السنة العاشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2013

السنة العاشرة – العدد الثالث – كانون الأول 2013

 

مختارات آبائية

أقوال في الحياة الروحيّة

المتروبوليت فلاديمير تيخونيتسكي


استعمال الوقت بحكمة

القديس اغناطيوس بريانشانينوف


عظة

التحدي الكبير!

الأرشمندريت توما بيطار


رعائيات

الحفاظ على وجوهنا في عالم الفايسبوك

الأب لورنس فارلي


حياة روحية

المسيحيّ يهتمّ بالتوبة لا بالندم

الخورية قسطنطينا بالمر


لاهوت

حول “حفظ الأرثوذكسية نقية”

المتقدم في الكهنة ألكسندر شميمن


أبطال روحيون

القديس ذيونيسيوس الذي في جزيرة زاكنثوس

 

مدمن المخدّرات والقديس أفرام الجديد


قصص قصيرة

قوة الله

إعداد راهبات دير مار يعقوب

 

أطفالنا

الذراع المكسور

إعداد راهبات دير مار يعقوب

مدمن المخدّرات والقديس أفرام الجديد

مدمن المخدّرات والقديس أفرام الجديد

 

وقعت القصّة التالية في العام 1990 مع سائق سيّارة أجرة عندما أقلّ شابًّا مراهقًا أمريكيًّا يتراوح عمره بين 15-17 سنة. قصّ علينا السائق ما حدث معه قائلاً: “كان يومًا صاخبًا في وسط مدينة أثينا عندما أشار إليّ هذا الشاب بالوقوف. ولمّا جلس إلى جانبي، سألته بلطفٍ:

– إلى أين أنت ذاهب؟

– إنّي أقصد المركز الخاصّ بإزالة السموم.

جاء ردّه مفاجأةً لم أكن أتوقّعها البتّة، لأنّه ما من شيءٍ في مظهره الخارجيّ يدلّ على أنّه من مدمني المخدّرات. فانتابتني مشاعر عميقة من الألم والمحبّة تجاه هذه النفس المتألّمة، وسالت دمعة ساخنةٌ من عيني ووَدَدْتُ معها لو أستطيع أن أحتضنه. فاستجمعت قواي، وأردت أن أكتشف الدوافع التي أوصلته إلى حالته هذه، وكيف استطاع أن يتغلّب عليها، لكوني أبًا لأطفال على وشك دخول سنّ المراهقة. فسألته أن يسرد لي ماذا جرى معه وكيف تخلّص من إدمانه؟ فابتدأ يقول لي:

-أنا اليوم شخص جديد كباقي الناس، ليس لديّ الرغبة، بتاتًا، بأن أتناول هذا السمّ، والفضل كلّه يعود إلى المعونة الإلهيّة وقوّتها العجيبة التي تعمل في قدّيسيه. وُلِدتُ ونشأتُ في أثينا وحيدًا لوالدين أحبّاني كثيرًا لدرجة الدلع المفرط، لذا كانت كلّ طلباتي مستجابة، فأشبعا لي نزواتي جميعها من دون تردّد. سافرنا، بعدها، إلى أميركا، طلبًا لمزيد من رغد العيش، وكنت، آنذاك، في الثامنة من العمر. هناك وجد أبي عملًا والتحقت أنا في المدرسة. وعندما كبرتُ كبُرَتْ معي رذائلي ورغباتي المشينة حتّى اختلطتُ ببعضٍ من رفاق السوء، وبدأنا بالدخول، تدريجيًّا، إلى عالم الظلمة، عالم “المخدّرات”. وصل بي الأمر ذات يوم إلى سرقة والديَّ ما جعلاهما يكتشفان أمري. فبدأا يعرضاني على أطبّاء نفسانيّين ولكن من دون جدوى. أخيرًا أتت النصيحة بأن أبتعدّ كليًّا عن هذه الجماعة وإلّا سأخسر حياتي كلّها.

وفيما كنت، ذات يوم، في البيت وحدي اجتاحتني أفكارٌ سوداويّة قاتمة ما جعلني أشعر بيأسٍ قاتل لا رجاء فيه. واشتدّ الضّيق عليّ، فأحسست وكأنّي أختنق، فسقطتُ مغميًّا عليّ. لا أدري كم بقيت على هذه الحال، ولكن ما إن بدأت أستعيد رشدي حتّى رأيت، فجأةً، أمامي راهبًا طويل القامة يرتدي قبّعةً رهبانيّةً سوداء قد رُسم عليها صليب من الأمام. قال لي: “لا تخف”، سوف تتحسّن. تعال إلى بيتي في اليونان. أنا أدعى أفرام *.

شكرت الربّ كثيرًا على محبّته اللاّمحدودة لأنّه أرسل إليَّ قدّيسه في اللحظة المناسبة لينتشلني من أنياب الجحيم. عدت إلى اليونان بحسب نصيحة القدّيس، وما إن وصلت حتّى هرعت مسرعًا إلى الكاهن حيث اعترفت وتناولت الأسرار المقدّسة وشكرت الله من أعماق قلبي. وهكذا بدأت حياةً جديدةً.

* القديس هو أفرام الجديد الذي أعلنَت قداسته في شباط الماضي ورفاته موجودة في ديره في نيا ماكري القريبة من أثينا

الذراع المكسورة

الذراع المكسورة

 

عندما كان نبيل عائدًا إلى المنزل في ساعة متأخّرة من الليل بعد سهرة مع أصدقائه صاخبة، انزلقت قدمه وسقط على الأرض، وأخذ يصرخ من الألم والخوف معًا، فسمعه سكّان أحد المنازل القريبة ونقلوه إلى المستشفى. وهناك علم من الطبيب بأنّ ذراعه الأيسر قد كُسر، وبأنّه يحتاج إلى عمليّة جراحيّة، وأنّه سيبقى بضعة أيّام في المستشفى.

وأثناء الليل، وإذ كان متألّمًا جدًّا لم يستطع أن ينام، ولكي يبعد عنه الشعور بالألم، تناول المجلّة التي كانت أخته قد اشترتها له، وأخذ يقرأ فيها هذا الحوار الممتع الذي جرى بين ذراع أيمن صحيح وذراع أيسر مكسور. شدّه هذا الحوار، إذ وجده يماثل حاله، فقرأ ما يلي: قال الذراع الأيمن للأيسر:

– بالحقيقة، أيّها الذراع المحبوب، إنّنا لا نفتقدك بالكلّيّة، لأنّ كلّ الأعضاء مسرورة بأنّ الكسر قد لحق بك وليس بي، فمن دوني يعجز الجسد كلّه عن إداء مهمّته، أمّا أنت فلست مهمّا بهذا المقدار.

– فأجاب الذراع الأيسر باتّضاع: أنا أعلم أنّك عضو هامّ جدًّا، وأنّك أعظم منّي بما لا يقاس.

– لقد نطقت بالصواب، فبدون مساعدتي لا يستطيع صاحبي أن يكتب رسالة ما، ولا أن يمسك القلم.

– ولكن، يا صاحبي، من الذي يمسك بالورقة حين يكتب صاحبك الرسالة؟

– لا يهمّ. لكنّه يستخدمني، دومًا، عندما يحتاج أن يطرق شيئًا بالمطرقة.

– هذا صحيح. ولكن من يمسك له المسمار؟

– وهذا أيضًا غير مهمّ. ولكن انتبه من منّا يمسك قبّعة صاحبنا عندما يريد أن يحيّي بها أصدقاءه وجيرانه؟

– ولكن لكي يسلّم على معارفه بارتياح، أسرع أنا وأمسك له حقيبته الصغيرة.

– (باستخفاف) ولكنّه يستطيع أن يضعها على الأرض أيضًا، ويقدّم السلام والتحيّة.

– واليوم عندما وقع وكُسرت أنا، تُرى من ساعده في ارتداء ملابسه؟ نعم، أيّها الذراع الأيمن، لا شكّ أنّه لا يستطيع أن يستغني عن خدماتك، ولكنّه، في الوقت نفسه، يحتاجني، أنا أيضًا، إذ من دوني لا يستطيع أن يمارس الكثير من أعماله. إنّه محتاج إليك كما هو محتاج إليّ. فكفانا هذرًا وثرثرة، وهلمّ نعمل معًا، لأنّ لكلّ منا دوره.

وهنا طأطأ الذراع الأيمن رأسه إذ وجد أنّ الذراع الأيسر مصيب في قوله.


أحبّاءنا، لكلّ واحد منّا دوره في هذه الحياة، وكلّ منّا يحتاج إلى الآخر مهما قلّت أهمّيّته أو مواهبه. كلّ واحد منّا عزيز وحبيب على قلب الربّ، فلا نستخفّنّ أو نزدرينّ بأحد، بل لنتكاتف مع بعضنا البعض لتنجح أعمالنا، وتستقيم كلّ أمورنا سواء أكان هذا في البيت أو في المدرسة أو في الكنيسة أو في أيّ مكان وُجدنا فيه. ولكي تصدّقوا قولنا هذا دعونا نقرأ معًا هذه القصّة اللطيفة:

اعتادت النملة “سرور” أن تعود كلّ يوم إلى حجرتها متهلّلة. كانت تروي للنمل أصحابها عن الخالق المبدع الذي أوجد هذا العالم الجميل. فكانت تخلق جوًّا من الفرح. وإذ عادت، يومًا، وهي تغنّي وتسبّح الله، سألها أصحابها: “قولي لنا ما الذي أعجبك اليوم يا سرور؟ نراك متهللة جدًّا أكثر من أيّ وقت مضى”. فقالت لهم سرور: “بعد أن انتهيت من عملي معكم انطلقت أتمشّى على إحدى الصخور، ووقفت أتأمّل السماء الزرقاء الجميلة. فعبرت بي يمامة تطير، كان جناحاها الجميلان أشبه بمروحتين رائعتين. فقلت لها: “يا لك من يمامة جميلة! لقد أبدع الخالق فأعطاك جناحين جميلين، وصوتًا عذبًا. إنّي أرى لمسات الخالق المبدع واضحة فيك”.

وبينما كنت أتحدّ      ث معها إذا بتيّار جارف يقتحم المكان، فانجرفتُ في الماء. أسرعت اليمامة إليّ، وقد أمسكت بمنقارها فرعًا صغيرًا من الشجر تسلّقتُ عليه، ثمّ انطلقت بي اليمامة تحملني بعيدًا عن الماء. لقد أنقذتني من موت محقَّق! شكرتُها على محبّتها ولطفها وحنانها.

وبعد قليل نامت اليمامة على فرع شجرة، وإذا بصبيّ يراها، فأمسك بمقلاع ليصوّب حجرًا عليها ليصطادها. أسرعتُ إليه ولدغتُه في قدمه فصرخ وقفز. استيقظت اليمامة وطارت في الجوّ، ولم يستطيع الصبيّ أن يصطادها. لقد أنقذتُها من يد الصبيّ القاسية. إنّي أشكر الله الذي أعطاني أن أنقذ اليمامة. حقًّا إنّي محتاجة إليها، وهي محتاجة إليّ! ليت البشر يدركون ذلك، فلا يحتقر أحدهم الأخر. القويّ محتاج إلى الضعيف، كما يحتاج الضعيف إلى القويّ. الكبير يحتاج إلى الصغير، كما يحتاج الصغير إلى الكبير”.

 

 

 

 

قـــــــوّة الله

قـــــــوّة الله

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

 

“اخرج من هنا أيّها السكّير المتسكّع المفلّس. لن تشرب من هذا المحلّ نقطة واحدة قبل أن تدفع ثمنها ـ أخرج وإلاّ استدعيت البوليس لطردك من هنا”. هكذا طُرِدَ توم كونور من إحدى الحانات، ولكنّه قبل أن يخرج التفت إلى الزبائن الآخرين، وقال لصاحب الحانة: “لقد وصلت هذه المدينة منذ ثلاثة أيّام، وكنت خلالها أتسكّع على أبواب المطاعم لأستجدي الناس لقمة خبز يابسة. ولكنّي لم أكن كذلك، فلقد كان في مقدوري أن أشتري عشرة أمثال هذا المحلّ. كنت رجل أعمال ناجحًا، وكانت لي عائلة سعيدة موفورة الهناء، ولكن المسكر والخمر سبّبا خرابي. وأنا، الآن، وحيد في هذا العالم لا أجد من يحبّني أو يعتني بي. صحيح أنّي لا أملك ثمن الكأس التي أطلبها، وصحيح لست إلاّ سكيرًا متسكّعًا، وسأخرج كما تريد، ولكن قبل أن أغادر هذا المكان أقول لكم أيّها الرفاق المحترمين : انظروا إليَّ وإلى هذه الثياب القذرة البالية، وخذوا لأنفسكم عبرة وموعظة. فلأجل خاطر السماء اتركوا هذا المكان اللعين، لأنّه سيوصلكم إلى نفس النهاية التي وصلت إليها أنا”.

خرج توم كونور هائمًا على وجهه يسعى في شوارع المدينة على غير هدى، فمرَّ في طريقه على إحدى الكنائس، ورأى الناس يدخلون إليها، فقال في نفسه: “إنّ أمثالي ليس لهم هنا مكان”. ولكنّ ترنيمة شجيّة شدّته، فوقف يسمع جموع المرنّمين ترنّم: “المسيح قام من بين الأموات…”. وقف كونور العجوز يستمع إلى هذه الترنيمة التي سمعها لآخر مرّة منذ وقت طويل جدًّا، وكأنّه لم يسمع قط نغمات شجيّة مثل هذه في كلّ حياته. ورغمًا عنه حملته أقدامه إلى الداخل، وجلس على كرسيّ قرب أحد العواميد، وأخذ ينصت لما يقوله الكاهن، وإذا به يسمعه يصلّي صلاة حارة من أجل الخطأة المساكين المشرّدين في مسالك الشرّ. تَفتَّح قلب كونور لهذه الصلاة، وهاجت ذكريات الماضي، وأخذ يبكي ويكفكف دموعه. لقد تذكّر بيته المريح اللطيف، وتذكر زوجته التي كانت ترنّم بصوتها الرخيم هذه الترنيمة نفسها، فبكى وبكى وعاش في ذكريات الماضي. لقد مرَّ بخاطره كيف ذهبت نضارة صحته، وعبث به شيطان الخمر فانتزع منه زوجته. وكيف غادره السلام، وكيف ضاع البيت الجميل، وبيعت مفروشاته الأنيقة لإشباع شهوة السكر. وكيف شحب وجه زوجته بسبب دأبها، يومًا بعد يوم، أمام طست الغسيل لتكسب أجرًا ضئيلاً لسدّ رمقها ورمق طفلها وزوجها السكّير. وأخيرًا مرَّ بخاطره منظرها وهي مسجّاة في كفنها البالي داخل صندوق بسيط من خشب الصنوبر، وكيف ذهب بابنها إلى ملجأ لليتامى. ثمّ استعرض صُوَر سكّير متشرّد بائس يهيم على وجهه عشرين سنة كاملة يستعطي درهمًا من هذا، ويستجدي لقمة من ذاك بلا احترام ولا كرامة. فقال متحسّرًا: “آه، يا ربّ، لِمَ لم أمتْ قبل أن تموت هي؟ ولماذا أعيش بعد؟”.

وكانت الخدمة قد انتهت، وأعلن الكاهن أنّ خدمة الغد تبدأ في الساعة السابعة والنصف. وهنا نهض الرجل العجوز، وتسلّل إلى الخارج قبل أن يراه الناس. ولم تكد الساعة تدق السابعة في مساء اليوم التالي حتّى كان توم كونور، مرّة أخرى، يجلس في الكنيسة. ولم تكن الخدمة قد بدأت بعد، فتقدّمت إليه فتاة رقيقة، وقالت له: “اسمح، يا مستر جونسون، بفتح درج المنضدة، لأنّي أريد كتابًا لوالدي قبل أن تبدأ الخدمة”. فنهض الرجل العجوز واقفًا، وخلع قبّعته القذرة، وقال لها: “عفوًا، يا آنسة، أنا لست مستر جونسون”. فقالت الفتاة: “إنّي أعتذر لقد ظننتك الطرّاش”. فهمّ كونور بالخروج، فقالت له الفتاة: “لماذا تخرج؟ تعال واقترب من الصفوف الأماميّة لتسمع جيّدًا، إنّ الخدمة ستبدأ سريعًا”. فرد بسرعة: “لا. لست أهلاً لأن أوجد في مكان نظيف مثل هذا، وقد لا يرغب الكثيرون في أن أجلس إلى جوارهم. فأجابت الصبيّة: “كلا، بل إنّهم يرحّبون بك. إنّ والدي هو الكاهن. وهو يحبّ أن يأتي إليه الشيوخ المتقدّمين في السنّ ليسمعوه”. ثمّ أمسكت بيده قائلة: إنّي أؤمن بأنّ الربّ يسوع يحبّك ويستطيع أن يجعلك رجلاً صالحًا إن كنت تدعه يفعل ذلك. أرجوك أن تأتي لتسمع هذه الترنيمات الجميلة، وأنا واثقة أنّك ستكون مسروراً”.

وسار توم كونور معها إلى الصفوف الأماميّة يتعثّر خجلاً، ولكن سرعان ما ملكت النغمات والترنيمات على مشاعره، وكانت الصلوات التي أعقبتها حارّة وعميقة ملؤها المحبّة، حتّى خيّل إليه أن كلّ الصلوات التي قُدِّمت في ذلك اليوم كانت لأجله. ثمّ قام الكاهن وتلا الفصل الخاصّ بالابن الضالّ، وتكلّم الكاهن عن محبّة الله للخطأة الهالكين، وعن رحمته العجيبة بكلمات لم يسمعها كونور العجوز من قبل. ثمّ ختم كلمته بهذه العبارة : “إنّ أبانا السماويّ المُحبّ فاتح ذراعيه ليرحّب بكلّ ضالّ شريد، ويقبّله بقبلة الغفران، ويلبسه حلَّة البِرّ الأولى إن كان يريد أن يقبل إليه”. ثمّ ما لبث أن انصرف الحاضرون، وبقي ذلك الرجل العجوز منكّس الرأس يشهق بالبكاء كطفل صغير، ولكنّه شعر بيد رقيقة توضع على كتفه، فرفع بصره ووجد الفتاة اللطيفة أمامه وهي تقول: “إنّ الربّ قادر أن يُخلِّصك. تعال إليه وثق به، وهو سيساعدك، فهو لا يردّ تائبًا نادمًا”. وقادته الشابّة إلى حيث كان أبوها، فمد الكاهن يده إلى الرجل مباركًا، فقال كونور: “يا سيّدي، إنّني إنسان بائس، وكنت أظنّ أن لا رجاء لأمثالي، ولكنّك قلت في هذه الليلة إنّ الله يرغب في خلاص الجميع”. ثمّ أخذ توم يسرد تاريخ حياته، فلمّا وصل إلى ختام القصّة احمرّت وجنتا الكاهن، وانهمرت دموعه، وقال للرجل باضطراب: “ما اسمك؟”، فقال: “توم كونور، وقد اشتهرت باسم العجوز السكّير”. فصاح الكاهن قائلاً: “أبي… أبي!!”، وضمّ الرجل إلى صدره، وقبّله وهو يقول: “أبي أنا ابنك الذي تركته طفلاً في ملجأ اليتامى. لقد بحثت عنك طويلاً، وأخيرًا ظننت أنّك متّ”. ثمّ عرف الأبُ قصّةَ ابنه، وكيف خرج من الملجأ، وعاش وسط عائلة مسيحيّة تبنّته وأحسنت تربيته، وصار خادمًا للربّ.

القديس ذيونيسيوس الذي في جزيرة زاكنثوس

القديس ذيونيسيوس الذي في جزيرة زاكنثوس*

 

 

كانون الأول 1580

لقد مضى أسبوعان منذ أن ساءت حالة الطقس. بالرغم من طبيعة المكان المُشْمِسة، عادةً، وطقسه اللطيف، إلا أن المطر لم يتوقف لعدة أيام؛ كانت تمطر في الجبال وفي الأودية. كان المطر يهطل لساعتين ونصف ثم يتوقف لنصف ساعة. والآن، فقد تقلَّد الشتاءُ الرهيبُ الصولجانَ في برودته. توشَّحت أشجارُ الصنوبر بردائها الثلجي الأبيض، بينما كانت أشجارُ الجَوز، أميراتُ الغابة المنعزلة، تُبدي إعجابَها بالجليد المتكسِّر.

كان قد انتهى لتوِّه من صلاةِ الغروب في كنيسة أنافونيترا. لقد حان الوقت بالنسبة له لكي يدلف إلى قلاَّيته في العلّية. كان تلميذُه وكاهنان آخَرَان قد أخذا إذناً للبقاء في الدير المجاور خلال فترة صوم الميلاد، لذا فقد كان بمفرده. كان الوقت متأخراً في ذلك العصر، والعاصفةُ الثلجية على وشَك أن تبدأ. عند الساعة الخامسة كان الظلام قد حلّ. في خروجه من الكنيسة رسم، كعادته، إشارةَ الصليب ثلاثاً. لكنَّ الرياحَ العاصفة ضربته على صدره، فأُجبِر على التراجُع والعودةِ إلى الكنيسة لإصلاحِ وشاحِه.

للحظةٍ، لاح له أن قنديلَ الزيت الذي أمام أيقونة القديسَين قسطنطين وهيلانة ينطفىء. عندما دنا منه، أصدرَت الشعلةُ صوتاً وانطفأتْ. تجشّم عناءَ إصلاحها طويلاً. بعد أن غطّى نفسَه جيداً بوشاحه توجه خارجاً. كان في حماسٍ كبير، فبعد قليل سوف يعود لدراسة بعض النصوص القديمة. آه، أفضل أصدقاء الإنسان هي الكتب، فهي هادئة، مطيعة، لا تتذمّر. إنها تَمضي بك في رحلة إلى الحقائق الداخلية، ثم لا تطلبُ ولو حتى نصف كلمة شكر. كان يدرسُ كتابَ “العظات النسكية” للقديس أفرام السرياني. لقد حفر في قلبه خمسةَ أسطر من النَّص: “هل تريدُ أن تُبطِل الوقيعةَ والنميمة؟ ضع باباً على فمك بنعمة الله، وتوجَّه بناظريك بعيداً، فلا ترى الأمور الباطلة”.

آه، حتماً أنه قد وجد الفرح في تلك الكنوز الآبائية. يا لَلفرح الحلو وغيرِ المنقطع الذي يَحلُّ على النفس. لن تستطيعَ آلافُ الأصوات وآلافُ الأنوار أن تَطغى على ولو نصف كلمة من… البارحة، مثلاً، عندما كان الطقسُ أكثر هدؤً، كان مأخوذاً كلّيّاً. تناول عشاءه في نصف الليل، وبعد قليل، تلا خدمة السحرية. صعد درجات قلايته، وكان على وشَك فتح الباب حين حاولت الريحُ سلبَه وشاحَه. فرفع يدَه اليمنى ليُمسكه، حينها سمع وقْعَ خطواتٍ مندفعةٍ على بُعدِ مئةِ قدمٍ من قُنّ الدجاج. تساءلَ: “هل هناك مِن حيوان يطارد الدجاج؟”  لكن، لم يكن هناك حيوانات متوحِّشة في تلك الناحية، فقد حرص الرئيسُ السابق للدير على إبعادها. في تلك الأثناء، أصبح وقْعُ الخطوات أعلى، ثم سُمع أحدُهم يصرخ: “النجدة… أيها الراهبُ افتح لي، النجدة”. ترك مقبض الباب واندفع إلى أسفل باتّجاه البوابة المصنوعة من خشب السَّرو حيث كان الزائرُ الغريب واقفاً يصرخ.

_ “مَن أنت، وماذا تريد؟”، سأل بهدوء.

“افتَحْ الباب! ارحمني، أنهم يطاردونني؛ يريدون قتلي. أنقذني، خَبِّئني، بحق أحبّائك”.

لماذا يُطاردونك؟”

“افتح لي وسوف أعترفُ لك”.

فتح الراهبُ قفلَ الباب، فبدأت بوابةُ السَّرو بالإنزلاق. في لحظة، كان الغريب قد اندفع داخلاً. كان غيرَ حليق ومُتَّسخاً وعاري الرأس، يحملُ هراوة، وفي جيب سرواله كان سكِّينٌ غليظٌ يلمعُ.

“خبِّئني، سوف يأتون سريعاً”، كان يصرخُ بألم.

“ماذا فعلْتَ أيها المسيحي؟ لماذا هم وراءك؟”

“لقد قتَلْتُ…”

أصبح وجهُه أصفراً. وَقَعَ الفانوسُ من يده، وفي الرياح القارسة تجمَّدَتْ العينان: “يا لَلرجل البائس… هل تغلَّبَ عليك الجحيمُ يا قايين؟”

“خبِّئني بلا تأخير. سوف يَصِلون في أية دقيقة…”

في تلك اللحظة سُمعَ صوتٌ آتٍ على مبعدة من المكان: “هلمَّ، إنه الطريقُ الوحيد، ليس مِن مكانٍ آخر يذهبُ إليه”. وقف مُتردِّداً، هادئاً كندى الصباح المتجمِّد. كانت يداه ترتجفان، والريحُ لتَوّها قد سلبَتْه وشاحَه. “لنذهبْ”، وشوشَتْ شفتاه.

“إلى أين؟”

“إلى القلاية الجانبية، إلى الأعلى جهة اليمين”.

سرعان ما أصبحا أمام الباب. كان على وشك أن يفقد توازُنَه ويهوي عندما كان يلتقطُ حجراً. لم تُستعملْ القلايةُ الجانبية منذ الخريف، وكان المقبضُ قد علاه الصَّدأ. لم يكد ينتهي من إقفال الباب وراءهما وإضاءة قنديل الزيت حتى وقع القاتلُ على رجليه راكعاً، وقد بدت نقطتان من الدم على قميصه. “ارحمني”، وبدأ ينتحب.

“ليرحمْكَ الله أيها الرجل البائس. من ناحيتي فإني في غاية الإشفاق عليك. ولكن، هل يعود الأمواتُ إلى الحياة… ابْكِ وتفجَّعْ. أُطلُبْ حنوَّ الله”.

كان الرجل، في ذلك الحين، يبكي بيأس.

“هل تتوب؟”

“لآلاف المرَّات. فليحمل عائلة المونديني اللوم فهم وعدوني بترتيب الأمر.

ارتعد رئيس الكهنة لتلك الكلمة. لكنه هدأ عندما فكر بالمطاردة التي حدثت. كان من المؤكد بأنهم، إذا ما ألقَوا القبضَ عليه في تلك الليلة، فسيقومون بإعدامه. تذكَّرَ لصَّ اليمين، وبدون أن يَنبُس بشَفَة، فتح الدُّرْجَ وتناول البطرشيل، ثم قبَّله ولبسه ورسم علامة الصليب قائلاً:

“إذاً، من أجل المال، أيها المثير للشفقة، وافقتَ على ارتكاب جريمة؟”

“أجل أيها الأب القديس، ولتحُلَّ اللَّعنةُ على ذلك اليوم الذي أعماني فيه رجلُ الستة أقدام لأفعل هذا. أه، يا لَوقاحتي وغبائي! من أجل أن يتم انتخابُ زعيماً في الجماعة دون الرجل الآخَر، يا لَلسيد المنكود الحظ سيغوروس… “.

كانت الأيدي تصطك. البطرشيل كمثل مخمل أسود غطى صورته الظلية. قنديل الزيت بدا كما لو أنّ الرياح استهلكته، عاصفة الشتاء … “أيّاً من خدّام سيغوروس قد قتَلْتَ؟”

“الخادم؟! أيها الأب القديس، لقد قتلتُ السيدَ كونستانتي نفسَه. لقد نصبتُ له كميناً وأرديتُه عند زاوية القلعة. تركتُه ميْتاً. تضرَّعْ إلى الله من أجل النفْس، من أجل النفس التي سوف أتخلَّى عنها”.

الزلازل تُلقي الذعر، البرقُ ينشر الرعب، النار المحيطةُ تُرهبُ القلوب وجيشان البحر يبلبل البحار، لكن كلمات قاتل تائبٍ يركع أمام البطرشيل تتجاوز كلَّ هذا، وتذوبُ في النحيب كما لو أنها تخرج من صدر أسد جبار طُعِن في الظّهر… “آه!”

“لماذا تنتحبُ يا أبت؟ أَشفق علي. هل كان السيدُ أحد أقربائك؟”.

“كان… كان أخي. أخي قسطنطين… قسطنطين… قسطنطين”.

انهمرت الدموعُ مباشرةً فوق رأس القاتل.

هل للدموع ثِقَل؟ إلا أنها كانت تنزل كالحجارة على رأسه المتأرجح في مهب الريح. وللتوّ سقط مرتطماً رأسُه بالأرض. كان يلثمُ نَعلَي الكاهن وهو يرتجف كالسمكة وعيناه تطفحان بالدموع.

“أنتَ… السيد… صاحب السمو… فخرُ البلاد؟ يا لَلمصيبة التي لا تُحتمَل قد حلَّتْ عليّ… اضربني… هنا، تناول السّكّين واقتُلني”.

فجأة حلَّ الصمت. صمْتٌ مُشبعٌ بالغموض والرهبة. تُرى مَن مِنَ الأرواح الملائكية كان يشاهد هذه الأحداثَ المأساوية؟

كان الكاهنُ مُحَمْلقاً في السماء والدموع من مقلتيه كالصخر تنهمرُ وتنهمر…

“ربي وإلهي… ربي وإلهي…”، كان يَهمس.

“اضربْني. اضربْني”، صرخ الزائرُ الغيرُ المتوقَّع.

كم من الوقت دامت هذه اللحظات المأساوية؟ لا أحد يَذكُرُ؛ وحدَه المصلوبُ يعرف.

“إنهَضْ”، قال أبُ الإعتراف، “أسمعُ أصواتاً وأحصنة”.

قفز الرجلُ ناهضاً كبقرة ذبحها الجزَّار.

“هل ستُسلمني؟”

“كلا”.

“وماذا قرَّرتَ بشأني؟”

“غادِرْ. اذهبْ إلى الجبال”.

“هل أستطيعُ؟”

“لا أدري. اذهب حيث ينير المصلوبُ لك الدربَ”.

“لكنهم… سيشاهدونني”.

“اذهب إلى الحظيرة. اختبىء في المرج. أو انحدِرْ في الجرف نحو الصخور الخضراء”.

كانت اللحظةُ حَرِجَة. كل ذلك حدث في غضون خمس أو ست دقائق؛ ربما في دقيقتين. في تلك الأثناء كانت أصواتُهم مسموعةً بوضوح: “الشقي! أين اختبأ؟ لن يستطيع الإفلات”، “سوف أقطع عنقه”، “لقد سَلَبَنا أنفاسَنا”.

كانت يداه ترتجفان. أعاد البطرشيلَ إلى الدُّرْج. إذا لم يمسحْ دموعَه فسيثيرُ الشكوك. “آه! لَمْ أَسقُطْ. أظنُّه قد تاب…” كانت شفتاه تهمسان. “على الأقل لن تتوه نفسُه…” لم يكدْ يُنهي تفَكُّرَه في تلك الأمور إلا وكانت عيونُ خمسةِ أشخاصٍ تحَدِّقُ به.

“هل مَرَّ أحدٌ من هنا أيها الشيخ؟”، سأله الأطولُ بينهم بصوت مرتفع.

“أجل”.

“وأين هو الآن؟”

“لقد غادر”.

“في أي اتّجاه؟”

“لم أنتبهْ”.

“وكيف ذلك؟”

“كنتُ قد بدأتُ بالتحضير لصلاتي المسائية. لم أنتبهْ. …ربما باتجاه الحقل”، وقام بحركة غامضة كما لو أنه يريهم أين.

“بسرعة، في هذا الاتّجاه”، صرخ الرجلُ الطويلُ. “لقد فهِمتُ، إنه يتَّجه     غَرباً”. وبلمح البصر غادر الخمسةُ قافزين كالبرق على أحصنتهم ومتوارين في الظلام. سرعان ما أصبح الصوتُ الوحيد الباقي هو عويلُ الريح…

بدأتْ أفكارٌ غريبةٌ تُعَذِّبُه. “إني أحتقرُه. لكنه…”، كان يبكي طالباً الصَّفحَ. “لكنني قدَّمتُ نُذوراً… كأسقف… اغفُرْ له… إذا سلَّمتَه إلى التنّين الأزلي… (أي إبليس)  لا… لا. امنحني القوة، يا إلهي، لكي أتخطّى هذه التجربة”.

وقف في الصقيع منتظراً إياه. لكن لم يظهرْ له أثَر. بدأ بصعود الدرَجات. إلى أين هو ذاهبٌ؟ إليها؛ إلى ملجأ الحزانى، أيقونة عذراء أنافونيتريا (منطقة في زاكنثوس). كانت مصابيحُ الزيت تنثُرُ أنوارَها الباهتة على أيقونات المسيح والعذراء والقديس يوحنا ورئيس الملائكة. انتصب أمام “الباب الملوكي”؛ ثم ركع وصار ينتحب. يُقالُ أنه، في مثل تلك الحالات المأساوية، يكون الوقتُ مُستبِدّاً قاسياً. مع ذلك، فإن الوقت اختفى في تلك الليلة. الثلجُ والريح والغيوم والنجوم؛ كل شيء انسحب تراجع، حتى نحن، لكي تستطيعَ الدموعُ الوصولَ إلى السماء. حل الفجرُ أخيراً، فرآه، عندها. كان مختبئاً في إحدى الزوايا، وقد كشفَتْ عيناه الضاريتان المعاناةَ والألمَ في نفسه.

“أنت قتلْتَ أَخي. لقد أصبحَتْ أُختي، الآن، وحيدةً وبلا حماية…”

“أنت قرِّرْ. ماذا تريدُني أن أفعل؟”

“غادِرْ”.

“ماذا..؟”

“أجل، اذهب. خد مركباً وغادر عن طريق البحر”.

“لماذا… لماذا لم تَقُم بتسليمي؟”

“لقد اعترفْتَ لي”.

“لم أفهم”.

“سوف تفهمُ لاحقاً. إن أبَ الاعتراف هو اللُّجَّةُ حيث يُدفَنُ فيها سرُّ الخطيئة. عندما تجد الملجأ، اطرحْ نفسك تائباً أمام قدمي المصلوب. اعمَلْ من أجله حتى الرَّمَق الأخير، وسلِّمْهُ نفسك بشُكر”.

“لقد فهمتُ. الآن…”.

يداه، أصابعُه، أصابعُه الملطَّخةُ بالجريمة كانت تفتِّشُ عن اليدين الأُخريين، تلك اليدان اللتان كثيراً ما كانتا، على المائدة المقدسة، تشابهان الجلجلة. حينها، ومن أعماق قلبه خرجت الصرخةُ كالرعد: “لستُ مستحقاً لهذا المعروف”.

 

هذه القصة تُرجِمت عن الكتاب اليوناني: “القديس ذيونيسيوس الذي لم يَبْلُ جسدُه” لسوتوس خوندروبّولو.

حول “حفظ الأرثوذكسية نقية”

حول “حفظ الأرثوذكسية نقية”

المتقدم في الكهنة ألكسندر شميمن

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

الإثنين، 17 كانون الأول، 1973

الثلاثاء الماضي، اجتمعت مجدداً مع الأب جورج غراب لمتابعة حوارنا حول الاتصالات بين الكنيسة الروسية الأرثوذكسية خارج روسيا والكنيسة الأرثوذكسية في أميركا. لقد قال: “هدفنا هو حفظ الأرثوذكسية نقية”. هنا يكمن الخلاف الأساسي. نقاوة الأرثوذكسية بالنسبة لهم هي “شكل أرثوذكسي للحياة”، لا أفكار، لا مشاكل. على العكس، إنهم يرفضونها عضوياً وينكرونها. إنهم مقتنعون بأن إنكار المشاكل عمل صائب، لأن كل مشكلة وكل فكرة هي تهديد لشكل الحياة الأرثوذكسية هذه، بينما أزمة المسيحية تكمن تحديداً في انهيار شكل الحياة الأرثوذكسي، الذي تجد المسيحية نفسها مربوطة به وخاضعة له. ليس السؤال ما إذا كان هذا الشكل جيداً أو سيئاً، قد يكون الإثنين معاً. السؤال هو ما إذا كان المرء يستطيع، أو ينبغي به، أن يثبت فيها كشيء لا غنى للمسيحية عنه، ولا للأرثوذكسية الحقيقية. إنهم يجيبون على هذا السؤال بـ”نعم” شاملة وغير مشروطة. من هنا يأتي خوفهم الغريزي من الأسرار (المناولة المتواترة وغيرها)، لأن الأسرار أخروية فلا تنطبق تماماً على الشكل الأرثوذكسي للحياة. من أجل الحفاظ على هذا الشكل الأرثوذكسي للحياة يَبقون بعيداً عن الثقافة واللاهوت، اللذين قد يثيران مشاكلاً وأسئلة وعمليات تفتيش وصراعات قد تهدد جمود شكل حياتهم. يقبل المدافعون عن هذا الشكل من الحياة الحضارةَ فقط عندما تصير بلا حراك فيعتبرونها غير مؤذية كجزء من شكل حياتهم، عندما يعرفون ما ينبغي على المرء أن يرى في هذه الحضارة أو بالأحرى ألا يرى. هؤلاء الأشخاص، إذ تخنقهم القيود التي اختاروها، هم عاجزون تماماً عن قبول أو محاولة فهم أي إبداع. المسيحية والأرثوذكسية جيدتان ومقبولتان لأنهما قديمتين، لأنهما من الماضي، لأنهما جوهر “الشكل الأرثوذكسي للحياة” وتصديقه. لهذا، إنهم ببساطة لا يقبلون أي كلمات، أي عمل إبداعي، حتى الأصيل والحقيقي، لأنها بلا “شكل مقدس” معروف. إنهم يشعرون بأنهم مهددون وفي خطر وبأن بعض الأسس الرئيسية قد اهتزّت. إن ثمار هذا النوع من الفكر هي الخوف، ضيق الأفق، والعجز الكامل عن تمييز الأرواح.

المسيحية بشكل عام، والأرثوذكسية خاصة، تمران اليوم بامتحان حقيقي لتحديد ما الذي يؤهلهما للبقاء على قيد الحياة في عالم اليوم. المدافعون عن الشكل الأرثوذكسي للحياة يعبّرون عن جواب واحد واضح وعميق فيما يحددونه. لكن لا يوجد جواب شامل وواضح من أي طرف آخر إلا الاختزالات، كمثل العودة إلى “بيزنطية”، أو الفردانية الروحية، أو قراءة النساك، أو الهروب من الواقع. أتردد في تقديم شعوري، الذي يبدو متعالياً، بأنه ليس هناك جواب. في كل ما أعظ أو أعلّم أو أكتب، أريد أن يظهر هذا الجواب، على أمل أن يسطع لامعاً عبرها. لكن هذا الجواب لا يمكن حشره في أي نظام أو أي وصفة أو أي شكل حياة محدد. لا يخرج من هذا الجواب أي قانون. إنه مجرد رؤية للحياة وما يأتي من هذه الرؤية هو النور، الشفافية، إحالة كل شيء إلى “الآخر”، الوجه الأخروي للحياة بحد ذاتها وكل ما تتضمنّه. مصدر هذا النور الأخروي، رفع الحياة بمجملها، هو سر الإفخارستيا. خطأ المدافعين عن شكل للحياة، ملموس وواضح التحديد، هو عدم إعطاء أهمية كبيرة لأشكال الحياة الخارجية. بهذا، هم على حق في مواجهة كل أصحاب الروحانية الزائفة، سواء الدينية أو الحضارية، المهووسين بفكرة الانفصال عن كل الأشكال أو إبادتها. هذا لا يعني أن المسيحية تقودنا إلى شيء من “الغيبية”. إنه يعني أن صورة هذا العالم في المسيح ومن خلال المسيح تصير عابرة، ديناميكية، منفتحة وذات اليد الطولى.

لفهم الرسول بولس حين بقول: “لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ”، ولجعل هذا القول حقيقياً، نحتاج في هذا العالم إلى خبرة العالم الآخر وجماله وعمقه وغناه، خبرة ملكوت الله وسرّه: الإفخارستيا. لقد تأسست الكنيسة في هذا العالم للاحتفال بالإفخارستيا، لإنقاذ الإنسان باستعادة كائنه الإفخارستي. الإفخارستيا مستحيلة من غير الكنيسة، أي من دون جماعة تعرف وجهها الفريد ودعوتها، محبة وحقاً وإيماناً ورسالة، التي تتحقق في الإفخارستيا، أي ببساطة في أن تكون جسد المسيح. الإفخارستيا تعلن الكنيسة كجماعة محبة للمسيح وفي المسيح، كرسالة لتحويل كل واحد والكل إلى المسيح. ليس للكنيسة هدف آخر، لا حياة “متدينة” منفصلة عن العالم وإلا تصير الكنيسة صنماً. الكنيسة هي البيت الذي يتركه كل منا ليذهب إلى العمل ويعود إليه بفرح ليجد الحياة والسعادة والفرح، وإليه يجلب كل واحد ثمار عمله، وفيه يتحول كل شيء إلى عيد وحرية وتحقيق. إن وجود هذا البيت وخبرته هي خارج الزمن من قبل، غير متغيّرة، مفعمة بالأبدية، كاشفة لها. وحده هذا الوجود يعطي معنى وقيمة لكل شيء في الحياة، ويوجّه كل شيء نحو تلك الخبرة ويحققها. “إنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ”ولكن فقط بزواله يصير العالم “عالماً”: عطيةً من الله وسعادة تأتي من الشركة مع المحتوى والشكل، هيئة هذا “العالم”.

 

From Juliana Schmemann, tr., The Journals of Father Alexander Schmemann 1973-1983 (St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, NY: 2000), pages 23-25.

 

المسيحيّ يهتمّ بالتوبة لا بالندم

المسيحيّ يهتمّ بالتوبة لا بالندم *

الخورية قسطنطينا بالمر

إعداد راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطّع – دده، الكورة

 

كنّا نعمل جنبًا إلى جنب مع الراهب الأعمى إيسيذوروس من دير فيلوثيو في جبل آثوس عندما بدأت محادثة بينه وبين بعض الحاضرين، فسأله أحدهم:

– أبتِ، ما هو الفرق بين التوبة والندم؟

– الندم؟!! نحن لا نهتمّ بالندم البتّة. المسيحيّ الحقيقيّ يهتمّ بالتوبة فقط. انسوا الندم. نعم، المسيحيّ يهتمّ بالتوبة لا بالندم.

– ولكن، كيف يمكننا أن نميّز بين الإثنين؟!

– الندم هو، تقريبًا، شعور بالقنوط، يشعر به المرء عندما يفكّر بأمر أو عمل سيّئ قام به، أو لم يقم به. أقول “تقريبًا”، لأنّ الندم، في بداية الأمر، قد لا يملأ العقل بالقنوط، لا بل يشبه كثيرًا التوبة ومراجعة الذات ومحاسبتها، وهنا أرجو أن تنتبهوا إلى كلمة: “في بداية الأمر”. ولكن، يمكن للمرء معرفة الفرق بين التوبة والندم من خلال الثمار الناتجة عن كلّ منهما.

الندم هو رجل عمره ستّون عامًا، ينظر إلى حياته السابقة، ويرى كلّ الأخطاء التي اقترفها، وجميع الحوادث المزعجة التي صادفته، والأشياء التي يودّ تغييرها، والتي يقول إنّه سيحاول التعويض عنها في الوقت الحاضر، ولكنّ هذا التفكير يكون مليئًا بالحزن واليأس.

أمّا التوبة، فهي رجل عمره ستّون عامًا، أيضًا، وينظر إلى حياته السابقة، ويرى كلّ الأخطاء وجميع الحوادث المزعجة التي يودّ تغييرها، كسابقه تمامًا، ولكنّه يختلف عنه كونه لديه القبول والقدرة على تغيير المستقبل، ولذلك لا يطرق بابه اليأس البتّة.

التوبة هي الدموع المنسكبة، والتنهّدات المصعَّدة، والنوح على أخطائنا، على الأمور التي لم يكن من اللاّئق فعلها، وعلى الأمور التي كان يجب فعلها ولم نحقّقها، ويرافق ذلك قبول رصين وجادّ بأنّنا قد أخطأنا فعلاً، وأنّنا نحن المسؤولين عن أخطائنا هذه، وأنّنا، لو لم يتداركنا الله في غزير رحمته، لكنّا استمررنا في ارتكابها نظرًا لضعفنا وهشاشتنا.

الندم هو فكر يقول لك: “أنا أفضل من ذلك، ولكنّي، في جهل منّي، ارتكبت الحماقات”. فيما تقول لك التوبة: “أنا ضعيف، لكنّ الله قويّ”. الندم يختلط بالكبرياء، بينما تنتج التوبة من التواضع. الندم مغلَّف بالغرور، ولكنّ التوبة انسحاق، دائم، أمام الله. الندم يخلو من الأمل، ولا ينتج منه أيّ تغيير إيجابيّ مستمرّ، أمّا التوبة، فمملوءة من الرجاء، لأنّها على يقين أنّه مع الله كلّ شيء ممكن. الندم من الأرض، والتوبة من السماء.

الندم ينظر إلى الوراء، يتوق بحنين “مريض” لتصحيح الماضي، أمّا التوبة، فهي تطلّع، دائم، إلى الأمام، تنظر نظرة عابرة إلى الوراء لتذكّر النفس، فقط، أنّ الطريق مقطوعة بينها وبين الماضي كونه لا يصل بها إلى الوجهة المطلوبة. الندم يشلّ، والتوبة تحرّر.

ما هي ثمار الندم؟ الندم. وما هي ثمار التوبة؟ التغيير. الندم يملأ المسيحيّ بالحزن، والتوبة تملأ المسيحيّ بالتواضع والثقة بأنّ رحمة المسيح تشفي جراح الماضي، تملأ المسيحيّ بالرجاء من أنّ نعمة المسيح سوف تُخرج الخيرَ من الشرّ.

ويخبرنا القدّيس بطرس الدمشقيّ قائلاً: “من الممكن، دائمًا، البدء من جديد بواسطة التوبة. تسقط، يقول لك الكتاب “قم” (أم 16:24). وإذا وقعت مرّة أخرى، قم مرّة أخرى من دون أن تيأس، أبدًا، من خلاصك بغضّ النظر عمّا يحدث لك. على العكس من ذلك، ضع رجاءك كلّه على الذي قادر أن يخلّصك، وسوف يفعل معك أحد الأمرين: إمّا ينقذك من خلال التجارب، والتي وحده يعرف مدّتها وثقلها، وعندئذ، يجدّدك وينهضك. أو إنّه يقبل تحمّلك وصبرك وتواضعك ورجاءك، وسوف يتصرّف بمحبّة نحوك بطريقة لا تستطيع إدراكها، وهكذا يخلّص نفسك المكبَّلة. المطلوب منك، إذًا، ألاّ تتخلّى، البتّة، عن طبيبك، وإلاّ ستعاني، من دون وعي، الموت المضاعف سواء كان في هذه الحياة أو في الآتية (الفائدة الكبيرة من التوبة الحقيقيّة: الفيلوكاليا، المجلّد الثالث. الصفحة 170).

لذلك، دعونا نهتمّ لكلمات الراهب إيسذوروس، ولننسَ الندم ونتشبّث بالتوبة، رجاء المسيحيّين.

* عن موقع: http:// blog. Myocn. Com

الحفاظ على وجوهنا في عالم الفايسبوك

الحفاظ على وجوهنا في عالم الفايسبوك

الأب لورنس فارلي

نقلتها إلى العربية جولي عطية

نعيش حاليًّا في عالم الفايسبوك، أي في عالم يمتاز بوجود ما يعرف بـ “وسائل التواصل الاجتماعي”. كتب الكثيرون عن هذه الظاهرة الثورية، فبينما أشاد بها البعض، رثاها البعض الآخر، لكن يبدو أنّها وُجدت لتستمرّ. يتمّ معظم تواصلنا، أكان لأهداف جيّدة أم سيّئة، عبر فايسبوك وتويتر والرسائل القصيرة والالكترونية وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي. إنّني لست أهدف، عبر مناقشتي لهذه الظاهرة، إلى شجبها، ولا أنا أقترح أن يتمّ تعديل خدمة المعمودية، فيُطلب من المتقدّم إلى المعمودية “رفض الشيطان وجميع أعماله وملائكته وخدّامه وكبريائه وفايسبوك”. للتواصل الاجتماعي فوائده واستعمالاته، إنه يسمح لنا بالتكلّم مع أشخاص بعيدين في المسافة، وذلك بتواتر أكثر منه عند كتابة رسائل وإرسالها، إذا كانت هذه هي وسيلتنا الوحيدة للاتصال. أنا أمتلك حسابًا على الفايسبوك، وأستمتع بقراءة ما يريد آخرون بعيدون قوله ومشاركته. إلاّ أنّه يوجد خسائر في عالم الفايسبوك كما يوجد مكاسب.

تكمن إحدى هذه الخسائر في تغييرنا لمفهوم “التواصل”. هل يتذكّر أحدٌ الإعلان القديم “تواصل واتّصل بأحدهم”؟ في العام 1979، بثّت أنظمة بيل (Bell Systems) إعلانًا تلفزيونيًّا يُظهر أشخاصًا يهنّئون ويحضنون بعضهم البعض، مع شعار ختامي: “تواصل واتّصل بأحدهم – هاتِفْه”  (Reach out and touch someone – give ‘em a call). تضمّنت هذه النصيحة سخرية غير مقصودة، إذ إنّ الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الشخص فعله عبر الهاتف هو أن يتواصل حسّيًّا مع أحدهم وأن يلمسه. لا يمكن التعبير عن التواصل الشخصي والمحبة والألفة المذكورين في الإعلان عبر اتصال هاتفي. كان ذلك حسنًا في عصر ما قبل السكايب، حين كانت الهواتف تؤمّن أقرب ما يمكن للتواصل الحي، لكنّ الرابط الشخصي كان قد فُقد.

تستمرّ هذه الخسارة وتتعزّز في عالم الفايسبوك. فعبر الهاتف، نستطيع على الأقلّ أن نسمع مختلف النبرات الصوتية، حتّى وإن لم نر لغة الجسد، لكنّنا نفقد ذلك عند استعمال الفايسبوك والتويتر والبريد الالكتروني والرسائل القصيرة. أحيانًا (في غياب الرموز التعبيرية – (Emoticons،  يكون من الصعب تحديد إذا ما كان الشخص ساخرًا أو جديًّا. يقول البعض إنّ لغة الجسد تشكّل جزءًا كبيرًا من التواصل الإنساني، لذلك فإنّ وجود الكلمات مكتوبة على شاشة يزيل معظم تواصلنا، وبالرغم من ذلك فإنّ طريقة التواصل هذه باتت تعتبر “طبيعيّة” بشكل متزايد.

بالإضافة إلى ذلك، هناك خسائر أخرى وتحديات في عالم الفايسبوك. بالتأكيد، لا يمكن أن أكون أوّل من لاحظ أنّ الناس يعبّرون بحريّة، عبر الفايسبوك أو البريد الالكتروني، عن أشياء ما كانوا يحلمون بقولها للآخر وجهًا لوجه. عادةً ما يشكّل حضور الآخرين عائقًا في حواراتنا الشخصية. لكن عندما لا يكون شخصٌ في حضرة آخر، إنّما يجلس بعيدًا براحة وسرية، ولا ينظر مباشرة في وجه الآخر بل في شاشة الكومبيوتر أو لوحة المفاتيح، يسمح أحيانًا لنفسه بالتكلّم بفظاظة مرعبة. وكأنّما لكلّ تقنية حديثة وجه مظلم عاجلاً ما نكتشفه – نخترع الطاقة الذريّة فنستخدمها في صنع القنابل، نجد وسائل لمشاركة الكلام عن بعد فنهين بعضنا البعض، مستعملين الأحرف الكبيرة (capitals) للصراخ. نتخلّى عن اللطف (أو “المحبة” كما وردت في الكتاب) وعن الضوابط عندما نكون على مسافة آمنة. أمّا عندما يكتب أحدهم كلماته بلطافة، فإنّه يبقي درجة معيّنة من الإغفال (anonymity). في الواقع، بعض الناس لا يستعملون صورتهم على الفايسبوك بل يستبدلونها بصورة أخرى. إنّنا لا نعكس ذاتنا الحقيقية عند استعمالنا لوسيلة اتصال بعيدة المدى كهذه، بل نُظهر شخصية افتراضية واضعين قناعًا. إنّ الأمان الذي نشعر به عند اختبائنا وراء القناع هو الذي يعطينا الشجاعة للتكلّم أحيانًا بوقاحة. (أحيانًا، كما تشهد الشرطة، يستعمل الناس الصفة المجهولة لأهداف أكثر شرًّا.) في الوقت الذي يزداد فيه اعتماد ثقافتنا على هذا النوع من التواصل، أعدنا تعريف “التواصل الطبيعي”. لقد اعتدنا الأقنعة التي نضعها عند استعمال لوحة المفاتيح، وضمُرَت مهارة كشف الذات بين الناس.

الحقيقة هي أنّ التواصل الحقيقي والتبادل الأصيل للأفكار مع الآخر دائمًا ما يشترط اللقاء وجهًا لوجه – ولهذا السبب نجد الناس يتعانقون في المطار بعد انفصالهم لمدّة من الوقت. ألم يبقَ هؤلاء الناس، المرحِّبون بعضهم ببعض في المطار، على اتصال عبر الفايسبوك خلال غيابهم؟ ألم يتهاتفوا؟ ألم يتبادلوا الرسائل الالكترونية؟ أنا متأكد من أنّهم فعلوا ذلك- لكنّ عناقاتهم الحارّة تُظهر أنّ تلك الوسائل لا تحلّ مكان الحضور الجسدي. نحن لا نحتاج فقط إلى قراءة كلمات الآخرين بل إلى أن نرى وجوههم وندعهم ينظرون في وجوهنا. في الواقع، كلمة “حضور” في اللغتين العبرية واليونانية هي ذاتها كلمة “وجه” (في العبريةpanim  وفي اليونانية prosopon). لذلك فكلّ الأسرار في الكنيسة تتطلّب حضورًا جسديًّا، ولا يستطيع الشخص أن يعتمد أو أن يشترك في المناولة المقدّسة أو أن يُمسح بالزيت على الانترنت. عبارة “cyber-sacrament” التي تعني السرّ عبر الانترنت تحمل تناقضًا في معناها. إنّ تلقّي ملء الحياة المعطاة في الأسرار المقدّسة يتطلّب حضورًا جسديًّا. لذلك، منذ أيام الرسل، تضمّن كلّ احتفال بسرّ الشكر تبادلاً لقبلة السلام: ليتورجيًّا، تدعونا الكنيسة في كلّ أسبوع إلى أن نتواصل مع الآخر. الاجتماع الليتورجي يعني حرفيًّا التقاء الجماعة في الجسد.

في الواقع، وضع الله في عمق قلب الانسان جوعًا للتواصل مع الآخر والالتقاء شخصيًّا به. نشتاق لرؤية الآخرين، لأن ننظر في عيونهم (التي غالبًا ما يدعونها “نافذة الروح”)، وأن ندعهم ينظرون في عيوننا. لقد صُمّمنا لنعمل على علاقات المحبة تمامًا كما صُمّمت السيارات لتعمل على البنزين، ونعاني إذا حُرمنا من التفاعلات الانسانية الحقيقية. وبالرغم من كل هذا، فإننا نعيش في عالم يخلو على نحو متزايد من هذه التفاعلات. نمضي وقتًا كبيرًا في عزلة عن الآخرين، وغالبًا ما لا نعرف أسماء جيراننا القاطنين بجانبنا في الشارع ذاته. نعمل في غرف صغيرة، نقود السيارة بمفردنا إلى العمل، ونمضي أوقات فراغنا في لعب ألعاب الفيديو أو الكتابة أمام شاشة الكومبيوتر. أصبح نادرًا الاجتماع حول عشاء عائلي، حتى أنّ البعض يرسلون رسائل قصيرة لأصدقائهم أثناء تناول الطعام. نتواصل إمّا عبر الهاتف أو الرسائل القصيرة أو البريد الالكتروني أو الفايسبوك. باتت اللقاءات الحقيقية والمحيية نادرة – بعض الشباب يختارون، كوسيلة مفضّلة للتواصل، أن يرسلوا الرسائل القصيرة بدلاً من اللقاء الشخصي. إنّنا بالكاد نتواصل مع الآخر في عالم الفايسبوك، لقد أصبح ذلك غير ضروري.

قد يسأل البعض: ما الخطأ في ذلك؟ ما الضرر إن فضّل الشباب الرسائل القصيرة على اللقاء؟ الضرر هو فقط التالي: هناك خطر في رفض العيش بالطريقة التي صُمّمنا بها. لقد صُمّمنا للنموّ عبر الاحتكاك الانساني الشخصي، وما يزال قلب الانسان وروحه يتوقان لذلك. إذا لم يُشبع هذا التوق من خلال اللقاءات البشرية الصحيحة، سيبحث عن إرضاء عبر وسائل أقلّ صحة، تمامًا كما في حالة الانسان الجائع بشدّة، الذي باستطاعته أكل أيّ شيء. إذًا إن لم يشبع قلب الانسان من اللقاءات الحقيقية، سيحاول الاغتذاء من شيء آخر وسيمسي سريع التأثر بالبروباغندا والأكاذيب والعبادات وأشياء أخرى مظلمة. إن رفضنا اللقاءات الأصيلة، سنجد أنفسنا أقلّ مقاومة للقاءات الزائفة. هذا لا يعني أنّه إذا أمضت فتاة مراهقة وقتها في إرسال الرسائل القصيرة، سوف تقع ضحية لعبادة ما خلال فترة ثلاثة أسابيع. لكن إذا استمرّت ثقافتنا باستبدال ما هو أصيل بما هو غير أصيل، سترفض مكوّنًا أساسيًّا في الصحة الروحية – وإن لم تستردّ هذا المكوّن، سيحدث الانهيار في الصحة الثقافية قريبًا. ليس لديّ أيّ شكّ في أنّه حين حصول هذا الانهيار، سينشئ أحدهم صفحة على الفايسبوك تتكلّم عن هذا الموضوع.

التـّحدّي الكبير!

التـّحدّي الكبير!

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في القسم الأوّل من إنجيل اليوم، يصف الرّبّ الإله ملكوت السّموات. ملكوت السّموات لا مثيل له، على الأرض. لذلك، الكلام عليه يكون تشبيهًا. نقول: “يشبه ملكوت السّموات”. إنّه ملكوت روحيّ، هو عالم الله، بكلّ أبعاده. لهذا السّبب، نحتاج، فقط، إلى أن نكوِّن فكرة عن الملكوت، من خلال ما نحيا فيه، من خلال عالمنا. طبعًا، بين عالمنا وعالم الله هناك شيء من الشـّبه. لكن، لا مجال للتّماثل بين ما هو هنا وما هو هناك، ما ينتمي إلى هذا الدّهر وما ينتمي إلى الدّهر الآتي.

أوّلاً، يقول الرّبّ الإله إنّ ملكوت السّموات يشبه “حبّة خردل، أخذها إنسان، وألقاها في بستانه؛ فنمت، وصارت شجرة عظيمة، واستظلّت طيور السّماء في أغصانها”. حبّة الخردل حبّة صغيرة جدًّا، يكاد الإنسان، بسهولة، أن يهملها. لكنّ ملكوت السّموات كامن فيها. هذا، طبعًا، يعلّمنا أن نتعاطى الإلهيّات بدقّة متناهية. لا يمكننا، في مجال الإلهيّات، أن نهتمّ بالكبائر، ونتغاضى عن الصّغائر. علينا أن نهتمّ بكلّ تفصيل. في الوصيّة أمور وأمور، وعلينا أن نكون أمناء في التّفاصيل. على سبيل المثال، إذا قالت الوصيّة أن يُصلّى في كلّ حين، فهذا معناه أنّ علينا اللَّهَجَ بالله في كلّ حين. والإنسان المأخوذ بالله هو الّذي يلهج به. إذا أُخذ الإنسان بأمر من الأمور، فإنّه يبقى في ذهنه، في دخوله وخروجه، في ذهابه وإيابه؛ لأنّ قلبه يكون متّجِهًا إليه. فإذا كانت الصّلاة المتواصلة هي المطلَب، فهذا معناه أنّ علينا أن نتّجه، كيانيًّا، صوب الله، في كلّ حين، وفي كلّ ما نفعل، وفي كلّ ما نفكّر. الرّبّ الإله يكون هو قطبَ الاهتمام، وهو المحورَ الّذي ندور في فلكه، كما تدور النّجوم في النّظام الشـّمسيّ. لا يليق بالإنسان المؤمن، والحال هذه، أن يقوم بأيّ عمل، أو أن يفكّر بمعزل عمّا هو لله. كلّ شيء ينبغي أن يكون مشدودًا إلى الله، كما تكون النّجوم مشدودة إلى الشـّمس. طبعًا، هذا يستلزم، من قبلنا، في بداية الأمر، جهدًا ليس بقليل. لا شكّ في أنّ الأطفال، الّذين ينشأون في مناخ إيمانيّ صالح، يمكنهم أن ينشدّوا إلى ربّهم بسهولة أكبر؛ لأنّهم اعتادوا تعاطيَ الإلهيّات منذ نعومة أظفارهم. أمّا الكبار، الّذين لم يتسنَّ لهم أن ينعموا بمثل هذا الامتياز؛ ففرصتهم ليست غيرَ متوفِّرة. لكن، عليهم أن يبذلوا جهدهم. بالجهد، وغصب النّفس، وبنعمة الله، نجد أنفسنا، من حيث ندري ولا ندري، أنّنا ننشدّ إلى فوق؛ وأنّ الرّبّ الإله يصير، فعلاً، محور حياتنا؛ فندور، إذ ذاك، في فلكه. من دون تعب يوميّ، يستحيل علينا أن نقتني هذه العلاقةَ مع الله؛ وأن نقتني الصّلاةَ، والصّيامَ، وذكرَ الله، وحبَّ كلمة الله؛ وأن نلهج، على مثال مرنِّم المزامير، في المزمور المئة والثّامن عشر، بأحكام الله بشكل متواصل. إذًا، لا بدّ من الجهد والتّعب. وليكن معلومًا عندنا أن ليس شيء، على الإطلاق، مهمًّا، في حياتنا، سوى الله. كلّ شيء ليس من الله ولا مشدودًا إليه لا قيمة له، على الإطلاق. الله هو الّذي يعطي كلّ شيء قيمة. لذلك، نحن لا نعيش، في الحقيقة، بالخبز وحده، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله. الموضوع، دائمًا، هو موضوع بَرَكَة. نحن، اليوم، في العالم، عندنا خيرات كثيرة، ربّما لم ينعم بها العالم القديم، في وقت من الأوقات، كما ننعم نحن بها. ومع ذلك، الإنسان، اليوم، يعاني جوعًا كيانيًّا رهيبًا! لماذا؟! لأنّه يعيش، في الحقيقة، خارج حدود البَرَكة الإلهيّة، الّتي تجعل القليل يكثر، وتجعل الإنسان مكتفيًا وفي الشـّبع، سواء أقليلاً كان ما له أم كثيرًا! إذًا، الله هو الّذي يجعل لكلّ شيء، في حياتنا، قيمة. إذا كنّا نلبس، فنحن نلبس ما يرضي الله؛ وإذا كنّا نأكل، فإنّنا نأكل وَفقًا لِما تُعَلِّمُنا إيّاه وصيّة الله. في العهد القديم، قيل شيء مروِّع! قيل: “إن كنتَ شَرِهًا، فَضَعْ سكّينًا على حنجرتك” (أم23: 2)! إذًا، علينا أن نبتعد، في كلّ حال، عمّا لا يرضى عنه الله. وإذا كنّا نريد أن نشرب، فنحن نشرب بشكران لله، بتسبيح لله. نحن عندنا، في اللّغة العربيّة، هذا الاتّجاه، أنّنا، نذكر الله في كلّ حين، إذ نقول: “الحمد لله”، “الشـّكر لله”، “المجد لله”… هذا شيء عظيم جدًّا، ومن طبيعة علاقة الإنسان العميقة بالله! الإنسان الّذي يلهج بالله، بشكل دائم، يصير اللهُ إليه هو القاعدةَ والمحورَ. لكنّ هذا نحن نحتاج إلى أن نعمل من أجله بتعب، مهما كلّفنا؛ لأنّه هو القيمة، في الحقيقة! على الإنسان، في نهاية المطاف، أن يعمل، في حياته، من أجل ما له قيمة. إذا كنتم تعلمون، مثلاً، أنّ هناك شيئًا لا قيمة له، فإنّكم لا تتّخذونه، بل تُلقونه بعيدًا عنكم. فليكن، إذًا، معلومًا، عند كلّ واحد منّا، أنّ الله، والله وحده، هو القيمة، وهو الّذي يعطي كلّ شيء قيمة. هذه هي حبّة الخردل، الّتي تكمن فيها كلُّ مقوّمات ملكوت السّموات، أي كلُّ عالم الله. هذه الحبّة نتعاطاها بالكثير من الدّقّة والحـِرص، سواء أوصيّةً كانت، أم صلاةً، أم ممارَسةً من ممارساتنا اللّيتورجيّة. المهمّ، في كلّ حال، أن يكون كلّ ما يختصّ بالله، مهما كان طفيفًا، حائزًا على كلّ اهتمامنا من أعماق القلب. إذا ما تعاطينا حبّة الخردل على هذا النّحو، فإنّها تصير شجرة عظيمة؛ أي إنّ ملكوت السّموات كلّه، إذ ذاك، يقيم فينا! نصير هيكلاً لروح الرّبّ! ملكوت السّموات ليس موجودًا في مكان ما؛ بل هو واقع روحيّ، يقتنيه كلّ مَن يسلك في الوصيّة الإلهيّة، في الهاجس الإلهيّ! وفي آن معًا، هذا الّذي نقتنيه ويصير فينا شجرة عظيمة، بإمكاننا، بسهولة قصوى، أن نفقده في لحظة واحدة، بكلمة واحدة، بفكر واحد يقعد في أذهاننا ونتبنّاه! ملكوت السّموات، إذ ذاك، يذهب، يرتحل! لهذا السّبب، كان علينا، في آن، أن نحرص على إتمام كلّ تفصيل من تفاصيل الوصيّة الإلهيّة، وأن نبتعد عن كلّ تفصيل ليس الله فيه، ولا يرضى عنه.

ثمّ يعطي الرّبّ الإله تشبيهًا آخر لملكوت السّموات. يقول إنّ ملكوت الله “يشبه خميرة أخذتها امرأة، وخبّأتها في ثلاثة أكيال دقيق، حتّى اختمر الجميع”. ملكوت السّموات خميرة! والخميرة، دائمًا، مخفيّة، لا نراها؛ لكن، تفعل فيها قوّةُ تحويل العجين في اتّجاه أو في آخر! يمكن أن تُفسد العجين، ويمكن أن تتسبّب بتخميره. والخميرة، في الحياة الرّوحيّة، هي النّيّة الصّالحة. الرّبّ يسوع حذّر تلاميذه من خمير الفرّيسيّين، الّذي هو الرّياء! نحن علينا أن نحرص على إتمام كلّ عمل بنيّة صالحة. النّيّة الصّالحة، في الحقيقة، هي الّتي تجعل كلّ عمل صالحًا ومقبولاً لدى الله. قد نتمّم هذا العمل، وقد لا نتمّمه. لذلك، يمكننا أن نقول إنّ العمل، في الدّرجة الأولى، هو بالنّيّات: إذا كانت نيّة القلب قويمة، فإنّ الرّبّ الإله يحسب لنا حتّى ما نكون قد قصّرنا في إتمامه، عن عجز، طبعًا. إذًا، علينا أن ننقّي نوايانا، في كلّ حين، من كلّ زغل. لا يحقّ لنا، أبدًا، أن نسيء النّيّة في إنسان. نحن نحتاج إلى أن نتعاطى كلّ علاقة بنيّة طيّبة. إذا كنتم تتعاملون مع إنسان، مثلاً، فيمكنكم، بسهولة، أن تقولوا إنّ هذا الإنسان غير مستقيم، أو نظرته فاسدة، أو يطلب مكسبًا، أو مجدًا، أو يتودّد إليكم لنيّة غير نقيّة في نفسه… إذا ما نحن فعلنا ذلك؛ فإنّنا، في الحقيقة، نسيء إلى الآخرين. لكنّنا، في الدّرجة الأولى، نسيء إلى أنفسنا! الإنسان الّذي يريد أن يتعاطى الخميرة الصّالحة، أي النّيّة الصالحة، لا يدين أحدًا، على الإطلاق. حتّى إذا عاين إنسانًا في الخطيئة، فإنّه لا يدينه، بل يطلب إلى الرّبّ الإله أن يعين هذا الإنسان على الشـّرّير، الّذي يحاول أن يُسقطه في الخطيئة واليأس. غير مسموح لنا، وغير لائق بنا أن نتعاطى التّعامل مع النّاس بنيّة غير نقيّة. النّاس يحتاجون إلى رحمة. الرّبّ الإله قال ذلك: “أريد رحمة لا ذبيحة” (متّى9: 13). برحمتنا للنّاس، نبثّ فيهم نعمةً من عند الله، يمكن أن تساعدهم على إصلاح حالهم. ليس أحد منّا مقطوعًا عن الآخرين. كلّنا مرتبطون أحدنا بالآخر. إذا ظننّا بالآخرين سوءًا، فإنّنا نبثّ السّوء في حياتهم؛ ومن ثمّ، نُعثر مسيرتهم، ونعين الشـّرّير عليهم بنوايانا غير النّقيّة! وعلى العكس، إذا كانت نوايانا سليمة قويمة، فإنّنا نبثّ نعمة إلهيّة تساعد الآخرين، وتعينهم. والرّبّ الإله، في الحقيقة، في يوم الدّينونة، سوف يطالبنا بأمور لم تكن لتخطر في بالنا! سوف يطالبنا حتّى بالنّوايا غير النّقيّة، الّتي كَنَنّاها في أنفسنا، في حقّ الآخرين؛ لأنّ هذه فعلت فيهم سلبًا، وأساءت إليهم، من حيث لا ندري، وجعلتنا بشرًا يهتمّون بظواهر الأمور، فيما بواطن الأمور هي الأهمّ! لذلك، مهمّ جدًّا أن ينقّي كلّ واحد منّا خميرة نفسه، أن ينقّي قلبه، أن ينقّي نيّته؛ لأنّ هذا الأمر يساعد في كلّ شيء. النّيّة الطّيّبة تجعل الطّبيعة تصطلح، والأزاهير تتفتّح بشكل أفضل، وحياة الآخرين موسومةً بالفرح، من حيث لا يدرون! هذا كلّه نحن نبثّه فيهم. ألا ترون، مثلاً، أنّ إنسانًا مُحبًّا لله، شفّافًا، صاحب نيّة صالحة، إذا وُجِد في مجموعة تعاني صعوبات؛ فإنّ الكثيرين منهم يتغيّرون، ويفرحون بحضوره، ويستفيدون من وجوده، ويتّخذون ممّا يبثّه الكثير، وأحوال العديدين منهم تتغيّر؟! هذا لأنّ نيّة القلب تغيّر العالم. نوايانا تغيّر العالم! إذا كانت نوايانا شرّيرة، فإنّنا نُغرق العالم في السّوء؛ وإذا كانت نوايانا نقيّة، فإنّنا نُغرق العالم في نعمة الله! لذا، يا إخوة، ملكوت السّموات كامن في نيّة القلب. هذا نبثّه في الآخرين، ونحيا فيه، في آن معًا.

هاتان هما الصّورتان اللّتان يعطينا إيّاهما الرّبّ الإله عن ملكوت السّموات. وأكتفي، بالنّسبة إلى القسم الثّاني من إنجيل اليوم، بمطلعه الّذي يقول إنّ واحدًا، كان حاضرًا، سأل الرّبّ الإله: “هل الّذين يخلصون قليلون؟! فقال لهم: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيّق، فإنّي أقول لكم إنّ كثيرين سيطلبون أن يدخلوا، فلا يقدرون”. السّؤال واضح، وكلّ إنسان منّا يسأله. لكنّ الرّبّ الإله، في الحقيقة، لا يجيب عن السّؤال، بل يعطي جوابًا عن سؤال آخر، كان يجب على الإنسان أن يطرحه على نفسه، وهو: “ماذا أعمل حتّى أخلص؟!”. هذا هو السّؤال الّذي ينبغي أن يطرحه كلّ واحد منّا على نفسه! أمّا السّؤال الّذي سُئل، فإنّه سؤال معلوماتيّ! وما شأنك أنت، إذا كان الّذين يخلصون قليلين أو كثيرين؟! ماذا ينفعك هذا الأمر؟! لا ينفعك في شيء. نحن كثيرًا ما نتعاطى الإلهيّات بطريقة معلوماتيّة. نريد أن نكدّس المعلومات. هذا الجيل، الّذي نحن فيه، بثّ فينا ممارَسَةً سيّئة جدًّا، وهي أنّ المعرفة هي للمعرفة، العلم هو للعلم. لهذا السّبب، عقل الإنسان أصبح محشوًّا بالمعلومات! ومع هذا، يعيش في شقاء، وضيق، وقلق!… ماذا تنفعه المعلومات؟! لا شيء على الإطلاق. أذكر، مثلاً، أنّنا درسنا في المدرسة، لسنوات طويلة، دروسًا في الفيزياء والكيمياء… لكن، مرّات عديدة، كنّا نجد أنفسنا، بإزاء مشكلة بيتيّة بسيطة، لا نعرف أن نحلّها. إذا انقطع التّيّار الكهربائيّ، مثلاً، فماذا نفعل؟! هذا لم يعلّمنا إيّاه معلّمونا في المدرسة. إذا حصل احتكاك كهربيّ، فماذا نفعل؟! نحن لا نعرف ما علينا فعله من معلوماتنا الّتي كدّسناها في أنفسنا، والّتي تبخـّرت فيما بعد!… هذا كلّه، يا إخوة، يحدث، في حياتنا؛ لأنّنا بتنا، اليوم، في زمن يقدّس المعرفة من أجل المعرفة. نحن علينا أن نطلب المعرفة من أجل الخلاص. إذًا، السّؤال هو: “ماذا أعمل لأخلص؟!” إذ ذاك، يُجيب الرّبّ الإله: “اجتهد”! عليك أن تجتهد، أن تتعب لتدخل من الباب الضّيّق! الباب الضّيّق هو الوصيّة، دائمًا. الوصيّة، دائمًا، صعبة علينا؛ لأنّنا، على مستوى الإرادة، لا نبتغي أن نتمّم وصايا الله، بل أن نتمّم أهواء نفوسنا. لهذا السّبب، الباب ضيّق. إذًا، علينا أن نجتهد حتّى ندخل من هذا الباب الضّيّق، من باب الوصيّة الّتي علينا أن نُجبر أنفسنا عليها، وكأنّ الإنسان كلّه لحمٌ، ويريد أن يدخل بابًا ضيّقًا. لذلك، عليه أن يشدّ نفسه، حتّى يتمكّن من ذلك؛ أو عليه أن يزيل الكثير من الشـّحم الّذي فيه، حتّى يصبح في وضع يمكّنه من الدّخول من الباب الضّيّق. لهذا السّبب، الوصيّة، دائمًا، هي التّحدّي الكبير. نريد ملكوت السّموات؟! علينا أن ندخل من هذا الباب، باب الوصيّة! ليس هناك باب آخر. “فإنّي أقول لكم إنّ كثيرين سيطلبون أن يدخلوا، فلا يقدرون”. هذا لا يعني أنّ الله لا يريد الخلاص للنّاس. الله يريد الخلاص للجميع. لكنّهم، هم، على غبائهم، لا يريدون الخلاص لأنفسهم. الرّبّ الإله يشدّ نفسه باتّجاههم، وهم يشدّون أنفسهم في الاتّجاه المعاكس. هؤلاء لا يستطيعون، بكلّ بساطة، أن يدخلوا من الباب الضّيّق، أي أن يدخلوا ملكوت السّموات. كلّ واحد، في الحقيقة، الملكوت متاحٌ له، وبإمكانه أن يدخله بيُسر، لأنّه حبّة خردل! لكن، عليه أن يغيّر فكر قلبه! عليه أن يتوب! والتّوبة هي أن يغيّر الإنسان نفسه كيانيًّا، أن ينظر في اتّجاه الله، بعدما كان ينظر في اتّجاه أهوائه، وفي اتّجاه العالم. إذ ذاك، يصير الإنسان قادرًا على أن يدخل من الباب الضّيّق؛ ومن ثمّ، على أن يدخل ملكوت السّموات. لهذا السّبب، الرّبّ الإله لا يحرمنا، أبدًا، من أنعامه. والّذي نزل من فوق وتجسّد من مريم البتول، أمعقول أنّه لا يشاء خلاص بعض النّاس؟! هذا مستحيل! هو يشاء خلاص الجميع! لكن، نحن، بتمسّكنا بأهوائنا وإصرارنا على السّلوك فيها، نرفض تدبير الله، ونرفض عرض الله لنا في أن ندخل من الباب الضّيّق، وفي أن نخلص!

إذًا، لا يحسبنّ أحد منّا أنّ الجحيم من صنع الله! لا، أبدًا! فقط، الفردوس عند الله. أمّا الجحيم، فمن صنع خطايا العالمين! الّذين يعيشون في خطاياهم، هؤلاء، بصورة تلقائيّة، يجدون أنفسهم في الهلاك، في الجحيم! إذا أدركنا، يا إخوة، أنّ هذا هو المسار الّذي يعرضه علينا الرّبّ الإله، يبقى علينا، ونحن على إطلالة الميلاد، أن نعود إلى أنفسنا لنبدأ من جديد. نعود لنغيّر فكر قلوبنا، وفكر أذهاننا، ونغيّر كلّ أسلوب تعاطينا لأمور هذا الدّهر، ولأمور أنفسنا، ولأمور علاقاتنا بالآخرين. في العالم، اليوم، هناك بحر من الأفكار السّمجة. هذه نحن لا نحتاج إلى أيّ منها. نحن نحتاج، فقط، إلى كلمة الله، إلى كلمة الحياة. المهمّ، أوّلاً وأخيرًا، أن نقتنيها. مَن لا يقتني ملكوت الله، مَن لا يقتني كلمة الله، فكلّ ما يقتنيه يكون لخرابه، وموته، وهلاكه.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

 

* عظة في السّبت 19 كانون الأوّل 2009 حول لو13: 19- 29

 

استعمال الوقت بحكمة

استعمال الوقت بحكمة

القديس إغناطيوس بريانشانينوف

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

 

“لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ” (الجامعة 1:3).

يحذّرنا الرسول بولس من هدر الوقت، وبحق يعلّمنا أن نستفيد من كل دقيقة  في حياتنا بحكمة: “فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ،  مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ.” (أفسس 15:5-16). في الحديث عن افتداء الوقت يوعّينا الرسول إلى أن الوقت يُستَعمَل لشراء بركات حقيقية تماماً كما أن المال يُستَعمَل لامتلاك ما نحتاجه في حياتنا المادية، وبالتالي الاستعمال الموافق للوقت مشابه جداً لاستعمال المال في اليدين الحسنة. السيّد الحكيم لا يبذّر بغباء، يجمع ممتلكاته كما ينبغي، ويحدد هدفاً خاصّاً لكل مبلغ من المال. علينا أن نعالج المال بطريقة مشابهة: نحدد الساعات والدقائق لهذا الهدف الصالح أو ذاك، نفتدي كل يوم بالأعمال الصالحة لأنفسنا وللآخرين. كل سنة تمرّ هي مثل درجات كثيرة على طريق الكمال الروحي على عدد الأيام في السنة، ولا ينبغي أن تضيع أي ساعة بما هو غير ضروري، أو بعدم القيام بأي عمل، وفي آخر الأمر استعمالها للقيام بعمل خاطئ.

يبدأ اليوم عادةً بالقيام من النوم. كيبف ينبغي بنا أن ننظر إلى لحظة النهوض؟ تماماً مثل اعتبار لحظة ولادتنا إلى العالم أو عند القيام من بين الأموات، لأن هناك تشابه كبير بين القيام من النوم والولادة. أثناء النوم نكون وكأننا غير موجودين. عندما ننهض من النوم نكون وكأننا وُلِدنا من جديد، نعود أحياء، نُقام.

الوقت الذي يلي النوم مباشرة ينبغي تمضيته في الصلاة قبل كل شيء. كل صباح يحمل لنا السعادة الورِعة لتمجيد الله الخالق لأنه سمح لنا مرة جديدة أن نرى عالمه المصمَّم بشكل فائق الجمال من أجلنا. في بداية اليوم نحن نبدأ حياة جديدة، وفي الحياة هناك مجالات كثيرة للتجربة والخطيئة لا يستطيع أن يتخطاها الإنسان الضعيف من غير معونة الله التي يكتسبها بالصلاة فقط. ومن ثم، ينبغي قضاء وقت في قراءة كلمة الله: إنه كتاب الحياة ويحتوي كل ما نحتاج إلى معرفته أو عمله أو التطلع إليه. بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، إنها رسالة الله إلى كل الجنس البشري. مَن لا يغذي نفسه بالعطية السماوية يجوّعها.

بعد هذا، يأتي وقت النشاط، وقت العمل. لكل منّا مهماته، أشغاله، وظيفته، حاجاته الخاصة. ولكن مهما كانت هذه، هناك قانون جوهري للجميع: “لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ” (أفسس 17:5)، اي عند بداية كل عمل اسألوا أنفسكم إذا كان موافقاً لمشيئة الرب.

كيف ينبغي أن نقضي وقت الترفيه أو الراحة؟ في تطبيق كلمات الرسول التالية: “ممْتَلِئُين بِالرُّوحِ مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ” (أفسس 18:5-19). أي إذا أردتم أن تقرؤوا خلال وقتكم الحر، اقرؤوا ما يكشف لكم حكمة الله. أترغبون بالخروج إلى المجتمع؟ أخرجوا، لكن حافظوا على المناقشة الورعة، المحادثة الحكيمة، النصائح والأحاديث الحسنة. أترغبون بالغناء والموسيقى؟ غنّوا ولكن بشكل خاص تلك الأغاني التي فيها تدفّقات النفوس النقية النبيلة. يمكن للأغاني الدنيوية أن تفسد النفس بتمجيدها الأهواء والرذائل وحماقة الإنسان.

بتعابير أخرى، قوموا بما تقومون به بالعادة ولكن بالمقابل: استبدلوا الشهواني بالروحي، الجسدَ بالروح، والدنيوي بالديني.