مدخل إلى الفضائل

مدخل إلى الفضائل

الأب توماس هوبكو

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

إلى جانب التطويبات، هناك الكثير من ثمار الروح الواردة في الكتابات الرسولية والمُشار إليها في تعاليم آباء الكنيسة. هذه الثمار الروحية تُدعى غالباً الفضائل، التي تعني حرفياً هذه القوى والقدرات الفكرية والقلبية التي على الناس امتلاكها إذا كانوا فعلاً بشراً مقتنعين بأنهم مخلوقين على صورة الله ومثاله.

بالإجمال، الفضائل هي صفات إلهية. إنها مواصفات يسوع المسيح، ابن الله المتجسّد. إنها الصفات الإلهية التي يجب أن تكون في الأشخاص البشريين بموهبة الله للخليقة والخلاص بالمسيح. لقد قيل، وهذا صحيح، أن الفضائل المسيحية ليست “مسيحية” بشكل خاص بمعنى أن معرفتها والالتزام بتطبيقها ليسا حصراً على المسيحيين. أغلب الفضائل المسيحية، إن لم يكن جميعها، هي موضع إكرام واحترام وتوصية من قِبَل كل معلمي الحياة الروحية العظماء. هذا لا ينتقص من قيمتها وحقيقتها المسيحيتين بأي شكل من الأشكال، لأن المسيح ورسله والقديسون لم يعلّموا ويمارسوا شيئاً غير ما ينبغي أن يعلمه ويمارسه كل البشر. هذا يمكّننا من فهم كون يسوع المسيح هو تحقيق جميع تطلعات ورغبات البشر الإيجابية، لأنه “الآتي من السماء” و”آدم الأخير” الكامل (1كورنثوس 45:15-47، رومية 14:5)، ولهذا هو يحقق ويتمم في نفسه كل ما سعى إليه رجال الحكمة والنيات الطيبة وكل ما تمنّوه في قلوبهم وعقولهم، منارين من الله.

فالحقيقة هي أن كل ما هو حسن وجميل وصحيح في الإنسان هو بسبب الله ومنه. هذه هي الحال، سواء أدركها الإنسان أم لا، “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ” (يعقوب 17:1)، والمسيح بذاته، ابن الله الأزلي وكلمته، الذي هو نور وحياة كل إنسان آتٍ إلى العالم (أنظر يوحنا 1:1-10). 

على هذا الأساس أشار الرسول بولس إلى المؤمنين بالمسيح: “أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (فيليبي 8:4).

فيما نحن نفكر بهذه الأشياء نشير إلى تعاليم الرسول نفسه وغيره من رسل المسيح ومعلمي الإيمان الأرثوذكسي الذين استناروا من الله وتسلّموا وحيه بيسوع المسيح وقوة الروح القدس في حياة الكنيسة.

 

السنة التاسعة، العدد السادس، آذار2013

السنة التاسعة، العدد السادس، آذار2013

مختارات آبائية

هل يجب أن تتغيّر المسيحيّة مع الزمن؟

رسالة من القدّيس ثوفانيس الحبيس

ثمرة الصوم

القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث

عظة

طعم القيامة

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

مدخل إلى الفضائل

الأب توماس هوبكو

ضيوف الله

معلوماتية الحياة الروحية

الأب أنطوان ملكي

دراسات كتابية

تفسير مثل الابن الشاطر هدوئياً

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

حول إنجيل أحد الغفران

الأب أنطوان ملكي

قصة

حارسة البوابة

إعداد راهبات دير مار يعقوب

معلوماتية الحياة الروحية

معلوماتية الحياة الروحية

الأب أنطوان ملكي

 

يحكي المؤرّخون عن ثلاث ثورات غيّرت وجه التاريخ. الثورة الزراعية، قبل المسيح ببعض آلاف من السنين، وعلى إثرها انتقل البشر من البداوة إلى العيش في تجمّعات ثابتة. ثم الثورة الصناعية أواخر القرن الميلادي الثامن عشر وفيها انتقل الناس إلى الاتكال على الطاقة وصارت قوى الأرض تستمد منها قوتها. إلى أن جاءت الثورة الثالثة وهي ثورة المعلومات في القرن الماضي. وترافقت هذه الثورة مع تطور سريع في مختلف أنواع التكنولوجيات. وبنتيجتها صار عندنا علوم للمعلومات وأنظمتها، وإدارتها، واقتصادها، وفلسفتها، وحتّى لاهوتها. والسرعة التي تتقدّم بها هذه الحقول لا يسهل مجاراتها، خاصةً وأن منتجاتها اندسّت في كل جوانب حياتنا. فمَن يتخيّل حياةً من دون هاتف ذكي وسيارة ذكيه وتلفزيون ذكي وغسالّة ثياب ذكية، وتطول اللائحة لنصل إلى أبواب البيوت وأنظمة حمايتها ومراقبتها. وهنا يخطر لي التساؤل الذي طرحَته إحدى الكاتبات: أترى الرسول بولس كاتب نشيد المحبة الذي يورده في الإصحاح 13 من الارسالة الأولى إلى الكورنثيين، لو جاء في عصرنا هذا هل كان أضاف إلى نشيده السؤال التالي: “إن كنتُ أتواصل مع ملايين الناس عبر الإنترنت، ولو كنت أجيد استعمال الفايسبوك والسكايب والواتساب، وليس لي محبة فلستُ شيئاً”؟

أمام هذا الواقع الواقع المغمور بروح المعلوماتية، يصير التحدّث عن معلوماتية الروح أمراً مشروعاً. للولوج في هذا الموضوع وبلوغ المنفعة فيه، سوف أعرض أولاً قولة العلم فيه ومن ثمّ تعليم الآباء.

ماذا يقول العلم؟

المعلوماتية هي علم معالجة المعطيات والمعلومات للبلوغ إلى المعرفة ومنها إلى الحقيقة اعتماداً على وسائل وطرق علمية محددة منها ما يختص بهذا العلم ومنها ما هو مأخوذ من العلوم الأخرى.

يتدرّج العلم بين المعطيات (Data) والحكمة مروراً بالمعلومات والمعرفة. المعطيات هي رموز. وهي المادة الأولية التي لا تحمل أي معنى بذاتها وهي دون أي علاقة بالمكان أو الزمان. وعندما نجد مجموعة من المعطيات نحاول ربطها بأشياء أخرى لإعطائها معنى. أمّا المعلومات (Information) فهي مجموعة من المعطيات مرتبة ترتيباً مفيداً، يجيب عن أسئلة مثل “مَن؟”، “ماذا؟”، “أين؟”، “متى؟” والمعلومات تعطي وصفاً أو تعريفاً أو منظوراً. لهذا، مجموعة المعطيات بحد ذاتها لا تكوِّن معلومات إلا إذا حملَت علاقة فيما بينها. لهذا، يتعلّق الأمر كثيراً بمتلقّي المعلومات، وكيفية ربطه بين أجزاء هذه المجموعة من المعطيات. فالمعلومات إذن هي فهم العلاقة التي بين المعطيات لذا هي ترتبط بالسياق الذي ترِد فيه. الدرجة الثالثة التي يحكي عنها العلم هي المعرفة (Knowledge) التي يصفها بأنها تطبيق المعطيات والمعلومات للإجابة عن سؤال “كيف؟” فهي تتضمّن الاستراتيجيات والتطبيق العملي والطرائق. فالمعرفة هي مجموعة المعلومات عندما تكون مفيدةً. أمّا تكديس المعرفة، أي حفظها، فليس كافياً كونه لا يؤدّي إلى معرفة جديدة إلا عن طريق مهارات تحليلية وإدراكية تشكّل درجة فوق المعرفة تسمّى “الفهم”. إذاً، “الفهم” هو استطاعة الاستدلال على معرفة جديدة باستخدام التحليل والإدراك وهو يقع ما بين المعرفة والحكمة. أمّا الحكمة (Wisdom) وهي الدرجة الرابعة فهي “الفهم” المقيّم الذي يظهر عندما تُفهَم المبادئ الأساسية لعناصر المعرفة. تحاول الحكمة خلقَ سياق أوسع من المعرفة لذا هي تتضمن المبادئ والأخلاق والبصيرة والمثال. أهم جواب تقدمه الحكمة هو على السؤال “لماذا؟” والحكمة عملية استقرائية وغير حتمية ولا تخضع لقانون الاحتمالات، ومن شروطها الوعي لأنه المُتوقَّع منها هو فهم ما لم يكن مفهوماً من قبل وطرح أسئلة حيث لا يوجد أجوبة بحسب المعرفة البشرية. لهذا السبب يرى العلم أنّ الحكمة  هي عملية التفريق أو الحكم بين الحق والباطل، بين الخير والشر. ويستنتج العلماء، العاقلون منهم، أنّه لا يمكن للحاسوب أن يحوي الحكمة أبداً لأنها حالة بشرية  تحتاج إلى كائن ذي روح، وتوجد في القلب كما هي في الذهن.

من ثم يأتي العلم إلى تحديد الحقيقة فيرى أنها، ببساطة، الظاهرة التي تثبت بالتجربة والدليل والملاحظة.

لا بدّ هنا من إيراد ما نستنتج مما سبق وهو أن مجموعةً من المعطيات ليست معلومات، مجموعة من المعلومات ليست معرفة، مجموعة من المعارف ليست حكمة، ومجموعة من الحِكم ليست حقيقة. لكن الاستنتاج الذي يزيد من صعوبة مهمتنا هو أن العلم يقدّم تدرجاً واضحاً من المعطى إلى المعرفة، لكنه يخرج عن هذا السياق كلياً عندما يحكي عن الحقيقة. فهو يعتبر أن الحقيقة أعلى من المعرفة، لكنه لا يبرهن الرابط بينهما. ويصير الأمر أكثر صعوبة عندما يعجز العلم عن تحديد الحقيقة إلا عن طريق الكلام عمّا هو عكسها بقوله أن الحقيقي هو ما ليس كاذباً أو زائفاً، فنصير بحاجة إلى تحديد الكذب والزيف وغيره.

إذاً في ختام الجزء الأول من هذا الحديث، المعلوماتية كعلم تقوم بكل ما هو مطلوب منها، إلا إنها لا تقدم الجواب الشافي لأن ما بلغته قابل للطعن والمراجعة والاستنساب والتفسير وليس مقبولاً من الجميع.

لكن قبل الولوج إلى معلوماتية الحياة الروحية لا بدّ من لفت النظر إلى بعض الظواهر الناتجة عن تطور علوم المعلومات والتي تأتي في صلب مقاربتنا لهذا البحث. فقد تخطى عدد مستعملي فايسبوك المليار وغيره من برامج الشبكات الاجتماعية فاق مئات الملايين، مع ما يعني ذلك من انشغال الناس لساعات طويلة، ومع ظهور علوم جديدة رديفة لعلوم المعلومات كالطب النفسي السيبراني الذي يُعنى بمشاكل الإدمان على المعلومات، والريبة المعلوماتية، ومع تزايد العنف الإلكتروني والحديث عن الحروب السيبرانية، وأهم من ذلك مع انتشار المدوّنات وسهولة إنشاء الصفحات والمواقع، ماذا يقول العلم عن هذا الوضع؟ يتوقف العلماء عند ضحالة المعلومات التي تتكاثر كميّاً دون أن تؤدّي إلى أي معرفة، لا بل أن مفعولها المعرفي يكون عكسياً في أحيان كثيرة، وإلى تغلّب المتعة على البحث المنتِج. من جهة أخرى، غابت المرجعيات في نشر المعطيات والمعلومات حيث صار كل إنسان مصدراً بحد ذاته، ففي المسيحية مثلاً صار لكل مدوّن الحرية في قول ما يشاء ونشر تفسيره للإنجيل أو للتقليد أو لتاريخ الكنيسة. أما سرعة انتشار المعلومات التي وُجِدَت لتكون نعمة فتحوّلت نقمة إذ يطغى السرعة والسعي إلى تحقيق السبق على التحقق والتمحيص والتأكّد، فوصلنا إلى وضع ازداد فيه علم الناس على حساب معرفتهم، وضلالهم على حساب يقينهم، وكثر المحللون الذين يدّعون الحكمة والتنبوء واستطلاع الغيب، وتضاعف عدد المؤمنين بالخرافات بدل أن يتناقص وتساوى الصحيح بالمبتَذَل والأصيل بالمفبرَك والحقيقي بالوهم حتّى صارت البرمجيات مصادر إيمان والأعمال السينمائية مناشئ لأديان.

أذكر هنا على سبيل المثال كنيسة غوغل (The Church of Google) التي لها أتباع في لبنان، وتحديداً في مؤسسات التعليم العالي، فغوغل دائم الوجود (7/24) وشامل المعرفة لأن لديه أجوبة عن كل شيء، وبسيط حتى أنّ الصلاة إليه لا تتخطى البحث فيه، وعدد استدعاءات كلمة غوغل تخطى إحصائياً (على الانترنت) الأسماء الدينية مثل الله والمسيح ومحمد، وقبل كل شيء غوغل بذاته خيّر لا يؤذي.

هنا السؤال الذي يهمنا هو: إذا كانت علوم المعلومات والمعرفة وصلت إلى هذا المستوى، وإذا كان العقل البشري يقيم في هذه البابل الفكرية، فهل الروح البشرية بمنأى عن هذا التطور؟

بدءً لا بد من رفض التسويق لفكرة تعدد الحيوات عند الإنسان. فهذه الفكرة تسويق وبروباغندا تهيء البشر لقبول الانفصام على أنه حالة طبيعية. فلإنسان اليوم حياة اجتماعية وأخرى سياسية ومهنية وفكرية ونفسية وعائلية ودينية وروحية وجنسية. قبول هذا التصنيف يهيء لقبول أن يكون منعزلاً في المجتمع وناجحاً في مهنته، أو ناشطاً في المجتمع وكافراً في دينه، يمارس الكراهية والحقد في السياسة والحنان والرأفة في عائلته، شهوانياً في سلوكه وواعظاً عن العفة والأخلاق، وغيره من التناقضات التي تهيؤنا علوم الاجتماع والنفس الحديثة وتنضم إليها علوم المعلومات مؤخراً، لأن نقبل بأن نجزئ الإنسان إلى عقول ونفوس ينتج عنها أشخاص في الشخص الواحد. فصار الجنون حجة كافية للتبرئة من جريمة القتل والتربية مبرراً للعنف والكفر. باختصار، يستطيع كل إنسان أن ينقل ما يشاء من حياة إلى أخرى، بحسب حاجته.

لم يتبنّ كل آباء الكنيسة تقسيم الإنسان إلى جسد ونفس وروح (trichotomy) لأنهم تمسّكوا بأنه شخص واحد. وحتّى الذين قبلوا هذه الثلاثية لم يتعاطوها مفصولة ولا مفككة. لهذا، لا نجد في الأدب الآبائي كلاماً عن حياة روحية، بل عن حياة في المسيح أو خارج المسيح، حياة في الروح أو حياة من دون الروح. وعلى هذا الأساس سوف نحاول أن نقرأ الوضع البشري المعلوماتي القائم اليوم على ضوء الآباء.

معلوماتية الحياة في المسيح

يربط القديس اسحق السرياني المعرفة بالإيمان، إذ بحسب تعليمه هناك نوعان من المعرفة: التي تسبق الإيمان والتي تولَد من الإيمان. الأولى هي المعرفة الطبيعية والتي تشمل التمييز بين الخير والشر. أمّا الأخيرة فهي المعرفة الروحية وهي القدرة على فهم الأسرار وإدراك ما هو مخبّأ، ومعاينة غير المنظور. كما يعلّم أيضاً عن وجود نوعين من الإيمان: الأول يأتي من السماع ويؤَكَّد ويُثبَت بالثاني الذي هو الإيمان بالمعاينة، أي الإيمان القائم على ما تمّت رؤيته. لاكتساب المعرفة الروحية، على المرء أن يتحرّر أولاً من المعرفة الطبيعية وهذا هو عمل الإيمان الذي يبيد كلّ قوانين المعرفة الطبيعية. فالميزة الأساسية للمعرفة الطبيعية هي مقاربتها بالامتحان والاختبار وهذا بحدّ ذاته علامة على الشكّ بالحقيقة. بينما في المقابل، يتبع الإيمان طريقة تفكير نقية وبسيطة وبعيدة كلّ البعد عن الخداع والامتحان المنهجي. ويؤكّد القديس اسحق على أنّ المعرفة الطبيعية تقف في مواجهة بساطة القلب وبساطة الفكر. فهي لا تعمل إلاّ ضمن حدود الطبيعة، بينما للإيمان طريقه الخاصّ إلى أبعد من الطبيعة. ويحذّر القديس من أنّه كلّما ازداد تكرّس الإنسان لطرق المعرفة الطبيعية، يزداد تملّك الخوف له وتضعف قدرته على التحرر منه. بينما الإيمان، يحرّر ويجعل الإنسان ابناً لله.

لا يرفض القديس اسحق المعرفة الطبيعية بل يرى أنها المستوى الذي منه يرتفع الإنسان إلى قمم الإيمان. عندما يبلغ هذه القمم، لا يعود بحاجة لهذه المعرفة، إذ كما هو مكتوب: “لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ. ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض” (1كورنثوس 9:13-10). فالإيمان يكشف لنا حقيقة الكمال، كما ولو أنّها أمام أعيننا. بالإيمان نكتشف ما هو فوق إدراكنا، بالإيمان وليس بالبحث وقوة المعرفة.

في تعليم القديس اسحق أن الإيمان يقدّم طريقة تفكير جديدة لتحقيق المعرفة وهي التواضع ويظهِر أن موسى وداود وأشعياء وبطرس وبولس بلغوا المعرفة الكاملة بالتواضع. ويحدد المعرفة بأنها إدراك الحياة الأبدية أي فهم كل الأشياء في الله. ويعلّم أن في الإنسان جوع غريزي إلى الحقيقة يساعد في اكتساب الإدراك لله وفي معرفة الذات التي توصِل إلى معرفة الله التي لا تُعطى للإنسان إلا بالمسيح وحده عندما يحوّل الإنسان أعضاء معرفته بممارسة الفضائل. فالمعرفة المقدّسة تأتي من الحياة المقدّسة، بينما الغرور يظلِم تلك المعرفة.

يقبل القديس يوستينوس بوبوفيتش، استناداً إلى القديس اسحق السرياني، أن هناك ثلاث صيَغ روحية تصعد فيها المعرفة وتنزل، وبها تتحرّك وتتغيّر وهي الجسد والنفس والروح. في مستواها الأدنى تتبع المعرفة رغبات الجسد وفي عملها تكون نقيض الإيمان. مستنداً إلى قول الرسول أن العلم ينفخ في (1كورنثوس 1:8). ويضع القديس تحت هذه المعرفة الكثير من علوم الحضارة الأوروبية وفلسفاتها وصولاً إلى نظرية النسبية. أما المستوى الثاني من المعرفة فهو في كلا الجسد والنفس ويتمثّل بممارسة الفضائل أي كل عمل صالح وكل نزعة صالحة وهي التي تبدأ وتُنجَز بالروح القدس. الدرجة الثالثة من المعرفة هي الكمال. عندما ترتفع المعرفة فوق الأرض والاهتمام بالأشياء الأرضية لتتفحّص داخلها والأفكار المخبّأة هناك.

كل الآباء، المعلمين والنساك على سواء، يتحدّثون عن المعرفة. القديس باسيليوس الكبير يستفيض في تفنيده علاقة اللاهوت والعلم وخدمتهما للمعرفة. ويعلّم القديس غريغوريوس بالاماس، استناداً إلى الكتاب المقدس والآباء الذين سبقوه، عن نوعين من الحكمة ونوعين من المعرفة. القديس نيقولا فيليميروفيتش، الباحث الطبي المتميّز بمعايير الأرض والسماء، يفصل بين المعرفتين الإلهية والأرضية ويعلّم بأن الثانية تخدم الأولى دون أن تكون شرطاً أساسياً لها. القديس يوستينوس بوبوفيتش الصربي، وهو أستاذ جامعي بحسب معايير التقييم التي نعرفها، يرى أنه لا يستطيع أن يزيد نقطة على ما علّم به القديس اسحق السرياني الذي سبقه خمسة عشرة قرناً. وأخيراً، المعلّم الأب يوحنا رومانيدس الذي يبرهن علمياً أن الأرثوذكسية علم تجريبي بكل ما في الكلمة من معنى، يشدد على أهمية التمييز بين حقيقة الله وحقيقة طبيعة الكون اللتين لا يمكن أن تتشابها، وبالتالي قد تتشابه بدايات سبل الوصول إليهما لكنها تفترق متى اقتربت من صلبها.

باختصار، عند نهاية الجزء الثاني من هذا الحديث، يمكن تلخيص موضوع المعرفة الروحية في ما يرِد عند النبي إشعياء: “لأنه كما علت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم” (أشعياء54: 9). فكما يرى الأب جورج عطية، في أمالي مادة العقائد: صحيح أن هناك كلام كثير عن الله، ومن بينه كلام الكتاب المقدس ذاته. ولكن معرفة كل ما كتب عن الله وحتى حفظه غيباً، والتأمل الفكري في هذه المعرفة والكتابة عنها لا يكفي لأن يجعل الإنسان عارفاً حقاً بالله… بل يجب أن تقترن معرفة كلام الله بالإيمان والإيمان بلقاء شخصيّ حي.

وعليه ماذا تكون معلوماتية الحياة في المسيح؟ إنها السعي إلى معرفة الله، معرفة مباشرة، أي شركة شخصية معه. العالم اليوم، وخاصةً عالم المعلومات القائم أولاً على شبكات الاتصال، هو مثل بيلاطس الذي سأل رب المجد الواقف أمامه: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟». لكن السيد كان قد أجابه مسبَقاً بأن الحق أو الحقيقة ليس كلاماً بل شخصاً: “أنا هو الطريق الحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يوحنا6:14).

يعلّم القديس ذياذوخوس بأن “ليس هناك أفقر من الفكر الذي يتكلم عن الله وهو يقف بعيداً عنه”. لذا معلوماتية الحياة في المسيح يجب أن توصل إلى الشركة مع المسيح، وهنا الفرق بينها وبين معلوماتية العلوم. فقد تتشابه طرقهما في البداية، لكن المعرفة في الحياة في المسيح هي معرفة وجودية ينقاد الفكر طائعاً لها، وهي تأتي من المعاينة التي دعا فيلبس نثنائيل إليها: “تعالَ وانظر”. ومتى أتى الإنسان وعاين يصل إلى المعرفة التي طلبها يسوع لتلاميذه في صلاته على جبل الزيتون وهي الحقيقة التي تجسّدت في التاريخ في يسوع نفسه.

غاية الحياة في المسيح هي بلوغ الحقيقة، لكن التدرّج إليها، بحسب في تعاليم الآباء، لا يشابه التدرّج في العلوم. التدرج في الحياة في المسيح هو من خوف الله إلى الإيمان إلى المحبة، أي من الاستنارة إلى التطهّر فالتمجيد حيث تُعايَن الحقيقة التي تحوي كل المعرفة وكل العلم وكل اليقين. كثرة المعطيات لا تصنع الإيمان. ووفرة المعلومات لا تصنع معرفة الله. وفيض المعارف الدينية لا يصنع حقيقة. من هنا تأتي الخطورة في تشكيل معلوماتية الحياة في المسيح على شاكلة مناهج علوم العالم ومعلوماتيته.

 

ختاماً، أرجو أن أكون قد وُفّقت في طرح الصورة بشكلها الشامل وأظهار الرابط بين الفكر الذي تبثّه الحضارة الإلكترونية والحياة في المسيح. فكلا السلوكين له خلفيته وبالتالي له نتائجه وتأثيراته في الإنسان. هذا الموضوع ليس ترفاً فكرياً ولا هو استنباط لإشكاليات بحثية غير موجودة. فأمامنا ظواهر ذات مؤشرات خطرة منها أولئك الذين بداية نهارهم هي تفقد الرسائل الإلكترونية وليس صلاة النهوض من النوم، وختم يومهم هو تحديث صفحتهم (wall update) على الفايسبوك بدلاً من صلاة النوم، أو ظاهرة الكهنة الناشطين إلكترونياً فيما رعاياهم لا ترى وجههم إلا في قداس الأحد، أو ظاهرة التسابق على زيادة عدد الأصدقاء الافتراضيين فيما الصداقة الفعلية معدومة، هذا حتى لا أذكر طلبات الصلوات الإلكترونية والاعترافات الإلكترونية والرعايا الإلكترونية، وغيرها. قد يهتمّ الكثيون بهذه الظواهر درساً وتحليلاً، إلا إننا نقرأ بغير كتاب العالم الذي نحن فيه ولا ينبغي أن نكون منه، ولكي نكون كذلك يلزمنا التمييز الذي هو نتيجة هذه التكاملية (synergy) بين روح الرب والبشر. حتّى العلم، بحسب ما عرضنا في الجزء الأول، يشترط التمييز للوصول إلى المعرفة، يبقى أن بلوغ التمييز هو للإنسان المستنير، كما يعلّم آباء كنيستنا، وللوصول إليه لا بد من الانتقال من المعلومات والمعارف التي في الدنيا إلى تلك التي من المسيح وذاك بموقف كياني، شامل للقلب والعقل معاً، أي موقفٍ تائب ثابت مملؤٍ رجاءً واتّضاع.

والسبح لله دائماً.

 

* حديث في خلوة طلاب اللاهوت مطلع الصوم الكبير 2013

أيقونة حارسة البوابة

أيقونة حارسة البوابة

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

 

        كانت أرملة غنيّة جدّاً لها ابن وحيد، وكان عندها أيقونة لوالدة الإله. واتّفق أنّ جنود الملك ثاوفيلس جاؤوا إلى مدينة هذه الأرملة بقصد التفتيش عن الأيقونات ونزعها من المنازل. فدخلوا منزل هذه الأرملة، ورأوا الأيقونة، وفرحوا فرحاً عظيماً، وقالوا للأرملة: إمّا أن تعطينا الأيقونة حسب أوامر الملك أو نذيقك مالا تتصوّرينه من العذابات. فطلبت الأرملة فرصة إلى الغد، فقبلوا بذلك. وبعد انصرافهم، دخلت هي وابنها إلى الغرفة حيث توجد الأيقونة، وركعا سويّة، وراحا يصلّيان بحرارة مدّة طويلة. ثمّ أخذت المرأة الأيقونة، وانطلقت مع ابنها إلى الشاطئ وهي تصلّي: يا سيّدة العالم إنّي أسألك أن تنجيني بقوّتك من غضب الجنود، وتسلّمي أيقونتك هذه من ضرر المياه. ومع قولها هذا رمت الأيقونة في البحر، ويا للعجب، فإنّ الأيقونة سارت في البحر منتصبةً لا مطروحة.

        وبعد أن عادا إلى المنزل، قالت المرأة لابنها: يا ولدي، لا شكّ أنّ السيّدة العذراء سوف تحمينا من المضطهدين، ولكنّنا يجب أن نحترس منهم، لذلك أنصحك بالذهاب من هنا لئلا يصيبك مكروه. أمّا أنا، فإنّي مستعدّة أن أتحمّل كلّ العذابات وحتّى الموت من أجل والدة الإله. وهكذا ذهب الشابّ إلى الجبل المقدس آثوس في بلاد اليونان حيث يوجد الكثير الكثير من الأديرة والرهبان ودخل أحد الأديرة المدعو إيفيرون حيث صار راهباً.

        وذات يوم بينما كان الرهبان جالسين عند شاطئ البحر قرب الدير، وفيما هم يتحادثون ببعض الأمور الروحيّة، ظهر لهم بغتة عمود في البحر مثل لهيب النار يصل رأسه إلى السماء. فلمّا أبصروا ذلك اندهشوا وصرخوا يا ربّ ارحم. فتحمّس أحدهم ويدعى جبرائيل ونزل إلى الماء، ووجد أنّ العامود يظلّل أيقونة لوالدة الإله، فأخذها بفرح ومشى على الماء، وأتى بها إلى الدير. ولكن ما إن رأى الشابّ الأيقونة حتّى صرخ مندهشاً وقال: إنّها نفس الأيقونة التي رمتها أمّي في البحر، فسجد لها بإيمان، وقبّلها بشوق وهو يقول: افرحي يا عروساً لا عروس لها. وهكذا نجّت الأيقونة نفسها من ضرر المياه.   فوضعوها  فوق بوابة الدير ريثما يجهّزون لها مكاناً في الكنيسة. وفي اليوم التالي نقلوها إلى الكنيسة. لكنّهم رأوها في الصباح فوق البوابة مجدّداً. فنقلوها إلى الكنيسة ثانيةً. لكنّها عادت فانتقلت إلى السور فوق البوابة. وبعدما تكرّر الأمر مرّات عديدة، ظهرت والدة الإله لأحد الرهبان قائلة: لم آتِ إلى هنا لتحموني أنتم داخل الكنيسة إنّما أتيتُ لكي أحميكم أنا لذا فمكاني هو فوق البوابة. منذ ذلك الحين عُرفت الإيقونة بالسيدة حارسة البوابة وهي ما تزال حتّى اليوم في الدير تعمل معجزاتٍ كثيرة.

        لقد أردنا، يا أحبّاءنا، أن ننقل إليكم هذه الأعجوبة عن الأيقونة، لأنّ هذا الأحد الأول من الصوم يُدعى “أحد الأرثوذكسيّة”، وذلك لأنّه في مثل هذا اليوم أكّدت الملكة ثاوذورة أنّه علينا أن نكرّم الأيقونات بعد أن كان زوجها الأمبراطور ثاوفيلس قد منع إكرامها ونزعها من جميع الكنائس. وفي مثل هذا اليوم اجتمع الشعب في الكنيسة يوم الأحد، وصار زياح شاركت فيه الملكة ثاوذورة، وكان الشعب يحملون الأيقونات والصلبان والأنجيل المقدّس. لذلك نحن أيضاً في مثل هذا اليوم من كلّ عام نحمل أيضاً الأيقونات أثناء القدّاس الإلهي.

 يجب علينا أن نقدّم كلّ احترام وسجود لأيقونات السيّد المسيح ووالدة الإله والقدّيسين والملائكة، ونطلب شفاعتهم لنا. إنّنا بإكرامنا الأيقونة نكرّم صاحب الأيقونة المرسوم عليها، كما نكرّم صور والدينا وإخوتنا ونحترمها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نسجد ونقبّل باحترام أيقونة السيّدة وسائر القدّيسين

 

حول إنجيل أحد الغفران

حول إنجيل أحد الغفران

الأب أنطوان ملكي

 

إنجيل اليوم هو جزء من العظة على الجبل، الجزء الذي يلي مباشرة الصلاة الربية (أبانا الذي في السماوات) التي هي أيضاً جزء من العظة على الجبل. بمعنى ما، هذا المقطع الإنجيلي هو تفسير للصلاة الربية.

في هذه القراءة الإنجيلية يربط الرب الغفران بالصوم وأسلوب الحياة. قد يتساءل البعض ما علاقة الغفران بصومنا وأسلوب حياتنا؟ فكثيرون منّا يقاربون الصوم من وجهة نظر قانونية: أي ماذا يجوز أكله ومالا يجوز. ويقضي البعض منّا ساعات لا نهاية لها في قراءة الملصَقات وتحليل وجبات الطعام التي تُقَدَّم لنا لمعرفة مدى مطابقتها لمعايير الصوم. فيما الانضباط بالأكل جدير بالثناء، الأجدى هو قضاء كل هذا الوقت في الصلاة ومسامحة الآخرين والسعي لاكتساب الغفران على أخطائنا والامتناع عن الطمع بما ليس لنا.

الصوم أو الامتناع عن المآكل ليس مجرّد نظام للجسد، بل هو أيضاً نظام للفكر. إذ ندخل الصوم مع كلا النظامين نجمع لأنفسنا الكنوز السماوية الحقيقية. هذه الكنوز هي العلاقات الحسنة مع إخوتنا البشر عن طريق أعمال الرحمة من صومنا الجسدي والعيش بانسجام مع الناس من خلال صومنا الفكري.

يشير القديس يوحنا الذهبي الفم إلى أسلوب الحياة هذا بأنه “سُبُل التوبة الخمس”، وهذه السبل هي: إدانة خطايانا الذاتية، غفران خطايا الآخرين، الصلاة، عمل الرحمة والتواضع.

واضح في إنجيل اليوم قول الرب: “إِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ”. هذا القول بالواقع هو وعد وتهديد في آن واحد. لكن الوعد أكثر قوة بكثير من التهديد. إذا أضمرنا الحقد لن نخلص، حتى ولو كان حقدنا على أشخاص آذونا كثيراً في هذه الحياة.

إذاً، غاية صومنا هي حملنا إلى التوبة، وتغيير ذهننا، وتبديل أساليب حياتنا. حتى يمكننا أن نشابه الله أكثر في تعاملنا مع الآخرين، أي إذا صرنا متحابّين اكثر فيما بيننا، كما الله يحبنا.

في الختام، إنجيل اليوم يذكّرنا بأن هذا النمط من الحياة هو اختيار علينا إتمامه. يمكننا أن نختار السلوك في عيشة أرضية فنكدّس الثروات في هذه الحياة أو يمكننا أن نجمع الكنوز في السماوات حيث الدود والصدأ لايفسِدان، إذ كما يقول الإنجيل: “حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم”.

 

* عن نشرة الكرمة

ضيوف الله

ضيوف الله*

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

 

        يا لها من ضيافة كريمة أُهديت لنا نحن غير المستحقّين! نعم، إنّ الله المحبّ البشر يستضيفنا في بيته السيّديّ، بيته الكلّيّ الجمال والروعة، بيته الذي لا تجد كلمة “لا يتّسع أو يضيق” لها مكانًا فيه. بيته الذي أنّى أردنا تحرّكنا فيه بحرّيّة تامّة خلوًّا من أدنى مانع أو حاجز، ومهما شئنا فعلنا به بلا أقلّ عائق أو اعتراض، لا بل نقيم فيه من دون تسديد إيجار سكن، أو دفع فواتير الماء والكهرباء و… و… بما أنّه هو نفسه قد تكفّل بذلك. لقد جمّل مضيفنا بيته بأنضر البساتين، وأغناها بأشهى الثمار ما يجعل العجب يأخذنا متساءلين: من نكون نحن لنستأهل ضيافة كريمة كهذه؟!! ولكن، هل يتساءل الابن لماذا يكرمه أبوه؟!!

        نعم، إنّنا نحن البشر، أولاد الله، نعيش كلّنا سويّة في هذه الجنّة، الأرض، في هذا العالم الجميل، في ملكيّة الله الذي لا يستضيفنا وحسب، بل يهتمّ، أيضًا، بإعالتنا.

        فتعالوا معي لنتأمّل هذه الحقول الشاسعة التي تمدّنا بالقمح والشعير والذرة… وبهذه الرياض الغنّاء المفروشة ببساط أخضر زاهٍ يأخذ بمجامع القلوب. انظروا إلى هذه الأشجار التي لا عدّ لها المحمّلة بمختلف أنواع الثمار من فاكهة وخضار بعضها لفصل الشتاء، وبعضها لفصل الصيف. لقد قصد الله أن يزرع في حقوله هذا الكمّ الهائل من الأشجار لكي تمدّ كلّ ضيوفه الأعزّاء بالغذاء الشهيّ على مدى العصور.

        فهل أملت بالك إلى حرص هذا المضيف على إرضاء ذوق ضيوفه؟ لا مشاحة أنّ محبّته الكبيرة لنا هي التي شاءت تنوّع الثمار واختلاف مذاقها ورائحتها ولونها وحجمها، والتي كوّنها بحكمة عجيبة كلّيّة، إذ يتفرّع عن كلّ نوع منها أنواع ترضي أذواق الجميع. وليس هذا فقط، بل أوجد ثمارًا صالحة للأكل، وأخرى صالحة لصناعة الطبّ، وثالثة صالحة لغذاء الحيوان، وكلّها لخدمة ملك الكون: الإنسان. كلّ ثمرة تمسك بها تحمل الحياة في داخلها، الحياة بأكملها. فلقد حرص الخالق على أن تكون داخل كلّ ثمرة بذرة الحياة، حتّى إذا ما زُرعت تعطي ثمرة أخرى وهكذا تستمرّ الحياة… يا لحكمة الله ما أبعدها عن الاستقصاء!! (رو 11: 33). إنّ محبّة الخالق العظيمة لم تشأ أن يتنعمّ جيل واحد فقط بهذا الخير، بل وأمّن الثمار على ممرّ أجيال ضيوفه، أوَ ليس هو القائل في سفر التكوين: “وقال الله لتنبت الأرض نباتًا عشبًا يبزر بزرًا وشجرًا مثمرًا يخرج ثمرًا بحسب صنفه بزره فيه على الأرض، فكان كذلك” (تك 1: 11).

        ولكي يكتمل جمال صورة الخلق نثر هنا وثمّة زهورًا بديعة الألوان والأشكال، ورياحين زاهية تعطّر الأرض بشذاها الفوّاح، ليمتّع أنظار ضيوفه، فيشرقون ارتياحًا وسرورًا. ولكي يسبغ عليها الحياة أمر الطيور أن تقف على أغصانها لتشنّف آذان سامعيها بأجمل الألحان وأعذبها.

        ولعظم محبّة مضيفنا، وضع تحت إمرتنا البحار والمحيطات بكلّ خلائقها، وكلّ ذلك لئلاّ يتوقّف أودنا على القمح، فقط، كغذاء. فكلّ أنواع الأسماك تخضع لنا كما ترنّم داود الملك والنبيّ منشدًا: “فما هو الإنسان حتّى تذكره أو ابن الإنسان حتّى تفتقده؟ أنقصته قليلاً عن الملائكة بالمجد والكرامة كلّلته وعلى أعمال يديك أقمته. أخضعت كلّ شيء تحت قدميه الغنم والبقر جميعًا وحيوان البرّ أيضًا وطيور السماء وأسماك البحر السالكة سبل البحار” (مز 8: 4-9).

وميّز هذا المضيف العجيب بيته بحركة للحياة لا تهدأ تخدم مصالح ضيوفه بطريقة عجائبيّة مدهشة: الينابيع، الشلاّلات، البحيرات، السواقي، والأنهار التي لا تنضب. فلو تأمّلت معي، قليلاً، كيف وُجدت هذه المياه، أو ما هي الكمّيّة اللاّزمة لاحتياج بيت الله هذا الرحب، وكيف تدور هذه المياه دورتها بعد أن استفادت منها ملايين الضيوف في سقاية أراضيهم وحقولهم ومراعيهم وبساتينهم وغاباتهم، وبالرغم من هذا الاستهلاك الواسع لم تنقص هذه المياه بل صبّت ثانية في البحار، لا بل تأمّل كيف أنّ الغيوم تتلقّفها لتعود وتروي الأرض ثانية. يا لها من حركة عجائبيّة مدهشة لا تنتهي!!! ويا له من إبداع منظّم، وخلق دقيق مرتّب يفوق عقل الإنسان وحكمته!!!

ولم يسه عن بال مالك هذا البيت تنظيم حركة النور والحرارة خدمة لضيوفه الأحبّاء. فأوجد لهم نيّرًا واحدًا كبيرًا ينير ويدفئ، إنّها الشمس التي تفي بحاجة الجميع: تنير ملايين الضيوف، وتدفئهم، شرقًا وغربًا، ومجّانًا!!

        إنّها الشمس، أيضًا، التي تمدّ القمر والنجوم بالضوء لكي لا يلفّ الظلام ضيوف الله، وتنشر العتمة ظلّها الرهيب عليهم، فيتكدّرون ويضطربون. ولكن، أنّى لنا أن نحيط بكلّ ما أوجده لنا هذا الأب الحنون من جبال شاهقة العلوّ ووديان سحيقة، إلى سهول خصبّة وصحاري قاحلة، إلى غابات ترطّب الجوّ وحيوانات وحشرات على أنواعها، وأخيرًا إلى أمير هذا الكون وحاكمه: الإنسان؟ يا لعظمتك، يا خالق الكون، فالمجد لك.

 وهنا يطرح السؤال نفسه: ما هو الأمر الذي يتوجبّ علينا القيام به عرفانًا بالجميل تجاه هذه الضيافة التي لا مثيل لها؟!! إنّ هذا المالك السماويّ لهذا الكون برّمته لا يطالب بشيء سوى بشكر صغير وصلاة قليلة نوجّهها إليه. فلنحاسب، إذًا، ضميرنا، ونجلده إن كان متقاعسًا في هذا الشأن، ونسأل ذواتنا هل نحترم نحن ملكيّة هذا المضيف السماوي الكريم ولا ننزل بها الضرر؟ يجب ألاّ يغيب عن بالنا بأنّنا لسنا ضيوفًا فقط، بل، ومدبّري الخليقة ومستعملوها أيضًا. كما لا ننسى أنّ الله عندما وضع آدم في الفردوس الأرضيّ أعطاه وصيّة “ليفلحها ويحرسها” (تك 2: 15)، ولكن كيف؟ من البديهيّ القول: بمحبّة وأمانة الوكلاء الأمناء (لو 12: 42)، لأنّه إذا لم نعرف ما نتلقّى، فلن نتحرّك لنحبّ.

        لقد صدرت تحذيرات متعدّدة في السنوات الأخيرة من المختصّين بأن ننتبه إلى محيطنا وبيئتنا وألاّ نفسدها ونفنيها ونلوّثها بما فيها البحار. كلّ هذا صحيح وواجب، ولكن هذا جانب واحد، فقط، يعبّر عن المعروف بالجميل للخالق، وأمّا الجانب الآخر والأهمّ هو أن نصل إلى علاقة حميمة معه، هو الذي سيضيفنا أبديًّا معه في السماوات. فإن كانت ضيافة هذا الآب السماوي كريمة وسخيّة بهذا المقدار فى هذه الأرض، فكم وكم ستكون غنيّة في الحياة الآتية في ملكوت السماوات حيث لن نكون في ما بعد ضيوفًا عابرين لوقت قليل، بل أبناء وورثة له!! فلا ندعنّ، إذًا، الأدنى يغلب الأفضل، أي لا نتوهنّ في جمالات خالق الكون، متغافلين عن خالق الكون، جاحدين لمعروفه!!!

 

* عن مجلّة الشباب اليونانيّة.

تفسير مثل الابن الشاطر هدوئياً

تفسير مثل الابن الشاطر هدوئياً

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

يفسّر القديس غريغوريوس بالاماس مثل الابن الشاطر هدوئياً. يقدّم القديس لوقا الإنجيلي المثل حيث نقرأ: “وبعد أيام غير كثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء له وسافر إلى بلد بعيد وبذّر ماله هناك عائشاً في الخلاعة” (لوقا 13:15). لا يحلل القديس غريغوريوس هذا المثل من عن طريق الأخلاقيات، بل عن طريق اللاهوت. فهو يحدد أبعاده الحقيقية، كونه يمتلك فكر المسيح وقد اختبر سر الروح، لذا هو استوعب معناه الحقيقي. فبسبب انتمائه العضوي إلى التقليد الأرثوذكسي، هو يدرك أن سقوط الإنسان، أو ما يُعرَف بالخطيئة الجدية، هو بالحقيقة إظلام النوس أو تعتيمه وموته، بينما قيامة الإنسان هي إحياء النوس. وعلى هذا الضوء يفسّر مثل الابن الشاطر.

النوس هو ثروة الإنسان الحقيقية. “قبل كل ما عداه، النوس هو جوهرنا الداخلي وثروتنا”. بقدر ما نثبت على طرق الخلاص “يكون نوسنا مجمّعاً في نفسه وفي النوس الأول والأسمى، اي الله”. خلاصنا هو أن يكون نوسنا في الله. لكن عندما نفتح الباب للهواء، فإن نوسنا “يتشتت مباشرة، ويبدأ بالانشغال بأشياء جسدية ودنيوية، باللذات المتعددة الأوجه والأفكار الشهوانية المرتبطة بها”. من ثمّ يصير نوس الإنسان مبذراً، ويسمّى شاطراً بشكل عام. إن غنى النوس هو التعقّل وهو يميّز الخير من الشر طالما يحفظ وصايا المسيح. لكن عندما ينسحب النوس من الله، فالتعقّل أيضاً يتشتت إلى البغاء والحماقة.

ليست نفس الإنسان مكونة من جانب عقلي وحسب بل لها جوانب شهوانية وغضبية. في وضعه الطبيعي، يوجّه نوس الإنسان “الشهوة نحو الإله الواحد الحقيقي، الصالح وحده، القاضي الوحيد، الوحيد الذي يمنح الابتهاج غير ممزوج بالألم”. لكن عندما يكون النوس في حالة غير طبيعية، عندما يبتعد عن الله ويُظلِم، تتناثر الرغبة إلى انغماسات كثيرة في اللذة: “مشدودة من جهة نحو اشتهاء الأمور التي لا حاجة لها، وثانياً نحو الأمور غير الضرورية، وثالثاً نحو اشتهاء المجد الباطل المعيب”. هذا يتمّ من خلال الشهوة. ولكن عندما يُمات النوس، تقع القوة الغضبية أيضاً في الأسر. عندما يكون النوس في حالته الطبيعية، أي متحداً به، يدفع القوة الغضبية فقط ضد الشيطان  ويستعمل جرأة النفس ضد الشيطان والأهواء. ولكن عندما يهمل الوصايا الإلهية، “يقاتل المرء جاره، ويغضب على أولئك الذي من جنسه، ويحنق على الذين لا ترضاهم شهواته غير العاقلة، وللأسف، يصير إنساناً قاتلاً…”

 

طعم القيامة

طعم القيامة

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، فيما نُطلّ على الصّوم المبارَك، يطالعنا إنجيل اليوم بأمرين أساسيّين، علينا، في كلّ حين، أن نحفظهما، هما الصّدقة والصّلاة. هذان، في الحقيقة، هما هدف الصّوم. والإنسان، الّذي يعرف كيف يتعاطى الصّدقة، يعرف كيف يتعاطى محبّة الآخرين. وإن عرف أن يتعاطى محبّة الآخرين، فهذا معناه أنّه يعرف أن يتعاطى محبّة الله. وفي آن معًا، غاية الصّوم هي الصّلاة، هي أن ندخل في عشرة الله، أن نصير في الله، أن يكون ذهننا مشدودًا إلى فوق، في كلّ حين.

هذان الأمران فيهما طعم القيامة، بلا أدنى شكّ. ومَن عرف أصول تعاطيهما، عرف أمرًا أساسيًّا جدًّا، يؤثّر في مجمل حياته الرّوحيّة. اللاّفت، في الحديث عن هذين الأمرين، أنّ الرّبّ الإله يؤكّد موضوع ممارسة الصّدقة والصّلاة في الخفاء. بكلام آخر، الرّبّ الإله يريد أن يحذّرنا من عدوٍّ خبيثٍ جدًّا، قائمٍ في نفوسنا، وهو المجد الباطل. المجد الباطل هو عدوّ كلّ الفضائل الّتي يمكن أن يتعاطاها الإنسان، لا بل يمكن أن يكون هدفًا لكلّ الفضائل الّتي يسلك فيها الإنسان، أو يظنّ أنّه يسلك فيها! إذا جعلنا في أنفسنا المجد الباطل هدفًا، فإنّ كلّ شيء نصنعه، في مجال الفضيلة، مهما تعبنا فيه، يَفسُد! والمجد الباطل يدلّ على أمرين:

الأمر الأوّل هو أنّ الإنسان يصنع ما يصنعه من أجل نفسه، لأنّه مغرور بنفسه، لأنّه يظنّ نفسه ذا شأن مهمّ! وما دام يصنعه لأجل نفسه، فإنّه لا يصنعه لله، ولا يصنعه للآخرين. إذًا، عمله لا يأتي من محبّة، ولا يُفضي إلى محبّة.

 أمّا الأمر الثّاني، فهو أنّ الإنسان، الّذي يتعاطى المجد الباطل، إذا كان إنسانًا مغرورًا؛ فهو، في آن معًا، يطلب أن يتعامل الآخرون معه باعتباره قدّيسًا، باعتباره فاضلاً، باعتباره إلهًا، بمعنى من المعاني!

المجد الباطل، إذًا، يدلّ على أنّ الإنسان يعبد نفسه، ويعمل كلّ ما يعمله، ويتعب، من باب عبادة الذّات. لهذا، علينا أن ننتبه، في كلّ حين، حتّى نتعاطى الأمور في الخفية؛ لأنّ مَن يعرف أن يتعاطى الأمور في الخفيّة ينطلق من حيث إنّ الله يرى في الخفاء. الله لا يرى ما يراه النّاس، وبالطّريقة الّتي يرى النّاسُ بها الأمور. الله يرى ما في القلب، ويطلب ما في القلب. الحديث عن الصّدقة، هنا، ليس حديثًا عن كمّيّة من المال يُنفقها الإنسان في الإحسان. الرّبّ الإله يطلب أن يكون لدينا هَمُّ الصّدقة، هَمُّ الإحسان، هَمُّ الإنسان الآخر. بكلام آخر، الرّبّ الإله يريدنا أن نكون منعطفين على الآخرين، لا سيّما على المحتاجين، بعطف، وحنان، وحبّ؛ وهذا يعلّمنا كيف نعطي، وماذا نعطي، وكيف نتخطّى أنفسنا؛ لأنّ الإنسان الّذي يجعل الله نصب عينيه، في موضوع العطاء، يَحسَب أنّه يعطي الله ولا يعطي النّاس! وبالأحرى، يعطي الله من خلال النّاس. هو يعطي محبّةً! يأخذ محبّة من فوق، ويعطي محبّة بين النّاس.

أمّا بالنّسبة إلى الصّلاة، فأيضًا الخفيةُ دستور إيمان، بمعنى من المعاني. الإنسان الّذي يعرف أن يصلّي في الخفاء، فهذا يصلّي حقيقةً، ويعرف أنّه يصلّي لله، ولا يؤدّي واجبات، ولا يطلب مجدًا من النّاس.

إذًا، إذا تروّضنا على العمل في الخفاء، سواء في مجال الصّدقة، أم في مجال الصّلاة؛ فإنّنا نتحرّر من عدوّ خطير يقيم فينا، هو المجد الباطل، الّذي يحاول، دائمًا، أن يتلبّس بألف ثوب وثوب، لكي يبقى متسلِّطًا على كلّ جهد، وعلى كلّ سعيﹴ إلهيٍّ من قـِبَلـِنا!

عادةً، الّذين يطلبون المجد الباطل يتذرّعون بأنّهم يريدون أن يَظهروا للنّاس لكي يساعدوهم، لكي يعطوهم المثل الصّالح، لكي ينفعوهم. وهذا كذب! نحن ننفع النّاس، إذا كان ما نفعله في الخفية. الرّبّ الإله، الّذي يرى في الخفية، هو يعلّم النّاس، ويعلّم النّاس بطرق هو يعرفها. المجد الباطل ليس، أبدًا، بابًا للعلم. إنّه يُفسد العلم، ويفسد التّعب الّذي يكابده كلّ مؤمن. لهذا، سبيلنا أن نتروّض على الخفية في كلّ ما نعمله من جهة الله، لأنّ هذا يرسّخ حضور الله في حياتنا، ويجعلنا نتجذّر في عمل الله، بنِعَمِ الله. فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

 

  • عظة في السّبت 28 شباط 2009 حول متّى6: 1- 13

 

 

ثمرة الصوم

ثمرة الصوم

القدّيس سمعان اللاهوتي الحديث

 نقلتها عن اليونانية ماريا قبارة

من يخاف الله لا يحتقر قانون الصوم. إنّ الشيطان الخبيث يكره فعل الحسنات، ويذهب إلى كلّ مسيحي محاولاً ربطه بالكسل والإهمال وإقناعه باحتقار الصوم المقدّس.

يولّد الصوم الصالحات الروحيّة ويساهم في خلاصنا. ولهذا علينا ألاّ نسمع إلى عدو النفس، ولا نستسلم إلى شهوة النهم، ونحاول ألاّ نعيد أخطاءنا القديمة.

إنّ للصوم فوائدَ جمّة. إنّه طبيب النفوس. يهدّئ الغضب ويذلّل أهواء الجسد. يجلب الاستعداد لعمل الخير وينقّي الذهن ويحرّره من الأفكار الخبيثة. يروّض اللسان الجامح ويبعده عن الأقوال الكريهة غير الضرورية. يمنع أعيننا من متابعة الصور المضرّة والأمور العبثية.

 يخفف الصوم رويداً- رويداً تراكمات الخطايا التي تغطي النفس. إنّ الصوم يبدّد ظلام نفوسنا كما أنّ الشمس تبدّد الضباب، وينقّي أعين نفوسنا ويكشف لنا شمس العدل؛ يسوع المسيح. يخفف الصوم المترافق مع الصلاة قساوة القلب ويعطينا التخشع والورع، فنجتاز عاصفة وهيجان الأهواء  بسهولة بنعمة الله لنصل إلى ميناء الأمان.

هذا لا يمكنه أن يحدث في يوم أو في أسبوع، بل يحتاج إلى فضاء زمني مع تعب واجتهاد، ويعتمد على إرادة ورغبة كلّ إنسان للتخلص من الخطيئة، وعلى مقدار إيمانه وعمق توبته، وعلى حرارة الصلاة وتواترها.

من يبني حياته الروحيّة على أساس الصوم، فإنّ بناءه لن يتزعزع لأنّه يبنيه على صخرة صلبة. أما عندما تغرينا الأفكار الخبيثة والرغبات الجسدية لأهواء النفس، فهذه تهدم كلّ بناء الفضائل. إذاً فلنبنِ صرح حياتنا الروحية على أساس صلب ألا وهو الصوم.

صامَ يسوع المسيح 40 يوماً و40 ليلة قبل تنافسه مع الشيطان في الصحراء، ليسَ لأنه بحاجة إلى الصوم، فهو الإله الكليّ القدرة، بل لأنّه أراد أن يعلّمنا أن نتمثَّل به. فنحن البشر بحاجة إلى الصوم لنطرد الشرير عنّا. كان نضال يسوع المسيح ضدّ الشيطان مؤسسَاً على الصوم، فليكن جهادنا هكذا نحن أيضاً.

هناك الكثير من الوسائط الروحية التي تساعد الإنسان في ترتيب حياته الروحية، ولكن أهمها وأساسها هما الصوم والصلاة. كانت حنّة تعبد الله بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً فصارت عظيمة في عينيّ الله. وعندما أرسلت كنيسة أنطاكية بولس وبرنابا للخدمة صاموا وصلّوا. ويقول الربّ عن الشياطين أنّ: “هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصوم والصلاة”. إذاً فالصوم مقترنٌ بالصلاة ليكون مستجاباً لدى الله. وهذه دعوة لنا لكي نصوم عندما تحثنا الكنيسة على الصوم فتكون صلاتنا طاهرة مقدّسة مقبولة لدى الله.

يعطي الصوم أجنحة الاشتهاء الإلهي بالصلاة وتمجيد الربّ وتعلّم أقواله “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله” .فلنشبع ذواتنا يا إخوة من الأقوال الإلهية للكتاب المقدس وتعاليم الآباء القديسين.

يولّد الصوم أنبياء، ويجعل المشرّعين حكماء. هو كنـز صالح للنفس، ويحثّ على التقوى. إنّ كثرة الطعام تجرّ نوعًا من خيالات تشبه غيومًا سوداء تقطع إستنارات الذهن بالروح القدس. إن كان للملائكة طعام فما هو إلاّ الخبز كما يقول النبي: “أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز25:77). لا اللحم، لا الخمر ولا شيء آخر يشتهيه ذوو محبة البطن.

 

 

هل يجب أن تتغيّر المسيحيّة مع الزمن؟

هل يجب أن تتغيّر المسيحيّة مع الزمن؟

رسالة من القدّيس ثوفانيس الحبيس

 إلى شخص يعترض على قوانين الكنيسة*

 

        وصل إلى مسامعي أنّك تعتبر عظاتي صارمة للغاية، وتعتقد أنّ اليوم، أي في هذا العصر، لا ينبغي أن يفكّر أحد على هذا المنوال، ولا أن يعيش على هذا النحو، ولا أن يدرس بهذه الطريقة، مؤكّدًا بأنّ “الزمن قد تغيّر”.

        لقد سررت لسماعي هذا، لأنّه يعني أنّك تصغي بتمعّن إلى ما أقول، وليس فقط تستمع، ولكنّك على استعداد، أيضًا، لتتقيّد بكلامي، وإزاء هذا الأمر ماذا نتمنّى أكثر من ذلك نحن الذين أُمرنا بأن نعظ؟!

        على الرغم من كلّ هذا، لا يمكنني، بأيّ حال من الأحوال، أن أوافقك الرأي، بل أرى من واجبي أن أصحّح لك رأيك، مع إنّه قد يتعارض ورغبتك وقناعتك، فأقول: أن تغيّر المسيحيّة في بعض عقائدها وشرائعها المقدّسة لتأتي موافقة لروح العصر، وأن تكيّف نفسها لتتطابق مع أذواق أبناء هذا الدهر الدائمة التغيير والتبدّل، تكون كما لو أضافت أو حذفت كلّ ما يأتي من الشرّير أو ما يوحي به.

        المسيحيّة ليست هكذا. المسيحيّة ثابتة إلى الأبد، ولا تعتمد أو تسترشد من روح أيّ عصر بأيّ حال من الأحوال. المسيحيّة تهدف إلى توجيه روح العصر إلى طاعة تعاليمها. ولإقناعك بهذا، سوف أطرح بعض الأفكار عساك تأخذها بعين الاعتبار:

        يقول البعض إنّ تعاليمي صارمة. يجب أن تعلم، أوّلاً، أنّ هذه التعاليم ليست تعاليمي، ولا ينبغي أن تكون، إذ لا يستطيع أحد من هذا المنصب المقدّس أن يعظ بتعاليمه. وإذا تجرّأت أنا، أو أيّ شخص آخر، على القيام بهذا، يمكنك، عندئذ، أن تخرجنا خارج الكنيسة.

        نحن نكرز بتعاليم ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، تعاليم الرسل الأطهار، تعاليم الكنيسة المقدّسة، التي يقودها الروح القدس. وفي الوقت ذاته، نحن على ثقة تامّة، بأن الكنيسة تقوم بكلّ ما هو ممكن للحفاظ على هذه التعاليم كاملة غير منتهكة، حتّى تتغلغل في عقولكم وقلوبكم. ولذلك، فنحن نقدّم كلّ فكرة بدقّة متناهية، ونستعمل كلّ كلمة بحذر شديد، حتّى لا تسود أفكارنا الشخصيّة على هذا التعليم الإلهيّ الرائع بأيّ شكل من الأشكال، ولا يمكن لأحد التصرّف بخلاف ذلك.

        يُطلب من كلّ واعظ في الكنيسة أن يكون “مرسّلاً من الله”، فالنبيّ موسى، بعدما تسلّم الوصايا من الله نفسه، ودفعها إلى شعب إسرائيل، ختم كلامه قائلاً: “لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه، لكي تحفظوا وصايا الربّ إلهكم التي أنا أوصيكم بها” (تث 2: 4).

        إنّ هذه الوصيّة ثابتة غير قابلة للتغيير لدرجة أنّ الربّ والمخلّص نفسه قال عندما كان يعلّم الشعب على الجبل: “لا تظنّوا أنّي جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمّل، فإنّ الحقّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتّى يتمّ الكلّ” (متّى 5: 17-18). كما أعطى الصفات عينها لتعاليمه عندما أضاف: “فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغار وعلّم الناس هكذا فإنّه يدعى صغيرًا في ملكوت السماوات. وأمّا من عمل وعلّم، فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات” (متّى 5: 19). وهذا يعني أنّ أيّ شخص يفسّر وصايا الله بشكل خاطئ، أو يقلّل من صحّتها، يكون منبوذًا في الحياة  الأخرى. وهذا ما أكّده القدّيس يوحنّا اللاّهوتيّ حين كتب في سفر الرؤيا: “لأنّي أشهد لكلّ من يسمع أقوال نبوءة هذا الكتاب إن كان أحد يزيد على هذا، يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوءة، يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدّسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب” (رؤ 22: 18-19).

        أوصى المسيح من بدء ظهوره في العالم، وحتّى المجيء الثاني، الرسلَ الأطهار وخلفاءهم أن: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به…” (متّى 28: 19-20). وكأنّه يريد أن يقول: “أنت تعلّم ليس ما يمكن أن تتصوّره، بل ما أمرت أنا به، وذلك ثابت إلى نهاية العالم” ، ثمّ يضيف: “لأنّي أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدهر آمين” (متّى 28: 20).

        تلقّى الرسل هذه الوصيّة، وضحّوا بأرواحهم من أجل الحفاظ عليها، وعندما أراد البعض منعهم عن الوعظ، راحوا يعظون تحت تهديد العقاب والموت، قائلين: “إن كان حقًّا أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا، لأنّنا نحن لا يمكننا أن لا نتكلّم بما رأينا وسمعنا” (أع 4: 19-20).

ولقد تمّ تسليم هذه الوصيّة الواضحة من الرسل إلى خلفائهم، وقد كان لها أيّما تأثير في كنيسة الله، حتّى إنّها أضحت ركيزة الكنيسة وأساس الحقّ. فهل، بعد ذلك، من يملك الجرأة للإخلال في شيء من تعاليم العقيدة المسيحيّة أو قوانينها؟

جاء بعد هذا لوثر، وكان رجلاً ذكيًّا عنيدًا، وقال: “لقد غيّر البابا كلّ شيء، ووفق مراده، فلماذا لا أفعل أنا الشيء نفسه؟”. وهكذا بدأ بتعديل كلّ ما أراد وفق طريقته الخاصّة، وبهذه الطريقة أنشأ الإيمان اللوثريّ الجديد، التي يشبه قليلاً ما أمر به الربّ، وما سلّمنا إيّاه الرسل.

وبعد لوثر أتى الفلاسفة الذين قالوا بدورهم: “بما أنّ لوثر أنشأ لنفسه إيمانًا جديدًا، مدّعيًا أنّه يقوم على أساس الإنجيل، مع أنّه في الواقع، يعتمد على منهجه الخاصّ في التفكير، فلماذا، إذًا، لا نؤلّف، نحن أيضًا، عقائد بحسب طريقتنا الخاصّة بالتفكير، ونتجاهل الإنجيل كلّيًّا؟”. وبدأوا، بالفعل، يفسّروا منطقيًّا كلّ من الله والعالم والإنسان، كلّ فيلسوف على طريقته الخاصّة به. فأتت العقائد خليطًا ومزيجًا يشعر المرء بدوار لدى قراءتها.

وقام، الآن، المجتمع الغربيّ ليقول: “آمن بالذي تعتقد هو الأفضل. عش كما تحبّ وتريد. اخضع لكلّ ما يأسر روحك ويجذبه”. وهكذا بات الناس لا يعترفون بأيّ قانون أو قيود، ولا يلتزمون بكلمة الله وإنجيله. طريقهم واسع، فجميع العقبات أزيحت من دربهم، ولكنّ الطريق الواسع الرحب السهل يؤدّي إلى الهلاك وفقًا لما يعلّمه الربّ. هذا ما أدّى إليه التساهل في التعليم!!

يا ربّ، نجّنا من هذا الطريق الواسع، فمن الأفضل أن نحبّ كلّ صعوبة يسمح بها الربّ لخلاصنا من أن نعتنق السير في الطريق السهل. لنتمسّكنّ بعقيدتنا المسيحيّة، ولنرغم أذهاننا على فهمها والغوص فيها غير مؤثرين غيرها. لنحبّنّ طقوس كنيستنا وخِدَمها التي ترشدنا وتصحّح مسيرتنا وتقدّسنا. ولنتعمقّنّ فيها، لأنّها تحوّل رغباتنا الدنيويّة الفانية إلى أخرى سماويّة خالدة. دعونا نحبّ الأخلاق المسيحيّة ولنجبر إرادتنا على تبنّيها، والتصرّف بموجبها، حاملين نير المسيح الخفيف بكلّ تواضع وصبر.

دعونا نسجن أنفسنا كما لو كنّا في قفص، أو بالأحرى دعونا نجرّ أنفسنا كما لو كنّ!ا نعبر ممرًّا ضيّقًا بحيث لا يمكن لأحد التلفّت إلى اليسار أو إلى اليمين، فإنّه لاشكّ، في المقابل، سوف نحصل على ملكوت السماوات. هذه هي مملكة الربّ، وهذا هو الطريق الضيّق الضاغط الذي قال عنه الربّ: “ادخلوا من الباب الضيّق المؤدّي إلى ملكوت السماوات” (لو 13: 24).

أفهمت، الآن، لماذا الإصرار على الحقّ؟! فلا تقلق، إذًا، إذا كان تعليمنا يبدو صارمًا. الأمر الوحيد الذي يجب أن تتأكّد منه هو أنّه آتٍ من قبل الربّ. وبعد أن تتأكّد، اقبله من كلّ قلبك، مهما كان صارمًا أو متشدّدًا. لا تتجنّب المعاملة الخاصّة والتساهل مع العقيدة والأخلاق، فقط، وإنّما اهرب من هذا كهربك من نار جهنّم. أمّا من يؤكّد لنا بأنّ ما يعتقد بخلاف ما نعلّم به هو صحيح، ويجذب معه الضعفاء روحيًّا ليتبعوه إلى… جهنّم، فليفعل. آمين.  

 

* مقالة مترجمة عن الإنكليزية عن موقع Http: // www.impantokratoros. gr