السنة الثامنة – العدد التاسع – حزيران 2012

السنة الثامنة – العدد التاسع –

حزيران 2012

 

مختارات آبائية

بؤس الحضارة الأوروبية

القديس نيقولا فيليميروفيتش

 

حياة روحية

هل القداسة عملية في أيامنا؟

الراهب موسى الأثوسي

 

عظة

حتّى يستجيب الرّبّ

الأرشمندريت توما بيطار

 

رعائيات

الرعية والكنيسة

المتقدّم في الكهنة ألكسندر شميمن

 

حياة روحية

فتور الجماعة

الأب أنطوان ملكي

 

تربية مسيحية

توصية أمّ

القدّيسة مرتا أمّ القدّيس سمعان العجيب


المعرفة والتفوقية عند الأطفال

ماريا قبارة

 

أبطال روحيون

بول فوتيو: الرّابِّي الذي تحوَّل إلى الأرثوذكسية

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات


مسكونيات

الوحدة في الحق

توماس أودن

هل القداسة عملية في أيامنا؟

هل القداسة عملية في أيامنا؟

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

كلّ القديسين “جاهدوا الجهاد الحسن وحفظوا الإيمان”.

القديسون هم مجاهدون غالبون معترفون باسلون. لقد زارهم الروح القدس وحلّت عليهم النعمة. لم يكونوا صالحين ونبلاء ومشرقين وأخلاقيين وحَسْب، بل كانوا أيقونات للمسيح. إنهم الذين اتّحدوا بشكل لا فكاك فيه بالمسيح وهم يكشفون المسيح للعالم ويقودون الناس إليه. يثبت لنا القديسون أنّ الإنجيل قابل للتنفيذ وعملي عبر العصور، وأننا إذا رغبنا يمكننا أن نسعى إلى الاتّحاد بالمسيح. بقبولهم المسيح في حياتهم بدون تحفّظ، صاروا على شبهه ومتوشحين به ومعاينين له. بهذه الطريقة، يشهدون له ويعترفون به ويعظون عنه ويقدّمونه في كل مكان وزمان. لا يستطيعون أن يحيوا من دون المسيح، فهو لهم كل شيء.

غالباً ما يُتاح لنا أن نعترف بالمسيح، فأحياناً نقوم بذلك بسرعة وسرور، وأحياناً بصعوبة وأحياناً بخوف وأحياناً بخجل. المؤمن الحقيقي يعترف بالمسيح دائماً بلا خوف لأنّه يحيا في التوبة والاتضاع. يشعر بالخوف لكنه يؤمن إيماناً كاملاً بالمسيح ويتقوّى به بغنى. يعترف بالمسيح الذي فيه. أحياناً من الصعب الاعتراف بالمسيح حتّى للذين هم مقربين منّا وأعزاء لنا. من ثمّ، بحسب الإنجيل، يصيرون “أعداء الرجل أهل بيته”. يحدث أنّ أناسنا لا يفهموننا، لكن أليس حرياً بنا أن نحاول بتروٍّ أن نتكلّم عن المسيح؟ أو أن نذهب أحياناً إلى الطرف الآخر، أي أن نحدّثهم كثيراً عن المسيح حتى نتعبهم ونسبب لهم المرض والضغط، حتى لا يعيدوا يطيقون سماع أي كلام عن المسيح. لا يمكننا أن ندفع أياً كان إلى اتّباع المسيح ولا أن نتسلّط عليه أو نلزمه، حتّى وتحديداً خاصّتنا.

المسيح هو الحرية والمحبة. إنّه لا يشجع ولا يطلب أي ابتزاز. نحن مدعوون إلى إلهام الناس على محبة المسيح. عندما يسلّم الإنسان نفسه لسجن “الأنا” القادرة، ويعاني من الأنانية والفردية ومحبة الذات والكبرياء، من الصعب أن يحب الآخرين، وأكثر من ذلك الله. وهكذا هو عاجز عن الاعتراف أمام الناس. مَن لا يعترف علناً يعني أنّه لا يمتلك المحبة. مَن لا يحب يحكم على نفسه بوحدة جليدية تبدأ في هذه الحياة وتستمر إلى الأبدية. الأناني المحب لذاته يشعر بمحبة الله ناراً، ولا يستطيع مقاومتها، ولا يريد ذلك، وهي تزعجه وتحرقه.

يوجد اليوم مسيحيون يحبّون القديسين ويدرسون سيَرَهم ويسرعون إلى أعيادهم ويضيئون قناديل الزيت تكريماً لأيقوناتهم، ويبنون الهياكل على شرفهم، كما المزارات والأيقونات والقناديل والقرابين والتقدمات والقمح المسلوق وغيرها. كما يوجد اليوم مَن لا يحبّون القديسين، ولا أتكلّم هنا عن الملحدين وفاقدي للتقوى وغير المتدينين، بل عن المتأثّرين بالعقلانية واللاهوت الفكري الحديث الذي يعتبر كلّ هذه الأمور مرضاً وتقوى شعبية غير لاهوتية. للأسف، كثيرون من المسيحيين لا يدركون قيمة القديسين العظيمة وأهميتهم في حياتنا.

لم يختفِ في أيامنا تقوى المؤمنين محبّي القديسين ولا توقيرهم ولا حماستهم. يمكن للمرء أن يرى ويفرح بالبيوت الملأى بالأيقونات مع قناديل الزيت التي لا تبهت والشموع التي لا تُطفأ والمباخر، والجدّات يتحدثن مع دموع عن حضور القديسين في حياتهن، متأمّلات بأنّ شفاعة القديسين ووالدة الإله سوف تخلّصهن وتساعدهن على دخول الملكوت. محبّو القديسين هم أولئك الذين، حتّى اليوم، يطلبون أن يجدوا قديسين حقيقيين ليتأيدوا بهم ويستفيدوا. إنهم لا يختلقون قديسين خياليين، ولا يتبعون أولئك الذين يلعبون دور الإله أو القديس الزائف، بل هم يركعون للقداسة الصحيحة الأصيلة. محبّة القديسين هو خيرة الجماعة في الرعايا. إنّهم يكملون التقليد، ويوقّرون تذكارات قدّيسينا، لا يروّعهم القديسون الزائفون بسهولة، ولا هم يتأثّرون أو يعانون بالفضائح في الكنيسة، سواء كانت صحيحة أم لا. عندما يكونون في ظروف صعبة، كوقوعهم تحت نظام استبدادي، فهم يتحمّلون بشجاعة، متأمّلين ومنتصرين.

القديسون دائمو الاتضاع، لأنّهم مقتنعون بأن كل ما هو صالح هو مُعطى من فوق، وليس من غنائمهم. فهم لا يمكنهم أن يتباهوا بمواهبهم، لأنّها من لدن أبي الأنوار. قديسونا، في وعيهم الكامل لمواهبهم، يقدّمون كل التمجيد والإكرام والسجود لله المعطي. عندما يمدحهم الناس يمدحون مصدر كل صلاح، الله الكلي صلاحه. بقدر ما يرى الله أنّ الإنسان يواضع نفسه، يمنحه بالأكثر بركة ونعمة، لأنّه دائماً “يعطي المتواضع نعمة”. إن استعمل الموهوب مواهبه لمجده ولمنفعته الشخصيين، سوف يفقدها بالطبع، ويظهر بشكل بائس أمام الشعب الذي استغلّه. ابتداءً من هذه الحياة سوف يكون مشوش الفكر، حائراً وبائساً، يتوقّع النار الأبدية.

أيها الأحباء، يوجد في هذه الأيام المضطربة الكثيرُ من القداسة المخبّأة. ليس فقط بين العائشين كرهبان بلا اسم، مجهولين، مغمورين في الصحارى والأديرة، ولكن أيضاً في العالم. الزوجات اللواتي يحتملن استقالة أزواجهم وتقلّبهم وسكرَهم، وحيدات مهانات ومتروكات، دون أن يقودهم الأمر إلى الطلاق، بل  يحتملن ويأملن ويصلين ويرجون أن يتركن مثالاً حسناً لأولادهن. إن موقف الأمّ يعلّم الأولاد، فهي مثال ممتاز، ودافِع إلى الفضيلة. هذا الدرس لا ينسونه في كل حياتهم. هذا التعاطي البطولي قادر على تحويل الزوج العنيف ويعطي المرأة إكليل الصبر. نحن نعرف بطلات نادرات في الإيمان عشن لسنوات كثيرة حياة رعب وعذاب بصمت، وصبر وصلاة ودموع واتّضاع وثقة بالله ورجاء به. كيف لله ألا يهب النعمة لهذه النفوس الجميلة؟

كما ترون، للقداسة أوجه كثيرة. الذين في العالم لن يُحاكَموا لأنّهم لم يقوموا بصلوات كثيرة، مع أنّ بعضهم يتفوّق على الرهبان في ذلك. قال القديس يوحنا الذهبي الفم: الشعب سوف يخلص بأعمال الخير. الحَسَنات تظهِر نفساً متواضعة تعرف كيف تحبّ. في هذا الزمن الشرير الضاغط، مَن يكون متواضعاً بريئاً نقياً شريفاً صادقاً عادلاً بارّاً وحكيماً يكون له الكثير في الملكوت.

الرعية والكنيسة

الرعية والكنيسة

المتقدّم في الكهنة ألكسندر شميمن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذه المقالة التي تعود لأكثر من نصف قرن ما تزال قابلة للتطبيق خاصةً في الكرسي الأنطاكي المقيم حيث القوانين لا قيمة لها ويعطي كل من الأساقفة والكهنة وحتّى أعضاء مجالس الرعايا لأنفسهم الحرية في وضع القوانين التي تحلو لهم، ما يعرّض الكنيسة وحياتها لنتائج مدمّرة. (المترجم)

1. إن الجدل حول النظام الأساسي للكنيسة الروسية الأرثوذكسية الجامعة في أميركا الذي تمّ تبنّيه في المجمع العام التاسع لأميركا في 1955، ليست “تقنية”، بل لها أهمية عميقة من حيث المبدأ. إنّها تتضمّن أسئلة أساسية تتعلّق بحياة الكنيسة وتنظيمها. تظهِر الخصيصة العاطفية لهذه الحجج بشكل واضح أن ما نواجهه ليس وضعين عمليين مختلفين متضاربين في ما بينهما وحَسب، بل مفهومين مختلفين لبنية الكنيسة القانونية. في الكنيسة، التي هي كائن حي نامٍ، هناك مجال للنقاش. من لمنطقي البحث عن الحقيقة والسعي إلى الإجابات الصحيحة لمشاكل الحياة المعاصرة. لكن هذه النقاشات لا تثمر ولا تنفع إلا إذا قَبِل الطرفان قبولاً غير مشروط بأن تكون أرضيتهم المشتركة ونقطة انطلاقهم تعليمَ الكنيسة الأرثوذكسية الأزلي الثابت، كما يُعبَّر عنه في عقائدها وقوانينها. إن عقائد وشرائع الكنيسة لا تخضع للمراجعة، إن هكذا “مراجعة” ستكون بمثابة “السقوط” للكنيسة، ورفض الأرثوذكسية. نود أنّ يحفظ كل الذين يجادلون في النظام الأساسي هذا الأمر دائما في الاعتبار، وأن يفهموا أن القضية هي إذا ما كنّا نريد أن نبقى أرثوذكس، أو أن ينمو، تحت اسم “العقيدة”، شيء غريب عن الكنيسة، شيء يعادل الخيانة التي من شأنها أن تجعل كل المناقشات حول تنظيم الكنيسة بلا معنى ولا جدوى.

2. عملياً، كل المناقشات حول النظام الأساسي تتركّز حول مسألة الرعية وتهتمّ بالأسئلة التالية: مَن سوف يكون رأس الرعية؟ كيف ينبغي تنظيم الرعية وإدارتها؟ العديد من النقاط الحاسمة في هذه المناقشة تتطلّب التوضيح. غاية هذه الورقة هو تقديم تحليل مختَصَر لهذه النقاط التي يمكننا بوضوح أن نكشف خروجاً صارخاً عن المبادئ الأساسية لتقليد الأرثوذكسية القانوني والعقائدي. لقد استعملنا عمداً عبارة التقليد “العقائدي”، إذ بالرغم من انتشار المفهوم القائل بأنّ حقلي العقيدة والإدارة غير مرتبطين ببعضهما، فقد اعتبرت الكنيسة بشكل ثابت أن كلا الحقلين أجزاء غير منفصلة من تقليد واحد أوحد قائم على المبادئ العقائدية نفسها. إن تنظيم الكنيسة وإدارته محددان كليّاً بإيمانها، أي بالعقيدة التي تحفظها الكنيسة عن نفسها. وعليه، فمن الخطأ التفكير بأنه يمكن الحفاظ على إيمان الكنيسة إذا كانت مؤسستها الأبرشية والرعوية مبنية على أسس إدارية وقانونية دهرية صرف. أنا لا أقترح أن ألامس في هذه الورقة مسألة من هو المسؤول عن الوضع الذي يُستعمَل دائماً لتبرير ضرورة وجود أشكال ومقاييس جديدة في الكنيسة. هذا سؤال كبير ومعقّد. ولكن كائناً مَن كان الذي يحمل المسؤولية ومهما كانت الجِدّة في الوضع الحالي، لا يمكن لمبادئ تنظيم الكنيسة الأساسية أن تقوم عليهما. النقاط التالية جوهرية، حتّى أنّ أي ابتعاد عن معناها القانوني الأصلي سوف يكون، كما سبق ذكره، بمثابة الخروج على التقليد الأرثوذكسي.

3. أولى هذه النقاط هي مسألة العلاقة بين الرعية من جهة وسلطات الأبرشية، بشكل أكثر عمومية الكنسية، من جهة أخرى.

في الممارسة، هذا إشارة إلى ما يُسمّى “رعايا مستقلّة”، أي تلك الرعايا التي تحدّد علاقتها بالسلطات الكنسية من جانب واحد. الميل الرئيسي هو في ادّعاء أنّ المفهوم التقليدي للرعية كجزء من كائن أوسع (الأبرشية أو الكنيسة) يتعارض مع قانون الولايات المتّحدة (المترجم: والواقع في أنّه يتعارض في أماكن أخرى مع الجو العام القائم على الفردية وتفادي الالتزام)، وبخاصة القوانين المتعلّقة بالشركات. فالرعية، بحسب هذه الحجة، تندمج بحسب قوانين الدولة، وهذا بحكم الضرورة يجعل الرعية مستقلة إدارياً وذاتية الحكم. مع هذا، فإنّه جليّ لمَن يملك بعض المعرفة في التشريع الأميركي، وبخاصة التشريع المتعلّق بالدين، أنّ هذا التوكيد يقوم على الجهل أو يُقَدَّم بنية شريرة. 1) المبدأ الأميركي لفصل الكنيسة عن الدولة يؤهّل كل جماعة دينية لتنظيم حياتها الخاصّة بحسب تعاليم إيمانها ومبادئه. 2) اندماج الرعية لا يجعلها بأي شكل من الأشكال “مستقلّة” و”ذاتية الاكتفاء”، لأن الأمر برمّته يتوقّف على نوع المجتمع الذي يؤسّس من خلالها. وبالتالي، ليس الاندماج هو ما يحدد بنية المجتمع، بل على العكس، بنية المجتمع ومبادئه الأولية هي ما تحدد شكل الاندماج. بتعبير آخر، كل الأمر يتوقّف على كيف ترى الرعية وتحدد ذاتها، وكل إشارة إلى القانون الأميركي في هذا النطاق هي بلا معنى، إذ إن الهدف الوحيد من القانون هو حماية وتشريع حق تقرير المصير لدى أي مجموعة من المؤمنين. إن القانون المدني يبقى صامتاً عمّا يتعلّق بتنظيم الكنيسة الأرثوذكسية الأميركية وإدارتها.

وعليه، فإن فكرة “الرعية المستقلّة” تقوم على مفهوم مشوّه للكنيسة وهي ثورة ضد أعرافها الأساسية. فلنتذكّر هذه الأعراف بشكل مختصر:

أ. قانونياً، وبالتالي إدارياً، الرعية جزء من الكنيسة وشأن كل شيء في الكنيسة تخضع للرئاسات الكنسية، وأولاً للأسقف. رعية “مستقلّة” أو رعية لا تعترف إلا بسلطة “روحية” للأسقف، وليس بالمعنى الإداري، هي سخافة كنسية.

ب. لأسقف الأبرشية السلطة التالية في الرعية: يعيّن إكليريكييها ويشرف بشكل ثابت على كامل حياة الرعية ونشاطاتها إما شخصياً أو عِبر إكليريكييها. هذا لا يؤدّي إلى حكم مطلَق ولا إلى التعسف، لأنّ قوانين الكنيسة الأرثوذكسية كما نظام 1955 يحددان بدقة تامّة الوسائل التي من خلالها يمارس السقف سلطته. أمّا انتقاء أحد أصعدة حياة الرعية والادّعاء بأن هذا الصعيد يدخل خارج اختصاص الرئاسة الكنسية وسلطتها الشرعية، فيتعارض مع فكرة الكنيسة بحد ذاتها كما يعبّر عنها القديس اغناطيوس المتوشّح بالله: “في الكنيسة لا شيء يقوم من دون الأسقف”.

ج. من وجهة النظر هذه، القسّ هو ممثل الأسقف وسلطته في الرعية. حقوق القس وواجباته محددة بشكل واضح في قوانين الكنيسة ونظامها الأساسي. من الضروري التشديد على أن فكرة أن الكاهن هو مستَخدَم خاضع لطلب مستخدِميه ومعتمداً على شروطهم، ليست فكرة خاطئة وحسب بل هي هرطقة. ينبغي أن نتذكّر أن كاهن الرعية، والرعية جزء من الكنيسة، يمثّل الكنيسة بذاتها، تقاليدها، تعاليمها وتراتبيتها. الكاهن ليس تابعاً لأبناء رعيته، بل الطرفان خاضعان لغايات الكنيسة ووظائفها ومصالحها. والكاهن يرى مصالح الرعية على ضوء هذه العلاقة بين الرعية والكنيسة ككل.

د. يؤكّد التعليم الأرثوذكسي حول الكنيسة إمكانية وضرورة التعاون بين الإكليريكيين والعلمانيين على كافة المستويات وفي كل الأطر في حياة الكنيسة (المجمع، مجمع الأبرشية، مجلس الرعية، ولجنة الكنيسة). بالتالي، ترفض العقيدة الأرثوذكسية لا احتكار السلطة من قِبَل الإكليروس وحسب (الإكليريكانية الكاثوليكية) بل حتّى التمييز بين صعيد يخضع لسلطة الإكليريكيين وصعيد آخر خارجها (البروتستانتية). في الكنيسة الأرثوذكسية، كلّ شيء يصير بالشركة، في الوحدة بين الإكليروس والشعب. لكن عبارة “الشركة” تعني أولاً أن الأسقف والكاهن يشتركان بحق في كل أصعدة حياة الرعية، وثانياً، يعود إليهما بحسب مبدأ التراتبية الحق والواجب الدينيين بإقرار كل النشاطات أو رفضها. لا شيء في الكنيسة يمكن أن يقوم من دون الرئاسات أو ضدها، إذ بطبيعة الأمور، كل أمور الكنيسة، بما فيها المادية والمالية والاقتصادية، تخضع للغاية الدينية للكنيسة. لا تبني الرعية كنيسة أو مدرسة أو أي بناء ىخر، ولا تجمع مالاً فقط لتغتني. كل هذا يتمّ لتحمل تعليم المسيح وتعزّز خير الكنيسة. وعليه، كل أصعدة نشاط الرعية هي بطبيعتها خاضعة للغايات الدينية وينبغي تفحصها وتقديرها على ضوء هذه الأهداف. وبالتالي فإن القيادة الناشطة والمشاركة في حياة الكنيسة وفي إدارتها من قِبَل الرأس الروحي ضرورية وبديهية.

على ضوء هذه المبادئ علينا أـن ندين، من دون قيد أو شرط، كل المحاولات:

1) لجعل الرعية مستقلّة عن الأبرشية وغيرها من الأنظمة المشكلّة قانونياً من قِبَل الرئاسة الروحية

2) لتأسيس الرعية في ما يتعارض مع المبادئ المذكورة أعلاه

3) للتمييز بين “الروحي” و”المادي” في نشاطات الرعية

4) لمعاملة كاهن الرعية بإذلال وكأنّه شخص يمكن استخدامه أو الاستغناءعن خدماته بقرار من لجنة الكنيسة

5) لحرمان الكاهن من حقّه في القيادة في كل أوجه حياة الكنيسة.

برأينا، عدم القبول بهذه النقاط يساوي الانتهاك لمبادئ الأرثوذكسية الأساسية. ينبغي لفت انتباه الشعب الأرثوذكسي لهذا الخطر الذي نعرضه.

Published by: Committee on Convocation of the 10th All-American Church Sobor of the Russian Orthodox Greek Catholic Church of America [NY], 1959.

بول فوتيو

بول فوتيو

الرّابِّي الذي تحوَّل إلى الأرثوذكسية

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات

مَن بين العديدين الذين تحوَّلوا إلى الأرثوذكسية، الرابِّي اليهودي بول فوتيو،وهو من الجماعة  اليهودية في مدينة آرتا  في اليونان،وقد تحوّل من الدين اليهودي ونال سر العماد مع عائلته.

إليكم ما كتبه الأرشمندريت نكتاريوس زيومبولاس حول بول فوتيو:

“عرفتُ بول فوتيو في الأماكن والأوساط الكنسيَّة في أثينا حيث كان يَعِظُ، ودائماً ما كنتُ أسمعه يتحدّثُ عن تَحَوُّلِه من الدين اليهودي إلى الإيمان الأرثوذكسي. عندما كان يتكلم، كنا نُصغي إليه برهبة وعاطفية ونطرح عليه أسئلة ذات طابع عامّ. كان ملتزماً بشدّة بحياةَ الكنيسة الأسرارية. كان مُحيّاه وشخصيّتُه ينضحان وقاراً، ورائحتُه كالبخور. سوف أَذكرُ حادثة محدَّدة شهدتها في معرفتي ِلِبول فوتيو. بحسب ما أَذكر، فقد جرت في أثينا بين سنتَي 1960 و1962.

كان ذلك مساء الخميس العظيم، وكنا في كنيسةٍ في أثينا لحضور خدمة الآلام المقدسة. كنتُ، حينها، علمانيّاً، وصادف أنني وُجِدتُ ناحية بول فوتيو، قرب الأيقونسطاس أمام أيقونتي المسيح والسابق (يوحنا المعمدان). حين كان الكاهن الرخيم الصوت يقرأ المقطع الإنجيلي: “فلما رأى بيلاطسُ أنه لا ينتفعُ شيئاً بل بالحَري يزدادُ البَلبال، أخذ ماءً وغسلَ يَديه قدام الجمع قائلاً إني بريء من دم هذا البار، أبصِروا أنتم. فأجاب جميعُ الشعبِ وقالوا دمُه علينا وعلى أولادنا” (متى27: 24- 25)، سقط بول فوتيو بقوة على الأرض مغميّاً عليه. وفيما كان الكاهن يتابع القراءة، نقلناه إلى الهيكل. سرعان ما رآه أحد أطباء الرعية وقام بما يَلزَم، وبعد أن تعافى لم يَرضَ أن يترك قبل أن تنتهي الخدمة. من الطبيعي أن الحاضرين من أبناء الرعية عرفوا بما حدث، وظنّوا أنه أُغمي عليه بسبب الوقوف. القليلون عرفوا أن ذلك حدث في اللحظة التي سمع فيها المقطعَ الرهيبَ من الإنجيل. بعبارة أخرى، تلك الكلمات كانت تنطق فيه، وقد مَسَّتْه بالصَّميم، إذ قد عاش، بعد ألفي سنة، ذاك الإعترافَ الأخرق من مواطنيه اليهود… لقد تحوَّلَ قلبُه من شخص في ضياع إلى المَسيّا يسوع الحقيقي؛ لقد فُطِر قلبه وأيقن حقيقة الجريمة الفظيعة التاريخية التي حدثت على الجلجلة…”.

ما يلي مقتطف من كرّاس كتبه بول فوتيو باليونانية، عن تَحَوُّلِه، عنوانُه “تَحَوُّلي إلى المسيح”:

تَحَوُّلي إلى المسيح

بقلم بول فوتيو

ربما قرأتم، في الصُّحُف، عن الحَدَث الكبير الذي جرى منذ عقد مضى، بنعمة الله، لي ولعائلتي. ولكن، ربما لم تَعلَموا بذلك. إنه حول عودتي إلى المسيح ومعموديتي وعائلتي كلِّها، في عيد العنصرة في مطرانية آرتا المقدسة. بالنسبة لي ولعائلتي، كان ذلك مَعْلَماً مُهمّاً في حياتنا، لذا فإننا دائماً ما نشكر الله بربنا يسوع المسيح، ابنِه الوحيد، على النعمة والكرامة اللتين من لَدُنِه، لكي يَدعونا إلى طريقه لخلاص نفوسنا. فالشُّكرُ له عظيم كما هو واجبنا نحو الآخرين… أولاً لإخوتنا الإسرائيليين الذين، بسبب سوء تفسيرهم للكتاب المقدس، يرفضون ويكرهون، بشكل عنيف، المسيحَ الذي قد أتى. هو الذي سلَّمه آباؤنا إلى الموت المُخزي، إلا أن أباه أقامه في اليوم الثالث بحسب الإنجيل. طبعاً من أجلهم قد كَتَبْتُ هذا الكرّاس، بشكل خاص، لكي أجعل الأمر أُسَهِّلَ عليهم، بمعونة الكتب المقدسة، فيرغبون ويعودون ليَقبَلوا المسيحَ مخلِّصاً لهم، الذي سيأتي لا يُخلِّصَ بل ليُحاكم الأحياءَ والأموات.

ظهورات السيّد قُبَيلَ استنارتي

الظُّهورُ الأول للسيّد

كان ذلك في فترة التريودي، في الأسبوع الثاني أي أسبوع الابن الشاطر، وهو الزمن الذي يدعونا فيه الربُّ للتوبة والصوم من أجل الإحتفال بالآلام والصلب الرهيبين. حينها، رأيت في نومي ما يلي: رأيت أنني كنتُ أقيمُ صلاةَ غروب السّبت وكنت أَدرُسُ التوراة في إحدى المخطوطات، في مقطع الخروج من مصر، فشاهدتُ هناك ثلاث كلمات باليونانية مكتوبة بحبر ذهبي جاء فيها: “الإيمان يُحرِّرُ الأمّة”

عندما قلبتُ الصفحةَ الثانية، وجدت نفسي في بيت كبير، يقف على مدخله جنديَّان.

في تلك اللحظة، ظهر ربُّنا يسوع المسيح. قرع الرب على الباب فنزلت مسرعاً وفتحتُه. في دخوله، أخرج المسيحُ، من جيبه، صورةً فيها 360 شخصاً وأعطاني إياها. بما أني لم أستطع فهم ما تعنيه تلك الصورة، قال لي: ” الكثير منكم غادروا كرهائن وكثيرون منكم عادوا من آرتا Arta. إنه وقت التوبة عن خطايا آبائكم، التي هي صلْبي”. حينها، أراني الثقوبَ في يديه. وبعد أن قدّم  تفسيراً مستنيراً ما تعنيه للإصحاحات الـ 26 من سِفْرِ الّلاويين، تَوارى…

الظّهور الثاني للسيد

بعد شهرين، وبما أنني استمرّيت بدراسة مختلف الكتب من الكنيسة الأرثوذكسية وكنت أَحضُرُ القداس الإلهي، وصلنا إلى الأربعاء العظيم. ليلة الأربعاء العظيم نمت وأنا في غاية الاضطراب بسبب ما سمعتُه في الكنيسة. وللمرة الثانية، شاهدت المسيح كما يلي:

شاهدت أنني كنت بصحبة عائلتي التي سبقت تصفيتها في ألمانيا، وكنا نأكل سويّة في مدخل منزلي. وفي لحظة، قُرِعَ البابُ ودخل ساعي بريد آرتا وسلَّمني رسالة. فتحتُ الرسالة فوجدتُ داخلها الصورةَ التي أعطاني إياها السيدُ وتخلياً عن رتبة الرابي للجماعة اليهودية. أيضاً، كنت منتشياً بصورة الـ 360 شخصاً. ثم سُمِعُ صوت غريبٌ في البيت، وقال لي: “الكثيرون منكم تركوا، والكثيرون عادوا. إنه الأوان لكي لا تسمعوا لأيٍّ كان. هلمَّ وتعال معي بصحبة عائلتك، إن خطيئة آبائكَ تعذِّبُك. تُب وتعال معي فتُخلُصَ نفسُك”.

منذ تلك اللحظة، تاجَّجت شعلةُ إيماني، وأعلنتُ ما حدث لعائلتي حاثّاً إياهم لكي نذهب جميعاً، بأسرع ما يمكن، إلى الميتروبوليت سيرافيم ليقوم بتعليمنا الإيمان المسيحي ثم تعميدنا. في اليوم التالي علمتُ من أحد أصدقائي الإسرائيليين، إخوتي سابقاً، قد ابتكروا خطّةً لطردي من المجمع اليهودي فيما لو ذهبت إلى المجمع يوم السبت، كما فعل الكتبةُ والفريسيون أيام الرب يسوع. لذا، تجنبت الأمرَ. وفي اليوم الثالث من الفصح، ذهبنا إلى الميتروبوليت بهدف تعليم العائلة الإيمان المسيحي، وقد وعدْنا سيادَتَه بأننا سوف نُبلِّغُه عن موعد المعمودية قبل عشرة أيام من حصولها موعدها.

الظُّهور الثالث للسيد

انقضى أربعون يوماً بين الفصح وعشية عيد الصعود، حيث في ذلك الوقت يحتفل اليهود بعيد العنصرة، وكانت العادةُ عندنا أن نُمضيَ الليلة في أكثر من عشرين بيتاً، لدراسة تقليد الشريعة الموسوية في سيناء. في تلك الليلة، كنت وعائلتي ندرس كتاباً حول حوار بين غريغوريوس رئيس الأساقفة ورابّي يدعى إروان Erwan الذي كان قد دُعي من قِبَل ملك إثيوبيا للنقاش حول المسيح. طلب الرابّي أن يُمهَلَ أربعين يوماً لكي يدرس الكتابَ المقدس قبل المناقشة. بعد انتهاء المدة، عرض وناقش، لثلاثة أيام بلياليها، مع سبعين معلِّماً. في النهاية، قال الإسرائيليون بأنهم سوف يؤْمِنون شرط أن يَظهَرَ لهم السيد، الأمرُ الذي حصل. لكن، وبسبب ضعف إيمان اليهود، حالما ظهر السيد لهم “وكانت الأبوابُ مُغلَقة” (فقد حضر على سحابة في وسط الغرفة)، صلّى الأسقف فصاروا عُمياناً. فيما كانوا عمياناً حثَّهم الأسقفُ على الإعتماد. بعد المعمودية، فُتحت أعينُ أذهانهم فآمنوا بيسوع مخلص البشر، وكذلك مَلكُهم وحاشيتُه، ما مجموعُه 1500 شخصاً من المدينة. كان الوقت قد صار منتصف الليل فيما كنت أدرس ذلك، فسمعت ثلاث طرقات على سطح بيتي، أغلقت الكتاب خوفاً وذهبت للاستلقاء. بعدها، سمعتُ بابَ غرفتي يُقرَعُ، ودخل الربُّ يسوع المسيح يحمل بيده قطعة قطن مغمّسة بالزيت، فمسحني بها على شكل صليب على وجهي وقال لي: “يا بول، يا بول، ابتداءً من غد، سوف تكون لي. مهما حصل لا تَتزعزع، فسوف أكون فيك”. نهضتُ بسرعة وأخبرتُ زوجتي وكلَّ عائلتي بما حدث لكي لا يتزعزعوا من خوف أو إغراء ماليّ مهما كان مقداره. وهو ما حدث، للأسف، في اليوم التالي.

محاولة الرّشوة

في اليوم التالي، وهو أول يوم من عيد العنصرة اليهودي، تواجَدَ المجلسُ اليهودي بأكمله في منزلي، حوالى الساعة الحادية عشر قبل الظهر، وحاولوا التأثير عليَّ بعرضهم مبالغ كبيرة من المال. وهذا ما فعله، أيضاً، أقربائي الذين وصلوا من جزيرة ” كورفو”. لكن، وبسبب تحذير الرب المسبَق، بقيتُ وعائلتي ثابتين في الإيمان المستقيم المستقبلي ومعموديتي باسم الإله المثلّث الأقانيم، الآب والابن والروح القدس.

الثامن من حزيران سنة 1952

في اليوم التالي، أبلغتُ سيرافيم ميتروبوليت آرتا بما حصل طالباً أن يعمّدنا. فكان يومُ الأحد الواقع فيه 8 حزيران 1952- وهو يوم عيد العنصرة في الكنيسة الأرثوذكسية- الساعة 12:00 ظهراً، تاريخ معموديتي مع أفراد عائلتي الثلاثة، وذلك أمام الكاهن وسلطات المدينة والعديد من الناس قُدِّرَ عددُهم بأكثر من ثلاثة آلاف.

رسالة بول فوتيو، الرابّي السابق لآرتا، إلى الرابّي والمسئولين الإسرائيليين.

“والباقون منكم يَفنون بذنوبهم في أراضي أعدائكم. وأيضاً بذنوب آبائهم معهم يَفنون. لكن إن أقرّوا بذنوبهم وذنوب آبائهم في خيانتهم التي خانوني بها وسلوكهم معي الذي سلكوه بالخلاف…” (لاويين 26: 39- 40).

أحبّائي اليهود، ها معجزة الفتْك بنا يومياً من الألمان الذين، وللأسف، أمسكوا بنا وأبادونا بسبب خطايا آبائنا الذين حَرَّفوا تفسيرَ الكتاب المقدس وصلبوا المسيّا يسوع، وقد أُلقيَتْ خطيئةُ الصلب علينا، عندما قال الفريسيون الجشعون لبيلاطس: “دمُه علينا وعلى أولادنا” (متى 27: 25)، وقد وافق باقي الرعاع على ذلك قائلين “آمين”، فتم أُبعادُه…

وأخيراً، يا أحبائي، رأينا في اللغة العبرية كلمةً مكتوبة أعظم من أي كلمة أخرى، التي نقولها صارخين بقوة ونغمة ملحنَتين: “تذكّروا شريعةَ موسى التي قيلت في حوريب” ألخ… من الضروري دراسة كل التفاصيل في هذا الإصحاح، إضافة إلى الإصحاح 26 من اللاويين اللذين كُتِبَ فيهما عن كلُّ الكوارث اللتي ستحل باليهود بسبب عصيانهم شريعةَ الله، إلى النقطة التي ذُكرَ فيها بأننا الشعب المسئول…

أحبائي، لا أتكلم انطلاقاً من منفعة مادّيّة، لكنني أتكلم بنعمة الروح القدس التي تلقَّيتُها بربنا يسوع المسيح يوم معموديتي. أتكلم معكم، من أجلي ومن أجل كل البشر، أتوجّه إليكم بالتوبة لي ولكل البشر إلى الرب يسوع المسيح، الذي هو المسيح ومخلص كلِّ الخطأة التائبين، وأرجو أن نكون جميعاً رعيَّةً لراعٍ واحد وهو المسيح. آمين

مع محبتي في المسيح

بول فوتيو

بؤس الحضارة الأوروبية

بؤس الحضارة الأوروبية

القديس نيقولا فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

هذا المقطع جزء من عظة ألقاها القديس في 1917. ما يرد فيها ما يزال قائماً إلى اليوم مع إمكانية استبدال عبارة “الحضارة الأوروبية” ب”حضارة هذا الدهر” (المترجم)

إن الحرب القائمة (الحرب العالمية الأولى) تكشف بؤس الحضارة الأوروبية. تعرّي أوروبا البشع جلب العار لكل الذين كانوا يركعون أمام قناع أوروبا الذي كان قناعاً حريرياً لامعاً يخفي بشاعة أوروبا الداخلية وبؤسها. هذا القناع سُمي ثقافة، حضارة، تقدماً وعصرنة. كل هذا كان مجرّد بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ وَقَبْضُ الرِّيحِ. عندما هربت النفس، ما بقي كان فارغاً وبشعاً وخطراً. عندما يغرق الدين في العجز: يصير العلم قناعاً للغرور، والفن قناعاً للهباء، والسياسة قناعاً للأنانية، والقوانين قناعاً للطمع، واللاهوت قناعاً للشكّ، والمعرفة التقنية بديلاً بائساً للروحانية، والصحافة بديلاً يائساً للأدب، والأدب حنيناً مَريضاً وهراءً وبهلوانية أقزام، والحضارة ذريعة للإمبريالية، والكفاح من أجل الحق  صيغة رجعية من العقائد البدائية، والأخلاق المسألة الأكثر إثارة للجدل، والنزعة الفردية الاسم الثاني للأنانية والفردانية، والمسيح متسولاً منفياً يبحث عن مأوى، بينما في القصور الملكية الفريسية يعيش مكيافيلي الملحد، ونابليون الكافر، وماركس المنكِر لوجود الله، ونيتشه الزنديق،  ويستبدّون بحكّام أوروبا.

الروح كان فاسداً وكل شيء صار فساداً. روح الحضارة يُستوحى من دينها، أمّا روح أوروبا الحديثة فلم يُستوحَ من دين أوروبا أبداً. لقد بُذِلَت جهود جبّارة في دوائر كثيرة لتحرير أوروبا من روح دينها. لكن باذلي هذا الجهد نَسَوا أمراً واحداً وهو أنّه ما من حضارة تحررت من الدين وعاشت. حينما كان يبدو أن هذا التحرر اكتمل، كانت الحضارة المعنية تتضعضع وتموت، تاركة وراءها مادية بربرية في المدن وخرافات في القرى. كان على أوروبا أن تعيش مع المسيحية أو أن تموت في المادية البربرية والخرافات من دونها. لقد تمّ اختيار طريق الموت. من أوروبا الاستعمارية أتت العدوى أولاً إلى كامل الجنس الأبيض. هناك أُشير إلى الصيغة الخطرة: “خلف الخير والشر”. أجزاء أخرى من العالم الأبيض تبعت ببطء، سائرة أولاً  على الطريق بين الخير والشر. الخير تمّ تحويله إلى القوة، والشر فُسِّر على أنّه ضرورة بيولوجية. الدين المسيحي، الذي ألهم أعظم الأمور التي في أوروبا في كل نقطة من النشاط البشري، حُطَّ من قدره من خلال الشعارات الجديدة: الفردية والليبرالية والمحافظة والقومية والإمبريالية والدهرية، التي بجوهرها لم تعنِ شيئاً غير محو المسحة المسيحية عن المجتمع الأوروبي، أو بتعبير آخر، إفراغ الحضارة الأوروبية. لقد تخلّت أوروبا عن الأمور العظيمة التي تملكها وتشبّثت بما هو أقلّ وأدنى. أعظم الأمور كان المسيح.

كما أنه يستحيل تصوّر الحضارة العربية في إسبانيا من دون الإسلام، أو حضارة الهند من دون الهندوسية، أو روما من دون البانثيون، كذلك أيضاً لا يمكن تخيّل حضارة اوروبا من دون المسيح. ومع هذا، ظنّ بعض الناس أن المسيح لم يكن حاجة أساسية لأوروبا، وتصرّفوا على هذا الأساس من دون المسيح، لا بل ضده. المسيح كان إله أوروبا. عندما نُفي هذا الإله (من السياسة والفن والعلم والحياة الاجتماعية والأعمال والتربية)، راح الكلّ يسأل بإلحاح عن إله، وظنّ كل واحد نفسه إلهاً، وهناك كان سبب الإخفاق بالحقيقة، في النظريات التي تعلن، بشكل علني أو مقنّع، كل إنسان إلهاً. وهكذا، صارت أوروبا الملحدة ملأى بالآلهة.

كونها من دون المسيح، ظنّت أوروبا نفسها أنّها متحضّرة. بالحقيقة ما كانت سوى وادٍ محروم مليء بالعظام الجافة. الأمر الوحيد الذي كانت تمتلكه لتتباهى به كانت قوتها المادية. بهذه القوة فقط أثّرت وأخافت البلدان غير المسيحية (وليس تلك التي ضد المسيح) في آسيا الوسطى والشرقية، وأفسدت القبائل الريفية في أفريقيا وغيرها. لقد انطلقت لتغلب لا بالله ولا له، بل بالقوة المادية واللذة المادية. لم تدهش روحانيتها أياً من شعوب الأرض. بينما ماديتها أذهلتهم جميعاً. فقرها الداخلي رأته الهند والصين واليابان وروسيا بشكل جزئي. يا لهذا الفقر المذهل! لقد كسبت العالم كلّه وعندما نظرت إلى داخلها لم تستطع أن تجد نفسها. أين فرّت نفس اوروبا؟ الحرب الحالية سوف تعطي الجواب  (الكلام أثناء الحرب العالمية الأولى). هذه الحرب سوف تستمر طالما تبقى أوروبا من دون نفس، ولا إله، ولا المسيح. تتوقّف هذه الحرب عندما تستعيد أوروبا رؤية نفسها وإلهها الوحيد وثروتها الوحيدة.

الوحدة في الحق

الوحدة في الحق

توماس أودن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

توماس أودن هو دكتور في اللاهوت، أميركي من جماعة الميثوديين المتحدين، وهو مدير تحرير “المسيحية اليوم Christianity Today “، وكاتب ومحرر لعدد من الكتب من أهمها سلسلة “التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس” الذي نُقل عدد من أجزائه إلى العربية، من منشورات جامعة البلمند وتوزيع تعاونية النور.

الحوار عندما يتجنّب الحقيقة

لا يسعى المؤمنون التقليديون إلى تكوين مجتمع للمناقشات، من شأنه الطموح إلى أن يكون نسخة دينية عن الأمم المتّحدة. انهم لا يرون الاتحاد العضوي هدفاً نهائياً، خاصةً إذا خُفِّض هذا الهدف إلى مجرّد مراوغة خطابية وترقيع تنظيمي. ما يريدون رؤيته هو الاعتراف الحيّ بيسوع المسيح محوّلاً الخبرة البشرية الشخصية والاجتماعية. حيثما يرون ذلك، يعرفون إلفتهم العميقة معه مباشرة من قلوبهم. حيثما لا يسمعون ذلك، يعرفون داخلياً مدى غربة هذه التجارب وبُعدها.

إن إغراءات الحوار غالباً ما تشدّ المؤمن نحو المشاعر غير الموضوعية وتبادل المجاملات، والمساومات المؤسساتية. إن نماذج التفاعل التي تجعل هذه الإغراءات تزدهر هي التحكيم أو التفاوض وهي تبعدنا عن الحقيقة المعلَنَة بيسوع المسيح، وهي الحقيقة التي كلّ المؤمنين مدعوون إلى الاشتراك بها بالإيمان. لذا، ينبغي ألا يكون مفاجئاً أنّ كل المسيحيين التقليديين يميلون نحو اعتبار الحوار غير المنضبط كتجربة.

للمسيحيين الملتزمين تاريخ طويل من الخبرة مع الإحباط وعدم جدوى الحوار غير المنضبط وغير الوارد في الكلمة المكتوبة. غالباً ما يقودنا هذا إلى السؤال عن الحقيقة أكثر منه إلى مسألة كيف “نشعر”، وكيف يمكننا استيعاب مصالحنا المتنافسة أو التفاوض عليها. هذا يختلف عن مسألة الحقيقة المُعلَنَة في الإنجيل الذي يولّد وحده وحدة المؤمنين.

إذا كانت حقيقة الإنجيل هي المسألة المحورية في الوحدة المسيحية بالنسبة للمسيحيين التقليديين، فإن الشهادة الرسولية التي تُعرَف بيسوع المسيح هي الخطوة الأولى نحو الوحدة. كل حوار آخر، مهما بدا متجرّداً، هو بالحقيقة انحراف، ادّعاء بالبحث عن الحقيقة، وخدعة تستبدل النزاهة بالكلام النرجسي.

ما يبدو دعوة بريئة وكريمة إلى الحوار، قد يصل فعلياً إلى حدّ التخلّص من التحديد المسبق وإحلال ما نحسّ به في خبرتنا مكان مسألة الحقيقة. بهذه الطريقة، يصير الحوار أداة للتلاعب متشكلة بالفعل في الأماكن الخطأ. الملتزمون في كل العالم يسعون إلى وحدة في الحق، لا وحدة منفصلة عن الحق، ولا وحدة تحلّ محل الحق، بل وحدة في حقيقة الكلمة المعلَن.

الجدال المسكوني المحافظ والتخطيط المسكوني عرضة للاختلال عبر سوء الفهم الأساسي للعلاقة بين الوحدة والحق: إنهما لا يسعيان إلى الوحدة على أساس الحق. بشكل خاص، هناك أربع مواقف مسكونية معاصرة هي المختلّة، لا بل هي تزيد من فرص الشقاق المسيحي. لقد سادت هذه المواقف الأربعة في المسكونية الليبرالية، مستنبطة الشقاق من غير تعمّد، فيما كل منها هو غلطة في الترابط السببي:

1. اذا استطعنا التلاقي فقط على بعض المعايير الأخلاقية المشتركة، فسنحقق بذلك وحدة المؤمنين.

2. ذا استطعنا أن يكون لها نفس المشاعر أو الخبرات المسكونية المنفتحة، فسوف نحس بوحدتنا.

3. إذا استطعنا أن ننفتح على الحوار وحسب، فسوف ننمو نحو الوحدة.

4. إذا دمجنا المؤسسات المنفصلة استناداً إلى ذكريات مختلفة يخلقها الروح، فسوف نختبر وحدتنا من خلال مؤسسة، وبالتالي علينا الآن أن نجدد التزامنا ببقايا المسكونية المؤسساتية.

تتشابه كل هذه المحاولات بطريقة واحدة: إنها تضع الوحدة قبل الحقيقة. انهم يهدرون الحقيقة من أجل تحقيق وحدة سطحية. كلهم مخطئون. مع الجهود الرامية إلى الوحدة المسيحية، تفرّخ كل أشكال خيبة الأمل ما أدّى إلى الاضطراب المسكوني الذي يضربنا. كل هذه الاختلالات سببها واحد: أنها تقيم الوحدة على شيء غير الحق، بتلافيها الأساس الوحيد الذي منه تنبثق الوحدة المسيحية، ألا وهو الكلمة المعلَنة التي تُسمع بالروح القدس وتُقتَبَل بالإيمان.

توصية أمّ

توصية أمّ

القدّيسة مرتا أمّ القدّيس سمعان العجيب

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع

السلام لك، يا ولدي، من الربّ الإله أبينا كلّنا الذي اصطفاك، وسبا قلبك منذ عهد الأقمطة، فأحببته بثبات، وبقيت راسخًا في محبّته، وفي الإيمان المستقيم. لا أغالي إن قلت إنّي أشعر بالعظمة والفخار، أنا غير المستحقّة بين سائر النساء، لأنّي أمضي في سبيلي، وقد تركتك كاملاً بلا غضن ولا عثرات أمام الربّ. لم أمدحك طيلة حياتي خوفًا عليك، لأنّ الكبرياء سقطة عظيمة، ولقد قال النبيّ: “إنّ يوم ربّ الجنود على كلّ متكبّر ومتعالٍ، وعلى كلّ مرتفع فيُحَطّ” (إش 12:2). صلّ، دائمًا، لأمّك عساها تجد رحمة لدى الربّ الديّان، وإلى الدائمة البتوليّة والدة الإله لتشفع بي، فأحظى بالعفو والغفران. إنّي، وحتّى هذه الساعة، ما تزال صلواتي الحارّة ترتفع إلى عرش الربّ من أجل خلاصك، فبادلني أنت، أيضًا، هذه المنّة، وتوسّل دومًا من أجلي.

في كلّ ذبيحة إلهيّة، وأمام كلّ مذبح مقدّس قدّمتُ بخورًا، وسكبتُ دموعًا، ليمنحك الحنّان صبرًا لإتمام شوطك في هذه الحياة بإيمان. وإلى كلّ هيكل مقدّس هرعتُ، ولساعات طويلة تضرّعتُ ليسندك شهداء المسيح وقدّيسوه، ويؤازروك. أكرمتُ وجه كلّ إنسان قدّيس، طالبة منه أن يرفع الابتهالات من أجلك. جهاداتي وأتعابي كي تصبح كاملاً قُبلت كثمار زكيّة لدى الربّ. رأيت فيك كلّ ما يدعو إلى المباهاة، ولكنّني لن أُكثر من الإطناب الآن “إذ لا خير فيه” (2كو 1:12)، بل قدّم آيات الشكر للرؤوف القلب الذي أغدق بها عليك، هو القادر على أن يجعلك أهلاً لأعمال برّ أعظم وأكمل. كلّ ما اشتهته نفسي كأمّ رأيته فيك، فلا يغرّنّك، إذًا، عزّ الدنيا، ولا تبكِ على الزائلات، “وافطن لما هو فوق لا لما هو على الأرض” (1كو 2:3)، ولا تستضف النميمة داخلك، وتنجرّ وراء عدم إيمان البعض، جالبًا الغمّ لنفسك، لئلاّ ينطبق عليك قول النبيّ: “وعلى الأرض سعى لسانهم” (مز 9:72). انعكف على الصلاة من أجل الجميع بحرارة، وماثل المحبّ البشر الذي سأل بتواضع جزيل من أجل صالبيه: “يا أبتي اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 34:23).

“لا تحوّل وجهك عن فقير” (طو 7:4)، ولا تتغاضَ عن المُجهَدين بما أنّك أنت، أيضًا، تتألّم حاملاً صليب المسيح. لا تنس ضيافة الغرباء، واشترك في أحزان الجميع، وبخاصّة اليائسين، حسب المكتوب: “أمل أذنك إلى المسكين وأجِبْهُ برفق ووداعة” (سي 8:4). كن طويل الأناة، لأنّنا كلّنا نزلاء على هذه الأرض، ولن يذهب الصبر على الفقراء هباء. “لا تدع الكبرياء تستولي على أفكارك وأقوالك، لأنّ الكِبَر مبدأ كلّ هلاك” (طو 14:4)، والتواضع يغلب الموت. كن رحومًا قدر طاقتك، لأنّ الرحمة “تنجّي من كلّ خطيئة ومن الموت، ولا تدع النفس تصير إلى الظلمة” (طو11:4). ليكن الحقّ ترسًا لك، وكن كاملاً غير محابٍ للوجوه كدأبك، وكتلميذ حكيم عاقل لمعلّمك الإلهيّ اذكر العالم أجمع بصلواتك أمامه. اذكر، أوّلاً، مدينتك وسكّانها برّمتهم، ولا تنس، في صلواتك، أباك الروحيّ لأنّه يكنّ لك محبّة جمّة، ويتعب من أجل خلاصك. وصلّ، أيضًا، من أجل راحة نفس والدك بالجسد، وتوسّل من أجل والدتك التي ولدتك لكي تحظى بغفران خطاياها.

المعرفة والتفوقية عند الأطفال

المعرفة والتفوقية عند الأطفال

ماريا قبارة

المقدمة:

يقول الأب بورفيريوس الرائي:”تبدأ تنشئة الأولاد من لحظة تكوينهم، فالجنين يسمع ويشعر وهو في أحشاء أمّه. إنّه يسمع ويرى بعينيّ الأم، يُدرك تحرّكاتها  ومشاعرها، رغم أنّ فكره لم يكن قد نما”. ويولد هذا الإنسان مزوّداً بالاستعدادات التي تجعل منه كائناً قادراً على التكيّف مع البيئة المحيطة به، وأهم هذه الاستعدادات هي القدرة على التعلّم والمعرفة، وإدراك الأشياء، والتي بدونها لا يمكن أن تنمو وتتطور القدرات الأخرى. وتبدأ عمليات التعلّم أو المعرفة عند الإنسان منذ الصغر، وتستمر طوال حياته، فالحياة داخل الرحم مهمة جداً. فماهيّة المعرفة وتعلّم الطفل تتفاوت من طفل إلى آخر في كثير من الأحيان، كما ارتباطها بالذّكاء الذي يملكه والتفّوق الذي يحصّله.

ماهيّة المعرفة:

جاء في الكتاب المقدّس: “الآن حكمة ومعرفة” (2أي10:1). المعرفة ضرورية للحياة مع الله الكليّ المعرفة “المعلم الإنسان المعرفة”(مز10:94)، الذي يحبّ الحكماء الممتلأون من  المعرفة “الحكماء يذخرون معرفة” (مز14:10)، “شفاه الحكماء تذّر معرفة” و”لسانهم يحسن المعرفة” (مز7:15) (أم2:15). الحكيم عند الله هو الذي يقبل الإرّشاد ويتعلّم بذي فهمٍ ويكتسب الفضيلة ” وفي الفضيلة معرفة” (2بط5:1)، فالمعرفة خير والجهالة شرّ ” أمّا الشرّير فلا يفهم معرفة” (أم7:29).

ومن المعرفة مخافة الله “روح المعرفة ومخافة الرّب” (اش2:11)، والإنسان الذي يحبّ التأديب هو الذي يحبّ روح المعرفة (أم1:12)،  أمّا الذين يجدون المعرفة ينجون (أم 9:11).

من تزداد معرفته هو الإنسان الذكّي المتوَّج بهذه المعرفة (أم18:14)، والله منذ البدأ خلق الإنسان على صورته ومثاله عارفاً الخير والشرّ (تك22:3، 5).

فالمعرفة هي الفهم “خر31:35) والحكمة والعلم، فعليك بأذنيك إلى كلمات المعرفة فهي متاع ثمين، وفضلها ظل الفضة (جا12:7).

من هو الطفل المتفّوق وكيفية تعلّمه؟

لقد استخدم البعض هذا المصطلح ليعبّر عن الأطفال الذين يحصلون على درجة عالية في اختبارات الذكاء، ومن هؤلاء العلماء “تيرمان” إذ اعتبر الموهوب هو من لا تقل نسبة ذكائه عن 140. أما “هولبخورت” و”بيرت” فقد عرّفا الموهوب بأنّه من تزيد نسبة ذكائه عن 130. وهناك فريق ممّن يرون أنّ اختبارات الذكاء غير كافية لتحديد الموهوبين. فالكائن الحيّ يمثل وحدة تتكامل فيها المميزات الجسمية والوجدانية والإدراكية ولا يمكن الحكم على الكائن الحيّ بقياس ناحية منها دون اعتبار النواحي الأخرى. ونتيجة لهذا، يرى ” ثورندايك” وغيره، أن يُضاف إلى اختبارات الذّكاء: آراء المدرّسين، وسجّلات المدرسة، واختبارات القدرات العقلية.

تقول روث سترانغ :(Ruth Strang) في كتاب تربية المتفوّق أنّ المفاهيم المرتبطة به:

(The national society for the study of education)

إنَّ التفّوق مظهرٌ متكامل لنمو الطفل الكلّي، وهو متصل بجميع مظاهر النمو. وبالرغم من الاختلاف الظاهر بين الطفل المتفّوق والطفل العادي في بعض مراحل النمو، وفي بعض المجالات، فليسَ هناك وجود لإختلاف كليّ.

“فالطّفل طفل ولو كان متفّوقاً”، إنَّ التفّوق متعدد الجوانب ومتعدد النماذج، إذ تجد أطفالاً موهوبين في ضمن المتفوقين عقلياً. كما تجد أنماطاً مختلفة في الشخصيات بين الأفراد الموهوبين في الموسيقى والفنون والعلوم والقيادة وهم قبل كلّ شيء متفوقون في المعرفة ومستوى الإدراك عندهم عالٍ وله درجاته المختلفة. فالتفّوق يتَّخذ أشكالاً عدّة معتمداً على الظروف الخاصة.

إنَّ الأطفال المتفوقين ليسوا جماعة متجانسة، إذ توجد فروق فردية بين الأطفال المتفوقين أنفسهم، والتفّوق موجود في درجات مختلفة. ويمكن القول بأنّه يتدرج في الموهبة البسيطة إلى أعلى مستويات العبقرية.

التفّوق متدرج في تقدمّه وتطوّره منذ الولادة حتى النضج، فهو ينمّي ذاته بواسطة استجابات الفرد للمؤثرات البيئية. ويمكن أن يُقضى عليه بواسطة الحرمان المتزايد من الحبّ والعطف، ومن النقص في المؤثرات الفكرية، ومن الفرص المحدودة للعلاقات الاجتماعية. وفي ظلّ الظروف الجيدة، ينتظر أن يحافظ المتفوقون على مستواهم الفطري العالي في العفوية والأصالة والإبداع والتحصيل.

إنّ أوجه التفّوق للمرحلة الابتدائية التعليمية تتمثل في السلوك العلني الظاهر التالي:

  1. التفّوق في الذكاء
  2. التفّوق في العلوم
  3. التفّوق في المواهب الخاصة
  4. التفّوق في القيادة الاجتماعية

1- التفّوق في الذكاء:

إنَّ للذكاء تعريف بثلاث فئات واضحة هي:

الفئة الأولى: وهي التي اعتبرت الذكاء قدرة عقلية فردية عامة في جميع العمليات العقلية، فمثلاً يقول وودرو: “الذكاء هو القدرة على التكيف العام مع المشكلات الحياتية”.

الفئة الثانية: وهي التي تعتبر الذكاء ليس قدرة واحدة بل هي قدرتين أو ثلاث.

الفئة الثالثة: وهي التي تعتبر الذكاء مجموعة من العوامل أوالسمات تزيد عن ثلاثة.

الذكاء يتأثر في نشأته ونموه بالتفاعل القائم بين المحددات الوراثية والمثيرات البيئية، ويُولدُ الفردُ وهو مجهزٌ بدوافع وقوى وقابليات متباينة. والاختلاف القائم بين الأفراد في الذكاء عائدٌ إلى مدى استخدام الأفراد لعقولهم في التنظيم والادراك والمقارنة والتفسير للبيئة المحيطة بهم. وهكذا فالذكاء يخضع للتعلم والاكتساب. ولكنّ قدرات الفرد قد تقف حائلاً إذ إنَّ الفرد يملك قدرات معينة وباستطاعته أن ينميها، كما له حدوداً وراثية لا يمكن أن يتخطاها، وهناك عوامل مهمّة مؤثرة على الذكاء أهمها: عوامل الوراثة والبيئة الأسريّة أو العائلية والعمر الزمني والجنس والمستوى الذي ترقى إليه العمليات العقلية.

2- التفّوق في العلوم:

يذكر “هيثنسون” في كتابه: تربية الأذكياء، أنّ التقصير في العلماء والرياضيين ظاهر في الميدان التربوي، ومن دون نسبة عالية من الرياضيين والعلماء فإنَّ التعليم التكنولوجي المُنتَظَر سيكون على شفير الهاوية، لذلك يؤكّد أهمية اختبار الأفراد الأذكياء وتقديم الفرص التربوية لهم، لأنّهم المؤهَّلون لأن يكونوا رجال المستقبل ورواد العلم والتقدم التكنولوجي المُنتَظَر.

يشير “براندوين” Paul brandwin إلى أنّ القدرة العلمية تحتوي ضمناً القدرات التالية:

1-             القدرات الشفهية

2-             القدرات الاستدلالية

3-             القدرات العددية

يقول: إنّ نمّو الطفل المتفّوق يتأثر فعلياً بالخبرات المتنوعة وبالظروف البيئية المحيطة به. ويبدو أنّ التعرف على الطفل المتفّوق في العلوم في المرحلة الابتدائية ليس أمراً عسيراً، فالقدرات العقلية التي هي الأسس العملية في العلوم يمكن قياسها وتشخيصها باتّباع بعض الاختبارات العقلية. ويمكن اكتشاف القدرة العلمية أيضاً بواسطة الملاحظات الدورية المستمرة من قِبَل المعلمين، ومراقبة النشاطات والمشروعات التي يختارونها بعيدة عن المواد المنهجية المقرّرة. ويتميّز الطفل المتفّوق في العلوم عن أقرانه بالخصائص التالية:

1-             نجاحه في الحساب وتقدمه المستمر

2-             قراءته المبكرة وميله إلى المطالعة في كتب الاختراعات العلمية والاكتشافات

3-             ممارسته المشروعات والنشاطات الإضافية الخاصة

4-             صرفه وقتاً معتبراً في إنجاز وتنفيذ مواضيع مهمة بالنسبة له

فالفرد الذي يتصّف بهذه الصفات لابد أن يكون في طريقه لاكتساب مهنة في العلوم.

3- التفّوق في المواهب الخاصة:

الشخص المتفوّق هو الشخص الموهوب كما أنَّه الشخص العبقري، فالتفوق من ثمَّ يضمّ عبارة الموهوب والعبقري بين طيّات معناه. ولا يُستساغ القول بأنّ الشخص موهوب وليس متفوقاً. ولكن يصّح القول بأن تفوّق هذا الشخص هو في المجال الموسيقي مثلاً ولكن نسبة ذكائه تقترب من المتوسط وهذا التشخيص يعني بأنّ الفرد يملك الموهبة الموسيقية، وأبدعَ في الموسيقى ولكنّه بحاجة إلى رعاية لتنمية التفكير الخلّاق المبدع لديه، وأنَّ بعض قدراته بحاجة إلى تدريب وعناية. ولابدَّ من الملاحظة بأنّ النقص الاجتماعي والعاطفي والصحي قد يرتبط بالذكاء والمواهب الخاصة، ولقد دلَّت الأبحاث على وجود مثل هذا الارتباط، وأكدت بأنّ الارتباط هذا غير طبيعي، لأنّه ليس من الضروري أبداً أن يكون العبقري أو الموهوب مجنوناً أو غريب الطَّبائع، وهو لذلك بحاجة لمعالجة خاصة.

4- التفّوق في القيادة الاجتماعية:

تعود الصفات الفردية للتفّوق في القيادة إلى عوامل رئيسية ثلاثة:

1- العوامل الجسمية:

ويعني بها العوامل الشكلية الخارجية أيّ الوزن والطول والصحة والمظهر الخارجي، وقد أتت نتائج الاختبارات سلبية، إذ نفت وجود عوامل جسمية تميّز القائد من الفرد العادي.

2- الذّكاء:

ويعني به القدرة العقلية العامة والقدرة الشفوية المجردة، خاصّة وأنّ النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضيّة تتطلب مهارات عقلية فائقة، بالإضافة إلى القدرات الشفوية المجرّدة.

3- الثّقة بالنفس:

تُبيّن نتيجة الأبحاث أنَّ العامل النفساني، أيّ الثقة بالنفس، له الأثر في تكوين القائد الاجتماعي. كما أظهرت ارتباطاً مرتفعاً بين ثقة الفرد بنفسه والقيادة الاجتماعية.

أمّا التلميذ القائد فيتميّز بمايلي:

– تفوقه على أقرانه في العمر الزمني الواحد

– مشاركته للقيام في معظم الأعمال داخل الصف وخارجه

– تمتّعه بقدرة فائقة على الملاحظة الدقيقة

–  فضوله للقيام بالأعمال والتعرف على الأشياء

–  خياله

رعاية الموهوبين في المنزل:

تُبيّن نتائج عديدة من الدراسات التي أُجريت على الموهوبين أنَّ الظروف المنزلية الملائمة، لها أهمية كبرى في تقدم نموهم، ففي مقارنة عُقدت بين أفراد في مجموعة تضم ستمائة منهم، قُسّمت إلى قسمين: 1- الأكثر نجاحاً، 2- الأقل نجاحاً

وُجد أنَّ الأفراد الأكثر نجاحاً يتميزون عن الآخرين بظروف منزلية أكثر استقراراً من نواحي دوام رباط الزوجية وثقافة الأبوين. والمساواة بين أفراد العائلة والصحة العقلية الممتازة التي تدلّ عليها قلة حالات الشذوذ في الأقارب. وهكذا يظهر أثر التربية المنزلية، فالطفل في حاجة إلى الجوّ المنزلي الذي يُثير الابداع والابتكار ويُشعره بالانتماء ويشجّع فيه مواهبه الخاصة. وقد يتأخر نمو بعض قدرات الأطفال الموهوبين نتيجة للظروف المنزلية غير الملائمة، فكثير من الآباء تعوزهم القدرة على معرفة تفوق أبنائهم بسبب نقص معلوماتهم عن خصائص مراحل النمو المختلفة، أو لجهلهم بالنتائج المترتبة على إهمال نواحي التفّوق عند الأطفال، أو لعدم معرفتهم بطرق تنمية هذه القدرات وتوجيهها الوجه السليم. فقد يظهر طفل موهوب في الخامسة من عمره بقدرات عقلية جديدة بالنسبة لطفل في الثامنة أو التاسعة، ومن ناحية النمو الاجتماعي يكون هذا الطفل متفّوقاً على أقرانه من نفس عمره ولكن ليس بنسبة تفّوقه العقليّ.

التعاون بين المرشد المدرسّي والأسرة:

تُعتبر المدرسة المؤسسة التربوية التي يقضي فيها الطلبة معظم أوقاتهم. وهي التي تزودهم بالخبرات المتنوعة، وتهيؤهم للدراسة والعمل، وتعدّهم لاكتساب مهارات أساسية في ميادين مختلفة من الحياة، وهي توفّر الظروف المناسبة لنموّهم جسميّاً وعقليّاً واجتماعياً.. وهكذا فالمدرسة تساهم بالنمو النفسي للطلبة وتَنشئتهم الاجتماعية والانتقال بهم من الاعتماد على الغير إلى الاستقلال وتحقيق الذات.

إلّا أنَّه في كثير من الحالات نرى أنَّ المدرسة تنظر إلى الطلبة كما لو كانوا مجموعة متجانسة لا تَمايزَ فيها ولا تفرّد. وبذلك فهي تغفل سماتهم العقلية والنفسية والاجتماعية ولا تراعي الفروق في استعداداتهم ومعرفتهم وقدراتهم واتجاهاتهم ومواهبهم. فالطالب المثالي النموذجي هو الذي يبدي اهتماماً بالدراسة واحتراماً لقوانين وأنظمة المدرسة والعاملين فيها.

ونجد في كثير من الأحيان أنّ المدرسة لا تفهم حاجات الطالب ومشكلاته الدراسية والمدرسية، ولاتتهيأ لمواجهة متطلبات نموه العقلي والمعرفي والاجتماعي، بل تقف في وجهه وتتهمه بالكسل، ومن ثمّ يُظهر الطالب سلوكيات لا تتناسب مع المعايير الاجتماعية السائدة. وتأخذ هذه السلوك أشكالاً مختلفة سلبية تظهر في الصف كاللهو والتمرّد والتوترات الانفعالية وعدم الرغبة في المدرسة والهروب منها. كلّ ذلك يزيد من قلق الطالب واضطرابه وينعكس سلباً على تحصيله الدراسي. وأمّا الأهل فهم يشتكون من حالات ضعف مستوى أبنائهم وتحصيلهم. غير مدركين للأسباب الحقيقية الكامنة وراءها أو سبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأسباب القسّرية وغير التربوية لحثّ أبنائهم على الاجتهاد وكثيراً ما تكون النتائج سلبية.

من هذا المنطلق جاءت خدمات الإرشاد المدرسي في المدارس كوسيلة فعّالة من أهم وسائل التربية المتطورة، في عصر تتغير فيه الاحتياجات بتسارع مذهل، وتتصاعد فيه المشكلات في البيئة المدرسية والعائلية والاجتماعية والحياتية. ونذكر من المشكلات الشائعة التي قد يعاني منها الطلبة على سبيل المثال: مشكلات التقصير الدراسي، مشكلات الاستعدادات والميول والتي تؤثر في نجاح الطالب دراسياً، ضعف الدافعية للدراسة، عادات الدراسة الخاطئة، صعوبات التعلم، وغيرها من مشكلات قد تعود أسبابها إلى عوامل تربوية ونفسية واجتماعية أو اقتصادية أو صحية. ولابد من القول بأنّ الخدمات النفسية والتربوية لا تحقق الأهداف المرجوة منها إلاَّ من خلال التعاون والتنسيق بين المرشد المدرسي والمدرسة والأهل معاً. ومساعدة الأهل للمرشد المدرسي أساسية في فهم مشكلات أبنائنا وفي علاجها.

يوميات طفل موهوب عمره ثلاث سنوات:

قال يوماً جيزيل: “ثلاث سنوات هي نوع من النضج”.

أعرف أن أشدّ انتباه الكبار إليّ. أعرف كيف أعبّر عن مشاعري أو عن انزعاجي تجاه الأشخاص الكبار والأولاد الآخرين من أترابي. أحب أن أقود الأولاد الذين هم في مثل سني وأن أتفّوق عليهم، أشعر بالفخر والمجد عندما أنجح بالقيام بشيء معقد. أتوقع نتائج أعمالي. والمفاهيم المجردة لم تعد تخيفني. أستطيع أن أتخيل أشياء حتى لو لم أرها. أستعين بخيالي لاختراع طرق جديدة في اللعب. أصعد السلالم بوضع رجل بعد الأخرى على كلّ درجة وأنزل بوضع الرجلين معاً على كلّ درجة ولكنني أقفز عند الدرجة الأخيرة. أطرح الأسئلة بدون توقف. أعرف أننّي صبي وأعرف اسم عائلتي. يمكنني أن أكرّر جملة من ستة مقاطع وأن استخدم الجمع مع مفردات عددها 300كلمة. موهبتي هي الرسم وأرسم سواء طُلب منّي أم لا. فأرسم دائرة أو صليباً. حتى أننّي أحاول أن أرسم شخصاً. لا أبوّل تحتي في السرير ولكنّي بحاجة إلى بعض الملاطفة في المساء.

كيف تكون الحياة داخل الرحم؟

عندما سمعت إليصابات سلام مريم وهي تلقي عليها التحية ارتكض الجنين في بطنها وامتلأت من الروح القدس… وقالت… فإنّه عندما بلغ سلامك إلى أذنيّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني!. (لوقا41:1-44)

إنَّ أحاسيس الجنين قد أتى على ذكرها الانجيل نفسه، ثم طمست فيما بعد لعدّة قرون. ولم يعدّ اكتشاف روعة وغنى الحياة “قبل الولادة” إلّا مؤخراً. إنَّ الجنين هو “شخص” يرى ويسمع ويشعر ويتذوق ويتحرك… الخ. فالولادة إذاً تبدو كحلقة من الحياة التي بدأت فيما بعد على كلّ المستويات الحسيّة.

التربية على ضوء الكتاب المقدس

1. دور الأهل في التربية:

إنَّ حياة الوالدَين داخل البيت وحدها تحمي وتُنشئ أولاداً صالحين. يجب على الوالدَين أن يُعطوا أنفسهم لمحبة الله أولاً. يجب أن يصيروا بوداعتهم، وبصبرهم، وبمحبّتهم لبعضهم قدّيسين بالقرب من أولادهم. وأن يضعوا كلّ يوم خطّاً جديداً وشوقاً جديداً، وغَيرة ومحبّة للأولاد. سوء تصرُّف الأولاد ينتج عن خطأ الأهل بشكل عامّ. لا النصائح ولا النظام ولا القساوة تخلّص الأولاد. إن لم يتقدس الوالدَين، إن لم يجاهدوا، يرتكبوا أخطاءً كبيرة وينقلوا الشرّ الذي في داخلهم. فسلوك الأولاد له علاقة مباشرة بحالة الأهل.

2. دور المدرسة في التربية:

أنتم التربويّون تنقلون القلق سراً إلى الأولاد وتؤثرون عليهم من حيث لا تدرون. بالإيمان يرحل القلق. نقول في الطلبات: “لنودع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكلّ حياتنا للمسيح الإله”.

الحاصل مع الأهل يمكن أن يحصل مع التربويّين. في المدرسة تستطيعون أن تساعدوا الأولاد بالصلاة والقداسة. يمكن أن تظلّلهم نعمة الله وبها يصيرون أولاداً صالحين. لا تحاولوا تصحيح الحالات السيئة بطرق بشرية، لأنّ ذلك لا يأتي بأيّ نفع. اطلبوا النعمة الإلهية للجميع، لتذهب إلى أعماق نفوسهم، لتبدّلهم وتغيّرهم. هذا يكون مسيحياً. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:”وكلما خَبِرنا الحياة نشعر ونزداد قناعة بأنَّ تربية الأولاد درجة من الفضيلة تؤدي إلى سلوك روحي وإلى منهج مقدس”.

قابلوا الأولاد بمحبة الأطفال المميَّزة. عندما تدخلون الصفّ اغمروا بنظرتكم كلّ الأولاد، صلّوا ثمّ تكّلموا مقدِّمين لهم ذواتكم. عندما تقومون بهذه التقدمة في المسيح، سوف تفرحون. هكذا ستتقدَّسون أنتم مع الأولاد. ستعيشون داخل محبة المسيح وداخل الكنيسة، لانّكم تصبحون صالحين داخل العمل.

  1. نظرة الآباء:

إنَّ الدواء والسرّ الكبير لتقدّم الأولاد ومعرفتهم هو التواضع. الثقة بالله تُعطي ضمانة مطلقة. الله يريد أن نقود الأولاد إلى التواضع. لن نقوم نحن بشيء ولا الأولاد من دون التواضع. علينا أن ننتبه عندما تشجِّعون الولد. يجب ألاّ تقولوا له: “أنت ستحقّق كلّ شيء، أنت مهم، أنت متفوق!…..”، لأننّا بهذا الكلام لا نفيد الولد بل ينتج عنه نتيجة ذلك الكبرياء، بل أن نقول له: “يابنيّ، المواهب التي لديك من تفوّق وعلم ومعرفة هي نِعَمٌ قد وهبك إيّاها الله. صلِّ ليُعطيَك الله قدراتٍ لكي تزرعها وتُنميَها وتنجح بها. ليُعطيَك الله نعمته”.

المديح للأولاد مؤذٍ. فكلّ من يمدحُنا، يضلّنا ويفسد طرق حياتنا. فالمديح لا يهيئ الأولاد لأيّة صعوبة في الحياة، فينشأون غير متأقلمين اجتماعيّاً فيتيهون وفي النهاية يفشلون. الآن فسد العالم. يقولون للولد كلّ أنواع المديح. علينا ألأّ نزعجه ولا نعاكسه ولا نضغط عليه. يتلقّى الولد هذا ولكنّه لا يستطيع أن ينفعل حقاً حتى وفي أصغر صعوبة، وفي ايّة لحظة يعاكسه أحد، ينفجر غضباً، فيفقد طاقته. الأهل هم أولّ من يتحمَّل فشل الأولاد في الحياة ومن ثَمّ المعلّمون والأساتذة، لأنَّهم يمدحونهم باستمرار. يقولون لهم أقوالاً ذاتية وأنانية. لا يجلبونهم إلى روح الله، يبعدونهم ويغرِّبونهم عن الكنيسة.

لا يُبنى الأولاد بالمديح المتواصل على تفّوقهم وعلى مواهبهم، بل بهذا يصبحون أنانيين ومحبيّن للمجد الباطل والفارغ. يرغبون أن يُمتدحوا من الجميع باستمرار في حياتهم كلّها حتى ولو كان المديح كذباً. نقود الأولاد بالمديح منذ صِغرهم إلى الأنانية والكبرياء.

إنّ المديح على التفّوق وعلى كثرة المعرفة والمواهب يجعل الإنسان فارغاً ويطرد نعمة الله. فتفكير مجتمع اليوم يُسيء إلى الأولاد. له نفسية أخرى، تربية أخرى، تتوجَّه إلى أولاد ملحدين. هذا التفكير يقود إلى الاستقلالية.

يتعلَّم الأولاد من الآباء الروحييّن. تعليم الآباء الروحييّن يعلّم أولادنا عن الاعتراف، عن الأهواء، عن الشرور كيف كان ينتصر القدّيسون على ذواتهم الشرّيرة، وكيف يصيرون متواضعين، وينسبون مواهبهم إلى الله.

الخاتمة:

وهكذا تتضح أهمية هذه المرحلة –مرحلة ما قبل المدرسة وأثناءها- ودور المنزل في تكوين شخصية الطفل وفي وضع أسس صحته الجسمية والنفسية وعلاقته الاجتماعية بوجه عام. وأن يبتعد قدر الامكان عن التكبر نتيجة هذا التفّوق والمعرفة الحاصل عليهما، بل أن يحسب الآخر أكثر ذكاءً وأرفع مستوى في كلّ شيء وينسب لله كلَّ معرفته لأنَّ محبته تفوق المعرفة (أف19:3). أيّ بكلمة كما يقول القدّيس دوروثاوس غزة في كتاب التعاليم الروحية: أن نحسب أنفسنا أدنى من كلّ الناس. وأن ننسب إلى الله الأعمال الصالحة. هذا هو التواضع الكامل عند القدّيسين. وهو يُولد في النفس بتطبيق الوصايا. انظروا إلى الأشجار المحمَّلة بالأثمار. هذه الأثمار تجعل الأغصان تميل وتنحني إلى أسفل. بينما الغصن الذي لا يحمل ثمراً ينتصب في الهواء وينمو سوياً. وهناك أيضاً أشجار لا تحمل ثمراً  كونها تنمو مستقيمة نحو السماء، ولكن إذا علّقنا بها حجراً، جذبها إلى أسفل وأخذت تعطي ثمراً. هكذا النفس كلما تواضعت أنتجت ثمرَ التفوق والمواهب، وكلما أثمرت تواضعت. لأنّ القدّيسين كلما اقتربوا من الله رأوا أنفسهم خطأة.

المراجع

-الأب برفيريوس الرائي، مقالات روحية مختارة،  إصدار دير مار ميخائيل نهر بسكنتا، 2004

-القديس دوروثاوس غزّة، التعاليم الروحية، المقالة الثانية في التواضع، تعريب الارشمندريت افرام كرياكوس، طبعة ثانية منقحة1996

-أديسون، ويلارد. تطوّر نمو الأطفال، ترجمة ابراهيم حافظ وغيره، القاهرة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1962

-روسَّان، ليونيل. التفتُّح النفسي-الحركي، تعريب د. جورجيت الحداد، بيروت-لبنان

-جينس آرثر وآخرون. علم النفس التربوي، ترجمة ابراهيم حافظ وغيره، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1958

-صالح، أحمد زكي. خصائص النمو ومطالبه في علم النفس التربوي، 1968

-عبد القادر طه، فرج. أصول علم النفس الحديث، الطبعة الثالثة، 1999

-فهمي، مصطفى. سيكولوجية الطفولة والمراهقة، القاهرة.

فتور الجماعة

فتور الجماعة*

الأب أنطوان ملكي

الفتور الروحي تجربة تحدّث عنها الإنجيل والآباء القديسون كثيراً. والمؤمن، في مختلف مراحل تقدمه الروحي، معرّض لهذه التجربة التي تعيق تقدّمَه لا بل تعيده إلى الخلف. والفتور عكس الحرارة، لهذا الحرارة مطلوبة من المؤمن فيما الفتور مرذول. نرى الرسول بولس في رسالته إلى روما (الإصحاح 12)، يدعو المؤمنين إلى العطاء والرحمة والمحبة وكره الشر والالتصاق بالخير والفرح والشركة ويطلب منهم أن يكونوا “غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَادِ، حَارِّينَ فِي الرُّوحِ، عَابِدِينَ الرَّبَّ” (الآية 11). فالله لم يخلق الناس ولا الملائكة ليكونوا فاترين، وهذا ما نكرره يومياً في مزمور الغروب “الصانع ملائكته أرواحاً وخدّامه ناراً تلتهب” (4:103). وهذه الحرارة شرط لمعرفة الرب، كما يظهر من تساؤل لوقا وكلاوبا في عمواس: “أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟” (لوقا 32:24). ولهذا يرفض الربُّ الفاترين “لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي” (رؤيا 16:3).

وظاهرة الفتور قد تصيب الفرد والجماعة. لا يمكن تحديد الفتور أو قياسه بالكمية، فقد تمتلئ الكنائس بالحضور ويصير كل الناس ممسكين بأصول الترتيل ويُسَدّ النقص في عدد  الكهنة وتتحوّل الرعايا إلى مؤسسات منتجة مكتفية بما تنتج وما لديها من مشاريع ونشاطات. لكن كل هذه المظاهر لا تدلّ على الحرارة الروحية، فالبشر معرّضون، بحسب ما يصف الرسول في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (5:3) لأن يكونوا “لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا”. إن إنكار قوة التقوى هو الفتور الذي يحوّل الكنيسة إلى روتين، ويخضع كلّ شيء فيها للعقلانية، ويركّز على فضائل الجسد بدلاً من فضائل الروح، ويكتفي بالانشغال بالناس بدلاً من الانشغال بالله. باختصار، الفتور الروحي هو تعاطي القداسة من الخارج لا من الداخل.

ما هي مظاهر فتور الجماعة الروحي؟ الجماعة الفاترة تفتقد النماذج الحيّة، تعليمها هزيل وسطحي، الجري وراء الأموال فضيلة يتسابق أعضاؤها إليها، ويُسَخِّرون العمر والصحة والممتلكات لتحصيل العلوم، ويصير الصلاة والصوم والاعتراف والمناولة مجرّد بنود في جدول أعمال ينفّذونه فيشعرون براحة الضمير عند انتهائه، يكثر الكتّاب والمؤلّفون والنشرات فيها ولا مَن يقرأ، ويصير الحق والجمال والرحمة والصلاح والعفّة والحشمة قِيَم بشرية تخضع للاستنساب والملاءمة. الجماعة الفاترة جماعات يشدّها إلى بعضها التنظيم لا الروح، لذا لا يحمل بعضها أحمال بعض، ولا يحسّ غنيّها بفقيرها، ولا يسأل كبيرها عن صغيرها. الرعاية في الجماعة الفاترة لا تتخطّى الاجتماعيات، ورعاتها ناشطون إجتماعيون، وكنيستها مؤسسة لتنظيم أحوال الأفراد الشخصية وإيواء مناسباتهم. الجماعة الفاترة رمال تتحرّك فتخنق الإنسان الحارّ ذا القلب المضطرم والضمير الحي الذي لا ترى فيه إلا إنساناً متزمّتاً متطرّفاً.

كيف تتخطّى الجماعة الفتور؟ أولاً بتخطي كل واحد فتوره، وهذا لا يتمّ إلا بالتوبة والمحبة اللتين لا تتحققان إلا بالجهاد والتعب فيعود الله ليكون الشغل الأساسي لكل واحد، فلا يكتفي أحد بالماديات بل يطلب من لدن الله ما هو أفضل، فتصير حركته نحو الله وإليه. من ثمّ يترافق الواحد مع الآخر فتتحرّك الجماعة ومن حركتها تتولّد الحرارة، مقدّمة “كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2كورنثوس 5:10). مفتاح الحرارة، عند الفرد أو الجماعة، هو طاعة المسيح. أمّا المحاباة واسترضاء الناس ومجاراتهم في التدبير على حساب الدقّة فإنّما تعطّل هذا المفتاح، فلا الفرد يصير حاراً ولا الجماعة تتحرّك.

* عن نشرة الكرمة

حتّى يستجيب الرّبّ

حتّى يستجيب الرّبّ

الأرشمندريت توما بيطار

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

كلّ منّا يتساءل: “لماذا، يا ترى، لا يستجيب الرّبّ، عندما نطلب إليه؟!” – الجواب نجده في هذا الإنجيل: “إن أنتم ثبتُّم فيّ وثبت كلامي فيكم، تطلبون مهما أردتم، فيكون لكم”.

إذا أردنا أن يعطينا الرّبّ ما نسأله عندما نطلب إليه، فعلينا أن نقوم بأمرين: الأمر الأوّل، يجب أن نثبت في الرّبّ، وأن يثبت كلام الرّبّ فينا! بكلام آخر، علينا أن نسلك في الوصايا الإلهيّة، أي علينا أن نسامح بعضنا بعضًا، ونرحم بعضنا بعضًا، ونحبّ بعضنا بعضًا… علينا دائمًا أن نكون أمناء للرّبّ في وصاياه. كلّ وصيّة من وصايا الرّبّ علينا أن نسلك فيها. هذا معناه الثّبات في كلام الله. ما لا يرضى عنه الرّبّ يجب ألاّ نفعله، مهما كان. وما يرضى عنه الرّبّ يجب، لا فقط أن نقبله، بل أن نغصب أنفسنا حتّى نقبله، لكي يباركنا الرّبّ. بهذه الطّريقة يثبت كلام الرّبّ فينا.

الأمر الثّاني، “إن أنتم ثبتّم فيّ…” ما معنى ذلك؟! – إذا أراد إنسان أن يعمل، مثلاً، في شركة؛ يتمّ توظيفه، في البداية، والانتباه له، لكي ما يُعرف ما إذا كان أمينًا، ويحتمل الضّيقات والقسوة. تتمّ مراقبته لمعرفة ما إذا كان سارقًا، أو مخادعًا، أو يترك عمله قبل الأوان، أو يغصب نفسه، عندما يتعب، حتّى يواظب على العمل، ويحفظ الأمانة للشّركة أو لا… يتمّ اختباره لمدّة من الزّمن؛ فإذا ما كان أمينًا للشّركة، تتمّ ترقيته. وإذا ما حافظ، بعد ترقيته، على أمانته؛ تتمّ ترقيته من جديد، حتّى يصبح، في النّهاية، مديرًا لهذه الشّّركة. أي إنّ هذا الإنسان يكون قد ثبت في الشّركة.

كذلك، إذا ما نحن قبلنا كلّ ما يرسله إلينا الله ، وشكرناه عليه، ولم نتذمّر إذا أرسل إلينا ما لا يعجبنا – مثلاً، إذا منحنا نجاحًا، نشكره. وإذا سمح بأن نفشل، أيضًا نشكره. إذا وفّقنا في عملنا، نشكره. إذا لم يسمح بأن نتوفّق في عملنا، أيضًا نشكره، ولا نتذمّر، بل نقبل. إذا كانت صحّتنا جيّدة، نشكره. وإذا كانت متوعّكة، أيضًا نشكره، ونقبل… – إذا قبلنا كلّ شيء من الرّبّ، فإنّنا، حينئذٍ، نثبت في الله. وإذا ثبت الإنسان في الله، وسلك في وصايا يسوع المسيح، عندها، بعد فترة اختبار – ربّما تدوم بضعة أشهر، أو بضع سنوات – إذا رأى الرّبّ أنّنا ثابتون، في كلّ ما للكلمة من معنى، فمهما طلبنا يكون لنا. مهما أردنا يكون لنا. الرّبّ يعطينا كلّ ما نطلبه إليه.

إذًا، المسألة متوقّفة، ليس على الرّبّ، بل علينا نحن إذا كنّا نقبل من يد الله كلّ شيء أو لا، إذا كنّا نطيعه في وصاياه أو لا.

آمين.

عظة  حول يوحنا 15: 1- 7، الجمعة 06 آذار  2009