السنة الثانية عشرة، العدد الثالث، كانون اﻷول 2015

السنة الثانية عشرة، العدد الثالث، كانون اﻷول 2015

مختارات آبائية

عيد الميلاد والمرأة الوحيدة، القديس نيكوﻻ فيليميروفيتش

معنى الألم في حياتنا، الشيخ جورج كابسانيس رئيس دير غريغوريو

عظة

رأس السّنة بين الزّمن الدّهريّ والزّمن الأبديّ!اﻷرشمندريت توما بيطار

توبوا فقد اقترب ملكوت السموات، اﻷب أنطوان ملكي

لاهوت

اتّباع اﻵباء، اﻷب جورج فلوروفسكي

رعائيات \ حياة روحية

حتى لا يُولد ميتًا!الأرشمندريت توما بيطار

محبة الذات، الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

مسكونيات

علاقات الكنيسة اﻷرثوذكسية مع الكنائس المسيحية اﻷخرى على أساس القرارات اﻷرثوذكسية، الميتروبوليت خريسوستوموس سافاتوس

فن كنسي

أيقونة العائلة المقدسة: أيقونة هرطوقية، جون سانيدوبولوس

عيد الميلاد والمرأة الوحيدة

عيد الميلاد والمرأة الوحيدة

القديس نيكوﻻ فيليميروفيتش

أنتِ تشكين من الوحدة في وسط مدينة كبيرة، فيما الناس من حولك يبدون مثل عش النمل، وأنتِ لا تزالين تشعرين وكأنك في الصحراء. الوضع في الأعياد الكبرى لا يطاق. الفرح يفيض في كل مكان في حين أنتِ مدفوعة نحو الحزن. أيام أعياد الميلاد والفصح تبدو كالحاويات الفارغة التي تملئينها بالدموع. أنتِ أكثر هدوءاً عندما تكون هذه الأعياد المقدسة وراءك أو أمامك بكثير. ولكن عند اقترابها ووصولها يقهر الغمّ والكآبة روحك.

ما الذي يمكنني أن أفعله من أجلك؟ سأروي لكِ قصة يوانّا وعيد الميلاد، إذ ربما تكون نافعة لكِ. سأترك لها أن تحكي ذلك، تماماً كما روَتْها لي.

لأربعين عاماً وقليل قد رأيت هذا العالم كامرأة. لم أعرف أي فرح، إلا قليلاً عندما كنت طفلة في منزل والديّ. ولكن أمام العالم لم اُظهِر أني كنت حزينة. تظاهرت أمام الناس بالبهجة، وفي وحدتي كنت أبكي. الجميع اعتبروا أني مخلوق سعيد، لأني أظهرت ذلك. كنت محاطة بالشكاوى من حولي، من المتزوجين وغير المتزوجين، الأغنياء والفقراء، الجميع. ففكّرت: لماذا أشكي تعاستي لهؤلاء البؤساء وأزيد الحزن من حولي؟ يا ربّ، إذا أظهرتُ نفسي سعيدة فسوف أكون أكثر منفعة في هذا العالم التعيس، وسوف أخفي سرّي داخلي وأبكي في وحدتي.

صليتُ إلى الربّ ليظهِر لي نفسَه بطريقة أو بأخرى، على الأقل أحد أصابعه لكي أشعر بالراحة. صلّيتُ هكذا حتّى لا أندثر في حزني الخفيّ. كنت أعطي من دَخلي للجمعيات الخيرية حيثما أُتيحت لي الفرصة . كنت أزور المرضى واليتامى وأحمل إليهم الفرح من فرحي الظاهر. وكنت أردد أنا أؤمن بك يا إلهي الصالح وأتوسّل إليك أن تظهر بطريقة ما حتى أزداد إيماناً بك. أنا أؤمن يا رب فأعِن عدم إيماني” (مرقس 24:9). كنت أكرر هذه الكلمات من اﻹنجيل وبالفعل اختبرت ظهور السيّد لي.

أكثر اﻷيام صعوبة عندي كانت اﻷعياد الكبيرة. بعد القداس، كنت أحبس نفسي في غرفتي وأبكي طوال يوم الميلاد أو يوم الفصح. لكن في آخر عيد ميلاد ظهر لي الربّ. اﻷمر جرى كما يلي: كان اليوم الكبير يقترب، فقررت أن أهيئ كلّ شيء كما كانت أمي تهيء لي، لحماً ومعكرونة وحلويات وكل اﻷمور اﻷخرى. وأثناء التحضير كنتُ أصلي هكذا بدون انقطاع لتكن رحمة الثالوث القدوس على زوايا اﻷرض اﻷربعة. يا ربّ أرسلْ إليّ زواراً خاصة من الجائعين والفقراء! أتوسّل إليك، اظهرْ لي بهذه الطريقة“. وكنت أفكّر بين الحين واﻵخر أينها المجنونة يوانّا، أي زوّار تنتظرين في عيد الميلاد؟ في هذا اليوم المقدّس كلّ واحد يكون في بيته. كيف سوف يأتي أيّ كان ليزوركِ؟وكنت أبكي وأبكي، وأعود وأكرر هذه الصلاة فيما أتابع التحضير.

بعد القداس يوم الميلاد، أضأتُ الشمعة وهيأتُ المائدة. وضعت عليها كلّ الطعام وصرت أجوب الغرفة ذهاباً وإياباً. “يا إلهي، لا تتخلَّ عنّي!” كنت أكرر الصلاة. كان المارّة قليلين فاليوم عيد الميلاد والطريق مهجور. وما أن كان الثلج يطقطق تحت رجلَي أحدهم، حتّى أركض إلى الباب! “ربّما هذا هو زائري؟ لا ليس هو“. هكذا أمضيت وقتي. جاء بعد الظهر ومضى وكنتُ وحيدة. رحتُ أبكي وأصرخ: “اﻵن أرى أيها السيد، أنتم تخليتم عني جميعاً“. هكذا بكيت بصمتٍ وباستمرار.

فجأة قرع أحدهم الباب وسمعت أصواتاً أعطِ أيها اﻷخ، أعطي أيتها اﻷخت“. فركضت مسرعةً وفتحت الباب. أمامي وقف رجل أعمى ودليله، كلاهما منحنٍ، رث الثياب ومتجمّد.

بادرتهم بفرح المسيح وُلد أيها السيدان“. “حقاً وُلِدأجابا وأسنانهما ترتجف. “الرحمة أيتها اﻷخت، ارحمينا. نحن ﻻ نطلب المال. منذ الصباح ولم يعطِنا أحد خبزاً أو مالاً أو كأس راكي (عرق). نحن جائعان جداً“. من فرحي رُفِعتُ إلى السماء الثالثة. تقدمتهما في منزلي وقدّمت لهما مائدة كاملة. خدمتهما بدموع الفرح. سألاني بخجل: “لماذا تبكين أيتها اﻵنسة؟” “من الفرح أيها السيدان، من الحبور والفرح المشرق! ما صلّيت من أجله إلى الله منحني إياه. لقد صلّيت إليه لعدة أيام أن يرسل إليّ زواراً بالتحديد مثلكما، وها أنتما قد أرسلكما إلي. أنتما لم تأتيا إلى هنا بالصدفة بل إلهي الصالح أرسلكما. اليوم هو ظهر لي من خلالكما. هذا أسعد عيد ميلاد في حياتي. اﻵن أعرف أن إلهنا حيّ. المجد له والشكر. فأجاب زائري المحبوبَين آمين“. أبقيتهما إلى المساء ثم ملأت كيسيهما وودعتُهما“.

هكذا كان عيد الميلاد اﻷخير ليوانا. أيها الرب هبّْ أن يكون العيد هذه السنة أكثر بهجة. أنتِ أيضاً أيتها اﻹبنة، صلّي حتّى يظهِر لكِ اﻵب السماوي نفسه بطريقة أو بأخرى، وللرب طرق كثيرة، حتّى تختبري معجزة. لا تهيئي للحزن في هذا اليوم الكبير، بل هيئي للفرح. وهو الذي يرى الكل ويرحم الكلّ سوف يجعلك سعيدة.

معنى الألم في حياتنا

معنى الألم في حياتنا

الشيخ جورج كابسانيس رئيس دير غريغوريو

بصرف النظر عن المعاناة التي يتسبب بها فالألم البدني أو العقلي أو الروحي، الذي دخل حياة الإنسان من خلال المعاناة الإلهية، لديه أيضاً آثار إيجابية على حياة اﻹنسان اﻷرضية ونموه.

من السهل أن يحكي المرء في فلسفة اﻷلم أو ﻻهوته، ولكن من الصعب اتّخاذ الموقف المناسب تجاه الألم عندما يكون هو نفسه في مواجهة ألم عظيم. وأعتقد أن الحديث عن اﻷلم يكون افتراضياً جداً ما لم يكن المتكلّم قد اختبره شخصياً. أنا أفكّر بجميع إخواننا في جميع أنحاء العالم الذين يعانون الألم الجسدي أو النفسي أو الروحي.

من الناس مَن يختبر الألم الجسدي كنتيجة للمرض أوالمشقة أو الجوع. وغيرهم يختبرون الألم النفسي عندما يتعرضون للاضطهاد أو الذم، أو مَن هم مكروهون أو مهمَلون من الذين يحبونهم، أو والأشخاص الذين يعانون من رغبات لم تتحقق أو مرض أو وفاة أحبائهم، من بين أمور أخرى. أمّا الألم الروحي فيختبره جميع أولئك الذين يحبون الله والإنسان ولكنهم يرون أن خطاياهم تحزن الله وتسيء إلى صورة اﻹلهاﻹنسان.

كيف دخل الألم حياتنا؟

بطبيعة الحال، لم يدخل الألم حياتنا لأن الله أراد ذلك ولكن لأنه سمح به عندما فقد اﻹنسان مصدر الحياة، أي خالقه، من خلال عصيانه الأناني. بتخليه عن حالة عدم اﻷلم التي كانت في ملكوت الله، حيث لم تعد الحياة الحقيقية سائدة، وجد اﻹنسان نفسه في حالة أخرى تحت سيطرة حياة الاضمحلال مكبلاً بالموت واﻷهواء والخطيئة.

اﻵثار النافعة للألم

في هذه الحالة الجديدة، بدا للموت والألم معنى إيجابي، كمثل الأثواب الجلدية اﻷخرى التي ألبسها الله ﻵدم وحواء لتعزيتهما في منفاهما عند خروجهما من الفردوس. فقد يتواجد الشرّ على الأرض إلى اﻷبد إن لم يضع الموت حدّاً له.

يحذرّنا الألم الجسدي بأن هناك مرض فنطلب العلاج المناسب. يعرف اﻷطباء منفعة اﻷلم. على المنوال عينه، كل أشكال الألم تساعدنا على أن نعرف هشاشتنا وبالتالي نعرف حدودنا البشرية، وبهذا تنقينا من كل أشكال تأليه الذات. يساعدنا الألم على أن نراجع وجهة حياتنا ويعيدنا إلى مركزه الصحيح الذي هو الثالوث اﻹلهي. يساعدنا الألم على صَقل محبتنا لله حتّى نحبه هو لذاته لا للهبات التي يعطينا إياها، كالصحة والسعادة العائلية.

وهكذا، فإن أيوب المجرّب بمرارة، بمواجهته للمرض وغيره من التجارب التي لا تُحتمَل، أظهر أنه يحب الله لمَن هو عليه وليس لعطاياه. فقد أحب الله عندما كان مرمياً في الوسخ مغطى بالقروح على نفس قدر محبته له عندما كان في البحبوحة.

يساعدنا اﻷلم أيضاً على أن يكون أن نكتسب موقفاً أكثر صحة من البشر اﻵخرين الذين غالباً ما نزدريهم ونظلُمهم ونؤذيهم بتصرفنا اﻷناني، عندما نكون أنفسنا بلا ألم. عندما تتحوّل اللذة التي بها نستغلّ الناس اﻵخرين إلى عذاب نفهم كم أنّ لذتنا محرّمة وهدّامة. في الكثير من الحالات استطاع الناس الذين اختبروا آﻻم كثيرة من أن يكتشفوا ذواتهم التي خلف اﻷقنعة وكانوا ممتنين لله لمنحهم عطية اﻷلم، حتّى ولو كانت اتّخذت شكل المرض المؤلم الذي لا شفاء منه.

في حالات أخرى ساعد اﻷلم أشخاصاً متقدمين روحياً على بلوغ مراحل أسمى من الكمال الروحي، ليساعدوا ويعزّوا الكثير من النفوس المحتاجة. أحد اﻷمثلة هو القديس الشيخ باييسيوس الذي قَبِل بفرح حقيقة أنه مصاب بالمرض الملعون” (السرطان)، مؤمناً أن المرضى في العالم يتعزّون لمعرفتهم أن الرهبان أيضاً يعانون. وهكذا صار المرض الملعون بركةً بالنسبة إليه.

الفهم اللاهوتي للألم

غالباً ما يردد الناس المتألمون السؤال لماذا يا رب؟ لماذا؟“. لا أرى أن هناك جواباً بشرياً لهذا السؤال. هناك جواب واحد: الله شاركنا ألمنا في صليب المسيح. نحن نؤمن بإله مصلوب، أي أنه إله أذِلّ وأُهين وعُذّب. على جامع عمر في أورشليم مكتوب عبارة: “ﻻ يجدفّن أحد بالقول أن لله إبن“. ليس بعيداً من هناك ترتفع تلة الجلجلة حيث تألّم ابن الله من أجلنا. نحن لا نستحي بالقول بأننا نؤمن بأن اﻹله الذي صار إنساناً صُلِب وقام، نؤمن بإله لمحبته غير المتناهية اشترك في مرضنا ألمنا واتّخذ جسدنا المائت المتألّم لكي يجعله غير مائت. يستحيل اﻹيمان بإله يصعب الوصول إليه وغير اجتماعي، إله يستحيل اﻹحساس به وقبوله. قالت لي مرة إحدى طالبات الثانوية: “أحترم سقراط لتقبّله موته باستقالة فلسفية، لكني أحب المسيح لموته ميتة بشرية“. ﻻ ننسينّ صرخة المسيح: “إيلي إيلي لماذا تركتني“.

إن حساسية الله نحو ألم مخلوقاته يشترك بها شعب الله الذين يؤلمهم كل سوء أو ألم قد يلمّ بخلائق الله. يقول القديس اسحق السرياني: “القلب الرحوم هو قلب يحترق من أجل الخليقة كلها، البشر والطيور والحيوانات والشياطين، ومن أجل كل ما هو مخلوق. وبتذكرها أو رؤيتها تسكب عينا اﻹنسان الرحوم دموعاً غزيرة. إن الرحمة القوية والشديدة ومعها شفقته الكبيرة تمسكان بقلبه وتذلاه حتى لا يستطيع تحمل سماع أو رؤية أي جرح أو الحزن الطفيف في الخليقة. لهذا السبب هو يقدّم صلاة دامعة باستمرار حتى من أجل الحيوانات غير العاقلة، ومن أجل أعداء الحقيقة وحتّى من أجل أولئك الذين يؤذونه، حتى يكونوا محفوظين ومستحقين للرحمةإن قلبه يكون مملؤاً بالرحمة كتلك التي تملأ قلب الله “(عظة 81).

بالحقيقة، إن الرحمة التي يشعر بها القديسون نحو خلائق الله ليست تعاطفاً سلبياً كالذي يحس به البوذيون بل هي مشاركة فعّالة في ألم إخوانهم. فاﻷبّا أغاثون مثلاً أراد أن يجد أبرصاً يبادله جسده فيعطيه جسده الصحيح.

في المطلَق، الألم سوف يبقى دائماً سرّاً مرتبطاً بشدة بحرية اﻹنسان غير المقيّدة. الآن هذا السر مكشوف جزئياً وحسب ومن جهة اﻵخرين. عندما تنفتح أعيننا بشكل نهائي، سوف نرى بوضوح أكبر. فنقف إلى جانب إخوتنا المتألّمين باحترام وانتباه ومحبة أخوية وتفهّم ولنسأل ربّنا المصلوب ليعطينا النعمة والاستنارة والقوة لمواجهة كل أنواع الألم التي تسمح محبته بأن نعاني منها في حياتنا اﻷرضية على طريقنا إلى الملكوت.