السنة الثانية عشرة، العدد الرابع، كانون الثاني2016

السنة الثانية عشرة، العدد الرابع، كانون الثاني2016

مختارات آبائية

أقوال للحياة، القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

دراسات كتابية

الزلزلة في سفر الرؤيا، الأرشمندريت أثناسيوس ميتيليناوس

عظة

لا تحكموا بحسب الظـّاهر! اﻷرشمندريت توما بيطار

لاهوت

الإيمان مسيرة نموّ وامتداد، اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

رعائيات \ حياة روحية

ما معنى أن يكون الإنسان روحانيًّا؟ الأب ثيودور ستيليانوبولوس

رسالة رعائية حول اﻷوشام، المتروبوليت إشعيا مطران دانفر

الذكرانيات في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية بين السبت والأحد، الأب أنطوان ملكي

تاريخ كنسي

الكوليفية وتجديد الهدوئية، اﻷب أنطوان ملكي

أقوال للحياة

أقوال للحياة

القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس

الرجاء في الله

الرجاء في الله يعتِق أولئك الذين وقعوا في الخطيئة، ويعيد الجرحى إلى الصحة ويقطّع أغلال السجناء. يشرق الرجاء مثل الفجر الوردي في السماء المعنوي وينير أولئك المظلِمين بوسخ الروح الحزينة. إنه يصبّ بلسم الراحة على جراح القلب الذي في حداد.

الدواء الشائع

الصلاة هي غوث حياتنا: التحدّث إلى الله، نسيان الأمور الدنيوية، والصعود إلى السماء. انها الدواء الشائع للأهواء، الدواء القادر على حمايتنا منها. أنها تعطي الحياة، وهي ضمان للصحة وبرعم يحمل الأمل. الصلاة سلاح عظيم، وأمان غامر، وكنز كبير، وميناء ضخم، وملاذ آمِن.

تدريب جيد

الصبر فضيلة عند الروح السخية والكريمة. إنه مؤسس على محبة أخيك. انه الشهامة، وارتفاع الذهن وهو صديق الوداعة. الصبر هو شهادة على روح مدرّبة تدريباً جيداً وتعبّر عن نفسه بالتعاطف، والأعمال الإنسانية والتواضع والعدل.

الرحماء

الرحماء دائماً يتعاملون حتى مع سوء سلوك الغير بالصبر والوداعة وإظهار التفهم تجاه نوتقص الآخرين وأخطائهم. إنهم يرحّبون بالجميع، ويتحدثون بلطف، يتصالحون مع الذين يؤذونهم ويغفرون للخطأة أعمالهم برحمة.

الطريق الخطأ

إذا كنت شمّاتاً فأنت تسعَد لرؤية الناس الآخرين يعانون. أولئك الذين يفعلون ذلك يسعَدون لرؤية عدوهم يموت، وينسون أن الموت سوف يأتي إلينا جميعاً. انهم خبثاء، متجهمون، ونظرتهم ماكرة. شفاههم ضيقة وفمهم مليء بالمرارة. إنهم يزدادون سعادة من المعارك أكثر منه من السلام. طريقتهم في الحياة مشوّهة وهم في الطريق الخطأ.

مضيفو الخيرات

الصَدَقة هي فِعلٌ حسنُ النية. انها صوت داخلي يأتي من قلب نقي يحب جاره. في الجوهر، من الحق أن نعطي ما نحن مدينون به لمن هم في الحاجة. لأن الأغنياء بما حصّلوا من الله هم، في نفس الوقت، مضيفو الخيرات التي أُعطيت إليهم بوفرة ومدبّروها.

الاعتراف

الاعتراف هو الكشف الطوعي والصادق عن الخطايا التي ارتُكبت – من دون خجل أو تردد، ولكن مع لوم الذات والندم – أمام مَن عيّنته الكنيسة ليغفر الخطايا. لكي يكون الاعتراف حقيقياً وفعالاً، يجب أن يكون طوعياً وصادقاً، لأن الاعتراف المتسرع والمرائي لا معنى له، لأنه ليس إملاءً حقيقياً من القلب، ولا هو تعبيراً عن الندم أو مظهراً من مظاهر الرغبة بالشفاء. لا بدّ للاعتراف أن يتم من دون خجل ولا تردد، بل بشجاعة وإدانة للذات، لأن الشجاعة هي تعبير عن رفضنا للخطيئة، بينما العار يدلّ على غياب الشجاعة.

الزلزلة في سفر الرؤيا

الزلزلة في سفر الرؤيا

الأرشمندريت أثناسيوس ميتيليناوس

ترجمة رولا الحاج

يزوّدنا رئيس الأساقفة ميخائيل أكوميناتيس بتفسير مجازيّ لما سيسبق المسيح الدجّال، قائلاً إنّ الزلزلة تُشير إلى تغيير اجتماعيّ كبير في المجتمع العالميّ، وتغيير نموذج العادات والأخلاق بحيث تسير باتّجاهٍ مختلف تمامًا. ويُمكننا القول إنّ تغييرات القرن العشرين كارثيّة. تزعزع فكر الناس وتغيّر. وأصبحت النظرة إلى الإنجيل مختلفة جدًّا في هذه العقود القليلة الماضية، وفي هذا القرن. ما عدنا ننظر إلى الإنجيل كما كنّا ننظر إليه على مدار القرون الثمانية عشر أو التسعة عشر السابقة.

لم يَسبق لقرننا مثيل في تاريخ المسيحيّة، بمعنى أنّه يمكننا أن ننظر إلى الإنجيل بوجهة نظر مختلفة تمامًا، من منظار مختلف. بالطبع، يرى كلّ عصر الإنجيل من منظوره الخاصّ، إنّما التمرّد والارتداد اللذان في عصرنا لم يسبق لهما مثيل. لقد حطّمنا كلّ الأرقام القياسيّة مقابلة بالقرون السابقة. وتكاد الأمور تختلف بالكامل بين الجيل والجيل. وهذا ما يدعو الجيل الّذي عاش بشارةً عمرها ألفي سنة وفهِمها بطريقة معينة، إلى الذهول من شعوب الجيل القادم الّتي ترى الأمور بشكلٍ مختلف. إنّه أمرٌ غير مسبوق في تاريخ المسيحيّة.

لقد شهدنا عددًا من التغييرات الكبيرة خلال التاريخ. على سبيل المثال، رأينا الإصلاح البروتستانتيّ، ولكنّنا لم نرَ الأمور الّتي تحدث اليوم. اليوم، نشهد رفضًا تامًّا للإيمان، وارتدادًا كاملاً عن المسيحيّة وليس فقط رفض بعض العقائد أو بعض التغييرات أو الإصلاحات. اليوم، نَشهد رفضًا مطلقًا. وأظنّ أنّ هذا عنصر من عناصر التغيير أو زلزلة على نطاق العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وتحديدًا من حيث الفلسفات السياسيّة للشعب. أنا لا أتكلّم على العبوديّة. كان لدينا عبيدٌ وأسياد، وقد أُبطِلت العبوديّة الآن. لقد توّلى الإنجيل هذا الموضوع في وقت مُبكر، فتكلّم القدّيس بولس في العبوديّة، ولقد أُبطلت هذه بطريقة سلميّة عَبر المسيحيّة، في عهد الأمبراطوريّة البيزنطيّة. كما أنّنا تخلّصنا من الطبقيّة المستشرية في بعض البلدان غير المسيحيّة مثل الهند. اليوم، تختلف طبقات الناس، لعوامل اقتصاديّة محضة.

أمّا في أيّامنا، فالأمر يختلف تمامًا. الأفكار اليوم متمّردة جدًّا ومعارضة لآداب الإنجيل لدرجة أنّه لم يبقَ ما يقاوم. حَدَث زلزالٌ حقيقيّ من التصوّرات والمعتقدات بخاصّة في ما يتعلّق بالإنجيل. أيّ قرنٍ آخر شَهِد قبولاً للشذوذ الجنسيّ من أشخاص يدعون أنفسهم قادة الكنيسة؟ علاوة على ذلك، يريد أولئك الّذين يعيشون نمط حياة كهذه أن يشتهروا. هل شَهِد قرنٌ آخر تشريعًا للإجهاض أو تعظيمًا للزنى والدعارة؟ الدعارة موجودة منذ ألفي عامٍ. لطالما وُجِدَ الزنى والدعارة في الأممّ المسيحيّة. مع ذلك، لم يبارَك الزنى قطّ في العلن، ولم تكن يومًا ممارسة الجنس قبل الزواج مَفخَرة. اليوم، يتحمّس الناس ليتفاخروا بمغامراتهم الجنسيّة خارج نطاق الزواج أو قبله. في القرون السابقة، كانوا يمارسون الدعارة بطريقة سرّيّة، وكان الشذوذ الجنسيّ يُمارس في الظلام. أمّا اليوم، فالدعارة مقبولة. ويكشف المثليّون جنسيًّا عن شذوذهم علنًا وبافتخار. أمّا قبل مئة عام، فكانوا يختبئون ويُمارسون أعمالهم المظلمة في الخفاء.

يَشهد عصرنا زلزلة خُلُقيّة ذات أبعاد لم يَسبق لها مثيل في العالم المسيحيّ بين الناس الّذين يُحافظون على بعضٍ من أشكال المسيحيّة. نحن لا نتكلّم على الوثنيّين لأنّ بلاد الأوثان شهدت جمًّا من الفساد. سادَ الفساد في سدوم وعمورة، وبين الأباطرة الرومان في السنوات الأخيرة من الأمبراطوريّة. بيد أنّنا نُشير هنا إلى الأمم المسيحيّة. في أيّامنا هذه، ليس لهذا التمرّد سابقة. هذا هو المعنى الأوّل لآية القدّيس بولس، إنّه المعنى المجازيّ أو الإستعاريّ، لهذا الاضطراب، لانقلاب الأمور رأسًا على عقب (عبرانيّين 12: 25- 26).

الهدف من الزلزلة

ما أوّد أن أقوله هنا في ما يتعلّق بهذه الزلازل هو، أنّها ترمي إلى هدفٍ آخر. يَهدف أيّ زلزال إلى وخز ضمير الإنسان. كما تعلمون، عندما تهتّز الأرض هنا في اليونان، نصرخ هاتفين أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا!”، أيّها المسيح خلّصنا!” مع ذلك، حتّى في تلك المرحلة، فقد يقول كثيرون إنّهم لا يؤمنون لا بالمسيح ولا بكنيسته، معتبرين أنّه عالم اجتماعيًّ أو فيلسوف. إذًا، لماذا لا يلتمسون معونة بعض الفلاسفة الآخرين لكي يأتوا ويُخلّصوهم؟ فليستدعوا بعض العلماء الاجتماعيّين أو المُصلحين. لماذا ينادون المسيح ووالدته؟ يبدو أنّ الإيمان بشخص يسوع المسيح الإله الإنسان قد بَرز فجأة في عقلهم الباطنيّ، ولهذا السبب ينادون المسيح. تؤدّي أعمال الله، من زلازل وأعاصير، أو أيّ كارثة أخرى، دورًا فعّالاً في إيقاظ الإيمان الكامن في ضمائر البشر.

غالبًا ما يأتي إطلاق البلايا، كما هي الحال مع هذه الزلازل، نتيجة محبة الله القويّة. قد تلجأ محبّة الله إلى الألم والعقاب كوسيلة نهائيّة، لإيقاظنا من سُبات الخطيئة العميق والارتداد بهدف أن تُعيدنا إلى الله رغم أنّ معظمنا سوف يرفض العودة بعناد. سنلقى هذا الأمر مرّات عدّة في فصول سفر الرؤيا المقبلة. يَسمح الله بحصول كارثة لمؤازرة الناس على التوبة، ولكنّهم عوضًا من ذلك يجدّفون. ويدّل هذا الأمر بوضوحٍ شديد على أنّ الله يفتقد شعبه بمحبّة شديدة، بعصا المُلك، إلاّ أنّ الشعب لا يتوب. هذا ما يحدث عندما يُحبّ الأهل أولادهم ويُعاقبونهم، فإنّهم لا يتصرّفون من منطلق الانتقام، بل من أجل تأديب أولادهم غير المطيعين. فليس مستبعدًا أن يرى بعض أولاد اليوم في هذه الإجراءات التأديبيّة المُحبّة الّتي يقوم بها أهلهم إكراهًا، وينتهي بهم الأمر أن يهربوا من المنزل. فهُم يرفضون أن يتّضعوا وأن يُدركوا أنّ والديهم أكثر دراية منهم، ومع غياب التواضع، لا يُمكنهم تفسير أعمال ذويهم إلاّ على أساس أنّها عداء.

* مقتطف من كتاب سفر الرؤياالأختام السبعة، الأرشمندريت أثناسيوس ميتيليناوس، ترجمة رولا الحاج قيد الطبع (منشورات النور ومنشورات القديس نيقوديمس الآثوسي)

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

لا تحكموا بحسب الظـّاهر!

اﻷرشمندريت توما بيطار

إنجيل اليوم، يا إخوة، له عنوان رئيسيّ واحد، وهو: “لا تحكموا بحسب الظّاهر“. في القسم الأوّل من الإنجيل، الكلام هو على الكتبة. مَن هم الكتبة؟! الكتبة هم جماعة المتخصّصين بتداول الشـّريعة. يُفترَض بهم أن يكونوا معلِّمين للشـّريعة. الرّبّ يسوع يحذّر منهم. لماذا؟! لعدّة أسباب:

أوّلاً، لأنّهم يطلبون أن يمشوا بالحُلَلِ؛ بكلام آخر، عندهم حبّ الظّهور. يهتمّون بأن يكون لباسهم فاخرًا، مرتّبـًا. وطبعًا، محبّتهم للظّهور تقترن بروح الزّنى الّذي فيهم. الآباء القدّيسون يعلّموننا أنّ مَن يهتمّ بلباسه فوق الحدّ يكون الدّافعُ إلى فعلته هو الزّنى. الإنسان يُفترَض به أن يهتمّ بلباسه ليؤمّن لنفسه الدّفء. لكن، لا يليق بالإنسان المؤمن أن ينفق مالاً فوق الحدّ، أو وقتًا فوق الحدّ، على اللّباس. المهمّ للإنسان أن يستتر، وأن يستدفئ. هؤلاء، إذًا، يمشون بالحلل؛ وفي أعماقهم يحبّون الظّهور، وهم مائلون إلى روح الزّنى.

ثانيًا، لأنّهم يحبّون التّحيّات في الأسواق، وأن يقول لهم النّاس: “سيّدي، سيّدي؛ بكلام آخر، يحبّون التّفخيم، والتّعظيم، وأن يكونوا بارزين في القوم.

ثالثًا، لأنّهم يحبّون صدور المجالس في المجامع، وأوّل المتّكآت في العشاء“. مَن هو الّذي يجلس، عادة، في المجمع، في المقاعد الأولى؟! ومَن هو الّذي يجلس، عادة، في العشاء، في المقاعد الأولى؟! طبعًا، علّيّة القوم. الكتبة يهمّهم، دائمًا، أن يقدّموا أنفسهم باعتبارهم من علّيّة القوم.

رابعًا، لأنّهم يأكلون بيوت الأرامل“. ما معنى ذلك؟! في ذلك الحين، كانت الشـّريعة تطلب أن يكون لكلّ أرملة من الأرامل كفيل. والأرملة، الّتي كان زوجها غنيًّا، كان العديدون يشتهون أن يكفلوها. لماذا؟! لأنّ مَن يكفلها كان يضع يديه على ما عندها من مال. الكتبة كانوا يأكلون بيوت الأرامل، وبعلّة يُطيلون صلواتهم“. طبعًا، كان للأرملة الحقّ في أن تختار الكفيل المناسب لها. وبطبيعة الحال، كانت تختار مَن ترى فيه تقوًى، مَن ترى فيه استقامة، مَن ترى فيه أمانة. والكتبة كان يهمّهم أن يتظاهروا بأنّهم أتقياء. لذلك، يقول السّيّد عنهم إنّهم بعلّة يُطيلون صلواتهم“. السّبب أنّهم كانوا يريدون أن يراهم النّاس يصلّون، لكي يقولوا عنهم إنّهم أتقياء. وهذا، طبعًا، يجعلهم ذوي سمعة جيّدة، ويصوّرهم على أنّهم قوم محبّون لله. بهذه الطّريقة، كان الكتبة يخدعون الأرامل، لكي يأكلوا أموالهنّ. لذلك، الكتبة الّذين كانوا يحبّون المظاهر، وكانوا مرائين، قال عنهم السّيّد: “ستنالهم دينونة أعظم، لأنّهم كذبة، ومخادعون. ولهذا السّبب، لا يمكن، أبدًا، أن يثق المرء بهم. إذًا، على المرء أن يحذر الحُكـْمَ بحسب الظّاهر، وأن ينظر إلى الأعماق، ما أمكن؛ والأعماق تظهر، في العادة، من خلال الثّمار. إذا كانت الثّمار جيّدة، فإنّ الأعماق تكون نقيّة. لكنّ ثمار الكتبة ملؤها التّعظّم، والتّفخيم، والمجد الباطل، والكبرياء، والرّياء، والسّرقةلذلك، على التّلاميذ أن يحذروهم؛ وأن يحذروا، أيضًا، كلَّ مَن يبدو أنّه تقيّ، أو مَن يبدو أنّه سخيّ ويحبّ الفقراء. الفضائل، في الحقيقة، نتعاطاها في الخفية، ما أمكن؛ ولا نتعاطاها في الظّاهر. الإنسان، بسهولة، يمكن أن يستخدم ظاهرَ الفضائل لكي يخدع بسطاء القوم. هذا بالنّسبة إلى القسم الأوّل من إنجيل اليوم.

بالنّسبة إلى القسم الثّاني، لاحظ يسوع أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم في الخزانة“. الخزانة عند الهيكل كانت المكان الّذي يضع فيه النّاس مساعداتهم. إلى أين تذهب هذه المساعدات؟! عمومًا، تذهب إلى الهيكل، إلى خدّام الهيكل، وربّما إلى بعض الفقراء. إذًا، هناك أغنياء كانوا يلقون تقادمهم. طبعًا، كانوا يلقون، عمومًا، بوفرة. يتصوّر الإنسان، في السّياق الّذي يتكلّم فيه يسوع، أنّ الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم بطريقة ظاهرة، حتّى يمجِّدهم النّاس. في مقابل ذلك، جاءت امرأة أرملة مسكينة. الكلام في القسم الأوّل هو على الأرامل، والكلام في القسم الثّاني هو على الأرملة المسكينة. الأرامل، بعامّة، إمّا كانت تُنهَب أموالهنّ، أو كنّ يعـِشن في الحاجة، في الفقر. إذًا، هذه صورة عن أرامل فلسطين: أرملة مسكينة، فمَن يهتمّ لها؟! مَن يبالي بها؟! وماذا ستضع في الصّندوق، في كلّ حال؟! ألقت هذه الأرملة الفقيرة فلسَيْن. كلّ النّاس، في الحقيقة، يهتمّون، أوّلاً، بقيمة ما يُلقى، في الخزانة؛ حتّى في الكنيسة! وكلاء الكنيسة، مثلاً، بِمَ يهتمّون، في الدّرجة الأولى؟! يهتمّون بأن يكون المبلغ الموجود في الصّندوق مبلغًا كبيرًا! مَن يبالي بالمبلغ الصّغير؟! مَن يبالي بمئتين وخمسين ليرة لبنانيّة، مثلاً؟! إنّها لا تعني شيئًا لمعظم النّاس. لكن، هنا، الرّبّ يسوع يشير، بوضوح، إلى وجوب عدم الاهتمام بكمّيّة المال الّتي تُلقى في الخزانة، أو في الصّندوق. اهتمامنا، في الدّرجة الأولى، ينبغي أن يكون بمَن أعطى. ومَن يعطي، يحكم، في الحقيقة، على نفسه إذا كان يعطي من فضلاته؛ فمَن يعطي من فضلاته، فقيمة ما يعطيه تكون بخسة، قليلة، ولو كان المبلغ، نقديًّا، كبيرًا! قيمته، في عين الله، تكون قليلة. المهمّ أن يعطي الإنسان من حاجته، لا من فضلاته، إذا أراد أن يعطي. طبعًا، ليس أحد ملزَمًا بأن يعطي. الإنسان يعطي من فيض قلبه، لا من فيض جيبه! فإذا كان قلبه قويمًا، ومحبًّا؛ فإنّه يعطي في كلّ الأحوال، ولو كان هو في حاجة إلى ما يعطيه. إذًا، المهمّ في العطاء قصد القلب. إذا كان الرّبّ الإله يحكم على العطاء على هذا النّحو؛ فعلينا، نحن أيضًا، أن نحكم بالطّريقة نفسها، وأن نتعاطى العطاء بالطّريقة ذاتها. ليس سيّئًا، طبعًا، أن يعطي الإنسان القليل، وله وفرة من المال. هذا لا بأس به. لكنّ العطاء الحقّ، العطاء الكبير هو أن يحرم الإنسان نفسه ممّا عنده، لكي يعطي مَن ليس عنده. هذا يرى الرّبّ الإله قلبه، يرى محبّته، يرى اتّكاله عليه. وهذا ينال نعمة فوق نعمة.

إذًا، لا نهتمّنّ بما هو بحسب الظّاهر. ليكن همّنا مركَّزًا، أوّلاً وأخيرًا، على نيّة القلب؛ على الّذي يسلك بمحبّة مع الفقراء، وبسخاء من جهة بيوت الله؛ وعلى مَن عطاؤه في الخفاء، وباتّضاع؛ على مَن لا يطلب ما لنفسه: لا مجدًا، ولا عظمةً؛ على مَن يطلب، فقط، رحمة الله. مَن يعطي، في الحقيقة، يطلب رحمة الله. لذلك، قيل، في المزمور، إنّ مَن يعطي الفقراء يعينه الرّبّ الإله على سرير ألمه (مز40: 3). إذًا، نحن، من خلال العطاء، نسأل رحمة الله، ونسأل بركته، ونسأل غفران خطايانا، إذ يقول الكتاب: “المحبّة تستر جمًّا من العيوب” (أم10: 12؛ 1بط4: 8). ومن ثمّ، المحبّة، في العطاء النّابع من القلب، تستر جمًّا من العيوب. على هذا النّحو، حتّى الأمور الّتي تُعتبَر، وفق مقاييسنا، عاديّة تتحوّل إلى آنية للخلاص، وإلى أسباب للتّقديس.

فمَن له أذنان للسّمع، فليسمع.

* عظة حول لو20: 46- 47؛ 21: 1- 4، في السّبت 19 شباط 2011

الإيمان مسيرة نموّ وامتداد

الإيمان مسيرة نموّ وامتداد

تشدّد الأرثوذكسيّة أيضًا على أنّه لا يوجد خلاص خارج عن الإيمان؛ بمعنى أنّ الخلاص يستند بشكل رئيس إلى الإيمان بيسوع المسيح، وبكلّ عمل الفداء الذي حقّقه لأجلنا، وهذا واضح في العهد الجديد1. لكنّ هذا الخلاص والتجديد والتبرير واقتناء النعمة، لا يمكن أن يتحقّق في لحظة واحدة باعتراف شفويّ بيسوع المسيح أنّه ربّ ومخلّص. الخلاص أساسه الإيمان، لكن ماذا يعني الإيمان؟

في الأرثوذكسيّة، الأسس التي يُبنى عليها الإيمان الحقيقيّ تكمن في تحويل مسيرة النفس نحو الله. ويُثمر هذا الإيمان في شوق الإنسان وجهاده للدخول في شركة شخصيّة مع الله كإله شخصيّ. هذا يعني أنّ الإيمان الأوّل هو بدء الطريق إلى الملكوت وليس الملكوت، إنّه قبول الدعوة إلى عرس الملكوت وليس العرس. من اكتفى بالدعوة فقط، أي بالإيمان النظريّ فقط، ولم يدخل إلى العرس يبقى خارجًا. هذا العرس ندخل إليه ونعيشه في الكنيسة وفي حياتها الأسراريّة، في ليتورجيّتها، هناك نلتقي مع المسيح ونتّحد به ونصير أصدقاء العريس.

مَن يقرأ العهد الجديد بحسٍّ روحيّ، لا بدّ وأن يجد كيف أن الإيمان الشخصيّ بالله هو مسيرة نموّ، يزداد وينقص؛ وكيف أنّ هذا النموّ ينعكس في حياة المؤمن وعلاقته بالآخرين: «بل راجين إذا نما إيمانُكم أن نتَعظّم بينكم» (2كورنثوس 10: 15؛ 1تسالونيكي 3: 10؛ فيليبي 1: 25). وحين أعطى بولس الرسول مَثل ابراهيم، في رسالته إلى أهل رومية، فهو كان يُحدّد أن ابراهيم تبرّر بسبب إيمانه الثابت والقويّ لا الضعيف والمشكّك: «وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسدهوتيقّن أنّ ما وعد به هو قادر أن يفعلَه أيضًا، ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوّى بالإيمان مُعطيًا مجدًا لله؛ لذلك أيضًا حُسِبَ له برًّا» (رومية 4: 18-24).

ويكشف لنا الربّ يسوع معنى الإيمان بهذا المثل: «لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل…» (متّى 17: 20). الأمر الذي يشير إلى حقيقتين: أوّلاً، حين قال المسيح عن إيمان مثل حبّة خردل فهو أشار إلى أصغر نقطة ينبغي أن نبلغها في الإيمان حتّى يكون حقًا إيمانًا. تاليًا، لكي يكون الإيمان إيمانًا حقًّا، ينبغي أن يحوي هذه الثقة والقوّة والقدرة على نقل الجبال أو ما يُشبهها. ثانيًا، الإيمان ليس أمرًا جامدًا أو اعترافًا عقلانيًّا مجرّدًا يحصل مرّة واحدة وإلى الأبد، على حسب طريقة الإنجيليّين المعمدانيّين. فحين تكلّم المسيح على إيمان مثل حبّة خردل، فهو عنى أنّ هناك ما هو أعظم في الإيمان ينبغي السعي المتواصل لأجل بلوغه.

هذا هو الإيمان الأرثوذكسيّ، مسيرة نموّ في الروح وفي معرفة الله، مسيرة امتداد لا تتوقّف إلى قدّام، كما عبّر عنها بولس الرسول: «أيّها الإخوة، أنا لست أحسب نفسي أنّي قد أدركت، ولكنّي أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتدّ إلى ما هو قدّام» (فيليبيّ 3: 13). يبدأ الإيمان بالاعتراف بالله كربّ ومخلّص وديّان، لكنّ نهاية الإيمان هي معاينة الله والاتّحاد به، في هذه الحياة الحاضرة ذاتها. مسيرة لا تتوقّف، صعود لا ينتهي نحو ملاقاة الله.

* عن كتاب قيد اﻹعداد

1 ما لا شكّ فيه أنّ خلاص الإنسان تحقّق بدم المسيح والعهد الجديد يشدّد بوضوح على هذه الحقيقة: «المسيح مات لأجل خطايانا حسب الكتب» (1كورنثوس 15: 3) وأنّه «مات في الوقت المعيّن لأجل الفجّار» (رومية 5: 6) وأنه وبعد نحن خطاة مات المسيح لأجلنا وأنّنا «مبرّرون بدمه» (رومية 5: 8 و9) و«لأننا ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه» (رومية 5: 10). التبرير والمصالحة والخلاص تحقّقوا بالفداء الذي اتمّه يسوع المسيح.

ما معنى أن يكون الإنسان روحانيًّا؟

ما معنى أن يكون الإنسان روحانيًّا؟

الأب ثيودور ستيليانوبولوس

نقلتها إلى العربية جولي عطية

ما معنى أن يكون الإنسان روحانيًّا؟ يروّج العالم لجميع أنواع الروحانياتالمتّصلة بالموسيقى والفن والطبيعة والرياضة وغيرها من النشاطات الإنسانية، بما فيها الممارسات الدينية وشبه الدينية. بعض هذه النشاطات غير مؤذي إلى حدّ ما، وينمّي شعورًا بالعافية الجسدية والعاطفية، لكن قد يستتبع بعضها الآخر انهماكًا مفرطًا بالموسيقى الرائجة والرياضة وأشكال أخرى من التسلية، والتي قد تكون مؤذية جدًّا، كما في مسألة تجربة المخدّرات.

بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين، يكون الإنسان روحانيًّا عندما يحيا الحياة المسيحية الاعتيادية، تلك التي تقوم على الإيمان بالله الذي نعرفه في شخص المسيح وبقوّة الروح القدس. وليكون الأرثوذكسي روحانيًّا، عليه أولاً أن لا يجسر على الاعتقاد بأنه روحانيّ، بل أن يسعى بتواضعٍ إلى السلوك بحسب إيمانه بيسوع المسيح وتعاليمه. والسمات الأساسية للروحانية الأرثوذكسية هي: الأمانة، التواضع، التمييز، المسالمة، المحبة، الصدق، الرحمة، والفرح الداخلي.

الروحانية الأرثوذكسية هي نوعية حياة تثبُتُ دائمًا في التقوى الأرثوذكسية وتنتج عنها. والتقوى الأرثوذكسية هي طريقة حياة تتمثّل بالالتزام بممارسات الحياة المسيحية الأرثوذكسية: العبادة الدائمة، الصلاة في البيت، إضاءة شمعة وتقديمها لله، تحضير خبز التقدمة وتقديمه للكنيسة، الصوم، الإحسان، الاحتفال بأيام الأعياد بحسب التقويم الليتورجي، قراءة الكتب المقدسة وكتابات آباء الكنيسة، المساعدة في العمل الكنسيّ والخِدَم الكنسيّة، والأهمّ من ذلك كلّه الإيمان الحارّ بالمسيح والطاعة الكلّية لتعاليمه. لا يظنّ المسيحي الأرثوذكسي الذي يتخلّى عن أعمال التقوى، أو يتلاعب بها بطريقةٍ ما، أو يفكّر بالتعالي عليها، أنّه يستطيع التقدّم في الحياة الروحيّة.

يتمّ النمو الروحي بالاتّكال على نعمة الله، والسلوك بيقظةٍ في التقوى التامّة، وبالتالي تحويل التقوى الأرثوذكسية إلى روحانية أرثوذكسية، بنعمة الروح القدس. نعطي مثالاً على ذلك: قد يضيء الإنسان شمعةً من دون تفكيرٍ كثيرٍ ويكتفي بذلك، لكن إذا قدّم الإنسان مالاً وأضاء شمعةً تقدمةً لله، وشعر مرّة بعد مرة أنه إنّما يقدّم ذاته رمزيًّا لله، وأنّ شعلة الشمعة تمثّل إيمانه المتّقد بالله، وتمثّل أيضًا نعمة المعمودية في الروح، حينها يتحوّل العمل التقي إلى عملٍ روحيٍّ ذي معنى عميق، يمنح القوّة والتجديد في الحياة.

أما تحضير خبز التقدمة، فهو أكثر الأعمال التقيّة معنى وقيمة. قد يخصّص الإنسان بضعًا من وقته ليشتري المكوّنات، ويبذل جهدًا ووقتًا لصنع الخبز وإحضاره إلى الكنيسة. وهنا يشكّل الجهد والعرق، وأحيانًا نفاذ الصبر، جانبًا من التقوى، أي جزءًا من حمل الصليب. أمّا إذا تأمّل هذا الإنسان في تقديم الخبز، ورأى كيف أنه بركةٌ للجماعة كلّها، تُعطى بواسطة المناولة المقدّسة والأنديذورون الذي يوزّع في نهاية القداس، فسعى عندها إلى جَمعِ المكوّنات بصلاةٍ، وصُنعِ الخبز بروحٍ متّضعة ومصلّية، فهنا أيضًا يتحوّل الفعل التقي إلى عملٍ روحي.

والذهاب إلى الكنيسة بانتظامٍ من أجل العبادة هو عمل تقي يشكّل تحديًّا بالنسبة للكثيرين منّا، لأنه يستلزم التخلّي عن صباحٍ مريحٍ وقهوةٍ وصحيفة، وإمضاء وقتٍ زائدٍ في الاغتسال وارتداء الملابس المناسبة، وأحيانًا تحضير الأولاد المشاغبين، وقيادة السيارة نحو الكنيسة، والصبر على المتأخّرين في القدوم وعلى غير البارعين في الترتيل، والصبر أيضًا على طِباع الكاهن والمرتّل، وأمور أخرى غيرها، لنشعر بعدها بالاكتفاء لأننا ذهبنا مرّة جديدة إلى الكنيسة، واستمتعنا بالحديث إلى أصدقائنا في الجلسة التي تلي القداس.

أمّا إذا اعتبرنا أنّ الأحد هو اليوم الأوّل والأهمّ في الأسبوع، حيث نحتفل بموت الربّ وقيامته كأحداثٍ خلاصية، وتهيّأنا للمناولة المقدّسة بالصوم والصلاة، وحوّلنا قلوبنا وعقولنا نحو قدّاس الأحد منذ نهار السبت، وبذلنا جهدًا لحضور صلاة السحر من وقتٍ إلى آخر، وللوصول دومًا إلى الكنيسة في بداية القداس، وإذا قمنا مرارًا وتكرارًا باسترجاع قلوبنا وعقولنا الشاردة إلى القدّاس، واشتركنا في الترتيل بأصواتٍ منخفضةٍ، وتناولنا القرابين الإلهيّة بصلاةٍ وخشوع؛ إذا فعلنا هذه كلّها مدركين أنّنا نذهب إلى الكنيسة من أجل الله، لنعبده ونقوّي كنيسته، عندها يصبح فعل العبادة التقي هذا حدثًا روحيًّا له وقعٌ عظيم على حياة كلّ واحدٍ منّا وعائلته وعلى حياة الرعية أيضًا.

على نحوٍ مماثل، كلّ الأفعال التقويّة التي تتمّ بيقظةٍ وجهدٍ وانضباطـ، من صومٍ وتعليمٍ وإدارةٍ ورحمة، واهتمامٍ بالأراضي، ومساعدة في تحضير النشرة الشهرية، واستقبال الزائرين، ودعم المعوزين وتشجيعهم، هذه كلّها تبدّل مَن يشتركون فيها ومَن حَولهم، على نحوٍ جميلٍ وعميقٍ لا يمكن أن تنجزه سوى النعمة الإلهية وحدها. إنّ بساطة الحقيقة المسيحية تجعلنا متواضعين، فالآفاق التي تمنحها من أجل تجديد حياة الإنسان هي مذهلة، لكنّ تحقيقها لا يتم سوى عبر حمل الصليب، أي عبر اليقظة التامّة والانضباط الشديد، وقبل كلّ شيء عبر محبة الله ونعمته.

رسالة رعائية حول اﻷوشام والتزيّن

رسالة رعائية حول اﻷوشام والتزيّن

المتروبوليت إشعيا مطران دانفر

نقلتها إلى العربية جولي عطية

الكهنة الموقّرون، مؤمنو أبرشية دانفر الأتقياء،

أيها المحبوبون بالرب،

يبدو أنّ الاهتمام بالوشم يزداد في مجتمعنا اليوم في أوساط الشباب والبالغين من الجنسين.

في الماضي، كان الوشم محصورًا بالعبيد والخدّام، وكانت الوشوم محدودةٍ برموزٍ وأرقام، ما يشبه الوسوم التي توضَع على الحيوانات في أيّامنا. وخلال الحقبة النازية في ألمانيا، كان يتم وشم اليهود بالقوّة لكي يُفرَزوا طبقةً أدنى وحتى أعداءً للدولة. وحتى اليوم، نجد المسيحيين في بعض مناطق أفريقيا يضعون وشمَ صليبٍ على جباههم، ليتميّزوا عن المسلمين الذين يشكّلون الأكثرية. باختصار، كان الوشم علامةَ فرزٍ ظاهرةً للسلطة العليا التي تدير الدولة أو المملكة. وأمّا المسيحيون الملزَمون بوضع علامة الصليب على جباههم، فالكنيسة تتسامح مع هذا الأمر لأسبابٍ عمليّة.

عند الأجيال السابقة، كان الوشم محصورًا بالبحّارة، علامة تمييزٍ في أسفارهم. وفي الواقع، لفظة وشم بالإنكليزية tattoo هي مصطلح عسكري يدلّ على صوت البوق الذي يدعو البحّارة والجنود إلى العودة إلى أرباعهم. خلال القرون السابقة، كانت الوشوم تُستخدم أيضًا من قبل أعضاء نوادي الدرّاجات النارية وعصابات الشبّان، لكنّنا نرى أنّ البعض بدأ باستعمالها لاحقًا كإعلانٍ عامّ ليس فقط عن مكانته الاجتماعية، بل أيضًا عن نفسه بأسلوبٍ نرجسيّ. بكلامٍ آخر، يريد البعض، بواسطة الوشم، أن يُظهروا للآخرين مَن هم وبماذا يؤمنون، ومحبة أمهاتهم وأحبّائهم، وصولاً إلى محبة الله.

إذًا هل تقبل الكنيسة الأرثوذكسية بالوشم؟ علينا أن نستعين بالكتاب المقدس لمعرفة الإجابة. نجد في الكتابات المقدّسة أنّ وسم الجسد غير مقبول عند الله. نقرأ مثلاً في سفر اللاويين: “ولا تجرحوا أجسادكم لميت. وكتابة وسم لا تجعلوا فيكم” (19: 28). وتتكرّر هذه الوصية في الإصحاح الحادي والعشرين من السفر نفسه، ونجدها أيضًا في سفر التثنية.

قد يقول البعض إنّ هذه الوصايا أُعطيَت للكهنة اللاويين، لا لغيرهم من الشعب اليهودي. إذا كان الأمر كذلك، من الواضح أنّ الكاهن الذي كرّس ذاته لله الأوحد والحقيقي، لا يستطيع أن يحمل على جسده أيّ وسم يدلّ على ولائه لكائنٍ آخر. ولا يفترض بالكهنة وبالعلمانيين على حدّ سواء أن يظهروا ولاءهم لله بوسمٍ خارجي، إنما يكون ذلك بطريقة عيشهم.

يظهر هذا المبدأ الديني في تقليدنا المسيحي الذي يشدّد على أنّ الإيمان لا يكون بالافتخار برموزٍ مسيحيّة، توشم أو تُحفر على أجسادنا لتدلّ على إيماننا بالمسيح.

أمّا حمل الصليب في سلسلة، فأمرٌ مختلفٌ كليًّا. فصليب معموديّتنا ليس ملصقًا بجسدنا، بل يمكن إزالته. يشكّل هذا الصليب حمايةً ضدّ القوى الشيطانية، وحافزًا لعيش حياة الإيمان. إضافةً إلى ذلك، ليس هذا الصليب مدعاة تباهٍ أو حليةً تتماشى مع الموضة، فنحن نحمله في عنقنا من أجل الحماية، وبالأكثر من أجل البركة.

تُعلّمنا الكنيسة أنّ التعبير عن أرثوذكسيتنا يكون بالشكر والاتضاع، مدركين أنّ المسيح مات من أجل خلاصنا. وهذا السلوك المستقيم هو انعكاسٌ للتواضع الذي أظهره الرب عندما أتى إلى هذا العالم لأجل محبته العظيمة لنا. لا نجد في الكتاب المقدس أنّ الله إلهٌ مفتخر. الله، الذي هو إله محبّة، لا يعرف الافتخار، بل يعرف التواضع فقط.

ولنكون أكثر تحديدًا في مسألة الوشم، يقول الكتاب المقدّس إنّ أجسادنا ليست ملكنا. فبولس الرسول يقول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟ (1كو 3: 16). ويضيف: “أم لستم تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم” (1 كو 6: 19).

بالتالي، من الواضح أنه لا يحقّ لنا وسم أجسادنا بالوشوم، لأننا لا ننتمي إلى أنفسنا بل إلى الله. إنّ هذه الموضة الرائجة، من وشم وثقب الوجه واللسان، لها جانبٌ آخر. يبدو أنّنا، وفي ظلّ مجتمع الكومبيوتر والمواقع الإلكترونية والفايسبوك، نتوق إلى لفت الانتباه. لدينا حاجة إلى أن نكون معروفين وأن يَعترف الآخرون بنا. ومن السخرية أنّه منذ بضعة عقودٍ، عندما كان الناس يزورون السيرك الذي يأتي سنويًّا إلى المدينة، كانوا يشاهدون في إحدى الفقرات شبّانًا يصعدون على المسرح ليتباهوا بأجسادهم المملوءة بالوشوم، وبالطبع كان هؤلاء الشبّان يختطفون انتباه آلاف الناس.

وأختم من منظورٍ عملي: لماذا قد يخاطر عضوٌ من الكنيسة بالتقاط مرضٍ خطيرٍ مثل الإيدز عبر استعماله الإبر التي قد تكون ملوّثة. هل يستحقّ الأمر هذا الثمن؟

مع بركاتي الأبوية

المتروبوليت إشعيا مطران دانفر

الذكرانيات في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية بين السبت والأحد

الذكرانيات في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية بين السبت والأحد

الأب أنطوان ملكي

إن البحث في ما تسلّمناه من آبائنا من أقوال وعظات وتعاليم وقوانين وكتابات وتيبيكون أو غيره، يظهِر أن اﻹشارات إلى عدم جواز إقامة الذكرانيات (Panichida, Parastas, Lite, Trisagion) في اﻵحاد ونقلها إلى السبوت كثيرة، فيما لا يوجد أيّ إشارة إلى جواز إقامتها يوم اﻷحد.

لماذا هذا التمييز؟ الفرق بين السبت واﻷحد كبير في كنيستنا. ففي يوم السبت العظيم كانت نفسُ الرب حاضرة في الجحيم ساحقة له وحالّة قيود المعتقلين، كما يظهر من خدمة هذا اليوم ومن شروحات الآباء بخاصة رسالة القديس يوحنا الدمشقي الإلهي بخصوص الصوم المقدّس. لهذا، تخصص الكنيسة السبت للذكرانيات. أما اﻷحد فهو يوم قيامة الرب التي تشير مسبقًا لقيامة جميع المؤمنين، وهو يوم عمل الابن أي القيامة، كما هو يوم عمل الروح القدس أي العنصرة. فعليه، يوم اﻷحد هو مجموعة تذكارات ﻷفراح عديدة، لهذا أوردت القوانين المقدّسة، احتراماً لهذه اﻷفراح واشتراكاً فيها، بأن لا تقام ذكرانيات يوم الأحد. وعلى مثاله أن لا تُقام في أعياد الرب ووالدة الإله، لأن اﻵحاد والأعياد جميعاً أيام مبهجة بيدَ أن الذكرانيات محزنة. من جهة أخرى، يرى اﻵباء أن اﻷحد هو أيقونة الدهر الآتي، فالمجيء الثاني للربّ سوف يكون يوم أحد بحسب القديس مكسيموس المتوشح بالله: “ظهور الرب سيكون في اليوم الثامن الذي هو أحد، والقيامة العامة للراقدين ستحدث في يوم أحد كما يعلّم القديس غريغوريوس التسالونيكي: “إن الأحد مهيب ومكرّس لدرجة فائقة لأن الآخرة الفائقة البركة وقيامة الجميع العامة المرجوّة ستحدث يوم أحد”، وأيضاً، بحسب القديس نفسه، في يوم أحد سوف يدخل الأبرار في الراحة التامّة أي الحياة السرمديّة والثابتة.

قد لا يكون هذا الكلام مقنِعاً للكثيرين، خاصةً العقلانيينمنهم. لهذا، نورِد عدداً من الحقائق التي تظهِر أنّ العالم اﻷرثوذكسي بغالبيته لا يعرف ذكرانيات اﻷحد. أمّا في أنطاكية التي قد تكون الوحيدة التي تتبنّى هذه الممارسة بشكل رسمي فنعرف أنّ هذه الممارسة طرأت على التقليد بعد بدايات القرن الماضي وليس قبلاً.

  • أهمّ مَن جَمع تعاليم اﻵباء هو القديس نيقوديموس اﻵثوسي الذي جمع الفيلوكاليا التي غيّرت العالم وما تزال. على المنوال عينه جمع تعاليم القديسين حول أمور محددة منها الذكرانيات في كتاب اعتراف إيمان” [1] وعلى رأسهم يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير ويوحنا الدمشقي ليظهِر الفرق بين السبت واﻷحد ويوضِح سبب عدم سماح الكنيسة بالذكرانيات في اﻵحاد. فالقديس كان من الكوليفيين الذين رفضوا ذكرانيات الأحد.

  • تيبيكون القديس سابا الصربي الشهير المعروف بـِكتاب الربّان” (KormchajaKnjiga)”، يحدد في القانون 169 منه أن تُقام الذكرانيات يوم السبت [2]. بلغاريا ورومانيا وروسيا تبنّت هذا القانون وما زالت إلى اليوم. وعليه فإن هذه الكنائس ما تزال إلى اليوم لا تسمح بالذكرانيات في اﻵحاد ولهذا تُقام إما في نهاية القداس يوم السبت أو في الساعة التاسعة غروب الأحد (السبت مساءً).

  • يذكر تيبيكون الجبل المقدس [3] أنّه إذا وقع تذكار مؤسس الدير أو رئيس سابق يوم أحد، فتقام له الذكرانية مع الكوليفا بعد الساعة التاسعة من يوم السبت. وبعدها يوزّع الكوليفا على الإخوة ثم تبدأ صلاة المساء (الغروب) ليوم الأحد. وإذا ما أقيمت سهرانية يوم الأحد، فيجب عندها الاحتفال بالليتين كي لا يُذكر الأموات.

  • يرِد في دليل الكهنة في كنائس روسيا وبلغاريا والأرثوذكسية في أميركا (OCA) وصربيا أنّ الذكرانيات لا تُقام في أعياد السيد ولا أعياد السيدة ولا في أي أحد، حتّى أن الكنيسة الروسية خارج روسيا لا تقيم صلاة الدفن يوم اﻷحد بل يُترَك الميت إلى اﻹثنين [4].

  • منذ زمن القديس صوفرونيوس بطريرك كنيسة أورشليم حددت هذه الكنيسة بأن تُقام الذكرانيات أيام السبوت وليس الأحد [3].

  • يورِد القديس نيقوديموس اﻷثوسي في اعتراف إيمانه أنّه إذا وقع تذكار امبراطور يوم أحد فإنه يُنقَل إلى السبت وتُقام الذكرانية في الساعة التاسعة [1].

ما الهدف من هذا البحث؟ إنه لتوعية مَن لا يعرِف ولتحريك ضمير الجميع على واقع الذكرانيات التي تحوّلت في بلادنا إلى مجرّد حدث اجتماعي في الغالبية المطلقة من الحالات. فأهل الراقد تقوم حساباتهم أولاً على مَن يحضر ومَن يغيب وعلى لقمة الرحمةالتي تتبع القداس، حيث هي المناسبة لإظهار الغنى والكرم وإكرام الفقيد“. هذه الخفة الإيمانية تنتج عنها استباحة الكأس المقدّسة حيث يتقدّم إلى المناولة المستعدّ وغير المستعدّ، اﻷرثوذكسي وغير اﻷرثوذكسي. حتّى أن بعض غير المسيحيين يتقدّمون ﻷن الواجب يقتضي هذا ومن المعيب اجتماعياً، بنظرهم، أن ﻻ يشتركوا عن روح الميت“. المناولة تصير ضيافة.

هذا نداء إلى الأرثوذكسيين الذين يعرفون أن الأرثوذكسية هي الإيمان المستقيم والممارسة المستقيمة، حيث لا ينفصل الإيمان عن الممارسة. فلكي تكون ممارستنا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌعلينا أن نحفظها لا دنس فيها ولا وسخ بل منزهة عن كل عيب“.

هذا نداء إلى الشعب المؤمن لكي يتذكّر أن اللياقة والترتيب هي التي تحمل صلاته كالبخور أمام الرب.

هذا نداء إلى الكهنة الذين تسلّموا الحمل كي يكونوا أمناء عليه ﻷنه يُطلَب منهم يوم الدينونة.

هذا نداء إلى اﻷساقفة حاملي النعمة التي تكمّل كل ضعف والمُطالَبين بأن يقطعوا باستقامة كلمة الحق.

يقول القديس نيقوديموس الأثوسي الذي اضطُهِد بسبب رفضه للذكرانيات يوم الأحد: “تُقام الذكرانية أيام الآحاد في بعض الأماكن نتيجةً للجهل أو طلباً للمنفعة المادية أو إرضاءً للبشر أو للذات”. لم يعد لائقاً الكلام عن الجهل في القرن الحادي والعشرين ولم يعد الجهل مسموحاً. يبقى على الكنيسة، بكلّ مكوّناتها، أن تكون شاهدة في تعاطيها مع المادة ومع الناس، خاصةً الذين يطلبون إرضاء ذواتهم.

[1]Αγιος Νικοδημος Ο Αγιορειτης. Ομολογια Πιστεως. Συνοδια Σπυριδωνοσ Ιερομοναχου, Νεα Σκητη Αγιου Ορουσ. Δεκέμβριος 2010. Manuscript not published. Hamatoura Monastery.

[2] نسخ القديس سابا هذا الكتاب أثناء وجوده في اليونان عن قانون القديس فوتيوس الكبير المعروف بـِالدفة (το Πηδάλιο)” أو النوموكانون. http://oca.org/saints/lives/2016/01/14/100156-st-sava-i-first-archbishop-of-serbia

[3] ΤΑ ΜΝΗΜΟΣΥΝΑ. http://www.agiooros.net/index.php/news-63/pneymatika-mhnymata/652-ta-mnhmosyna

[4] Cross & Livingstone, eds. (2005). The Oxford Dictionary of the Christian Church. Oxford University Press

الكوليفية وتجديد الهدوئية

الكوليفية وتجديد الهدوئية

اﻷب أنطوان ملكي

الكوليفيون (Kolyvades – Κολλυβάδες) هو اسم اﻵباء الهدوئيين، منذ القرن الثامن عشر. في كنيستنا اﻷرثوذكسية أكثر من حالة اُعطيَت اسماً من باب الهزء ومن ثمّ صار الاسم ثابتاً ومعروفاً. أهم هذه الحالات هو القديس سمعان اللاهوتي الحديث الذي سمّاه أعداؤه، إكليريكيو البلاط، ﻻهوتياً من باب السخرية، لكن الكنيسة عادت لاحقاً وثبّتت الاسم جاعلة هذا القديس واحداً من ثلاثة فيها. أمّا الحالة الثانية فهي الآباء الكوليفيون، وقد سمّاهم أعداؤهم بهذا الاسم نسبة إلى الكوليفا وهي القمح المسلوق الذي يقدّم في تذكارات الموتى أو أعياد القديسين مزيّناً وممزوجاً بعدة أشياء.

قصة الكوليفيين تعود إلى سنة 1754 في دير القديسة حنة في جبل أثوس. فقد كانت كنيسة الدير تخضع لبعض التصليحات ولم ينتهِ العمل بها قبل يوم سبت، فلم يقَم قداس واقترح بعض الرهبان نقل ذكرانية الموتى (التريصاجيون) إلى اﻷحد. سبب آخر أيضاً استدعى بالنسبة إلى البعض نقل الذكرانية إلى اﻷحد وهو أن السوق الكبير كان يُقام في كارياس عاصمة الجبل يوم السبت. فكان من اﻷنسب لرهبان دير القديسة حنة بسبب بعد الدير عن العاصمة أن ينتهوا من القداس باكراً ليلحقوا السوق. رفض أغلب الرهبان نقل الذكرانية ﻷن يوم اﻷحد، بحسب التقليد الشريف، هو يوم قيامة السيد بينما يوم السبت مخصص للأموات. تطوّر الخلاف بين المجموعتين وامتدّ إلى خارج جبل أثوس وطال مختلف أوجه الحياة الروحية. أطلِق اسم الكوليفيين على الذين رفضوا الذكرانيات يوم اﻷحد. فيما بالمقابل انطلق الكوليفيون إلى التغيير أو المطالبة بالتغيير والعودة إلى التقليد في كل اﻷمور التي لحقها الخروج عن التقليد أو الضعف.

فاستعمال الاسم بالشكل الهزئي المذكور كان للتعمية على أعمالهم اﻷخرى التي دعت وأدّت إلى التجديد والتنوير على أساس التقليد اﻵبائي والفيلوكاليا التي يعتَبَر جمعها أحد إنجازاتهم. عدد من الكوليفيين تعرّض للاضطهاد من قبَل اﻷرثوذكس أنفسهم بسبب التأثير الغربي الذي كانت كنيسة القسطنطينية تحته سواء بسبب حركات الاقتناص أو بسبب تأثير العلوم والتربية الغربية على الذين كانوا ينضمون إلى الجامعات الموجودة في الغرب والمفقودة في الشرق. لكن اﻷمر لم يبقَ على ما هو إذ إن الكنيسة في وقت ﻻحق كانت تعيد إلى هؤﻻء الآباء حقهم، على غرار ما جرى مع القديس غريغوريوس بالاماس، ﻷن تعليمهم كان ينتشر وكانت النعمة تجد مَن يحمله.

فصار من الكوليفيين نيوفيطوس الكافسوكاليفي الذي يُعتَبَر منشئ التيار، والقديسون نيقوديموس اﻷثوسي جامع الفيلوكاليا وقوزما اﻹيتولي ونيكوﻻ بلاناس ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وخريستوفوروس أرتا، أغابيوس القبرصي الذي نقل التعليم إلى جزيرته، يعقوب البيلوبونيزي، بارثانيوس كاتب سير القديسين، باييسيوس الخطاط، ديونيسيوس السياتيستي مجدد دير الفاتوبيذي، وييروثيوس اﻷب الروحي للبروتاتون في الجبل المقدس، وباييسيوس فيليشكوفسكي الذي حمل هذا الفكر إلى رومانيا، وتليمذه جاورجيوس تسارنيكا الذي حمل هذا الفكر إلى أديار مولدافيا، وصوفرونيوس فراتسيس في بوخارست، وأنتيباس المولدافي الذي أوصل هذا التعليم إلى دير بلعام في فنلندا.

يظهر في اﻷيقونة المرفَقَة العديد من القديسين اللاحقين كنيكولاس بلاناس ونكتاريوس أسقف المدن الخمس وسلوان اﻷثوسي، حتّى أن بعض النسخ الحديثة من هذه اﻷيقونة تضمّ القديسين بورفيريوس وباييسيوس وذلك ﻷن الكوليفية صارت صنو الهدوئية وكل الذين اهتمّوا بالحفاظ على التقليد وإحيائه هم من الكوليفيين.

إن الكوليفية هي كبرى الهزّات التي أصابت الجبل المقدس أثوس من بعد البالاماسية في القرن الرابع عشر. وفي اﻹطار نفسه كانت هي أيضاً معركة بين فكر التنوير الغربي والتقليد اﻷرثوذكسي. وفي كلا الحالتين بدا وكأن فكر الابتداع انتصر إذ انعقد مجمع برئاسة صوفرونيوس الثاني في سنة 1785، وانتهى بإدانة فكر الكوليفيين وحُكم على تعليمهم بأنه مسبب للفتنة والفضائح في الكنيسة، وتجريد بعضهم ونفي البعض اﻵخر. فمكاريوس نوتاراس أسقف كورنثوس وأثناسيوس أسقف باروس انتُزِعا من كرسييهما ونُفيا. لكن انتشار تلاميذهم وأصالة الخبرة التي علّموا عنها وأثرها في الشعب المؤمن أدّت إلى انعقاد مجمع جديد برئاسة البطريرك الشهيد غريغوريوس الخامس في 1819 حيث أعاد إلى مكاريوس وأثناسيوس اعتبارهما وضمهما إلى ﻻئحة القديسين وتبنّى تعليم الكوليفيين الذي يمنع إقامة الذكرانيات في اﻵحاد، على ما كان عليه الحال، ويشجّع على تواتر المناولة، ويدعو إلى الالتزام بالخبرة الهدوئية التجريبية وضحد التأمل الماورائي والعقلانية. من هنا صار استعمال اسم الكوليفيين دليلاً على التزام المسمّى بالهدوئية وفخراً له.

ختاماً، يلاحظ المراقب أن الكثير من الظروف تتكرر في تاريخ الكنيسة، لكن القديسين لا يتكررون، وهذا ما يثبّت الضعف والانحلال. لكن كنيسة المسيح لا تقوى عليها أبواب الجحيم.

Kollyvades Fathers - Large