السنة العاشرة – العدد الحادي عشر – آب 2014

 مختارات آبائية

مجيء المسيح الدجّال، للقدّيس إغناطيوس بريانتشانينوف

ما هي اللذات؟ أيٌّ منها مستحق اللوم وأيٌّ بريء؟، الشيخ يوسف الفاتوبيذي

عظة

مَن هو قريبي؟، الأرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

القداسة والاستشهاد في أيامنا، حديث مع المتروبوليت يروثيوس فلاخوس

الصليب، الميتروبوليت بولس يازجي

لاهوت

الآباء القديسون، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

تربية مسيحية

سِيَر القديسين، الأب أنطوان ملكي

أبطال روحيون

امرأتان قدّيستان، إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

مَن هو قريبي؟

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، السّؤال الّذي لا بدّ لنا من أن نطرحه على أنفسنا، إثر قراءة إنجيل اليوم، هو: “لماذا يُكيل الرّبُّ يسوعُ الاتّهامات للكتبة والفرّيسيّين؟! لماذا يجعلهم، لا فقط بني قَتَلَةِ الأنبياء، بل أيضًا مشارِكين في ما فعله آباؤهم، أي يجعلهم مشارِكين في قتل الأنبياء؟! لِمَ ذلك؟!”

لاحظوا أنّ السّيّد يقول عن الكتبة والفرّيسيّين إنّهم مراؤون! إذًا، هم يتظاهرون بشيء؛ فيما هم، في قرارة نفوسهم، على شيء آخر: يشيّدون قبور الأنبياء، ويزيّنون مدافن الصّدّيقين. بكلام آخر، يستعملون الأنبياءَ والصّدّيقين ليَظهروا كأنّهم على تقوى، ولكي يستبينوا كأنّهم أبرار. لكنّ الله، العارف بمكنونات القلوب، يعرف جيّدًا أنّهم مراؤون. وهو يقول لهم: “أنتم تشهدون على أنفسكم أنّكم بنو قتلةِ الأنبياء”. كيف يشهدون على أنفسهم بذلك؟! يشهدون بأمرين:

أوّلاً، هم يعتبرون أنّ الّذين قتلوا الأنبياء هم آباؤهم. ما زالوا متمسّكين بانتمائهم إلى آبائهم، على الرّغم من أنّ آباءهم فعلوا أمورًا شائنة عديدة! لا يليق بالإنسان أن يكون ابنَ أحد، إلاّ في الحقّ. أمّا أن يكون ابنَ إنسان آخر في الباطل، فهذا معناه أنّه يلتزم الباطل الّذي سلك فيه أبوه. عند القدماء، التّمسّكُ بالسّلالات كان يعني، في الحقيقة، تمسّكًا بميراث الآباء. والأبناء يفتخرون بآبائهم وبما فعلوه. والكتبة والفرّيسيّون، إذ يتمسّكون بانتمائهم إلى آبائهم، وآباؤهم قتلوا الأنبياء؛ فهم، بصورة غير مباشرة، يزكّون آباءهم في ما فعلوه. ولو لم يكن الأمر كذلك، لو كان انتماؤهم، أوّلاً وأخيرًا، إلى الرّبّ الإله؛ لَكانوا يعتبرون الرّبّ الإله وحده أباهم، ولَكانوا يعتبرون كلّ الّذين يسلكون في ما لله آباءهم، أيضًا. هؤلاء يكونون آباءهم في الله. أمّا إن كانوا قد حادوا عن الشـّريعة، وكفروا بما لله؛ فمُفترَضٌ بهم أن يُنبَذوا حتّى عند أبنائهم، وإلاّ لا تكون الأمانة لله في موقعها.

ثانيًا، إنّ الكتبة والفرّيسيّين يُعتبَرون، عند الله، مشارِكين في قَتْلِ الأنبياء الّذين فتك بهم آباؤهم؛ لأنّهم لا يسلكون باستقامة، من جهة الشـّريعة. وهذا واضح من خلال طريقة تعاملهم مع الرّبّ يسوع المسيح، بالذّات! لو كانوا، فعلاً، غيرَ موافقين على ما فعله آباؤهم؛ لو كانوا، فعلاً، سالكين في الأمانة لله؛ لَكانوا سمعوا لأقوال الأنبياء، الّذين تكلّموا على الرّبّ يسوع، وشهدوا لمجيء مسيح الرّبّ. فلأنّهم لم يقتبلوا كلام الأنبياء، من جهة يسوع؛ رفضوا، بكلّ بساطة، الأنبياءَ؛ وتعاطوا القَتْلَ، هم أيضًا، من جهة يسوع، الّذي تكلّم عليه الأنبياء! والقتل، عند الله، لا يعني، فقط، قَتْلاً فيزيائيًّا جسديًّا؛ بل يعني، في الدّرجة الأولى، رفضًا لكلام الأنبياء. وبما أنّ الكتبة والفرّيسيّين قد رفضوا كلام يسوع، ويسوع أصدر حكمه عليهم وقال عنهم إنّهم مراؤون؛ فهذا معناه أنّهم كانوا يعملون حثيثًا على قتل يسوع، أوّلاً، برفضهم لكلمته، وبالإساءة المتواترة إليه؛ ومن ثمّ، بالتّآمر عليه لدى الرّومان. وتآمُرُهُم هو الّذي أوصل يسوع إلى الصّليب.

لذلك، من هاتين الزّاويتين، الكتبةُ والفرّيسيّون يتظاهرون، من ناحية، بأنّهم يوقّرون الأنبياء؛ فيما هم، في الحقيقة، ملتصقون بآبائهم الّذين قتلوا الأنبياء. ومن ناحية أخرى، لأنّهم رفضوا ما قاله الأنبياء بشأن مسيح الرّبّ، فإنّهم باتوا في عـِداد المرائين القَتَلَة، الّذين يتظاهرون بالتّقوى وهم كافرون، ويتظاهرون بإكرام الأنبياء فيما هم يساهمون، كلّ يوم، في قتلهم، من خلال رفضهم لِما قالوه.

لهذا، يا إخوة، علينا أن نُدرك أمرًا في غاية الأهمّيّة، في تعاملنا مع النّاس، وفي تعاملنا مع آبائنا الّذين جئنا منهم بالجسد. علينا أن نُدرك أنّ مَن يجعل القرابةَ قائمةً بيننا وبين أيّ إنسان – سواء كان قريبًا لنا بالجسد أم بعيدًا، سواء كان صديقًا لنا أم غريبًا عنّا – هو الرّبّ يسوع. والطّاعة للرّبّ يسوع هي الّتي تحدّد ما إذا كان فلان أو فلان من النّاس قريبي أو لا. إن كنتم أنتم تحبّون الله، وترون أنّي، أنا أيضًا، أسلك في محبّة الله؛ إذ ذاك، أصير قريبكم في المسيح. خارج المسيح، ليست هناك قرابة لها قيمة في حياتنا! الرّبّ يسوع المسيح قال، بوضوح، إنّه جاء ليلقي سيفًا، لا سلامًا بين النّاس! جاء ليفرّق الأبَ ضدّ أبنائه، والأمَّ ضدّ بناتها، والحماةَ ضدّ كنّتها!… العلاقات الّتي هي على مستوى البشرة قد باتت غير مقبولة عند الله. القول “أن ينصر الإنسانُ أخاه أو قريبه في الجسد، أظالمًا كان أم مظلومًا” هو كلام قَبَليّ، ليس مقبولاً، ولا بحال من الأحوال. أقرباؤنا هم الّذين يطيعون الله. الرّبّ الإله جعلنا جميعًا إخوة فيه هو. خارج الرّبّ يسوع المسيح تنتفي كلّ أُخوّة، وكلّ قرابة، وكلّ صداقة! لهذا، على كلّ واحد منّا أن يصنع أقرباءه من جديد، أن يصنع إخوته من جديد! كيف يصنعهم؟! يصنعهم في المسيح! يمتدّ صوبهم في المسيح! وكلّ مَن قابلنا بمثل ما نفعل، بحيث يصير المسيح معنا وفيما بيننا، هؤلاء هم الّذين يصيرون إخوة لنا وأقرباء.

المهمّ، إذًا، أوّلاً وأخيرًا، أن يكون الرّبّ يسوع هو الرّابط الّذي يشدّنا الواحد إلى الآخر. بهذا، نصير أقرباء وإخوة. وبغير ذلك، نسلك في الكذب، ولا نسلك في الحقّ. ونحن، في الرّبّ يسوع، أُعطينا أن نعيد ترتيب علاقاتنا وحياتنا، بحيث يصير الرّبّ يسوع هو الألف والياء، وهو حجر الزّاوية في كلّ ما نعمله، وفي كلّ ما نتعاطاه، وفي كلّ ما نمتدّ به إلى العالم.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول متّى23: 29- 39 في السّبت 5 أيلول 2009

مجيء المسيح الدجّال

للقدّيس إغناطيوس بريانتشانينوف*

نقلها إلى العربية راهبات دير مار يعقوب الفارسي المقطع، دده – الكورة

          إنّنا نقترب، شيئًا فشيئًا، من الوقت الذي سيبدأ فيه ظهور عجائب مدهشة ومذهلة بقصد جرّ الناس البائسين إلى الهلاك، أولئك الذين يرون الأمور من منظار بشريّ، فيُجذَبون بتلك المظاهر العجائبيّة ويهلكون بها.

         نعم، سيأتي المسيح الدجّال، ولكن كيف يجب أن نواجه حضوره؟

1)    بالإيمان الحيّ الحارّ. يولد الإيمان الحيّ بالمسيح يسوع داخلنا كلّما تغذّت نفوسنا بكلمة الله، فالإيمان واسطة به نرى الله: “وبالإيمان ترك مصر (موسى)… لأنّه اصطبر كأنّه يعاين الذي لا يُرى” (عبرانيّين 11: 27). فعندما تنتعش نفوسنا بالإيمان الحيّ نستطيع، عندئذ، أن ندرك شيئًا من العقائد الإلهيّة البعيدة المنال عن أفهامنا، فلا تبقى مخفيّة تحت حجاب كثيف لا يمكن خرقه.

لا يحتاج الإيمان الحيّ، البتّة، إلى علامات تؤيّده، لأنّه هو عينه مليء بعجائب المسيح. والحقيقة إنّ المسيح، كلمة الله، الذي هو، بحدّ ذاته، المعجزة الكبرى التي كلّلت معجزاته كلّها. إنّ الرغبة التي تحدونا لرؤية العجائب ما هي إلاّ دليل على عدم إيماننا، ولذلك أُعطيت لنا العلامات لكي نتحوّل بواسطتها إلى الإيمان. ولذلك، أيضًا، علينا الالتصاق بالربّ بكلّ ما أوتينا من قوّة، والاتّحاد به من دون أدنى انقسام داخليّ، وعند ذلك لا تقوى علامات ضدّ المسيح أن تجذب انتباهنا إليها على الإطلاق.   والأمر الأهمّ هو إبداء لامبالاتنا، إن لم نقل ازدراءنا، لهذه العلامات، تمامًا كما نفعل عندما يصادفنا عمل وقح مشين، أو عمل يضادّ وصايا الله، أو قول تجديف على القدسات، أو أيّ عمل أو قول آخر يسبب لنا الموت الروحيّ.

ودعونا نتذكّر في هذا المجال أقوال آبائنا النسّاك النابعة من خبرتهم الروحيّة العميقة بأنّ ظهور الشياطين لها تأثيرات قويّة، حتّى إنّ أقلّ اهتمام بها، أو عدم ضبط النفس أمامها، كفيل بإحداث ضرر كبير في النفس إذ تثيرها وتهيّجها وتوقع الإنسان في تجارب صعبة.

2)    بالتواضع: التواضع فضيلة لا يمكن فصلها، ولا بأي حال من الأحوال، عن الحياة الروحيّة الأصيلة، فالقدّيس إسحق السوريّ يقول: “فقط من يملك فضيلة التواضع يمكن أن يدعى روحيًّا، وأمّا من هو بعيد عنها لا يمكن، أبدًا، أن يسمّى روحيًّا”. يشير الإيمان الحيّ إلى حضور الله في النفس، فمن يرى الله داخله، لا بدّ له أن يحسّ بتفاهة قيمته الشخصيّة وحقارة شأنه، فيشمله، عندئذ، توق شديد نحو الله وتطبيق وصاياه، وهكذا يبدأ مسيرته الروحيّة بالتواضع. فالمتواضع لا يتجرّأ، البتّة، على الاهتمام أو الانشغال بأمر مهما بدا بسيطًا خارج إرادة الله. لهذا، فعلامات ضدّ المسيح تبقى غريبة عن المتواضع وبعيدة عنه كلّ البعد، فهو لا يقبل أن تكون له علاقة بها، بل هو يرفضها رفضًا قاطعًا.

3)    بالسهر والصلاة: عندما نتأمّل ضعفنا وتفاهتنا، لا بدّ لذهننا، عندئذ، من أن يتّجه نحو الله، نحو عظمته، نحو قدرته الكلّيّة، نحو صلاحه اللاّمتناهي، فيشتعل فينا، حينئذ، الشوق العارم للصلاة إليه والتحدّث معه، ويتجمّع رجاؤنا كلّه في خيريّته. من هنا كانت الأهمّيّة بالغة بعدم الانشغال بأيّ أمر أثناء الصلاة، إذ لا شيء له أهمّيّته إزاءها، فصلّ، إذًا، بكلّ قلبك ونفسك وذهنك، واطلب من الله ليمنّ عليك بموهبة الصلاة المستمرّة.

لا شكّ أنّ أيّام ضدّ المسيح ستكون أيّام ضيق وشدّة لا سيّما للمؤمنين، الذين سيطلبون من الله المعونة والعضد والنعمة الإلهيّة. فقوّة الإنسان، مهما كان مؤمنًا بالله، تبقى غير كافية لتقاوم قوّة الشياطين والبشر المجتمعة عليه، الذين سيستخدمون ضدّه كلّ الوسائل والأساليب بقساوة لا تنثني ولا تلين لكونهم باتوا يشعرون بقرب نهايتهم: “فلذلك افرحي أيّتها السموات والساكنون فيها والويل للأرض والبحر فإنّ إبليس قد نزل إليكما وغضبه عظيم لعلمه بأنّ له زمانًا قصيرًا بعد” (رؤيا 12: 12). ولكنّ النعمة الإلهيّة ستظلّل مختاري الله، فتبقى تهديدات ضدّ المسيح كلّها عديمة النفع وغير فعّالة وبلا نتيجة ترجى، وحتّى عجائبه ستكون مزدراة مرذولة. وعندئذ، سوف يمدّ الربّ عبيده الأوفياء بقوّة لكي ينذروا بشجاعة ورجولة بأنّ يسوع المسيح هو مخلّص العالم. كما سيخبرون عن ماسيّا الكذّاب بأنّه سوف يأتي، ولكنّه سيجلب معه الهلاك، وسيقود تابعيه إلى المشنقة، كيهوذا آخر، أيّ إلى الموت، وأمّا المختارون فيشعرون وكأنّهم متربّعون على عرش ملوكي، يتغّذون بغذاء سماويّ عرسيّ. إنّ محبّة الله هي أعذب من الحياة نفسها، فالمحن والرزايا محبّةً بالمسيح، وحتّى الموت من أجله هي بداية الفرح الفردوسيّ الأبديّ. وهذا ما ظهر جليًّا مع شهداء القرون الأولى للمسيحيّة، هؤلاء الشهداء الذين نالوا قوّة علويّة، فتقدّموا إلى العذابات بشوق ووجد، مستعذبين الاستشهاد والموت من أجل معشوقهم المسيح.

لقد سبق الربّ وأنبأنا بوقوع الآلام والضيقات التي ستسبق مجيئه الثاني، وأوصى تلاميذه بأن يسهروا ويصلّوا قائلاً: “فاحذروا واسهروا وصلّوا لأنّكم لا تعلمون متى يكون الزمان” (مرقس 13: 33). الصلاة حاجة ماسّة للإنسان، وهي دائمة النفع له، لأنّها تحفظه في وصال مستمرّ مع الله، وتضعه تحت جناحَي حمايته. إنّها تصونه من محبّة الأنا والاعتماد على النفس والانحراف نحو الكبرياء والمجد الباطل ومن الأفكار التي تبذرها في أذهاننا الأرواح الشرّيرة، والتي تتبعها السقطات الفظيعة. ولكنّنا نحتاج إلى الصلاة، أكثر فأكثر، إبّان الآلام والمخاطر المنظورة وغير المنظورة، فتجعلنا نتخلّى عن اعتمادنا على ذواتنا، وتترجم قوّة ثقتنا ورجائنا بالله، وتجذب إلينا معونة الله الكلّيّ القدرة التي تخرجنا، بطريقة عجائبيّة، من مواقف صعبة نحن غارقون فينا.

إنّه لخطأ فادح أن يطلب الواحد منّا أن يرى علامات من السماء يصل بواسطتها إلى معرفة الله. يطلب هذه العلامات، عادة، من يعتمدون على فهمهم البشريّ المادّيّ، فالمعرفة الإلهيّة والإيمان الحيّ والتواضع المبارَك والصلاة النقيّة هم الذين يقودوننا إلى معرفة الله معرفة حقيقيّة، ويحبكون لنا نسيج الحياة الروحيّة، ويعكسون لنا المنطق الروحيّ. وعلى العكس، فالجهل والشكّ وعدم الإيمان وعمى الروح والكبرياء والاعتماد على الذات وحبّ الأنا يعزّزون المنطق البشريّ المادّيّ، فيمسي أصحابهم عاجزين عن معرفة الله، لأنّ المفهوم البشريّ لايستطيع أن يعرف الله ولا يقبل، تاليًا، الوسائل التي يستعملها، والتي تقود النفس إلى معرفته.

*عن اليونانيّة من كتاب العجائب والعلامات.

ما هي اللذات؟ أيٌّ منها مستحق اللوم وأيٌّ بريء؟

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

اللذات هي تلك الأشياء التي تمنح اللذة (ηδονή) وتحلّي حياتنا. إنها مزدوجة مثل طبيعتنا البشرية. كما أن لنا جسد ونفس وكلٌّ منّا لديه حواسه وجسده، على المنوال عينه تنتمي اللذات إلى الطبيعتين الجسدية والعقلية. هناك لذات جسدية، نحسّ بها بالجسد، وهناك لذّات عقلية تنتمي إلى عالمنا العقلي والروحي.

اللذات بالأغلب هي نتيجة عملنا وهي إمّا تعزّينا أو تخيّبنا، بحسب عملنا الصالح أو الخاطئ. إذا كان مخطط تحركاتنا وهدفها بحسب الله وإرادته، فالعواطف واللذات الناتجة تكون مرضِية وتترك طعماً حلواً. بينما إذا كانت ميولنا وأعمالنا غير عقلانية ومليئة بالأهواء، عندها نشعر بالاشمئزاز والاستنكار.

من جهة أخرى، اللذات التي تفتننا وتغرينا هي تلك المرتبطة بطبيعتنا الجسدية والموجودة في أعضاء جسدنا وحواسنا. حاسّة الذوق، اللمس والشمّ تأتي في المرتبطة الأولى. إن طعم الحلاوة الناتج عن احتكاكنا بالأمور والحركات المادية يُسمّى لذّة. هنا ينبغي أن يمتلك المرء تمييزَ التدبير الصحيح لتلافي سوء الاستعمال. إن جوهرنا المادي يشكّل الجزء الأكبر من وجودنا وهو يقوم على الحواس الثلاثة التي من خلالها تتمّ اللذّة وإشباعها.

عندما يتذكّر المرء مصيره، وأنّه يأكل ليعيش، يصير قادراً على التحكّم باللذات بحسب ناموس الحاجة أو الضرورة. إذا كان، للأسف، يعيش ليأكل ويصرِف كما هي القاعدة في هذه الأيام، طبيعي أن تسود اللاعقلانية وأخجل حتّى من وصفها.

هناك أيضاً لذّات أخلاقية وحسّية، وهي بشكل رئيسي تلك المتعلّقة بغريزة التوليد وإقامة العلاقات. هنا عندنا متاهة الانحراف الحقيقية، حيث يفوز الشيطان السحيق بمعظم الجوائز. إن ناموس وحافز توالدنا، وهو ضرورة أساسية في هذا المنفى، يصير الجاذب الأقوى للتلاقي الجسدي بين الجنسين. من ثمّ تبدأ الذريعة الأقوى من مذهب المتعة غير الشرعية، وهي بالحقيقة مَن يحطّم الشباب العديم الخبرة.

لقد وصفنا باقتضاب أسباب بلوغ إلى اللذة. الآن يتوقّف الأمر علينا في استخدام الحكمة لرفض هذه الأسباب وكبح أنفسنا عن البكاء على الأطلال بسبب قبولها غير الشرعي واستخدامها. هذه الأسس تشير إلى اللّذات الحسيّة والدنيوية.

إلى هذا، هناك لذّات روحية وهي تريحنا بالحقيقة وتشجعنا. اللذات الروحية هي أفعال وثمار النعمة الإلهية التي تعزّي وتخفّف الأتعاب في المجال الروحي، تنير العقل، تهدئ القلب وتواسي الحواس وتبثّ الشجاعة والرجاء في الأوقات الصعبة. ما هو إذاً الفرح والسلام والصبر والاعتدال وكل ما يولَد من المحبة والعطف إن لم يكن لذة روحية؟ كل ثمار ومنتجات التضحية التي تطليها المحبة هي اللذات الروحية الأكثر حلاوة والتي تسبب الفرح الأعظم في حياتنا.

وعلاوة على ذلك، هناك لذّات فائقة الطبيعة يمنحها اللطف الإلهي لنا في هذه الحياة، مع أنها تنتمي إلى ماورائيات العالم الآتي، كتهيئة للنعيم الذي ينتظرنا. هذه اللذات، كونها فوق الطبيعة، نحن لا نتحكّم بها ولا نخطط لها في هذا العالم، فما هي إلا جوائز المحبة الإلهية الكاملة لتقوّي وتريح أولئك الذين يجاهدون الجهاد الحَسَن. بعض هذه اللذات: هدوء الأفكار، التحرر من القتال ضد الأهواء، الموت الكامل عن التعلّق بالأمور والحركات الدنيوية كما صعود ascent النعمة الإلهية إلى الذين حققوا طهارة القلب. هؤلاء الناس يُقال عنهم أنهم يختبرون الإلهيات وهم يسحبون extricating أنفسهم من طرق وخبرات هذا العالم. هؤلاء الناس هم الذين أعطاهم السيد هادته وأعلن أن لهم سوف يكشف نفسه وسوف “يسكن فيما بينهم” هو وأبوه. على كل الذين يرغبون بالتمتع بهذه الهبات والفضائل الفائقة الطبيعة أن يجاهدوا في الالتزام بالوصايا. إن ربنا يحفظ وعوده.

Γέροντος Ιωσήφ Βατοπαιδινού, Συζητήσεις στον Άθωνα, Ψυχοφελή Βατοπαιδινά 13, Ιερά Μεγίστη Μονή Βατοπαιδίου, Έκδοσις Α’, Άγιον Όρος 2003, by Olga Konari Kokkinou.

القداسة والاستشهاد في أيامنا

حديث مع المتروبوليت يروثيوس فلاخوس*

نقلته إلى العربية جولي عطية

س: صاحب السيادة، يشكّ العديد من الناس في وجود قدّيسين اليوم. ماذا تقول؟

 ج: بالتأكيد يوجد قديسون. غاية الكنيسة هي تقديس الناس، وإلاّ لا داعي لوجودها. تهدف الكنيسة، عبر أسرارها وحياتها النسكية، إلى شفاء البشر من الأهواء وإلى منحهم الصحة الروحية التي هي القداسة. يقول الرب: “كونوا قديسين لأني أنا قدوس” (1بط 1: 16)، ومكتوب في الرؤيا: “من هو مقدَّس فليتقدَّس بعد” (رؤ 22: 11). للأسف في أيامنا، يفهم معظم المسيحيون الكنيسة كمؤسّسة دينية أخلاقية اجتماعية ذات أهداف علمانية ودهرية. ويجتهدون سويّة في الكنيسة لإنتاج مشاريع اجتماعية وأخلاقية. طبعًا تنجز الكنيسة هكذا مشاريع، لكنّ هذه المشاريع هي النتيجة، هي ثمرة لاتّحاد الشخص بالمسيح.

لذلك، فاليوم أيضًا هناك قدّيسون عاشوا ويعيشون ضمن الكنيسة، مثل أساقفة وكهنة ورهبان وعلمانيّين من الفئات كلّها. لكنّ المشكلة الأكبر هي أننا لا نملك المعيار الأرثوذكسي لفهمهم لأنّ لهم عالمًا داخليًّا مستترًا عن كثيرين، والعديد منّا ليسوا في الحالة المناسبة لملاحظتهم.

ليس مهمًّا بالأخصّ ما إذا كان القديسون موجودين اليوم بل كيف يمكن أن نصبح قدّيسين. العلوم كلّها تعتمد منهجًا معيّنًا. وحتى يصبح الشخص قدّيسًا، عليه أن يتّبع هذا المنهج المحدّد والذي يقوم على تطهير القلب واستنارة النوس والتأله، بالاقتران مع أسرار الكنيسة. نصادف هذا في الفيلوكاليا وفي تعاليم الآباء المعاصرين. ويتم التعبير عن القداسة من خلال التوبة والتواضع ومحبة الله والإنسان.

ولهذا السبب يقرأ الناس في أيامنا سير حياة القدّيسين المعاصرين الذين يجاهدون من أجل خلاصهم، مثل الأب باييسيوس والأب بورفيريوس والأب صفروني والأب أفرام كاتوناكيا وغيرهم، من المعروفين وغير المعروفين، الذين يرقدون الآن. هؤلاء هم مرشدينا ومثالنا، من دون أي فصل عن المؤسسة الكنسية أو إضعاف لها.

س: يبحث العديد من الناس عن شيخ ذي مواهب مميّزة لإرشادهم، الأمر الذي يصعب العثور عليهاليوم.

 ج: يحصل هذا عادة لأنّ الناس اليوم، كما في العصور كلّها، يبحثون عن أشخاص يرشدونهم إلى سبيل الخلاص وإلى الأسلوب الذي يقود إلى القداسة والكمال الداخلي. لا يعتمد هذا الأسلوب على المنطق والتقنيات والأخلاقيات بل يجمع بين الأسرار والحياة النسكية.

 يبحث الناس عن “كائنات حيّة” لا عن مجرّد معلمين ولاهوتيين أكاديميين. وكما أنّ الحياة البيولوجية تنتقل من الكائنات الحيّة لا الميتة، إذ لا يقدر أيّ كائن ميت أن ينقل الحياة، فالأمر نفسه يحصل في الحياة الروحية. من يحبّ المسيح من كلّ كيانه، أي بشكل جسدي-نفسي، يستطيع أن ينقل هذه المحبة للآخرين. أيّ شخص يعرف الطريق إلى وجهة ما، يستطيع أن يدلّ إليها من يبحثون عنها.

أستغنم الفرصة لأقول هنا إنّ هناك ثلاثة ركائز للحياة الروحية، كما يفسّر القديس نيقولاوس كاباسيلاس. ويظهر ذلك خلال تكريس كنيسة، حيث يكرّس الأسقف المائدة المقدسة ويضع فيها ذخائر الشهداء. لذا فعمود الحياة الروحية يقوم على ثلاثة: الأسقف والمائدة والقديسين، ويجب على هؤلاء الثلاثة أن يعملوا بصورة صحيحة لتحقيق فكر كنسي. فالفكر الكنسي الأرثوذكسي لا يتحقّق عبر أسقف لا يقيم الشكر الإلهي ولا يعترف بالقديسين، أو عبر الشكر الإلهي بالتغاضي عن الأسقف والقديسين، أو عبر محبة القديسين من دون المشاركة بالشكر الإلهي والتعاون مع الأسقف.

لقد احترم الشيوخ العظماء الأسقف وأرشدوا من أرادوا الاتّحاد بالمسيح إلى الشكر الإلهي وأعدّوهم لتناول جسد المسيح ودمه. لهذا السبب يبحث الناس عن مثل هؤلاء الشيوخ المباركين للإصغاء إلى كلامهم. نرى في كتاب أقوال الآباء الشيوخ وفي النصوص النسكيّة أنّ كلّ من يعطش للربّ يهرع إلى “الكائنات الحيّة” ويطرح السؤال: “أبتِ، قلْ لي كلمة حتى أخلص”. وتملك “كلمة” الأب هذه قوة وطاقة، هي كلمات الله وأقوال الحياة التي تتجدّد في المسيح.

للأسف كما تقول، قلائل هم هؤلاء الشيوخ في هذه الأيام، في زمن الدهرنة والتسوية في الإيمان والحياة، إمّا لأنهم نادرون أو لأنّهم متوارون أو لأنّ الناس لا يستطيعون أن يتبعوهم ولا يريدون ذلك. قال المسيح: “من يسأل يأخذ ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له” (متى 7: 8). في الكثير من الأحيان، يكون بجوارنا أشخاص مباركون لكنّنا لا نلاحظ ذلك. وإنّه لشيء سيّئ أن نترك هذا العالم، أي أن نموت، من دون أن نضع في حيّز اهتمامنا أصدقاء المسيح المتواجدين بقربنا.

س: نرى اليوم الأرثوذكسيّة مستهدفة في العديد من الأماكن. إلى أين سيصل أعداؤنا باعتقادك؟

ج: أنت على تمام الحق. أينما وجدت كنيسة أرثوذكسية فهي تتعرّض للفتن والاضطهادات. هذا قانون ثابت، فنحن نرى ذلك حيث توجد كنيسة أرثوذكسية في الشمال والجنوب والشرق والغرب. ما يختلف هو أسلوب الاضطهاد في كل بلد، فهو أحيانًا ظاهر وعنيف يذكّر بالعصور القديمة للمسيحيّة الأولى، وفي أحيان أخرى هو أسلوب غادر وأكثر خطرًا، مثلًا الدهرنة التي تدخل إلى العالم.

الكنيسة الأرثوذكسية هي جسد المسيح، هي الشمس اللامعة التي تسبّب الألم للمعتلّي العيون الذين يعانون من مشاكل بصرية. وحيث توجد الشمس يوجد الظلّ أيضًا، وفي الظلّ ظلمة تجول فيها الوحوش المتعطّشة للدماء.

حين يكره الناس المسيح والحقيقة والكنيسة الأرثوذكسية، يعانون من مشاكل داخلية وقد يصلون إلى أماكن لا يُسبَر غورها، إلى نقطة الجنون. رأيت عبر الانترنت مشهدًا مرعبًا يمثّل قطع رأس مسيحي على يد مسلم متطرّف، فصُعقت. فكّرت كيف أنّ هذا هو الأسلوب عينه الذي استشهد عبره الرسل والشهداء، كما يقول السنكسار: “تكمّلوا بحدّ السيف”. وهذا اختبار لنا، نحن الذين نحبّ التمتّع بأوقات جميلة ونخضع للتسويات ونبحث عن الرفاهية. من هنا، فالاضطهادات تظهر لنا الأمراض الداخلية للمضطهِدين، كما وتظهر لنا عظمة المسيحيين. عالٍ جدًّا هو مقياس محبتنا للمسيح، فالقداسة الأمانة للوصايا الإنجيلية لا يرتبطان بالمقياس المتدنّي الذي للأعمال الأخلاقية والاجتماعية، إنّما يستندان إلى معايير عالية.

في النهاية، يجب على الكنيسة أن تهيّئ أولادها ومن يحبّون المسيح وخلاصه إلى الاستشهاد ولأن يصيروا شهداء للمسيح. لا قيمة للاهوت والعمل الاجتماعي والبعثات في غياب الشعور بالاستشهاد والسعي إليه. في أيام الاحتلال التركي، كان الشيوخ الكبار هم “مدرِّبي” الشهداء. وهذا ما يفعله أيضًا الشيوخ العظماء في أيامنا.

تأثرت مؤخرًا حين استلمت رسالة من مسيحي من مصر يقول لي: “رجاء صلِّ إلى الله كي يهبنا القوة والسلام والراحة حتى نحمل صليبنا بشجاعة وإيمان ثابت وحتى نكون مستحقين لأن نصير قديسين وشهداء من أجل اسم المسيح”.

كيف بإمكانك أن لا تحب هكذا رغبة بالاستشهاد!

 

س: الوضع غير مستقر في سوريا. يتم تهديد المسيحيين بالذبح إن لم يتركوا بيوتهم. إلى أين نحن ذاهبون؟ ربما يتم تعميم هذه النزاعات؟

ج: أتابع بحزن شديد كلّ ما يحدث في سوريا. لا أستطيع أن أقول إني أوافق طرفًا معيّنًا لأني أشارك بذلك في القتل وهذا تعرّض للعدالة الإلهية. مع ذلك، أشعر بالأسى تجاه نهر الدماء المجنون هذا وتجاه خسارة الناس. يجب أن ننشئ جيشًا للصلاة حتى ينتهي هذا الحمام الدموي المجنون وحتىيعمّ السلام في المنطقة.

أحزن بالأخصّ لأنني أعرف هذه الأجزاء بما أني زرتها مرارًا خلال السنين 1988-1991 ومرات عديدة بعدها. في العام 1988، وعملاً باقتراح رئيس أساقفة أثينا سيرافيم وقرار المجمع المقدس لكنيسة اليونان، ذهبت إلى لبنان للتعليم في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند. حصلت على جواز سفر خاص من وزارة الخارجية للحصول على أمن أكثر. ولأنّ مطار بيروت لم يكن يعمل بسبب الحرب الاهلية، كنت أذهب إلى دمشق في سوريا ومنها تنقلني بطريركية أنطاكية إلى لبنان.

لذا فكنت أبقى لأيام عديدة في دمشق، حيث كنت أتكلّم مع الشباب الأرثوذكسي والعلماء والتلاميذ الذين كان لهم عطش كبير لله. زرت العديد منهم وأقمت القداس وتحدّثت مع الناس في حمص وحلب واللاذقية… في سوريا، تعرّفت إلى مسيحيين أرثوذكسيين غيورين ورهبان جيّدين وإكليركيين مميّزين. اكتسبت هناك أصدقاء أعزّاء وأحزن لمشاهدة الاضطرابات اليوميّة في المنطقة. أعرف أساقفة وأساتذة كانوا تلاميذي في المعهد اللاهوتي في لبنان وأصلّي من أجلهم إلى الله…

مع ذلك، في هذا الزمن الذي نعيش فيه، لا يجب أن نهتم بأنفسنا وبمنازلنا بل يجب أن نهتم بمشاكل أخوتنا الآخرين والمسيحيين الأرثوذكسيين، ويجب أن نصلّي من أجلهم. طبعًا الله هو الذي يقود التاريخ، نحن نخضع لعنايته وهو يتدخّل في الوقت المناسب، لكنّ صلواتنا لازمة. من هنا، فكلّ قداس إلهي هو صلاة من أجل سلام العالم وثبات كنائس الله وتوقّف الحروب.

دعونا نعتبر هذا طلبًا للصلاة. ولتتألم قلوبنا لأنّ مشاكل العالم هي جغرافية-سياسية للأسف، بما أنّ الناس كلّهم باتوا يُعتَبرون بيادق صغيرة في رقعة الشطرنج العالمية التي أنشأها بعض “اللاعبين العالميين” من دون رأفة وألم. ليساعدنا الله جميعًا.

س: في خضم كلّ هذا، يقول الكثيرون إنّ الجبل المقدّس هو واحة روحيّة تمنح الراحة لآلاف الذين يزورونها مؤخرًا.

ج: الجبل المقدس هو بالفعل مكان مبارك، واحة روحية قدّست أشخاصًا يعرفون كيف يحبّون ويساعدون الآخرين ويضحّون من أجلهم ويمنحون الراحة للمتعَبين.

لا تعتبروها مناقضة إن قلت إنّ الجبل المقدس هو مكان حرب بل أيضًا مكان حروب متعارضة. طبعًا أقصد هنا الصراع مع الأرواح الشريرة. يكتب الرسول بولس: “فإنّ مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات (أفسس 6: 12).

اكتسب آباء الجبل المقدّس الخبرة في هذه الحرب، ولذلك يستطيعون تعليم أساليب هذه الحرب الروحية لمن يريدون تعلّمها. عندما يقاتل أحدهم ضدّ الشيطان والخطيئة والموت، يختبرون ثمار التدبير الإلهي وتجسّد المسيح ويقتنون الحرية الروحيّة والكمال الداخلي.

غالبًا ما زرت جبل آثوس في سني دراستي، حيث التقيت برهبان موقّرين، ذقت خبزهم وسمعت كلماتهم المقدسة وشعرت بمحبّتهم وبحياتهم المستترة. اكتشفت من هو رجل المسيح وتعرّفت إلى السهرانيات في الأديرة وإلى القلالي والمناسك. مشيت في المسارات العجيبة وابتهجت بنقاء الطبيعة العذري وعشت في عالم من المحبة والنقاء والرقة والشهامة.

اكتشفت في الجبل المقدس أنّ الرهبان تشرّبوا الحياة الرسولية الاستشهادية، هم “يعيشون الإنجيل”، هم أنبياء معاصرون ورسل وشهداء الكنيسة. في كثير من الأوقات، أستدعي شفاعتهم وصلواتهم.

الجبل المقدس، رغم بضعة أخطاء اقترفها بعض الرهبان فرديًّا، هو مكان أسراري مشتعل بالصلاة، هو رحم روحي يحمل بأبناء الله ويلدهم مواطنين في السماء. ولهذا السبب يجب أن نكنّ الاحترام العميق له.

* “Ekklesiastiki Paremvasi, “Η αγιότητα καί τό μαρτύριο στήν εποχή μας، تموز 2012

الآباء القديسون

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

يشير الآباء القديسون إلى الأرثوذكسية كنظام علاجي ويصفونه. لقد جاهدوا للحفاظ على الإيمان لكي يحافظوا على منهج العلاج هذا، الذي هو المنهج الذي يحقق به الإنسان الشركة مع الله. وفي رأيي الشخصي، تكمن هنا القيمة الحقيقية للأدب الآبائي.

         كان الشعار السائد من عدة سنوات مضت هو “العودة إلى الآباء!”. لأننا فشلنا بمنطقنا البشري الخاص، أدركنا أنه ينبغي علينا أن نعود للآباء القديسين. إلا أنه مؤخراً وجدت تحفظات على هذا التوجه بحجة أنه قد يمثل نوعاً من العودة للماضي، وهكذا تم وضع شعار آخر وهو: “إلى الأمام مع الآباء!”. مع ذلك، حتى هذا الشعار لا ينقل بصورة مطلقة حقيقة الكنيسة. شعار “عودة إلى الآباء” غير صحيح لأن الآباء هم أبناء الكنيسة الذين وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله، وبالتالي كانوا قادرين على تجسيد خبرة الكنيسة. تلد الكنيسة الآباء وتجعلهم على ما هم عليه؛ وليس الآباء هم الذين يصنعون الكنيسة. يوجد أناس اليوم وصلوا للاستنارة والاتحاد بالله ويستطيعون التكلم عن مسائل تخص معاصرينا. كل حقبة آبائية هي حقبة للكنيسة؛ أو بتعبير أدق، هي تمثل حياة الكنيسة. أما بالنسبة لشعار:”إلى الأمام مع الآباء!” فهو ربما يشير لكبرياء الإنسان وخطورة تفسير الآباء بواسطة معلقين ضالين يختزلون لاهوت الآباء وحياتهم إلى تأمل عقلي وارتجال. خطة العمل السليمة هي طاعة الآباء المتحدين بالله العائشين اليوم، الذين هم حاملون حقيقيون لحقيقة الإعلان المحفوظ في الكنيسة.

         مع الأسف، نشهد في هذه الأيام تحول الأرثوذكسية إلى نظريات. فالحقائق الهامة عن الحياة تحولت إلى مجرد أفكار بين أفكار أخرى كثيرة، وتُقَدَم المسيحية كفشل غير فعال وضعيف جداً لكي يستجيب لمتطلبات عصرنا. يمقت العامة من الأرثوذكس، الذين يتلقون الأمور بطريقة أرثوذكسية، هذه المحاولة لاختزال الأرثوذكسية إلى نظريات غير مرتبطة بالحياة.

         لا يرى العديد من الناس الآباء كأناس أحياء ولكن كمعروضات في متحف، لدرجة أنهم يدرسون الآباء ويقتربون منهم بطريقة عاطفية أو عقلية. حتى أولئك الذين لهم ذهن وطريقة حياة غربية مازالوا يدرسون الآباء. إلا أنه كما أكد المسيح: “لا يجعلون خمراً جديدة في زقاق عتيقة … بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة”(مت17:9). ينبغي على طريقة تفكير المرء أن تتغير تماماً لو أراد أن يتذوق خمر المسيحية الجديد. هذا التغيير يسمى توبة. لا يستطيع من له ذهن منطقي أو توجه عاطفي، الذي أعماله غير أرثوذكسية، أو ممارساته مضادة للكنيسة أن يحصل على “روح” الآباء القديسين. تطهرنا التوبة العميقة غير السطحية من كل شيء عتيق، وتنقذنا من فساد الحياة الساقطة، ومن كل ضلالات الإنسانية الساقطة.

         ينبغي علينا أن ننظر للكتابات الآبائية وللعهد الجديد على أنها نصوص علاجية تشفي الناس. ولكن لننظر لها أيضاً على أنها ثمرة للشفاء، وليس كفرصة لإعطاء انطباع لاستثمار أحدث صيحة وتوجه. سوف يجعلنا تحولنا داخل الكنيسة الأرثوذكسية أرثوذكسيين في كل من الإيمان والحياة. إنه سوف يشفينا بحيث نصبح قادرين على تقديم عبادة حقيقية لله.

سِيَر القديسين

الأب أنطوان ملكي

يقول أحد الآباء الأنطاكيين المعاصرين أننا أرثوذكسيون إسماً وبروتستانت فعلاً. السبب هو أن شعبنا لا يهتمّ بشيَر القديسين وأعيادهم بالشكل الذي يعكس وعياً لاهوتياً وإيمانياً ورعائياً.

عرف علم السيَر في الأزمنة الأخيرة تقدماً ترافق معه قدْرٌ غير يسيرٍ من سوء الفهم والاختلاف. بعض الدارسين طبّقوا النقد التاريخي على سير القديسين وانقسم الناس على أساس ما نتج فالبعض تخلّى عن فكرة وجود قديسين حتى قارب الموقف البروتستانتي في إنكاره لهم وتسخيف ما في سيرهم، وحتّى في تبنّي موقف “كلنا قديسون” والبعض الآخر أحسّ بالصدمة أو الخيانة لأن نتيجة إعادة القراءة هددت ما اختزنته الذاكرة التقوية للشعب المؤمن.

فعادة المؤمنين، في التقليد الشرقي وبعض الغربي، أن يكرّموا القديسين وكلّ ما يرتبط بهم، كَرُفاتهم ومعجزاتهم والأماكن التي سلكوا فيها وقبورهم وغيرها. هؤلاء رأوا في إعادة قراءة السيَر روحاً ثورياً متسللاً إلى الكنيسة ومسيئاً لشرف القديسين أبطال الإيمان. كثيرون لا يأبهون لما قد يكون أُضيف إلى سيرة القديس على يد كتّابها أو ما تمّ التركيز عليه على حساب الشهادة التي في السيرة. فالأهمّ في سيرة النبي إيليا أنّه يذبح أنبياء البعل وليس أنه ينطق بلسان الله، والأهمّ في سيرة القديس جاورجيوس أنه فارس مقاتل وليس أنه يشهد بدمه.

في المقابل، بعض الساعين إلى “إسقاط الخرافة” من سيَر القديسين أسقطوا معها الكثير من التفاصيل “العجائبية” التي تشهد للسيرة. أغلب العقلانيين يرفضون “المعجزات” ولا ينتبهون أنهم بهذا الرفض يقيّدون الله في عمله من خلال قديسيه.

فئة ثالثة همّها الوقائع وربطها بالوثائق. الذاكرة الشعبية ثانوية عندها، كما هي في بلادنا. في العالم الأرثوذكسي خارج أنطاكية، هناك ذاكرة أكثر حياةً مرتبطة بأعياد القديسين وسيرهم وما أنجزوه. عندنا في أنطاكية، قد يكون هذا موجوداً إنما لم يكن هناك أي مسعى لتظهيره، لذا غالباً ما تنحصر أعياد قديسينا في معرض وطبول وأسواق مبيعات ومفرقعات.

التمييز في التوفيق بين كل هذه المواقف هو الأصح. لا يمكن الاستخفاف بشهادة حياة القديسين ولا بالتقوى الشعبية ولا بالحقائق التي تمنع تحوّل إكرام القدسين إلى وثنية. هذه مسؤولية جماعية تبدأ من المجمع وتنتهي بكل واحد من المؤمنين، مروراً بالأسقف المحلي وبكاهن الرعية ومجلسها وبيوتها.

إلى اليوم لم تعرف أنطاكية إلا محاولات قليلة أهمّها اتّخذها على عاتقه الأرشمندريت توما بيطار، فجَمَع سنكساراً كاملاً وأرفقه بكتاب حول القديسين المنسيين في أنطاكية. لكن بقي عدد ليس قليلاً من المؤمنين الراقدين، كهنة ورهباناً وعلمانيين، هنا وهناك لا بدّ من أن تقاربه الرئاسة الكنسية لتدلّ المؤمنين عليه. ليس عدلاً أن يكون أغلب الأرثوذكس الأنطاكيين مقتنعين بأن ليس في كنيستنا قديسون، وبالتالي حجّهم هو إلى أديار غير الأرثوذكس وليس هذا المقال لعرض مع كل ما ينتج عن هذه الممارسة ولا دلالاتها.

كتابة سيَر القديسين ونشرها مسؤولية كَنَسية. السنكسار ليس موسوعة بالمعنى العام للكلمة، لأنه إنجيل ثانٍ. دقة المعلومات قد تحمي من الشطط الروحي والخطأ لكنها قد لا تحمل القداسة لأحد. الهمّ عند مَن يتعاطى سِيَر القديسين يجب أن يكون خلاص المؤمنين، والضعفاء منهم قبل الأقوياء. قد يكون هناك في التراث الكثير من الأخطاء، لكن تقييمها يكون بالتمييز لا بالمنهجيات.

في كنيستنا لا نتبنّى أي مسار قانوني لإعلان القداسة بل اعتراف الشعب بالقداسة غالباً ما يكون الباب إلى إعلانها. آخر إعلان قداسة في أنطاكية كان في 1993 للشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي. أغلب الشعب لم يكن يعرفه وقد يكون هذا أحد أسباب تعاطي الشعب ببرودة مع هذا القديس. في المقابل نرى أعداداً كبيرة من شعبنا تتعاطى بحماسة مع القديسين الجدد في اليونان وروسيا وغيرها. لكن على مَن تقع المسؤولية؟ الجواب هو على الجميع. منذ 1993، لم نسمع ببناء كنيسة أو مزار للقديس يوسف الدمشقي إلا في أبرشية أميركا. هنا تكمن مسؤولية الرئاسة الكنسية وهنا السؤال: هل هي مهتمة بأن يعرف الشعب هذا القديس ويتبنّاه وجدانياً؟

أغلبية شعبنا تشعر بأن “الكنيسة” غير مهتمة بالقديسين. اليوم نسمع عن لجنة لدراسة سير القديسين فما هو تكليفها وما هو برنامجها: مراجعة الموجود؟ نبش ما قد أُهمِل؟ دراسة الحالات المطروحة (مثلاً الخوري أنطونيوس في بتغرين)؟ ما هي منهجيتها؟ وما الذي سوف تنتجه: مقالات؟ كتب؟ خدَم وأيقونات؟ برامج بشارة؟ ما هو توجهها: رعائي؟ أكاديمي؟ قومي؟ مزيج؟ الوقت يظهِر.

القديسون المنسيون عند الناس قائمون عند الله. فالقدّيسون هم تجليات المسيح في شعبه أي الكنيسة بشكل منظور. حياتهم هي استمرار لحياته. إنها شهادة أعمال الرسل عبر العصور. إنها دوام الحياة الإنجيلية. هذا هو المقياس الأول والأكثر أهمية.

الصليب

حول الرسالة إلى غلاطية 11:6-18 (الأحد قبل رفع الصليب)

عن الميتروبوليت بولس يازجي بتصرّف

يلخّص هذا النص التناقض الذي كان قائماً بين بولس واليهود، والذي قد يكون مستمراً بين المؤمن والمجتمع اليوم. كان الختان علامة انتماء الفرد إلى اليهودية وبدونه لم يكن له الحق حتّى بالاحتفال بالفصح. واليوم تأخذ كل الأديان والحركات رموزاً وعلامات تشير إلى فرادتها وميزتها. فالختان كان رمزاً للعهد الذي بين الله وشعبه في العهد القديم. وفي المسيحية رموز وطقوس كثيرة ومنها إشارة الصليب. لكن يمكن أن لا يحمل المسيحي صليباً على صدره ويبقى مسيحياً أما المعمودية فهي العلامة التي بدونها لا يكون الإنسان مسيحياً. لكن هذه المعمودية قد تفقد معناها العميق وتنقلب إلى قشور وعادات عندما لا يحفظ الإنسان ما يترتّب عليها. فالمعمودية ليست ختماً على جبهة أو علامة على الأعضاء. المعمودية باب للعيش العميق في الكنيسة. لا تُدخِلنا المعمودية إلى حالة ثابتة، أي حالة المعمّدين، بل إلى حالة ديناميكية هي حالة المجاهدين. فالرب عندما يقول أنه الكرمة ونحن الأغصان ويقول أن مَن يثبت يأتي بثمر كثير لا تكون العلامة عندها مزيّة بل مسؤولية. جهاد المسيحي هو في أن يحافظ على حلّة المعمودية أي أن يصير الخليقة الجديدة. هذا لا يكون بمجرّد حمل الصليب أو المشاركة في بعض الأعياد بل في أن نلتزم بحياة الكنيسة وآدابها.

آداب الكنيسة هي فضائلها أي الصلاة والصوم والإحسان والتواضع. إنها آداب سمّاها بولس الرسول عثرة لليهود وجهالة للأمم. إنها آداب شكلها شكل صليب في العالم. فضائل المسيحي وآدابه هي الوداعة ونقاوة القلب والحزن من أجل البِرّ وتحمّل الاضطهاد من أجل اسم يسوع. حياة الكنيسة هي طقوسها. كيف نكون في الكنيسة حين تكون الكنيسة صائمة ونحن غير صائمين؟ أو عندما تكون الكنيسة ملتئمة حول الكأس المقدسة في القداس ونحن متغيّبون لأسباب غير مقبولة؟ تتمحور حياة الكنيسة حول طقوسها وتعيش على أسرارها سر التوبة والشكر بشكل خاص.

ماذا يعني الانتماء إلى الكنيسة حين لا نحيا فيها في الزمن أي لا نمارس طقوسها. الكنيسة ليست، كما يفسرها بعض البروتستانت، أن نفهم الكتاب المقدس ونحفظ بعض الوصايا. الكنيسة هي حياة مؤمنين يتقدّسون حول سيدهم معاً ويعيشون على الخبز الجوهري. ليست المسيحية ديناً فردياً يقرأ كل بمفرده الكتاب ويحفظ حدود الشريعة الجديدة، فيقوم ببعض الإحسان ويتجنّب الخطيئة. هذه صور عن مفاهيم مجتمعاتنا ومدنياتنا الحديثة التي نسيت أن الله هو ربّ عائلة وليس قاضٍ على أفراد. لا تُفَسَر المعمودية إلا إذا حمل صاحبها في داخله سمات يسوع أي الأتعاب والسهر والصوم والصلاة والسعي للبشارة. عندها يكون عضواً ثابتاً بالجسد وغصناً بالكرمة التي هي المسيح ويحقّ له أن يفتخر بصليب المسيح “الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ.”

امرأتان قدّيستان

إعداد راهبات دير القديس يعقوب الفارسي المقطّع، دده – الكورة

الشيخة إلبيذا (رجاء)

في صباح يوم أحد، قصدتُ الكنيسة للاشتراك بالذبيحة الإلهيّة، فميّزتُ من بين الحاضرين راهبة مسنّة ورعة. منذ الوهلة الأولى شدّني وجهها الصبوح وحسن لطفها. وجرى حديث قصير فيما بيننا أدركت من خلاله بأنّها كنز روحيّ جزيل القيمة. دعتني لزيارتها، فلبّيت الدعوة، وزرتها مع اثنين من أبناء الرعيّة في مسكنها حيث كانت تقيم في الطابق الأرضيّ من بناية كبيرة. كانت شقّتها تتألّف من غرفة واحدة وممرّ ضيّق ومطبخ صغير. مسكن لا تطرقه أشعّة الشمس أبدًا. كانت هذه الشيخة تقطن مع ابنتها وحفيدتها. بدا الحائط المحاذي لسريرها مغطّى بالأيقونات، وفي إحدى زوايا هذه الغرفة الضيّقة وُضعت طاولة عليها قنديل صغير لا ينطفئ. وبعد أن عرّفتها بأنّي أدعى الأب نكتاريوس الكاهن الجديد للرعيّة، وبأنّي أهتمّ بالتعرّف إلى أفراد رعيّتي، طلبت منها أن تعرّفني عنها، فقالت:

– أبصرت النور في العام 1906 في مدينة سيفاستوبولي الروسيّة. مرّت عليّ ظروف قاسية من فقر وجوع إبّان الحرب الأهليّة التي وقعت بين جيش القيصر الملقَّب بالأبيض وجيش الثوار الأحمر، والتي استمرّت أربع سنوات تقريبًا. كرّت الأيّام وتزوّجت ورُزقت ابنتان. ثمّ ما لبثت أن نشبت الحرب العالميّة الثانية، فذهب زوجي إلى الجبهة، ومن ثمّ لم أعد أراه. وهكذا، وبصعوبة بالغة أنشأتُ ابنتيّ الصغيرتين. لم يكن أحد إلى جانبي سوى إيماني ورجائي الوطيدين بالله. فأنا منذ الطفولة أركن إلى الكنيسة، لأبثّ الله نجواي وشكواي، وهذا ما ساعدني، وكان لي دعمًا في حياتي. فليكن اسم الربّ ممجَّدًا إلى الأبد. أبرزتُ النذور عام 1997، فأنا منذ الصغر كنت أودّ أن أصبح راهبة، ولكن لم تؤاتني الفرصة. لم أقصد ديرًا ما، إذ لا يوجد دير قريب من هنا، بالإضافة إلى أنّ تقدّمي في العمر لا يأذن لي بذلك، لهذا قرّرت البقاء في المنزل. لقد تقاسمت الغرفة مع ابنتي”. ثمّ أشارت إلى سريرها وإلى الحائط وقالت: “من هنا يبدأ الدير”. ثمّ أشارت إلى القسم الثاني، أي سرير ابنتها، وهي تضيف ضاحكة: “ومن هنا يبدأ العالم”.

    “أمضي يومي كلّه بالصلاة. قديمًا كنت أتلو طيلة النهار براكليسي العذراء ومديحها. وأمّا الآن، وقد شحّ البصر وقلّ السمع، فإنّ ابنتي هي التي تقرأ لي، وأمّا ما تبقّى من ساعات النهار والليل، إذ تعوّدت السهر الليليّ، فإنّي أرتاح فيها إلى صلاة المسبحة: يا ربّي يسوع المسيح ارحمني… أصلّي لأسقفنا، للكهنة، للرهبان، وللعالم بأسره”. ثمّ راحت تقصّ علينا حادثتين جرتا معها، حادثتين تماثلان ما كان يحصل  للقدّيسين القدماء حسب ما نقرأ في سيرهم: “قبل عدّة سنوات كنت ذاهبة إلى الكنيسة صحبة ابنتي، فوجدنا في الطريق صبيًّا صغيرًا خَلْقَ الثياب رثّها، فسألناه من أين هو وأين يقيم. كان الصبيّ متروكًا لا أهل له ولا بيت. فقلت له: “أتريد أن تأتي وتسكن معنا؟” فقبِل عرضي. وهكذا اصطحبناه إلى بيتنا حيث بقي مقيمًا معنا أربع سنوات. ثمّ بعد ذلك لقيه أحد أنسبائه، الذي كان يقيم بعيدًا جدًّا من هنا، فأخذه معه. ولكن، ويا للأسف، لا يوجد الآن أيّ اتّصال بيننا. لا بأس عساه أن يكون بخير وهذا يكفيني. لقد قدّمنا ما كنّا نستطيع تقديمه، وفعلنا، حينئذ، ما كان يجب علينا فعله”.

    وهاكم الآن قصّتها الثانية: “وُجدتْ إحدى نسيباتي حاملاً، وبما أنّها كانت تمرّ بضائقة مادّيّة عسيرة، فقد قرّرت أن تتخلّص من الجنين لأنّها لا تستطيع أن تعيله. فركعتُ عند قدميها مستعطفة إيّاها بدموع، وموضّحة لها بأنّها مزمعة على ارتكاب جريمة قتل إنسان، ولكنّها لم تعرني أُذنًا صاغية. فقلت لها عندئذ: بما أنّك عاجزة عن إعالته، فدعيني، إذًا، أن آخذه وأتبنّاه والله سوف يعينني على تربيته. وهكذا كان. وضعت نسيبتي طفلة جميلة، فأخذتها إلى منزلي وقمت بتنشئتها، وها هي الآن قد أصبحت في الرابعة عشرة من عمرها”.

    قضينا قربها أكثر من ساعة لم نسمع فيها تشكّيًا أو دمدمة، بل تمجيدًا وتسبيحًا وشكرًا. كان وجهها يطفح بالمحبّة والطيبة. عيناها الجسديّتان كفّتا عن النظر إلاّ قليله، وأمّا عينا نفسها فكانتا مفتوحتين بصيرتين. تمرّ حبّات المسبحة بتواتر بين أصابعها هامسة على الدوام: يا ربّي يسوع المسيح ارحمني. وعندما قرّرنا الرحيل، وقفت تودّعنا قائلة: “ارحلوا، ولتظلّلكم عناية الربّ وأمّه العذراء، وليرافقكم ملاككم الحارس. دوّنوا لي أسماءكم وأسماء ذويكم واسم مدينتكم لأذكركم في صلواتي. وأمّا الآن فسوف أتلو للتوّ براكليسي السيّدة العذراء كي ترشدكم في طريقكم التي أنتم ماضون فيها”. ثمّ راحت ترسمنا بإشارة الصليب وهي دامعة العينين وقائلة: “فلتكن معكم العذراء القدّيسة ولتنجِّكم من كلّ ضرّ”.

    نعم ساعة قضيناها قربها كانت لها طعم آخر غير دنيويّ، لها طعم الفردوس والعالم الآخر. ولقد صدق القدّيس الذهبيّ الفم حين قال: “كيف يسعنا نحن أن نمجّد الله؟ ذلك في عيشنا لمجد الله وفي تألّق سيرتنا، إذ ما من شيء يؤول إلى تمجيد معلّمنا كمثل السلوك الجيّد. إذًا، مهما فعلنا، فلنفعله بحيث نحمل الناظرين إلينا على تمجيد الله”.

دنيوشكا

أخبر أحد المواطنين الروس عن مواطنته دنيوشكا، فقال: “ظهرت المبارَكة دنيوشكا بيننا فور انتهاء الحرب الروسيّة اليابانيّة. من أين أتت، وإلى أين كانت تذهب؟ لا أحد يعلم. كانت تأتي قريتنا، عادة، في فصل الصيف، وتغادرنا مع قدوم الطقس البارد. عرفناها سيّدةً محترمة في البلدة كلّها، واعتادت النساء القرويّات اللجوء إلى نصائحها بخصوص بعض القضايا المنزليّة والعائليّة. فكنّ يأتمنّها على أحزانهنّ، مصغيات إلى ما تقول بثقة تامّة. لم تكن تعطي أجوبة دقيقة عن الأسئلة التي تُطرح عليها، وقد حدث مرّات عديدة أن أجابت بحدّة قائلة: “كيف يكون هذا، يا عزيزتي؟ أنا لست بنبيّة. فكيف لي أن أعرف؟”. ثمّ تعود لتضيف بهدوء: “سيكون كما تقولين، يا يمامتي، إن كنت تصلّين بطريقة لائقة من أجله”. وأحيانًا، كانت تعطي جوابًا مبهمًا، فتفهم السائلة بأنّ دنيوشكا لن تقول كلّ شيء: “ماذا نستطيع أن نفعل؟ اصبري، فالله يعرف ما هو الأصلح لك. لا تحاولي أن تعرفي أكثر من ذلك. سأصلّي من أجلك”.

قبل الحرب الألمانيّة في العام 1914، كثيرًا ما كانت دنيوشكا تُنذر بالويل والبؤس المزمعَين أن يحلاّ بالبلاد. ففي ذات يوم، تورّدت وجنتاها وصدح صوتها عاليًا، أمّا عيناها، فكانتا تبرقان بما يفوق الطبيعة، منيرتين وجهها كلّه فيما كان الجميع يصغون إليها وقد حبسوا أنفاسهم: “آه، دماء! دماء! سيُنهي الناسُ حياتَهم بالاستشهاد! ستُنتهك القدسات! سيقوم الأخ ضدّ أخيه! ستخسر الأمّة القيصر! آه لن يستطيع الإفلات أو الهرب إلى أيّ مكان!”. لم تكن دنيوشكا ترمي كلماتها في الهواء، ولكن لم يفهم أحد ما قالته في ذلك الحين.

سلكت دنيوشكا كامرأة قرويّة بسيطة، بيد أنّ إشاعات عديدة سرت هنا وهناك بأنّها كانت زوجة أحد موظّفي الحكومة البارزين، وقد خسرته في سنّ مبكّرة. أتذكّر، الآن، دنيوشكا وقد أصبحت امرأة عجوزًا نحيلة القامة صغيرتها، يميّزها فرح عظيم وحيويّة كبيرة. ورغم أنّ وجهها جعّدته الأخاديد فقد احتفظ بمظهره الحلو، فيما كانت عيناها البارزتان تنفذان إلى أعماق محدثّها بنظرة ثاقبة قلّما استطاع أحد احتمالها. كانت دائمًا نظيفة الملبس، ترتدي تنّورة سوداء طويلة مع قميص فاتح اللون وسترة قصيرة داكنة. تعقد منديلها بإتقان على ذقنها. اعتادت احتذاء صندل صغير من الليف في الصيف. أمّا في الشتاء، فكانت تحصّن نفسها ضدّ لسعات البرد باستعمال حذاء عال من اللبّاد ومعطف من الفرو القديم. رائحة ورد أو بخور كانت تفوح على الدوام منها حيثما حلّت، وكانت الرائحة تبقى مدّة طويلة بعد رحيلها.

ولمّا سألت والدي لماذا تُصدر دنيوشكا شذًا طيّبًا كهذا، شرح لي قائلاً: “إنّ دنيوشكا تحيا بطريقة مختلفة: لقد كرّست نفسها، بعد انتقال زوجها، للصوم الصارم والصلاة، ولا تأكل لحمًا ولا سمكًا. وخارج أيّام الصوم تتناول قليلاً من الحليب مع بعض الخضار التي، غالبًا، ما تأكلها نيّئة، ودون أن تأخذ كفايتها منها. أمّا أيّام الأربعاء والجمعة، فتطويها من دون أن تذوق شيئًا البتّة. ليس لها مكان خاصّ بها. خلال الصيف، يراها الفلاّحون في الحقول أو في الغابة حيث تذهب للصلاة، فتمضي أوقاتًا طويلةً ساجدة على ركبتيها، بيد أنّ الأمر كان أشدّ قسوة في فصل الشتاء. لا أحد يعرف أين كانت تمضي الليالي الباردة. بالنسبة للأشخاص أمثال دنيوشكا يكفّ الطعامُ والشرابُ أن يكونا ضرورةً، ونتيجةً للإمساك الجسديّ، يجتنون قوّةً روحيّة تشدّد أجسادهم. وكنتيجةٍ للصلوات الطويلة والمآثر النسكيّة، يوهَبون قدرةً على صنع المعجزات حتّى أثناء حياتهم. لذا، فإنّه من غير الممكن أن تصدر رائحةٌ كريهة عن دنيوشكا، فنحن نعرف حالات عديدة مشابهة من سِيَر القدّيسين”.

في نهاية فصل الصيف، أتت دنيوشكا لتقول لنا وداعًا. فتحت فاها وقالت: “هذا الضيق سيُطبَّق على كلّ شخص وسيسحقه. سوف تنتهي الحرب، ولكنّ البلاد ستنقلب رأسًا على عقب. سيظهر ثوّار وزعماء يجعلون الشعب ضدّ القيصر، وسيكون الأمر رهيبًا. سيترك القيصر الأمّة. سينال إكليل  الشهادة على الأرض، ولكنّه سينال إكليلاً سماويًّا لا يفنى. سيصبح شفيعًا مصلّيًا من أجل الأمّة والشعب. الكارثة في البلد (وكانت تعني الثورة) ستبعثر الشعب؛ سيتشتّتون إلى بلدان مختلفة. غير أنّه، حيثما حلّ الروس، سيجلبون معهم ثقافتهم ودينهم. سيضرب زلزال هائل الطرف الأقصى من روسيا. ستتدفّق المياه وتغمر القارة، وشعوب كثيرة تهلك”.

وتحقّق ما قالته دنيوشكا كلّه، فلقد استشهد القيصر نيقولا مع عائلته، وقامت ثورة 1917، وشتّتت الروس…

دنيوشكا امرأة تعيش في العالم، ولكنّ حياتها الروحيّة كانت فوق العالم، فاستأهلت موهبة النبوءة!!!