السنة العاشرة – العدد التاسع – حزيران 2014

مختارات آبائية

الاتضاع والهيئة المتواضعة

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

حول قراءة الأعمال الروحية

أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

عظة

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

الشهادة للملكوت في عصرنا الرقمي

أندرو بويد

حوار الروح والخطيئة

الخورية سميرة عوض ملكي

رعائيات

رسالة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم بمناسبة افتتاح المونديال

لاهوت

التفسير الليتورجي ومعنى الكتب المقدسة

غاب مارتيني

مسكونيات

رسالة رعائية حول اللقاء الأخير بين البطريرك المسكوني والبابا في أورشليم

نيقولاوس ميتروبوليت ميسوغيا ولافريوتيكي

لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة!

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، في الإنجيل الّذي تُلي على مسامعكم، الرّبّ يسوع يتكلّم على محبّة كلّ واحد منّا لأبيه وأمّه، أو لابنه وابنته؛ ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له هو. حين يقول الرّبّ يسوع: “إن كان أحد يحبّ أبًا أو أمًّا أكثر منّي، فلا يستحقّني؛ فهو لا يطالبنا بأن نحبّه أكثر، حرفيًّا، من آبائنا وأمّهاتنا، أو أكثر من أبنائنا وبناتنا. محبّتنا، في الحقيقة، للرّبّ يسوع ليست، أبدًا، كمحبّتنا بعضنا لبعضنا الآخر. بشريًّا، يمكن الإنسان أن يحبّ أكثر أو أقلّ. أمّا في العلاقة مع الله، فالمحبّة تكون كاملة كلّيّة. لذلك قيل: “أَحـِبَّ الرّبَّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك” (مر12: 30).

إذًا، هذه الكلّيّة أساسيّة جدًّا، في تعاطي المحبّة مع الله. إن لم نتعاطَ المحبّة مع الله بهذه الطّريقة، فلا يمكننا أن نتعاطى المحبّة الحقّ في تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر. من دون الله، مستحيل على الإنسان أن يذوق المحبّة الحقّ! ما نسمّيه نحن محبّة، فيما بيننا، من دون الله، هو، في الحقيقة، محبّة للذّات في الآخرين؛ هو محبّة مُشبَعَة بالقـِنية! نحبّ الآخرين، لأنّنا نحبّ أنفسنا فيهم! نحبّ الآخرين، لأنّهم لنا! نعتبرهم مِلكًا لنا! نحبّ الآخرين، لأنّهم يشبهوننا! نحبّ الآخرين، لأنّهم على صورتنا، أو لأنّنا نريد أن يكونوا ما نحن عليه! في العمق، الإنسان، من دون الله، يحبّ نفسه في الآخرين؛ ولا يحبّ الآخرين لذواتهم! لهذا السّبب، المحبّة لا تبدأ أفقيًّا بين إنسان وإنسان. المحبّة، في الحقيقة، تبدأ عموديًّا بين الإنسان وربّه؛ ومن ثمّ، تنزل، بالله، إلى الآخرين. إذًا، كما هو التّعبير المستعمَل في كنيستنا، نحن نحبّ الآخرين في المسيح. نعبر، أوّلاً، بالمسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ يسوع المسيح! نحبّ، أوّلاً، الرّبّ الإله! وفي الله، في الرّبّ يسوع المسيح، يصير بإمكاننا أن يحبّ أحدُنا الآخر. إذا استغنى الإنسان عن محبّة الله، فإنّه يظنّ، متوهِّمًا، أنّ بإمكانه أن يحبّ الآخرين. لكن، لو انتبهنا للطّريقة الّتي نتعاطى بها مع الآخرين، لاكـْتَشفنا أنّنا نطلب، دائمًا، ما لأنفسنا في بعضنا بعضًا. محبّتنا محبّة قِنـْيَوِيَّة، نابعة من رغبتنا في أن يكون الآخرون لنا! إذا كان هذا الأمر واضحًا لنا، في أعماق نفوسنا؛ وإذا كنّا لنطلب المحبّة الحقيقيّة بمحبّة الله أوّلاً؛ فهذا سوف يكون مُكلِّفًا جدًّا.

لهذا السّبب، بعد أن يتكلّم الرّبّ يسوع على محبّة الأب والأمّ، ومحبّة الأمّ والبنت، ويقارن هذه المحبّة بمحبّتنا له؛ يتكلّم على الصّليب: “مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقّني“! لماذا، يا ترى، يتكلّم، هنا، على الصّليب؟! هذا لأنّ المحبّة الحقّ هي صليب، بكلّ معنى الكلمة! مَن طلب أن يحبّ بالرّوح والحقّ، كان عليه أن يبذل نفسه من أجل مَن يحبّ؛ وكان عليه أن يترك للآخرين أن يحبّوه، أو ألاّ يحبّوه! عليه أن يعطيهم حرّيّتهم، بكلّ معنى الكلمة. هذا ما فعله الرّبّ الإله، منذ البدء. الرّبّ الإله ولدنا من كونه محبّة. لكنّه لم يفرض ذاته علينا في شيء، على الإطلاق. كان، دائمًا، يشير إلى ما هو موافق لنا، وإلى ما ليس موافقًا لنا. لكنّه ترك لنا حرّيّة مبادلته المحبّة بمحبّة، أو أن ندير ظهورنا، وأن نذهب عنه. لو لم يسمح لنا الرّبّ الإله بالخطيئة، لَما كنّا خطـِئنا. وهو سمح لنا بالخطيئة احترامًا لحرّيّتنا؛ لأنّ المحبّة من دون حرّيّة لا قيمة لها، على الإطلاق. الإنسان المُجبَر على محبّة الآخرين يحبّهم في الظّاهر، ولا يحبّهم من أعماق قلبه. لكي يحبّهم من أعماق قلبه، عليه أن يتّخذ القرار الكبير، في حياته، وهو أن يخرج من ذاتيّته باتّجاههم، ليبادلوه هم محبّتَه بمحبّة. هذا رهن بي أنا! ما دام الله محبّة، وما دام الرّبّ الإله خلقني على صورته ومثاله؛ فالرّبّ الإله، بمعنًى من المعاني، جعلني في مستواه! طبعًا، أنا لا أستحقّ ذلك، لأنّي تراب ورماد، والرّبّ الإله هو الإله الأزليّ والأبديّ. ومع ذلك، المحبّة الحقّ هي، دائمًا، محبّة متواضعة. الرّبّ الإله تنازل من عليائه؛ وارتضى أن يخلق كائنًا، هو الإنسان؛ وأن يجعل نفسه وكأنّه يمتدّ إلى الإنسان؛ ويشتاق إلى أن يبادله الإنسانُ، بملء حرّيّته، المحبّةَ بمحبّة. بكلام آخر، الحرّيّة نفسها، الّتي نفحنا إيّاها الرّبّ الإله، جعلتنا في مستوى الله؛ وجعلتنا، بمعنًى من المعاني، في موقع الألوهة! طبعًا، هذا أمر ليس بإمكان أحد أن يستوعبه، بكلّ معنى الكلمة. الإنسان الكبيرُ، الّذي يجعل الصّغيرَ في مستواه، هو، في الحقيقة، لا فقط، يتنازل من كـِبَرِه ليتساوى وصـِغـَر الصّغير؛ بل، أيضًا، يرفع الصّغير ليجعله في كـِبَرِ ذاته، وهو الكبير! الأمر يسير في الاتّجاهَيْن: الله يتواضع بإزاء الإنسان؛ لكي يرفع الإنسانَ، ويجعله بإزائه! وهذه عظمة الله، وعطيّته، الّتي تفوق كلّ تصوّر. طبعًا، هذا ليس كلامًا؛ لأنّ الرّبّ الإله، منذ البدء، أراد أن يكون النّاس آلهة، وهذا ورد في النّصّ الكتابيّ: “أنا قلتُ إنّكم آلهة” (مز61: 6؛ يو10: 34). و هذا الكلام لم يكن كلامًا مجازيًّا، بل كان كلامًا روحيًّا، واقعيًّا جدًّا، نابعًا من قلب الله، ونابعًا من محبّة الله، الّتي لا يُسبَر غورُها. لكن، بإزاء هذا الدّعاء، إلى أن يتعاطى الإنسانُ محبّةَ الله بمحبّة؛ كان على الإنسان أن يتمثّل بالرّبّ الإله. إذا كانت المحبّة، عند الله، قرينةَ الاتّضاع؛ فهذا معناه أنّ علينا، لكي نبلغ مستوى المحبّة الإلهيّة، أن نبلغ مستوى تواضع الله. بالتّواضع نبلغ المحبّة الكبرى. ومن هنا الحديث عن الصّليب، لأنّ الصّليب هو علامة الاتّضاع الأكبر، بامتياز، في حياة الإنسان. والرّبّ الإله، في الحقيقة، بتجسّده، وبقبوله أن يُسمَّر على الصّليب، وأن يموت كإنسان؛ أعطانا المثال الّذي نحتاج إلى الاقتداء به، وشقّ لنا الطّريق الّذي علينا أن نسلكه لكي نلتمس وجه الله، أي لندخل في عشرة الله، أي لندخل في تحاببٍ مع الله. ومن هنا دعوة الرّبِّ يسوع تلاميذَه: “مَن أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، كلّ يوم، ويأتي ورائي” (لو9: 23).

إذًا، هناك عمليّة تمثُّل بالرّبّ يسوع، في حَمْلِ الصّليب. وحَمْلُ الصّليب لا يعني، فقط، أن يحمل الإنسان صليبَ المشاقّ، الّتي يمكن أن يتعرّض لها، في الحياة. هذه ليست في مستوى الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع. الصّليب الّذي يتحدّث عنه الرّبّ يسوع هو، بالضّبط، صليب المحبّة. حين سُمِّر الرّبّ يسوع على الصّليب، وأسلم الرّوح، أيّة علامة كانت المميَّزَة؟! في إقامة الرّبّ يسوع المسيح على الصّليب، كانت هناك قولةٌ معبِّرَة جدًّا، هي في أساس معنى الصّليب الّذي يتحدّث عنه، هنا. حين قال الرّبّ يسوع للآب السّماويّ: “في يديك أستودع روحي” (لو23: 46)، عبّر عن أنّه اقتبل الصّليب إلى المنتهى! هذا منتهى الصّليب! “في يديك أستودع روحي“! في الحقيقة، الصّليب هو علامة الإيمان الحيّ الحقيقيّ. الإيمان هو التّسليم الكامل إلى الله: أن يُسلم الإنسانُ نفسه وحياته وكلّ ما له إلى الله! أن يجعل نفسه بين يدي الله الحيّ، دونما شروط! من هنا، إنّ الرّبّ يسوع، إذ كان يطلب أن نؤمن به؛ كان يطلب، في الحقيقة، أن نُسلم ذواتنا إليه؛ ومن ثمّ، أن ندخل معه في علاقة حبّ حقيقيّة. من دون هذا التّسليم، من دون بذل الذّات للآخر وفي الآخر، لا تكون محبّة، ولا يكون صليب، ولا يكون إيمان!

لهذا السّبب، يا إخوة، الإيمان ليس قضيّة فكريّة، ليس قضيّة عقليّة، ليس مسألة اقتناع! هذا إيمان في مستوى بشريّ، في مستوى أفقيّ. المطلوب أن يكون سعينا إلى الإيمان هو سعي في مستوى الكيان، أن نجعل كياننا بين يدي الله الحيّ. نحن خـُلقنا، أساسًا، من العدم! هنا، الصّليب يعطينا الفرصة أن نمثّل كونَنا جئنا من العدم؛ ومن ثمّ، يجعلنا نسلك وكأنّنا لسنا بموجودين، لأنّنا جئنا من العدم. إذ نفعل ذلك، إذ نُسلم أنفسنا إلى الله؛ نخرج، عمليًّا، من عدميّتنا؛ لأنّنا، في الأساس، قد جئنا من العدم. لكن، في هذا الخروج، الطّوعيّ الإراديّ، من عدميّة الذّات، يلقى الإنسان نفسه في الوجود؛ إنّما في الوجود كما شاءه الرّبّ الإله أن يكون. الرّبّ، في وقت من الأوقات، حين لم نكن موجودين؛ قال كلمة، في الحقيقة؛ وبالكلمة الّتي قالها، خرجنا من العدم إلى الوجود. هنا، بالصّليب، بالإيمان، يجعل الإنسان نفسه وكأنّه في العدم؛ لأنّه، في الحقيقة، قد أتى من هناك، ويُلقي بنفسه بين يدي الله الحيّ. والرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه، لا فقط حياةً كالحياة الّتي نحياها على الأرض؛ بل أيضًا، يعطيه أن يصير إلهًا! يعطيه حياة أبديّة!

إذًا، الحياة الأبديّة ليست، أبدًا، رهنًا بمشيئة الله. طبعًا، الرّبّ الإله يريدنا جميعًا أن نصير آلهة، أبناء له، آلهة بالتّبنّي. لكنّ هذا رهن بإرادة كلّ واحد منّا، بإيمان كلّ واحد منّا، باتّخاذ كلّ واحد منّا صليبه، بإلقاء كلّ واحد منّا نفسَه بين يدي الله الحيّ. فإن أدركنا هذا الأمر، وإن تعاطيناه؛ أمكننا، مذ ذاك، أن نمتلئ من محبّة الله. وإذ نمتلئ من محبّة الله، يصير بإمكاننا أن يحبّ بعضنا بعضًا محبّةً حقّانيّة، على صورة محبّة الله، محبّةً لا قنية فيها، محبّةً لا تطلب ما لنفسها، كما سبق للرّسول بولس أن ذكر: “المحبّة لا تطلب ما لنفسها، على الإطلاق (1كور13: 5)! المحبّة تعطي بلا حساب، ولا تطلب لنفسها شيئًا البتّة. بهذا تستقيم أمورنا فيما بيننا؛ وبذلك، أيضًا، نجدُنا، نحن الّذين أُعطينا آنية خزفيّة من تراب، قد امتلأنا ضياءً ونورًا؛ لأنّ روح الرّبّ، إذ ذاك، يقيم فينا إلى الأبد؛ ليجعلنا آلهة، بكلّ معنى الكلمة.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى10: 37- 42؛ 11: 1 في السّبت 30 تمّوز 2011

الاتضاع والهيئة المتواضعة

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

إن الناس المبارَكين المتواضعين هم ودعاء، رصينون، هادئون، متعلّقون بالفضيلة، معادون للشر، لا يكدّرهم أي حادث أو خطر. إنهم يحيون في حضن الإيمان، كمثل الأطفال في احتضان الأمهات في النعمة. إنهم لا يعيشون لذواتهم، لأنهم نسوا هذا العيش. لقد اتحدوا بالآخرين وصاروا الكل للكل لكي يجلبوا السلوى لهم. هم يبكون مع الباكين ويفرحون مع الفرحين. إذ بالنعمة قد استُوعِبوا في المسيح المخلّص، يحملون كل عبء، من دون أن يحزِنوا غيرهم أم يمرمروهم. في ملء محبتهم للآخرين، حتى للخليقة غير العاقلة، بخضوعهم لكل إنسان آخر، يقدّمون كلّ ما تتطلبه الظروف بينما في الوقت عينه يختفون في غطاء تواضعهم فلا يلاحظهم أحد. إنهم يتلافون أضواء الشهرة، يرفضون الإكرام ولا يطلبون الامتنان. الجميع يحبونهم ولا أعداء لهم. إذا كان هناك من سبب لتوبيخهم أو إدانتهم، لا تبلغ التهم ضدهم إلى المواجهة الشخصية. إن سِتر النعمة الحامي الذي يرافقهم يثير الخوف والتوقير في الآخرين فتتغير قراراتهم ومشاعرهم بلمحة بصر، وأولئك الذين كانوا متَّهِمين يتحوّلون إلى خدّام. لكن حتّى الخليقة غير العاقلة، الحيّة والجامدة، تبدّل خشونتها بوجود المتواضعين. إن العناصر الفظة والحيوانات المفترسة تدرك بشكل مباشر النعمة الإلهية التي تلفّ المتواضعين فتكفّ عن عملها الطبيعي وتتحوّل إلى خدّام لأنها تشتّم حول المتواضعين رائحة مولاها الأول، آدم غير الخاطئ، الذي اقترب منها وأعطاها أسماءها كسيّدها وعرّابها.

بحضور المتواضعين نميّز جميعنا صورة المسيح المخلّص، الخليقة الجديدة، آدم الجديد. ذاك الذي صام في الصحراء كان مع الحيوانات البرّية وخَدَمَته الملائكة. ذاك الذي مشى على المياه ووبّخ الرياح والعاصفة، ذاك الذي طرد الشياطين، شفى الأمراض التي تصيب كل الجنس البشري بانتصاره على الموت، ذاك الذي أعطى الحياة، الذي صار وما زال قيامة الكلهو امتدح المتواضعين قائلاً طوبى للمساكين بالروح لأنّ لهم ملكوت السماوات“.

بحسب الآباء، التواضع هو عطية من الروح القدس، وليس إنجازاً بشرياً بالمطلَق. إنه يُمنَح للذين يشتهونه ويسعون إليه ويعملون متحمّلين الآلام على الأمور التي تساهم في النجاح باكتساب هذه البَرَكة. يبدأ التواضع بالمظهر المتّضع وينتهي بالسلوك باتّضاع. الذين لا ينسبون لأنفسهم قدرات أعظم مما يملك غيرهم ولا يفتكرون بغير اتّضاع بذواتهم، يقدّرون أشباههم من البشر، يقبلون اللوم عندما يُوَجّه إليهم ويصغون إلى النُصح. إنهم يصيرون أكثر لطفاً في العريكة، يضبطون غضبهم ويتحرّكون بسهولة نحو التعاطف. إذا ما اتّخذوا هذا الموقف متّكلين على الله كجهد واعٍ للأخلاق المسيحية، يصلّون إلى الله ويرجونه لأن يقويهم. من ثمّ يتقدّمون بنعمة الله نحو أحاسيس الاتّضاع الكامل الذي هو عطية من الله. هناك أيضاً أناس موهوبون طبيعياً بالوداعة والاتضاع، ومع أن هذا مستحق للمديح، إلا إنّه لا يستحق المكافأة، لأنّ هذه الصفات قد اكتُسِبَت من دون عمل وكفاح وجهد.

يوجد أيضاً حالة العار غير الطبيعية التي وجد البشر أنفسهم فيها بعد السقوط، عندما فقدوا في آنٍ واحد رِفعتَهم، أبديتهم وعدم موتهم وخضعوا كعبيد للموت والفساد. العار، كسقوط ودمار وفشل موجود للأسف فينا جميعاً، لكن بالأكثر في أولئك الذين يؤمنون بأنّهم استثنائيون. هنا، هذا ليس الاتضاع أي العطية الروحية الممنوحة من الله للكاملين في الفضيلة، بل بالأحرى الشخصية التي سقطت بعيداً عن رباطاتها الطبيعية إلى حياة وأسلوب سلوك متصنّعين، في كل من الهيئة والعمل.

نشير إلى هذا لأن الذين يشتهون أن يستحقوا عطية التواضع يجب أن يعرفوا أن أهم العوامل تأثيراً في هذا هو الاعتراف بالحالة الانفعالية التي جلبتنا إليها الأهواء بعد السقوط، كما النتائج الهدّامة للحياة في الخطيئة. يسأل الناس: “كيف نصير متواضعين؟نحن نجيب: “اكتشفوا خزيكم، حيث جعلكم الشيطان والخطيئة وغيرهما من الأسباب المختلفة تتخبطون. بعد أن تدركوا ذلك، توبوا، وإذا بكيتم على ذلك فسوف تكتسبون الاتضاع الروحي الذي يمنحكم إياه الله. هناك طريقتان متساويتان حيث يمكننا أن نقيس عمق سقوطنا. لقد أشرنا إلى واحدة، ذات الشكل الصاعد والأسمى.

أما ذات الشكل النازل والأدنى منزلة فتبدأ من الوضعية الأولى للشخصية عند الخلق. كيف كنا كخليقة الله الأولى؟ تكفي كلمة الله لتخبرنا حيث يقول أننا خُلِقنا على صورته ومثاله“. لقد كنّا بسيطين صالحين لطفاء كاملين رصينين عادلين لا يرقى إلينا الشك عموماً لامعين بالكلية ومكرّسين لله. لم نكن نعرف شيئاً عن أي حاجة أو ألم أو خوف أو خطر أو فساد أو الموت عدونا الرهيب. هذه صورة مختصرة عن شخصيتنا قبل السقوط، شخصيتنا الحقيقية. وقد تخلينا عن المنافع الأبدية للبركة التي لا تنضب، التي ورثناها بكوننا ملفوفين في أحضان الله الأبوية. إذا تطلعنا الآن إلى حيث نحن، كلٌّ لوحده أو كلنا معاً، سوف نرى أننا بؤساء وأذلاء، في أكثر الحيوات بؤساً وخزياً، لا تختلف أبداً عن الموت. أسأل أولئك الذين يريدون أن يصيروا متواضعين ولا يعرفون كيف، أليس إدراكهم أين هم كافياً بحد ذاته؟

نحن نعرف نعمة الله التي أُعطيَت لنا من خلال صليب المسيح وقيامته. “ وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.” (يوحنا 12:1). أيضاً، في رسالته الأولى يقول القديس يوحنا وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ.” (1يوحنا 2:3)، وأيضاً بحسب بولس فسوف نكون “وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.” (روما 17:8). إن هبة الله بالمسيح مخلصنا رَفَعَتْنا إلى نعمة التبني هذه، إلى حالة الألوهيةالبشرية وإلى التمجيد. من خلال أسرار الكنيسة وحفظ الوصايا يتلقّى كل المؤمنين ويمتلكون في داخلهم كل هذه النعمة حتى يتمكنوا من أن يصيروا أبناء الله وإخوة المسيح. إن البرهان على هذا هو قديسو كنيستنا الذين، كما قال المسيح، عملوا كما عمل وأتمّوا حتى أعمال أعظم بنعمته.

إذا تفحّص كل واحد منّا أين هو في عالمنا الداخلي والخارجي، على أساس القدسية والألوهية اللتين لنا، سوف نجد ذلّنا وبؤسنا، اللذين جرّنا إليهما الشيطان والخطيئة. إذا كانت هاتان الطريقتان التي شرحناهما مفهومتين بالنسبة إلى معرفتنا الشخصية، فهما معونتان عظيمتان لإيجاد مبدأ المظهر المتواضع، حتى بعد جهاد مناسب وتوبة نبلغ إلى التواضع الأصيل، إذا رغبنا بذلك.

حول قراءة الأعمال الروحية

أفلاطون رئيس أساقفة كوستروما

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

القراءة هي وصية معطاة من الرسول بولس إلى تلميذه المحبوب تيموثاوس. قراءة الكتب المقدسة هي إحدى الوسائل الأساسية للنجاح في الحياة الروحية. على خطى الرسول، الآباء أيضاً يوصوننا بقراءة الكتب المقدسة باستمرار لأنها وسيلة أساسية للكمال الروحي. هذه القراءة ضرورية بالمطلَق، خاصةً في الزمن الحاضر، حيث تنتشر بسرعة التربية الدنيوية والعادات الأرضية التي تهدد بهدر طعمِ كلِّ ما هو روحي، ومعها التعاليم والأفكار الخاطئة.

يقول القديس باسيليوس الكبير: “إذا قرأنا الكتاب المقدس بإيمان فإننا نشعر بأننا نسمع المسيح نفسه ونراه”. ما الذي نحتاجه أهو صوت حقيقي أم الشخص الذي يتكلّم إلينا من خلال الكتاب المقدّس؟ إنهما الأمر نفسه. في الكتاب المقدس، يتكلّم الله إلينا تماماً كما نتكلّم معه في الصلاة. لهذا السبب، يجب أن تكون الصلاة وقراءة الكتب المقدسة شغلنا المستمر. صلّوا أو اقرؤوا إذا أردتم أن تكونوا مع الله في كل حين.

يتحدّث القديسون إلينا عندما نقرأ كتاباتهم التي من خلالها يقودوننا ويكلموننا ونحن نقرأ لهم بعد موتهم لكي نكلّمهم. إذاً، ما من سبب عندنا لنحسد معاصري الذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وأثناسيوس الكبير وأمبروسيوس وغيرهم. لنا أن نختار من صفّ الآباء الإلهي مَن يناسبنا أن نتبادل الحديث معه. ما من طريقة أفضل وأكثر فرحاً وأكثر نفعاً من قضاء الوقت في قراءة آباء الكنيسة.

بقراءة الكتب النافعة للنفس ندخل في شركة مع كل ساكني الفردوس. يقول الشهيد في الكهنة تيموثاوس: “عندما أقرأ كتباً عن الله تحيط بي ملائكته”. أي شيء يشرّفنا أكثر من التكلّم إلى الملائكة القديسين ونفوس المبارَكين وحتّى مع الله نفسه من خلال قراءة الكتب المقدسة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي عن كتب القديس باسيليوس الكبير: “عندما أقرأ الكتب المقدسة يستنير نفسي وجسدي وأصير هيكلاً لله وقيثارة للروح القدس تعزف عليها القوى الإلهية. من خلال هذه الكتب يتمّ إصلاحي وأحصل على نوع من التغيّر الإلهي وأصير شخصاً مختلفاً”.

التصقوا بقراءة الكتب الروحية فهي سوف تقودكم إلى ذلك التغيير الذي اختبره القديسون الكثيرون. بهذه الأعمال نكتسب استنارة عظيمة إلهية. وبها ندرك الطريق إلى الخلاص، نفهم أي نوع من التجارب ينتظرنا على هذا الطريق، ونتعلّم السبل التي بها ننجو من هذه التجارب.

التفسير الليتورجي ومعنى الكتب المقدسة

غاب مارتيني

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

ينحو بعض الباحثين المعاصرين ومعهم بعض المسيحيين إلى مقاربة دراسة الكتاب المقدس وكأنه علم آثار. بدلاً من تلقي الكتب المقدسة على أنها التقليد المبثوث من الله في حياة الكنيسة، يُفصَل النص عن إطاره المتجسّد، مخضَعاً للتحليل العلمي. فيما بالطبع يمكن تعلّم الكثير من معرفة اليونانية والآرامية والعبرية، هذا ليس هدفاً بحد ذاته. فالطرق التفسيرية الشائعة كالنحوية – التاريخية هي حديثة ومعابَة من عدة أوجه. وفي الحقيقة، لا ينبغي اعتبار أي من المقاربات أو الطرق أفضل من الباقين. في النهاية، هذه المقاربة برمّتها تقوم على أساس مشلول. فالكتب المقدسة ليست صندوق كنز ينتظر مَن يفكّ أختامه بالمفتاح المناسب، ولا هي حصراً لاستعمال نخبة أكاديمية وحسب.

يكمن في قلب هذا المشروع المضَلَّل الحديث رغبة بالعودة إلى نص أو معنى أصلي للكتاب المقدس. لكن هذا يلتمس السؤال حول ما إذا كان النص أو التفسير الأصلي قد كان موجوداً في الأصل. لطالما كان التفسير العلمي محكوماً باهتمام مهيمن لتثبيت النص والمعنى الأصليين. لكن هناك الكثير من الظروف التي يكون فيها هذا الأمر ملائماً أو كاملاً. فالكتب المقدسة لا تنتمي ببساطة إلى نصّها الأصلي، فقد قُرأت وأعيدت قراءتها لقرون. عندما نوقّر كتاب الأناجيل نعترف به كشيء من الحاضر يجسّد المسيح من الآن وصاعداً. الكتب المقدسة ليست نصاً من العصور القديمة وحسب؛ إنها نور وحياة؛ إنها شهادة إلهية لكلمة الله الحقيقي، يسوع المسيح. في حياة الكنيسة الليتورجية، ينفخ الروح القدس المعنى والفهم معاً في هذه الكلمات عندما يتمّ إعلانها عن المنبر. هذا ما يسمّى الاستعمال الليتورجي للكتاب المقدس“.

إن طريقة فهم الكنيسة للكتابات المقدسة في كنيسة العصور الأولى وعبر العصور، قبل ابتداء محو الأمية بشكل واسع ومجيء المطبعة، كانت كيف نستعمل هذه الكتابات في احتفالاتنا اليومية والأسبوعية والسنوية. فيما الكنيسة تتحرّك عبر السنة من ميلاد والدة الإله (8 أيلول) إلى رقادها (15 آب)، القراءات مختارة بتأنٍ ومعلَنَة لشعب الله، ساكبة معنى غالباً ما يكون لا مفرّ منه وجلياً. إن بشارة المسيح وحياته تُقَدَّم لنا في صلواتنا وترانيمنا، وفي هذه الخبرة الشركوية يضيء نور الكتاب المقدس زاهياً.

إن دعاة الطرق المنعزلة كمثل المقاربة النحوية – التاريخية (التي لها استعمالاتها على الأكيد) يناقشون بأنه من الممكن إيجاد هذه المقاربة الأثرية لدى آباء الكنيسة في العصور الأولى، أو عند كتّاب كنسيين آخرين كمثل أوريجنس. يؤكّد الأب أندرو لوث (من الكنيسة الروسية، وأستاذ اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة درهام في بريطانياالمترجم) أن نية أوريجنس الأصلية لم تكن الرجوع إلى نص أصلي بل بالأحرى جمع كل طبعات النص في مكان واحد، حتى يكون ممكناً تقديرها ودراستها وإعلان قيمتها كلّها: جمع أوريجنس في القرن الثالث الترجمات المختلفة وجدولها في ستة أعمدة في عمل بحثي ضخم سُمّي Hexapla. لم يكن هدفها، كما يؤكَّد دائماً، تمكين أوريجنس من تثبيت نصٍ أكثرَ صحةً من نص السبعينية، بل بالأحرى كشف غنى المعنى المتضمّن في كتابات العهد القديمهناك عملية طويلة من اكتشاف كلّ ما في شهادة الكتابات العبرية حول مجيء المسيح.

عندما يتعلّق الأمر بدراسة النصوص الكتابية وفهمها، يوجد في التقليد الشرقي الأرثوذكسي مقاربة ذات مستويات. ابتداءً بالأناجيل على أنها المركز لأنها تحمل شهادة عن كلمات يسوع المسيح وأعماله، تتلقّى الكنيسة وتعلن طيف الكتاب المقدس بملئه، وكل من الأناجيل لوحده، لا كمثل مجموعة مسطحة من النصوص الدينية المنزهة عن السقوط، بل بالأحرى كجسم من شهادة ذات أهمية متفاوتة، بعضها حاسم بشكل واضح، كونها شاهدة مباشرة للمسيح، فيما غيرها أقل قيمة.

يشرح الأب لوث أيضاً كيف يتم استعمال شكل أو أفضلية هذه النصوص في حياة الكنيسة العبادية: “معايير الأهمية مرتبطة بطريقة ما بالشكل الذي اتخذت الكنيسة به الأناجيل في خبرتها. يوجد تراتبية أو شكل: كتاب الإنجيل في الوسط، الرسول يحيط به، ومن ثمّ تنوّع من نصوص العهد القديم، يتمّ التوصّل إليها بشكل عام ليس عبر بعض الفصول التي تسمّى الإنجيل، بل من مختارات موجودة في الكتب الليتورجية، إلى جانب نصوص أخرى: ترانيم، مقاطع آبائية، وغيرها. على هذا، للكتاب المقدس شكل مرتبط باختبارنا له“.

إن المتآلفين مع الليتورجيات الأرثوذكسية والكاثوليكية هم في إلفة مع الدور الرئيسي الذي يلعبه كتاب الإنجيل في الطقوس والزياحات. فمركزية الإنجيل أساسية سواء في النظر إليه أو في سماع كلماته. هذا الكتاب المذهّب نكَرَّمه، نقبّله، نحمله وندور به، ونضعه بتوقير في وسط الهيكل، أي المكان الأكثر شرفاً في هندسة كنيستنا، وهو مكان رمزي لقدس الأقداس وجوهرياً محراب السماء الأبدي.

بدل السعي إلى طريقة واحدة لفهم الكتب المقدسة، نحن نفضّل المقاربة الآبائية ذات الأبعاد الأربعة: الحرفي، الأخلاقي، الاستعاري، والروحي (anagogical):

القراءة الحرفية للنصوص المقدسة هي الفهم الجليللحدث. عندما سار يسوع في البرية، كان يسير في البرية. عندما يذهب بطرس إلى سطح منزله ليصلّي في ساعة معينة، هذا ببساطة ما جرى.

القراءة الأخلاقية هي الأكثر شيوعاً في الوعظ الأرثوذكسي؛ أي الآثار الأخلاقية للانجيل أو الرسالة كما تنطبق على الجماعة لتحريك السلوك الأخلاقي والتوبة الحقيقية على حد سواء. بالنسبة لأولئك الأكثر دراية بتقليد الوعظ الإنجيلي في العقود القليلة الماضية، يكون هذا تطبيق العظة أو كيفية أخذ ما نسمعه من الكتاب المقدس وتطبيقه على حياتنا اليومية.

يوجد النهج الاستعاري في كثير من قراءات الكتاب المقدس في الأعياد الكبرى، وخاصة خلال أسبوع الآلام. عندما تقرأ الكنيسة ما يقارب كامل سفر يونان يوم السبت المقدس، مكوثه ثلاثة أيام في بطن الحوت هو مماثلة لنزول المسيح إلى الجحيم لثلاثة أيام، والذي يتم الاحتفال به في ذلك اليوم. ويمكن قول الشيء نفسه عن كلام النبي حزقيال عن المعبد ووالدة الإله، سلم يعقوب، وسفينة نوح. بدلاً من التركيز على الحقيقة الحرفية لهذه الأحداث، تظهر الكنيسة المعنى الأعمق بالنسبة لنا كمسيحيين: كل الكتاب المقدس يشير إلى المسيح، والعهد القديم هو قصتنا.

النهج الروحي هو الارتفاع من الأحداث المرئية إلى الروحية والأبدية. هذا التأويل، الذي يشبه الاستعاري والحرفي كثيراً، يمكن تطبيقه أيضا في القداس الإلهي في تفسيره الآبائي. هذا النهج الروحي، مثل الأيقونات المقدسة، يظهِر العالم كما هو عليه حقاً، كما هو في الخلود، وفي اليوم الأخير عندما يجدد المسيح الكون. فيما قلوبنا غالباً ما يقلقها هذا الحاضر، عصر الشر، يدفعنا هذا النهج إلى أن نرفع قلوبنا إلى فوقونطرح عنّا كل الاهتمامات الدنيوية”.

إن نظرة المسيحيين الارثوذكس إلى الكتب المقدسة هي أرفع من أن يحدّوه بالتفسير الحرفي أو التحليلي. ليس التأويل علماً، ولا هو فرع من المعرفة مخصص للأكاديميين، مع أنهم يزعمون ذلك أيضاً. نحن نؤمن بأن القداسة، وليس التربية التي تنتجها اللجان ولا معرفة تاريخ الشرق الأدنى القديم كما ذكرتُ في أماكن أخرى، هي المفتاح الحقيقي للتقبّل الحقيقي للكتاب وفهمه.

إذا كنا نؤمن فعلاً أن الكتاب المقدس موحى به من الروح القدس، فيمكن للمرء أن يكون متناغماً مع صوت الله الداخلي من خلال التأله أي اقتناء هذه الروح الأبدية بحد ذاتها. إنها لسخرية مفارقة تاريخية أن الجماعات المسيحية التي تأسست على احترام الكتب المقدسة على أنها كلمة الله انقلبت على أساسها عن طريق الشك كمبضع مقلِق. لهذا السبب، أفضل مكان لقراءة الكتاب المقدس وسماعه والحفاظ عليه وإعلانه وفهمه هو ضمن حياة الكنيسة وليتورجيتها المقدسة حيث يحيا المؤمنون ويتنفسون ويكتسبون كيانهم.

 

الشهادة للملكوت في عصرنا الرقمي

أندرو بويد

نقلتها إلى العربية جولي عطية

أمضي الكثير من الوقت في استعمال الفايسبوك، فمن جهة يشكّل ذلك جزءًا من عملي ومن جهة أخرى يلبّي حاجتي المستمرّة لتأكيد الذات كما وحاجتي المستمرّة للتجسّس على الناس الذين أحب. لكنني أمضي أيضًا الكثير من الوقت في القراءة والتفكير في ما ينشره الناس، في الإنجيل الذي نبشّر به نحن المسيحيّون ضمن مساحات مواقع التواصل الاجتماعي، في كيف يجب أن يكون صوتنا في المجال العام والفايسبوك والسوق الحديثة والأخبار والأحاديث وأماكن العمل والمدارسومع الأسف أجد في نفسي الرغبة بأكثر ممّا هو موجود.

نحن مباركون لكوننا جزء من التقليد الحي لإلهنا الحي، هذا التقليد الذي وصلنا من الرسل. لقد أعطينا إيماننا بملئه لا لنحافظ عليه فحسب بل لنتشاركه مع الآخرين. للأسف، وبخاصّة في مواقع التواصل الاجتماعي، لم نعد قادرين على مشاركة هذا التقليد من دون أن نبدو حمقى متطرّفين. اسمعوا، أحب أن أبدو شخصًا يعرف كل شيء بالقدر الذي يبدو عليه الشخص الآخر، لكن عندما نسمح لكبريائنا ولأنانيّتنا بأن يوديا بنا إلى معارك قاسية عبر صندوق الرسائل، فذلك مجرّد شهادة لتقليد الناس الذين يقدّمون الأنا على الإنجيل. لا يمكننا، أنت أو أنا، أن نُجادل أحداً حول الملكوت أبدًا.

الاستشهادالمعاصر

سمعت مؤخّرًا عضوًا في مجلس الأمن الدولي يقول لمجموعة واسعة من كبار رجال الأعمال إنّ المسيحيّة هي الديانة الأكثر اضطهادًا في العالم. هذا لا يفاجئ البعض منّا، مَن يصلّون لاخوتنا وأخواتنا في سوريا ومصر ويشهدون على الاستشهاد المعاصر هناك. هذه كنيسة الشهادة والاستشهاد والاستعداد لخسارة حياتنا من أجل المسيح. إنّ الاستشهاد يربط إيماننا اليوم بشهادة الرسل وبعمل المسيح الخلاصي على الصليب. نتصرّف بهذه الطريقة لأنّ المسيح خلّص العالم ببقائه صامتًا وراضيًا في وجه الموت الجائر، وكما تقول ترتيلتنا: “العادل أُدين بعدم عدل“.

نشكر الله لأنّ شهادة كنيستنا تكبر من خلال شهدائها. لكن للأسف، مقابل كل مقالة أراها حول هذه الشهادات القوية، أرى آخرين يتذمّرون وينتحبون من أجل صعوبة أن يكون الشخص مسيحيًّا هنا في أميركا (أو غيرها من المجتمعات الحديثة المحرر). ليس الأمر صحيحًا. وحتى لو كان كذلك وحتى لو كنّا مهمّشين ومذمومين ومضطهدين، فشكرًا لله على فرصة الشهادة له والشهادة لطريقته في الردّ على تهميشه وذمّه واضطهاده.

تكفيك نعمتيإلاّ إذا نسي الموظّف في متاجر وول مارت(واحدة من أضخم شبكات المتاجر في أميركا – المحرر) أن يتمنّى لك ميلادًا مجيدًا عند شرائك أطنانًا من منتوجات العيد العديمة الفائدة.

بهذا يعرف الكل..”

قال لي مرّة أحد جيراني في الكليّة: “ذهلت عندما عرفت أنّك مسيحي لأنّك لطيف جدًّا!”. يملك الناس، أقلّه حيث أنتمي، نظرة سلبيّة تجاه المسيحيين (ديّانين ومذهبيين ومعتدّين بفضائلهم). إنّ تغيير قلوب الناس وعقولهم يعود لنا (ربما يجدر بي التوقّف عن الصياح في وجه العالم داخل النفق…)

ليس اللطف والصبر والمحبّة مجرّد تعبيرات طنّانة تحرّك الأحاسيس بل تصرّفات متوقّعة من المسيحيين كلّهم. عندما ننظر إلى مجموعاتنا على الفايسبوك ومدوّناتنا، نرى عدائيّتنا وولعنا بالقتال وحبّنا لأن ندعو الناس هراطقة* (التعريف الحقيقي للهرطوقي يرد في آخر المقال). لا نعطي أفضل ما لدينا في عالم التواصل الاجتماعي بل نشهد بشكل مخجل لانشقاقنا ولغياب مبادئ الخير المسيحية الأكثر أساسية. لقد قرأت من أجل العمل أطنانًا من المنتديات المهنية، حيث يختلف الناس في الآراء بأدب وبعمق. حاليًّا، أطلب من الناس تجنّب بعض المواقع الأرثوذكسيةومجموعات الفايسبوك حيث نجتمع لنتذمّر ونسخر وندين على العلن.

إذًا، ماذا علينا أن نفعل؟

بما أنّنا لا يجب أن نكون مثل مذيعي أخبار القنوات الفضائية أو مثل أقزام الانترنت الجبناء، فبمن يجب أن نقتدي في تصرّفاتنا ضمن المجال العام؟ كيف يدعونا الله أن نتصرّف في أماكن العمل والمدارس وبين الجيران وعلى الفايسبوك؟

بالنسبة لي، مثال القديس هرمان مفيد دائمًا. كان القديس هرمان راهبًا في البداية، وبالطبع عاش حياة صمت وصلاة مستمرّة. كانت صلاته قوية لدرجة أنّك إذا زرت منزله في جزيرة سبروس (ألاسكا) اليوم، تلاحظ كيف أنّ الجوّ كلّه تحوّل وانطبع بوجود الملكوت.

لكنّ القديس هرمان لم يكن يبقى في قلايته ويصلّي فحسب، بل استعمل حياته، كممارس للصمت والصلاة، لمساعدة من هم بأمسّ الحاجة (أدار ملجأ)، أجرى معجزات منقذة (حَمَى قرى من التسونامي والحرائق) ووقف في وجه مَن هم في السلطة دفاعًا عن المضطهَدين (دعا الروس خارجًا جرّاء معاملتهم السيّئة للمواطنين). الفرق بين نشاطه في الحقل العام ونشاطنا هو أنّ نشاطه كان يغتذي من محبة حقيقية للناس المعوزين، والذين عرفهم بشكل وثيق. أمّا نشاطنا فتغذّيه أنانيتنا أو يقوم على جدول أعمال أو أيديولوجية أو سياسة أو عدم استقرار.

أخيرًا، مثال الأب هرمان مقنع جدًّا بالنسبة لي لأنّه صورة جميلة عن مثال المسيح. إنّ الصمت والضعف العالميين يفسحان المجال أمام القوّة الحقيقية للمحبة الشاملة الكلّ، قوّة تكسر قيود الموت والخطيئة لتجعل الفردوس مفتوحًا أمامنا كلّنا. هذه وصيّتنا ودعوتنا في المجال العام: أن نستخدم نعمة تقليدنا لنبشّر بإنجيل إلهٍ هو محبة، لا لأرضي أنانيتي أو أهدّئ عدم استقراري أو أغذّي نار الايديولوجيا. هذا ما يريده لنا المسيح، أن نفعل من أجل الآخرين ما فعل هو من أجلنا. كلّ تفاعل ومقال وتغريدة وكلمة تملك القدرة على نقل ملء الأخبار السارّة عن إله محبّ.

* تعريف الهرطوقي: هو ليس مَن يتمسّك بمعتقد خاطئ بل هو مسؤول في الكنيسة (عادة أسقف) ينشر بنشاطٍ معتقداتٍ تناقض تعاليم الكنيسة الرسولية الجامعة. كما كان يقول أستاذي في اللاهوت: “معظمكم ليسوا أذكياء كفاية ليكونوا هراطقة“.

رسالة رعائية حول اللقاء الأخير بين البطريرك المسكوني والبابا في أورشليم

نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

في أحد الآباء القديسين، كتب الميتروبوليت نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي، رسالة رعائية مفيدة ومتزنة، حول اللقاء الذي تمّ بين بطريك القسطنطينية وبابا روما بمناسبة العيد الخمسين لرفع الحرم بين الأرثوذكس والكاثوليك.

إلى كهنة الرعايا الورعين والشعب التقي في أبرشيتنا المقدسة

أيها الآباء والإخوة

لقد أنهينا لهذه السنة موسم الفصح وها نحن الآن ننتظر العنصرة. إن نفوسنا تتنقّل بين فرح قيامة السيد ورجاء نعمة الروح القدس. “المجد لله على كلّ شيء“. أتمنّى للجميع نعمة المعزّي الغنيةوكما هو الحال دائماً، توتر الانقسامات بيننا يتبعه تحدي الوحدة والجهود المشتركة، حتّى أننا معاً نواجه انقضاض حياتنا اليومية التي لا تطاق

إلى هذا، لقد خُتم الأحد الماضي حدثٌ ذو وجه كنسي: اللقاء بين بطريركنا المسكوني برثلماوس وبابا روما فرنسيس في أورشليم، أمام القبر المقدس، بعد خمسين سنة من رفع الحرم. لقد غطّت وسائل الإعلام الحدث وتكلّمت عن المحبة والمصالحة والمسامحة والفهم المتبادَل والتقدم في العلاقات بين الكنائس. بعض الأصوات الأخرى تحدّثت عن خيانة الإيمان والتسوية والولاء لمبادئ العصر الجديد والتوفيقية العالمية.

لأن كلاً من هذه الأشياء قد يعبّر بحد ذاته عن جزء من الحقيقة، لكنها معاً قد تكفّن أسرارها أو تقود أفكارنا وحسّنا الإيماني في الاتجاه الخاطئ، شعرتُ على ضوء مسؤوليتي الروحية بالحاجة إلى التواصل معكم كوني أسقف هذه الأنحاء.

مَن يستطيع أن يجادل بأن المحبة والمسامحة والمصالحة هي مفاهيم مضادة لحقيقة الإنجيل؟ ما الفائدة من المحافظة على الحرم لقرابة الألف سنة، وقد حُرِم المجتمع وقُطِع من جسد كنيستنا المقدسة ملايين من الغربيين على مدى القرون إلى اليوم؟ من جهة أخرى، كيف يمكننا أن ننكر الانقسام الرهيب في القرن الحادي عشر والذي أدّى إلى الانتشار غير المسؤول للعقائد والتعاليم الهرطوقية التي صارت متجذّرة في مجمل حياة المسيحية الغربية وفي آخر الأمر شوّهت وجه المسيح مدمرة روح الإيمان ومسببة انهيار معنى السر؟ كيف يمكننا أن ننكر النتيجة التي هي انحطاط الإيمان إلى حد قبول آراء مسيحية متنوّعة، حيث استُبدِل مجتمع الله بعاملين اجتماعيين، والكنيسة صارت ديناً، واللاهوت صار تخميناً، والإعلان الإلهي صار حججاً كلامية من دون أي مقاومة جوهرية؟

لا نظلم الحقيقة إذا قلنا أن الغرب بعد قطع الشركة مع كنائس الشرق، وفي الجوهر انفصاله عن الجسد الكنسي، تغرّب واقتيد بشكل لا يمكن تلافيه إلى الضلالات، ومزّق الإيمان في كلٍ من اعترافه وخبرته وأضعَفَ عملَ النعمة، لأنّه استبدلها بالجهاد الأخلاقي. هذا ما قاله قديسون أمثال غريغوريوس بالاماس ومرقس أفيانيكوس (أسقف أفسس) اللذين جاهدا كثيراً لكي يجلبا إلى النور الاختلافات بين الأرثوذكسية (الرأي المستقيم) والبابوية ذات الرأي الفاسد (cacodoxy).

إن البرهان على أن الغرب ما زال إلى اليوم يسبح، بشكل لا شك فيه، في بحر من الأخلاقيات الفاسدة والخديعة والمعتقدات الهرطوقية، هو أنه يجد صعوبة في فهم القديسين اللاهوتيين المذكورين أعلاه، كما في فهم الأرثوذكسية، ما ينتج عنه أن تواصلَنا مع الغرب يتطلّب حوارات لا تنتهي ولا تحسم أيَّ أمر. لهذا مسؤوليتنا الأولية هي في أن لا نواجه وندين تراثهم ذا الرأي الوخيم، بل بمحبة وألم واتّضاع أن نعترف بالإيمان الأرثوذكسي ونفعّله في داخلنا.

ما يفصلنا في الجوهر أيها الإخوة الأحباء ليس تأكيد الأولوية ولا نتائجها التاريخية الحزينة كالحملات الصليبية، ولا حتى الجراح العميقة المسببة من خديعة الاتّحادية (Unia) المنظّمة، ولا حتى الأنواع المختلفة من الممارسات الليتورجية والأسرارية. بالطبع، كل هذه الأمور هي مخالفات عظيمة وقد سببت جراحاً عميقة، لكن يمكن حلّها في كنيستنا. لهذا السبب، مبادرات المسامحة في هذالاتّجاه هي مباركة بالتأكيد طالما لا تتعارض مع استقامة الخُلُق والعقيدة الأرثوذكسيين.

أسوأ ما في الأمر هو أن مفاهيم مثل السرّ، النعمة، التواضع، المحبة، الحقّ، واللاهوت صارت عبارات مجرّدة من معناها الروحي وجُفِّف محتواها، وقد أنزِلَت إلى مجرّد عبارات دهرية ذات غطاء ديني. وبالنتيجة، شوّهت هرطقة الغرب وجهَ المسيح وجعلت وجه الإنسان بشعاً. كيف لنا أن نتجاهل هذه الأمور؟ نحن لا نتجاهلها ولا ينبغي أن نتجاهلها. مع هذا، إلى جانب كل هذه الأمور يوجد حقيقة مأساوية. خطأ الغرب الفاجع يتمّ تحويله إلى الشرق. لقد فقد الغرب إيمانه. الشرق ما زال إلى اليوم يتمسّك بالإيمان الأرثوذكسي، لكنني أتساءل إلى أي مدى نحن نعيشه؟ وإذا كانت حياتنا غريبة عن إيماننا، نكون ربّما أسوأ منهم لأنهم فقدوه عن جهل. فبدل الصراخ بنبرات هجومية ضد الغرب، ربّما ينبغي أن نوبّخ أنفسنا؟ بالحقيقة، ما نفع الدفاع عن إيمان ليس مثبّتاً في حياتنا؟ أي منفعة هي في توبيخ الآخر الذي وُلِد وتربّى بتلك الطريقة، حين لا نوبّخ تناقضنا؟

قد تكون الحاجة بشكل رئيسي في العلاقات بين المسيحيين، ليس إلى توبيخ ضلال الغرب بلا هوادة، ولا من جهة الأخرى إلى الاندفاع في إظهار علاقات وديّة غير ناضجة، بل بالأحرى إلى الاعتراف الصريح بالإيمان الأرثوذكسي وتوجيه الدعوة المتواضعة للغربيين إلى هذا الإيمان. في نهاية المطاف، قد يحيا الغربيّ الإيمانَ بشكل أفضل من شخص حافظ عليه ولم يعِشه في حياته اليومية، فهم يجهلون الخُلُق (الروحية) والتعليم لكنهم قد يكونون جديّون في البحث عن الحقيقة. ما نحتاجه هو الوحدة في التواضع بالنسبة لنا نحن الأرثوذكسيين والاعتراف بمحبتنا للعالم وغير الأرثوذكسيين.

قبل لوم الآخرين على أخطائهم علينا أن نتوب على قلّة شهادتنا. إن لم يرَ الآخرون الفرقَ في حياتنا كيف لهم أن يتعرفوا على عقائدنا؟ إن لم يعترف الغرب باتّضاعٍ بانحرافاته العقائدية وحاجته للعودة إلى ملء الحق، ومن الجهة المقابلة إن لم يحيَ الشرق الأرثوذكسي بركةَ ثروته اللاهوتية التي هو مسؤول عنها، ولا يميّز الحاجة إلى التوبة عن شهادته غير المنسجمة مع لاهوته، فلن يكون للحوارات والصلوات غير الناضجة واللقاءات المشتركة أي صفةٍ سوى الدهرية في التخاطب، فيما هي تعمّق الالتباس وتبعد كلاً منا عن الحق الخلاصي.

أيها الإخوة، اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ.” (1كورنثوس 13:16-14).

مع الدعاء والمحبة الوافرة في الرب

نيقولاوس، مطران ميسوغيا ولافريوتيكي

حوار الروح والخطيئة

الخورية سميرة عوض ملكي

قالت الروح للخطيئة: إلى متى ستتسلطين عليّ؟ إلى متى ستقاتليني كحيوان مفترس؟ إلى متى ستكبّلين جناحيّ بالأهواء كي لا أطير؟ أمواجك الهائجة تجعلني مهددة دائماً بالغرق. وجودك يَشيع عبوديتي. شوكتك تسبّب تمزّقات مؤلمة فيّ. فالَتِمسي الحبّ، ذلك السرّ الذي يفعم القلب فرحاً ويشعله بمحبة الله والقريب. أصرخي بتهليل: تعالَ إليّ، يا حبّيّ العذب، يا يسوع يا نور حياتي. فيحررنا معاً من أهوائك المُهلِكة ويفكّ قيودنا ويُصعِدَنا من الهاوية وظلمات الجحيم. ولا تكوني من بعد عدوّة الجنس البشري.

فأجابت الخطيئة باستياء: أنا عدوّة الجنس البشري!! كيف هذا وأنا أسلب قلوبهم وعقولهم؟ كيف هذا وأنا أنمو وأتكاثر والمحبّة يصيبها العقم. أنا أُحَبّ وهي تُبغَض. أدعوهم فيهرعون إليّ سريعاً. أناجي أفكارَهم فيهيمون بي. أغريهم بمباهج العالم فيتهلّلون لتلك الجنّات والنعَم. فما حاجتي إلى المحبة المنكَرَة؟

فقالت الروح: ألم تسمعي قول الرسول بولس: “مَن يفصلني عن المحبة؟فكلّ مَن أقام في المحبّة أقام في الله والله فيه لأنّ الله محبّة. وهو يدعو الكلّ إلى أن يقيموا في المحبّة وفيه، لأنّ أبناء المحبّة هم عاشقون إلهيون ويجاهدون حبّاً به. لكن أنتِ التي تَجِدّين في إثرهم وتتآمرين عليهم وتنصبين فخاخك وتدفعينهم إليها.

فردّت الخطيئة بسخرية: “أين هم هؤلاء المجاهدون؟ أين هم أبناء المحبّة؟ الكلّ بات يصغي إلى صوتي، الكلّ بات يصدّق كلمتي. وهاكِ منّي سيلٌ من الأمثلة: رأيت كُثُراً ممن زهدوا بالمال وكانوا يذكرون الفقراء، فأوحيتُ لهم بأنهم لا يستطيعون شيئاً من دونه فعادوا إلى التعلّق به وبالمقتنيات إلى درجة العبادة. زيّنتُ للبعض الأمتعة الدنيوية غير المحتشمة فطرحوا سريعاً عند أقدامها الحشمة الداخلية. أعلمتُ شيوخاً مجاهدين قد طحنوا بالنسك أجسادهم، أنّ بعض الإخوة قد سقطوا بالخطيئة فتفرّغوا لدينونتهم ففرحتُ لأنّي تبيّنتُ أنّهم طحنوا نفوسهم بي وليس بالنسك. همستُ في آذان الشباب بأنّ الحبّ الجسديّ هو على منوال الحبّ اللاجسدي فاحتقروا سرّ الزواج والعفّة والطهارة وصار الزنى هاجسهم. مدحتُ الناس بالكلام الجميل فانتفخوا بالعُجب والكبرياء والمجد الباطل والغرور فأنسيتُهُم بهذا آثامهم.

وفي النهاية وجدتُ أنّ من الأفضل كي أنتزع منهم كلّ الفضائل، التي أبغضها، أن أمنحهم عدم الحسّ لأنّه أبو الرذائل وقائد جنودي، فلا يعودوا يهتمّون لا بالمحبّة ولا بالتواضع ولا بالوداعة ولا بالصلاة، ولا بعدم الكبرياء ولا بعدم الطاعة ولا بعدم الكذب ولا بعدم الثرثرة ولا بعدم الحقد ولا بعدم الشراهة ولا بعدم النميمة. وماذا أقول بعد؟ إن كان الله خلق الملائكة ومن أجلي حوّلوا أنفسهم أبالسة، فأيّ جرم عليّ؟ إن كان الأخ يبغض أخاه، والصديق يخون صديقه، والموظف ينتهك وظيفته، والرئيس يفرض سلطته، والقوي يستغلّ الضعيف، وكلهم يفعلون ذلك بملء حريتهم، فأيّ جرمٍ عليّ؟

أجابت الروح بسلام: كلّ أفعالك هذه لن توقعني باليأس لأنّ قوّة المحبة تكمن في الرجاء لأن المحبة لا تسقط أبداً، وهي مثال الصورة الإلهية وكنز المؤمنين الأثمَن، بها يبزغ نور الشمس الروحية في النفس لأنّها صورة جزيلة العذوبة ليسوع الجزيل العذوبة، كما يقول القديس نكتاريوس. وأنا على يقين أنّ بالمحبة سأبقى مشغوفة بالله ولن أتفكّر إلاّ بأقواله وكلّ رغبة من رغباتك وكلّ عاطفة أو ميل غريب عن المحبّة الإلهية سوف أطرحه بعيداً كمُحتقَر. لا تكوني واثقة جداً فصراعنا لم ينتهِ. مَن يصبر إلى المنتَهى فهذا يخلُص.

رسالة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمناسبة افتتاح المونديال

أرسل غبطة بطريرك القسطنطينية رسالة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمناسبة افتتاح المونديال في البرازيل.

بفرح كبير أرد على الدعوة الكريمة من صاحبة المعالي ديلما روسيف، الرئيسة المحترمة لجمهورية البرازيل الاتحادية، لكي أقدّم رسالة قصيرة بمناسبة حفل افتتاح الاتحاد الدولي لكرة القدم لكأس العالم في البلد الجميل الذي طالما سمي يوماً ما أرض الصليب“.

يوجد بعض التجليات للحضارة البشرية التي تعلو على الحدود التي يضعها البشر.هذه العلامات لطالما اعتُبِرَت أسمى من النظام العالمي بل ممتدةً إلى الفضاء الإلهي. من بين هذه العلامات، منذ العصور الكلاسيكية، أثبتت الرياضة والألعاب الرياضية بأنها ملهَمة من السماء ومبارَكة منها، حاملةً البرهان على ميل البشر إلى تخطي طبيعتهم.

في هذا المنظار، بمقدور الرياضة الحديثة والمباريات أن تتخطّى التمييز العرقي والحضاري، كما الفروقات المالية والسياسية، فيما في الوقت نفسه تساهم في الاستقرار الاجتماعي والسلام العالمي. الرياضة الأصيلة تعزز بشكل مطلَق التسامح والحوار والمصالحة بين المجتمعات والبلدان.

مع هذا، ما وراء هذه الأهداف والقيَم السامية، ينبغي بالرياضة العالمية المنظّمة أن تتذكّر في الوقت نفسه أولئك المنسيين والمهمَلين في خضمّ الحماس والابتهاج في الأحداث التي تضمّ رياضيي العالم المعروفين والتي ترعاها الشركات القوية. بالطبع، نحن نشير هنا إلى الفقراء والضعفاء الذين هم في الغالب مهمَّشون في هذه المناسبات العالمية أو مجروحون منها.

إن صلاتنا المتواضعة ورجاءنا الحار هو في أن يساهم كأس العالم في السلام والاستقرار العالميين، فيما يثبت في الوقت نفسه فعاليةً في دعم الفقراء في البرازيل البلد المضيف كما في كل العالم.

في البطريركية المسكونية، في الثاني عشر من حزيران 2014

برثلماوس، رئيس أساقفة القسطنطينية روما الجديدة

 

السنة العاشرة – العدد السابع – نيسان 2014

السنة العاشرة – العدد السابع – نيسان 2014

مختارات آبائية

خواطر حول الصحّة التي قهرت الموت

الإرشمندريت باسيليوس رئيس دير إيفيرون

حوار بين الشيخ أبيفانيوس وبين أحد الملحدين

عظة

السّيادة لله وحده!

الأرشمندريت توما بيطار

رعائيات

الناس المتديّنون خطرون، ليَحمِنا الله منهم

أثناسيوس متروبوليت ليماسول

مقاربة روحية لشبكات التواصل الاجتماعي

الأب أنطوان ملكي

حياة روحية

سقطة آدم

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

شك توما الحَسَن

الشيخ موسى الأثوسي

شهادات وتاريخ

كنيسة أنطاكية والوحدة الأرثوذكسية

الأرشمندريت إيرينيوس ياكوماكيس