السنة التاسعة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2012

السنة التاسعة – العدد الثاني – تشرين الثاني 2012

مختارات آبائية

يا ربّ من قبل أن أهلك بالكلّيّة خلِّصْني

البارّ يوستينوس بوبوفيتش


كيف يكون الله في قلب الإنسان

القديس نيكولا فيليميروفيتش


عظة

في علاقة الرّبّ يسوع بتلاميذه

الأرشمندريت توما بيطار


حياة روحية

الشر

الراهب موسى الأثوسي


لاهوت

سقطة آدم بحسب الأب يوحنا رومانيدس

إعداد الأب أنطوان ملكي


دراسات آبائية

صلاة يسوع بحسب القديس إيسيخيوس العوسجي

الخورية سميرة عوض ملكي

 

دراسات كتابية

صورة المرأة في الكتاب المقدس

ماريا قبارة

 

أبطال روحيون

معجزة جمع طيب القديس ديمتريوس في 2012

الشيخ إيرونيموس الذي من آيينا والقاضي التركي الصالح

 

قصة

قنــاع البربارة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب

معجزة جمع طيب القديس ديمتريوس

معجزة جمع طيب القديس ديمتريوس في 2012

 

بعد حوالي الأسبوع من عيد القديس الشهيد ديمتريوس العظيم مفيض الطيب، أسرع ميتروبوليت تسالونيكية مع الكهنة والمؤمنين إلى كنيسة القديس ليجمعوا الطيب ويورّعوه على المؤمنين لشفاء الجميع وتقديسهم.

وقد كتب أحدهم عن هذه الخدمة في العام المنصرم 2011:

هذا المساء، ايقونة السيدة ذات الثلاث أيدٍ انتقلت من كنيسة القديس ديمتريوس إلى مطرانية تسالونيكي، حيث مكانها. بعد باراكليسي السيدة الذي يتبعه “تقديس” (بالأحرى جمع) الميرون من المدخر (حيث تُحفَظ رفاة القديس reliquary λειψανοθήκη). وفيما كان الميتروبوليت أنثيموس يقرأ الصلوات ويقدم التضرعات إلى القديس، رأيت بأم العين، كسائر الحاضرين، أن المدخر يفتح من ذاته، حتّى يفيض الطيب وينتشر العطر في كل أرجاء الكنيسة ويصل حتّى إلى الطابق الثاني. بالحقيقة، هذا كان أمراً لم يسبق لي اختباره قبلاً، ما حملني علىإعادة التفكير بقوة الإيمان. فليكن القديس ستراً لنا جميعاً.

هذه السنة، كتب الشخص نفسه عن الخدمة في 2012:

اليوم، الرابع من تشرين الثاني 2012، في كنيسة القديس ديمتريوس، اشتركنا بالتقديس السنوي لطيب القديس. مع استثناء واحد: هذه السنة، بالغم من كل الصلوات التي تليت، لم يفتح المدخر. لقد اضطر الحاضرون لفتحه يدوياً، وكانت كمية الطيب أقل بكثير من السنة الماضية.

هناك مصادر تذكر أن في الأيام القديمة، كان الطيب الفائض من مدخر القديس يصل غلى شاطئ البحر. بالحقيقة لم يكن الناس يستطيعون أن يجمعوه كله. في 2011، بالكاد ملأ طيب القديس جرن معمودية.

أما شخص آخر فكتب:

البارحة بعد الظهر، جغلني الرب مستحقاً لأكون، لأول مرة، في كنيسة القديس ديمتريوس في تسالونيكي، حيث أقيمت خدمة جمع الميرون المقدس. جمع كثير من كل أنحاء البلاد كانوا هناك، إلا إن المدخر حيث رفات القديس لم يفتح. حتى الكهنة والميتروبوليت حاولوا، ومع أنهم استمروا في الترتيل، لم يستطيعوا أن يفتحوه. البعض صار يحكي عن “علامة شؤم”، البعض راح يفسر أنها مشكلة تقنية في القفل. ثم استطاعوا فتح الأجزاء الجانبية وأخذ الميرون، أما الجزء الأوسط حيث رفات القديس، لم يكن ممكناً فتحه. لربما القديس ديمتريوس يريد أن يرسل رسالة دعوة إلى التوبة”.

ضروري أن نذكر هنا أن الأقوال الواردة هي من أفراد وليست كلاماً رسمياً صادراً عن مطران تسالونيكي. وسواء كان هذا الأمر مهماً أم لا، لا يمكن الحكم، بل ينبغي الاستفادة من الخبر لإجبار أنفسنا على التوبة عن خطايانا الكثيرة أما الرب الكلي صلاحه.

* * *

كان في أحد الأيام  ناسك على جبل سليمان، قد سمع قصص فيض الطيب من مدخر القديس ديمتريوس في تسالونيكي، وكان يشك في هذا الأمر، ويقول لنفسه بأن هناك الكثير من الشهداء الذين عانوا أكثر من القديس ديمتريوس ومع هذا لم يشرّفهم الله بهذه الطريقة.

في إحدى الليالي، رأى كما في حلم، أنه كان في كنيسة القديس ديمتريوس والتقى الرجل الذي يحفظ مفاتيح قبر القديس، فسأله أن يفتحه حتى يسجد هناك. وفيما هو يقبّل القبر لاحظ أن رطب بطيب عطر، فقال للحافظ “تعالَ ساعدني لنرَ من اين يأتي هذا الطيب المقدس”. فراحا يحفران غلى أو وصلا إلى بلاطة كبيرة من الرخام، فرفعوها بصعوبة، وهناك ظهر جسد القديس، لامعاً وعبِقاً، ومنه يفيض طيب سيل من الطيب يخرج من الثقوب التي تسببت بها الرماح التي طعنت القديس. وقد كان الفيض غزيراً حتى أن الناسك وحافظ القبر ابتلاّ كثيراً، وخوفاً من الغرق، صرخ الراهب: “أيها القديس ديمتريوس أعنّي!” في تلك اللحظة استيقظ من الحلم ووجد نفسه منقوعاً بالطيب المقّدس.

سقطة آدم بحسب الأب يوحنا رومانيدس

سقطة آدم بحسب الأب يوحنا رومانيدس

إعداد الأب أنطوان ملكي

يعلّم الآباء أنّ بالسقوط صار نوس الإنسان مظلماً. أظلم نوس آدم. لا ينشغل الاباء بآدم بحد ذاته بل بنوس آدم والمرض الذي لحق بسبب إظلام نوسه. يتحدّث الاباء عن نوس خالٍ من الفهم. في كل الأدب الآبائي، يتركّز موضوع السقوط بمجمله حول هذا الإظلام للنوس البشري.

ولكن كيف نعرف أن الإنسان سقط؟ أمِنَ الوصف التاريخي للسقوط في الكتاب المقدس وحَسْب؟ ةما معنى “سقوط الإنسان” بالحقيقة؟ ماذا يعني “الفردوس”؟ ما كان الفردوس؟ هناك تقليدان آبائيان حول هذا الموضوع، يلخّصهما القديس يوحنا الدمشقي الذي يبيّن الرأيين الآبائيين من دون أن يتّخذ موقفاً في هذه المسألة.

يقول أحد التقليدين أن نوس آدم في الفردوس كان مستنيراً. يقول التقليد الآخر أن نوس آدم كان في حالة تؤهّله لإدراك الله بشكل مستمر وهذا كان معنى الفردوس عند آدم، أي رؤية مجد الله. يؤكّد التقليدان الإسكندري والكبادوكي (مع القديس باسيليوس الكبير) أنّ قبل السقوط، أدرك آدم الله بنوسه، بينما التقليد الأنطاكي (مع القديس يوحنا الذهبي الفم) يشير إلى أن نوس آدم كان مستنيراً وحسب.

لا يتبنّى القديس يوحنا الدمشقي أيّ موقف في ما إذا كان نوس آدم، قبل السقوط، مستنيراً فقط، أو ما إذا كان في حالة تؤهّله بشكل مستمر لأن يدرك الله، اي في حالة مستمرة من التألّه. لمَ لا يتبنّى هذا الأب أي رأي؟ لأن اهتمامه هو في أن يقدّم تفسيرين لحالة النوس الأصلية وكيف صار مظلِماً. ولكن كيف نعرف أن نوس آدم صار مظلماً؟ ببساطة كبيرة، لأننا نعرف أننا أنفسنا نملك نوساً مظلماً. وهذا النوس المظلم يحتاج للشفاء، والعلاج هو على مرحلتين: الاستنارة والتألّه، حيث التألّه هو الشفاء الكامل.

لكن ماذا يعني القول بأنّ النوس صار مظلماً؟ يعني أن حركة النوس في القلب البشري لا تعمل بشكل صحيح. تبدأ الطاقة النوسية بالعمل كما ينبغي فقط عندما يعبر الإنسان التطهّر ويبلغ الاستنارة. بعد السقوط، صار النوس في حالة مظلمة. لماذا؟ لأنه ممتلئ بالأفكار التي تُظلِمه. ومتى يصير النوس مظلماً بالأفكار؟ عندما تنزل أفكار عقلنا إلى القلب وتصير أفكار النوس، اي عندما يصير موقع أفكارنا مشوشاً بين العقل المفكّر والنوس. الأفكار موجودة في نوسنا فيما لا ينبغي أن تكون هناك إذ إنها لا تنتمي إليه بل إلى قدرتنا المفكّرة. ينبغي إفراغ النوس بشكل كامل من الأفكار حتّى يبقى طاهراً وبالتالي قابلاً لأن يأتي الروح القدس ويسكن فيه ويبقى هناك.

الشر

الشر

الراهب موسى الأثوسي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

بالإجمال، يبدو أن الشر يسود في العالم اليوم. يرى البعض أن سبب الشر هو الله. إنهم يؤمنون بأنه ذو أهواء بشرية، شرير، منتقِم، معاقِب. لمَ يسمح بالشر؟ لمَ يمنحه الإذن؟ لمَ لا يقتلعه لأنه يؤلم خليقته بهذا المقدار؟ كما هو معلوم، الإنسان حر بالكامل في اختيار الشر أو الصلاح. والله ليس مسؤولاً عن اختيار الشر، ولا نستطيع أن نلومه لأنه خلقنا أحراراً بالكامل. الله هو صلاح ولم يفعل أيّ شر أبداً.

نحن مدعوون لأن لا نصنع الشر، ولأن نمقته ونحتمله من الآخرين. التجارب في حياة الإنسان ليست من إله شرير، بل من معلّم ممتاز يحاول أن يساعدنا بطرق نافعة تصحيحية، حتّى خلال المصائب المختلفة. كلّ مَن يؤمن بأنّ الله هو المسؤول الوحيد عن الشر مخطئ بشكل خطير. يقسّم القديس باسيليوس الكبير الحكيم الشرّ إلى طبيعي ومادي، ويقول أن الشر الحقيقي هو الظلم والحسد وغيرها من الأهواء الخاطئة. الشر هو أيضاً ما يزعجنا: الخديعة، المرض، موت الأحباء… نحن المسؤولون عن الخطيئة وليس الله. الصعوبات، الآلام، ومشاكل الحياة موجودة لتعيدنا إلى رشدنا، لتنضجنا وتساعدنا على النمو.

وحيداً، يعيش الإنسان في الخطيئة لسنوات ويزداد ضعفاً، يتهالك، يفقد مقاومته للشر وطاقته على عمل الخير. مع هذا، هناك دوماً هامش متروك للتحوّل. عادة الغرور الجذاب عادة شريرة لا تسمح له بأن يُقاد إلى عدم الشر. فالشر، بحسب آباء الكنيسة، لا مادة له. الحياة غير الطبيعية تخلق أمراضاً مختلفة، لا يمكن لوم الله الكلي الصلاح بسببها. أتى الشر إلى الحياة البشرية بابتعادها عن الله مصدر كل خير. الإرادة الحرة منحة من الله والله لا يريد عبيداً. لا يحب الله الحياة الملأى بالعذاب، بل حرية الفضيلة. اختار البشر شرور حياتهم لأنفسهم وفضّلوها. الشياطين تكره الله وتبقى في خبثها بشكل دائم. إنهم معادون للناس ويشيرون عليهم بأساليب تستعبدهم في أعمالهم الكافرة المظلمة. الإنسان مدعو إلى أن يكون مستعداً للمعركة ضد أدوات مكائد الشر الشيطاني. في كل سقطة بشرية يوجد تآزر مع الشر الشيطاني، لكن الإنسان مسؤول عن نفسه إذ يسمح لنفسه الانجراف بعيداً.

الخطيئة شر خطير والفضيلة خير عظيم. على المسيحيين أن يخشوا الخطيئة، لأنها تجرّدهم من السلام والفرح الحقيقي. لا ترفضوا التجارب من الله، لأنها قد تصير نقطة انطلاق نحو شفائنا وتوبتنا وخلاصنا. الموت المروّع بحسب اللاهوت الأرثوذكسي ليس عقاباً من الله، بل هو ابتعاد الإنسان عن الله. نؤمن أن الموت الروحي أكثر سؤاً من الموت الجسداني، وهو يأتي عند تنقطع الشركة مع الله.

إن الكراهية غير الواعية لدى البعض تحوّلهم إلى مديرين لخطاياهم الذاتية. للأسف، يسود الشر في كل حياتهم. هذا لا يعني أنهم ربحوا. الكثيرون من الغارقين في الخطيئة مشوشون ويتألمون بقوة إلى أن يكرهوها. حتّى من الشر يأتي الخير في بعض الأحيان. الشر يمنح القلق والخوف والذعر. الضلاح يهدئ ويفرّح ويريح. عدد قليل من الأشخاص يعيشون غالباً في ملء الحق والحرية. الشر يفسد ويلطّخ ويفسد الألوان وويفقِر. الصلاح يقيم وينير ويغني ويقوّي. طوبى لصانعي الصلاح.

الشيخ والقاضي التركي الصالح

الشيخ إيرونيموس الذي من آيينا والقاضي التركي الصالح

نقلها إلى العربية الأب أثناسيوس بركات


كان الأب إيرونيموس الكبادوكي، الشيخ الشهير في جزيرة آيينا- اليونان، شافياً عَطوفاً للنفوس إلى حد بعيد، وأب روحي صاحب موهبة الرؤيا يفقه أسرار الأفكار في أعماق القلوب، ورجل صلاة لا تنقطع، ارتقى إلى درجة معاينة الله. كان معارفُه يتعجّبون قائلين أنهم في حضرة القديس اسحق السرياني الثاني. وقد رقد سنة 1966.

قبل وقت قصير من الحرب العالمية الأولى، زاره رجل تركي في منسكه المتواضع. أخبر التركيُّ الأبَ بأن سيدَه، وهو قاضٍ، قد أرسله لدعوة الشيخ إلى منزله.

انتاب الشيخَ بعضُ القلق. لم يعتدْ على دعواتٍ ذات طابع “إجتماعي”، فصار يداخلُه شك بأنه سيخوض تجربةً شيطانية ما. رغم ذلك، صلّى إلى الله وتبع الخادمَ التركي.

حين وصلا إلى بيت القاضى الفسيح، استقبله القاضي بنفسِه بكثير من الحرارة. جلسا على ديوان كبير، ثم بدأ القاضي بالحديث:

“إنني تركي مسلمٌ، يا أفندي بابا. أحتفظُ بما هو ضروري لمعيشة عائلتي من الراتب الذي أتقاضاه، أما الباقي فأوزِّعُه صَدَقات. أساعد الأراملَ واليتامى والفقراء، أؤَمّن المهور للفتيات الفقيرات ليستطعن الزواج، وأساعد المرضى. أحافظ على الأصوام بتمامها وأصلي، وبشكل عام أحاول عيشَ حياة تنسجم مع ما أؤمن به. كذلك الأمر، عندما أجلس للمقاضاة أجاهد لأكون عادلاً دون أن آخذ بعين الإعتبار أي مركز لأي شخص مهما علا شأنُه. ما قولُك، هل كل هذا  كافٍ ليكون لي الفردوس الذي تتكلمون عنه أنتم المسيحيين؟”.

كان الشيخ مُعجَباً بكلام القاضي التركي، وسرعان ما خطر على باله كورنيليوس قائدُ المئة الروماني المذكور في أعمال الرسل. لاحَظ أن سيرة كل من القاضي التركي وقائد المئة الروماني متطابقتان. وفهم أن القاضي كان رجلاً عادلاً نبيل المشاعر. فكر الشيخ في نفسِه: “ربما تكون مهمتي مثل مهمة القديس بطرس الرسول الذي بشّر قائد المئة”. لذا، صمم الشيخُ على أن يكون شاهداً لإيمانه.

“قل لي، يا قاضي أفندي، هل لديك أولاد؟”

“نعم، لدي”

“وهل لديك خدام؟”

“نعم، لديَّ خدام أيضاً”

“مَن مِنَ الإثنين ينفذ أوامرك أفضل، أأولادُك أم خدامك؟”

“طبعاً خدامي، لأن أولادي- بسبب الدالّة التي لديهم تجاهي- غالباً من يَعصَون طلباتي ويفعلون ما يحلو لهم، أما خدامي فدائماً ما يقومون بما أطلبه منهم”

“أخبرني، رجاءً، يا أفندي، عندما تموت، من سيرِثُ ثروتَك؟ أخدامك الذين نفّذوا أوامرَكَ بأمانة، أم أبناؤك الذين لم يُطيعوك؟

“طبعاً، أولادي. فهم لهم الحق، فقط، بالميراث، على عكس خدامي”.

“إذاً، يا أفندي، ما تفعله جيد، لكن الأمرَ الوحيدَ الذي يمكن أن تقوم به أعمالُك الحسنة هو أن تضعك في مصَفِّ الخدام الصالحين. أما إذا أردت أن تَرِثَ الفردوس، أي ملكوت السماوات، فحينها عليك أن تصبح ابناً. وهذا ممكن تحقيقُه، فقط، عن طريق المعمودية”.

تأثر القاضي التركي للغاية بمَثَل الشيخ، وتحدَّثا لوقت طويل، بعد ذلك. وفي النهاية، سأل الشيخَ أن يُتلمذَه ويعمِّده. وهكذا، وبمدة قصيرة، اعتمَد القاضي الصالحُ وأصبح مسيحياً.

كيف يكون الله في قلب الإنسان

كيف يكون الله في قلب الإنسان

القديس نيكولا فيليميروفيتش

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

من رسالة إلى جندي في كتيبة الطلاّب


لقد سألتَ أحدهم: “أين الله؟” وكان الجواب إليك بأن الله في داخلك. ولقد اندهشتَ من الجواب. كيف يمكن ذلك؟ إنّه مثل ضوء في غرفة أو مثل النار في موقد. عندما تكون قادراً على الإحساس بالله في داخلك، سوف تشعر وتعرف بأنّه هناك، لكنك لن تكون قادراً على شرح ذلك لشخص آخر. لكنك سوف تبحث عن صور في الطبيعة ومن ثمّ سوف تخبر الآخر كما أكلّمك الآن: الله في داخلك مثل النور في غرفة، أو مثل النار في موقد، أو مثل الهواء في الرئتين، أو مثل الحياة في كل خليقة، أو مثل القوة والمحبة والفكر في كل إنسان. بالطبع، هذه مجرد صور وتشبيهات ولا يمكن لها أن تعبّر عمّا يشعر به الإنسان عندما يسكن الله بملئه فيه. رسول الله وابونا الروحي بولس يتمنّى للمؤمنين بأن يمتلئوا من ملء الله (أفسس 19:3). يعمل الله من داخل الإنسان بطريقتين: بأن يعِين وأن يحكم.

عندما يعين، يعمل الله في الإنسان صاحب الإيمان المتوسط أو الضعيف، الذي يذكر الله بين الحين والآخر ولا يحفظ وصاياه إلا جزئياً. لا يتخلّى الله عنه لأنه هو لم يتخلَّ كلياً عن الله. من جهة أخرى، يحكم الله في الإنسان صاحب الإيمان العظيم، الذي فتح أبواب نفسه على مصراعيها لخالقه. مكتوب “إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي” (رؤية 20:3). إنسان مثل هذا لا يتّكل على نفسه أبداً بل فقط على القدير. إنه يحسّ بحضور الروح القدس وعمله داخل نفسه فمحبته لسيده كبيرة. وقد وعد المسيح أن الذي محبّ الله بأن يأتي إليه ويسكن فيه.

“إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً” (يوحنا 23:14). لن تكونوا قادرين على فهم هذا الكلام إذا نسيتم أن الله هو روح، قادر على أن يدخل في كل شيء ويكون في كل مكان، بحسب قدرته ومشيئته. إنه أسمى من كل مادة، كما الشمس أعلى من الأرض أمّا نورها فيمكنه أن يتسلل إلى داخل كل شيء. كما يقول الرسول: “إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ” (أفسس 6:4). إنه يكتب هذا الكلام للقديسين والمؤمنين.

لكن عندما يرفض أحدهم الله وتبدأ الأفكار البشعة تراوده والكلام ضد الله، يقوده الله أيضاً. الأمر شبيه بمَن يغلِق نوافذ الغرفة ويمنع النور من الدخول وإنارتها. فقد قال نبي الله صموئيل للملك شاول المتشبث برأيه  “لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، رَفَضَكَ الرَّبُّ” وغادر روح الرب صموئيل. ولكن حتى لو تخلّى الله عن نفس إنسان عنيد، فهو لا يكف عن العمل عليه من خارج، بالطريقة التي يعمل فيها على الماء والحجر والخشب. وإذا تمسّك إنسان بعناده وقاوم الله إلى النهاية ورفض أن يتوب فالله يسمح للروح الشرير بأن يدخل فيه. كما هو مكتوب عن شاول عندما هجره روح الله “وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” (1صموئيل 14:16). أو الأسوا المكتوب عن يهوذا الخائن “دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ” (يوحنا 27:13).

هؤلاء الأشخاص الذين يقومون في وجه الله بالطبع لا يمكنهم أن يشعروا بالله في داخلهم أو أن يقولوا: “الرب في داخلنا”. وأولئك الذين يحبون الله ويتوقون إليه ويعاينونه ويتضرعون إليه ليأتي، فهم يشعرون به في داخلهم ويمكنهن أن يعلنوا: “الرب في داخلنا بروحه القدوس”. طوبى لتلك النفوس اللامعة، لأنها سوف تسود دوماً في ملكوت المسيح، كما وعد الرب أحباءه قائلاً: “وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ” (يوحنا 3:14).

صورة المرأة في الكتاب المقدس

صورة المرأة في الكتاب المقدس

ماريا قبارة

المرأة في العهد القديم

نقرأ في مستهل التكوين “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسّلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كلّ الأرض وعلى جميع الدبَّابات التي تدبُّ على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم.” (تك26:1-27). “وقال الربّ الإله ليس جيداً أن يكون آدم وحده. فاصنع له معيناً نظيره…..فأوقع الربّ الإله سباتا على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها الى آدم. فقال آدم هذه الآن عظمٌ من عظمي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لانّها من امرئ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً” (تك18:2-24)

وعلى هذا، للمرأة طبيعة هي ذاتها طبيعة الرجل. هي أسمى من كلّ الحيوانات التي لآدم أن يسيطر عليها. هي بمثابة معاونة ومرافقة، وهي تلائمه وتناسبه (تك18:2، 20:2). فالمرأة ليست كائناً عابراً نتيجة المصادفة، بل هي مساوية للرجل وبالتالي هي العون الحقيقي الصحيح بإزائه. كلاهما، الرجل والمرأة، على صورة الله، فهما إذاً على صورة بعضهما.

قال آدم: ” هذه الآن عظم من عظمي ولحم من لحمي…”. المرأة  تأتي من عمق الرجل، تشاركه في طبيعته ذاتها، وبعلاقة المساواة الجديدة هذه يأخذ الرجل والمرأة أسماء جديدة ذات مصدر لغويّ واحد: إيش/ إيشا. أيّ امرئ/ إمرأة. وجاءت الخطيئة لتهدم التسلسل الطبيعي للأحداث. فسيادة الرجل على المرأة  نتيجة الخطيئة (تك16:3). ومن الخطأ أن نعتبر أن الخالق أراد وضع المرأة في مرتبة ثانية ( كما هو الحال في معتقدات مجتمعات كثيرة حتى اليوم).

في اللحظة التي دُعي فيها الرجل والمرأة إلى الوجود توّج عمل الخلق بكائنين بشريين متساويين أمام الله، ومخلوقين على صورة الله ومثاله ليصبحا جسداً واحداً ” لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً”.

ويعتبر أفلاطون الحبّ بين الرجل والمرأة ظاهرة متأصلة في طبيعتهما وفي أصل تكوينهما. فالإنسان في البدء مثنى ((androgyge، فالرجل والمرأة شخص واحد، ولكنّ عقاب الآلهة جزأه إلى اثنين: ذكراً وأنثى. ومنذ ذاك يتوق كلّ “نصف” إلى الاتحاد بالنصف الآخر لتعود وحدة الاثنين الى لحمتها الأصلية.

يسوع والمرأة

لقد ثارَ يسوع على وضع المرأة المتدني في الحالة الاجتماعية للعالم اليهودي الذي عاشَ فيه. فقلبَ المسيح مفاهيم عصره في ملكوت الله بتحول جذري لكلّ شخص بشري. اهتم يسوع بالمعذبين والفقراء والمحتاجين والمظلومين، وجاءت ثورته تدعو للمساواة بين كلّ الكائنات البشريّة ووجّه رسالته الخاصّة للمرأة، ضارباً عرض الحائط العادات والعنصريات والطبقات الاجتماعية السائدة وقتذاك.

في تعارض مع علماء الشريعة، أخذَ يسوع يد حماة بطرس (مر31:1). لم يزدرِ المرأة النازفة الدمّ حاكماً بموقفه على الفريسيين والمجتمع ” أنا لا أحكم عليك. اذهبي ولا تخطئي بعد الآن” (مت22:9)، فالعادة الجارية عند الكتبة والفريسيين بحسب تعليم التوراة تقضي برجم المرأة التي تؤخذ في جرم الزنى المشهود، أمّا موقف يسوع كان ميزان الرحمة الذي رجح على أحكام التوراة الصارمة. وبهذا أعطى يسوع هذه المرأة إمكانية العودة الى الحياة العادية غامراً إياها معنى جديداً للحياة. وأيضاً أعطت هذه المرأة السبيل للمسيح لنشر تعليم سامٍ عن الرحمة في مجتمع نبذ المرأة وحللّ كلّ شيء للرجل.

أكثر من هذا، فبالرغم من العادات المرعية لذلك العصر قَبِل ضيافة عائلة يهودية تتألف من أختين: مريم ومرتا (لو38:10)، وكان ليسوع علاقة مودّة مع الاختين وأخيهما لعازر. وأما قصّته مع المرأة السامرية لها طعم آخر، فيسوع لم يعبأ بالتقاليد التي كانت تنهي الرجل عن مخاطبة امرأة لا يعرفها، وزادَ الأمر دهشة التلاميذ لأنه تكلم مع سامرية خاطئة. لكنّ يسوع رأى في السامرية إنساناً فبلّغ الكلمة إليها. خيار يسوع لهذه السامريّة مدهش: لنشر رسالته في منطقة مختلفة عن البيئة اليهودية، ولدعوة السامريين للإيمان. بداية الطلب، حاجة يسوع إلى مساعدة المرأة. وفي نهاية الحوار، أصبحت المرأة بحاجة إلى يسوع “يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي” (يو15:4). حالاً أصبحت المرأة رسولة ليسوع، تركت الجرّة (أي تركت ماضيها) وتبعت يسوع. أصبحت هذه السامرية رسولة بين إخوتها السامريين. إيمان السامرية بيسوع وشهادتها عند أهلها حملا السامريين على الإيمان بيسوع. فنظرة يسوع للمرأة في مشاركته في العمل الخلاصي تساوي نظرته إلى الرسل في دعوتهم للبشارة والتعليم.

تكلّم يسوع كثيراً بالأمثال عن المرأة: المرأة وأكياس الدقيق (مت33:13)، المرأة التي أضاعت الدرهم (لو 8:15-10). الأرملة والقاضي الظالم (لو1:18-8).

لم ينظر يسوع إلى المرأة بأنها موجودة أدنى من الرجل، ولم يرفض الاختلاط بين الجنسين. وضع يده على نسوة شفاهنَّ من أسقام في زمنٍ كان فيه اليهود يتحرجّون من مصافحة النساء، ولا سيّما الحائض منهنّ.

وهناك الدور الكبير والمميز للمرأة المبشرة بقيامة الربّ. فالنساء كنّ أول من عرفَ حدث القيامة، وأول من بشّر التلاميذ بالقبر الفارغ. وظهور الربّ للمجدلية يدلّ على رغبته في أن تكون المرأة شاهداً على قيامته وأول من يبشّر بهذه القيامة “قال لها يسوع: لا تلمسيني لأنّي لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي إلهكم. فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الربّ وقال لها هذا” (يو16:20-18). ما يميز رسالة النسوة عن رسالة الرسل، هو أنّ المسيح بالرغم من منحه السلطة الرعائية للرجال، إلاّ أنّه أعطى مشاركة أساسية للمرأة بحمل البشارة الحلوة ونقل الإيمان إلى الآخرين.

لا نجد  في تعليم وتصرفات يسوع أيّ شيء يعكس التفرقة القائمة في عصره بين المرأة والرجل. كانت أقواله وأعماله تنمّ عن الاحترام الواجب اعتماده في تعامله مع المرأة. أطلقَ لقب “ابنة ابراهيم” على المرأة قوساء الظهر، فيما لم يُطلق هذا اللقب في كلّ التوراة إلاّ على الرجال “أبناء ابراهيم”. إنّ اسلوب يسوع في التحدث والتعامل مع النساء شكّل تجديداً واضحاً بالمقارنة مع عادات ذلك العصر.

المرأة وآباء الكنيسة

أُخذ على آباء الكنيسة بُغضهم للمرأة، ذلك لأننا نجد عند الكثيرين منهم أحكاماً قاسية تفتقر إلى مفهوم المرأة الكتابي الصحيح. لم يطرحوا مشكلة المرأة بطريقة مستقلة، بل طرحوه في ظروف معاكسة لها، لدرجة أنّ الكثيرين منهم غالباً ما كانوا ضدّ المرأة، وتطوّروا بنظرة أكثر إنسانية ليصلوا إلى تناقضات مع آرائهم السابقة. نذكر على سبيل المثال يوحنا الذهبي الفم الذي عُرف بأقواله القاسية عنها في مطلع شبابه، ثمَّ كوّن صورة أخرى عنها أكثر صفاء توضحت في رسائله السبعة عشر إلى الشماسة أولمبياس، كتبها في منفاه شاطرها همومه وأحزانه.

بعض الآباء طوَّب المرأة ووضعها في مثالية مريمية، والبعض الآخر همّشها وهشّمها منزلاً إياها إلى الأبواب الشيطانية كما قال ترتليانوس بأنَّها ” باب الشيطان ونبع الشرّ”.

من الأفضل إذاً أن نضع نظرة الآباء إلى المرأة في إطارها التاريخي الذي كتبت فيه وأن نأخذ بعين الاعتبار اسلوبهم الأدبي. فكما بولس كذلك آباء الكنيسة، وإن تغيرت ظروفهم، كانوا مرتبطين بأفكار زمنهم عن المرأة، وتأثروا بالميراث الثقافي الوثني. وهذه المعطيات البيئية والثقافية تتناقض مع روح الانجيل في كثير من الأمور نراها تناقضات واضحة في كتاباتهم. فتارّة يعطونها أغلب حقوقها، وتارة أخرى يحرمونها من أبسط الحقوق.

أما احتقار الآباء في بعض الأحيان للمرأة ليس حكماً على ماهيتها، ولكن على لحظة اتباعها أهوائها مبتعدة عن صورة الله فيها. فلهذا من هذه الزاوية نفهم الكتابات اللاذعة التي تتناول النسوة اللواتي قدمن شهواتهنّ وأجسادهنّ، واعتنين بالزينة والتبرّج مهملين الجمال الداخلي الحقيقي. ليس البشر محكومين  أخلاقياً لمجرد انتمائهم إلى جنس معيّن. فيمكن للرجل أن يكون أدنى أخلاقياً من المرأة، عندها على المرأة إن ضعف أخلاقياً أن تؤنبه وتقوده للمسيح، وهكذا الرجل إن ضعفت المرأة عليه أن يؤنبها. فالمرأة رفيقة الرجل في مسيرة المسيح وكلاهما واحد في الإنسانية.

دعوة المرأة اليوم

القرن الواحد والعشرين الذي أوشكنا فيه، مثخناً بجراحات أثيمة، ومبتلى بأزمات، هو اليوم بحاجة إلى رعيل من النساء أكثر من أيّ عصر مضى. وحان الوقت كي تبلغ المرأة الكمال في تحقيق دعوتها الكنسيّة وفي المجتمع الاشعاع والسلطة والنفوذ، وهذا ما لم تقدر المرأة على اكتسابه إلى اليوم. وإذ تشهد البشرية تغييرات جذرية، يمكن للمرأة المشبعة بروح الانجيل، أن تبعد العالم عن الانحراف وتساهم كما الرجل في بناء مجتمع يتميّز بإنسانية أكبر.

قنــاع البربارة

قنــاع البربارة

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

إيمان ويونّا أختان تحبّان الربّ يسوع كثيراً، ويسوع المسيح الذي يحبّ الأولاد كثيراً يحميهما ويحبّهما كما يحميك أنت ويحبّك.

إيمان ويونّا تستعدّان لعيد البربارة، وقد اتّفقتا أن لا يضعا أقنعة بشعة مخيفة، لأنّ الربّ يسوع خلق الإنسان جميلاً، وأعطاه نعمة بأن يصبح أجمل كلّما اقترب منه أكثر.

لبست الأولى ثياب راعي، فوضعت الكفيّة على رأسها وأمسكت العصا بيدها، ورسمت شانبين ولحية على وجهها. أمّا الثانية فقد ارتدت ثوب امرأة قرويّة جميلة، وأمسكت جرّة بيدها. دارت الفتاتان من بيت إلى بيت تنشدان الأغاني الحلوة، وتجمعان المال إلى أن حلّ الليل، فعادتا إلى البيت. وفي البيت سألتهما أمّهما ماذا ستفعلان بالمال الذي جمعتاه. فكّرتا جيّداً ثمّ قالتا: قولي لنا ما يجب فعله يا أمّنا الحلوة. فقالت الأمّ: اسمعاني جيّداً. هذا المال يخصّ إخوة يسوع الفقراء، وعليكما غداً بعد القدّاس أن وتوزّعاه على من كان محتاجاً أو مريضاً. فرحت الطفلتان باقتراح أمّهما، وذهبتا إلى النوم بعد أن صلّيتا معها صلاة النوم، وقرأتا قليلاً في الإنجيل المقدّس لتتعرّفا إلى مايقوله الربّ يسوع لنا.

آه لقد طلع النهار ولم أشعر، قالت إيمان لنفسها، هيّا لأسرعْ إلى الكنيسة. لقد سبقتني أختي إليها. وفي طريقها قدّمت مننا امرأة فقيرة تبكي تطلب منها بعض المال لتشتري شيئاً لأولادها الجائعين. لم تلتفت إليها إيمان، بل مشت نحو الكنيسة مسرعة. ثمّ بعد عدّة دقائق سمعت أنيناً صادراً من إحدى النوافذ، ففكّرت قائلة: ربّما قد يكون هناك مريض بحاجة إلى دواء، هي لا تريد أن تصرف وقتها الضيّق عليه، لذلك لم تتوقّف بل استمرّت تجري إلى أن وصلت، فسمعت الكاهن والجوق يرفعون التسبيح للربّ. لكن، ويا للعجب!!! لقد دخلت الكنيسة فوجدتها فارغة، فلا جوق هناك ولا كاهن ولا مؤمنون حتّى أهلها لم ترهم هناك. رفعت عينيها إلى أيقونة الربّ يسوع، لكن يا للهول!! ماذا رأت؟! لم تجد صورة الربّ يسوع ضمن الكادر. فراحت تتلفّت يميناً ويساراً علّها تراه أو تجده في مكان ما. ولكنّها رأت تحت الأيقونة إنساناً راكعاً ويده على بطنه يتألّم. ترى من يكون؟! هل هذا ممكن؟!! لا يا ربّ لم أتوقّع أن تكون أنت!! أنت الإله القويّ القادر، إله السماء والأرض، فكيف تبدو الآن متألّماً مريضاً؟ هل هذا معقول؟! نظر إليها ربّنا نظرة حبّ وحنان وقال: نعم أنا أتألّم لأنّي جائع في شخص من رفضت أنت أن تساعديهم، وأتألّم مع ذاك المريض الذي كان يئنّ، ولم تتوقّفي لتسأليه عن حاجته. لم تتحمّل إيمان ما سمعت، فركعت على الأرض وهي تقول: سامحني يا يسوع، لقد أخطأت. فلمسها يسوع بحنان قائلاً: “لا بأس يا إيمان ابدأي من جديد”. شعرت إيمان بيد تهزّها بقوّة، فظنّتها يد الربّ يسوع، ولكنّ هذه اليد هزّتها بقوّة أكبر، ففتحت عينيها لترى أمامها أمّها تدعوها للنهوض من سريرها استعداداً للذهاب إلى الكنيسة. فنظرت إلى والدتها وقالت بوداعة: أعطني يا يسوع قناع المحبّة لأضعه على وجهي.

صلاة يسوع بحسب القديس إيسيخيوس العوسجي

صلاة يسوع بحسب القديس إيسيخيوس العوسجي

إعداد الخورية سميرة عوض ملكي

كتب القديس إيسيخيوس رئيس دير العوسجة في سيناء رسالة إلى راهب يدعى ثيوذولوس حول اليقظة والفضيلة، شَرَح فيها أن في سكينة القلب تصعد وتنزل صلاة يسوع والكيرياليسون فيتحوّل الذهن إلى دعاء ويجيل اسم يسوع في فسحة القلب ويغلّف الجسم. ويدعو إلى إقران اليقظة بصلاة يسوع، مستعملاً لها هذا الاسم ومعدداً مآثرها.

صلاة يسوع المقرونة باليقظة تمحو من أعماق القلب، بطريقة طبيعية، الأفكار المغروسة والمقيمة فيها، وإن على رغمنا. لأنّ اليقظة هي التركيز الدائب لفكر ساهر عند باب القلب، وهي في عقل الإنسان تنبّه متواصل راسخ يسعى إلى وقف نبع الأفكار الذميمة. وهي التي تورّثنا وقت الجهاد، وبطريقة وادعة، المشاهدة الناجمة عن صلاة يسوع المتواصلة، وعذوبة الهدوء، لدى الذهن المُعتَق من كلّ تصوّر وحالة السكون النابعة من يسوع.

من هنا يحذّر القديس إيسيخيوس من أنّ “الشيطان مع قواته يرود مثل أسد زائر يطلب فريسة. لهذا يجب على المصلّي ألاّ يكفَّ لحظة عن تنبه القلب الدائم واليقظة والشجب وصلاة يسوع”. وبدونها لا مجال لطرد العدو: “… يستحيل علينا أن ننقي قلبنا من الأفكار الشهوانية ونطرد منه الأعداء الروحيين إذا لم ندعُ باستمرار يسوع المسيح”. فاسم يسوع هو مصدر الفرح: “بمقدار ما يسقط المطر تلين التربة. كذلك اسم يسوع المقدس يغمر فرحاً وبهجة تربةَ قلوبنا، عندما ندعوه ونبتهل إليه بصورة متواترة”. وهو فعّال مع الأعداء غير الجسديين، وهذا عند كل فئات المصلين: “لنا أعداء لا جسديون، لا منظورون، ماكرون، بارعون في الشر… ونحن لا قِبَل لنا بقهرهم بأيّ بوجه من الوجوه، إلا بفضل يقظة ذهن متواصلة، واستدعاء يسوع المسيح إلهنا وخالقنا. وأمّا المفتقرون إلى الخبرة، فلتكن لهم أيضاً صلاة يسوع المسيح حافزاً لاختبار الخير ومعرفته. وأمّا ذوو الخبرة، فلتكن لهم هذه الصلاة حافزاً للخير ومحكّاً له ومحط راحته، والطريقة الأمثل والمَعْلَم الأفضل”. والصلاة القلبية، أي صلاة يسوع من خلال استدعاء اسمه، تزيد من الانتباه، وعدم ممارستها يقلل منه: “بقدر ما يعمق انتباهك لعمل الفكر في ذهنك تزداد ابتهالاً إلى يسوع بكل شوقك… وكما أن التنبّه ينير دائرة الفكر إنارة قصوى، فمن البديهي أيضاً أن التخلّي عن اليقظة وعن صلاة يسوع العذبة يغرقها في بحر من الظلام”، “الابتهال المتواصل إلى يسوع، عندما يواكب شوقاً فائقاً بالعذوبة والفرح، يضفي على فسحة القلب غمرةً من الفرح والصفاء، بفضل التنبه الأقصى”، “وهكذا فاليقظة وصلاة يسوع تلقيان –كما قلتُ- دعماً متبادلاً، بطريقة طبيعية. فالتنبّه في أقصاه، يدعم الصلاة المتواصلة، وفي المقابل تدعم الصلاةُ داخل الذهن اليقظةَ والتنبّه الأقصى”. “ذكر ربنا يسوع المسيح وابتهالنا المتواصل إليه يبعثان في ذهننا شبه حالة إلهية، أللهم إذا لم نهمل هذه الصلاة المستمرة التي نرفعها إلى الرب داخل ذهننا، ولا اليقظة الصارمة ولا عمل الرقابة. فلندأب إذاً حق الدأب في الابتهال إلى يسوع المسيح ربنا، وهو العمل المتكرر أبداً، ولنهتف إليه بقلب مضطرم، طمعاً بالاشتراك في اسم يسوع الأقدس”. من هنا أن استعمال اسم يسوع ترس ضد الهفوات: “النسيان يطفئ حراسة الذهن كما يخمد الماءُ اللهيب. ولكن صلاة يسوع المتواصلة إذا اقترنت بيقظة مستمرة، فهي تنفي النسيان من القلب نفياً قاطعاً”، وعلى المؤمن أن يلجأ إليه أبداً وبدون انقطاع: “علينا أن نُجيل دوماً اسم يسوع المسيح في فسحة قلبنا، كما يخُدُّ البرق صفحة الفُلك قبل هطول المطر… فلنخُض إذاً الحرب الروحية وفق هذا السياق: التنبّه أولاً… ثم حسر وجه العدو… فلنوسعه ضرباً… وثالثاُ وأخيراً علينا بالصلاة فوراً نتصدى له بها ونستجمع القلب بالابتهال إلى يسوع المسيح، فتتبدد الصورة الشيطانية على الفور..”، “إننا نفعم القلب علقماً، بزعاف الأفكار وخبثها، عندما نقلع طويلاً عن واجب التنبّه وصلاة يسوع، ونخلد إلى التهاون الناجم عن النسيان”، “النَفَس العابر في منخريك، ضمّ إليه اليقظة واسم يسوع والتأمل المتواصل في الموت والتواضع. ولسوف تجد في كليهما، كما هو معلوم، إزراً عظيماً”.

ولئن بَدَت اليقظة على جانب كبير من الأهمية في تعليم هذا القديس، إلاّ أنها وحدها لا تكفي: “كما أن الثلج لا يولّد اللهب أبداً، ولا الماء النار، وكما أن العوسج لن يؤتي التين يوماً، كذلك قلب كل إنسان لن يعرف سبيلاً إلى التحرر من الأفكار والأقوال والأفعال الشيطانية، ما لم يتطهر من الداخل، ويقرن اليقظة بصلاة يسوع…”. وهي لا تكتمل إلاّ بصلاة يسوع: “متى ابتدأنا نمارس في حياتنا التنبّه الذهني ونقرن التواضع باليقظة ونضم الصلاة إلى الشجب، أصبح بوسعنا أن نسير كما يجب على طريق الندامة… مستعينين بمشعل النور، أي باسم يسوع المسيح المعبود والقدوس. أمّا إذا عوّلنا فقط على يقظتنا أو على تنبهنا، فسوف يدحرنا الأعداء سريعاً ويطيحون بنا فنسقط… لأننا عُزَّل من الحربة القوية: أي اسم يسوع المسيح…”، وكما أنّ “المركب لا يذهب بعيداً إذا لم يكن له عمق ماء. كذلك حراسة القلب لن تتقدم البتة إذا أعوزتها كلياً اليقظة المقرونة بالتواضع وبصلاة يسوع المسيح”. فينبغي إذاً على النفس ألاّ تتهاون بصلاة يسوع: “النفس المتهاونة في اليقظة ودعاء اسم يسوع المسيح، سوف يبتلعها الأبالسة بسهولة أكبر، عندما تراودها الوساوس”، إذ “كما يستحيل على الشمس أن تتلألأ ولا تفيض نورها، كذلك القلب لا يستطيع أن يتنقى من دنس الأفكار الوبيلة من دون صلاة اسم يسوع. فإذا صحّ ذلك، وهذا ما أراه، فلنتكّل على الاسم اتكالنا على تنفسنا بالذات. فالاسم نور، وأما الأفكار فديجور. الاسم إله ومعلّم، وأمّا الأفكار فعبيد الشياطين”، “وحده الدعاء إلى اسم الله، يبيد خدعهم ويحوّلها رماداً. فيسوع الإله وابن الله، إذا دعوناه دعاءً مستمراً دؤوباً لن يأذن لهم البتة بأن يبيدوا الذهن…”. في نهاية رسالته الطويلة يغبّط الملتصق بصلاة يسوع: “مغبوط حقاً الملتصق بصلاة يسوع بكل ما لديه من تفكّر ذهني، يدعوه دعاءً مستمراً في قلبه، مثله مثل الهواء المتّحِد بأجسادنا واللهب والشموع. عندما تمر الشمس فوق الأرض تصنع النهار؛ كذلك اسم الرب يسوع، الاسم الأقدس والأكرم، عندما يتلألأ في التفكّر الذهني، يولّد ما لا يحصى من الأفكار النيّرة كالشمس”.

في علاقة الرّبّ يسوع بتلاميذه

في علاقة الرّبّ يسوع بتلاميذه

الأرشمندريت توما بيطار


باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

يا إخوة، في هذا الإنجيل الّذي سمعتموه، ثلاث أفكار مرتبطة الواحدة بالأخرى، تحدّد علاقة الرّبّ يسوع بتلاميذه، وتحدّد، أيضًا، مهمّة التّلاميذ. أوّلاً، الرّبّ أعطى الرّسل الاثني عشر قوّة وسلطانًا على جميع الشّياطين وعلى شفاء الأمراض. هذا يعني أنّه أعطاهم كلّ السّلاح اللاّزم، حتّى يتمكّنوا من أن يقوموا بالمهمّة الّتي يريدها لهم. والتّركيز، هنا، بالحديث عن الشّياطين، يعني، في الحقيقة، أنّ الرّبّ يريد أن يعرف التّلاميذُ أنّ كلّ الخطايا الّتي يرتكبها النّاس، في العالم، تكمن وراءها الشّياطين، الّتي تتحكّم بالإنسان المتعامل معها، إذا ما سلك في الخطيئة. فحين يقول الرّبّ إنّه أعطى التّلاميذ سلطانًا على جميع الشّياطين وعلى شفاء الأمراض، فهذا يعني أنّه أعطاهم كلّ ما يلزم للخلاص؛ إذ إنّ البشر يحتاجون إلى أن يخلصوا، في الدّرجة الأولى، من تسلّط الشّياطين عليهم. إذًا، التّلاميذ قادرون، بنعمة الله، على أن يغفروا الخطايا، باسم الرّبّ يسوع؛ وعلى تحرير النّاس، أيضًا، من ألاعيب الشّياطين، وتأثيرهم، وخباثاتهم. بالإضافة إلى ذلك، الرّبّ أعطاهم قوّة وسلطانًا على شفاء الأمراض، الّتي هي، بمعنى من المعاني، نتيجة عمل الشّياطين في النّاس وتعاونهم معها. إذًا، القوّة هي قوّة خلاصيّة وقوّة شفائيّة، لا تتناول فقط ما هو في مستوى الرّوحيّات، بل أيضًا ما هو في مستوى الجسديّات والنّفسيّات. هذه هي الفكرة الأولى.

أمّا الفكرة الثّانية، فهي أنّه حدّد لهم في أيّ إطار يمكنهم أن يتعاطوا قوّة الله وسلطانه. طبعًا، الرّبّ لا يعطيهم هذا السّلطان حتّى يتصرّفوا به كما يحلو لهم، أو حتّى يقوموا باستعراضات قدّام النّاس. المطلوب هو أن تُستَعمل قوّة الله وسلطانه في إطار الرّسالة الّتي أوكل الرّبّ يسوع تلاميذه بها، وهي أن “يكرزوا بملكوت الله ويبرئوا المرضى”. لفظة “ملكوت” تعني “مملكة”. لكنّ النّاس يعرفون الممالك الّتي هي من هذا الدّهر وفي هذا الدّهر، وفيها يتسلّط النّاس بعضهم على بعضهم الآخر. أمّا الكرازة بملكوت الله، فتعني أنّ المطلوب هو أن يُسَيِّدَ النّاسُ اللهَ على حياتهم، فيصير هو الملك. عليهم أن يقتبلوه بمثابة السّيّد، والملك، والمعلّم. إذا لم يقتبلوا، إراديًّا، هذا الأمر، فإنّ السّيّد لا يكون سيّدًا عليهم. طبعًا، الرّبّ قال: “لا تدعوا لكم سيّدًا على الأرض، لأنّ سيّدكم واحد في السّموات؛ ولا تدعوا لكم معلّمًا على الأرض، لأنّ معلّمكم واحد في السّموات” (متّى23: 8- 11). إذًا، المطلوب أن نرسّخ سيادة الله بين النّاس. هذا يعني أنّ النّاس، إذا أرادوا، قادرون على أن ينتموا إلى ملكوت السّموات الّذي يعطيه الله، وهو غير منظور، لكنّه ملكوت روحيّ حقيقيّ جدًّا. الله لا يفرض نفسه على أحد؛ ومن ثمّ لا نصيب لأحد في ملكوت السّموات، إلاّ إذا أراد ذلك! المطلوب، إذًا، ملكوت السّموات الّذي له وصايا وقواعد وأصول: “وصيّة جديدة أعطيكم: أن تحبّوا بعضكم بعضًا” (يو13: 34). هناك وصايا على التّلاميذ أن ينشروها بين النّاس، وهي أساس الانتماء إلى الله، إلى هذه العلاقة الخاصّة المميّزة بالله، في إطار الملكوت السّماويّ. الموضوع الأساسيّ، إذًا، هو الملكوت: “اطلبوا أوّلاً ملكوت السّموات، وكلّ ما عدا ذلك يُزاد لكم” (لو12: 31)؛ لماذا، هنا، يريدهم أن يبرئوا المرضى؟! لأنّ الرّحمة هي من مفاعيل ملكوت السّموات؛ الّذي هو، في الوقت نفسه، ملكوت غير منظور؛ والنّاس غير معتادين كثيرًا على تعاطي الأمور الرّوحيّة غير المنظورة الّتي هي حقيقيّة جدًّا، وتفوق مدارك البشر. هذه الأمور، بالنّسبة إلى النّاس، تصير مقبولة، إذا تمكّن المرء من أن يعطيهم البرهان الحسّيّ على أنّ ملكوت السّموات حقيقيّ. إذا قلنا للفقير، مثلاً، إنّ الله محبّة، فهذا أمر صحيح. لكنّنا، إذا لم نقدّم إليه الطّعام، فإنّه لا يصدّق، ولا يؤمن بأنّ الله محبّة. محبّة الله وملكوت السّموات يحتاجان إلى ترجمة؛ وهي، هنا، إبراء المرضى. لهذا السّبب، الرّبّ يسوع قال، مرّة، لمفلوج: “مغفورة لك خطاياك” (مر2: 5). هذا أمر غير منظور، لكنّه حقيقيّ جدًّا. فصار النّاس يقولون: “مَن هو هذا الّذي يغفر الخطايا” (مر2: 7)؟! فقال لهم الرّبّ يسوع: “لكي تعلموا أنّ لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا، قال للمفلوج: قم احمل سريرك، واذهب إلى بيتك” (مر2: 10- 11). إذًا، إبراء المرضى هو عمل رحمة، وفي آن معًا، علامة تدلّ على حقيقيّة ملكوت السّموات. لهذا السّبب، الرّسالة الّتي كلفّ الرّبّ يسوع تلاميذه بها تتركّز في ملكوت السّموات، ويُعبَّر عنها حسّيًّا بإبراء المرضى.

الفكرة الثّالثة تتمحور في قوله لهم: “لا تحملوا في الطّريق شيئًا: لا عصًا، ولا مزودًا، ولا خبزًا، ولا فضّة، ولا يكن للواحد منكم ثوبان…”. إذًا، أوّلاً، أعطاهم القوّة والسّلطان. وثانيًا، حدّد لهم المهمّة الموكلة إليهم. وثالثًا، حدّد لهم كيفيّة السّلوك والتّصرّف مع النّاس. فهم لا يستطيعون أن يتصرّفوا كما يحلو لهم؛ ولا نستطيع أن نقول، أبدًا، إنّ الغاية تبرّر الوسيلة، إذ إنّ الإنسان المكلّف بالكرازة بملكوت السّموات لا يستطيع أن يتصرّف بطريقة لا تليق، ولا يرضى عنها الله! سلوكه ينبغي أن يكون الإطار الّذي يتعاطى فيه الكرازة بملكوت السّموات. لذلك، الّذين يتعاطون التّعليم والكرازة، عمليًّا، يجب أن يكونوا قدّيسين، لا محترفين؛ لأنّ الاحتراف هو أمر دهريّ، بينما الكرازة هي أمر إلهيّ. حتّى يستطيع المرء أن يمارس هذه الأمور الّتي يقول عنها الرّبّ، يجب أن يكون، في قرارة نفسه، أمينًا للوصايا الإلهيّة. إذا لم يكن كذلك، فلا يمكنه أن يكون كارزًا بالملكوت. لاحظوا ما يقول: “لا تحملوا في الطّريق شيئًا: لا عصًا، ولا مزودًا، ولا خبزًا، ولا فضّة، ولا يكن للواحد منكم ثوبان…”. هذا معناه أنّ مَن أراد أن يكرز بملكوت السّموات، يجب أن يكون فقيرًا، إراديًّا، لا بمعنى أنّه لا يملك شيئًا، بل بمعنى أنّه لا يريد أن يعتمد على شيء آخر غير الرّبّ الّذي يرسله وهو يؤمّن له كلّ شيء. أوّلاً، التّلاميذ لا يحتاجون، أبدًا، إلى أن يحملوا معهم عصًا؛ لأنّ الإنسان، يحتاج، بشريًّا، إلى العصا من أجل أن يتّكئ عليها، ويدافع عن نفسه بها حين يكون هناك خطر عليه… لكنْ، هنا، هم ليسوا في حاجة إلى حماية من هذا النّوع، ولا إلى أن يطلبوا راحة ولا حماية، لأنّ الرّبّ هو يريحهم ويحميهم. ثانيًا، الإنسان يحمل معه، عادة، المزود من أجل البهائم الّتي يستعملها للسّفر. هنا، الرّبّ يطلب إليهم ألاّ يخافوا ماذا ستأكل بهائمهم، لأنّه، هنا أيضًا، يؤمّن لها حاجتها. الرّبّ يريدنا أن نعتمد عليه بالكامل، لأنّه يريدنا أن نكون خدّامًا له بالكامل. ثالثًا، يطلب إليهم ألاّ يهتمّوا بكمّية الخبز الّتي سيأخذونها معهم، لأنّ الرّبّ يؤمّن لهم كلّ شيء؛ وألاّ يأخذوا فضّة، لأنّهم لا يحتاجون إلى أن يكون معهم مال ليؤمّنوا على أنفسهم، إذا كانوا معلّمين للرّبّ يسوع، وكارزين بملكوت السّموات، إذ إنّ الله يهتمّ بكلّ تفصيل يخصّهم. رابعًا، “ولا يكن للواحد منكم ثوبان”. لماذا؟! عادة، في تلك المناطق، على الإنسان أن يسافر ليلاً ونهارًا، وهذا يعني أنّ هناك أوقاتًا فيها برد، يحتاج فيها المرء إلى ثوب سميك؛ وأوقاتًا أخرى فيها حرّ، يحتاج فيها المرء إلى ثوب رقيق. كلّ هذا يطلب الرّبّ من تلاميذه ألاّ يهتمّوا به، ولا يخافوه، لأنّه هو يعطيهم الدّفء حين يكونون في حاجة إليه، ويعطيهم لطافة الجوّ حين يكونون في حاجة إلى جوّ لطيف. إذًا، هو يجرّدهم من كلّ ما يمكن أن يكون مصدر خوف لهم في شأن السّفر.

“وأيّ بيت دخلتموه، فهناك امكثوا، ومن هناك اخرجوا”. ربّما يمكنهم أن يناموا، في الطّريق، تحت شجرة ما، والرّبّ يؤمّن لهم الحماية. لكن، بما أنّهم ذاهبون للكرازة بين النّاس، لا للسّفر فقط،  فعليهم أن يدخلوا البيوت؛ وطبعًا، النّاس سيستقبلونهم. عادة، حين يكون المرء آتيًّا من مكان بعيد، لا يدعوه النّاس إلى فنجان قهوة، كاليوم، بل إلى المبيت عندهم. وعامّة، الأصول، عند القدامى، كانت استقبال الغريب، الآتي من مكان بعيد، على الأقلّ يومًا، وعلى الأكثر ثلاثة أيّام. أمّا إذا أراد أن يبقى أكثر من ثلاثة أيّام، فتكون نيّته غير نقيّة. إذًا، الرّبّ يطلب إليهم أن يدخلوا البيوت، ويقضوا حاجاتهم فيها ممّا يؤمّنه لهم أصحابها، من دون أن يطلبوا هم شيئًا، لأنّ هؤلاء النّاس، الّذين يستضيفونهم هم، في الحقيقة، رسل من عنده. “ومَن لا يقبلكم، ففي خروجكم من تلك المدينة، انفضوا أيضًا غبار أرجلكم”. إذًا، مهمّة التّلاميذ هي الكرازة بملكوت الله وإبراء المرضى؛ ومن ثمّ يطلب إليهم الرّبّ أن يدخلوا بيوت مَن يقبلونهم، ويباركوهم بوجودهم عندهم، ويحدّثوهم بملكوت السّموات. أمّا مَن لا يقبلهم، ومَن يشكّك فيهم، ولا يعجبه كلامهم، فليس المطلوب منهم، أبدًا، أن يقنعوه. الكرازة وَقْفٌ على رغبة النّاس، إذا كانوا يريدون أن يسمعوا أو لا. “ومَن لا يقبلكم، ففي خروجكم من تلك المدينة، انفضوا أيضًا غبار أرجلكم شهادة عليه”. أي إنّ الّذي لا يقبلهم لا يقبله، والّذي لا يقبله يأخذ دينونة، لأنّ الرّبّ الإله يكون قد أرسل إليه فرصة للخلاص والشّفاء، لكنّه لم ينتفع منها.

إذًا، هذه الأفكار الثّلاثة، الّتي تكلّمنا عليها، مرتبطة بعضها ببعضها الآخر. لا نستطيع أن نأخذ فكرة واحدة، إلاّ في سياق الأخرى. أي إنّ القوّة والسّلطان الإلهيّين يُمارَسان في إطار الكرازة بملكوت الله وإبراء المرضى؛ والكرازةُ بملكوت الله وإبراءُ المرضى يكونان في إطار هذا الاتّكال الكامل، بالسّلوك والتّصرّف والسّفر، على الرّبّ الإله، من دون أن يدخل الإنسان في صراع مع أحد من البشر. “فخرجوا وطافوا في القرى، يبشّرون ويشفون في كلّ موضع”. هذا، في الحقيقة، هو ما أعطاه الرّبّ يسوع للتّلاميذ الاثني عشر. والرّبّ، عمليًّا، بشكل أو بآخر، ضِمْنَ الواقع الّذي نعيش فيه، يريدنا أن نتابع عمل التّلاميذ الاثني عشر، أي أن نكرز، دائمًا، بالملكوت، بقدر ما نعرف، وأن نكون متّكلين عليه بالكامل، ونصلّي من أجل الآخرين. وإذا ما فعلنا ذلك، وسلكنا في هذا المسير؛ فإنّنا نصير شركاء للرّسل في ما فعلوا. وبهذا، نكون مساهمين في عمل الله، وأيضًا بالكرازة بملكوت الله.

آمين.

عظة في السّبت 7 تشرين الثّاني 2009، حول لوقا9: 1- 6.