السنة العاشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2014

السنة العاشرة – العدد الرابع – كانون الثاني 2014


مختارات آبائية

الصلاة

مجموعة من الآباء القدّيسين


حياة روحية

الانغماس في الملذات

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس


عظة

الإنسان ويوم السّبت

الأرشمندريت توما بيطار


تربية مسيحية

النسك البيئي: ثورة ثقافية

المتروبوليت يوحنا زيزيولاس


كيف نُنشئ زاوية أيقونات في بيتنا؟

سيرج ألكسيف


أربع أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي


حياة روحية

“هل يخبر أحد في القبر برحمتك” (مز87: 12)

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي


قصة قصيرة

اعمل الخير،  وارمه في البحر

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع


أولاد مؤمنون

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

أربع أسئلة حول العلم ونظرية التطوّر

نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

درس الميتروبوليت نيقولاوس مطران ميسوغيا ولافريوتيكي الفيزياء في جامعة تسالونيكي وحصل على البكالوريوس سنة 1976، وبعد الخدمة العسكرية تابع دراساته في هارفرد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (M.I.T.) حيث حصّل الماجيستير، وتابع تحصيله في برنامج مشترك بين الجامعتين فنال الدكتوراه في الهندسة الطبية. من ثمّ عمل في آن واحد لمستشفى كنسي وفي الناسا. علّم أيضاً في جامعة هارفرد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومن ثم انتقل إلى التعليم في كلية الطب في كريت وفي جامعة أثينا. من ثمّ عاد إلى بوسطن حيث حصّل الماستر في الدراسات اللاهوتية من معهد الصليب المقدّس للاهوت، ودكتوراه من جامعة تسالونيكي في أخلاقيات علم الحياة.

ما يلي هو أربعة أسئلة طُرِحَت على المطران مع جوابه عليها

سؤال: كمؤمن بالله، ما هي نظرتك نحو مَن يريد أن يتعاطى البحث الحديث، خاصةً البحث الذي يتحدّى الله في النهاية، كمثل الهندسة الجينية وعلم الكونيات أو طبّ الأعصاب؟

جواب: البحث العلمي المعمول لتحدي الله مُصاب بمرض التحامل. البحث العلمي هو لاكتشاف الحقيقة العلمية. أين المشكلة إذا كان هناك مَن يريدون أن يوسّعوا آفاق أفكارهم ومعرفتهم؟ بهذه الطريقة يقتَرَب من الله بشكل أفضل. الله ليس إيديولوجيا علينا الدفاع عنها بمختلف السُبُل بل نحن نؤمن به لأنه هو الحقيقة. بهذا المعنى، حتى الحقيقة العلمية تكشفه لنا. إذا كان هناك أي شكّ به فالوقت مناسب للبحث عنه. المؤمن الذي يخاف من البحث العلمي يخاف من الحقيقة. وقد يكون مؤمناً لا يؤمن.

سؤال: ماذا لديكم لتقولوا عن نظرية التطور؟ ألا تعارض تعليم الكنيسة؟

جواب: بما يتعلّق بهذا الموضوع، يقوم تعليم الكنيسة على كتاب التكوين الموحى به. هذا ليس كتاباً عن الفيزياء أو علم الحياة. الأمر المهم الذي يحكي عنه ليس إذا كان الله صاغ الإنسان من التراب وأين وجده، بل أن الإنسان وُجِد “على صورة الله ومثاله”. كل شيء آخر هو تفصيل. كيف للعلم أن يقلب هذا؟ وابعد من ذلك، إذا كان العلم يحسّن فهمنا لهذا العالم وصورتنا عنه لماذا علينا أن نوقفه. أقصى ما يمكننا قوله هو أننا نفهم بعض الأمور بشكل أفضل.

إن مشابهة الإنسان لله هي أننا مصنوعون بالحياة الإلهية ومنقوشون بهدف هدف هذه المشابهة. هذا لا يستطيع العلم أن يغيّره، مع أن بعض العلماء يحاولون ذلك بغرور.

سؤال: إذاً لا يهمّ إن كان الإنسان يتحدّر من الحيوانات؟

ما يهمّ هو الأصل الإلهي للإنسان وعلاقته بالله، أي أن الله خلقنا وليس كيف خلقنا. وأيضاً، الخطر ليس أن الإنسان يتحدّر من الحيوانات بل أن يصير مثلهم: “وَالإِنْسَانُ فِي كَرَامَةٍ لاَ يَبِيتُ. يُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ” (مزمور 12:49). إذا كانت غايتنا هي أن نصير على صورة الله، أنحاول أن نثبت أننا حيوانات؟ المشكلة إذاً ليست الإثبات العلمي لنظرية التطور بل الالتزام بتفسيرها الحرفي المريض. هذا التفسير لا يبرهن عدم وجود الله بل يؤكّد قصر النظر المتّقد عند الإنسان. استبدال الغرض الإلهي بالانحطاط الأحمق إلى حيوان! ولا حتّى الحيوانات يعجبهم ذلك.

سؤال: لكن عندنا تشابهات مهمّة مع الحيوانات ونحن بحاجة لإيجاد أهميتنها.

يفاجئني الاهتمام بمشابهتنا الحيوانات. لو كان هناك اهتمام مماثل بقربنا من الله، كم كانت الأمور تتغيّر. علينا أن نكتشف معنى هذا القرب. هناك تشابه مع الحيوانات. جسدنا بطريقة او بأخرى يشبه الحيوانات الرئيسية، حتّى أنه يمكننا أن نعلّم الحيوانات الفضائل الغريزية. هناك الكثير من الأمثلة في الكتاب المقدس. المسيح نفسه قال في العظة على الجبل “انظروا إلى طيور السماء” وبأي طريقة يمكننا تقليدهم. لكن ما يهمّ هو اختلافنا عن الحيوانات. الإنسان نفس-جسداني. هذا هو مصدر قيمته. آن الأوان لتوجيه اهتمامنا بعيداً عن مشابهتنا للحيوانات نحو إمكانية مشابهتنا لله.

أولاد مؤمنون

أولاد مؤمنون

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسيّ المقطّع

خلال الحرب العالميّة الأولى، اضطرّت راهبات أحد الأديار في روسيّا لترك ديرهنّ بسبب اقتراب الأعداء الألمان. فذهبت عشرون راهبة ومئتان من أطفال ميتم الدير إلى دير آخر.

وضع الملحدون صوفيا فيودوروفنا لتهتمّ بأولاد الميتم، فقالت: “لقد عيّنني الملحدون حاضنة لأيتام الدير، وغالبًا ما كانت نادينكا وليوبوشكا تأتيان ليفضيان إليّ بمكنوناتهما. كان والداهما شيوعيّين، لكنّ الفتاتين الصغيرتين كانتا مؤمنتين. في إحدى المرّات أشفقت على ليوبوشكا من كلّ قلبي وقلت لها: “أنت تفتقدين إلى الكنيسة إليس كذلك؟ إذًا، تسلّلي إلى داخل الكنيسة أثناء لعبِك مع الأولاد الآخرين، وصلِّي هناك من أجل عائلتك”. وهذا ما فعلته ليوبوشكا بالتحديد. إذ بعدما انتهت من اللعب، مضى الأولاد وبقيت ليوبوشكا وحدها، فدخلت بيت الله بهدوء، وصلّت ثمّ خرجت. ومرّة أخرى، قالت لي الفتاة “أه! كم أتمنّى أن أتناول!”، فقلت لها: “عندما تنتهي من اللعب اذهبي إلى الراهبة التي عند الشموع وأخبريها برغبتك”. فسألتني: “أيجب أن أرتدي ثيابًا نظيفة؟”. فأجبتها: “لا، فثياب اللعب ملائمة جدًّا طالما أنّ نفسك نظيفة”. أعان الله ليوبوشكا على قضاء رغبتها المبارَكة، ومن دون علم أمّها تناولت القربان المقدّس. فأتت إليّ ركضًا مبتهجة قائلة: “أنظري، أيّتها الأخت، لقد تناولت”!!

كان الأولاد يذهبون إلى الكنيسة باستمرار، وكان الأساتذة الشيوعيّون يسألونهم: “هل تجبركم الراهبات على الذهاب إلى الكنيسة؟”، فكان يجيبون: “لا، بل نحن نحبّ الذهاب إليها!”.

لم تكن الحياة لطيفة بالنسبة للأولاد تحت حكم الشيوعيّين، فالغذاء غير جيّد، وفي الشتاء كانوا يتنقّلون بأحذية مثقوبة ومن دون جوارب. وذات مرّة علّق المسؤولون صورًا لقادتهم في غرفة طعام الأولاد، فنظرت إحدى الفتيات الصغيرات إلى الصور، وقالت ببراءة الأطفال: “آه! كم هم بشعون!”. فأشار صبيّ صغير إلى الأيقونات، وسأل: “وهل هذه جميلة؟” فصرخت الفتاة “ماذا تقول؟ إنّها جميلة جدًّا جدًّا”. وذات مساء وضعتُ للأطفال بطاطا مسلوقة ليأكلوها، ثمّ تركت الغرفة. وقد أُصبتُ بالهلع عند عودتي، إذ رأيت أنّهم ألصقوا قشر البطاطا على الأفواه في الصور. فنزعت هذه الزينة بسرعة عن الصور حتّى لا يراها أحد المسؤولين. وفي الصباح ذُعرت عندما أتيت إلى غرفة الطعام، ووجدت ثقوبًا بدل الأعين في كلّ الصور. فقد كان أطفالنا العابثون قد قصّوا أعين “الرجال العظام”.

بعد صوفيا فيودوروفنا أتت ماريا فيودوروفنا كمراقِبة. ما إن وصلت حتّى جمعت الأطفال، وراحت تعظهم معلّمةً إيّاهم عن الإلحاد: “كل شيء هو من الطبيعة. العالم كان دائمًا وسيبقى إلى الأبد. إنّه يحرّك نفسه بنفسه”. فأجاب أحد الأطفال: “ولكن حتّى العربة الصغيرة لا تسير بنفسها من دون سائق. والأحصنة، أيضًا، يجب أن يقودها السائس. وأنتِ تريدين أن يكون العالم بأسره محرَّكًا من نفسه؟!”. وأضافت إحدى الفتيات “نعم، ولا القطار يستطيع أن يسير من دون سائق”. ظهر على ماريا الارتباك، إذ بماذا تجيب على ملاحظات الأطفال الذكيّة، فقالت مؤكّدة: “الله لم يخلق الإنسان. لقد تطوّر من القرد”. وإذ بصوت صغير يسأل متهكّمًا: “إذن مَن خلق القرد؟ أأتى من نفسه؟!”.

يا للعبارات الذكيّة التي أتى بها الأولاد!! ويا للدعاية الحمقاء التي قدّمتها ماريا فيودوروفنا!! لا شكّ بأنّ الحكمة الإلهيّة هي التي أنارت الأطفال، والروح القدس هو الذي كان يتكلّم بشفاههم النقيّة وليس هم. وهكذا قرّرت ماريا ألاّ تتناقش مع الأولاد بعد هذا الدرس.

ويوم عيد الفصح اللاّمع أخبرت ماريا الأولاد بأنّها سوف تقفل البيت، وتضع المفتاح تحت وسادتها وتنام. ابتسم الأولاد وقالوا بهدوء: “اذهبي اقفلي الباب وضعي المفتاح تحت وسادتك ونامي، فالأمر سيّان، نحن سوف نكون في الكنيسة”. وبالحقيقة قام الأولاد بما قالوا، فلقد كانوا جميعًا في الكنيسة، وكان عددهم في ذلك الحين خمسين. نظرت راهبات الدير إلى الأطفال بدهشة، ورحن يسألنهم كيف تمكّنوا من الخروج من البيت المقفَل. لقد تسلّق الأولاد، بمعونة الله، نوافذ غرف النوم الصغيرة، ونزلوا عن طريق المزاريب دون أن يخشوا الوقوع من الطابق الثالث، لقد أتوا إلى الكنيسة لينضمّوا إلى جماعة المؤمنين لتمجيد قيامة ربّنا الممجّدة اللاّمعة، وليشتركوا في المناولة المقدّسة. في ذلك الوقت كانت ماريا نائمة، ولم تلحظ أنّ الأولاد ذهبوا إلى الكنيسة عن طريق المزاريب، ومن ثمّ عادوا بأمان إلى غرفهم، وناموا بسلام في أسرّتهم.

اعمل الخير، وارمه في البحر

اعمل الخير،  وارمه في البحر

إعداد راهبات دير القدّيس يعقوب الفارسي المقطّع

 

نسمع هذا المثل الشعبيّ منذ أن كنّا صغارًا، وهو يعبّر عن خبرة وحكمة شعبنا البسيط. لا يمكن لأحد أن يدرك ما هي الأبعاد التي يمكن أن يأخذها هذا “الخير” مهما بدا بسيطًا، وكم من الأشخاص يمكن أن يساعد. تؤكّد القصّة التالية التي سنرويها حقيقة هذه الحكمة الشعبيّة:

كان في أحد الأيّام فلاّح فقير يعمل في حقله عندما تناهى إلى أسماعه صوت طفل يبكي ويصرخ طالبًا المساعدة. ترك أدواته وعمله على الفور وهرع بأقصى سرعة باتّجاه الصوت. فإذا به يرى طفلاً صغيرًا يرتجف من الخوف والرعب، غارقًا حتّى وسطه في حفرة عميقة موحلة، يتخبّط داخلها محاولاً الخروج منها دون جدوى.

لم يتردّد الفلاّح لحظة عن مساعدة الطفل، وبعد جهد كبير، تمكّن من إخراجه من الحفرة وإنقاذه من موت محتّم كان سيصيبه، على الأقل نتيجة ذعره الشديد.

وفي اليوم التالي، توقّفت عربة فخمة يقودها حصانان أمام حقل المزارع الفقير، وإذا برجل من طبقة النبلاء يقترب إليه مقدّمًا نفسه على أنّه والد الطفل الذي أنقذ الفلاّح حياته بالأمس.

– أريد أن أكافئك على عملك وإنقاذك لطفلي، فاطلب ما شئت من المال وسأقدّمه لك.

– لا أبدًا لن أقبل أيّ مال…

في تلك اللحظة بالذات خرج طفل صغير بثياب رثّة من الكوخ الفقير الذي كان في الحقل… كان ابن الفلاّح.

– هل هذا هو ابنك؟

– نعم. أجاب الفلاّح بابتسامة فخورة.

– حسنًا إذًا، سنعقد اتّفاقيّة فيما بيننا. اسمح لي أن أساعد طفلك في تعليمه، كما ساعدت أنت طفلي. سأتكفّل بتعليمه وسأقدّم له المستوى التعليميّ نفسه الذي أقدّمه لولدي. وإذا كانت أخلاقة حميدة مثل أبيه، فمن المؤكّد أنّه عندما سيكبر سيحقّق شيئًا عظيمًا يجعلنا نحن الاثنين فخورين به.

وهذا ما حدث. تلقّى ابن المزارع دروسه في أحسن المدارس، حتّى تخرّج من كلّيّة الطب المشهورة في مشفى القدّيسة ماري في لندن. إنّه مَن أصبح في ما بعد معروفًا في العالم بأسره باسم ألكسندر فلمنج، أبو البنسلين.

بعد مضيّ العديد من السنوات، أصيب ابن الرجل الغنيّ بمرض شديد في الرئتين. فمن أنقذ حياته هذه المرّة أيضًا؟ إنّه البنسلين…     كان ذلك الرجل الغنيّ هو اللورد راندولف تشرشل، أمّا ابنه، فكان السير ونستون تشرشل رئيس وزراء انكلترا خلال الحرب العالميّة الثانية.

أحبّاءنا، لا يذهب شيء عند الله سدىً. اذكروا فلس الأرملة كم كان له قيمة كبيرة في عينيّ الله. كلمة “يا ربّ ارحم” التي نردّدها، أو شمعة صغيرة قد نشعلها لأجل شخص ما، أو دمعة نذرفها، كلّ منها له قيمته. لا شيء يضيع عند الله، بل يراه ويقدّره.

كلّ منّا مسؤول بشكلّ خاصّ عن كلّ ما يحدث في العالم، حتّى في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير هامّة. نحن مسؤولون ليس، فقط، عن الشرّ الذي نصنعه، إنّما، أيضًا، عن الخير الذي لم نصنعه. فالخير الذي قد نفعله أو لا، له نتائج لا يمكن تخيّلها.

النسك البيئي: ثورة ثقافية

النسك البيئي: ثورة ثقافية

المتروبوليت يوحنا (زيزيولاس)

نقلتها إلى العربية جولي عطية

كاتب هذا المقال، متروبوليت بيرغامون الأب يوحنا زيزيولاس،  ينادي بمفهوم جديد لنوعية الحياة في خليقة محدودة.  الأزمة البيئيّة هي في جذورها مسألة روحيّة، لكنّ العديد من الناس الذين يتعاملون معها يغفلون جوانبها الروحيّة. مع ذلك، تبيّن تاريخيًّا وعمليًّا، أنّه لا سبيل إلى معالجتها من دون الاستناد إلى الدين والأخلاقيّات. كان المؤرّخ الأميركي لين وايت محقًّا في نسب أسباب هذه المشكلة إلى اللاّهوت المسيحي، بخاصّة إلى الكنيسة الغربيّة، لتوظيفها آيات سفر التكوين، والتي فيها يطلب الله من البشر الأوائل بأن “يتسلّطوا على الأرض”، في سبيل تشجيع الناس، وكما يقول ديكارت بصراحة، لأن يكونوا “أسياد الطبيعة ومالكيها”. واستمدّ هذا الموقف دعمًا وإلهامًا إضافيّين من لاهوتٍ ركّز على تفوّقية البشر بسبب “عقلانيّتهم” التي اعتبرها “صورة الله” في الانسان. وهذه المقاربة العقلانيّة فصلت البشر عن باقي المخلوقات وشجّعتهم على ازدراء كلّ ما ليس عقلانيًّا وبشريًّا.

بالإضافة إلى ذلك، ظهر مفهوم يعتبر الإنسان شخصًا مفكّرًا، حلّت سعادته وازدهاره في أعلى مراتب الأخلاقيّات. وأصبحت الخطيئة محدودة بكلّ ما يناقض أو يعيق هذين. بالتالي، بإمكان المسيحي أن يدمّر الطبيعة وهو مرتاح الضمير، طالما أنّ ذلك يساهم بتحقيق سعادته. حاليًّا، بدأ البشر يدركون أنّ اعتماد هذا الموقف تجاه الطبيعة يهدّد سعادة الإنسان ووجوده بحدّ ذاته. لكنّهم فعليًّا لم يحيدوا عن مبدأ المناداة بسعادة الإنسان، فحافزهم الأعمق ما زال هو السعي إلى اكتساب السعادة. ما زال البشر يقاربون الأزمة البيئيّة من زاوية مصلحتهم الذاتيّة لا من زاوية محبّة خلائق الله الأخرى أو من زاوية الشعور بالمسؤولية تجاه استمراريّة الكائنات غير البشريّة وخيرها في كوكبنا.

هذا الموقف جعل المسألة أكثر تعقيدًا، فقد تعسّر علينا التوصّل إلى فكر مشترك للتضحيات المطلوبة منّا لمواجهة الأزمة البيئيّة في مجتمعنا الاستهلاكي. لقد وجد السياسيّون أنّه من الصعب إنشاء معيار للقيم يرضي جميع مصالح البشر. مثلاً إذا قرّرت الحكومة إقفال مصنع ما لتسبّبه بالتلوّث، ستتفشّى البطالة في المنطقة حتمًا، لتحلّ مكان مشكلة الضرر البيئي. وطالما أنّ المصلحة الذاتيّة هي التي تحرّك البشر، لن يستطيع السياسيّون، حتى الأكثر كفاءة منهم والتكنوقراطيّون، مواجهة هذه الحالة. لذلك فالحافز يؤدّي دورًا حاسمًا في كيفيّة التعامل مع الأزمة البيئيّة، ومن الواضح أنّ مصلحة الانسان الذاتيّة ستفسح المجال أمام حوافز أخرى أو ستكون مرتبطة بهم. هذا يعطي البعدين الروحي والثقافي أهمّية حاسمة عمليًّا. ما نوع الحافز الذي يقدّمه الدين للناس في مواجهة الأزمة البيئيّة؟ نورد بعض المقترحات:

تشجيع فكرة قدسيّة المخلوقات كلّها، في جميع مظاهرها، الروحية كما المادّية. قد يكون ذلك سهلاً في الحضارات والمجتمعات التي تسود فيها الديانات الشرقيّة، لكنّه أصعب بكثير حيث يشكّل التقليد اليهودي المسيحي القوّة الدينيّة الرئيسة، أكان ذلك تاريخيًّا أو في الوقت الحالي. إنّ الخوف من الوثنيّة والتقليد العقلاني سيجعلان تشجيع فكرة قدسيّة الطبيعة – أو حتى فكرة القدسيّة بشكل عام – أمرًا صعبًا في الثقافة الغربيّة.

في الكنيسة الأرثوذكسيّة، والتي نتج تقليدها عن معارك طويلة ضدّ الوثنيّة الإغريقيّة الرومانيّة، نجد روحانيّة تكنّ احترامًا عميقًا للطبيعة. وترتبط هذه الروحانية برؤية تعتبر أنّ الطبيعة تقتني قدسيّتها فقط في الانسان ومن خلاله. هذا يمنح الجنس البشري شأنًا ومسؤوليّة مهمَّين، فالإنسان هو كاهن الخليقة لأنّه يحوّلها بحريّة إلى وسيلة للشركة مع الله ومع بني البشر. بالتالي، لا يجب أن يتعامل الشخص مع الخليقة المادّية كأنّها وسيلة لإرضاء لذّته وسعادته، بل بمثابة عطيّة مقدّسة من الله من شأنها أن تحضن شركة الإنسان مع الله ومع الآخرين وأن تشجّعها. ويؤدّي هذا الاستخدام البشري “الليتورجي” للطبيعة إلى تكوين ثقافة تحترم العالم المادّي احترامًا عميقًا مع إبقاء الانسان في المركز.

مراجعة جدّية لمفهوم الخطيئة. أصبحت الخطيئة مفهومة، أقلّه على مستوى الأخلاقيّات المسيحيّة، فقط في معنييها الأنتروبولوجي والاجتماعي، لأنّه بات يُنظر للطبيعة على أنّها “خادمة” للمصالح الذاتيّة للبشر ولسعادتهم. صارت الخطيئة تمثّل فقط الأذى الذي يسبّبه الإنسان لنفسه أو للآخرين، ويظهر جليًّا أنّ إلحاق الأذى بالطبيعة ليس مدرجًا في فئة “الخطيئة”.

هذا يتغيّر عندما يتوقّف الإنسان عن اعتبار الطبيعة عبدة لمصالحه، فتصبح هذه الأخيرة صلة ضروريّة للشركة بين البشر والله. وبما أنّ البشر لا يستطيعون أن يكونوا طرفًا في هذه العلاقة والشركة في غياب الطبيعة (أجسادنا هي ضرورية لهويّتنا لكن لا يمكن استيعابها بمعزل عن باقي الخليقة)، فأيّ ضرر يصيب الطبيعة سيجعلها غير قادرة على تأدية وظيفتها كوسيلة للشركة بيننا وبين الله. إذًا، الخطيئة ضدّ الطبيعة هي خطيرة، ليس لأنّها تتضمّن قلّة احترام لعطيّة إلهية فحسب، بل أيضًا وفي الأساس، لأنّها تجعل الكائن البشري غير قادر على تحقيق طبيعتها العلائقيّة. إنّ الفرديّة الانسانية تسير جنبًا إلى جنب الخطيئة ضدّ الطبيعة: تشهد الأزمة البيئيّة ببلاغة على ذلك.

روح النسك. لقد ارتبط النسك في أذهاننا بعدم تقديرٍ للمادة، طلبًا لأشياء “أسمى” وأكثر “روحيّة”. هذا يُظهر نظرة أفلاطونيّة إلى المادّة والجسد، وهي نظرة لا تنسجم مع التقليد اليهودي المسيحي، حيث العالم المادّي هو جزء أساس في هويّة الانسان بحدّ ذاتها. صحيح أنّنا نستطيع ملاحظة تأثير أفلاطونيّ بسهولة في التقليد المسيحي وربما في ديانات أخرى أيضًا، إلاّ أنّ هذا لا يصبّ في اهتماماتنا هنا. تساهم هذه الأنواع من النسك، التي تتضمّن احتقارًا للعالم المادّي، في تفاقم الأزمة البيئيّة بدلاً من حلّها. بينما يبدأ “النسك البيئي” – إذا أمكننا استعمال هذا التركيب – دومًا باحترام عميق للخليقة المادية، بما في ذلك جسد الانسان، ويُبنى على نظرة تعتبر أنّنا لسنا أسياد الخليقة ومالكيها، بل أنّنا مدعوّين لتحويلها إلى وسيلة للشركة، من دون أن ننسى إمكانيّاتها وحدودها.

النقطة الأخيرة بالغة الأهمّية، يجب أن يدرك البشر أنّ الموارد الطبيعيّة محدودة. الخليقة بأسرها محدودة وكذلك هي الموارد التي تمنحنا إياها الطبيعة لتلبية حاجاتنا. يبدو أنّ فلسفة الحياة السائدة في أيامنا والقائمة على الاستهلاك، تتجاهل هذه الحقيقة. فإنّنا نشجّع النموّ والاستهلاك عندما نصنّف بعض الأشياء بأنّها ضرورية في حين أنّ الأجيال التي سبقتنا استطاعت الاستعاضة عنها. علينا أن نعيد النظر في مفهومنا لنوعيّة الحياة، فالنوعيّة لا تحتاج إلى كميّة حتى تنوجد. وقد يؤدّي استعمالنا المحدود للموارد الطبيعيّة إلى حياة سعيدة أكثر من المنافسة المتواصلة على الإنفاق والاقتناء. على النموّ النوعي أن يحلّ مكان فكرة التطوّر الاقتصادي السائدة والقائمة على الإحصاءات الكمّيّة. ويجب إزالة المفهوم الذي يعتبر النسك نظريّة مرتبطة بفئة من المتديّنين الغريبي الأطوار، وإقرانه بالتقدّم النوعي – لا الكمّي – في المجتمعات البشرية.

سيتضمّن ذلك حتمًا تبدّلات كبرى في المفاهيم وسيتطلّب مراجعتها وإعادة تعريفها على صعيد المؤسّسات السياسيّة والاقتصادية والعلمية والاجتماعية على مختلف أنواعها. وقد يأخذ بنا ذلك إلى ثورة ثقافيّة على الأقلّ. لذلك فهذا التغيير في ثقافتنا يتطلّب مشاركة جميع العوامل المعنيَّة والتنسيق في ما بينها. هو ليس مجرّد مسألة تخطيط تكنوقراطي؛ لأنّه قد يستلزم تغييرًا لأعمق قناعات الناس وحوافزهم، فما من كائن بشريّ مستعدّ للتضحية من دون سبب أو حافز.

قد تتّسم هذه الأسباب والحوافز إمّا بالخوف أو بالمحبة، والأديان تستخدم كليهما. يبدو أنّ الأزمة البيئيّة التي نواجهها تثير الخوف – الخوف من تدمير كوكبنا – وهو حافز سائد لتغيير الوجهة. لكن علينا أن نصرّ على إيجاد حوافز أخرى أكثر إيجابية. يمكن للمحبة لخليقة الله ولأخوتنا البشر أن تقودنا طبيعيًّا إلى الحدّ من استهلاكنا الموارد الطبيعيّة وإلى تشاركها بعدالة أكثر مع الآخرين. ويتحقّق ذلك من خلال التربية من المراحل الأولى حتّى أعلى مستوى ممكن، لكن ربّما ما من شيء أكثر فعاليّة من الديانة والروحانيّة المنبثقة منها، لتحقيق هذه الغاية. لذلك، يجب أن توظّف كلّ الجهود لإشراك الجماعات الدينيّة في معالجة التحدّي البيئي الحالي.

الأزمة البيئيّة هي إلى حد كبير مشكلة روحيّة.

كيف نُنشئ زاوية أيقونات في بيتنا؟

كيف نُنشئ زاوية أيقونات في بيتنا؟

سيرج ألكسيف

نقلها إلى العربية ريتشارد صبوح

الكميّة والنوعيّة شيئان مختلفان. من البساطة أن نفترض أنّه كلّما زادت الأيقونات المقدّسة في البيت المسيحيّ الأرثوذكسيّ، تكون حياة العائلة أكثر تقوى. إنّ مجموعة أيقونات وصُوَر ورزنامات دينيّة غير مرتّبة وتغطّي مساحات كبيرة ممكن أن تؤثّر سلبًا على حياة الإنسان الروحيّة. وقد تتحوّل مجموعة أيقونات غير مدروسة إلى شيءٍ من دون معنى، ولا يبقى لهدف الأيقونة الصلاتيّ أيّ مكان. لا شكّ أنّ وجود عدد كافٍ من الأيقونات في بيتنا شيءٌ ضروريّ، لكن ضمن المعقول.

في الماضي، في الريف والمدينة، كان بيت كلّ عائلة أرثوذكسيّة يحتوي على رفّ من الأيقونات، أو أيقونسطاس كامل، في أكثر مكان مرئيّ من البيت. وهذا المكان حيث توضَع الأيقونات يُسمّى الزاوية الأماميّة أو الزاوية الجميلة أو الزاوية المقدّسة أو مكان الله.

بالنسبة للمسيحيّين الأرثوذكس، الأيقونة ليست فقط تصويرًا للربّ يسوع المسيح أو والدة الإله أو القدّيسين أو أحداث من التاريخ المقدّس وتاريخ الكنيسة. الأيقونة هي صورة مقدّسة؛ أي أنّها خارج نطاق الحقيقة الإعتياديّة، ومقصدها هو فقط الإتّصال بالله. تاليًا الغاية الأساسيّة من الأيقونة هي الصلاة. الأيقونة نافذة من عالمنا، العالم الأرضيّ، على العالم العلويّ. هي كشف الله في الشكل واللون.

هكذا، الأيقونة ليست فقط إرثًا عائليًّا يُسلَّم من جيل إلى جيل، بل هي شيءٌ مقدّس يوحّد جميع أعضاء العائلة في الصلاة المشتركة؛ لأنّ الصلاة معًا تحصل فقط إذا كان الواقفون قبالة الأيقونات قد سامحوا بالتبادل أخطاء بعضهم البعض وحقّقوا الوحدة.

اليوم، طبعًا، التلفاز – الذي هو في ذاته نافذة على عالم الأهواء البشريّة المتنوّعة – أخذ مكان الأيقونات في البيت. فُقِدت غاية الأيقونة العائليّة، وتقليد الصلاة المشتركة في البيت، ووعي العائلة ذاتها ككنيسة صغيرة.

قد يسأل المؤمن المسيحيّ الأرثوذكسيّ اليوم: أيّة أيقونات يجب أن أقتنيها في بيتي؟ كيف أرتّبها؟ هل أستطيع أن أستخدم نُسخًا من الأيقونات؟ ماذا أفعل بالأيقونات القديمة المهترئة؟ بعض هذه الأسئلة بحاجة إلى أجوبة واضحة دقيقة، بينما بعضها لا يتطلّب توصيات صارمة.

أين يجب أن نضع الأيقونات في البيت؟

في مكان حرّ ويمكن البلوغ إليه. الإيجاز في هذه الإجابة سببه واقع الحياة. طبعًا من الأفضل وضع الأيقونات على حائط الغرفة الشرقيّ، لأنّ الشرق كمفهوم لاهوتي له دلالة خاصّة في الأرثوذكسيّة.

“وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ” (تكوين 2: 8).

“تَطَلَّعِي يَا أُورُشَلِيمُ مِنْ حَوْلِكِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَانْظُرِي الْمَسَرَّةَ الْوَافِدَةَ عَلَيْكِ مِنْ عِنْدِ اللهِ” (باروخ 4: 36).

“ثُمَّ رَفَعَنِي رُوحٌ وَأَتَى بِي إِلَى بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الشَّرْقِيِّ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ” (حزقيال 11: 1).

“لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ” (متّى 24: 27).

لكن ماذا يجب أن نفعل إذا كان على الجهة الشرقيّة من المنزل نوافذ أو أبواب؟ في هذه الحالة، نستعمل الحائط الجنوبيّ أو الشماليّ أو الغربيّ.

لا يجب أن نخلط بين الأيقونات والأشياء الجماليّة ذات الطبيعة العالميّة، كالتماثيل ومختلف أنواع الصُوَر، إلخ. من غير المناسب وضع الأيقونات على رفّ كتب، إلى جانب كتب لا تشارك الإيمان الأرثوذكسيّ شيئًا أو التي تعارض التعليم المسيحيّ. لا يجوز أبدًا وضع الأيقونات إلى جانب ملصقات أو رزنامات تصوّر فنّانين أو ريّاضيّين أو رجال سياسة – أوثان وصوَر العصر الحاضر. هذا لا فقط يقلّل من الإحترام والوقار للصوَر المقدّسة إلى حدّ غير مقبول، بل أيضًا يضع الأيقونات المقدّسة في مساواة مع صوَر وأوثان العالم المعاصر.

يمكننا تزينن زاوية الأيقونات في البيت بأزهار حيّة. تقليديًّا تُحاط الأيقونات الكبيرة بمنديل. هذا التقليد قديم وله  أساس لاهوتيّ. بحسب التقليد، ظهرت صورة للمخلّص بشكل عجائبيّ على منديل خلال حياته على الأرض، من أجل مساعدة إنسان في ألم. بعد أن غسل المسيح وجهه، مسحه بمنديل نظيف، فظهرت عليه صورة وجهه. أُرسِل المنديل إلى الملك أبجر الذي كان مصابًا بالبرص في مدينة إيديسّا في آسية الصغرى. وإذ شفي الحاكم، اعتنق هو وحاشيته المسيحيّة، والصورة غير المصنوعة بيد ليسوع المسيح ثُبّتت على لوح دائم ورفعَت فوق بوّابات المدينة.

في الماضي، 29 آب، وهو اليوم الذي تعيّد فيه الكنيسة لنقل الصورة غير المصنوعة بيد لربّنا يسوع المسيح من إيديسّا إلى القسطنطينيّة سنة 944،  معروفٌ بين الشعوب بعيد المنديل، وفي بعض الأماكن كانت تُبارَك الأقمشة والمناديل المصنوعة من غزل الصوف. هذه المناديل المطرّزة كانت تُحفظ لاستعمالها في زاوية الأيقونات.

كذلك، كانت الأيقونات تُحوَّط بالمناديل لاستعمالها في الأكاليل وتكريس الماء. هكذا، مثلًا بعد خدمة تكريس الماء، عندما يرشّ الكاهن الأيقونات بمياه مقدّسة، كان الناس يمسحون الأيقونات بمناديل خاصّة ويضعونها في زاوية الأيقونات. هناك عادة في الإحتفال بِعيد دخول الربّ إلى أورشليم (أحد الشعانين)، تُبقي إلى جانب الأيقونات أغصان صفصاف تمّت مباركتها في الكنيسة، حتّى أحد الشعانين في السنة التالية. من المعتاد أنّه في العنصرة، يوم الثالوث القدّوس، تُزيّن البيوت والأيقونات بأغصان البتولا كرمز للكنيسة المُزدهرة، حاملة قوّة الروح القدس المملوءة نعمة.

ما هي الأيقونات التي يجب أن تكون في بيتنا؟

من الأساسيّ وجود أيقونتَي المخلّص ووالدة الإله. أيقونة الربّ يسوع المسيح التي تشهد على التجسّد وخلاص كلّ البشر، وأيقونة والدة الإله – الأكثر كمالًا بين البشر، التي صارت مستحقّة للتألّه، وهي أكرم من الشاروبيم، وأرفع مجدًا بلا قياسٍ من السيرافيم – هما جزءٌ أساسيّ من البيت المسيحيّ الأرثوذكسيّ. أيقونة المسيح المُختارة عادةً للصلاة في البيت هي أيقونة المسيح الضابط الكلّ (المصوّرة من أعلى الخصر).

مَن يملك مكانًا أكثر في البيت قد يضيف إلى زاوية الأيقونات، أيقونات لقدّيسين مكرّمين عديدين. للشعب الأرثوذكسيّ في روسيا تقليد في تكريم خاصّ للقدّيس نيقولاوس الصانع العجائب. تقريبًا في كلّ بيتٍ أرثوذكسيّ أيقونة له. أيقونات القدّيس نيقولاوس الصانع العجائب والمخلّص ووالدة الإله، احتلّت دائمًا مكانًا مركزيًّا في البيوت المسيحيّة الأرثوذكسيّة. الشعب يكرّم القدّيس نيقولاوس كقدّيس مُعطى له نعمة خاصّة. هذا يعود بشكلٍ كبير إلى أنّ كلّ خميس – بحسب تيبيكون الكنيسة – مُخصّص، بالإضافة لرفع الصلاة للرسل القدّيسين، للقدّيس نيقولاوس الصانع العجائب أسقف ميرا في ليكيا.

من بين أنبياء الله القدّيسين، أيقونة النبيّ الياس لها مكانٌ بارز عند المؤمنين. وبين الرسل القدّيسين، تبرز أيقونات القدّيسَين بطرس وبولس هامتي الرسل. من بين شهداء الإيمان المسيحيّ، أكثر ما نصادف أيقونات القدّيس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر والقدّيس الشهيد العظيم بندليمون الشافي. يُنصح أيضًا بوضع أيقونات للإنجيليّين القدّيسين، وللقدّيس يوحنّا المعمدان، ولرئيسَي الملائكة القدّيسَين جبرائيل وميخائيل، وأيقونات الأعياد، لزاوية أيقونات كاملة في البيت.

اختيارنا الأيقونات لبيتنا هو دائمًا أمر شخصيّ. أفضل مَن يساعدنا في هذا الإختيار هو الكاهن – الأب الروحيّ للعائلة – ومنه، أو من كاهنٍ آخر يجب أن نطلب النصح.

أمّا بالنسبة لنسخ الأيقونات والصوَر الفوتوغرافيّة (للأيقونات)، فأحيانًا من المنطقيّ أكثر إمتلاك نسخة جيّدة من أيقونة، من امتلاك أيقونة مرسومة ذات نوعيّة سيّئة.

يجب أن يحافظ كاتب الأيقونات على موقف متطلّب في عمله. تمامًا كما الكاهن لا يخدم الليتورجيا دون التحضير الواجب، كاتب الأيقونات يقارب خدمته بوعيٍ كامل لمسؤوليّته. للأسف، في الماضي واليوم، نرى أمثلة بشعة عن صُوَر لا تشبه الأيقونات. هكذا، إذا كان تصويرًا معيّنًا لا يستدعي إحساسًا بالتقوى وحضور القداسة، أو إذا كان مشكوكًا فيه لاهوتيًّا أو أداءه التقنيّ ليس احترافيًّا، يكون من الأفضل عدم شراء هذه الأيقونة.

لكن تستطيع نسخًا للأيقونات القانونيّة، ملصقة على سند قويّ ومكرّسة في الكنيسة، أن تحتلّ مكانًا شريفًا في الأيقونسطاس البيتيّ.

كيف وبأي ترتيب يجب أن نرتّب الأيقونات؟ هل هناك قواعد صارمة بهذا الشأن؟

في الكنيسة نعم. أمّا بالنسبة لزاوية الصلاة في البيت، نقتصر الكلام في بعض القواعد الرئيسيّة.

مثلًا، مجموعة أيقونات موضوعة من دون تجانس، من دون ترتيب، تستدعي إحساسًا مستمرًّا بعدم الرضى والرغبة في تغيير كلّ شيء – ما يشتّت غالبًا عن الصلاة.

كما هو ضروريّ أن نذكّر بمبدأ التراتبيّة: مثلًا، لا نضع أيقونة لقدّيس مكرّم محّلّيًّا فوق أيقونة للثالوث القدّوس، أو المخلّص، أو والدة الإله، أو الرسل. ومثلما على أيقونسطاس كلاسيكيّ، أيقونة المخلّص يجب أن تكون عن اليمين، وأيقونة والدة الإله عن اليسار.

ماذا يجب أن يكون موقفنا تجاه الأشياء المقدّسة؟

كما أنّ القداسة هي أحد صفات الله (إشعياء 6: 3)، فهي أيضًا تنعكس في قدّيسي الله وفي الأشياء المادّيّة. لذلك، تكريم القدّيسين، والأيقونات والأشياء المقدّسة، كما السعي الشخصيّ للشركة الحقيقيّة مع الله، هي تجلّيات لأمر واحد.

“وتكونون لي قدّيسين لأنّي قدّوس أنا الربّ” (لاويّين 20: 26).

الأيقونات في العائلة كانَت تُحفَظ دائمًا بتكريم خاصّ. بعد المعموديّة، يضعون الطفل مقابل أيقونة، والكاهن أو ربّ البيت يقرأ صلوات. الأهل يباركون ولدهم بأيقونة لمتابعة دراسته، أو حين يذهب في رحلات بعيدة، أو ينخرط في الخدمة العامة (كالجيش مثلاً). وكعلامة لقبول الأهل بالعرس، كانوا يباركون للعرسان بأيقونات. وأيضًا، مغادرة شخص لهذه الحياة يحصل في وجود أيقونات.

من غير اللائق الدخول في مجادلات أو القيام بتصرّف غير محترَم أمام صوَر القدّيسين. يجب أنّ نرسّخ احترامًا لائقًا للصور المقدّسة في الأطفال منذ الصِغَر.

ماذا يجب أن نعمل إذا صارت أيقونة في حالة غير قابلة للإستعمال ولا يمكن إعادة ترميمها؟

لا يمكننا، تحت أي ظرف، أن نرمي أيقونة ببساطة، حتّى لو لم يتمّ تكريسها. الشيء المقدّس، ولو فقد شكله الأصليّ، يجب أن يعامَل دائمًا باحترام.

إذا كانت حالة الأيقونة قد تراجعت مع العمر، يجب أن تُؤخذ إلى الكنيسة للحرق في محرقة الكنيسة. إذا كان هذا مستحيلًا، نحرق الأيقونة بأنفسنا ونطمر الرماد في مكان لن يُلوّث أو يُعكَّر، مثلًا في مقبرة أو تحت شجرة في الحديقة.

الوجوه التي تُقبل علينا من الأيقونة تنتمي إلى الأبديّة. فلنرفَع صلواتَنا إليهم، ناظرين نحوهم، طالبين شفاعاتهم. نحن، الساكنين في العالم الأرضيّ، لا يجب أن ننسى أبدًا نداء مخلّصنا الأبديّ للتوبة، والكمال، وتألّه كلّ نفس بشريّة.

هل يخبر أحد في القبر برحمتك

“هل يخبر أحد في القبر برحمتك” (مز87: 12)

الأرشمندريت كاسيانوس عيناتي

 

كثيرون ينذهلون من فكرة الصلاة من أجل الأموات ويتساءلون، ماذا تنفع الصلاة وماذا يُرتجى؟ إن صلّينا من أجلهم؟ هل يتخلى الله عن عدالته ويمنح هؤلاء ما لا يستحقونه؟

إذا كنا نؤمن أن الصلاة تساعد الأحياء فلماذا لا نصلّي من أجل الأموات؟ ألَمْ يَرِدْ في الإنجيل على لسان الرب نفسه: “إن الله ليس إله أموات وإنما هو إله أحياء”؟ (لوقا 20: 38) فالموت ليس نهاية المطاف إنما هو مرحلة مصيرية من مراحل الحياة، والحياة لا تتوقف وتتجمد بالموت.

الصلاة هي دفقٌ من الحب تُجاه من نصلي من أجله. وإذا كان دفق الحب هذا له تأثيره القويّ بالصلاة تُجاه الأحياء. فله تأثيره أيضاً في الموت، “لأنّ المحبة قوية كالموت” (نش8: 6). والمسيح نفسه حطّم قيود الموت بموته حبّاً بالإنسان.

من الضلال الإعتقاد بأن العلاقة منقطعة بين مَن غيّبه الموت تحت التراب ومَن لا يزال فوق الأرض. ففيما نحن نحيا نزرع بذوراً تنمو في نفوس الآخرين وتُثمر ثماراً طيّبة. وهذه الثمار هي لمن يحملها، وأيضاً لمن كان السبب في إثمارها. فالذي يزرع له حصّة من الثمار ولو لم يكن هو صاحب الأرض الجيدة.

هذه الثمار لها انعكاساتها على حياة الإنسان حتى المجيء الثاني. ومصير الإنسان في اليوم الأخير لا يتوقف فقط على المدّة القصيرة التي عاشها على الأرض، بل على ما تركه من أعمال صالحة أو سيئة. فالأحياء، الذين أُلقيت البذور في أرضهم الجيّدة فأثمرت، يستطيعون بالتوسّل الى الله أن يستعطفوه من أجل الزّارعين الذين رموا الحبوب في أرضهم وأعطوا معنى لحياتهم ووجودهم. هؤلاء عندما يتوجهون نحو الله بشكر وامتنان وحبّ من أجل المحسن إليهم، يدخلون في الملكوت الأزليّ الذي يسمو فوق حدود الزمان ويكون لهم تأثير في مصير وحالة الدفين. وهم، في توجّههم الى الله من أجل مَن أحبهم وأحسن إليهم، لا يطلبون إليه أن يسامحه على ما فعل من سيئات متخلياً عن عدالته، وإنما يطلبون أن يمنحه البركة على الصالحات التي عملها من أجلهم.

الصلاة من أجل الأموات تحمل محبة وعِرفاناً بالجميل على ما تركوه لنا من خيرات روحية وغيرها. نحن لا نطلب من الله أن يتخلّى عن عدله ولا نسابقه على رأفته ومحبته للبشر، ولكننا نطلب إليه أن يشمل هذا المائت الرّاحل بوافر بركاته على ما ترك في نفوسنا وحياتنا من عناصر جيّدة وآثار حميدة.

وليفهم كل مصلّ أنه بصلاته لا يُقنع الله أو يُرغمه على شيء تُجاه من يصلي من لأجله، وإنما صلاته هي شهادة حيّة على أن الرّاحل لم يعش حياته سُدىً بل كان محباً وجديراً بأن يُحَب.

فالصلاة إذاً هي عمل محبة وعِرفان بالجميل تُجاه مَن أحبنا، وتفعيل لما تركته محبته في نفوسنا من أثر جيّد. يقول القديس اسحق السرياني: “لا تقتضب صلاتك على كلمات فقط، بل إجعل من حياتك كلّها صلاة أمام الله”. فالصلاة إذاً من أجل الأموات ليست بكلمات وإنفعالات من وقت لآخر نتذكر فيه الأموات فنصرخ إلى الرب من أجلهم، بل ينبغي علينا أن نفعل كلّ برّ وحقّ وقداسة خلّفه المائت في نفوسنا، ونضاعف ثماره، وعندها نتقدّم من الرب قائلين: كل صلاح في نفوسنا وكل زرع جيّد يعود بالفضل فيه إلى الراحل المائت. هذا يدعونا إلى تمجيد الرب بفخر وإعتزاز أمام الموت بالرغم من ظلمه وغدره. وهذا يفسّر بما يَرِد في جناز الأموات في الكنيسة الأرثوذكسية، حين يتحلق المؤمنون حول المُسجّى في نعش وبأيديهم الشموع وأرجاء الكنيسة تصدح بالفرح المنضبط مبتدئة بترتيل التبريكات: “مباركٌ انت يا رب علمني حقوقك”. نعم، نبارك الله ولا نخشى الموت الذي يبقى عسير القبول. ولكن، على رجاء القيامة، حيث تزعزعت وتخلّعت أُسس الموت، يبقى الموت السبيل الوحيد لتحرير الأرض من الجحيم، والقضاء على الألم والخطيئة.

الانغماس في الملذات

الانغماس في الملذات

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

 

لو تطلعنا بعناية للناس اليوم وللمجتمع المعاصر بوجه عام، فإننا نرى على الفور أنهم خاضعون لهوى محبة اللذة أو الانغماس في الملذات. عصرنا هو عصر طلب اللذة في أقصى درجاتها. للبشر ميل مستمر نحو هذا الهوى الرهيب الذي يدمر حياتهم بأكملها، ويحرمهم من إمكانية الشركة مع الله. يفسد هوى الانغماس في الملذات عمل الخلاص. النفس المنغمسة في الملذات تكون غير جديرة بأن تصبح إناءً للروح القدس، أو لأن تتلقى حضور المسيح داخلها.

هذه المسألة مهمة جداً، وسوف نقوم بتحليل هذا الهوى في الصفحات التالية. سوف نرى كيف يعبر عن نفسه، وسوف نفحص أسبابه ونحاول أن نصف كيف يمكن أن نتخلص ونتحرر منه.

في البداية ينبغي علينا أن نقول أن الانغماس في الملذات هو أحد الأسباب الرئيسية لكل خلل في كيان الإنسان الروحي والجسدي. إنه مصدر كل الرذائل وكل الأهواء التي تعتدي على كل من النفس والجسد. يعلِّم القديس ثيئودوروس أسقف إديسا أنه توجد ثلاثة أهواء عامة تؤدي إلى كل الأهواء الأخرى وهي محبة اللذة، ومحبة المال، ومحبة المديح. تولد الأرواح الشريرة الأخرى من هذه الثلاثة، وبالتالي “من تلك يتولد حشد عظيم من الأهواء وكل طريقة للشر”. حيث أن محبة المال ومحبة المديح تشتمل على اللذة الحسية الكبيرة المتولدة من الثروة والمجد، فإننا نستطيع أن نقول أن الانغماس في الملذات يولِّد كل الأهواء الأخرى. يشوه الانغماس في الملذات قوى النفس.

يشير القديس يوحنا الدمشقي لنفس النقطة. “الجذور أو الأسباب الرئيسية لكل هذه الأهواء هي محبة اللذة الحسية، ومحبة المديح، ومحبة الثروة المادية. يكمن أساس كل شر في هذه”. إن أياً من يريد أن يتحرر من الأهواء، أي تحويلها في الواقع، ينبغي عليه أن يجاهد أولاً ضد هوى الانغماس في الملذات الذي هو الأكثر جوهرية. اللذة هي القوة الدافعة التي توجه النفس. بحسب نوع اللذة التي تدفع النفس، تعمل النفس إما بطريقة غير طبيعية أو بطريقة تفوق الطبيعة. لو أخذنا في الحسبان حقيقة أن اللذة تستعبد النوس أيضاً، فإننا نبدأ في التحقق من آثارها المهمة على خلاصنا.

1- أسماء وتعريفات الهوى

إذ ندرس الكتابات النسكية للآباء القديسين، تواجهنا الأسماء العديدة المعطاة لهذا الهوى بما فيها: اللذة الحسية، والانغماس في الملذات، والحسية، والحلاوة. تعني اللذة الحسية الإشباع أو المتعة التي يشعر بها الشخص عند اختبار شيء ما، بما في ذلك الأفكار. الانغماس في الملذات هو ولعنا بعمل معين، ويشتمل ذلك على محبتنا لموضوع أو فكرة تحقق هذا الإشباع. يمكن أن نقول نفس الشيء تقريباً عن الحسية، التي هي الاستمتاع والابتهاج الذي تشعر به النفس. يقول إيليا القس: “في الواقع يرتكب الشخص الحسي الخطيئة المطروحة على الفكر”. “الشهوة هي مسألة الشر الخاص بالجسد، أما الحسية فهي مسألة تخص النفس”. على حين أن الشخص الشهواني “يكون عرضة بشدة للخطيئة بالفكر” حتى لو لم يخطئ بالظاهر، إلا أن الشخص الحسي “يرتكب بالفعل الخطيئة المقترحة على الفكر حتى لو كان يعاني داخلياً” (إيليا القس). بتعبير آخر، الحسية هي بصورة رئيسية مرض داخلي للنفس يشتهي الخطيئة ويرتكبها داخلياً.

بوجه عام كما سوف نناقش ذلك فيما يلي، يعمل هوى الانغماس في الملذات في كل من الجسد والنفس، ويكون سبب كل فعل خاطئ. الشخص الحسي والمنغمس في الملذات لديه ميل نحو الشر. إنه يفكر باستمرار في السوء ويتسلط عليه الشر. إن نفسه تكون قذرة ومجنونة.

2- أنواع الملذات الحسية

لقد كتب الآباء القديسون أن الأهواء هي اندفاعات غير طبيعية للنفس. إنها ليست مجرد قوى شريرة تخللت النفس وينبغي علينا اجتثاثها. إنها طاقات للنفس مضادة للطبيعة. تشوَه الأعمال الطبيعية للنفس بغواية الشيطان وبإرادتنا الشخصية الحرة. يمكن أن نقول نفس الشيء عن اللذة. اللذة الحسية، كما اختبرها أناس معرضون للأهواء مثلنا، هي لذة طبيعية متحركة في اتجاه غير طبيعي.

يرى القديس مكسيموس أن اللذة لها معنى مزدوج، إيجابي وسلبي. إنه ينظر للمعنى الإيجابي للذة في النص: “إنه يعرف لذة واحدة فقط وهي الاتحاد الزيجي بين النفس والكلمة”، التي هي “اشتياق النوس الطبيعي لله”. تكون مثل هذه اللذة “ضرورية لبقاء الطبيعة البشرية” وهي “نافعة” لاكتساب الفضيلة. إلا أن اللذة تعمل في أغلب الأحيان بطريقة سلبية مضادة للطبيعة. تعمل اللذة بحسب صحة أو مرض النفس، إما بطريقة فائقة للطبيعة أو بطريقة مضادة للطبيعة.

يعطي القديس يوحنا السلمي مثالاً مميزاً. لقد أخبره شخص ما عن نموذج للطهارة غريب ومتطرف. فكتب قائلاً: “رأى رجل إمرأة جميلة فمجد الخالق وبسبب هذه الرؤية وحدها تحرك نحو محبة الله وينبوع من الدموع. لقد كان من العجب أن نرى أن ما يسبب العثرة لواحد يكون سبب الأكاليل السماوية لآخر”.

يعلِّم القديس مكسيموس، بفطنته اللاهوتية المميزة وصحته الروحية، في موضع آخر أن الطبيعة البشرية لا تحتوي بذاتها على العناصر الداخلية لما هو وراء الطبيعة، ولا قوانين ما هو مضاد للطبيعة. إنه يقصد بالعناصر الداخلية لما هو وراء الطبيعة “اللذة الإلهية وغير المعبر عنها التي يحدثها الله بصورة طبيعية في أولئك الذين وجدوا مستحقين للاتحاد به من خلال النعمة”. بتعبير آخر، ليست اللذة الإلهية أو الفائقة للطبيعة مجرد قوة طبيعية للنفس. إنها نعمة يمنحها الله بالنعمة لأولئك المتحدين به.

يوصي القديس يوحنا السلمي أن نلتفت بعناية لئلا تكون الحلاوة الحاصلة في النفس والتي تنمو داخلها “قد أُعدَت بمكر من قِبَل أطباء ساخرين، أو بالأحرى مخادعين”. قد يجلب الله اللذة للنفس، لكن الشيطان يستطيع فعل ذلك أيضاً. حيث أن الشيطان يعمل بمكر خادع وعادة ما “يتحول إلى ملاك نور”، فلا شك أنه أحياناً ما يجلب لذة تبدو روحية لكي يستعبد نوس الشخص ويسرق محبته سراً.

بالتالي، لا ينبغي علينا أن نعطي حتى اهتماماً كبيراً للملذات الروحية طالما أن الأهواء تسود علينا وأننا قد نصبح ضحايا للخداع ولهجمات الشيطان. تكون اللذة الآتية من الله خالية من كل اضطراب داخلي، على حين أن لذة الشيطان، حتى لو كانت جيدة ظاهرياً، تحتوى على عنصر من الاضطراب.

لقد كان آدم مأسوراً بفكرة التأله. هذه الفكرة التي اقترحها الشيطان كانت مصدراً للذة. إلا أنها كانت خادعة وسببت له ألم ومعاناة، وموت روحي وجسدي. هذا هو السبب الذي يجعل الآباء القديسين يقولون أن “اللذة الخاطئة والمخادعة” جلبت السقوط وموت آدم.

ترتبط اللذة بالألم. يتسبب الانغماس في اللذة الحسية، أي اللذة العاملة بطريقة غير طبيعية والموجهة بطريقة خاطئة، في المعاناة والحزن. يوجد بالتالي ارتباط وثيق واعتمادية متبادلة بين اللذة والألم، الحسية والمعاناة. تجلب اللذة المعاناة، وخبرة المعاناة تنفي اللذة. يقول القديس مكسيموس: “تماماً مثلما يتبع الليل النهار والشتاء الصيف، هكذا يتبع الضيق والألم، الآن أو في المستقبل، الكبرياء واللذة الحسية”. يخلق الانغماس في اللذة الحسية الضيق والألم، في كل من الحاضر والمستقبل. كلما انخرط المرء في اللذة الحسية في هذه الحياة، كلما زادت معاناته في الحياة الآتية. من المهم جداً، كما يعلِّم إيليا القس، أن الشهوة والضيق دخلا نفس الإنسان بعد السقوط، ودخلت اللذة والألم جسده. بالإضافة إلى ذلك، “اللذة الحسية هي سبب الألم”.

لقد ذكرنا بالفعل أنه بحسب تعليم القديس مكسيموس “لم تخلق اللذة والألم مع الجسد في نفس الوقت” لكنهما “اختُرِعا” بواسطة التعدي. يكتب القديس مكسيموس نصاً مميزاً قائلاً: “بسبب اللذة غير العاقلة التي غزت الطبيعة البشرية، دخل الألم إليها بواسطة العديد من الآلام. إنه موجود في الداخل ومن هذه الآلام نبع الموت”. جلبت اللذة غير العاقلة الألم العاقل، مما تسبب في الموت الجسدي والروحي للإنسان. يكون الألم والمعاناة التي نشعر بها نتيجة لاختبارنا للذة غير الطبيعية وغير العاقلة. يعلِّم أيضاً القديس غريغوريوس بالاماس أنه، في عالم التعدي وفي حالتنا الساقطة، لا يمكن أن نسمي اللذة الحادثة في إطار زواج شرعي بهدف التناسل “عطية إلهية” لأنها “جسدية وهي عطية من الطبيعة وليست من النعمة، حتى على الرغم من أن الله خلق الطبيعة”.

على الرغم من أن الله خلق الطبيعة، إلا أن اللذة في الزواج المبارك من الكنيسة، على حين أنه ليس محل إدانة، إلا أنها ليست عطية إلهية، لكنها أمر جسدي وطبيعي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي يُحبَل بها بالإنسان وطريقة نموه في الرحم وولادته هي “أقمصة الجلد” التي ارتداها بعد السقوط. لم تكن هذه العملية موجودة قبل سقوط الإنسان. لقد أُدخِلَت بعد السقوط وليس قبله.

على الرغم من أن نفس اللذة الحسية تكمن بخفاء داخلنا جميعاً، إلا أننا نستطيع تمييز العديد من الأشكال المختلفة. يقول إيليا القس أن اللذة تثبت نفسها في كل أجزاء الجسد “إلا أنه لا يبدو أنها تزعج كل أحد بنفس الطريقة”. نستطيع أن نقول نفس الشيء عن آثارها على نفوس الناس. إنها تتسبب في خلل جزء النفس الراغب لدى البعض، على حين أنها تتسبب في خلل الجزء الحسي في البعض الآخر، والجزء العاقل في البعض الآخر.

نستطيع أن نصنف اللذة في فئات متنوعة. توجد لذة التفكير والتعقل، ولذة الرغبة، ولذة إنجاز أمر ما. يتمتع بعض الناس بالخيالات والتفكير. هذه هي اللذة الحسية التي للجزء العاقل من النفس. يقع الأشخاص الذين يحبون الكلام عن الله مستخدمين إمكانيتهم العقلية والتفكير البشري تحت هذه الفئة. هذه هي طريقة أخرى لإشباع هوى اللذة الحسية، مما جعل الآباء القديسين يعلِّمون أن علم اللاهوت الحقيقي يأتي من الهدوء والعفة. تكون دراسة حقائق الإيمان بطريقة ذهنية وسيلة للتعبير عن اللذة الحسية الموجودة داخلنا، ولاختبارها. يجد الأشخاص الواقعون في قبضة الأهواء، ولكنهم لا يريدون ارتكاب الخطيئة ظاهرياً بسبب وضعهم الذي يتمسكون به، مخرجاً في الخيالات والتفكير. كما قلنا بالفعل من قبل، وفي التحليل النهائي هذه طريقة للانغماس الحسي.

يوجد أناس يشتهون ارتكاب فعل معين ولكنهم لا يريدون ذلك لأسباب عديدة. تثير هذه اللذة كل طاقات النفس. يكون مثل هذا الشخص أخلاقياً من الخارج، إلا أنه مريض من الداخل. لا يسمح الانغماس في هذا النوع من اللذة للشخص أن يقتني حياة روحية نقية.

إننا نرى في تعاليم الآباء القديسين أنه ينبغي على الصلاة أن ترتبط بكل تعاليم الكنيسة النسكية، وإلا لن تساعد الشخص على التطهر داخلياً. والأكثر من ذلك، أن أولئك المأسورين والمشمولين بهذه اللذة السرية الداخلية لا يستطيعون أبداً عمل اعتراف كامل. إنهم يستطيعون الاعتراف بصدق فقط عندما يتخلصون من هذا الجرح الداخلي.

بحسب تعليم الآباء القديسين، تكون جذور أهواء مثل الهرطقة والإلحاد والكفر كامنة في الجزء العقلي من النفس، وتكون أهواء مثل الزنا والنهم مزروعة في الجزء الحسي من النفس، وأهواء مثل الكراهية والغضب وتذكر الأخطاء تزدهر في الجزء الانفعالي. إننا إذ نضع ذلك في اعتبارنا، ندرك أن اللذة الحسية التي تنمو داخل كل أجزاء النفس الثلاثة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه الأهواء.

لا ترتبط اللذة الحسية فقط بالنجاسة وبما يسمى الأهواء اللحمية، ولكنها ترتبط أيضاً بالهرطقة والكفر وتذكر الأخطاء والإلحاد وما إلى ذلك. يجد بعض الناس لذة في الإلحاد على حين يتمتع الآخرون بكراهية واضطهاد أقاربهم من الجنس البشري. إنها وحش متعدد الرؤوس وليس من السهل تمييزه. يكون من السهل تحديد اللذة الحسية في بعض التعديات الكبيرة والواضحة، إلا أنه يكون من الأصعب إدراكها عندما تكون مرتبطة بالكراهية، أو الكفر، أو الهرطقة. عادة ما يشبع الناس رغباتهم الحسية عندما يحاربون الله، أو يكرهون أخيهم. يكون أيضاً ميلنا لكسب المديح واقتناء الخيرات المادية طريقة خفية للانغماس في اللذة الحسية. إننا نريد المجد، والقوة، والمال لكي نشبع هوى الانغماس في الملذات غير الطبيعي.

ليست اللذة الحسية مجرد حيوان متعدد الرؤوس؛ لكنه أيضاً متميز جداً. فهذا الحيوان لديه طرق عمل خاصة مميزة تجعله ظاهراً وتفضح وجوده، ولكنها تخفيه أيضاً. لن أتوقف طويلاً عند هذه النقطة لأننا تناولناها بالفعل، لكنني أود التأكيد على أنه، بحسب تعليم القديس يوحنا السلمي الذي أثبت أنه معلم للحياة الروحية وكشف كل حركات النفس الخفية، “عادة ما يبدو الخاضعون للذة الحسية متعاطفين، رحماء، ومعرضين باستمرار لوخز الضمير”. هذه العبارة غريبة وتظهر كيف يمكن أن تختفي الأهواء الخسيسة، وخصوصاً محبة اللذة الحسية، وراء الفضائل الظاهرية.

كيف يمكن لشخص رحوم ومعرض باستمرار لوخز الضمير أن يعرف أن لديه هوى الانغماس في الملذات؟ يعلِّم القديس مرقس الناسك قائلاً: “الشخص المنغمس في الملذات يتضايق من النقد والشدائد؛ على حين يتضايق الذين يحبون الله من المديح والتنعم”. عندما يُنتَقَد الرجل المنغمس في الملذات ويُفترى عليه ينزع ثياب الحمل التي للحنو والشعور بالذنب، ويتحول إلى حيوان، إلى ذئب مفترس. الذي يحب اللذة لا يستطيع تحمل الشدائد أو اللوم، على حين أن الذي يحب الله يحزنه المديح والطمع.

الإنسان ويوم السّبت

الإنسان ويوم السّبت*

الأرشمندريت توما بيطار

 

يا إخوة، التّمسّك بيوم السّبت، عند اليهود، جاء إثر السّبي إلى بابل. هناك، وجد اليهود أنفسهم محرومين من الهيكل. والهيكل هو المؤسّسة الّتي حولها كانت تدور حياة اليهود العباديّة. فلمّا بات الهيكل خلفهم، أرادوا مؤسّسة أخرى يتمسّكون بها، تكون تعبيرًا عن إخلاصهم لله؛ فكان السّبت. وقد تفنّن اليهود، لاسيّما الفرّيسيّين، في الأحكام الخاصّة بيوم السّبت. ظنّوا أنّهم، بهذه الطّريقة، يحافظون على هويّتهم كشعب لله؛ فقالوا بأحكام عديدة جدًّا، في شأن الأصول المرتبطة بيوم السّبت. لا يجوز، مثلاً، أن يُشعل اليهوديّ نارًا، يوم السّبت؛ ولا أن يعمل. القطاف ممنوع، يوم السّبت؛ وكذلك السّير إلى مكان بعيد كان. لقد أجاز اليهود للمؤمن أن يسير بعيدًا عن بيته مسافة سبت، فقط؛ أي ما يعادل ستّمئة خطوة.

إذًا، اليهود جعلوا يوم السّبت سلسلة من القيود الّتي فرضوها على أنفسهم. وكانوا، طبعًا، يقرأون الكتاب العزيز. والفرّيسيّون، الّذين يحبّون تحويل الشـّريعة إلى أحكام شكليّة، قالوا بأكثر من ذلك. الفرّيسيّون اعتبروا أنفسهم قيّمين على الشـّريعة، وعلى أحكامها، وعلى كلّ ما يرتبط بها. وكانوا هم، في الحقيقة، الأكثر تأثيرًا بين اليهود. وهم الّذين احتجّوا، هنا، في هذا الإنجيل، على يسوع، لمّا “اجتاز في السّبت بين الزّروع، وجعل تلاميذُه وهم سائرون يقلعون السّنابل”. إذًا، يسوع وتلاميذه كانوا يتحرّكون بحرّيّة، وكانوا يقلعون السّنابل ليأكلوا. هذا اعتبره الفرّيسيّون منافيًا لأحكام يوم السّبت، لأنّه ضَرْبٌ من العمل. يسوع ردّ عليهم بعنف، قال: “السّبت جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت”. ما معنى هذا الكلام؟! السّبت جُعل لأجل الإنسان، لأنّ الرّبّ الإله خلق الخليقة في ستّة أيّام، وفي اليوم السّابع استراح. الرّاحة، هنا، كانت تعبيرًا عن الفرح، لأنّ كلّ شيء قد تمّ. والسّبت، أيضًا، هو اليوم الّذي أُعطي للإنسان لكي يشكر، ويفرح، ويتعاطى الكلام الإلهيّ، ويتعاطى، أيضًا، كلّ عمل خير. إذًا، السّبت كان نوعًا من تفرّغ لله، تفرّغٍ للرّكون إلى الله، لشكر الله؛ لأنّ الإنسان، في نهاية المطاف، ليس آلة تعمل، بصورة دائمة. العمل الأساسيّ، الّذي يُفترض بالإنسان أن يقوم به، هو أن يجلس إلى ربّه بعمل الخير، بالكلمة الإلهيّة، بالشـّكر، بالتّسبيح… لذا، السّبت كان، بمعنًى من المعاني، تخطّيًا لِما هو من هذا الدّهر إلى ما هو من الدّهر الآتي. المهمّ أن يعمل الإنسان عمل الله، في كلّ حين. وفي السّبت، بخاصّة، يتروّض الإنسان على عمل الله، وعلى أن يكون في عشرة مع الله، أن يذكر الله، أن يسبّح الله، أن يمجّد الله… والإنسان يمجّد الله بكلّ عمل صالح، وبالشـّكر والتّسبيح. الإنسان، في الحقيقة، ليس إنسانًا عاملاً، في هذا الدّهر، أي إنّه ليس إنسانًا يعمل، بصورة دائمة، في أمور هذا الدّهر. الإنسان، في الحقيقة، هو إنسان عابد، هو إنسان مُسبِّح، هو إنسان ليتورجيّ، هو إنسان يشكر… إذًا، هذا الإقبال على ما هو لله كان هو جوهر يوم السّبت، وكان يحمل في طيّاته نَفَسًا من ملكوت السّموات، من عشرة الإنسان الكاملة والأبديّة مع الله. من هنا، الإنسان يفرح بالملكوت، منذ الآن؛ ويتروّض على عشرة الله، منذ الآن، في كلّ عمل، وقول، وفكر… لكن، أيضًا، الأمور تأتي في زمن، تتمّ في زمن. لذلك، إذ يتفرّغ الإنسان، بالكامل، لوجه ربّه؛ يعبّر، في الحقيقة، عن توقه إلى أن يكون مع الله، أوّلاً وأخيرًا. المهمّ أن يملأ ذِكرُ الرّبّ الإله ذهنَ الإنسان، وفكرَه، وقلبَه. السّبت، إذًا، هو هذه النّفحة الإلهيّة، الّتي أُعطيت لنا، حتّى نكون مع الله، بصورة متواترة. لكنّ الفرّيسيّين جعلوا السّبت فروضًا وحملاً ثقيلاً؛ بدلاً من أن يخفّف عن الإنسان، يثقّل عليه؛ وبدلاً من أن يفرّح قلب الإنسان، يجعله في الغمّ والضّيق: افعل هذا، ولا تفعل ذاك؛ تحرّك إلى هنا، ولا تتحرّك إلى هناك… وهذه أمور شكليّة، لا قيمة لها؛ لأنّها لا تعطي الإنسان فرصة لأن يفتح قلبه وكيانه للرّبّ الإله، وأن يستمدّ منه نعمة، وأن يشتاق إليه، وأن يسعى لعبادته وشكره، في كلّ آن.

إذًا، السّبت جُعل لأجل الإنسان. والإنسان، في الحقيقة، جُعل لأجل الملكوت! لكن، هنا، الكلام أنّ الإنسان صار لأجل السّبت – وهذا ما نفاه، طبعًا، الرّبّ يسوع – يشير إلى تحويل السّبت إلى قيد للنّاس، بدلاً من أن يكون إطلاقًا لهم في ضروب الحرّيّةِ: حرّيّةِ الرّوح، وحرّيّةِ القلب؛ الحرّيّةِ، في الحقيقة، من الدّهريّات، والانطلاق في الإلهيّات؛ لأنّ الإنسان، فقط، إن عرف الله، صار حرًّا: “تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم”. إذًا، اليهود، لا سيّما الفرّيسيّين، قتلوا السّبت، وقتلوا الإنسان من خلال السّبت؛ جعلوا عليه قيدًا؛ فقيّدوه، وخنقوه، وظنّوا أنّ لهم في ذلك حياة، وكانوا أغبياء! السّبت يعبّر عن نفسه، بخاصّة، بين النّاس، بعمل الخير. لذا، دخل يسوع المجمعَ، في السّبت، أيضًا، وكان هناك إنسان يده يابسة، وكانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت، لكي يشكوه. انتبهوا لهذا الأمر! لم يكن هَمُّ الفرّيسيّين ما إذا كان يسوع من الله أم لا، ولا كان همّهم أن يُشفى إنسان يده يابسة. تمسّكهم بشكليّات الأمور خنق فيهم الرّوح! خنق فيهم الحسّ! كانوا يعرفون، نظريًّا، أنّ الإنسان لا بدّ من أن يكون من الله، إن شفى أحدًا يدُه يابسة. لكنّ الحفاظ على شكليّات السّبت ارتبط فيهم بالقلق، والخوف، والاضطراب؛ حتّى إنّهم فقدوا الإحساس بالإلهيّات! الإنسان، أحيانًا، يتمسّك بشكليّات الأمور، إلى حدّ أنّه يقتل الرّوح، فلا يحسّ بعمل الرّوح، من بعد، بأيّ شكل من الأشكال. هذا، بالضّبط، ما حدث للفرّيسيّين ولليهود: “كانوا يراقبونه هل يشفيه في السّبت لكي يشكوه”! بدلاً من أن يمجّدوا الله، صار همّهم أن يسجّلوا عليه وقوعه في ما اعتبروه محظورًا، أن يأخذوا عليه مخالفته لأحكام يوم السّبت! وأحكام يوم السّبت هذه اختراع من النّاس، لا من الله. إذًا، مات في اليهود الإحساسُ بالخير: الإحساس بالله، ومن ثمّ الإحساس بالإنسان. كلّ مفهوم الصّلاح والخير تغيّر، نتيجة ذلك. الإنسان، إذا ما تحوّلت حياته إلى مجموعة من الأحكام الشـّكليّة يسلك فيها؛ لا يبقى، إذ ذاك، إنسانًا! يفقد حتّى إنسانيّته، يفقد شعوره الإنسانيّ! لا يفقد، فقط، شعوره من جهة الله؛ إنّما يفقد، أيضًا، شعوره من جهة الإنسان!

طبعًا، إذا ما شاءت الكنيسة أن تجعل هذا الإنجيل في هذا اليوم بالذّات، أي في السّبت الأوّل من الصّوم؛ فالقصد أن نحذر لكي لا نقع، ونحن سائرون في الصّوم، في ما وقع فيه اليهود! نحن، إن أكلنا، فلا نزيد؛ وإن لم نأكل، فلا ننقص! الموضوع ليس، أبدًا، موضوع الامتناع عن الطّعام. الموضوع ليس، أبدًا، موضوع إتمام مجموعة من الفروض: أن نأتي، مثلا، كلّ يوم، إلى الكنيسة لنشترك في صلاة النّوم الكبرى، أو في القدّاس السّابق تقديسه… الموضوع ليس موضوع واجبات! لا يمكننا أن نحوّل ما رتّبته الكنيسة إلى أحكام شكليّة! حتّى لو أتممنا الصّيام والانقطاع عن الزّفر كما يليق، إذا لم يتغيّر في قلوبنا الإحساس من جهة وقفتنا قدّام الله، وقدّام النّاس، وقدّام أنفسنا؛ وإذا لم يَنْمُ، نتيجة الصّوم، إحساسُنا بأنّنا بشر خطأة، وبأنّنا لا نحبّ كفاية، وبأنّنا لا نطيع الله كما يليق؛ وإذا لم يكن لدينا سعي لفتح صفحة جديدة في علاقتنا بالله، في محبّتنا لله؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في سلوكنا في رحمة النّاس، في الصّدقة الّتي نتعاطاها مع النّاس؛ وإذا لم نفتح صفحة جديدة في نظرتنا إلى أنفسنا؛ فإنّنا، بلا أدنى شكّ، نتمّم فروض الصّوم الشـّكليّة، لكنّ النّتيجة تكون أنّنا نشعر بالبِرّ الذّاتيّ، وبأنّنا أتممنا فروضنا كما يليق؛ ومن ثمّ، قد صرنا على قاب قوسين وأدنى من ملكوت السّموات. وهذا كذب! المهمّ أن يتغيّر القلب. المهمّ، إذا كنّا لا نحبّ الآخرين كفاية، أن نمتدّ صوبهم، أن ننعطف عليهم. المهمّ، إذا كنّا، في السّابق، قد فترنا من جهة علاقتنا بالله، أن نستعيد حرارة الوقوف قدّام الله، أن نستردّ الإحساس بأنّنا لا نستحقّ أن نكون عبيدًا لله. إذا لم نحقّق شيئًا من هذا كلّه، فإنّ فروض الصّوم لا تنفعنا شيئًا.

إذًا، علينا أن نحذر لئلاّ يصير الصّوم سبيلاً إلى الغطرسة، والبرّ الذّاتيّ، وإدانة الآخرين، والشـّكليّات. لذلك، نحن نخفي كلّ ما نصنعه في الصّوم، سواء امتناعًا عن الطّعام كان، أم إحسانًا إلى النّاس، أم عبادة لله… كلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في الصّوم ينبغي أن يكون لدينا مجالاً للتّملّؤ من حضرة الله، للتّملّؤ من الوعي بأنّنا بشر في حاجة إلى تنقية، وأنّ الرّبّ الإله هو مُنقّينا! وللتّملّؤ، أيضًا، من الإحساس بوجود الآخرين، من الإحساس بمحبّة الآخرين، برحمة الآخرين… هذا كلّه هو المُرتجى، وهو ما علينا أن نسعى إليه، لكي يكون صومنا لأجل الإنسان، ولا نكون نحن لأجل الصّوم. نحن لسنا لأجل الصّوم! هناك، ربّما، مَن يظنّ، في الكنيسة أو في خارجها، أنّه، إن تمّم فروضًا معيّنة؛ فإنّه يقتني الملكوت. وهذا كذب. المهمّ أن تتغيّر قلوبنا، أوّلاًَ وأخيرًا، وأن نصير جُدُدًا، وأن نمتلئ من روح الله. إذ ذاك، يتسلّل الفصح إلينا، لكي يقيم فينا؛ فنفهم، حينئذٍ، معنى الحياة الجديدة، ومعنى القيامة في الرّوح!

فمن له أذنان للسّمع، فليسمع.

*  عظة حول مرقس 2: 23- 28، 3: 1- 2 في السّبت 7 آذار  2009

 

 

الصلاة لمجموعة من الآباء القدّيسين

الصلاة لمجموعة من الآباء القدّيسين

إعداد راهبات دير مار يعقوب، دده – الكورة

إنّ الحياة الروحيّة ليست مجرّد جهاد سلبيّ ضدّ الخطيئة، وإنّما لها عنصر إيجابيّ وهو النموّ في الروح حتّى يصل الإنسان إلى الملء. فمسكين ذاك المجاهد الذي يقضي حياته في صراع مع الخطيئة. يشتهي ويقاوم شهوته، ويقع ثمّ يقوم، ثمّ يقع ليقوم إلى غير استقرار، دون أن ينظر ويذوق ما أطيب الربّ. فالذي لم تدخل محبّةُ الله إلى لبّه لا تنتظر أن يقف على قدميه في طريق الملكوت، فهو متعثّر أبدًا، وبناؤه الروحيّ على غير أساس متين، ولا يحتمل أن يقاوم صدمات الريح وسيول الأمطار. لذلك كان لا بدّ لكلّ أحد أن ينمو في محبّة الله، وتكون هذه المحبّة الأساس الذي يرتكز عليه كلّ عمله الروحيّ. ولكنّ الإنسان لا يمكنه، مطلقًا، أن يسلك في طريق الروح من دون معونة الله ونعمته، إذ يضحي كلّ عمله اتّكالاً باطلاً على قوّته البشريّة. ولمّا كانت للنعمة وسائط روحيّة عن طريقها تقدّم عطاياها لمحبّي الله، لذلك ينبغي لكلّ سائر في طريق الله أن يمارس هذه الوسائط الروحيّة كالصلاة والقراءة الروحيّة والتأمّل والصوم وغيرها.

أمّا الصلاة، فهي أوّل واسطة من وسائط النعمة التي كثيرًا ما نسمع بها ونقرأ عنها وعن ضرورتها للخلاص. فما هي الصلاة يا ترى؟ لا يوجد تعريف واحد للصلاة، فلقد عرّفها كلّ قدّيس تعريفًا خاصًّا كما اختبرها في حياته المقدّسة مع الله. فمن قائل إنّها مفتاح السماء، وشفاء السقماء، إلى قائل بأنّها معين جبّار وسلاح بتّار، إلى ثالث وصفها بأنّها ميناء أمين وكنز ثمين وعمل الروحانيّين.

فالقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يقول: “الصلاة سلاح عظيم وأساس بركات لا تحصى”. ويعرّفها القدّيس باسيليوس الكبير بأنّها “التصاق بالله في جميع لحظات الحياة ومواقفها”. أمّا المغبوط أغسطينوس فيعرّفها على أنّها “مصدر لكلّ الفضائل وعمل الملائكة وأساس الإيمان”. وأمّا الربّ يسوع، فقد أعطاها كلّ القوّة والاقتدار إذ قال: “كلّ ما تطلبونه في الصلاة بإيمان تنالونه” (متّى 21: 22). فالصلاة تقتدر كثيرًا في فعلها، لذا لا نعجب إذا كان عملها أسمى من كلّ عمل آخر وأرفع كما يبرهن ذلك القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم بقوله “حينما تصلّي ألا تتحدّث مع الله؟ أيّ امتياز مثل هذا؟!”.

من دون الصلاة لا تستقيم الحياة الروحيّة، لأنّ هناك علاقة وثيقة لا تنفصم بين الصلاة وحياة الروح. فأنا أستطيع أن أكون تحت قيادة الروح بصفة دائمة إذا عشت حياة الصلاة المستمرّة، لذا كانت حاجتنا إليها ضروريّة أكثر من أيّة حاجة أخرى. الصلاة هي كلّ شيء في حياة المؤمن الحقيقيّ، لأنّها شركة مع الخالق، وهي الرباط المتين الذي يربطنا به ويشدّنا إليه. فمن يجسر، إذًا، على القول إنّه ليس بحاجة إلى الصلاة؟ إنّ من يجسر على هذا القول إنّما يُظهر أنّه بغير حاجة إلى الله ذاته، وإلى عونه. فالقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم يعلّمنا قائلاً: “إذا لاحظت إنسانًا لا يحبّ الصلاة، فاعرف، في الحال، أنّه ليس فيه شيء صالح البتّة، فالذي لا يصلّي لله هو ميت ولا حياة فيه”. وليس أدلّ على لزوم الصلاة للإنسان، وحاجته الماسّة إلهيا، من أنّها كانت جزءًا هامًّا في حياة السيّد المسيح وهو في الجسد مع أنّه لم يكن في حاجة إلى الصلاة، إذ دُفع إليه كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض، ولكنّه ترك لنا مثالاً لكي نتبع خطواته.

إنّ احتياجاتنا الجسديّة والروحيّة توضح بأجلى بيان حاجتنا إلى الصلاة، أمّا خبرتنا الروحيّة، فتُظهر لنا بأنّه من المستحيل السير في الطريق الروحيّ من دون الصلاة، وما أكثر ما قاله الآباء القدّيسون في هذا الصدد. فالمغبوط أغسطينوس يقول: “ليس أحد من المدعوّين يقدر أن يفوز بخلاصه من دون معونة الله، ولا أحد يستحقّ هذه المعونة إلاّ بالصلاة”. أمّا القدّيس بولس الرسول، فبعدما ذكر أنواعًا مختلفة من الأسلحة الروحيّة في رسالته إلى أهل أفسس، أضاف: “مصلّين بكلّ صلاة وطلبة كلّ وقت في الروح” (أف 6: 18)، وهكذا أوضح أنّ خوذة الخلاص وترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله لا تغني كلّها عن الصلاة. ودوّن القدّيس يوحنّا السلّمي: “إنّ سرّ دوام النعمة والفضيلة هو في دوام الصلاة. فكلّ من يتوكّأ على عكّاز الصلاة لا تزلّ قدماه. وحتّى إن زلّت، فهو لن يقع تمامًا، لأنّ الصلاة سند للسائرين في طريق التقوى”.

بالصلاة يسكن خوف الله في قلبنا. بالصلاة ننال بركات روحيّة لا تحصى، فهي تؤهّلنا لحلول الروح القدس فينا. الصلاة تنجّينا يوم الدينونة العظيم، وتؤهّلنا لرحمة الله ومعونته ونعمته. بالصلاة نقتني النقاوة والفرح الكامل، لأنّه لا فرح يعادل فرح شركتنا مع الله أثناء الصلاة. فلنتمسّك، إذًا، بالصلاة قدر ما نستطيع، لأنّها السلاح الأقوى الذي به نحارب وننتصر. وحتّى تكون لصلاتنا هذه القوّة وهذه الفاعليّة وجب أن تكون:

1)    من قلب طاهر، لأنّ الشهوات الكامنة في القلب تعيق الصلاة. ولا نقصد هنا بالقلب الطاهر هو ذاك الذي تطهّر من الخطيئة، فقط، بل القلب غير المنقسم على ذاته، أي الذي لا يعرج بين محبّة الله ومحبّة العالم كما يقول المرنّم: “بكلّ قلبي طلبتك” (118: 10).

2)    أن تكون بحسب مشيئة الله أي أن نسأله ما يتّفق مع محبّته وحكمته مردّدين دومًا: لتكن لا إرادتي بل إرادتك. فلنقدّم، إذًا، ما شئنا من الطلبات مشفوعة، دومًا، بروح التسليم الكامل، وهذا ما دعانا إليه الربّ في الصلاة الربّانيّة إذ نقول: “لتكن مشيئتك”. أي من الممكن أن ننال الطلبة ومن الممكن، أيضًا، ألاّ ننالها البتّة، أو ننالها بعد حين. ويؤكّد هذا القول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم قائلاً: “إنّ الصلاة بركة كبيرة سواء نلنا طلباتنا أو لم ننلها، لأنّ الله فيما يعطي أو لا يعطي إنّما يفعل ذلك لخيرنا”. فلا تحزن إن لم تنل، أو إن تأخّرت استجابة الطلب، فلست أنت أحكم من الله. فلربّما تكون طلبتك ليست لصالحك، أو إنّ الله يريد أن يعلّمك المثابرة في السؤال واللجاجة في الطلب.

3)    أن تكون الصلاة، أيضًا، بإيمان كامل، فالرسول بولس يقول: “لنتقدّم إذًا بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد عونًا في حينه” (عب 4: 16). فالصلاة بدون إيمان باطلة ولا قوّة لها، لأنّ “الإيمان هو جناح الصلاة وبدونه تعود الصلاة إلى حضن الإنسان ثانية” على حدّ قول القدّيس يوحنّا السلّميّ. أمّا القدّيس يوحنّا كاسيان فيتساءل: “من هو البائس؟ هو الذي يصلّي ولا يؤمن أنّه سيحصل على جواب”.

4)    أن تكون الصلاة مقرونة بالصفح عن خطايا القريب، فلقد قال الربّ يسوع: “ومتى وقفتم تصلّون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء” (مر 11: 25). والقدّيس نيلس السينائيّ يقول: “إنّ من يصلّي وفي نفسه حقد يشبه من يصبّ ماء في دلو مثقوب”.

5)    أن تكون، أيضًا، مقترنة بالشكر، فتزداد لك بذلك البركات والعطايا، فالقدّيس إسحق السوريّ يذكّرنا بأنّ “من لا يشكر على القليل هو كاذب إن قال إنّه يشكر على الكثير”.

6)    يجب أن تعرف أنّ كلّ معدة مثقلة بالأطعمة لا تدع صاحبها عقلاً متجمّعًا أثناء الصلاة، لأنّ الامتلاء يسبّب كسلاً واسترخاء.

ليست الصلاة سهلة كما تظنّ، إذ هي تحتاجإلى أعراق وأتعاب وجهاد كبير مع تغصّب وصبر جزيل. فها هوذا القدّيس مكاريوس الكبير يقول: “إنّ من يلازم الصلاة يحتاج إلى جهاد أكثر من سائر الأعمال، لأنّ الشرّير يناصبه العداء، محاولاً إبطال الصلاة. لذلك يلزم من يصلّي  الجهاد حتّى الدمّ مقابل أولئك الذين يسعون لإبعاد النفس عن الله”.  بقدر ما للصلاة من بركات بقدر ما تحتاج إلى جهاد. فالقدّيس إسحق السوريّ يوضّح لنا هذا بقوله: “إنّ جهاد الصلاة مرير وشاقّ، ولكنّ المؤمن يُقبل إليه من أجل البركات المقترنة به”. لذلك علينا أن نعرف كيف يجب أن نصلّي، ليكون جهادنا مثمرًا، ولتسهل علينا صلاتنا. فمثلاً الوضع الجسديّ له دخل كبير في انتباه الفكر، ويخطئ من يظنّ أنّه لا علاقة بين الصلاة والوضع الجسديّ للمصلّي. فأوضاعنا الجسديّة أثناء الصلاة تدلّ على مدى توقيرنا للربّ، وتذلّلنا أمامه، وخشيتنا له ما يسبّب في استجابة الصلاة، ونوال بركات ونعم روحيّة إلهيّة.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى بعض خدع الشيطان والجسد: فقد يحدث أحيانًا أن يشعر المرء بالضعف الجسديّ وبثقل الأعضاء كما حصل لأحد المجاهدين الذي كان يشعر بصداع عند بدء الصلاة. أمّا هو، فكان يقول لنفسه: “يا شقي لعلّك تموت في هذه الساعة، فاغتنم فرصة صلاتك قبل موتك”. وهكذا كان يتمّم صلاته، وبمجرّد فراغه كانت يسكن الصداع. لهذا يجب الحذر جيّدًا في جهادنا، غاصبين أنفسنا وأجسادنا إلاّ في حالات المرض الحقيقيّ والضعف الجسديّ الظاهر.

وما يساعدنا على الصلاة، أيضًا، التمهيد للصلاة والإعداد لها بفترة من الصمت والهدوء، محاولين أثناءها رفع عقولنا وقلوبنا عن كلّ ما هو دنيويّ، ناسين كلّ أشغالنا واهتماماتنا، لأنّ القدّيس يوحنّا كاسيان يعلّمنا بقوله: “إنّ الأشياء التي يكون عقلنا يفكّر فيها قبيل ساعة الصلاة ستعاودنا بالضرورة أثناء الصلاة”. لذلك من المهمّ جدًّا أن نُشعر أنفسنا أنّنا في حضرة الله، وأنّه يرانا ويسمعنا، وهو قريب منّا ينظر إلينا. فبمثل هذه الأحاسيس والمشاعر هيّئْ ذاتك قبل الصلاة لتحسّ بالحرارة والدفء يتسرّبان إليك، إذ لا يليق أن تنتقل من الأشياء التي كنت منهمكًا فيها إلى الصلاة مباشرة، لأنّك إن فعلت هذا لن تحسّ بفاعليّة الصلاة، ويكون بالتالي فكرك مشتَّتًا.

وحينما تبدأ صلاتك جاهد أن تتبع بفكرك كلّ كلمة يلفظها لسانك، فالقدّيس يوحنا التبايسي ينبّهنا قائلاً: “لا تظنّ، يا أخي، أنّ الصلاة هي مجرّد كلام. إن الله روح، فصلّ أمامه بالروح”. أشركْ عقلك وقلبك ولسانك، لأنّ كثيرًا ما يحدث أنّ اللسان يتلو كلمات الصلاة في حين أنّ العقل والقلب لا يشعران بما يُتلى. فلا تنشغل بأيّ أمر عن الصلاة، وأغلقْ نوافذ حواسّك حتّى لا يدخل ما يشتّتها. تغافل عن ضروريّات الجسد عند وقوفك للصلاة “حتّى ولو لدغك برغوث أو بعوضة أو ذبابة، فلا تنشغل بها لئلا تخسر الربح العظيم الذي للصلاة” كما قال أحد آباء البرّيّة. ويُحكى عن أخ أنّه كان يمشي، ذات يوم، في البرّيّة مصلّيًا، فظهر له ملاكان وسارا معه عن يمينه ويساره. أمّا هو، فلم يحوّل انتباهه إليهما حتّى لا يخسر ثمرة الصلاة، متذكّرًا قول الرسول بولس: لا ملائكة ولا رؤساء ولا قوّات تستطيع أن تفصلنا عن محبّة المسيح” (رو 8: 39).

فلنتمسّك، إذًا، بالصلاة قدر ما نستطيع، ولا نتعلّلن، قطّ، بقولنا إنّنا لا نعرف كيف نصلّي، أو إنّه لا قوت لدينا، فأشغالنا ومسؤوليّاتنا كثيرة. أمّا عدم المعرفة، فالروح القدس كفيل بأن يعلّمنا كيف نصلّي إنّما المهمّ أن نبدأ نحن، وأن نبدي استعدادنا. وأمّا عدم توفّر الوقت، فالمسألة تحتاج، في الواقع، إلى تنظيم وقت، لكي نوفّق بين واجباتنا نحو الله وواجباتنا الأخرى، وذلك يحتاج إلى إلغاء الوقت الضائع في المحادثات الباطلة، مثلاً، والزيارات غير المجدية. إذن، الأمر يرجع في الحقيقة إلى إهمالنا وتهاوننا، أو إلى استثقالنا للصلاة، أو لشعرونا بأنّ الصلاة هي للرهبان وحسب. إنّ هذا التفكير خاطئ، فالملك داودكان ملكًا وقائدًا للجيش وقاضيًا للشعب وله أسرة كبيرة، وعلى الرغم من هذا كان يقول: “سبقت عيناي وقت السحر لأتلو جميع أقوالك” (مز 118: 148). وكذلك: “سبع مرّات في النهار سبّحتك” (مز 118: 164). إذن من يشتعل قلبه بمحبّة الله لا شكّ أنّه سيجد وقتًا للربّ، وسيعرف كيف ينظّم أوقاته، ويلغي ما يمكن إلغاؤه.

وتبقى صلاة يسوع الصلاة السهلة الاستعمال في كلّ مكان وزمان، لأنّ القدّيس كلميندس الإسكندريّ يعرّف المسيحيّ الحقيقي بأنّه الشخص “الذي يصلّي في كلّ مكان، ماشيًا، متحدّثًا، قارئًا، منفردًا، أو مع الناس”. إنّ صلاة يسوع لا تحتاج إلى تنظيم وقت إن لم تملكه، لأنّك تستطيع تردادها كلّ وقت، فهي لا تحتاج إلى مجهود بل إلى حبّ وعزم. إنّها صلاة قصيرة، ولكنّها تحفظ للقلب حرارته المقدّسة. ردّدها في أي وقت كنت فيه، أو في أيّ ضيق تمرّ به، أو شدّة تجتازها، لأنّها كفيلة بزحزحة حجر الحزن عن قلبك. فاسم الربّ ذو اقتدار وقوّة عظيمين. ردّدها حينما تأوي إلى فراشك، وحينما تستيقظ، أو عندما تأكل. اجعلها باكورة تفكيرك، واجعلها تتبعك طيلة يومك، ولا تحتجّ بعدم توفّر الوقت. ردّد ولا تملّ: “يا ربّي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ”. وهكذا، شيئًا فشيئًا، يستنير فكرك، ويشتعل قلبك بحرارة محبّة الله، وتستطيع، حينئذ، أن تهتف مع المرنّم: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ” (مز 34: 8).