. 259.
  6. Ibid. BK. 3, 1, p. 268.
  7. Gregory Palamas: Homily 40, EPE 10, P. 542 (GK(.
  8. Macarius of Egypt: Homily 12, 2, CWS p. 97.
  9. See Panagiotis Nellas: Deification in Christ, p. 48, etc.

10.  Georgios Mantzaridis: Palamika, p. 49. (GK), cf. Mantzaridis: The Deification of Man, SVS 1984, pp. 22ff.

11.  Gregory Palamas: To the nun Xenia, Philokalia 4, p. 299.

12.  Basil the Great. Homily: That God is not the cause of evils, PG. 31, 345 ab.

13.  Mikron Euchologion, Apostolic Diaconate 1972, p. 213. (GK), cf. Service book, comp. I. F. Hapgood, 4th ed., p. 366

14.  See Romanides op. cit. p. 158ff (GK(

15.  – Theodorou Zisi: Man and world in God’s economy according to John Chrysostom, Thessaloniki 1971, p. 120 and  note 7 (Gk(

16.  Ibid. p. 119.

17.  Artemiou Rantosavlievits: The mystery of salvation according to Maximus the Confessor, Athens, 1975, p. 109 (GK(

في الأب الشهيد باسيليوس نصّار

في الأب الشهيد باسيليوس نصّار

د. عدنان طرابلسي

قالها مرة قديسنا الأنطاكي إغناطيوس: “ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أفضّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة… قربت الساعة التي سأولد فيها… من سوريا حتى رومية، في البر والبحر، في الليل والنهار، وأنا أصارع الوحوش… إني أتوق للوحوش التي تنتظرني. إني أضرع لتنقضّ عليّ سريعاً… اتركوني فريسة للوحوش… اضرعوا إلى المسيح حتى يجعل من الوحوش واسطة لأكون قرباناً لله”. واليوم، ومن الكنيسة الأنطاكية ثانية، يقدّم الأب باسيليوس نصّار ذاته قرباناً للمسيح، بواسطة الوحوش التي قتلت مرة إغناطيوس، والتي تقتل اليوم باسيليوس، والتي قتلت كل قديس وقديسة بينهما.

أي قربان أقدس من جسد يخترقه الرصاص عندما يسارع إلى نجدة أخيه الإنسان، وأي ذبيحة أطهر من محبة لا تعرف الأثَرَة أو الأنانية، فتنطفأ لتُنير للآخرين الطريق؟ أي دم أذكى من دم كاهن أراق دمه محبة بدم المسيح، وخَبَز جسده في سبيل عضو من أعضاء جسد المسيح؟

الأب باسيليوس فاق السامري الصالح، الشفوق. فالسامري قدّم حناناً ومحبة ومالاً لإنقاذ المنكوب على قارعة الطريق. واليوم، يقدّم الأب باسيليوس جسده ودمه، روحه وحياته، أغلى ما يملكه، لإنقاذ منكوبٍ على قارعة طريق. حقاً، ليس حب أعظم من هذا: أن يبذل المرء نفسه في سبيل أحبائه.

هذا هو الكاهن: إنه مَن يقدّم جسده ودمه في سبيل أحباء المسيح، قبل أن يقدّم جسد المسيح ودمه على المائدة المقدسة. إنه مَن يشهد كل يوم، في كل قول وفكر وفعل، لرب الأرباب وإله الآلهة. والشهيد شاهد حي لا يموت، كاهن أبدي لا يكلّ ولا يملّ. إنه صورة عن المسيح، الكاهن الأزلي. إنه حيٌّ بالمسيح، وإن تكلّل بالشهادة للمسيح غسل ثيابه الأرضية في دم الخروف، وتسربل الثياب البيض، ومَثُل أمام عرش الله، يخدمه نهاراً وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحلّ فوقه. هذا هو الكاهن الشاهد والشهيد: إنه لا يجوع ولا يعطش، لأن الخروف يرعاه كما كان هو يرعى خاصّة الخروف السماوي على الأرض؛ والخروف يقوده إلى ينابيع ماء حية، كما كان هو يقدّم لعطاش الخروف السماوي كأس الماء البارد، الذي به نخلص؛ والخروف يمسح كل دمعة من عينيه وعيون أحبائه، كما كان الكاهن يمسح آلام أحباء المسيح ويضمّد جراحاتهم ببلسم المحبة والرأفة (رؤ 7: 12-17)

أنطاكية لم تبخل يوماً بشهيد، بقديس، بكاهن، بمرنّم، بلاهوتي، بمتبالهٍ، وبمسيحي. لم تبخل بشيء أبداً. كانت دائماً السبّاقة إلى العطاء والتضحية وبذل الذات في سبيل مَن أمامه يذوب كل ثمين ونفيس. ولهذا السبب تكاثرت الوحوش في أنطاكية. ولكن النعمة كانت الأولى دائماً. إيليان الحمصي اعتبر الآب السماوي، لا أبيه الجسداني، هو وحده مَن يستحق أن نعيش له، ونموت من أجله. يوحنا الذهبي الفم قدّم كل شيء يملك في سبيل كهنوته، إلى أن أسلم الروح في المنفى ليصير في الوطن السماوي. سمعان الحمصي تباله أمام العالم ليعرف المسيحَ وليعيش له وحده. مكسيموس المعترف لم يبخل بلسانه ويده في سبيل اعترافه بالحق الأبدي. رومانوس الحمصي المرنّم لم ينفكّ مرنماً ومنشداً ومسبحّاً مَن لا تنقطع ملائكة السماء على تسبيحه. يوحنا الدمشقي وصل السماء بالأرض بتسابيحه اللاهوتية وصلواته النسكية. بطرس الدمشقي قدّم كل ما يملك فصار ناسكاً ومعلّماً محبة بمعلّمه. أندراوس الدمشقي أنشد ووعظ في العذراء واللاهوت، فلم يبخل. سمعان العمودي صار شعلة عمودية وصلت إلى قديسي السماوات، حيث كان يتوق أن يكون، فكان.

الأب باسيليوس أراد أن يعطي كما أعطى المسيح، جسداً ودماً، محبة وتضحية. سار على خطى القديس يوسف الدمشقي. فلم يرَ سوى الآخر، سوى المجروح والمتألم والمهان، لم يرَ سوى المسيح في النازف، فشاء أن تسيل دماؤه لتروية المجروح، وأن يقدّم روحه لإراحة المحتضر. نسي ذاته ليذكر الآخر؛ نسي أين هو وكيف هو، لأنه لم يرَ أمامه إلا مسيحاً آخر مصلوباً، ليس على خشبة الصليب هذه المرة، بل على قارعة رصيف تشبّع إرهاباً وقتلاً ودماً وحزناً. أرادت الوحوش أن تنحر السلام في بيت السلام، وأن تقتل الشهداء في أرض الشهداء. لم تعلم هذه الوحوش أنه في الألم نحن نكبر، وفي الحزن نحن نفرح، وفي الشدائد نحن نرتاح، وفي الصليب نحن نعيش، وفي الموت نحن نقوم. ففي هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا أولاً، فأحببناه لاحقاً، لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد.

هذا هو الكهنوت الحقيقي: الكهنوت الذي على صورة كهنوت يسوع المسيح. حقاً مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. كلما أعطينا كلما اغتنينا، وكلما نقصنا كلما كبرنا. فهل أراد الأب باسيليوس أن يُري كل شماس وكل كاهن وكل مطران في أنطاكية كيف تكون أبجدية الكهنوت المسيحي، وكيف تُقام هذه الخدمة الرسولية المقدسة؟ هل أراد أن يلقننا درساً في التجرّد والإخلاء من كل شيء، كما أخلى المسيح ذاته على الصليب، حبّاً بنا؟ لقد فعل، وأجاد في ما فعل. لقد خسرنا كاهناً على الأرض وربحنا قديساً في السماء. خسرنا إنساناً على الأرض وربحنا ملاكاً في السماء. خسرنا أباً على الأرض وربحنا شفيعاً في السماء. هكذا تكون المحبة المسيحية، وليس ما نتبجّح به من كلمات وحروف. هكذا هي التضحية المسيحية، وليس ما نتعلّمه في المعاهد والجامعات. هكذا تكون خدمة السامري الصالح، وليس ما نجترّه من أقوال وقصص وأمثال.

ألم يقل الرسول العظيم بولس: “لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته”؟ (رو 14: 7). الأب باسيليوس لم يعش لذاته، وهو الذي نذر خدمة يسوع في كل شخص وفي كل مكان. نذر الرهبنة المقدسة، فصار عذراء عفيفة للمسيح، عذراء أخلصت وأبقت زيت مصباحها مشتعلاً، ففتح المسيح لها الأبواب، وأدخلها في ملكوته. “فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن”. وهل يستحق الرب أقل من هذا؟ مع ذلك فالقلة النادرة هي مَن تستطيع أن تُظهر كلام بولس في حياتها، وفي موتها. باسيليوس نصّار فعل هذا، في حياته وفي موته، لأنه كان من هذا القطيع الصغير، القطيع الذي لا يخاف ولا يرهب. فعاش للرب ومات للرب. فالمحبة لا تطلب ما لنفسها. لهذا السبب لا تسقط المحبة أبداً. إنها، كالأشجار، تستشهد واقفة، وإن ماتت، قامت من الأموات لتحيا وتُحيي معها الكثيرين.

هكذا هم المسيحيون دائماً وأبداً. يعيشون كمجهولين وهم معروفون، يظهرون كمائتين وهم يحيون، يبدون حزانى وهم فرحون، فقراء ولكنهم يغنون كثيرين، كأن لا شيء لهم، وهم يملكون المسيح، يملكون كلَ شيء. الأب باسيليوس كان فقيراً فاغتنى وأغنى. كان مجهولاً في حياته، فعرفه الناسُ في مماته، وعرّف الناسَ مَن هو المسيح. كان لا يملك أي شيء، فصار الآن يملك كل شيء، صارخاً: في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبّنا. وفي هذه جميعها يكمل فرحنا في الذي أفرحنا.

ليت أنطاكية تخرج من أتونها، من ليلها، ومن ظلامها. ليتها تتغلب على وحوشها، قبل أن تأتي الساعة الأخيرة. لم تركع أنطاكية يوماً ما، ولن تركع. ومهما طال ليل الخطيئة، فلا بد لنهار البرّ والقداسة أن ينبلج. الرحمة العظمى هي ما نطلب، وعظيمةٌ هي رحمة الله. إنها يمٌ لا حدود له. ومهما طال الليل، ليل الظلم، والخطيئة، وليل القتل والتآمر، ليل الإسخريوطي وألف اسخريوطي، ليل خفافيش الخطيئة السوداء، فلا بد لنهار القيامة ولنور القيامة أن يغمرا الكون. فالمسيح قام من الأموات، ولم يبق ميتٌ في القبر. المسيح قام من الأموات فلا نعد بعد نخاف الموت. المسيح قام من الأموات فلنفرح ونتهلّل: إنه هو فرحنا وحياتنا، أصلنا ومآلنا، بدايتنا ونهايتنا. لقد صار الراقدون مواطنين في الفردوس السماوي، حيث لا تنهد، ولا حزن، ولا بكاء، ولا دم، ولا توجع، بل المسيح هو الكل في الكل. له المجد والشكر والسجود إلى الأبد. آمين!

عيد نقل رفات العظيم في القديسين يوحنا الذهبي الفم

27 كانون الثاني 2012

أخلاقيات عمل الخير في الكنيسة

أخلاقيات عمل الخير في الكنيسة

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

 

يتساءل الناس، في أوقات الأزمات الاجتماعية، عن عمل الكنيسة والتزامها العمل من أجل المجتمع، وخاصة من أجل الذين يعانون. مع ذلك، هم يتجاهلون أن الكنيسة، بحكم طبيعتها ووجودها، تحمل اهتماماً ثابتاً بالناس، وتقدم نفسها ضحية على مذبح المحبة. والمقصود من الأفكار التالية هو إظهار أن الكنيسة ينبغي ألا تنتظر تشجيع الناس للقيام بعملها الخيريّ.

 

1. العمل الخيري والعمل الاجتماعي

من واجب الدولة ذات الحكم الجيد أن تهتمّ بالاحتياجات المالية للناس، وبالحد من الفجوة القائمة بين مَن معهم ومن ليس معهم. هذا التزام أساسي من جهة الدولة تقتضيه العدالة. فمن غير الممكن أن يسود عدم المساواة في المجتمع والناس. فأغلب الناس يرغبون في العمل ولا يسعدون بالبطالة والحرمان من الضروريات. الرعاية الاجتماعية لازِمة للأشخاص العاجزين عن العمل، ولكن ليس لأولئك الذين يستطيعون العمل ولا يريدونه.

من جهة أخرى، لا ينبغي أن يكون اهتمام المجتمع بالفقراء وقفاً على تعاطف الناس، بل يجب أن تسود العدالة. الناس بحاجة الى المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص في العمل والبقاء على قيد الحياة الاجتماعية. ضمن هذا الإطار يجب أن تكون الرعاية الاجتماعية المتكاملة. لكن عمل الكنيسة في البشر لا يتوقّف عند هذا المحتوى الاجتماعي للرعاية، بل يمتد إلى مستوى عمل المحبة. هناك فرق بين العمل الاجتماعي والخيري. الأول (الاجتماعي) يهدف إلى تلبية بعض الاحتياجات المادية والجسدية للبشر، في حين أن الثاني (عمل الخير أو المحبة) يمتد إلى الإنسان الذي يتكوّن كله من روح وجسد. عمل المحبة ليس مجرّد تقديم المساعدة والملابس الجاهزة، بل هو حب العطاء والحنان والمحبة والتضحية الشخصية والخير لإعطاء الأمل والتفاؤل في الحياة وإعطائها معنى مرتبط بالمسيح.

 

2. الأنانية، الإحسان ومحبة الله

لا ينتمي عمل الخير في الكنيسة إلى الفكر الاجتماعي، ولكنّه تقليد لمحبة الله للناس، وتعبير عن كامل حياة الكنيسة. وهذا يعني أن أولئك الذين يدركون محبة الله للانسان، ويفهمون التجسّد والصليب، لا يمكن ألاّ يتأثّروا بالمأساة التي يعيشها كل فرد، ولا يمكن أن لا يقوموا بشيء من وهب الذات الذي قام به المسيح.

إن أساس الحياة الكنسية هو الإفخارستيا المقدسة، فهي سرّ محبة الله للإنسان وفيها يعبّر الإنسان عن حبه لله. عندما يمارس الإنسان العبادة يمكنه أن يشعر بسر التقدمة التي أخلى فيها المسيح ذاته، ويتعلّم المناسبة التي يوفّرها الفداء. لهذا، الأخلاقيات الإفخارستية هي أسلوب حياة يقوم على العطاء للآخرين. فالعلاقة والشركة مع الإخوة هي في صلب محبة الله للإنسان.

لكي يكون الإنسان قادراً على المحبة والعطاء لله وللإخوة يجب أن يكون متحرراً من الأنانية. توسّع القديس مكسيموس المعترف في وصف أن الأنانية هي أمّ كل الأهواء، ويمكننا القول أن الأنانية هي جذر كل الشرور التي تعاني منها المجتمعات الحديثة. إنها أعظم الأهواء التي تسود اليوم في مجتمعاتنا، وتأتي من بعدها كلّ الشرور: “تسكن الأنانية في هوى الجسد”. إن المحبة غير العقلانية للجسم والرغبة في تلبية كل رغباته هي هوى الأنانية. الأنانية هي أم الخطايا، كالشراهة والبخل والغرور والكراهية للآخرين. الى هذا، يعلّم القديس مكسيموس أنّ الكبرياء متى ارتبطت بشكل وثيق بالأنانية تؤدّي إلى كراهية البشر، أمّا عند القضاء على الأنانية فتقود نحو محبة الله وعمل الخير.

على الرغم من أن كل مجتمع منظم ينشئ مؤسسات لتحقيق التوازن بين الظواهر الاجتماعية، ولعدم السماح بأن يصل الأشرار إلى الثراء أو الفقراء إلى الجوع، إلا إن المجتمع الحديث لا يعاني من نقص في النظم والمؤسسات ولا يعاني من قلّة في الأفكار الجيدة والنظريات، إنّما يعاني من أفراد يحبون أنفسهم ويستغلون كل الظروف لإرضاء حب الذات.

تهتمّ الكنيسة في مجمل لاهوت الرعاية بعلاج الإنسان من الأنانية، وهكذا يكتسب الإنسان الورَع والصلاح ومحبّة الله، لا لأن قوانين الدولة تستدعي ذلك ولا لأنّ المجتمع يحتاج إلى الصلاح بقوّة، بل لأنه يشعر بأنّها ثمرة محبة الله والناس.

من ضمن هذا المنظور، ينبغي أن تُفهَم الأعمال الخيرية التي تبذلها الكنيسة، وهذا شيء عظيم حقاً، لأن الكنيسة هي أكبر المؤسسات الخيرية في أغلب البلدان. والأهم من ذلك، أنّ الكهنة، على أساس لاهوتي، يحرّكون “جيشاً سلميّاً” من المتطوعين الذين يقدمون أنفسهم ومواهبهم وإلهامهم للعمل الخيري في الكنيسة. كل الذين يقومون بالأعمال الخيرية في فضاء الكنيسة يعملون تطوعياً، حبّاً بالله والانسان، مضحّين بوقتهم ومواهبهم، وأحياناً كثيرة بممتلكاتهم لخدمة الناس المحتاجين.

 

3. حول الإحسان

تكلّم آباء الكنيسة عن فضيلة الإحسان وحثّوا المسيحيين على ممارستها، لأنّها تفيدهم أنفسهم كما تفيد الآخرين. هذا الموقف لا يستند إلى أي إيديولوجيا اجتماعية بل فقط إلى اللاهوت، إلى خبرة محبة الله للناس. المسيح نفسه، كما يظهر من الأناجيل المقدّسة، يحثّ الشعب من خلال التعليم والحياة على مساعدة الفقير والمحتاج. لنتذكّر المثال الشهير عن لعازر والغني، الغني الجاهل، والعظة على الجبل حيث يشير إلى عمل الإحسان وعلى سلطة الأغنياء. أيضاً، لنتذكّر أنّه هو نفسه في مثال آخر امتدح الغريب السامري والمرأة الكنعانية. ولنتذكّر معجزة تكثير الخبزات الخمس. إن حياة المسيح بمجملها كانت حياة إحسان، وعطاء محبة للشعب، ليس فقط لمواطنيه، بل لغير المؤمنين والغرباء أيضاً. هذا الطريق اتّبعه الرسل وآباء الكنيسة. لم يكن الأمر بالنسبة لهم مجرّد تعليم، بل هو المحبة التي ينبغي الالتزام بها كلياً. فهم أنفسهم، كما يظهر خاصةً لدى آباء الكنيسة العظماء، اتّبعوا المثال الحَسَن فوزّعوا أولاً ممتلكاتهم للفقراء ومن ثمّ صاروا رهباناً وكهنة. وهكذا، بالممارسة أظهروا انعتاقهم من الأنانية والطمع.

من أهم الأرضيات التي يُبنى عليها هو عمل للقديس غريغوريوس اللاهوتي “حول الإحسان”. يتكلّم القديس غريغوريوس عن محبة الفقراء ويحثّ المسيحيين على الانخراط في هذه الرياضة الروحية. لا يقوم تعليمه على الشفقة البشرية أو الإنسانية بل على نقطتين لاهوتيتين:  الأولى هي أنّ العالم هو خليقة الله. فالله كخالق، له الحقّ الحصري على العالم، لكنّه أعطى البشر الحق باستعمال هذا العالم. فالبشر هم أبناء الله وحقوقهم متساوية في الممتلكات الأبوية. هذا كان في الفردوس قبل السقوط، إذ كان كل شيء مشترَكاً، السماء والأرض والشجر وغيرها. لكن بعد دخول الخطيئة بدأ ادّعاء الملكية. لذا ينبغي توجيه الإنسان الآن، كما يقول القديس، إلى المساواة الأولى بدل الانقسام اللاحق. النقطة الثانية هي اننا عندما نساعد إخوتنا، نقدّم بالواقع محبتنا إلى المسيح نفسه، لذا الإحسان هو عمل لاهوتي وليس مساهمة اجتماعية وحسب. نحن نرى المسيح في كل إخوتنا البشر. في هذه العظة المهمة من عظات القديس غريغوريوس اللاهوتي، بعض العبارات التي تظهِر مدى وقوة الإحسان الذي يُمارِس عِبْر الكنيسة على يد مسيحيين حقيقيين، وسوف نشير إلى البعض منها.

لا يمكننا أن نجمّع الثروات ونحفظها فيما الآخرون يعانون من المرض والعَوَز. تظهر محبة الإخوة عندما يكونون في المعاناة. إن تركّز الخيرات في مكان واحد فيما الآخرون يحتاجون هو انتقاص للمحبة المسيحية على حساب المحبة الإخوة.

من هنا أن مال الكنيسة يجب أن يكون لإطعام الفقير، وكل سعي إلى جمع المال والطعام واللباس يجب أن يكون في هذا الاتجاه، أي الرأفة والخير. لذا يوصي القديس غريغوريوس بألا يعبر الإنسان بأخيه الإنسان من غير اهتمام وألا يشيح بوجهه عنه وكأنه لعنة، لا بل ينبغي أن يكون عمل الإحسان موجهاً لكل إنسان على هامش المجتمع، خاصةً غذا كان الآخرون يبتعدون عنه. ويعطي مثل البرص الذين كانت عائلاتهم تطردهم وتتخلّى عنهم لأن مرضهم كان معدياً. وهو يشجع المؤمن بأن يعطي الطعام والدواء ويداوي الجراح ويهتمّ بمن هو في ضيق، مشدداً على الصبر ومقاربة الحاجة بشجاعة. هذا يشير إلى أن الإحسان متنوّع يمكن ممارسته بالخيرات المادية كما بالتعليم والاهتمام الشخصي. الإحسان ليس كمية من المال محدداً كما لراتب أو منحة لغذاء، فحاجات الإنسان لا تقتصر على الماديات بل هي فكرية وروحية ونفسية أيضاً. لذا يقول القديس “إن لم يكن لديك ما تعطيه للفقير، أعطِه إرادتك، ابكِ من أجله، لأنّ العطف الذي يخرج من النفس هو دواء له في مصيبته”. لذا لا يبرر المرء نفسه بأن ليس لديه ما يعطي لأخيه. هذا العطاء الذي يُعَبَّر عنه بالدموع هو دواء للحزانى لأنه يعكس حالات المحتاجين. وبما أن حاجات الناس تتنوّع، منهم الأرامل والأيتام والغرباء والمضطهَدين والمسافرين، فإن إعطاءهم المحبة وزيارتهم والتخفيف عنهم هو عطاء عند الله وليس في العالم وحسب.

إن تعليم القديس غريغوريوس هو مثال عن الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية التي ترى وجه المسيح في وجوه الغرباء والفقراء الذين إذ نساعدهم نساعد المسيح. من هنا يكتسب الإحسان فحوى لاهوتية ولا يبقى عملاً عاطفياً وحسب.

 

4. الجماعة العلاجية

مركز الحياة في الكنيسة هو الصلاة والتعليم. من هنا أن الصلاة والإيمان والإفخارستيا تغذي المسيحيين الذين في الكنيسة. مع هذا، ليست الإفخارستيا حدود الحياة الكنسية بل هذه الحياة تمتد لتلامس مجمل أوجه حياة المسيحيين، وحتّى الحاجات المادية منها. لا يصحّ أن يشارك المؤمن الآخرين بالجسد الإلهي ولا يشاركهم بما هو دون ذلك، أي الخيرات الأرضية. فالمسيحي لا يمكن أن يكون يتيماً لأن أباه هو الله، ولا هو الولد الوحيد لأن لأبيه أولاد كثيرون. لقد أحسّ المسيحيون الأوائل بأن أخوّتهم في المسيح، لذا “كان كل شيء مشتركاً” من الطعام إلى الممتلكات. لتحقيق هذا الهدف عاشوا كجماعة، وقد كانت جماعة علاجية. هذا يظهر من كتاب الأعمال حيث يقول: “كَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا” (32:4). ولهذا يتابع قائلاً: “لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ.” (34:4-35). هذه معلومة مهمّة، أن آلاف المسيحيين الذين كانوا في أورشليم لم يكن بينهم فقير ولا هم تحدّثوا عن ملكية خاصة. أهمية هذه المعلومة هي وجوب أن تكون معياراً بالنسبة لنا في هذه الأيام.

ما يزال بعض المسيحيين يعيشون هذه الحياة المشتركة بشكل مختلف. المقصود هنا هو الأديار حيث يتخلّى الرهبان عن ملكياتهم الخاصة ويتذوق الزوار هذه الحياة المشتركة. لكن الكنيسة، بتوزعها إلى أبرشيات ورعايا، ما تزال تحتفظ بهذه الصفة الجماعية التي تحمل بطبيعتها إمكانية أن تكون جماعة علاجية. ففي الرعية المتماسكة يمكن أن يجد الإنسان سداً لكل حاجاته المادية والنفسية والروحية.

نحن في زمان يريد أن يتعامل مع الإنسان على أنه كائن اقتصادي، ولهذا تستمر الأزمة الاقتصادية وتتسع. لكن خبرة الكنيسة تقول غير ذلك، اي أن الإنسان كائن لاهوتي وحاجاته ليست المادة وحسب، بل جوعه وعطشه الحقيقيان هما إلى الله. صحيح أن على الدول مسؤوليات كثيرة نحو شعوبها لكن هذا لا يعفي الإنسان من أن يهتمّ لكل شخص وعائلة وأزمة اجتماعية وأن ينمو في الإحسان والتعاطف مع إخوته وغيرهم من المحتاجين. إن الإنسان الذي يرغب في ان يقلّد المسيح والرسل والآباء، لا بد من أن يكون كريماً، خاصةً إذا كان من الإكليريكيين. والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات والجمعيات وعلى رأسها المسماة على اسم الكنيسة أو التابعة لها.

القطيع الصّغير والكنيسة الحيّة

القطيع الصّغير والكنيسة الحيّة

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

الكلام، هنا، يا إخوة، على القطيع الصّغير. الحقيقة أنّ الواحد منّا، كلّما وقف بإزاء هذا التّعبير، تساءل: لماذا الكلام على القطيع الصّغير، والرّبّ الإله سبق أن وعد إبراهيم، قديمًا، وكذلك إسحق ويعقوب، ومن ثمّ داود النّبيّ، بأن يكون ميراثهم إلى الأبد، وأن يملأ نسلُهم الأرض؟! الموضوع لا يبدو موضوع عدد. لهذا، علينا أن نبحث عن المعنى في غير مكان.

قبل العام 312 للميلاد، حين استصدر قسطنطين الملك قرارًا سمح فيه للمسيحيّين بأن يتعاطوا مسيحيّتهم في العلن بحماية الدّولة، ومن دون أن يزعجهم أحد؛ ثمّ، بعد ذلك، لمّا صارت الأمبراطوريّة مسيحيّةً؛ حتّى ذلك الوقت، كان المسيحيّون في ازدياد. ومع ذلك، كانوا قطيعًا صغيرًا. عندما نقرأ، في السّنكسار، سير بعض الشّهداء، نلاحظ أنّ هناك أرقامًا كبيرة لشهداء قُتلوا، هنا وهناك، قبل القرن الرّابع للميلاد. مثلاً، شهداء سبسطية الأربعون، الّذين كان ذوو القدّيس باسيليوس الكبير أوّلَ مَن أبرزهم وبنى لهم كنيسة على اسمهم. كانوا أربعين شهيدًا، وكانوا من العسكر ويحملون السّلاح. إذًا، كان بإمكانهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يقاتلوا؛ ومع ذلك، لم يفعلوا، بل التزموا الوصيّة الإلهيّة: “مَن يأخذ بالسّيف، بالسّيف يُؤخَذ”، و”كونوا حكماء كالحيّات، وودعاء كالحمام”، و”تعلّموا منّي، فإنّي وديع ومتواضع القلب”. العنف، بالنّسبة إلى المؤمنين، بخاصّة في المرحلة الأولى الّتي أتكلّم عليها، لم يكن واردًا. وفي بعض المناطق المسيحيّة، كشمال إفريقيا، مثلاً، يتكلّم المعلّم ترتليانوس على امتناع المسيحيّين عن الاندراج في الحياة العسكريّة. إذًا، في بعض الأوساط المسيحيّة، لم يكن المؤمنون ليخدموا في الجيش. وهذا لأنّ موضوع العنف كان محسومًا، بالنّسبة إليهم. الّذي قال: “أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم…” لم يسمح لنا بأن نأخذ السّيف، بل قال لبطرس: “ردَّ سيفك إلى غمده!”، أي “ليس بإمكانك أن تتعاطى القتل”. من هنا، المسيحيّون، في المرحلة الأولى، أي في القرون الثّلاثة الأولى، ما كانوا في وارد خوض المعارك العسكريّة. في هذه الحال، إذا كان عدد المسيحيّين مئة ألف، وإذا كان عددهم عشرة؛ فمن حيث القوّة العسكريّة، هم صفر، هم قطيع صغير؛ لأنّهم لا يقابلون الشّرّ بالشّرّ، ولا يواجهون العنف بالعنف. الموضوع ليس موضوع عدد، بل موضوع تسليم كامل للرّبّ يسوع المسيح. إذًا، موضوع القطيع الصّغير هو موضوع إيمان، لأنّ التّسليم هو إيمان. المؤمن بالرّبّ يسوع يسلمه أمره بالكلّيّة؛ لا يبحث عن حقّ له، بين النّاس؛ ينصفه الله، أو لا يطلب إنصافًا في هذا الدّهر؛ يحفظه الرّبّ الإله، أو لا يهتمّ بأن يكون مصونًا محفوظًا بالعنف والقوّة في هذا الدّهر. لهذا السّبب، المسيحيّون كانوا، وما زالوا، قطيعًا صغيرًا. بالمعنى الإيمانيّ العميق، هم قطيع صغير! في القرون الثّلاثة الأولى، عندما كان المؤمنون يسلكون كقطيع صغير، نجحت المسيحيّة، وازدهرت الكنيسة ازدهارًا كبيرًا جدًّا. وتعلمون القول الّذي قاله المعلّم ترتليانوس الإفريقيّ: “بذار الكنيسة دماء الشّهداء”. هذا القول كان، بالنّسبة إليهم، دستور حياة.

إذًا، الخصب الحقيقيّ، في كنيسة المسيح، كان، بصورة خاصّة، في القرون الثّلاثة الأولى. بعد ذلك، صارت الأمبراطوريّة مسيحيّة، وتغيّرت المفاهيم إلى حدّ ما، وأحيانًا إلى حدّ بعيد. صار هناك مفهوم جديد لم يكن موجودًا أصلاً: الأمبراطوريّة المسيحيّة. نحن نعرف أنّ الرّبّ الإله تكلّم على ملكوت السّموات، ولم يتكلّم على أمبراطوريّة مسيحيّة، ولا على ممالك مسيحيّة. لهذا السّبب، كلّ الممالك ذات الطّابع المسيحيّ، أو المعتَبَرَة مسيحيّة، من أوائل القرن الرّابع للميلاد، أقلّه حتّى سقوط القسطنطينيّة في الشّرق، وحتّى زمن متقدّم في الغرب، أقول إنّ كلّ الممالك المسيحيّة، من دون استثناء، باءت بالفشل. الأمبراطوريّة البيزنطيّة كانت هي الأمبراطوريّة بامتياز، في العالم. لكنّ المشكلة الكبرى كانت أنّ روحيّة القطيع الصّغير صارت غير موجودة، بعد القرن الرّابع للميلاد، إلاّ في الأديرة. الرّهبان، بصورة عامّة، استمرّوا يسلكون كقطيع صغير. لهذا، عمليًّا، هم سلالة الشّهداء الأوائل، الّذين قدّمتهم الكنيسة المقدّسة في القرون الثّلاثة الأولى، وفي فترات مختلفة، هنا وهناك، في التّاريخ. لكن، بصورة عامّة، ما سيطر على المناخ التّاريخيّ المسيحيّ هو روح القطيع الكبير، لا الصّغير! المسيحيّون، بحجّة الدّفاع عن الكنيسة وعن المؤمنين وعن المكتسبات والكنائس والأديرة، وجدوا أنفسهم في وضع قتاليّ في تعاملهم مع غير المسيحيّن. وأحيانًا، وجدوا أنفسهم – وهذا أكثر إيلامًا – في وضع تقاتل فيما بينهم! المسيحيّون صاروا، عمليًّا، مضطهَدين، لا فقط من غير المسيحيّين، بل من المسيحيّين أنفسهم. مَن يمكن أن يتصوّر، مثلاً، أنّ الأمبراطور البيزنطيّ موريس، في القرن السّادس للميلاد، أنزل العسكر إلى مدينة الإسكندريّة؛ وقتل، في يوم واحد، خمسين ألف مسيحيّ؛ لأنّهم كانوا على عقيدة الطّبيعة الواحدة؟! طبعًا، الإنسان، متى خرج من روحيّة القطيع الصّغير، بإمكانه أن يبرّر نفسه بطريقة أو بأخرى. الرّهبان، مثلاً، في الأمبراطوريّة البيزنطيّة، تعرّضوا للاضطهاد بشكل مخيف. لعلّكم لا تعلمون أنّ الرّهبان، بخاصّة، بين القرنين الثّامن والتّاسع للميلاد، تعرّضوا للاضطهاد بسبب تمسّكهم بإكرامهم للأيقونات. هذا كان في بداية القرن الثّامن للميلاد، تقريبًا. بعد العام 725، في القرن الثّامن، في الحقيقة، تعرّض الرّهبان وتعرّضت أديرتهم لاضطهاد فظيع: طُردوا من أديرتهم، وأودعوا السّجون بأعداد كبيرة جدًّا، وحاول الأباطرة أن يرغموهم على الزّواج. في تلك الفترة بالذّات، فرّ إلى الغرب حوالَي خمسين ألف راهب، اتّقاءً للظّلم والاضطهاد في الأمراطوريّة البيزنطيّة. لِمَ كلّ ذلك؟!

في نهاية المطاف، بعد كلّ الموبقات الّتي مورسَت، في كنيسة المسيح، أو باسم كنيسة المسيح، سقطت الأمبراطوريّة البيزنطيّة! على الرّغم من كلّ قوّتها، ومن كلّ عظمتها، ومن كلّ اختراعاتها، سقطت، وسقطت كلّ الممالك والأمبراطوريّات المسّماة “مسيحيّة”. والسّبب هو التّخلّي عن روحيّة القطيع الصّغير. صار الإنسان يعتمد منطقًا غير إنجيليّ. في الأساس، كان الإنسان يُسلم نفسه إلى الله. وهكذا، في كلّ حال، فعل العديد من الرّهبان، عبر العصور. كانوا يسلمون أنفسهم بالكامل إلى الله، أيعيشون أم يموتون، لا فرق عندهم. المهمّ أن يسلموا ذواتهم إلى الرّبّ الإله. لكنّ السّياسة الّتي اتُّبعت، بصورة عامّة، في الأمبراطوريّات المسّماة “مسيحيّة”، هي أنّ علينا أن نعتمد على قوانا، ثمّ نطلب إلى الرّبّ الإله أن يعيننا حتّى نستقوي على الآخرين. وهذا منطق مرفوض كلّيًّا، هذا منطق غير إنجيليّ. لا يمكن الإنسان أن يفرض على الله طريقةً في التّعامل. إمّا يعتمد على الله بالكامل، والرّبّ الإله يعينه؛ أو لا يعتمد عليه أبدًا! لذلك، صار المسيحيّون يعتمدون أسلوب الصّلاة لأجل نصرة العسكر، ونصرة الجيوش، ودحر الأعداء… في العمق، عدنا إلى الوراء، إلى ما قبل المسيح. أو، بكلام آخر، صرنا نتعاطى الأمور كما يتعاطاها الّذين لا يؤمنون. الفرق بيننا وبينهم أنّنا نحن نستعين بالرّبّ الإله عليهم، وهم يستعينون بمَن يعتبرونهم آلهة علينا. إذا كانت هذه شيمة غير المؤمنين، فلا يمكنها أن تكون شيمة المؤمنين. هذا هو الواقع، في الحقيقة. هذا الاعتماد على القوى البشريّة، واستنزال العون الإلهيّ على ما يستنسبه الإنسان ليدافع عن نفسه، هذا، في الحقيقة، “ضربَ” إيمان المؤمنين في العمق. إذا كنّا، اليوم، قد بلغنا حالةً نجد فيها أنّ الإيمان بات عملةً نادرة، فما ذلك إلاّ بسبب هذا التّطوّر التّاريخيّ الّذي انحدر إلينا، وبلّغنا إلى ما قد بلغناه. اليوم، مثلاً، أمر عاديّ جدًّا، بالنّسبة إلى المؤمنين، أن يعتمدوا على أنفسهم، أن يعتمدوا على عقولهم، أن يعتمدوا على علمهم؛ ومن ثمّ أن يستنزلوا، بالصّلاة، بركة الله؛ حتّى يبارك الرّبّ الإله ثمر أيديهم. مثلاً، يمرض الإنسان، يُصاب بالسّرطان. نادرًا ما نجد مَن لا يلجأ، في الحال، إلى الأطبّاء، وإلى الأدوية والعلاجات. وفي آنٍ معًا، يطلب من الرّبّ الإله العون، والصّحّة والعافية. لكنّه، في الحقيقة، بالطّريقة الّتي ينهجها، يعتمد على نفسه، لا على الله، ويريد من الله أن يعينه في تدابيره هو، كما يراها هو مناسبة!  في الحقيقة، الإيمان، في العمق، ولو كانت هناك صلاة وأدعية، لم يبقَ، في الواقع، إيمانًا حيًّا فاعلاً في حياة المؤمن. لم يبقَ الإنسان في وضع أن يسلّم نفسه إلى الرّبّ الإله بالكامل. طبعًا، وجداننا تشكّل بهذه الطّريقة، على مدى قرون، إلاّ قلّة من النّاس، هنا أو هناك. لكنّ السّواد الأعظم من النّاس يفكّر على هذا النّحو. وأتكلّم على النّاس الّذين هم في كنيسة المسيح!

إن أذكر، أذكر ما أورده الشّيخ يوسف الهدوئيّ، مثلاً، عن ذاك الإنسان الّذي كان “مضروبًا” في معدته، وقد سعى لأن يتطبّب لدى أطبّاء عديدين، وكان يتناول جرعات كبيرة من الأدوية، ويأكل عشر مرّات في اليوم وجبات صغيرة. هذا، لمّا رآه الشّيخ يوسف، سأله: “أتريد أن تُشفى؟!”، فأجابه: “طبعًا”؛ فقال له: “أَلقِ بهذه الأدوية في الوادي، وكُلْ مرّةً واحدة في اليوم بدل عشر مرّات، واعتمد على الله، وأنا سأصلّي لك”. لكنّ صلاة الشّيخ يوسف لم تكن كافية. كان على هذا الإنسان أن يؤمن، أن يسلّم نفسه إلى الرّبّ الإله. الموضوع الأساس ليس أبدًا أن يصلّي له الشّيخ يوسف، بل أن يؤمن هذا الإنسان بأنّ الرّبّ الإله قادر على أن يشفيه. تعلمون أنّ الرّبّ يسوع اشتكى أنّه، في مدينته، في كفرناحوم، مثلاً، لم يقدر أن يصنع آيات كثيرة، لأنّ النّاس كانوا غير مؤمنين به. حتّى الله، يبدو كأنّه لا يستطيع أن يفعل شيئًا بإزاء عدم إيمان النّاس! لهذا السّبب، حاول الشّيخ يوسف أن يقنع هذا القادم إليه بأن يسلم نفسه بالكامل إلى الله، وأن يتخلّى عن الأدوية وعن الأطبّاء. وكان ذاك الإنسان في وضع اضطراب عميق! كان صعبًا عليه جدًّا أن يفعل ذلك! وجدانه كلّه كان في اضطراب، لأنّه لم ينشأ على هذا النّحو. واستمرّ الشّيخ يوسف في محاولته إقناع هذا الإنسان بما يقوله له، وهذا الإنسان كان يقاوم ويقاوم … وأخيرًا، بعد ما عيل صبر الشّيخ يوسف، إذا بصوت ينزل من فوق، ويقول لهذا الإنسان: “لماذا لا تسمع وتُشفى؟!”. حينئذٍ، ارتضى أن يسمع وأن يُشفى، فسلّم أمره إلى الرّبّ الإله. إذ ذاك، صلّى له الشّيخ يوسف، وأرسله إلى بيته. وبعد ثلاثة أيّام فقط، شُفي بالكامل! لم يشأ الرّبّ الإله أن يطيل الفترة عليه، لأنّه كان يعرف أنّ نفسه صغيرة. فأسرع إلى حيث كان الشّيخ يوسف الهدوئيّ، وبشّره بأنّه شُفي، وقال له: “لقد أجرى لي الطّبيب الفحوصات، وتبيّن له أنّ معدتي عادت كأنّها معدة طفل صغير”…

المشكلة الّتي تعاني منها الكنيسة، اليوم، أنّ وجدان المؤمنين توقّف عن أن يكون وجدان القطيع الصّغير، عن أن يكون وجدانًا تسليميًّا، وجدانًا إيمانيًّا. كثيرًا ما أتساءل بإزاء القول الّذي ورد “متى جاء ابن الإنسان، فهل يجد الإيمان على الأرض؟!”: تُرى، أيتكلّم الرّبّ الإله على مرحلة سوف تأتي في المستقبل؟! لا، بل أظنّ أنّ هذه المرحلة هي المرحلة الّتي نعبر بها نحن، في الحقيقة. مشكلتنا، اليوم، أنّ وجداننا تشكّل، عبر سنوات طويلة، بطريقة غير إيمانيّة. لهذا السّبب، صرنا نفصّل الإيمان على مقاس عقولنا، على مقاس علمنا، على مقاس تدابيرنا… والنّتيجة أنّ الإيمان يبدو كأنّه ليس إيمانًا حيًّا! يتحوّل الإيمان إلى شيء نظريّ، أو إلى شيء عاطفيّ؛ لكنّه ليس، بعد، فاعلاً، بكلّ معنى الكلمة، إلاّ، طبعًا، في قلّة من النّاس، هنا وهناك! إذًا، موضوع القطيع الصّغير موضوع أساسيّ جدًّا، بالنّسبة إلى المؤمنين. لا شكّ في أنّنا نعاني أزمة ليست بقليلة، في كنيسة المسيح. الموضوع ليس موضوع علم، ولا موضوع مزيد من الدّراسات، ولا موضوع كهنة وأساقفة ومثقّفين. الموضوع هو موضوع مؤمنين بالرّوح والحقّ. هؤلاء أين نجدهم؟! والسّؤال الكبير: أين نجد الإيمان الحيّ مضيئًا في حياة إنسان لنتّبعه؟! البشريّة كلّها، وبخاصّة أهل بيت الله، يبحثون عن الإنسان الّذي يحيا في الإيمان بالرّبّ يسوع المسيح، بالرّوح والحقّ. هذا هو الموضوع الأساس، اليوم؛ وهذا هو الموضوع المؤلم، اليوم. نحن نعلم أنّ هناك سبعة آلاف لم يحنوا ركبة لبعل. والرّبّ الإله لا يحرمنا من الشّهود الطّيّبين. هؤلاء هم الّذين نبحث، وعلينا أن نبحث عنهم، في كلّ حين؛ حتّى لا يموت الله في حياتنا باسم الله!

آمين.


عظة في السّبت 14 كانون الثّاني 2012 حول متّى12: 32- 40.

الزمن

الزمن

(مقالة معرّبة عن مجلة العالم اليونانية )

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع – دده، الكورة

أن يكتشف الإنسان معنى الزمن هو مطلب يفوق قدرته. فمنذ منابع الدهر وحتّى أيّامنا هذه، والإنسان يفتّش ويفكّر ويتساءل: ما هو الزمن؟ بيد أنّ بعض الاستنتاجات التي توصّل إليها عدد من الفلاسفة والعلماء  يُلقي شعاعًا من الضوء على شيءٍ من غوامض هذا المعنى فيتكشّف لنا ولو جزئيًا. فالفيلسوف المسيحيّ الكبير المغبوط أغسطينوس يقول:” إن سألني أحد عن معنى الزمن أجيبه بأنّي أعرف، ولكن إن طلب منّي شرحًا عنه فإنّي أقرُّ بعجزي، ومع ذلك أتجاسر وأقول إنّه لو لم تكن هناك أمور تحدث وتعبر لما كان يوجد ما يُسمّى ماضٍ، ولو لم تكن هناك أمورٌ أخرى تأتي لما كان هناك ما يُسمّى مستقبل، وبالتالي لو لم تكن هناك أمور تحدث الآن لما كان هناك من حاضر”.

أفكار متعدّدة ووجهات نظر متغايرة صُنِّفت حول روحانيّة البشريّة، وأمّا مشكلة الزمن فقد بقيت سرًّا مختومًا رغم النعوت الكثيرة التي وُصف بها. فأفلاطون يحدّده بأنّه “صورة الأبديّة”، فيما يقول أرسطو عنه بأنّه “مؤشِّر يتحرّك بين الماضي والمستقبل”. وأمّا القدّيس مكسيموس المعترف فيعرّفه بدقّة أكبر قائلاً: “هو حركة تجري منذ خلق العالم. فمنذ اللحظة التي فيها خلق الله، الغير المحدود في زمن، الدهور الزمنيّة لم يتوقّف الزمن. إذًا، فالزمن هو حركة الدهور”. أمّا فيكتور هوغو فيحدّده بشكل أبسط على أنّه “ممرّ ضيّق مظلم ومجهول بين زمنين”.

الزمن هو سير أو مجرى لم يعرف الانقطاع لحدث من الأحداث، أو لظاهرة من الظواهر منذ فجر الخليقة. ولهذا يحسّ الإنسان بشكل قويّ، ومعه الخليقة بأسرها، بالسرعة المخوفة الرهيبة التي ينقضي بها الزمن، لأنّ الزمن يتدخّل، وبشكل حازم، في حياة البشريّة.

الزمن هو سيف قاطع في حياة الإنسان، فإمّا أن يستثمره بشكل إيجابيّ أو بشكل سلبيّ وذلك بحسب مقدرته ووعيه، وتاليًا من ربح وقته ربح معه كلّ شيء. من الضروري بمكان أن يبدأ هذا الربح بالكيف، ثمّ ينتقل إلى الكمّ، لأنّه ساعتها، فقط، يصبح الوقت رحِمًا للرجاء وبذارًا صالحًا للحياة الحقيقيّة، فيصبح الزمن بحسب تعبير الكاتب الكبير شكسبير “أساس كلّ صلاح”.

الزمن مدعاة للشعور بالمسؤوليّة، ويفسّر هذا المدلول نابليون بونابرت فيقول: “اصرف وقتك كما ينبغي، لأنّك إن قضيته بأمور لا تليق، يبقى منه القليل لتصرفه بما يجب ويليق، وليس هذا فقط، بل إنّ كلّ ساعة من الزمن تمرّ هباء من دون أيّ عمل صالح تضع نصب عينيك إمكانيّة عيشك مستقبلاً تعسًا”.

ولكي يصبح الزمن حديقة باسقة الأشجار كثيرة الثمار، يجب أن يُستغلّ بجدّيّة واستقامة وبخاصّة في المجال الروحيّ، وفي هذا الصدد يقول الأديب الفرنسيّ الملحد فولتير: “لا يستطيع المرء أن يبلغ المجد الذي يتشوّف إليه، ولا إلى السؤدد الذي يطلب، ولا أن يحسّ بقيمة الزمن الضائع، وهو مبلبَل بهموم باطلة لا فائدة له منها، أو غارق في تساؤلات وأبحاث سخيفة لا تزيده غنًى”. ويصرخ العالم باستور بتوجّع: “عندما أصرف ساعة من عملي هباء أعتبر نفسي سارقًا أمام البشريّة جمعاء”. وهكذا أعطى باستور قيمة عظيمة للزمن، كما ألمح بطريقة غير مباشرة إلى حتميّة مجديةٍ وصحيحةٍ لاستغلاله. ويقول يوحنّا براندفور: “أحسبها خسارة فادحة إن مرّت ساعة من حياتي من دون أن أقوم فيها بعمل صالح إن كان ذلك بريشتي أو بلساني”.

للصبر دور بالغ الأهميّة في استغلال الوقت، فهو علاوة على أنّه مساعد فعّال لاجتياز صعوبات الحياة، يحفزنا على الاستفادة من الزمن. فبالصبر “نظفر بما نريد أكثر من الاعتماد على قوّة الساعد أو ميل المشاعر” كما يقول الشاعر الفرنسيّ لافونتين.

إنّ هذه الاستفادة الحكيمة والمتعقّلة للزمن تهدّئ اضطراب الإنسان، وتزوّده بقوّة على مواجهة الصعوبات والمشاكل بشكل صحيح وصادق، وتفتح عينيه لرؤية العظمة الإلهيّة في ترتيب الزمن، فيقف نشوانًا فرحًا. وأمّا الشريان الذي يغذّي هذه كلّها، فهو القلب الرحب والنفس المستقيمة الصادقة.

لا ريب أنّ الحرّيّة الساعية والرصينة هي إناء الحياة سيّما إن كانت تستمدّ وجودها  الحيّ من المحبّة الإلهيّة الأزليّة. ولهذا، فهي تساهم في اكتساب التقوى والعبادة الصحيحة، وتاليًا تؤدّي إلى السير في درب الخلاص. وهكذا يتلاشى الزمن الضائع، متحوّلاً إلى قوّة مستمدَّة من العلاء تغيّر الإنسان الداخليّ وتبدّله، لأنّ “الزمن هو الهبة الإلهيّة الأكثر كرامة، والتي سوف نعطي عنها جوابًا وحسابًا أمام عرش الله الديّان” كما يقول الموسيقار الألمانيّ باخ. ويؤكّد القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم هذا الزعم، فيقول: “إن بذّرت الذهب هنا وثمّة، فإنّك تستطيع أن تسردّه مرّة أخرى، ولكن إن ضيّعت وقتك كيفما اتّفق، فمن الصعوبة بمكان أن تسترجعه ثانية، لأنّ زمان هذه الحياة قصير مهما طال أمده”.

وعندما يعيش الإنسان بجدّيّة داخل الكنيسة يعيش، ويعي، في الوقت نفسه، قداسة الزمن، هذا الزمن المقدّس الذي لا تستطيع قساوة الزمن المادّيّ ولا سطحيّته أن تسيطر عليه أو تلاشيه أو تفنيه. إنّه زمن لا يذوب ولا يضمحلّ وسط القلاقل الدنيويّة، لأنّه زمن سامٍ ومقدَّس بمحبّة الله الأزليّة، ويصل بالإنسان إلى ميناء الملكوت السماويّ الهادئ. إنّ عيش هذا الزمن الحاضر، بثبات واستمراريّة، عبر سرّ الصليب والقيامة، يشكّل الأساس الأساس لحياة مبارَكة سعيدة خارجًا عن حدود المكان والزمان، حياة يحياها الإنسان في النور الذي لا يوصف، حياة حقيقيّة وقويّة في المسيح يسوع.

ولكن هناك جانب آخر من الحياة مؤلم ومزعج وخطر وغير مدرَك من قِبَل الكثيرين ألا وهو عناد من يصرّون على العيش بعيدًا عن مناخ المحبّة الإلهيّة وفلكها، وهكذا يتيهون ويهلكون، كما إنّهم يُهلِكون معهم الآخرين. إنّهم لا يربحون شيئًا، بل يربحهم الشيطان لحزبه، وبذلك يضيعون ويغرقون في عكر وأوحال هموم هذه الدينا وقلاقلها. وتطبِق عليهم أشراك مطاليب وحاجات فاسدة زائلة لا عدّ لها. ويعانون من شرخ داخليّ يجعلهم متصدّعي النفس رازحين تحت وقر القلق والاضطراب والفراغ والألم الذين سبّبتهم حجج الحياة الباطلة والواهية، وفي نهاية المطاف يغمرهم اليأس ويهلكون. وتصبح، حينئذ، حياتهم بلا معنى ولا هدف، وتعبيرًا عن غرق فظيع قد لا ينجوا منه أبدًا.

إنّ تبنّينا فكرَ من يزعم بأنّ الزمن هو مرادف للمال، نكون قد خسرنا الحياة نفسها، لأنّ الحياة أثمن من المال. الزمن يمرّ ويعبر كالنهر الجارف، وهؤلاء الذين يؤلّهون المال تألفهم مشرَّدين يحتضنهم القلق وعدم الأمان والجزع من خسارة المال، وتاليًا من ضياع حياتهم. وصدق الكاتب الفرنسيّ بول كلوديل القائل “بإنّ الزمن أو الوقت الحاضر هو، بالحقيقة، مال تشتري به إمّا الحياة السعيدة الأبديّة أو الحجيم الرهيب الأبديّ”. أمّا الذي يجاهد روحيًّا كابحًا جماح أهوائه، ومذلِّلاً شهواته تغذّيه شرارة الرجاء الحيّ يبقى متّقد القلب يمدّه الربّ بقوّته، ويسنده ضميره الحيّ الأمين.

الزمن هو النبع الأمّ للحياة الذي يقود المرء بهدوء وتؤدّة إلى صدر يسوع المسيح. الزمن هو مهد الرجاء المشعّ، وقبر لحبّ المجد الخاوي. الزمن هو مراقب قاسٍ شديد للجهّال، ومرشد خلاصيّ وفيّ للحكماء، يجلب للأوّلين ما يخافونه، وللثانين ما يرغبون به ويشتهونه.

للزمن أو الوقت مفهوم عميق ومعنى سام وحجم لا يقاس عندما تملؤه نعمة الله، وتصبح المحرِّك الأساس له. وسيبقى الزمن أبدًا إحدى نعم الله التي تنحدر علينا بسخاء بسبب المحبّة الإلهيّة المنسكبة عبر الصليب والقيامة، فيصبح المنبّهَ الروحيّ والدافع الشخصيّ لتطهير وقداسة كلّ إنسان وارد إلى هذا العالم.