السنة الثانية عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2015

السنة الثانية عشرة، العدد الأول، تشرين الأول 2015

مختارات آبائية

أقوال من الآباء: التعليم والشهادة والصداقة

هل التكنولوجيا شرّ؟ القديس نيقولاي فيليميروفيتش

عظة

مصباح العفّة وزيتها، اﻷرشمندريت توما بيطار

حياة روحية

مقارنة بين النسك في البوذية والديانات الشرقية والنسك في المسيحية الأرثوذكسي، اﻷرشمندريت زخريا

دراسات كتابية

هل قصص الكتاب المقدس أساطير؟ المتقدم في الكهنة جون بريك

دراسات آبائية

حكمةٌ من القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة، الأب ثيودور ستيليانوبولوس

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

رعائيات

قريبي والاستعداد للميلاد، الأب أنطوان ملكي

أقوال من الآباء: التعليم والشهادة والصداقة

أقوال من الآباء: التعليم والشهادة والصداقة

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

القديس إكليمندس الإسكندري

+ بمقدار ما تستقي من البئر ماءً يزيد ماؤها صفاءً وعذوبة، بينما إذا أهملت البئر صار كدرًا دنسًا. والسكين أيضاً طالما تستعملها تزيد لمعاناً وإذا تركتها علاها الصدأ. ألا ترى أن النار تزيد بمادة الحريق اضطرامًا وأجيجًا وهذا نفسه نراه أيضا في درس العلوم، فالمدرس يزداد علماً بتدريس غيره. قِسْ على هذا العلم الروحي الإلهي لا سيما ما يقوله الرسول لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين (عب4: 14) فهي تؤثّر من جهتين: على مَن يستخدمها ومن جهة أخرى على مَن تصل إليه، أعني الفاعل والمفعول به، لأن ما تقوله لغيرك تحتاج إليه أنت أيضاً ويشهد بذلك ضميرك الذي يؤنبك قائلاً إنك لم تعمل ما تقوله لغيرك وقد كُتب الويل لمَن يقول ولا يعمل..

القديس الشهيد كبريانوس القرطاجي

+ لا يكون لائقاً بك أن تكون أباً وتكون خائناً إذا لم تهتم بإرشاد أولادك، ولم تهتم بحفظهم في الإيمان والتقوى، أنت يا مَن تحرص على ممتلكاتهم الأرضية أكثر من حرصك على ممتلكاتهم السماوية، فتوصيهم بالشيطان لا بالمسيح، وبذلك تخطئ خطيئتين وترتكب جريمة مزدوجة بأنك لم تمدّ أولادك بمعونة الله أبيهم وتعلّمهم أن يحبوا ممتلكاتهم أكثر من المسيح.

الأحرى بك أن تكون أبا كطوبيا. أوصِ ابنك كما أوصى طوبيا ابنه قائلا اسمع يا بني لأبيك. اعبد الرب بحق و ابتغِ عمل مرضاته وأوصِ بنيك بعمل العدل والصدقات وأن يذكروا الله و يباركوه كل حين بالحق وبكل طاقاتهم” (طوبيا 14: 10-11) وأنتَ فليكن الله في قلبك جميع أيام حياتك واحذر أن ترضى بالخطيئة وتتعدى وصايا الرب إلهنا. تصدق من مالك ولا تحوّل وجهك عن فقير وحينئذ فوجه الرب لا يُحوّل عنك. كن رحيمًا على قدر طاقتك. أن كان لك كثير فابذل كثيراً وإن كان لك قليل فاجتهد أن تبذل القليل عن نفس طيّبة. فإنك تدخر لك ثوابًا جميلًا إلى يوم الضرورة. لأن الصدقة تنجّي من كل خطيئة ومن الموت ولا تدع النفس تصير إلى الظلمة. احذر لنفسك يا بني من كل زنى… (طو5:4- إلخ).

+ ينبغي على كل شخص أن يهتم بخاصته بالأخص المؤمنين. يقول الرسول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس: وإن كان أحد لا يعتني بخاصته، ولاسيّما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان. وهو شرّ من غير المؤمن (1تي 5: 8). وفي نفس الموضوع جاء في أشعياء: أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك (اش58: 7).

+ ليتنا أيها الأخوة الأعزاء نقتدي بهابيل أول الشهداء الذي ذُبح لأجل بره.

+ ميلاد المسيح أيضًا يشهد أولًا استشهاد الأطفال من سن سنتين فما دون من أجل المسيح. فمع أن سنهم لم يكن يتلاءم مع المعركة التي ثارت لينالوا الأكاليل. وذلك لكي يعلن بأن أولئك الذين يستشهدون لأجل المسيح أبرياء. لهم براءة الطفولة في تسليمهم للموت من أجل المسيح.

+ هؤلاء الأطفال أظهروا أن الجميع معرضون لمخاطر الاستشهاد ما دام هؤلاء أصبحوا الشهداء. ولكن كم تكون الخطورة، إن كان أحدنا بكونه خادمًا لا يقبل أن يتألم مع أن سيده قد تألّم أولًا.

+ ابن الله تألّم ليجعلنا أبناء الله، وابن الإنسان (أي نحن) يرفض أن يتألم لكي ما تستمر بنوته لله؟!!

+ إن كنا نتألم بسبب بغضة العالم فقد احتمل يسوع هذا.

إن كنا نحتمل إهانات في العالم أو نفياً أو عذابات فإن خالق العالم وسيده ذاق أمرّ من هذا، لذلك علمنا الرب قائلًا إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد ابغضني قبلكم. لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم لذلك يبغضكم العالم. أذكروا الكلام الذي قلته لكم ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم” (18:15-20 ) وما علّمنا إياه ربنا وإلهنا علينا تنفيذه فعلًا حتى لا نصبح كمَن علّم ولم يعمل.

القديس يوسف الراهب

+ الصداقة الناجحة هي التي تهدف إلى خلاص الأصدقاء، أي التي تكون في المسيح يسوعهذا لا يعني عدم محبّة للآخرين.

+ لهذا السبب نقول بأن ملء النعمة الحقيقية في الصداقة يقدر فقط أن يكون بين الكاملين والمتساوين في الصلاح هؤلاء الذين لهم تفكير متشابه وغرض واحد..

فإن أردتَ أن تحفظ الصداقة غير منكسرة، يجب أن تهتم أولا بالتغلب على أخطائك وإماتة شهواتك، وتنفّذ ما يبهج النبي بغيرة وغرض متحد: “هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً” (مز133:1) الوحدة تكون في الروح أكثر منها بحسب المكان. إذ ما نفع الوحدة في المسكن إن كان هناك خلاف من جهة الشخصية أو الهدف. وفي نفس الوقت لا يوجد ما يمنع وجودها بين الذين قد تأسوا على صلاح متساو وهم مفترقون من جهة المكان، فبالله تتحد الطبائع وليس بالمكان

+ إذاً المبدأ الأول للصداقة الحقيقية يقوم على الازدراء بأمور هذا العالم وكل الأشياء التي نملكها.

+ المبدأ الثاني أن يضبط كل إنسان رغباته حتى لا يتصوّر نفسه حكيمًا ومختبرًا مفضلاً آراءه على آراءه قريبه.

+ المبدأ الثالث أن يعرف الإنسان بأن كل الأشياء، حتى ما يبدو مفيدًا وضروريًا، يأتي بعد بركات المحبة والسلام.

+ المبدأ الرابع أن يتحقق بأنه لن يغضب لأي سبب صالح أو طالح.

+ المبدأ الخامس أن يعالج أي غيظ تسلط على أخيه ضده ولو كان بدون سبب بنفس الطريقة التي يعالج بها نفسه، عالمًا بأن الحنق الذي تسلط على أخيه مضرّ له هو أيضاً كما لأخيه أي كما لو كان هو نفسه الغاضب على أخيه نازعًا هذا من عقل أخيه بقدر الإمكان.

+ والمبدأ الأخير الذي يجب مراعاته، بصورة عامة في كل الخطايا، هو أن يذكر يوميًا بأنه سينتقل من العالم.

هل التكنولوجيا شرّ؟

هل التكنولوجيا شرّ؟

القديس نيقولاي فيليميروفيتش

نقلتها إلى العربية جولي عطية

يتذمّر العديدون من التكنولوجيا.

يتّهمون التكنولوجيا الحديثة بأنّها سببُ كافّة المشاكل في العالم.

هل يقع اللوم فعلاً على التكنولوجيا أم على صانعيها ومستعمليها؟

هل يقع اللوم على الصليب الخشبي إذا صَلبَ أحدُهم إنسانًا عليه؟

وهل يقع اللوم على المطرقة إن استعملها أحدُهم ليكسرَ جمجمة قريبه؟

التكنولوجيا ليست خيرًا أو شرًّا.

فبإمكاننا استعمال الأنابيب ذاتها لنقل مياه الشرب أو المجرور.

إنّ الشرّ لا ينتج عن تكنولوجيا ميتة عديمة الإحساس، بل عن قلوب الناس الميتة.

مصباح العفّة وزيتها

مصباح العفّة وزيتها

الأرشمندريت توما بيطار

يا إخوة، مثل العذارى العشر، الّذي نسمعه، من وقت إلى آخر، إنّما يشير، في العمق، إلى طبيعة المسيرة المسيحيّة، في هذا العالم. نحن، كمؤمنين بالرّبّ يسوع، ننتظر مجيئه. لذلك، يرد، هنا وهناك، في بعض رسائل الرّسول بولس، وفي سـِفـْر الرّؤيا، ذاك النّداء: “أيّها الرّبّ يسوع، تعال” (رؤ22: 20). حياتنا كلّها ينبغي أن تكون مرتكـِزَةً على مجيء الرّبّ يسوع. ليس بإمكان أحد أن يقول: “غدًا يأتي الرّبّ يسوع، أو لن يأتي قبل زمان طويل“! ما دمنا لا نعرف متى يأتي ربّنا، فإنّه يمكن أن يأتي بعد دقيقة، كما يمكن أن يأتي بعد سنوات. في كلا الحالين، علينا أن نكون مستعدّين استعدادًا كاملاً وكلّيًّا. لا يمكننا أن نتغافل، ولو لحظة واحدة؛ لأنّ هذه اللّحظة، بالذّات، قد تكون اللّحظة الّتي يأتي فيها الرّبّ. وإذا ما وَجَدَنا غيرَ مستعدّين، فإنّه يُقفل الباب في وجوهنا.

من هنا الاستنتاج الّذي ورد، في آخر تلاوة هذا الإنجيل الكريم، اليوم: “اسهروا، فإنّكم لا تعلمون اليوم، ولا السّاعة الّتي يأتي فيها ابن البشر“. لفظة اسهروالا تعني أنّ علينا أن نسهر في اللّيل، وأن نتغافل في النّهار. السّهر، هنا، معناه أنّ علينا أن نكون في حال يقظة دائمة؛ لأنّنا، هنا، نعيش كما في ليل! حياتنا كلّها، في هذا العالم، هي كأنّها ليل، قياسًا بالنّور الّذي نرجو أن يُشرق، في حياتنا، بيسوع المسيح. إذًا، السّهر هو الصّحو، صحو القلب؛ هو اليقظة؛ هو الانتباه الكامل؛ هو عكس الغفلة، أي أن يكون الإنسان غافلاً عن حفظ الوصيّة. “اسهروا، إذًا، بمعنى أنّ علينا، في اللّيل وفي النّهار، أن نهذّ باسم الرّبّ يسوع؛ في اللّيل وفي النّهار، علينا أن نجعل أنفسنا في مناخ الرّبّ يسوع المسيح. تعلمون القول الّذي ورد في العهد القديم بشأن اليقظة، كما في نشيد الأنشاد: “أنام وقلبي مستيقظ” (نش5: 2). الإنسان الّذي يسهر؛ أو، بكلام آخر، الإنسان الّذي يتعب لكي يحفظ وعيه، وانتباهه، والتزامه الوصيّة الإلهيّة؛ ما دام وهو في هذا الجسد في وضع اليقظة الذّهنيّة، فحتّى لو نام بالجسد، فإنّ ما يكون قد فعله وهو في اليقظة يستمرّ حتّى في أثناء النّوم. الإنسان الّذي يصلّي، في يقظته، يصلّي، أيضًا، في نومه؛ والإنسان الّذي يسعى إلى النّقاوة، وهو في يقظته، تستمرّ النّقاوة في نومه، أيضًا. حين نعاين أحلامًا غير نقيّة، في أثناء نومنا بالجسد، فإنّ هذا، في الحقيقة، يكون دليلاً على أنّنا لسنا في وضع السّهر على أنفسنا، في شأن حفظ الوصيّة الإلهيّة؛ هذا يدلّ على أنّنا في تراخٍ. الإنسان اليقـِظ، الّذي يكون قلبه يقـِظًا، حتّى لو جعل رأسه على الوسادة ونام، ولو حاول الشـّرّير أن يبثّ في ذهنه صورًا، أو خيالات، أو أفكارًا، أو أحاسيس غير نقيّة؛ فإنّه، باليقظة الّتي فيه، بالنّعمة الإلهيّة الّتي تفعل فيه، يصحو ويقاوم؛ وإذا لزم الأمر، فإنّه يخرج من نومه، حتّى يقطع حبل الأحلام، والأفكار، والتّصوّرات، والخيالات، والأحاسيس غير النّقيّة.

لهذا، يا إخوة، علينا أن نعمل، في كلّ حين، على حفظ الأمانة للرّبّ يسوع. التّوبة التّوبة في كلّ وقت! حتّى لو شردنا قليلاً، نتوب مباشرة. أودّ، هنا، أن ألفت أنظاركم إلى بعض ما ورد في هذا الإنجيل الكريم. الكلام هو على العذارى. في الحقيقة، في الكنيسة، لا مكان إلاّ للعذارى. طبعًا، ليس المقصود الكلام على الزّواج أو عدم الزّواج. المقصود الكلام على عذريّة القلب، في الدّرجة الأولى؛ أو، بكلام أدقّ، المقصود هو عفّة السّيرة، سيرة المؤمنين. العفّة أمرٌ الكلُّ، في كنيسة المسيح، مطالبٌ به، سواء أمتزوّجًا كان أم غير متزوّج. علينا، دائمًا، أن نسلك في العفّة. والعفّة هي أن يعفّ الإنسان، بصورة دائمة، عن كلّ ما لا يرضي الله. التّمسّك بالوصيّة والسّلوك فيها يستلزمان موقف عفّة؛ وإلاّ ما النّفع، إذا لم يكن القلب نقيًّا؟! ماذا ننتفع، إذا حفظنا بعض الوصايا، وأهملنا سواها؟! علينا، في الحقيقة، أن نحمل، في ذواتنا، موقفًا عفيفًا، بمعنى أن نكون في استعداد دائم لحفظ كلّ الوصايا. قد نقصّر، أحيانًا؛ وقد ننجح، أحيانًا أخرى؛ لا بأس! هذا كلّه يدخل ضمن التّدبير الإلهيّ لأجلنا. لكن، مهما كان الأمر، فإنّ علينا أن نلتزم الرّبَّ يسوع، بالكامل؛ أن نلتزم وصاياه، بكلّ معنى الكلمة؛ لأنّ مَن سمح لنفسه بأن يُخطئ، إراديًّا؛ مَن سمح لنفسه بأن يتخلّى ولو عن وصيّة واحدة؛ يكون، عمليًّا، قد تخلّى عن كلّ الوصايا. موقفنا ينبغي أن يكون موقفًا كاملاً كلّيًّا. في المحبّة، ليست هناك، أبدًا، أنصاف حلول! إمّا أن يكون الإنسان مُحـِبًّا، أو لا يكون محبًّا! لا يمكنه أن يكون محبًّا، بصورة جزئيّة! عليه أن يكون محبًّا، بصورة كاملة! لا شكّ في أنّ الإنسان، بسبب ضعفه، قد يقصّر، إنّما عن غير إرادة، في محبّته لله. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن يخبّئ، في نفسه، قصدًا غير نقيّ يدفعه إلى التّفريط، ولو قليلاً، بمحبّته لله. الله، في كلّ حال، إله القلوب. هو يعرف، تمامًا، ما نخبّئه في نفوسنا؛ وهو يطالبنا بأن نكون أنقياء القلوب، في الدّرجة الأولى. لا يظنّنّ أحد أنّ أنقياء القلوب لا يُخطئون! لكنّهم لا يُخطئون عن قصد! علينا أن ننتبه، حتّى نعرف ما في داخلنا معرفةً جيّدة، بحيث ننقّي نوايانا، وننقّي دواخلنا؛ حتّى يكون هذا القلب كلّه مرفوعًا إلى الرّبّ يسوع المسيح.

إذًا، العذريّة؛ أو، بكلام آخر، العفّة هي نصيب كلّ المؤمنين، من دون استثناء. ومن هنا الكلام على العذارى العشر. لكن، هناك خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات. لماذا الكلام على خمس عذارى حكيمات، وخمس عذارى جاهلات؟! العدد “5” هو عدد كامل؛ ومن ثمّ، الكلام على خمس عذارى حكيمات يشير إلى مجمل النّاس الحكماء، في تعاملهم مع الله. وكذلك الأمر، الكلام على خمس عذارى جاهلات يشير إلى مجمل النّاس الّذين لا يسلكون باستقامة، من جهة الرّبّ يسوع المسيح. إذًا، العفّة مطلوبة من الجميع؛ لكن، ينبغي أن نترجمها إلى أعمال، في علاقتنا بعضنا ببعضنا الآخر. لهذا السّبب، بالإضافة إلى الكلام على العذارى العشر، الكلام يأتي، أيضًا، على المصابيح، وعلى الزّيت. لا يكفي، أبدًا، أن يكون عندنا مصباح. العفّة هي مصباح. لكنّ هذا المصباح، لكي يشتعل، يحتاج إلى زيت. والزّيت هو علامة الرّحمة. لذلك، علينا أن نُكثر من أعمال الرّحمة. القول الإلهيّ هو: “الإنسان الّذي لا يرحم، لا يرحمه الله“. لهذا السّبب، علينا أن نستزيد، دائمًا، من أعمال الرّحمة؛ حتّى نقتني، في أنفسنا، زيتًا كافيًا. حتّى لو اقتنينا زيتًا كثيرًا، فإنّ موقفنا ينبغي أن يكون كموقف العذارى الحكيمات، اللّواتي حسبن أنّ زيتهنّ أي أعمال الرّحمة الّتي فَعَلـْنَها قد لا يكون كافيًا. الإنسان الّذي يصنع الرّحمة بروح الله فإنّه، مهما صنع، يعتبر نفسه أنّه لم يصنع الرّحمة بالقدر الكافي! يعتبر نفسه، دائمًا، مقصِّرًا في عمل الرّحمة. لكن، لا يمكن إلاّ أن يتعاطى الإنسان أعمال الرّحمة، وأن يتعاطاها بصورة دائمة. العذارى الجاهلات كان عندهنّ زيت، أيضًا! لكنّ زيتهنّ لم يكن كافيًا. ماذا يعني ذلك؟! هذا، ربّما، يشير إلى أنّ الجاهلات كنّ يتعاطين الرّحمة، إنّما على نحوٍ مزاجيّ، من وقت إلى آخر. الإنسان، أحيانًا كثيرة، يعتبر أنّ عطاءه القليل، هنا أو هناك، يكون كافيًا. الحقيقة أنّنا، في وسط الظّلمة الرّوحيّة، الظّلمة الدّاخليّة الّتي تعيش فيها البشريّة، نحتاج إلى أكبر كمّيّة ممكنة من الزّيت؛ حتّى تستضيء سُبُلُنا، وحتّى نتمكّن من أن نعاين سبيلنا إلى الله. لهذا، إذا كان الإنسان يصنع إحسانًا، هنا أو هناك، ثمّ يعود إلى ظلمته، أي إلى خطاياه؛ فإنّ ما يكون قد حصّله من عمل الرّحمة يضيّعه بعمل الخطيئة. لذلك، نحتاج، دائمًا، إلى الحرص الكبير؛ كما نحتاج، دائمًا، إلى الرّحمة الكبرى. على كلّ واحد منّا أن يتعب، كلّ يوم، حتّى يصل إلى ما سبق للرّبّ يسوع أن حدّده له: “أَحِبَّ قريبَكَ كنفسك” (متّى22: 39). علينا أن نجتهد، حتّى نبلغ هذا الحدّ في عمل الرّحمة، هذا الحدّ في المحبّة، بحيث لا يبقى هناك من فاصل بيننا وبين النّاس، بيننا وبين الآخرين، بيننا وبين الضّعفاء، والفقراء، والمرضى، والمساكين الّذين يحتاجون إلى أن نهتمّ بهم.

إذًا، السّقف الّذي يحدّده لنا يسوع هو: “أَحِبَّ قريبكَ كنفسك“. لا يمكننا الاكتفاء بأن ندبّ على الأرض، بل علينا أن نصل إلى السّقف الّذي حدّده الرّبّ يسوع. وهذا لا يأتي، في الحقيقة، إلاّ إذا مارس الإنسان الرّحمة والإحسان، كلّ يوم، بصورة دائمة. إذا حمل الإنسان الرّحمة في قلبه كهَمٍّ، كهاجس؛ فإنّ الرّبّ الإله، إذ ذاك، يعطيه نعمة خاصّة من عنده، حتّى يتمكّن من أن يحقّق الوصيّة. نحن لا يمكننا أن نحقّق أيّة وصيّة من وصايا الله، ما لم يُعـِنّا هو على تحقيقها. إذًا، نحن بإمكاننا أن نصل إلى هذا السّقف، الّذي هو محبّة القريب كالنّفس، بنعمة الله. لكنّ نعمة الله ينبغي أن تقترن باجتهادنا الدّائم، بمثابرتنا على تعاطي عمل الرّحمة، كلّ يوم، ومن دون تحفّظ. في الحقيقة، كلّ واحد منّا عنده تحفّظات، في نفسه، من جهة عمل الرّحمة. كلّ واحد منّا يجعل حدودًا لنفسه، ويكتفي بالبقاء ضمن هذه الحدود. عند الرّبّ يسوع، كلّ هذه الحدود، الّتي يجعلها النّاس لأنفسهم في علاقتهم بالآخرين، ساقطة وغير مقبولة. هو الّذي يحدّد الحدود! هو الّذي يحدّد السّقف! وقد حدّده لنا. لذلك، نحن نسعى وِسْعَنا، بكلّ معنى الكلمة، بكلّ صدق، بكلّ أمانة، من كلّ القلب، بكلّ عزم؛ والرّبّ الإله يعطينا أن نصل إلى هذا السّموّ في العلاقة مع الآخرين، بنعمة من لدنه. إذ ذاك، في الحقيقة، يجد الإنسان زيتًا في مصباح قلبه. الرّبّ ينظر إلى القلب، الّذي ينبغي أن يستضيء بعمل الرّحمة، في كلّ حين. والّذي يحمل، في قلبه، نور الرّحمة يكون مستعدًّا لاستقبال الرّبّ يسوع، في كلّ حين. يأتي اليوم، يأتي غدًا، يأتي الأسبوع المقبل، يأتي بعد شهر، يأتي بعد عشر سنوات…. هذا شأنه وليس شأننا. نحن علينا، بإزاء هذه الوصيّة، بإزاء هذه الدّعوة إلى انتظار الرّبّ يسوع، أن نسلك في العفّة، وأن ننقّي قلوبنا، وأن نتعاطى الرّحمة، في كلّ وقت. وكلّما سقطنا، نعود ونتوب من جديد، ونبدأ من جديد، وبسرعة، ولا نترك أنفسنا تتمرّغ في خطاياها.

مَن جعل هذا هدفًا له، في الحياة؛ ومَن جعل هذه المسيرة مسيرته، في هذه الحياة؛ يكون هو الإنسان الحكيم، وهو الّذي يُحصى في عداد العذارى الحكيمات. أمّا الّذي يتغافل عن نقاوة نفسه، عن عفّة قلبه، عن عمل الرّحمة، في كلّ حين؛ فهذا يُحصى في عداد الجاهلات. والجاهلات، في نهاية المطاف، أُلقين خارجًا، في الظّلمة البرّانيّة، كما تقول أناجيلنا الكريمة. الرّبّ يسوع يعطينا الفرصة أن نفتدي الوقت. فإذا عرفنا أن نفتدي الوقت، فإنّنا ننفع ذواتنا؛ وإذا لم نفتدِ الوقت كما يجب، فإنّ ساعةً تأتي سوف يكون فيها ربّنا صارمًا في تعامله معنا، وسوف يلقينا خارجًا. وكما بكى آدم، لمّا أُخرج من الفردوس؛ هكذا، سيُمضي الجهلةُ أيّامهم في البكاء، الّذي لا يُجدي نفعًا. المهمّ أن نتوب، اليوم؛ وأن نتوب، غدًا؛ وأن نتوب، في كلّ يوم من أيّام حياتنا؛ وأن نصنع، في كلّ يوم، الرّحمة؛ وأن نحفظ أنفسنا في النّقاوة، في كلّ حين. بعد ذلك، يحدث ما يحدث! تقوم أمم على أمم، هذا كلّه يدبّره الله! تثور عناصر الطّبيعة، هذا ربّنا يدبّره! نحن لسنا في حاجة، أبدًا، إلى أن ننهمّ لكلّ ما يمكن أن يأتي على البشريّة. علينا أن نركّز همّنا في أمر واحد، فقط، وهو أن نكون مستعدّين، بالرّوح والحقّ، لأن نستقبل الرّبّ يسوع، متى جاء. فليكن اسم الرّبّ مباركًا. آمين.

* عظة حول متّى25: 1- 13، السّبت 26 تشرين الثّاني 2011

مقارنة بين النسك في البوذية والديانات الشرقية والنسك في المسيحية الأرثوذكسية

مقارنة بين النسك في البوذية والديانات الشرقية والنسك في المسيحية الأرثوذكسية

اﻷرشمندريت زخريا

ترجمة ماهر سلوم

من المؤسف انه يوجد التباس واسع النطاق، بل وهم عند قليلي الخبرة ان تُعتبر صلاة يسوع معادلة لاليوغاالبوذية والتأمل التجاوزيوالأساليب الغريبة المماثلة في الديانات الشرقية. التشابه بين صلاة يسوع وهذه الديانات هو خارجي عموماً ولا يوجد اي تقارب يتعدّى التركيب البنيويالطبيعي للنفس البشرية. الفرق الاساسي بين المسيحية والمعتقدات والممارسات الاخرى هو ان صلاة يسوع مبنية على اعلان الاله الحي والشخصي بالثالوث القدوس. لا يوجد اي نهج آخر يعترف بامكانية علاقة حية ومباشرة بين الله والانسان المصلّي.

النسك في الديانات الشرقية يعتمد على تجريد الذهن مما هو زائل ونسبي، كي يستطيع الإنسان ان يتمثل بالإله المطلق والغير شخصي. يُعتقد في هذه الديانات ان هذا المطلق هو طبيعة الإنسان الأصلية، التي كابدت الانحلال والفساد اذ التحقت بالحياة الأرضية المتعددة الأشكال والمتغيّرة باستمرار. ان اي ممارسة نسكية كهذه هي أولاً متمركزة حول الذات وخاضعة تماماً لإرادة الإنسان. ميزتها العقلانية تضلّل كمال الطبيعة البشرية، بحيث انها تزدري بالقلب. الصراع الأساسي عند الانسان هو ان يعود الى ذلك المجهول المطلق الفائق الشخص ويذوب به. يتوجّب عليه إذاً ان يتوق لإزالة النفس لكي يتّحد بذلك المطلق الفائق الشخص والمجهول المدى، من هنا تكمن الغاية السلبية للديانات والممارسات الشرقية.

 في صراعه للتجرّد من التقلقل والآلام المرتبطة في الحياة الوقتية، يغمر الناسك الشرقي ذاته في الفلك الذهني التجريدي المُسمّى بالوجود الكامل، الذي هو فلك سلبي وغير شخصي لا يمكن فيه معاينة الله بل رؤية الإنسان لنفسه فقط. ليس هناك اي مكان للقلب في هذه الممارسة. التقدّم على هذا الشكل في الممارسة النسكية يعتمد فقط على إرادة الفرد للنجاح. بالنسبة لالأبنشاد، ليس التكبّر عائقاً البتة في التقدّم الروحي، وليس التواضع فضيلة. من جهة أُخرى، في البعد الإيجابي للنسك المسيحي، يتسربل المرء بالإنسان السماوي من خلال نكران الذات ويرتقي الى حياة تفوق الطبيعة، نحو المصدر الذي هو الإله الواحد الحقيقي الذي يُعلن ذاته. هذا كلّه ليس موجوداً في الديانات والممارسات الشرقية. حتى اذا كان نكران الذات تعبيراً بارزاً في البوذية، إِلَّا انه جزء ضئيل من الغاية الأساسية. عندما يتوق الذهن في البوذية الى العودة لذاته الطبيعية، يجد ذاته المجرّدة لكن في غمامة من التشوّش“. عندئذٍ هناك خطر كبير في الإستحواذ بالنفس والعجب من الجمال المخلوق الذي يظهر مستنيراً، بذلك عبادة المخلوق دون الخالق (رومية 25:1). هكذا يصنع الذهن من نفسه الهاً بل صنماً، عندئذٍ تصير أواخر ذلك الإنسان أسوأ من أوائله” (متى 45:12) بحسب كلام الرب.

هذه هي أقصى حدود الأساليب الشرقية في التأمّل، التي لا تدّعي انها معاينة لله، والتي بالحقيقة هي تأمّل الإنسان لنفسه. هذه لا تتعدّى حدود الكائنات المخلوقة ولا تضاهي بأي شكل من الأشكال حقيقة الكائن الأزلي، أي الإله الحي الغير المخلوق الذي اعلن ذاته للإنسان. تلك الممارسات ربما تمنح بعض الراحة وتشدّد الوظائف النفسية والفكرية عند الإنسان، لكن ما يولد من البشر هو بشري” (يوحنا 6:3) والذين هم في الجسد لا يستطيعون ان يُرضوا الله” (رومية 8:8).

 ان تجريد الذهن من الأهواء التي تربطه بالعناصر الحسّية والوقتية في هذه الحياة يجب ان يتصل بحقيقة الإنسان. هذا يعني انه عندما يرى الإنسان نفسه في حضرة الله، تكون استجابته الوحيدة هي من خلال التوبة.

هذه التوبة بحد ذاتها هي موهبة من الله، انها تنتج عناء في القلب وهذا لا يحرّر الذهن مما هو فاسد فقط، بل ايضاً يوحّده بما لا يُرى وبما هو أبدي من لدن الله. بكلماتٍ أُخرى، التجريد كغاية بحد ذاته هو جزء من المسألة، ويرتكز على الجهد البشري الذي يعمل على مستوى الكائن المخلوق. بالمقابل، المسيحية تُلزم الناسك ان يتوق بالرجاء ان تتسربل نفسه وتتزيّن بالنعمة الإلهية، التي تقوده الى كمال الحياة الغير المائتة التي يعرف انه خُلِق لأجلها.

 الكثير من الناس مُعجبون ببوذا ويقارنونه بالمسيح. ان بوذا يجذب الناس خاصة بسبب فهمه الحساس لحالة الانسان وبسبب تعليمه البليغ عن التحرر من المعاناة. لكن المسيحي يعلم ان المسيح، الابن الوحيد المولود من الله، بآلامه وصليبه وموته وقيامته، الطوعية المنزّهة عن الخطيئة، قد اجتاز الألام البشرية بالكلّية، محوّلاً ايّاها الى تعبير عن محبته المطلقة. بالتالي شفى خليقته من جرح الخطيئة الجدّية، وجعلها خليقة جديدةللحياة الأبدية. ألم القلب هو بالتالي ذو قيمة عظيمة خلال ممارسة الصلاة، اذ ان وجوده علامة ان الناسك ليس بعيداً عن الطريق الحقيقي والمقدس لمحبة الله. ان كان الله من خلال الآلام قد اظهر محبته المطلقة لنا، فالإنسان بالمثل قادر من خلال المعاناة ان يعود لمحبة الله.

 بناء على ذلك، الصلاة هي مسألة محبة. الإنسان يعبّر عن محبته من خلال الصلاة، وان كنا نصلّي فهذه إشارة اننا نحب الله. ان كنا لا نصلّي، هذا يعني اننا لا نحب الله، لأن مقياس صلاتنا هي مقياس حبنا لله. القديس سلوان يطابق محبة الله بالصلاة، ويقول الآباء القديسون ان نسيان الله هي أعظم الأهواء، اذ انه الهوى الوحيد الذي لا يُحارب بالصلاة من خلال اسم الله. إِن نتّضع ونتوسّل عون الله، واثقين بمحبته، سوف نُعطى القدرة ان نتغلّب على اي هوى؛ لكن ان كنا غافلين الله، فإن العدو سوف يرمينا بسهولة

+المقالة مُقتطفة من الفصل 5 “بناء القلب باليقظة والصلاةمن كتاب الانسان الغير منظور في القلب: تهذيب القلب في علم الإنسان المسيحي الأرثوذكسيللأرشمندريت زخريا

هل قصص الكتاب المقدس “أساطير”؟

هل قصص الكتاب المقدس أساطير؟

المتقدم في الكهنة جون بريك

نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

لأكثر من قرن وعلماء الكتاب المقدس يناقشون ما إذا كان العهدان القديم والجديد يحتويان على عناصر الأسطورية“. الجواب يعتمد على كيفية تعريفنا الأسطورة، وهنا الاتفاق قليل جداً. اتفق الأخوان جريم (Brothers Grimm)[1] أن الأساطير هي القصص التي تتحدث عن آلهة” (بصيغة الجمع). إذا كان هذا هو المعيار الأساسي، يرى العديد من العلماء أنه لا يمكن أن يكون هناك أساطير، بالمعنى الضيق للكلمة، في الكتاب المقدس العبري التوحيدي. في أي حال، إنهم يقولون أن مهما كانت هي العناصر الأسطورية القديمة التي أثّرت في تقاليد العهد القديم قد تمّ تحريرها من اﻷساطير (demythologized) بدقة وتحويلها إلى تاريخية“.

وقد أظهرت الأبحاث الحديثة حول أساطير الأديان القديمة في الشرق الأدنى (مصر، بلاد ما بين النهرين، بلاد كنعان) أن الأساطير تطوّرت حول طقوس الشعب الدينية وهي تبرهن وجود نمط ثابت إلى حدٍ ما. فابتداءً بنزاع معين (على سبيل المثال أن يدخل البطل في معركة مع وحش يمثّل الفوضى)، تروي القصة الأسطورية هزيمة أو تدمير بطل الرواية، ثم تنتقل إلى وصف رثاء الشعب وحدادهم على البطل. في المرحلة النهائية، يُولد البطل من جديد قائماً من الموت والهزيمة إلى حياة جديدة سامِية. ويبدو أن هذا النمط من الصراع والموت والحداد، والتبرير قد نشأ في المجتمعات الزراعية، حيث أداء الطقوس مثّل دور الولادة الجديدة من النباتات في فصل الربيع من العام الجديد، وبالتالي روّج لهذه الولادة .

هذا النمط أثّر بلا شك في تطوير بعض تقاليد العهدين القديم الجديد، تماماً كما فعلت مختلف الطوائف اليونانية الهيلينية الغامضة. يمكن للمرء أن يجد هذه الحركة، على سبيل المثال، في العديد من القصص المدرجة في الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين (وخاصة دورة نوح؛ مصير أيوب)، وحتى في حياة يسوع (الصراع مع السلطات الدينية والسياسية، الحكم عليه وصلبه، الرثاء من جانب المؤمنين من التلاميذ والنساء، من ثمّ القيامة). يعكس العهد القديم، وعلى نطاق محدود العهد الجديد (وخاصة في سفر الرؤيا)، بعض المواضيع الأسطورية العالمية. مع ذلك، من المهم أن نؤكّد أنّ الكتاب المقدس خالٍ من الأسطورة في حد ذاته، حيث أنّ هذه التأثيرات الكامنة تحوّلت بفعل اهتمامات المؤلّفين التاريخية.

إن الاهتمام الرئيسي لمؤلفي الكتاب المقدس قادهم إلى تعديل الأشكال الأسطورية التقليدية بطرق هامة جداً. الأهم من ذلك، الفاعل الرئيسي أو موضوع كتابات الكتاب المقدس هو الله، وليس آلهة متعددة، أو بطلا أو ملكاً. كما هو الحال مع الكثير من الأساطير القديمة، فإن قصص إسرائيل الشعبية غالباً ما تكون سببية: أي أنها تفسر وقوع أعمال محددة أو أشياء في حياة الأمة مثل الاحتفالات الطقسية أو الظواهر الطبيعية (احتفال رأس السنة الخريفي، على سبيل المثال، أو عمود الملح، سفر التكوين 19:26). في أي حال، الأحداث التاريخية المفترضة وراء هذه الحسابات يتم عرضها في مثل هذه الطريقة لتقديم تفسير لاهوتي لهذه الأحداث. وخير مثال هو تقليد (أو تقاليد) الخروج [قارن سفر الخروج 15/01 مع المزامير 77/78 و80/81]. هنا، أُعيد تشكيل العناصر الأسطورية الكامنة (الصراع والدمار، والولادة الجديدة) لكي يتمّ من خلال القصة المكتوبة إعلان عمل الله الخلاصي في شعبه إسرائيل وله. النتيجة هي إعادة رواية طقسية، وبالتالي إعادة تحقيق ما حدث فعلاً في إطار تاريخ خلاص إسرائيل.

نحن نسلّم بأن التأريخ سوف يسجّل لنا صورة دقيقة عن حقيقة ما حدث،أي الأحداث التي هي حقيقية بشكل واضح. ومع ذلك، بالنسبة لبني إسرائيل، إن الهدف من التاريخالمكتوب ليست في المقام الأول لتسجيل وقائع أو تقديم سجل عن الأحداث الفعلية الماضية. فالملاحم عندهم، على سبيل المثال، تنقل قبل كلّ شيء المعنى اللاهوتي والروحي إلى الزمان الحاضر. وتبنى تلك القصص الملحمية (على سبيل المثال، من نوح أو البطاركة) على نواة للواقع التاريخي لا غنى عنها، وكأنها غير قابلة للاسترداد. إن الأهمية الحقيقية لهذه القصص تكمن في قدرتها على ربط هذا الحدث الماضي بحياة الشعب الحاضرة. يكون تاريخ إسرائيل القديم بنّاءً بقدر ما يكون تاريخاً حياً يمتدّ، بما هو عليه، من الماضي إلى حياة الشعب الحاضرة. وبناء على ذلك، فإن مفهوم الذكرىالعِبري يعني إعادة التحقيق (reactualization): إن تذكر الماضي هو في اختبار ظروفه وتحدياته في الحاضر القريب.

إن هذه النظرة هي أمر مشوش لكثير من الناس إذ يبدو أنه يرمي إلى التشكيك في التاريخية، أي في الحقيقة التاريخية لقسم كبير من التقاليد الكتابية. ومع ذلك، فإن السبب في ذلك هو أننا نسيئ فهم معنى الأسطورة الحقيقي ووظيفتها. في لغة اليوم، الأسطورة مصطلح يعني الخرافة، الفولكلورأو القصة الخيالية“: قصة من دون أسس تاريخية تخدم لحمل درس أخلاقي أو لمجرد التسلية. من هنا، بتطبيق عبارة اﻷسطورة على الكتاب المقدس يصف هذا المصطلح بشكل صحيح التقليد الذي يستخدم لغة وصوراً إنسانية للتعبير عن التفاعل الذي لا يوصف بين الجوهري والمتعالي، بين الله ومخلوقاته البشرية. الأسطورة، متجذرةً في الحدث التاريخي الفعلي، تفسّر ذلك الحدث (كعنصر من تاريخ الخلاص) وذلك للتعبير عن معناه لنا في حياتنا وخبرتنا. هذا لا يعني أن علينا أن نشكك في الأسس التاريخية لهذا الحدث. باﻷحرى، هذا يعني أن هذا الحدث، تكمن أهميته القصوى في استمرار تأثيره في حياتنا وإيماننا اليوم أكثر من كونه حقيقة من حقائق الماضي.

لنأخذ كمثالٍ روايات ميلاد يسوع (والتي تختلف بشكل كبير بين متّى ولوقا) وهي تعكس بوضوح موضوعات قديمة تقليدية، ويمكن القول أنها أسطورية. من هذه الموضوعات ظهور النجم (البشير السماوي)، والمجوس والملائكة (التي تمثل قوى الأرض والسماء)، وحتّى ولادة العذراء (وهي ظاهرة لا تقتصر على الأناجيل). هذا لا يعني، مع ذلك، أنه يجب التخلّي عن هذه الروايات لأنها غير تاريخية. بل باﻷحرى هذا يعني أنّ ما هو تاريخي مُفسَّر بشكل القصص وذلك لإعلان الإنجيل. إن المعنى المعبّر عنه في تلك القصص القانونية فريد. لقد كان فريداً لأتباع يسوع اﻷوائل، وما يزال فريداً بالنسبة لنا اليوم، كوعد بوجود الله الكامل في شخص المسيح الطفل وخدمته المستقبلية. (يرى اللاهوتيون الأرثوذكسيون أن تلك التوازيات الفائضة التي سبقت اﻹنجيل موحى بها من الروح القدس كإعلانات نبوية للأحداث الفعلية المحيطة بالحبل بيسوع وولادته).

بالعودة إلى روايات اﻵﻻم والقيامة، فمن الصحيح أننا نجد صوراً أسطورية لموت وقيامة آلهة في الأديان السريّة القديمة. لكن التفاصيلأي كامل الحركة المؤدية من إدانة ابن الله وموته إلى تبريره النهائيليس لها نظير في أي مكان من حيث معناها النهائي. هنا، كما هو الحال مع روايات الميلاد، الغاية الأساسية لكتّاب الكتاب المقدس هي ربط الماضي بالحاضر. إنّهم يعلنون معنى موت المسيح وقيامته بالنسبة لنا. إنهم يعلنون أن انتصار المسيح تاريخي بقدر ما هو تاريخي أيّ حدث حقيقي آخر. إنّ قيامته من بين الأموات التي دمّرت قوة الموت هي حقيقة: إنها حدث فعلي من الماضي. ومع ذلك، إن لها قيمة دائمة قيمة أبديةبالنسبة لنا في تجربتنا الحالية الخاصة. وهنا تكمن أهميتها الفريدة والنهائية.

[1] الأخوان جريم، جاكوب وفيلهلم، هما أكاديميان ألمانيان ولغويان وباحثان ثقافيان. من أهم مؤلفي القصص المتخصصين في جمع الفولكلور ونشره خلال القرن ال 19. هما من أهم الرواة ﻷهم القصص المعروفة من الحكايات الشعبيةمثل سندريلا، الأمير الضفدع، هانسيل وجريتل، رابونزيل، الجميلة النائمةوسنو وايت، وغيرها الكثير.

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

حكمة القدّيسين: التعامل مع الغضب والحقد والمرارة

الأب ثيودور ستيليانوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

لا تأتي السعادة الحقيقية من كثرة الممتلكات بل من نوعية العلاقات الإنسانية. تتميّز العلاقات الصحيّة باحترام الآخر، والتواضع، والصراحة، والوفاء، والإعراب عن استعدادٍ للتكلّم بهدوء، لتوضيح سوء التفاهم وحلّ الخلافات بعدل، والقدرة على التسوية والتجاوز بنيّةٍ حسنةٍ ومسامحة. حين تكون هذه الصفات موجودة ضمن الزواج والعائلة والجماعة أو المجتمع بعامة، نجد الانسجام والاطمئنان والسلام والفرح الحقيقي.

أمّا أعداء العلاقات الإنسانية الصحيّة فهم اللامبالاة، وعدم الاكتراث، والأنانية، والرغبات الشرّيرة، والغرور، والكبرياء الأعمى. فهذه النزعات تؤدي إلى تراجع الحياة الإنسانية، وتسبّب معاناةً وألمًا لا حدّ لهما، وتُنتج كافة أنواع سوء التفاهم والنزاعات والعداوات والمرارة بين الناس. وكون الإنسان ضعيف يميل إلى إساءة الفهم، فأيّ تعبير قاسٍ يُقال، أو أيّ فعل بسيط يُقترف من دون تفكير، من شأنه أن يؤثّر بشدّة على العلاقات الشخصية. لذلك فإنّ اليقظة مطلوبةٌ للحفاظ على الوفاق بين الناس. وحين تُنتهك الثقة، تلزم عناية شديدة لإعادة الأمور إلى طبيعتها.

في مقالة حول الحقد، يعرض القديس دوروثاوس أسقف غزة (القرن السادس) تعليمًا مفيدًا عن الخلافات ونتائجها وكيفية مواجهتها. وأوّل نصيحة للقدّيس دوروثاوس تتعلّق بالمعرفة. فالمعرفة الواضحة تساعد الإنسان على التعامل مع الخصامات بشكل أفضل. ويفصل القدّيس بين مراحل النزاع: الاستياء، اضطراب الذهن، الغضب، الهيجان، والعداوة أو الحقد. ويوضح تعليمه بالمثل التالي:

عندما يوقد أحدهم نارًا، يبدأ بإشعال شرارة، مثلاً بواسطة عود ثقاب. وتمثّل هذه الشرارة كلمةً مهينةً نطق بها أحد الأخوة أو عملاً اقترفه. إذا احتملتَ كلامَ أخيك، فإنك تطفئ الشرارة، أمّا إذا سمحتَ لها بأن تلفتَ انتباهك، فإنّك تشعلها كمَن يرمي حطبًا أو وقودًا في الموقد، فيشتعل الدخان الذي هو اضطراب الذهن“. وكلّما فكرتَ فيها، استحالتْ مشاعرُك غضبًا وتحوّلَ الغضب إلى هيجانٍ داخلي. يشبه ذلك تجميع الحطب فوق النار فتشتعل بشكل خارجٍ عن السيطرة. إنّك تعذّب نفسَك وتهاجم مَن أهانك، والآخرين أيضًا، بسبب اضطرابك الداخلي. وإذا لم تتبدّد مشاعر الغضب هذه، يحوّلها الوقتُ إلى عداوةٍ أو حقدٍ دائمين. تسمّى هذه الحالة mnesikakia باليونانية، وتعني حرفيًّا تذكّر الشرور أو الإساءات، وتتميّز بإرادةٍ مريضةٍ راسخة، وعداوة ناقمة، ومرارة تجاه الآخر.

لكن كيف يجب أن يتصرّف الإنسان بحكمةٍ إزاء الإهانات؟ ينصح القدّيس دوروثاوس الإنسانَ بأن يميّز الفرق بين الاضطراب والهيجان والغضب والسقوط في الحقد. حصِّنْ نفسَك بهذا التمييز، واعتمدِ الخطة الروحية القائمة على قطع الخلاف منذ بدايته. تراجعْ وخذْ نفسًا عميقًا، وفكِّر قبل أن تتكلّم أو تتصرف، واملكْ وسائلَ بديلة للردّ حين توشك الشرارة على الاشتعال. لا تسمحْ للإزعاج بأن يتحوّل إلى غضبٍ ثم إلى حقد. “اقتلعوا أهواءكم ما دامت صغيرة، وذلك قبل أن تركن فيكم وتتعبكم. فاقتلاع نبتة صغيرة شيء واقتلاع شجرة شيء آخر بالكلّية“.

يستطيع كلّ واحد منّا أن يجد وسائل إيجابية للردّ على الإهانات. من الأفضل أحيانًا التزام الصمت وإعادة فتح الموضوع في وقت أنسب. وبإمكان الإنسان أن يتكلّم بهدوء ويستوضح سائلاً: “ما الذي يجعلك تشعر هكذا؟ مِن فضلك اشرحْ لي ماذا تعني“. أو يستطيع أن يعتذر بتواضعٍ قائلاً: “أنا آسف لأنك تشعر هكذا. لم أعنِ أن أسبّب لك الإهانة. لنهدأ ونتكلّم في المسألة“. ويمكننا أن نتغاضى عن الإساءة، وأن نتحاور بصبرٍ في وقتٍ آخر مع الشخص الذي أهاننا: “يوحنا (أو مريم)، ما قلتَه (قلتِه) ذاك اليوم سبّب لي الأذية، هل بإمكاننا التحدّث بالأمر؟ أقدّر علاقتنا، هيّا نحاول توضيح سوء التفاهم“. يجب إيجاد التعابير المناسبة والتكلّم بالنبرة المناسبة لئلاّ تشتعل النار وتلتهم المتخاصمين.

يلفت القدّيس دوروثاوس الانتباه إلى أنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التصرّف بعدلٍ ومقابلة الشرّ بالشرّ. يتذكّر المزمور 7: 5 حيث نصلّي إلى الله: “إن كنتُ قابلتُ الشرّ بالشرّ فلأهلك بالكلية ولأسقط أمام أعدائي خاويًا“. عندما يقابل أحدُهم الشرّ بالشرّ، فهو يؤذي نفسه. يشرح القدّيس: “السقوط يفترض فقدان القدرة على النهوض من جديد. أما أن نسقط خاوينيعني أن نفقد كلّ فضيلة تسمح لنا بالنهوض من جديد“. إذًا برغبتنا في العدل، نكون في خطر خسارة قدرتنا على التصرف بفضيلة أو عمل الصلاح“.

هناك وسائل عدّة لمقابلة الشرّ بالشرّ، ليس فقط بالكلمات أو الأفعال بل بالمواقف والحركات والنظرات، وهي وسائل يجب تمييزها وتجنّبها. فالتجاهل يعبّر عن وجود حقدٍ في القلب، ونظرة الازدراء تجرح مثل سهمٍ مسنّنٍ بالخبث. وقد لا يكنّ أحدُهم البغض لأخيه، لكنّه يفرح إن سمعَ أحدًا يشتمه. وآخر لا يضمر في قلبه سوءًا لأخيه، لكنّه لا يطلب له السعادة ويحزن إن رآه مكرَّمًا. تمثّل هذه الحالات، بحسب القديس دوروثاوس، أشكالاً ماكرة لمقابلة الشرّ بالشرّ، وتعبّر عن حقدٍ مخفي. لذلك يجب تمييز هذه الأشكال بعناية، ومكافحتها والاعتراف بها إلى الله. لقد طلبَ المسيحُ منّا أن نحبَّ أعداءنا وأن نصلّي من أجلهم. وعلّم بولس الرسول: “لا يَغلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغلِبِ الشَّرَّ بالخَيرِ“(رو 12: 21).

لكنّ المعرفة ووسائل الدفاع لا تكفي وحدها للتعامل بفعالية مع الاستفزازات والإساءات. نعمة الله أساسيّة للغاية لحدّ الخلاف وجلب المصالحة والشفاء. وعند اشتعال شرارة الخلاف الأولى، تكون الصلاة الردَّ الأكثر إيجابية وفعالية، كونها تُلهِمُ الخطوات المفيدة التالية. الصلاة ملجأٌ داخلي آمنٌ يعمّه السلام والتفكّر، فيه يجدُ الإنسان المساعدة على مواجهة الخلافات والأذية بشكلٍ عميق.

في التقليد الأرثوذكسي، يُنصح بتلاوة صلاة يسوع (ربي يسوع المسيح ارحمني)، بصفتها فأسًا في وجه التجارب والأهواء. ويمكننا اختصارها، وفقًا للحالة، إلى صيغة يا رب ارحم!” أو يا رب امنحني القوة، أو أعطني الصبر، أو امنحني النور للتعامل مع هذه المشكلة“. عند اشتعال الشرارة، تساعد تلاوة صلاة يسوع النفسَ على الالتجاء إلى منزلها الروحي، فنُسيطر على الغضب، ونضبط الكلمات والأفعال التي قد نندم عليها لاحقًا.

يقترح القدّيس دوروثاوس تلاوة صلاة قلبيّة صامتة ومتّضعة، وهذه الصلاة ترفع من شأن الذي أهاننا. “يا رب أعِنْ أخي وأعِنّي بصلواته!”. حين يتوسّل الإنسان، بهذه الكلمات، من أجل أحد الإخوة، فهذا يدلّ على رأفة ومحبة، وإنّه لتواضع مِن قِبله أن يسأل الله العونَ بصلوات مَن أساء إليه. يقول القدّيس دوروثاوس: “حيث تكون الرأفة والمحبة والتواضع، كيف يمكن للغضب ولأيّ هوى آخر أن يسود؟“. ويستشهد بقولٍ لإفاغريوس الناسك: “مَن يصلّي من أجل أعدائه، لا يعرف الحقدَ البتّة“. الصلاة من أجل خير أعدائنا وخلاصهم هي الطريق الأضمن لشفائنا من السخط، ولتهيئة الأرضيّة للشفاء والسلام. ينهي القدّيس دوروثاوس رسالته بهذا الإرشاد الصلاتيّ: “ليعطِنا الله أن نتذكّر هذه الكلمات التي نحن سامعوها، وأن نحفظها ليوم المحاكمة، حتى لا تكون دينونة لنا“. يا قدّيس الله صلِّ من أجلنا.

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

القديس نكتاريوس كمعلّم للشباب

نقلها عن اليونانية بتصرّف الأب أنطوان ملكي

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس والعجائبي، لا يزال حتى اليوم منارة مشرقة ينير لنا بفضائله الكثيرة وكتاباته الهامة ومعجزاته التي لا تعد ولا تحصى.

من بين أمور أخرى، لقد كان مربياً ممتازاً ومعلماً للشباب، الذين اعتبرهم الأمل الذهبي للكنيسة والأمة، قاعدة الغد“. وفي خطاب له يحمل عنوان دعوة المراهقين في المجتمعالتي ألقاها لطلاب الثانوية في لاميّا، يصف المراهقة بأنها مهمة وسريعة. “بالواقع إنها هامّة المهمة العظيمة التي خصصت لها، وسريعة في مدتها القصيرة، حيث خلالها ينبغي إنجاز أشياء كثيرة وكبيرة“.

يسمّي قديسنا المراهقين الجيل الجديدوالجيل الوارثالذي تسلّمه الأمة والدولة ودائع الأجداد وكلّ كنوز الأجيال السابقة.” هذا هو سبب حماسه لتشجيع الشباب في نضالهم الروحي وتشديدهم، من خلال حثّهم على ممارسة الفضيلة. كان يعلّمهم مع الكثير من المحبة بأن عليهم الحفاظ على إيمانهم في المسيح، الإله الحقيقي، كوديعة مقدسة. كان عليهم أن يسلكوا في الحياة في المسيح والارتباط به من خلال أسرار الكنيسة الخلاصية.

كان يعرف الصعوبات الكبيرة التي تواجههم في نضالهم الروحي في كثير من الأحيان. وقد أوصاهم باليقظة والاستقرار في حياتهم المسيحية لأنها سلاح الانتصار. في عظته لطلاب المدرسة الثانوية في لاميّا، قال ما يلي: “أولادي الأحباء، إن كفاحكم يتطلب قراراً شجاعاً وروحاً معنوية ثابتة لاكتساب الفضيلة. لأن المترددين، أولئك الذين يبدؤون نضالهم من أجل الفضيلة بالإهمال والكسل، تثبط عزيمتهم بسرعة ويُهزَمون، ويتحوّلون بسهولة إلى جبناء ويفرّون“.

أوصى القديس بالكتاب المقدس كدليل لا غنى عنه لمعرفة الحقيقة والاستنارة والاستعداد للخلاص. كما شدّد بكل قوة روحه على أن عليهم أن يجمعوا بين التقوى والعلم، إذ بهذه الطريقة يتقدمون وينمون في جميع مراحل حياتهم. الفكرة المركزية في توجهه للشباب كانت هذه الحقيقة: “من دون حياة فاضلة، لا يمكن بلوغ الوجهة النهائية للإنسان“.

علّم القديس الشباب دائماً من كلمات الكتاب المقدس وآباء الكنيسة، وغالباً ما استخدم كلمات الكتّاب القدماء. قبل كل شيء، كان همّه أن يعلّم بالقدوة. وقد نجح بالنضال ونعمة الرب. في الواقع، كتب أحد طلابه وأبنائه الروحيين، في رسالة إلى صديقه عام 1897: “من حسن الحظ أنّ هناك في أيامنا روح مديرنا المبجّل الجميلةتراه يعيش في هذا العالم، ومع هذا تشعر بأنه رجل ليس من هذا العالمبدون مبالغة إنه يصلّي ليل نهارحليم، محبٌّ للجميع لا يُقاوَم بنظرته البريئةينسجم مع مختلف الناس الذين يسكّنهم ويوجّههم نحو المخلص المتجسد بلطف غير مسبوق و وداعة لا مثيل لهاإنّه رجل لكنّه يعيش كملاك“.

قريبي والاستعداد للميلاد

قريبي والاستعداد للميلاد

الأب أنطوان ملكي

فيما ندخل صوم الميلاد، يدخل العالم من حولنا إحدى أكثر فترات السنة انشغالاً وضغطاً على العائلات. فالإعداد للميلاد يتضمّن التسوّق والثياب الجديدة والتزيين والتخطيط للاحتفالات وغيرها. ومن نافل القول أنّ كل هذا لا يرتبط بالميلاد بشيء، ومن الضروري التكرار بأن الاستعداد للميلاد يكون بالصلاة والصوم والصدقة والمصالحة والتوبة، وإلا فإن استعداداتنا ليست لتمجيده في ولادته. من هنا تأتي القراءة اليوم لتذكّرنا بكل هذا. فالناموسي سأل مَن هو قريبيلأنه يريد أن يتهرّب من سؤال السيد عن تطبيقه للناموس، بينما نحن فينبغي أن يكون واضحاً لنا أن كل محتاج هو قريبنا وأن كل مَن يحتاج إلى المعونة يستحق الرحمة منّا. هذا هو معنى محبة القريب. ومع دخولنا في صوم الميلاد، أي فترة التهيئة لهذا العيد، علينا جميعاً الاعتراف بأننا مقصّرون عن تنفيذ وصية السيد. كمثل الفريسي نحن نريد بأن لا تضمّ لائحة أقربائنا أحداً غير الذين يحبوننا ونحبهم، حتى نشعر بالرضى بأننا نطبّق وصية المسيح. كان السؤال المطروح على يسوع من هو قريبي وقد أجاب عليه بسؤال: أي هؤلاء تحسب صار قريباً؟ ما يريد قوله السيد هو أن الإنسان يصنع قريبه، إذا أحبّ الآخر يجعله قريباً. السؤال ليس إذاً مَن هو القائم بقربي بل أي انسان أقدر أن أصيَره قريباً. الجواب انا أخلق القربى بما أعطيه. جواب يسوع كان: “الذي صنع إليه الرحمة“. القرابة صيرورة خلق وليست كلاماً. يصير الإنسان قريباً للآخر ويصير الآخر قريبه بالمحبة. الإنسان يصنع القريب بالمحبة والرحمة.

المحبة تفترض متابعة وانتباهاً متواصلاً، لأن المحبة ليست عاطفة عابرة، بل هي أمر يدوم ويواظَب عليه، والذي يحبه الإنسان يتحمله ويحفظه في قلبه، ينفق من وقته وحياته وماله وصحته من اجله، وبذلك يكون قد اقترب منه وجعله قريبه. اذ ينقل الله إليه من خلال عطفه ومحبته وانتباهه، يقترب هو تدريجياً من الله ويتعرّف عليه. لذلك، عمل الرحمة مطلوب من كلّ مؤمن، لأنّ مَن يسدّ أذنيه عن صراخ المسكين، يصرخ هو أيضاً لا يُسمع له (امثال31:21). أمّا مَن يرحم قريبه فيُقرِض الرب (امثال17:19) ويكنز في السماء كنوزاً من الرحمة يعينه الرب بها عند الحاجة .

نحن تقبّلنا أعظم الرحمة في مجيء المسيح. وفي تعييدنا لميلاده نعيّد لتقبّلنا هذه الرحمة. لذا يجب أن نتعلّم الرحمة لكي نتلقاها. مَن لا يمارسها ولا يشعر بها ومن لا يعطيها يبقَ خارجاً. الدينونة بلا رحمة لمَن لم يعمل الرحمة (يعقوب13:3). آباء الكنيسة رأوا أن السامري الشفوق هو صورة للمسيح ابن الله، الذي أتى ليرحم الذين لا يحبونه من دون تمييز بين الأعراق والأديان والطبقات واللغات.

إذاً، يدعونا إيماننا للتحضير لعيد الميلاد بطرق مختلفة جداً عما هو شائع في حضارتنا القائمة. فالأمر ليس كلّه هدايا ومشتريات وحفلات واهتمام بعدم اكتساب الوزن. بل بالأحرى، الأمر هو النمو في الرحمة والشفقة. الاستعداد للميلاد هو في اظهار المحبّة الحقيقية لله وللقريب. علينا أن نستفيد من صوم الميلاد وزمن الاستعداد، للإعداد على أكمل وجه لاحتضان بشريتنا المكسورة وإنسانيتنا الفاسدة التي وُلد المسيح، آدم الثاني، لكي يستعيدها. ليست الحياة المسيحية مجموعة من القواعد بل هي المسار الذي يسلكه المرضى والضعفاء والمضطهدين والمحبطين ليصلوا إلى البركة والقداسة التي خُلِقوا لها على صورة الله ومثاله. دعوة يسوع الاخيرة للناموسي بقوله امضِ واصنع انت أيضاً كذلكموجّهة لكلّ مؤمن اختبر افتقاد الله وايقن أنّه قريبه.