السنة الثامنة – العدد العاشر – تموز 2012

السنة الثامنة – العدد العاشر – تموز 2012

مختارات آبائية

صوم السيدة

الراهب موسى الأثوسي

حياة روحية

أحكام الله

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

اغتصاب الطبيعة

فيليب شيرار

عظة

كونوا كاملين…

الأرشمندريت توما بيطار

أبطال روحيون

سمعان المبارَك

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

المطران مـلاتـيـوس صـويـتـي

اليان جرجي خباز

رعائيات

الكنيسة والألعاب الأولمبية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حول الصلاة والمرض في حياتنا

الأب أنطوان ملكي

قصة

معجزة حديثة للأب باييسيوس في سيريس

الإيبوذياكون أمفيلوخيوس

فن كنسي

أيقونة القديس سيصوي الكبير أمام بقايا الإسكندر

الأب انطوان ملكي


لاهوت

المسيحية هي الحق وليست ديناً

كريس بانسكو

صوم السيدة

صوم السيدة

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

القديس غريغوريوس بالاماس رئيس اساقفة تسالونيكي اللاهوتي العظيم، رأى العذراء في رؤيا وكتب: “بأي كلمات بشرية نصف جمالك المنير من الله، أيتها العذراء والدة الإله؟ إن نعمتك يصعب تحديدها بالكلمات وبالأفكار. وحدها الرؤيا الإلهية تعطيها البريق والفرح والغبطة.”

جمال وجهها يأتي من نفسها الجميلة وقلبها الطاهر. إنه نور مفيض من الداخل مانحاً حشمة لا تضاهى وحسناً فائقاً. الجمال الصادر من طهارتها وحيائها وتواضعها اجتذب عين الله وجعلها أمَّ الإله والبشر.القديس نيقوديموس المتوشّح بالله يحثّ الجميع لتبنّي عقلية والدة الإله القديسة. لنهندم قلوبنا كما يليق لكي تسكن فيها فضائل والدة الإله حتى إذا ما رأينا هذه الفضائل عندنا نكتسب نِعم روحية وحسنات سماوية.

لقد وصلت أيام والدة الإله الخمس عشرة من شهر آب. أخبار الموت تأتينا من كل صوب وحدب. يومياً تصلنا نداءات لنذكر في الصلاة المرضى الذين في حالة حرجة، والموتى بمشاكل القلب والسرطان والأمراض المستعصية، وبأن نضيء لهم شمعة لدى والدة الإله العذراء.

العذراء مجروحة كثيراً إذ هي تعرف جيداً كيف تشارك الألم، وكيف تصل وتعزّي. في الأمسيات الدافئة في آب الجميل، التضرعات هي مثل بلسم يداعب القلوب المتألّمة وتجعلنا نشعر بمتعة رائعة كالندى اللطيف. عجائب الأيقونات المتعددة، مع القناديل التي لا تنام، شموع العسل التي لا تنطفئ، التقدمات الوافرة، الزخارف الفضية، التوبة، الدموع، السلامات، النذور، التعهدات، التضرعات والشكر: كثيرون يصومون ويعترفون ويتناولون.

إن وجه والدة الإله المقدّس والجميل مغرٍ. إنه يحرّكك لأن ترمي عليها أثقالك وألمك وأفكارك المرّة وطَبعَك وتعبك وتنهدات بؤسك. البلاد الأرثوذكسية مليئة بالكنائس والأديار والمناسك والمزارات التي لوالدة الإله. الزوار بالآلاف. في جبل اثوس، بستان العذراء، تسابيح عديدة للمدبّرة، المعزية، البوّابة، ذات الأيدي الثلاث، المديح، الحامية، القبلة الناعمة، السريعة الاستجابة، المفيضة الطيب، المرضِعة، والمستحقة الغبطة. كنيسة البروتاتون (الكنيسة الرئيسية في كارياس عاصمة جبل اثوس) تحتفل بالرقاد، كما الكثير من قلالي الأديار. والدة الإله هي المنجِدة السريعة للجبل المقدّس وهي تفرح بذلك. إنها المدافعة عن المسيحيين وهي تفرح بذلك.

هي الأجمل وجهاً وقلباً، الأكثر طهارة، الأرفع مجداً من الشاروبيم، وهي الأسمى من كل القديسين. لم يوجَد يوماً إنسان يفوقها قداسة، أو امرأة تفوقها صلاحاً. جوهرتها هي طهارتها، حياؤها، صمتها. لقد علّمت كثيراً بمثالها كما بحياتها الفاضلة. إن زماننا يحتاج إلى شخصيات ملهِمة ومعلّمة. لقد تعب البشر من الثرثرة، الوقاحة، المجون، الكبرياء، القبح، القذارة، والتعتيم. كلنا متعطشون إلى الانفتاح والصدق، والخجل، والصمت، والجدية، والنقاء، والتواضع الحقيقي. تقودنا الأيام الخمس عشرة الحالية في التأمل، في لقاء مع والدة الإله، إلى إعادة إحياء الفضائل المتداخلة، مع تقبيل أيقونتها والاستماع إلى حياتها وترتيل القطع الجميلة في قانونها التضرعي (الباراكليسي).

أحكام الله

أحكام الله

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

ابتهل شيخ قدّيس إلى الله لكي يكشف له: لماذا معظم الصدّيقين والأتقياء فقراء يشقون ويُظلمون، فيما العديد من الخطأة والظالمين أغنياء يتنعّمون؟ وكيف تُترجم أحكام الله هذه؟ وإذ أراد الله أن يكشف له سؤال قلبه أوحى إليه أن “اذهب إلى العالم وسوف ترى تدبير الله”.

قام الشيخ دونما إبطاء وانطلق للحال باتّجاه العالم، فوجد نفسه يسلك طريقاً واسعاً يعبره الناس بكثرة، وكان هناك مرج فسيح وصنبور ماء عذب. اختبأ الشيخ في جوف إحدى أشجار المرج مترقّباً منتظراً.

وبعد هنيهة مرّ بالمكان رجل غنيّ، فترجّل عن حصانه وجلس ليأكل. ثمّ أخرج كيس نقود يحوي مائة ليرة ذهبيّة وأخذ يعدّها. ولمّا انتهى من عدّها ظنّ نفسه أنّه أعادها إلى مكانها بين طيّات ثيابه بيد أنّها سقطت على الأرض دون أن يلاحظها لعجلته، ثمّ امتطى جواده من جديد وانطلق في طريقه مخلّفاً وراءه ذهبيّاته الثمينة.

لم يمضِ زمن قليل حتّى مرّ بالموضع نفسه عابر سبيل آخر، هذا وجد النقود على الأرض، فالتقطها وحثّ خطاه مبتعداً. وبعد ذلك أتى ثالث وكان فقيراً متعَباً ينوء تحت حمله الثقيل، يسير على قدميه متمّهلاً، فجلس هو أيضاً هناك ليرتاح. وفيما هو يخرج خبزة يابسة ليأكلها، جاء الغنيّ ووقع عليه قائلاً بغضب: “أسرع وأعطني النقود التي وجدتها”. فأجاب الفقير بيمين معظّمة بأنّه لم يجد شيئاً. فضربه الغنيّ بسير حصانه على رأسه ضربة أردته صريعاً، ثمّ شرع يفتّش ثياب الفقير وأغراضه، ولمّا لم يعثر على شيء ذهب والندم يتأكّله.

أمّا الأب الشيخ الذي كان يشاهد كلّ شيء، فأخذ ينتحب من جرّاء القتل الجائر، متوسّلاً إلى الربّ: “يا ترى ما هي مشيئتك، وكيف يحتمل صلاحك هذا الأمر؟!” للحين حضره ملاك خاطبه قائلاً: “لا تحزن أيّها الشيخ، لأنّ ما يحصل إنّما بتدبير الله من أجل التأديب والخلاص. اعلم أنّ الذي أضاع المال هو جارٌ لذاك الذي وجدها. هذا الأخير هو صاحب بستان يساوي مائة ليرة ذهبيّة، وقد أخذه منه الغنيّ الجشع بخمسين فقط وبطريقة غير قانونيّة. وبما أنّ الجار الفقير توسّل إلى الربّ أن يأخذ العدل مجراه، شاء الله أن ينال مطلبه مضاعفاً إذ حصل على مائة بدل الخمسين. أمّا ذاك الذي قُتل ظلماً، فكان ارتكب جريمة قتل هو نفسه في الماضي، فإذ أراد الله أن يخلّصه ويطهّره من خطيئة القتل دبّر أن يُقتَل هو ظلماً لتخلص نفسه. أمّا الجشع الطمّاع الذي سبّب القتل، فقد كان مزمعاً أن ينتهي أمره في الجحيم بسبب محبّته للفضّة. لذا سمح الله أن يقع في خطيئة القتل لكي تتوجّع روحه فيطلب التوبة والرحمة. وها هو الآن قد ترك العالم، وذهب يطرق باب أحد الأديار ليترهّب ويبكي خطاياه. أمّا أنت، فعد الآن إلى قلاّيتك، ولا تكثر من فحص أحكام الله لأنّها بعيدة عن الكشف والتنقيب.

إنّنا نحن معاشر البشر نحاول أن نبحث عن أمور تفوق قدراتنا. فحيث يضع الله نقطة، مثلاً، لا نستطيع نحن أن نستبدلها بعلامة استفهام. وكخاتمة، فلنسمع القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يدعونا قائلاً: “الأحزان تولّد الصبر، ومحبّة الله تعرف مقدار تحمّلنا للأحزان. العناية الإلهيّة لا تفسَّر واهتمامه بنا لا يدرَك. إنّ أحكام الله عميقة جدّاً”.

سمعان المبارَك

سمعان المبارَك

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

وصل في العام 1922 مع اللاّجئين من آسيا الصغرى إلى اليونان ولد يتيم اسمه سمعان. استقرّ في منطقة بيريا في أثينا في كوخ صغير وعاش وكبر لوحده، وأخذ يعمل في نقل البضائع على مرفأ المدينة. كان أمّيّاً، ويجهل الكثير من أمور الدين. لكنّه اتّصف ببساطة مطوَّبة وإيمان عميق لا يتزعزع.

عندما شبّ تزوّج ورزقه الله ولدين. اعتاد كلّ يوم باكراً أن يمرّ بكنيسة القدّيس اسبيريدون، ليقف أمام الإيقونسطاس، ويرفع قبّعته عن رأسه ويقول: “صباح الخير يا يسوع، أنا سمعان، ساعدني لأحصل على لقمة عيشي”. وعند المساء بعد أن ينهي عمله كان يعود إلى الكنيسة، ليقف في المكان ذاته ويقول: “مساء الخير يا يسوع، أنا سمعان، أشكرك لأنّك ساعدتني اليوم أيضاً”. وهكذا كانت تمرّ الأيّام والسنون.

حوالي العام 1950 مرض كلّ أفراد عائلته بالطاعون وماتوا. وعاد سمعان من جديد وحيداً، وتابع عمله بصبر كبير دون أيّ تذمّر. ولم يترك عادته بالدخول صباحاً ومساء إلى الكنيسة وإلقاء التحيّة والشكر ليسوع.

عندما شاخ، أُدخل المستشفى لمدّة شهر. وذات يوم سألته رئيسة الممرّضات قائلة:

– يا عمّ، أنت هنا كلّ المدّة ولم يزرك أحد، أليس لك أقارب؟

– طبعاً، يا ابنتي، كلّ يوم، صباحاً ومساء، يأتي يسوع ويعزّيني.

– وماذا يقول لك؟

صباح الخير يا سمعان. أنا يسوع، اصبر.

تعجّبت الممرّضة ودعت أباها الروحيّ، كي يرى ما إذا كان سمعان في ضلال. زاره الكاهن، وتحدّث معه وسأله ذات السؤال، فأجابه سمعان: “في نفس الوقت الذي كنت أذهب فيه إلى الكنيسة، وألقي التحيّة على يسوع، الآن يأتي يسوع ويلقي التحيّة عليّ”.

– ألعلّك تتخيّل؟

– كلا يا أبانا أنا لا أتخيّل. إنّه يسوع.

– وهل زارك اليوم أيضاً، وماذا قال لك؟

– أجل. لقد قال لي: صباح الخير يا سمعان، أنا يسوع. اصبر. بعد ثلاثة أيّام آخذك معي في الصباح الباكر.

وفي اليوم الثاني زاره الكاهن مرّة أخرى، وتحدّث معه، وسمع سيرة حياته، وفهم أنّ هذا الشيخ مبارَك.

في اليوم الثالث، وفي الصباح الباكر، زاره أيضاً ليتحقّق صحّة قوله بأنّه سيموت. وبالفعل بينما كانا يتحاوران، فجأة صرخ سمعان وقال: “جاء يسوع” وأسلم الروح ورقد نوم الأبرار. فليكن ذكره مؤبّداً.

المسيحية هي الحق وليست ديناً

المسيحية هي الحق وليست ديناً

كريس بانسكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ليست المسيحية مجرّد دين. الإيمان المسيحي يجسّد أكثر حقائق هذه الحياة أهمية وهي المتعلّقة بالوجود البشري والتي كشفها الله لموسى وأنبياء العهد القديم. ظهر ملء تلك الحقيقة كاملاً في ولادة يسوع المسيح ابن الله، وحياته ومعجزاته وصلبه وموته وقيامته. يشرح الأب توماس هوبكو بأنّه “تحقيق كل الأديان في بحثها عن الحقيقة الإلهية والمعنى البشري الموحى به من ناموس الله مكتوباً على قلوب البشر”.

إلهنا هو إله كل الكون وكل الحياة. ناموسه وحكمته يضبطان كل الخليقة وكل الأمور المنظورة وغير المنظورة. لهذا السبب، القديس يوحنا الإنجيلي أعلن بقوة الحقيقة التي هزّت أساسات هذا العالم: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ” (يوحنا 1:1-5).

يجسّد الكتاب المقدّس أكثر المبادئ أهمية والدروس اللازمة لنا لنحيا في شركة كاملة مع الله والبشر الاخرين، وبالنهاية نصير خدّام أمينين لعالمنا. الإيمان المسيحي هو دليل الإرشادات الكامل لفكرنا وروحنا وهو الذي يسمح لنا بأن نكون فعلياً بشراً، مخلوقات في تناغم مع خالقنا. من خلال الإيمان ومحبة الله اللذين يثبتهما العمل الفاعل لاتّباع كلمته وإرادته، نتحرّك نحو الألوهية التي للمسيح بطبيعته وبالتالي نحو الحياة الأبدية. هكذا تكتشف البشرية الحقيقة وتجد السعادة الحقيقية، وتحيا حياتها إلى الملء. “فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10:10)…

تجسّد المسيحية الحكمة العابرة للزمن وتعلنها، وتعكس حقيقة الله وتثبّتها مع نواميسه التي تحيا في قلوبنا وتظهر من خلال الكون كله… بهذا المعنى، إنجيل الله بيسوع هو نهاية كل الأديان كتركيبات بشرية، مهما بلغت في صلاحها ورغبتها في التعاطي مع أسرار الحياة وفهم طرق الله أو الآلهة والمخلوقات في عالم مختَرَق من الشيطان ومربوط بالموت. الإيمان والحياة المسيحيان، كما يشهد لهما الإنجيل الرسولي وحياة القديسين وتعاليمهم، ينتمي إلى “خليقة جديدة” (غلاطية 15:6 و2كورنثوس 17:6). إنه لا ينتمي إلى “هذا الدهر” ذي الهيئة الزائلة (1كورنثوس 31:7). إنه “من فوق” ويقودنا دائماً نحو ما هو أبعد. ليس هو من البشر، وهو يتخطى التاريخ البشري. ليس هو عكس الطبيعة والعقل، بل يتجاوزهما. هو يكشف الطبيعة الأصلية وغاية الأشياء، يعلن مصيرها المطلَق، وينير العقول والقلوب البشرية إلى “معرفة الحق”، معرفة الله وكل الأمور التي فيه. وهكذا، الإيمان والحياة المسيحيان هما عطية الله من الحق الإلهي والنور والحكمة والقدرة المعطاة للمخلوقات على أعلى قدر ممكن من الاكتمال والكمال، ضمن ظروف الكون الفاسد.

عندما يفهم المسيحيون إنجيل المسيح على انه كتاب أحد أديان الجنس البشري العديدة، حتى ولو كان الأول والأعظم والأفضل، لا يعود الإنجيل ما هو عليه. يصير نتاجاً للبشرية الخاطئة في شكلها الساقط لا غير: صالح، صحيح وجميل بعدة أوجه، إلا إنه غير كامل وخدّاع بشكل خطير. وهكذا، يصير مشوهاً بشكل لا يمكن تلافيه، ويتحوّل إلى ميثولوجيا إيديولوجية، يُستَعمَل لتعزيز ما هو بشري محض والدفاع عنه، وبشكل لا مفرّ منه  للدفاع عن الخطأة والمجتمعات الخاطئة التي تستعمله لهذا السبب البائس. إن الأمر هو على هذا الشكل سواء كان الدين المسيحي أصولياً وطائفياً، أو نسبياً وشاملاً، ناظراً لنفسه على لأنه ليس أفضل ولا أسوأ، بل بشكل أساسي غير مختلف عن أي دين آخر.

تعلن المسيحية أن الإنسان مخلوق ليكون أبدياً ويعيش في شركة مع الله وتناغم مع كل الخليقة. بالرغم من عصياننا وانفصالنا المؤقت عن الخالق، نحتفظ في قلوبنا وفكرنا ببصمة الألوهية والرغبة باكتشاف الحقيقة، وتمييز المعنى وإيجاد الله. وكما قال سي آس لويس “صمّم الله الآلة البشرية لتسير عليه. فهو نفسه الوقود الذي صُممت نفوسنا لتحرقه، أو الطعام الذي صُممت نفوسنا لتغتذي منه. ما من آخر. لذا ليس جيداً أن نسأل الله عن السعادة على طريقتنا من دون الاكتراث للدين (المسيحية). لا يستطيع الله أن يعطينا السعادة والسلام بمعزل عن ذاته، لأنها ليست موجودة هناك، ولا يوجد سعادة وسلام من دونه”.

اغتصاب الطبيعة

اغتصاب الطبيعة

فيليب شيرار*

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

نحن في براثن أزمة ذات أبعاد فائقة البشاعة. نحن نميل نحو تسمية هذه الأزمة بالأزمة البيئية لأن تأثيرها يظهر بالغالب في المجال البيئي. هنا الرسالة واضحة تماماً: مجمل طريقتنا في الحياة انتحارية بشرياً وبيئياً، وما لم نغيرها جذرياً لن يكون هناك أي مجال لتلافي الكارثة. للأسف، لا يبدو أننا وصلنا إلى إدراك ملحاحية الحاجة للتغيير. وبالرغم من كل شيء، نحن مستمرون في التخبط على طول مسارنا الحاضر من الدمار مع كل حتمية التراجيديا الإغريقية، نتخِم تربتنا وماشيتنا بالمواد الكيمائية القوية وبمختلف أنواع السموم التي لا تسمح أي جماعة عاقلة بخروجها من المختبرات ذات الحراسة المشددة، نجرّد العالم مما تبقى من غاباته بشرعة تتخطى التصديق أو الفهم، نتدخّل في عمليات التكاثر عند النباتات والحيوانات والبشر، ونتصرّف إجمالاً بطريقة لا تؤاتي إلا إبادتنا. يبدو الأمر وكأننا في قبضة ذهان جماعي وحشي، وكأن رغبة جارفة بالموت تحوم بالحقيقة فوق كل ما يعرَف باسم العالم المتحضّر.

مع هذا، الأزمة بحد ذاتها ليست أزمة بيئية. قبل كل شيء، ليست هي أزمة تتعلّق ببيئتنا. إنها أزمة في طريقة تفكيرنا. نحن نعامل كوكبنا بطريقة غير إنسانية ولا تعرف الله لأننا نرى الأمور بطريقة غير إنسانية ولا تعرف الله. نظرتنا إلى العالم تتوقف قبل كل شيء على نظرتنا لأنفسنا. نموذج الكون لدينا، أو نظرتنا للكون، تقوم على النموذج الذي نقتنيه لأنفسنا، أي على صورتنا الذاتية. ما لم يتغير تقييمنا لذواتنا وما يكوّن طبيعة كياننا، لن تتغيّر طريقة تعاملنا مع العالم من حولنا أيضاً.

الجحيم الصناعي والتكنولوجي الذي أنتجناه من حولنا، والذي من خلاله نحن ندمّر العالم الآن، ليس شيئاً قد ظهر بالصدفة. على العكس، إنّه نتيجة مباشرة لسماحنا لأنفسنا بأن نقع تحت سيطرة نموذج تفكير يفرض علينا أن نرى في أنفسنا أننا أعلى بقليل من حيوانات تسير على قدمين، مصيرها وحاجاتها يمكن إشباعها من خلال السعي وراء المصلحة الذاتية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولكي نتطابق مع هذه الصورة الذاتية فقد ابتكرنا نظرة للعالم نرى فيها الطبيعة على أنها سلعة غير شخصية، مصدر للغذاء لا روح له، مواد خام، ثروة، نفوذ وغير ذلك، ما يجعلنا نفتكر بأن لنا الحق في سوء استعماله من خلال أي تقنية علمية او ميكانيكية من ابتكارنا أو إنتاجنا، لكي نحقق مصلحتنا الذاتية. لقد أسقطنا القداسة عن الطبيعة لأننا أسقطنا القداسة عن ذواتنا.

إن عقليتنا الدهرية العلمية تترافق يداً بيد مع تآكل موازٍ ومتزايد للإحساس بالقداسة. نحن لا نملك اي احترام ولا وقار لعالم الطبيعة لأننا في الأساس لا نملك اي احترام ولا وقار لأنفسنا. كوننا فقدنا حس حقيقتنا فقد فقدنا الحس بكل حقيقة أخرى. ولأننا نشلّ ونشوّه أنفسنا، نحن نشلّ ونشوّه كل شيء آخر ايضاً.

إن أزمتنا المعاصرة هي بالحقيقة فسادنا الشخصي. وعليه، الجواب الحقيقي الوحيد لهذه الأزمة هو في أن نتوقّف عن إفساد أنفسنا. إنّه باسترجاع الحس بهويتنا الحقيقية وكرامتنا، بأننا مخلوقون على صورة الله، وبنظرتنا لأنفسنا كأشخاص مقدسين. ما أن نسترجع الحس بقداستنا، حتى نستعيد الحس بقداسة العالم ومن ثمّ نتصرّف نحو العالم بالرهبة والخشوع اللذين يقتضيهما الدخول إلى معبد مقدس، معبد للمحبة والجمال فيه نتعبّد للخالق ونعشقه. من دون الحس بالقداسة، أي بأن كل ما هو حي هو مقدس، ومن دون تواضع نحو الكل، نحو الإنسان والطبيعة والله الذي يسمو على الإنسان والطبيعة وهو مصدرهما وأصلهما، فببساطة سوف نمضي قدماً بتهور نحو هدم الذات الذي لا مجال لتلافيه والذي هو اختيارنا ونحن مسؤولون عنه بشكل كامل.

* فيليب شيرار هو أحد اللاهوتيين الأرثوذكس المميزين، وقد شارك الميتروبوليت كاليستوس وير في ترجمة الفيلوكاليا إلى الإنكليزية.

حول الصلاة والمرض في حياتنا

حول الصلاة والمرض في حياتنا

الأب أنطوان ملكي

تشكّل الصلاة جزءً مهماً من كل التقاليد الدينية. لهذا، فإن سؤال “ما هي الصلاة” له أجوبة وتحديدات مختلفة. كثير من الإجابات قد تشبه ما أتذكّره منذ حداثتي في كتاب التعليم الديني: “الصلاة هي رفع عقولنا وقلوبنا إلى الله”. قد تكون الصلاة علنية أو ضمنية، فردية أو جماعية. الكثير من أشكال الصلاة قد يتضمّن أوجه من العبادة والتوسّل والشكر. يخبرنا أبونا الروحي القديس مرقس الناسك: “هناك طرق كثيرة للصلاة…. ما من طريقة مضرّة…” (القيلوكاليا 1). يعكس القديس دوروثاوس أسقف غزة تعليم الآباء الشرقيين بأنه لكي تكون الصلاة فعّالة يجب أن تتمّ بقلب نقي.

يمكن أن تقدّم الصلاة منافع جسدية ونفسية وروحية. مثلاً، أظهرت نتيجة دراسة تمّ نشرها في 2011 تراجعاً في أعراض متلازمة القولون المتهيج لدى مجموعة مارست التأمّل. في مثل آخر، أظهرت دراسة حديثة في علم النفس أن النساء الأميركيات من أصل أفريقي اللواتي يؤمنّ بأن الله يتحكّم في حياتهن يسعين أكثر لطلب معلومات صحية من أطبائهن.

إلى هذا، يظهر من خلال شهادات العديدين الذين يعملون في حقل الطب أن سنوات الخبرة تظهر لهم أن تأثير العلاقة بين التديّن والصحة إيجابي جداً على المرضى. هذا لا يعني أن الناس تخلّوا عن الطب واكتفوا بالصلوات بل أنهم، قبل كل خطوة أو زيارة طبيب أو فحص طبي او جراحة، يلجئون إلى الصلاة، الشخصية أو الجماعية من أجل المرضى.

يختلف الأمر بين المؤمن وغير المؤمن، كما بين المؤمن الممارِس وغير الممارس، كما بين الإنسان المصلّي وغير المصلّي. نقرأ في سير الرهبان أن كثيرين منهم لا يلجئون إلى الأطباء، ولكن هذا ليس قانوناً رهبانياً، وهم لا يطلبون الأمر نفسه من أبنائهم أو ممن يطلب نصيحتهم. الوصف الذي يقدمه الراهب خريستوذولوس عن وضع الأب باييسيوس في أيامه الأخيرة وتعاطيه مع مرضه ومع الطب والأدوية مميز جداً، علماً أن ما طبّقه على نفسه هذا الأب لم يطلبه من أبنائه الروحيين. قد يرى بعض الدارسين أن إهمال الأب لمرضه أدّى إلى تفاقم وضعه، لكن يمكن الإثبات إحصائياً أنّ نسبة عالية من الذين يلجئون إلى الأطباء في حالات مماثلة، لا يعيشون أكثر مما عاش هذا الأب. يكمن الفرق في نوعية هذه الحياة، فكما تظهِر سيرة الشيخ أنّه عندما سؤل عن وضعه، وكان يضع قناع التنفس، أجاب بأنه رائد فضاء، وقد أُعطي ميدالية دالاً إلى حيث كان يوضع شريط علاج القلب. هذا إن دلّ على شخصية مرِحة، إنما يدلّ ايضاً على عدم الخوف من الموت. وهنا يكمن بيت القصيد في التعاطي مع المرض، فالذي لا يخاف من الموت لا يخاف من المرض، وهذا يساعد كثيراً على تأمين الخلفية النفسية الملائمة لتخطي المرض. وتخطي الخوف من الموت، بشكل فعلي، لا يُكتَسَب إلا بالصلاة.

ما يشدد عليه تعليم الكنيسة هو أن الاتكال هو الله أولاً، لأن الطب لا يستطيع منفرداً أن يغيّر العالم، بل الله الذي يغيّره. في هذا الخصوص، لقد وعدنا بالصحة وغيرها من الأمور الجميلة لكنه أضاف: “اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 33:6-34). هذا الطلب هو جزء من الصلاة. نتعلّم من الآباء أنّ المنافع الروحية للصلاة أكثر من أن تُحصى.

من جهة أخرى، يذكّر القديس دوروثاوس أسقف غزّة بأن الصلاة بقلب نقي تتطلّب الحفاظ على حسّ مستمر بوجود الله. يعلّمنا القديس اسحق السرياني حول هذا: “يُفتَح باب المعونة للإنسان بالقدر الذي يتناسب مع الشرف الذي يظهر في شخصه لله أثناء الصلاة، ما يقود إلى التنقية والاستنارة في الصلاة”.

يوماً بعد يوم يظهر العلم الحديث، الذي لا يقوم على الغرور بل على المنطق والصدق في البحث، أنّه لا ينافي ما علّمه آباؤنا لألفيتين من الزمن، بل يكمّله ويثبّته لمن يريد أن يسمع وأن يقتنع. من هنا يبقى الأمر وقفاً على كل واحد من البشر في تفعيل إيمانه، وهذا أمر لا يتمّ فقط عند مواجهة المرض، بل يتطلّب تمريناً واستعداداً من خلال حياة الصلاة والصوم، حتى متى أتت ساعة الإنسان لا ينسى توبته.

  • Russ Gerber, The Positive Health Effects of Prayer, The Huffington Post, 08/02/2011
  • Priestmonk Christodoulos (1998) “Elder Paisios of the Holy Mountain”, Holy Mountain, 2006
  • Fr. George Morelli, The Need for Prayer in Our Lives, Chaplain’s Corner, Orthodoxy Today

 

أيقونة القديس سيصوي الكبير أمام بقايا الإسكندر

Saint Sisoes In front of Alexander remains

أيقونة القديس سيصوي الكبير أمام بقايا الإسكندر

الأب انطوان ملكي

 

Saint Sisoes In front of Alexander remains

القديس سيصوي هو من آباء البرية في مصر. تعيّد له الكنيسة الأرثوذكسية في السادس من تموز. له عدة أيقونات يظهر فيها مبارِكاً القفر، أو مقيماً ابن أحد زواره، وأهمها تلك التي يظهر فيها متأمّلاً عظام الإسكندر الكبير وهي موضوع هذه الدراسة القصيرة. نقرأ في الكتابة على الأيقونة: “سيصوي، الناسك العظيم، أمام قبر الإسكندر، ملك اليونان، الذي كان مغموراً بالمجد في وقت ما. منذهلاً، يندب تقلبات الزمن وزوال المجد، ويخطب بدموع هكذا: <إن مجرد رؤيتك أيها القبر، ترعبني وتدفع قلبي لذرف الدموع، فيما أتأمّل في الدَين الذي علينا نحن جميع البشر. كيف لي أن أحتمل ذلك؟ أواه، أيها الموت! من يستطيع أن ينجو منك؟>”

نحن لا نعرف ما إذا كانت هذه الأيقونة تمثّل حدثاً تاريخياً محدداً. فالقديس عاش في القرن الرابع ميلادي. سيرته لا تذكر قصة هذه الأيقونة وبالتالي ليس لدينا رواية تاريخية لما يوصَف في الأيقونة. بدأ تصويرهذه اليقونة للظهور أولاً في أديار اليونان بعد سقوط القسطنطينية في 1453.

لطالما كان انذهال القديس سيصوي أيقونة للتأمل لدى كل المسيحيين منذ القرن الخامس عشر، وبخاصة الرهبان. وقد انتشرت الأيقونة واكتسبت شعبية في مئات الكنائس والأديار في اليونان، من بين أكثرها شهرة دير الثالوث القدوس ودير برلعام في متيورا، ودير البار لوقا في ستييري. الموقع الذي تظهر فيه هذه الأيقونة عادة في الكنيسة هو في مقابل الهيكل بالقرب من الباب الذي يخرج منه المؤمنون، حيث تظهر أيضاً أيقونة رقاد السيدة. ويشرح المهتمّون أنّه من الحكمة وضع هذه الأيقونة في هذا المكان حتّى يتأمّل المسيحيون في الموت عند خروجهم من الكنيسة.

ليس من الصدفة أنّ هذه الأيقونة اشتهرت كثيراً بعد سقوط القسطنطينية التي كانت عرش الإمبراطور الرومي منذ قسطنطين الكبير، والتي لطالما نظرت إلى الإسكندر الكبير على أنّه الحاكم النموذجي. بالواقع، هذا كان تقليد كل الأباطرة الروميين. يذكر المؤرّخ ديون كاسيوس (155-235 بعد المسيح) أنه بعد أن زار أوغسطس قيصر جثمان الإسكندر في الإسكندرية، سؤل إذا كان يريد أن يزور قبور البطالمة حكّام مصر أيضاً، فرفض قائلاً: “جئت أزور ملكاً وليس رجالاً أموات”. لقد اعتُبِر حكم الروم للعالم ميراثاً للأباطرة الروميين حصلوا عليه عبر الإسكندر.

ليس مستبعداً أن يكون تصوير القديس سيصوي ينوح على قبر الاسكندر حدثاً تاريخياً فقدناه بشكل وثيقة ولكنه باقٍ فقط في فن الأيقونة. بشتّى الطرق، التقليد المحفوظ في الأيقونات هو على نفس القدر من الثقة تاريخياً كما النص المكتوب. كون القديس سيصوي عاصر زمن هدم قبر الإسكندر، فليس من الخطأ الاعتقاد بأن القديس، وهو من تلاميذ القديس أنطونيوس الكبير الحكماء الذين عاشوا خارج الإسكندرية، قد يكون علّق على هذا الموضوع أمام بعض تلاميذه أو زواره.

أما في حال لم تكن هذه اليقونة تمثّل حدثاً تاريخياً، فيدفعنا التحليل إلى الاعتقاد بأن نوح القديس سيصوي على الإسكندر هو نوح أيضاً على إيديولوجيا. فلدى الروم، كلا الرجلين يلقّب بالكبير. وفي وقت ما، خلال الحكم الرومي الذي دام أكثر من ألفية ونصف، كان الإسكندر أيقونة الإمبراطورية، لكن مع ذهاب الإمبراطورية صار الروميون ينظرون إلى الرهبان على أنهم الأمل الوحيد للأرثوذكسية المعذّبة تحت النير العثماني. من هنا أن هذا المشهد قد يعكس العقلية الرومية الأرثوذكسية خلال هذه الفترة، أي فترة ما بعد سقوط القسطنطينية. هذا ليس للقول بأن هذه العقلية لم توجد من قبل 1453، بل هي كانت دائماً جزءاً من التقليد المسيحي والرهباني، وهناك آباء عديدون تطرقوا إليها، يكفي ان نذكر منهم القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي عاش في زمانٍ كانت الإمبراطورية في عزها، ومع هذا رأى أن الرهبان هم خشبة خلاص الأرثوذكس.

من هنا يمكننا أن نستنتج معنى الأيقونة: القديس سيصوي يقف حياً فوق بقايا الإسكندر، متعلّماً الدرس العظيم حول تفاهة المجد العالمي، وخلاصة العِبرة: قد يكون المجد الرومي اختفى أما مُلك السماوات فيدوم إلى الأبد.

الكنيسة والألعاب الأولمبية

الكنيسة والألعاب الأولمبية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

يعود المقال التالي إلى سنة 2002 حين كانت اليونان تستعد لاستقبال الألعاب الأولمبية في 2004. النظرة الواردة فيه ضرورية ولا تتأثّر بالزمن بل تتضمّن مقاربة ينبغي بالكنيسة تبنّيها في التعاطي مع كافة النشاطات الرياضية.

تشكّل الألعاب الأولمبية حدثاً عالمياً من الدرجة الأولى يستعد له وطننا بحرارة لأن العالم كلّه سوف يراقب اليونان مسقط رأس هذه الألعاب.

واجهت الكنيسة اليونانية مسألة إذا ما كان عليها أن تشارك في التحضيرات لهذا الحدث الرياضي الكبير أم لا. كان للكنيسة خياران: الأول هو عدم المشاركة كلياً، لأن الألعاب الأولمبية بشكلها الحالي انحرفت عن غايتها ورسالتها، إذ بدلاً من النشاطات الثقافية تحوّلت إلى مؤسسات تجارية مسرفة في الضخامة. النظرة الأخرى كانت بأن على الكنيسة أن تشارك وتستغلّ الفرصة لإعطائها معنى.

بعد المناقشة في اللجنة المجمعية، مال المجمع المقدس لكنيسة اليونان نحو النظرة الثانية، مخاطراً باتخاذ قرار قد يُعتَبَر يوطوبياً. في ما يلي، سوف أقدّم نظرتي الداعمة لقرار المجمع.

بالطبع، لست ساذجاً لأغض النظر عن وضع الأحداث الرياضية الحالي وعن حقيقة أن الألعاب الأولمبية انخرطت في المصالح الاقتصادية وتحويل الرياضة إلى تجارة. في أفضل أحوال الرياضات، لقد تسرّبت الإنسانوية إليها. في أسوأ الحالات، ترتبط الرياضات بعقلية المخدرات ذات النتائج المدمّرة لكل رياضي. حتّى التغيير في العبارات يبرهن على وجود المشكلة العظيمة: التحول من الأطر الرياضية إلى “ألعاب”، والأطر أعني بها النشاطات المرتبطة بكلمة “بطولة” (athlos في اليونانية)، أي الصراع لتحسين الذات.

مع هذا، أنا أرى أنّ كنيسة اليونان لا تستطيع الامتناع عن هذا الحدث العالمي، لأنه سوف يتمّ في اليونان، بغض النظر عن كل التحفظات على طريقة إقامة هذه الألعاب. وهذا الموقف يقوم على أسباب لاهوتية وأخرى غير لاهوتية.

1. اللاهوت الأرثوذكسي الذي هو صوت الكنيسة، ليس إيديولوجيا مجرّدة، ولا هو متشرّب أو مستوحى من الإيمان بالطبيعة الواحدة أو بالمانوية. هذا يعني أن اللاهوت الأرثوذكسي لا يتعاطى مع الأفكار بل مع الحياة وتحديداً مع الإنسان الذي يعيش في زمان ومكان محددين، ويسعى إلى خلاصه. إلى هذا، لا تتعامل الكنيسة مع وجه واحد من الحياة البشرية، اي النفس والروح، بل هي تهتمّ بالإنسان بكامله، وهو مركبٌ من نفس وجسد. لهذا، نحن الأرثوذكس لا تحركنا المثالية ولا المانوية (إهمال الجسد والطبيعة) ولا عبادة الأصنام (عبادة الجسد والطبيعة).

2. نشير في اللاهوت الأرثوذكسي إلى الأقمصة الجلدية التي ارتداها الإنسان بعد سقوطه وباركها الله. يمكن مناقشة أن الأقمصة الجلدية، التي بحسب تعليم آباء الكنيسة هي الفساد وقابلية الموت، موجودة في كل مكان في الطبيعة. الحياة برمّتها، على ما هي عليه اليوم، هي نتيجة ما بعد السقوط ومطلوب من الكنيسة تغييرها. الفن، الثقافة، الزواج، العلم وبشكل عام كل السلوك البشري موضوع في هذا الإطار. الرياضة أيضاً موضوعة في هذا الإطار. أيستطيع أيٌ كان تخيّل الرياضة، بشكلها اليوم، في حالة ما قبل السقوط؟

إذاً، مهمة الكنيسة ليست في إنكار حالة السقوط بل في تغييرها. الكنيسة، بلاهوتها وكل اسلوبها العلاجي، مع نسكها، تسعى إلى تحويل غير العقلاني إلى عقلاني، إلى تحديد هدف لمجمل وجود الإنسان، إنسان ما بعد السقوط، إلى إضفاء معنى على حياته…

كما أشرنا اعلاه، الألعاب الأولمبية الحديثة فقدت هدفها الأصلي، لأن الألعاب التي كانت تتم في اليونان القديمة ارتبطت بالتقديس: التقدمات والمسرح اللذان كانا يوضعان مع الألعاب في إطار تطهير الإنسان وبحثه عن الإله. اليوم، الألعاب الأولمبية انفصلت عن الدين والثقافة وارتبطت بإنسانوية عقيمة ومؤسسات تجارية. مع هذا، الكنيسة التي هي حركة وحياة، لديها القدرة لتحويل كل شيء وتبديله وإعادة الرياضة إلى غايتها الأصلية.

بالطبع، ليس سهلاً تغيير إطار وبنية تنظيم الألعاب الأولمبية. مع هذا، كما يظهِر تاريخ الكنيسة، قد تحقق أعظم التغييرات من خلال إعادة ولادة الإنسان، فيما تشارك في الوقت عينه بالعملية الاجتماعية. المولودون جديداً بالنعمة الإلهية ضمن الكنيسة يقضون على العبودية، يغيّرون المؤسسات، يحوّلون الأشكال الاجتماعية، يبدلون الحضارات التي يلتقون بها ويخلقون أخرى جديدة ذات معنى وهدف أكثر سمواً. بحسب الباحثين، فن الأيقونات البيزنطي نشأ من لوحات الفيوم والليتورجيا تشكّلت بحسب نموذج فن التمثيل المسرحي للمسرح القديم.

على المنوال نفسه، يمكننا تغيير الكثير من الأمور من خلال تجديد الرياضيين. حتّى ولو لم نكن قادرين على تغيير إطار الألعاب الأولمبية، نحن ملزمون بأن نقدم المساعدة بطرق كثيرة للرياضيين المشاركين وتقديم التوجيه بالشكل الصحيح للراغبين في الانخراط في الرياضة.

4. استضافة الألعاب الأولمبية في 2004 في أثينا تطرح تحديات عديدة على الكنيسة، ولا تستطيع الكنيسة غض النظر عنها أو إهمالها. عمل الكنيسة الرعائي لا حدود له، فالكنيسة تخاطب العالم كله لتحوّله، بالطبع من دون أن تتدنّس هي. سوف أشير إلى بعض التحديات:

أولاً، خلال اللعاب الأولمبية يوف يأتي أرثوذكس كثيرون من كل أنحاء العالم. على الكنيسة أن تلاقيهم بجو من المحبة وروح ضيافة.

ثانيا، إلى الأرثوذكس، الكثير من البشر سوف يأتون وهم مهتمّون بمعرفة تاريخ هذه البلاد. لذا على الكنيسة الأرثوذكسية أن تبرهن بأن هناك تقليد مستمر مع الزمن، لم يتوقّف منذ غزا الرومان اليونان عام 146 قبل الميلاد.

ثالثاً، قد تظهر بعض التقاليد الوثنية محاولة الادّعاء بأنها من سلالة الهلينيين وبأن المسيحية مرتبطة باليهودية وليس بالهلينية وبأن الكنيسة الأرثوذكسية تهتمّ فقط بتأمين الملكوت وليس بحياة الإنسان.

رابعاً، على الكنيسة أن تقدّم تعليمها عن الجسد والنسك والتمارين وتظهر ثروتها الحضارية من خلال نشرها للكتب والكرّاسات وغيرها.

إلى هذه، هناك العديد من التحديات التي لا مجال لنشرها في هذا المقال القصير. الحقيقة هي أن الكنيسة لا تستطيع أن تبقى رعائياً خاملة أمام تحدي التاريخ، بالرغم من مشاكل الألعاب الأولمبية المعروفة جداً.

5. إذا قرر المجمع المقدس ألاّ يتعاطى مع اللعاب الألومبية، فأنا متأكّد من أن لاهوتيين عديدين، خاصةً الذين المهتمّين الآن بأن تشترك الكنيسة في تنظيم الألعاب الأولمبية، سوف يتّهمون الكنيسة بالعقلية التُقوية والأصولية. هذا لأنهم سوف يعتبرون أنّ التعاطي مع الكنيسة على أنها لا تتعاطى إلا خلاص النفس وتفرِغ الحياة الأخرى من نشاطها وقدرتها التغييرية هو ضلال ومسبب للتضليل.

لم يكن ممكناً، في هذا المقال القصير، تقديم كل الأسباب التي تبرر اشتراك الكنيسة في تنظيم الألعاب الأولمبية في بلادنا. بالرغم من التحفظات حول أساليب البطولة اليوم، وطريقة تنظيم الألعاب الأولمبية، يستحق الأمر تشكيل لجنة مجمعية للألعاب الأولمبية حتّى ولو انحصر اهتمام الكنيسة بالتعاطي رعائياً مع قدوم آلاف الرياضيين والمسؤولين والجماهير والسياح، ما يطرح تحديات مختلفة إيجابية وسلبية.

المطران مـلاتـيـوس صـويـتـي

مطران العرب، المثلث الرحمات المطران مـلاتـيـوس صـويـتـي

1910 – 23 / 9 / 1983

اليان جرجي خباز

“إن من لا يدركون الأمانة والمسؤولية والواجبات الملقاة على كواهلهم ولا يفهمون معنى كلمتي ضمير وشرف، فليصمتوا على الأقل، وإلا فليتواروا من أمام وجه الشمس حتى لا يراهم الناس” (المطران صويتي)

إن كنا نتدافع بحمية وغيرة للحفاظ على تراث الإباء والأجداد، وإظهار وجه بلادنا الحضاري بإعادة الاهتمام بما خلفوه من آثار عمرانية وتاريخية، تشهد بروعة اليد العربية، فليس غريب عنا أن يكون اهتمامنا أيضاً بتراثنا الأدبي والروحي والقومي، متمماً لاهتمامنا هذا، فتراث أصحاب الفكر والقلم هو أمانة في أعناقنا للأجيال القادمة، وأفضل ما نفعله هو أن نجمعه في صفحات كتاب مطبوع كي لا يتبدد ويندثر .

لذلك أجد من واجبي ومحبتي وتقديري لتراثي الروحي والديني والفكري أن أقدم شكري الجزيل للسيدة منيرة أرملة المرحوم زخور صويتي وللأستاذ عيسى فتوح على ما قدماه من جهد وتضحية، بجمع ونشر بعض المقالات الدينية والأدبية والاجتماعية للمثلث الرحمات المتروبوليت ملاتيوس صويتي، مطران أبرشية الأرجنتين الأرثوذكسية، وإصدارها في كتاب بعنوان ” صمت وصوت ” وتوزيعه في مطلع عام 1990 .

السيرة الذاتية

1910 هو موسى ابن فارس صويتي ومريم وقد ولد في بلدة صحنايا العريقة في إيمانها ووطنيتها، وفي سنته الثالثة انتقل والده .

1921 قرر وبإلحاح شديد أن يصبح راهباً، فدخل مدرسة البلمند الإكليريكية .

1926 سيم شماساً إنجيليا على يد مطران بيروت المثلث الرحمات إيليا الصليبي .

1929 عين معلماً في الكلية الأرثوذكسية .وكتب أول مقالاته في مجلة ” منيرفا “البيروتية .

1930 عين مديراً لمدرسة أنطاكية الأرثوذكسية، وشماساً إنجيليا في كنيستها .وكتب في جريدة ” العروبة ” الأنطاكية، ونشر في مجلتي ” الحوادث ” و “الدهور ” اللبنانيتين.

1931 علم في مدرسة ” الثلاثة أقمار ” في بيروت، وانتسب عام 1932 للجامعة الأمريكية لدراسة اللغة الانكليزية.

1934 سافر إلى اليونان لدراسة اللاهوت وحصل على شهادة عالية فيه .

1939 عاد إلى القاهرة وسيم كاهناً، وعينه بطريرك الإسكندرية رئيساً لكنيسة رؤساء الملائكة بعد منحه لقب أرشمندريت تقديراً لبشارته وجهوده . وأسس “اتحاد الشبيبة الأرثوذكسية “، وأصدر ثلاثة كتب دينية، كما نشر مقالات عديدة في مجلات ” الصخرة ” و ” الراعي الصالح ” و ” رسالة الشباب “، بالإضافة إلى محاضراته وعظاته التي كانت تتعلق بالدين والأدب والاجتماع .

1948 سافر إلى أمريكا وخدم لمدة ثلاث سنوات في رعية أريزونا ـ حيث ابتنى كنيسة. وكذلك في رعية متشيغان، وكان يغذي بمقالاته المنوعة جريدة ” السمير ” التي كانت تصدر في نيويورك بالعربية .

1951 انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس أسقفاً على ايديسـا، ووكيلاً بطريركياً للمثلث الرحمات البطريرك الكسندروس الثالث طحان .

1952 كلفه المجمع المقدس بمهمة رعائية دينية في أمريكا الشمالية، فعاد منها عام 1953 بأفضل النتائج .

1954 أصدر مع شقيقه المرحوم الأستاذ فارس مجلة ” الإيمان ” الناطقة باسم البطريركية الأرثوذكسية، والتي دامت خمس سنوات، وكانت ومازالت تعتبر من أفضل المجلات، إذ شارك فيها أفضل وأكبر كتاب وأدباء دمشق آنذاك، وكان يكتب افتتاحياتها .

1955 انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس بإجماع الأصوات مطراناً على الأرجنتين، وكان أول مطران يعين لتلك الأبرشية .

1956 قام رئيس الوزراء السوري سعيد الغزي بتقليد سيادته وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى، تقديراً لما قدمه لرعيته ولوطنه من خدمات .

1956 وبعد استلامه أبرشيته أسس فيها ” اتحاد الشبيبة الأرثوذكسية “، ليتبعه في عام 1958 بتأسيس ” جمعية القديس جاورجيوس للسيدات الأرثوذكسيات “، والتي قامت ببناء المقبرة .

1964 أسس ندوة الأدب العربي في الأرجنتين، وظل عميداً لها حتى عودته إلى أرض الوطن.

1968 انتخبه المجمع الأنطاكي المقدس مندوباً مجمعياً مفوضاً ومنحه الصلاحية الشاملة لحل مشاكل الطائفة الأرثوذكسية بسبب مرض المثلث الرحمات البطريرك ثيودوسيوس السادس فأدار شؤون الطائفة بحنكة ودراية، وخلال وجوده في دمشق كان يترأس جلسات ” اللجنة الأرثوذكسية لإغاثة النازحين ” والتي بإرشاداته كانت تقوم بتقديم المساعدات النقدية والعينية للنازحين إثر حرب 1967، وكانت تتألف من السادة : جرجي خباز، جرجي مدري، توفيق أبو سمرة، أنطون كردوس، شحادة أبو عسلة، وليم أسطفان، خريستو جنان، شحادة الخوري، بطرس أبو شعر، وكان يشارك في ترأس ” اللجنة المسيحية الموحدة لإغاثة النازحين”، وكانت تتألف من السادة : جرجي خباز، أنطون كردوس، جورج عبسي، أنطون زينية، متري حجار توفيق أبو سمرة، إميل شكور، خريستو جنان، شحادة الخوري، خليل شنيارة، أنطون لكح .

1976 احتفلت الجالية العربية بجناحيها الإسلامي والمسيحي في الأرجنتين مع أبناء رعيته باليوبيل الفضي لأسقفيته، واليوبيل الذهبي لكهنوته باحتفال رائع ومهيب .

1981 أقامت له الجالية العربية حفلة وداع كبيرة بمناسبة عودته إلى أرض الوطن الذي كان يهواه، وتكلم فيها أربعة عشر خطيباً ودبلوماسياً بالعربية والإسبانية، وبينوا في كلماتهم ما لسيادته من الأعمال المحمودة .

1982 عاد في أوائل آذار إلى أرض الوطن نهائياً ليرتاح من أعباء الشيخوخة والمرض، إلا أن هموم أبرشيته كانت معه في كل لحظة.

1983 وعلى رجاء القيامة والحياة الأبدية انتقل سيادته في 23 / 9 إلى الأخدار السماوية، ودفن في مقبرة الطائفة الأرثوذكسية في دمشق .

1983 تشكلت لجنة من أصدقائه ومحبيه (وما أكثرهم) الذين حاول أن يؤسس وإياهم ندوة الأدب العربي في دمشق، ودعت لإقامة حفل تأبيني لسـيادته في مبنى الثانـوية الأرثـوذكسـيـة ” الآسـية ” بدمشق، حيث أقيم فيها وتكلم فيها العديد من الخطباء والشعراء وتألفت هذه اللجنة من السيدات والسادة: عيسى فتوح، توفيق لويس، نصري الجوزي، جورج عويشق، يوسف سمارة، زهير فرح، كوليت الخوري، نهاد فرح خوري، يوسف عبد الأحد، الياس غالي، صبحي زخور، ناظم صويتي .

نشاطاته ومؤلفاته وأعماله

كما أسلفنا فإنه قام مع شقيقه الأستاذ فارس صويتي بتأسيس مجلة ” الإيمان ” في دمشق عام 1954، وكان من مؤسسي جمعية خريجي المدارس الأرثوذكسية الدمشقية في 7/9/1929، وأسس نادي الفنون الجميلة في أنطاكية عام 1930، كما أسس اتحاد الشبيبة الأرثوذكسية في القاهرة وفي الأرجنتين، وأسس ندوة الأدب العربي في الأرجنتين.

وقد ألقى الكثير من المحاضرات، وكتب العديد من المقالات الدينية واللاهوتية والأدبية والاجتماعية والتاريخية في مجلات : منيرفا والمعرض والدهور والحركة والنور في بيروت، والصخرة والراعي الصالح وخبز الحياة ورسالة الشباب في مصر، والإيمان والنعمة في دمشق، واليقظة في حلب .

كما كتب في جرائد : الحوادث في طرابلس، و ألف باء في دمشق، و النهار في بيروت، و المقطم في القاهرة، و مرآة الغرب و السمير و السائح في نيويورك، و السلام و الجريدة السورية اللبنانية و الإتحاد اللبناني و الاستقلال في بونس آيرس، و الأنباء في سان باولو .

ألف كتاب “المدائح”، وكتاب “المختصر المفيد في خدم أسبوع الآلام والفصح المجيد” وكتاب “مصباح المؤمن”، وكتاب “مختصر التعليم المسيحي الأرثوذكسي “، كما نشر عدة فصول من كتاب “تاريخ الأدب المسيحي” في مجلة الراعي الصالح، ومن كتاب “يسوع الناصري” الذي ترجمه عن اليونانية في مجلة الصخرة، وترجم كتاب “هكذا تكلم يسوع” عن الإسبانية عام 1973، وهذا الكتاب ترجمه عن الايطالية رامون زامبيلي وكاتبه هو جوان البانيسه، و صدر عن منشورات ” السائح ” في طرابلس ـلبنان عام 1985.

شجع وأذن بنشر العديد من الكتب الأرثوذكسية باللغة الإسبانية، كرس عدة كنائس، وعمل على تأسيس كنائس جديدة، وأشرف على إصلاح بعضها، وأنشأ مدرستي حضانة، وميتماً للذكور، وأسس مدارس التعليم الديني، ومدارس لتعليم اللغة العربية، ورسم أربعة رجال دين من أصل أرجنتيني، وكان سيادته يتقن التكلم والكتابة باللغات : العربية، الفرنسية، الإنكليزية، اليونانية، الإسبانية، ويلم باللغتين الألمانية والتركية .

صمت وصوت

ماذا أنقل عن الكتاب ومن مقالاته، والتي تشعر عند مطالعتها وكأنها كتبت في هذه الأيام، رغم السنوات الطويلة التي تفصلنا عن يوم كتابتها، فهو رسالة أدبية مزركشة بعطور.

“ندوة الأدب العربي” في الأرجنتين، عربية القلب واللسان، والتي جمعت ذاتها حسبما قال الأستاذ الياس قنصل “وبيته، دار المطرانية، هو دار العروبة التي تعقد فيها الاجتماعات من أدبية واجتماعية وقومية “.

إن “صمت وصوت” صورة مشرقة عن صاحبه ” البلبل الغريد والمرتل الكنائسي الفريد ” وهو ” ليس من رجال اللاهوت فحسب ولكنه من رجال النهضة العربية الصحيحة “، ومقالاته عن القدس وبيت لحم وأناشيدها وأعياد الشعانين والقيامة في ربوعها، مسطر فيها إيمانه الديني، وبين سطورها انتماؤه العربي القومي ” حين يفتح الجيل الجديد عينيه، ويسأل عن أعلام النهضة ورجال الوطن، فسيذكر فقيد العروبة والوطن المتروبوليت ملاتيوس صويتي، سيذكره في مقالاته وبحوثه وجهاده وإخلاصه لوطنه، وسيرى فيه الصورة الفاضلة لكل رجل وفيّ مخلص “كما كتب الشيخ تيسير الباري .

وبالإضافة إلى بعض مقالاته التي تم نشرها في الكتاب، كان هناك فصل عن بعض الكلمات التي قيلت في حفل تكريمه وحفل تأبينه، من نثر وشعر، ومنها ما نشرته جريدة حمص بعددها رقم 1553 تاريخ 30/ 9 / 1983، أي بعد أيام من انتقال سيادته، نقلاً عن لسان البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم حيث قال ” عندما أتيت أنا وكيلاً بطريركياً، قيل لي : ليتك تتبع الطريق التي اتبعها المطران ملاتيوس فترى كل الناس أصدقاء لك … في قلب المطران ملاتيوس كان كل إنسان أهلاً للمحبة، وكل إنسان أهلاً للغفران …عرفته في المجمع المقدس يتكلم بلسان الروح القدس ليقول الكلمة … عرفته هادئاً، لطيفاً في حديثه، أنيساً … كان يتحداني في كل مظهر مؤدب يلجأ إليه … كان صفو النسيم العليل في المجمع المقدس وفي حياته ” .

وقال غبطته كذلك حين زيارته بونس آيرس ” كان سيادة المطران صويتي الإكليريكي الوحيد الذي يبتسم لنا نحن تلاميذه يوم لم يكن الإكليريكي يعرف الابتسام ” مثلما نقلت عنه السيدة دلال كباس والتي كتبت : ” فتح سيادة المطران صويتي قلبه للجميع، فأحبهم وأحبوه، وفتح منزله فغدا بيتاً لأي جماعة تصمم على القيام بعمل وطني أو خيري أو أدبي، وأطلق عليه البعض لقب مطران العرب، مدلين إلى الروح النبيل الذي يسمو به عن كل حزازة أو تمييز طائفي” .

وأما الأستاذ عبد اللطيف يونس فكتب : ” من تعاليم المعلم استقى تعاليمه، ومن روح الإنجيل تسلسلت روحه، ومن طريق الجلجلة اشتق طريقه، لم يكن المطران صويتي إنسانا عادياً، ومن المحال أن يكون الناهل من روح القدس إنسانا عادياً “.

وأما الأستاذ سامي القادري فقال : ” إن سيادة مطراننا الجليل ليس هو مطران الطائفة الأرثوذكسية الشقيقة فحسب، بل هو الأب الروحي والراعي الصادق للجالية العربية جمعاء في هذا المهجر الكريم، فنشاطه الوطني وجهوده الصادقة لرفع شأن الجالية وإعلاء كلمتها، وتوحيد صفوفها والمحافظة على لغتها معروف في جميع أوساطنا، وجمعياتنا ونوادينا” .

وخير نهاية لما تقدم فإنني أورد ما قاله الأستاذ الياس قنصل في قصيدته ” مطران العرب ” :

يا أيـها الجســر الذي يـرعى بنـدوتـنــــا الأدب

أرضيـت بالخـلق النبـيل وبالتقـى دنـيــــا ورب

ورصدت للوطن المجـرح من جهادك ما وجب

ومنـحت من لجـت بـه البـلوى شـعور أخ وأب

ما أنت مطران النصارى أنت مطران العـرب .

مكتبة المطران صويتي

مع عودة سيادته إلى دمشق، انتقلت معه مكتبته العامرة، وكان لي شرف مساعدته في فتح بعض أغطية الصناديق الخشبية، ولا يستطيع قلمي أن يصف ما تملكني من شعور فرح غامر وأنا ألمس بيدي تلك الجواهر الأدبية والدينية التي لا تقدر بثمن .

وبعد انتقال سيادة المطران ملاتيوس قامت عائلته بتقدمة كتبه، فقدم قسم منها إلى مكتبة الأسد، وقسم ضئيل إلى كنيسة الصليب المقدس حيث وضعت في مكتب عمدة وآباء الكنيسة في مكتبة تليق بها وبصاحبها، والقسم الآخر قدم إلى كنيسة النبي الياس في البلدة التي ترعرع فيها فضمته مكتبة صالون الكنيسة، وأما القسم الأكبر فاحتل مكاناً مرموقاً في متحف دير سيدة صيدنايا .

وهنا أجد نفسي ملزماً، وللتاريخ والذكرى بنشر ما أعلمتني به المثلثة الرحمات عمتي الراحلة كاترين أبي حيدر رئيسة دير السيدة المقدس وبحضور السيدة أليس خزام، من أن هناك من يطالبها بإفراغ الخزائن التي فيها الكتب ! لذلك فإنني أرفع دعائي وابتهالي وندائي إلى الحاجة الأم كريستينا باز رئيسة دير صيدنايا، بأن تحافظ على الوديعة والأمانة والكنز الأرثوذكسي الذي في ديرها، وإن سمحت لي بالقول،إذا اضطرت لإخراج الكتب من المتحف، فلتضعها في غرفة خاصة تليق بهذا التراث الديني ولتكون مكتبة لكل مراجع.

وهنا أيضاً لا أستطيع إلا أن أرفع شكري مجدداً لروح ذلك الإنسان الذي زرع في نفسي حب الوطن وعشق اللغة العربية وآدابها في مرحلة دراستي الابتدائية، فتأصلت في داخلي فلهج بها لساني، وسطر بها قلمي، شكري محاطاً بباقة فل وياسمين دمشقي، أقدمه لروح الأستاذ المربي المرحوم فارس صويتي ـ شقيق راحلنا الكبير ـ فتلك البذور الخيرة أنبتت وأينعت.

سيدنا ملاتيوس : شكراً لك من قلب مفعم بمحبتك، ومن نفس ظمئ لتعاليم سيدك، فرسالتك الدينية والأدبية ستبقى حية فينا، وذكراك مزروعة في قلوبنا .

ملاحظة : كتب هذا المقال قبل انتقال الحاجة كريستينا باز رئيسة دير سيدة صيدنايا .