السنة الثالثة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني2016

السنة الثالثة عشرة، العدد الثاني، تشرين الثاني2016

رعائيات

د. نيكولا كويوس، عدم كفاية المعرفة العلمية والتحليل النفسي في الحياة الروحية، بحسب الشيخ صوفورني

مؤتمر كل اﻷرثوذكس حول الهرطقات وأشباه الدين في اليونان

لاهوت

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس، علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

الخورية سميرة عوض ملكي، كوكب الصبح

حياة روحية

المتقدّم في الكهنة بانايوتيس باباجورجيو، ما هو الحق؟

رئيس الدير غريغوريوس (زايانس)، اﻷبوة الروحية وعلم النفس الحديث: أفكار للتأمّل

دراسات كتابية

ماريا قبارة، دليل الأعلام في الكتاب المقدّس – الملوك اﻷوائل

اﻷب أنطوان ملكي، ذكر الله وذكر الموت

عدم كفاية المعرفة العلمية والتحليل النفسي في الحياة الروحية، بحسب الشيخ صوفورني

عدم كفاية المعرفة العلمية والتحليل النفسي في الحياة الروحية، بحسب الشيخ صوفورني

د. نيكولا كويوس

بالنسبة للأشخاص الروحيين الذين يكافحون للحصول على معرفة الله والإبقاء عليها، باعتبارها مدخلاً إلى طاقة الخلود الإلهي، ليس التعلم العلمي الفكري كافياً، بغض النظر عن الصفة التجريبية التي قد يتمتّع بها وعن مدى صعوبة ضحدها. يوفر العلم الإنساني وسيلة للتعبير عن تجربة المعرفة الوجودية، ولكنه يعجز عن نقل هذه المعرفة بطريقة أصيلة دون مشاركة النعمة في العمل. لو لم يكن الأمر على هذا المنوال، لكان صعودنانحو مجالات الوجود الإلهي، وجود الحق، يعتمد على التربية الدهرية والقدرة الفكرية وحسب. ولكن اﻷمر ليس على هذه الحال. عند هذه النقطة يصبح من الواضح أن الشيخ صوفروني يدور ضمن حدود تيار الفكر الآبائي الأرثوذكسي، الذي يرفض إمكانية فهم الكائن الإلهي من خلال التصنيفات المنطقية.

مع ذلك، يقبل الشيخ إمكانية الشعور بعدم إمكانية إدراك اﻷلوهة من خلال عملية التفكّر الفلسفي الطبيعية. فالفكر يبلغ حالة الوقوع في الصمت“. وهذه الحالة هي دون المعرفة اﻷصيلة لله بكثير. يمكن إيجاد هذه العملية في كتب النسك عند متصوفي الكثلكة. ومن دون التقليل من قيمتها أو رفضها، لم يصنّفها الشيخ صوفروني بين الدرجات الروحية اﻷعلى، حيث لا يصمت الفكر بل يمتلئ باستنارة القوى اﻹلهية ويشترك في حياة الله. إن صمت الفكرالذي يُصادَف ك ظلاموليليبرهن أن الفكر دخل في المعاينة الحقيقية، لكن قطعاً من دون الافتراق عن القلب الذي هو مركز الشخص البشري.

في ما يتعلّق بمشاركة العلم في المعرفة الوجودية لله، فإن للشيخ وجهة نظر لاذعة حول استخدام التحليل النفسي كتفسير للخبرات الممنوحة من فوق. يحاول التحليل النفسي العلمي إقناعنا بعدم إعطاء مصداقية لتجاربنا. ولكن عندما نتحدث عن ظهور شخصي لله لشخص ما، حيث ما من مكان لأي شك في هذا الظهور، لأنه هو المبدأ الحقيقي لكل ما هو موجود، فإنّ أي محاولة للتحليل النفسي تكون مضللة، ﻷنّه حيث يعمل الله يصير إطناباً. يضع التحليل النفسي العلاقةَ التجريبية بين الناس والله على مستوى الخيال. ببساطة، هذا غير صحيح لأن حقيقة معرفة الله التجريبية، وهو ما يسمى معاينةفي الفكر الآبائي، تذهب إلى ما هو أبعد من إمكانيات الخيال البشري. يتوصّل الشيخ إلى نفس النتيجة في تعامله مع الخوف الإلهي. فما من شيء مشترك بين خوف الله كنتيجة للاستنارة الروحية والغريزة الحيوانية المقابلة. لذا تكمن طبيعتها خارج نطاق علم النفس.

Nikolaos Koios. Θεολογία και Εμπειρία κατά τον Γέροντα Σωφρόνιο. H.G.M. of Vatopaidi, the Holy Mountain, 2007.

مؤتمر كل اﻷرثوذكس حول الهرطقات وأشباه الدين في اليونان

مؤتمر كل اﻷرثوذكس حول الهرطقات وأشباه الدين في اليونان

انعقد المؤتمر الثامن والعشرون لممثلي كل الكنائس اﻷرثوذكسية [ما عدا الكرسي الأنطاكيالمترجم] حول الهرطقات وأشباه الدين (para-religions) في أغرينيو اليونان ما بين الحادي والثلاثين من تشرين الأول والثاني من تشرين الثاني 2016. موضوع الاجتماع كان الأفكار الهرطوقية والسرية (Occult) حول الكائن البشري وحقوق الإنسان“. نظّمت المؤتمر اللجنة المجمعية للهرطقات، وهي إحدى لجان مجمع كنيسة اليونان. كان المؤتمر برعاية صاحب الغبطة ييرونيموس رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان، وترأسه الميتروبوليت أغناطيوس مطران لاريسا وتيرنافا الذي يرأس اللجنة المجمعية المذكورة. شارك في المؤتمر عدد كبير من أساقفة اليونان والقسطنطينية والإسكندرية وأورشليم وبلغاريا، من بينهم قوزما أسقف إيتوليا أكارنينا وايرينيوس رئيس أساقفة كريت، كما شارك عدد من المسؤولين المدنيين المهتمين بهذه القضايا، وكان باستقبال المجتمعين عمدة أغرينيو جورج باباناستاسيو.

إلى جانب الممثلين الرسميين لكنائس القسطنطينية، الاسكندرية، أورشليم، روسيا، صربيا، رومانيا، بلغاريا، قبرص، بولندا واليونان، شارك ما يزيد عن مئة ممثل ﻷبرشيات اليونان، بالإضافة إلى أساتذة من جامعات أثينا وتسالونيكي وصوفيا. مثّل الكنيسة الروسية الأرشمندريت ثيوفان لوكيانوف، رئيس مكتب البروتوكول في دائرة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو.

الأوراق التي قُدِّمَت في المؤتمر دارت حول المواضيع التالية: “تعليم الكنيسة اﻷرثوذكسية حول الإنسان، التقمّص: نظرة نقدية على ضوء الأرثوذكسية، كونوا كالآلهة: التعاليم الوثنية عن الإنسان، المفاهيم اﻷنثروبولوجية الخاطئة لدى شهود يهوه، والمفاهيم الخاطئة اﻷنثروبولوجية لدى المورمون“.

في اليوم الختامي استمع الحاضرون لتقارير من ممثلي كنيسة اليونان حول المشاكل التي تواجهها اﻷبرشيات مع البدع والهرطقات.

تمّ تلخيص أعمال المؤتمر في وثيقة ختامية* بعنوان توصيات إلى المجامع المقدسة للكنائس الأرثوذكسية المحلية، ومن أهم ما ورد فيها:

تحذير من أنّ التعليم الأنثروبولوجي الهرطوقي في بعض البدع السرية الوثنية ذات المقاربات والممارسات المختلفة (كطرق التلاعب بالوعي مثلاً) هو انتهاك لحقوق الإنسان بشكل صارخ.

إن أنثربولوجيا التيارات الهرطوقية الحديثة وشبه المسيحية غالباً ما ترتكز إلى تفسيرات خاطئة ومنحرفة للكتاب المقدس، وفي بعض اﻷحيان خلال رؤى غير كتابية حديثة ظاهرياً (كمثل رؤى المورمون والعلم المسيحي (Christian Science)، وغيرهما). لهذا فإن قناعات هذه الجماعات هي على تضادٍ مطلق مع ما يرد في الإعلان الإلهي عن المسيح في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية.

تعطي تعاليم الأنثربولوجيا لدى التيارات الهرطوقية الحديثة وشبه المسيحية، للتعابير المسيحية الأساسية (كالسقوط والخطيئة والخلاص وغيرها) معانٍ مختلفة جذرياً عن المعاني المسيحية، وهي معانٍ مرفوضة من الكنيسة الأرثوذكسية كما من كل العالم المسيحي بشكل عام.

إن التعليم الهرطوقي عن الإنسان يحمل عناصر خطرة على الحياة البشرية، كمثل رفض شهود يهوه لنقل الدم الذي يحاولون تصويره على أنه تعليم كتابي.

إن الانحرافات الأنثربولوجية عن التعليم الأرثوذكسي في الكثير من التيارات الهرطوقية تقود إلى نتائج سلبية على الأفراد الذين يؤمنون بها كما على كل المجتمعات البشرية.

* سوف يتمّ نقل هذه الوثيقة بالكامل إلى العربية ونشرها في عدد لاحق.

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

علم اللاهوت الأرثوذكسي يشفي الكيان الإنساني

الميتروبوليت ييروثيوس فلاخوس

كيف توصلتُ لاستنتاج أن للأرثوذكسية طابع علاجي قوي؟ توجد ست عوامل أود أن أذكرها.

العامل الأول هو أنني عندما كنت طالباً كنت أعمل على كتابات نقدية لأعمال القديس غريغوريوس بالاماس كان يعدها البروفيسور بانايوتي خريستو ومعاونوه. كانت مهمتي تحديد المراجع للاقتباسات من القديس غريغوريوس اللاهوتي التي يستعملها القديس غريغوريوس بالاماس. ولما قرأت اكتشفت أن القديس غريغوريوس اللاهوتي كانت له بعض الآراء التي لم تكن تخصه هو فقط، بل تخص تعليم آباء الكنيسة القديسين.

بحسب هذه الآراء، لا وجود للجحيم والفردوس من منظور الله ولكن من وجهة نظر الإنسان فقط. فالله لم يخلق الجحيم، لأنه لم يفعل أي شيء رديء كما يقول القديس باسيليوس الكبير. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أنه عند المجيء الثاني، سوف يحبّ الله كل الناس. وتماماً كما تشرق الشمس الآن على الأبرار والأشرار، هكذا عندئذ سوف يرسل نعمته للكل، للخطأة كما للأبرار. لكن حيث أن الأشرار لم يكتسبوا النور الروحي، فهم سوف يشعرون بالخاصية الحارقة للنور الذي سوف يحرقهم. هذا سيكون جحيمهم. فهم سوف يدركون الله كنار، وهذا سيكون الجحيم، في حين أن الأبرار، إذ تطهروا داخلياً، سوف يرون الله كنور، وهذا سيكون الفردوس. هذا بعينه ما يقوله القديس غريغوريوس النيصي، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس بالاماس، وآخرون كثيرون. في الواقع، يقول القديس غريغوريوس بالاماس، أن هذا يحدث في الإفخارستيا الإلهية. فالذين تطهروا يستقبلون جسد ودم المسيح كنور وحياة، أما الذين لم يتطهروا تكون المناولة المقدسة ناراً بالنسبة لهم. سيحدث نفس الأمر عند المجيء الثاني. هذا هو السبب الذي لأجله نرى في أيقونات المجيء الثاني الأرثوذكسية أن النور الذي ينير الأبرار يأتي من عرش الله، وهكذا أيضاً نهر النار الذي يحرق الخطأة.

المشكلة التي تواجهنا هي ليست إن كنا سنرى الله في المجيء الثاني، بل كيف نراه: أسيكون بالنسبة لنا نوراً أم ناراً. فبحسب التعليم الأرثوذكسي، لا يقوم الكاهن بقطع تذاكر للملكوت، ولكنه يعطي الشفاء للناس من خلال الأسرار ومن خلال كل تقليد الكنيسة، بحيث أنهم عندما يرون الله يكون بالنسبة لهم نوراً وفردوساً. لقد اتضح لي أن عمل الكهنة هو علاجي بصورة رئيسية. يستطيع الكهنة أيضاً أن يقوموا بعمل اجتماعي ومهام أخرى كثيرة داخل الكنيسة، ولكن كل هذا العمل يجب أن يدمج داخل الطريقة العلاجية التي يُقاد بواسطتها الناس للاتحاد بالله.

العامل الثاني الذي قادني لهذه الاستنتاجات هو أنني كنت كاهناً لحوالي سبعة عشر عاماً. وكأب روحي سمعت العديد من الاعترافات، واكتشفت أنه يوجد الكثير من الناس الذين، على الرغم من اعترافهم فإنهم يفعلون نفس الأشياء بعد أيام قليلة. أرى أن الكثيرين ينتمون للكنيسة، ويحضرون الخدم الكنسية ويقولون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم عندما يواجهون مشكلة يلجئون للذين يمارسون السحر. إنهم مسيحيون ظاهرياً، ولكنهم جوهرياً لم يحصلوا على الشفاء.

لقد كنت مهتماً بهذا الأمر، وكنت أريد أن أعرف ما الخطب. لماذا يعترف الناس ثم يرتكبون نفس الخطايا ثانية؟ إذ درست كتابات الآباء، وجدت أن مشكلة الإنسان الجوهرية ليست السرقة، والكذب، وما إلى ذلك، بل مرض نوسه.

يقول القديس يوحنا الدمشقي أن نوس الإنسان هو عين النفس. ويقول أيضاً أنه عندما خلق الله الإنسان خلقه عاقلاً نوسياً. بحسب تعاليم آباء الكنيسة، يكون العقل والنوس قوتين للنفس متوازيتين. يجعل الكتاب المقدس النوس والقلب واحداً. وبالتالي قال الرب: “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت8:5). وفي بشارة القديس لوقا يقول:” حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب“(لو45:24). النوس هو جوهر وجود الإنسان. إنه مكان استعلان الله، حيث يعبر العقل عن خبرة النوس. نستطيع على سبيل المثال أن نقول أن العقل هو جهاز الكمبيوتر وأن القلب أو النوس هو الشخص الذي يستخدمه. هذا يعطي فكرة عامة جداً.

هكذا أدركت أن الناس يخطئون ويكررون نفس الأهواء لأن نوسهم مريض. يظلم النوس أولاً، ثم يخطئون. على غرار القديس مكسيموس المعترف، يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن النوس المبتعد عن الله يكون إما مثل الشيطان أو مثل الحيوان. فهو يصبح شيطانياً من خلال الكبرياء، وحيوانياً من خلال قوى الشهوة وجوانب النفس الحسية. بمجرد أن يشفى النوس، يكف الشخص عن فعل أمور تسبب المشكلات، بما فيها المشاكل الاجتماعية. كما يقول القديس بولس الرسول: “اسلكوا بالروح ولا تكملوا شهوة الجسد” (غل16:5). عندما يكون الروح القدس موجوداً في قلوبنا لا توجد مشاكل مع الشهوات الجسدية، ولا مع أي من الحالات الأخرى التي تدل على الإنسان الجسداني الذي يعيش بدون عمل الروح القدس الكلي القداسة. إننا نرى بوضوح في تعليم الآباء القديسين أنه عندما تعمل نعمة الله في إنسان ما، ويُحسَب مستحقاً لرؤية النور غير المخلوق، فحتى قوى جسده تُعطَل. لا تتعطل قوى النفس، بل قوى الجسد. مكث موسى أربعين يوماً وأربعين ليلة على جبل سيناء ولم يكن محتاجاً لا للطعام ولا للشراب ولا للنوم.

العامل الثالث الذي ساعدني هو كتاب القديس مكسيموس المعترف مائة قول في المحبة“. لقد قرأت هذه النصوص لكي أرى ما هي المحبة بالضبط لأن الكثير يقال عنها في هذه الأيام. لقد ظننت أنني سأجد أن المحبة هي مجرد مسألة وصايا أخلاقية. بالتأكيد، وجدت مثل هذه التعبيرات هناك، إلا أنني اندهشت كثيراً إذ اكتشفت أن كتاب القديس مكسيموس وضع تعليماً عن أن المحبة الحقيقية هي ثمرة اللاهوى. يفحص القديس مكسيموس ماهية الأهواء وكيفية تكونها. لقد أظهر حقيقة أن الأهواء تنتج من إظلام النوس وتتولد عنه، وبالتالي حلل ماهية النوس، وكيفية إظلامه، وكيفية شفائه. إنه يتكلم عن النوس، والأهواء واللاهوى أكثر من الكلام عن المحبة نفسها، لأنه أدرك بوضوح أن المحبة الحقيقية تنبع من النوس المستنير ومن اللاهوى، بملء المعنى النسكي والأرثوذكسي الذي للكلمة. لقد أدركت أن القديس مكسيموس المعترف، الذي هو أحد لاهوتيي الكنيسة العظام، لا يتكلم فلسفياً ولكنه يمارس منهجاً للشفاء، حيث أنه يؤمن أن هذه هي مهمة الكنيسة الرئيسية.

السبب الرابع لتوصلي لهذا الاستنتاج هو أنني قضيت العديد من السنين في دراسة عقائد الكنيسة. يوجد انطباع شائع أن عقائد الكنيسة هي فلسفة صاغها الآباء القديسون، أو أنها حتى حقائق خارجية نظرية ينبغي على المسيحيين قبولها عقلياً. على كل حال، العقائد هي تعبير عن حياة الكنيسة. لقد شُفي الآباء القديسون، واشتركوا في الله، واكتشفوا علم اللاهوت الحقيقي. ثم إذ وُجد هراطقة هاجموا علم اللاهوت هذا، أظهره الآباء القديسون في صورة تعريفات حتى يحافظوا عليه، وبالأخص لكي يحافظوا على شفاء الإنسان.

تكون العقائد بالتالي تعبيراً عن الشفاء، وتعليماً عن كيفية الشفاء. تماماً مثلما تفترض مسبقاً تعليمات الطبيب وجود صحة جيدة وتساعد المريض على الوصول لهذه الحالة، وتماماً مثلما تشفي العقاقير الموصوفة من قِبَل الطبيب المريض، هكذا تشفي العقائد الناس.

لقد حارب الآباء القديسون بشدة لكي يحافظوا على الحقيقة، إذ عندما تتشوّه الحقيقة يكفّ الشفاء أيضاً. يقول القديس أثناسيوس الكبير أنه لو لم يكن المسيح هو الكلمة غير المخلوق، أي الله، لما استطاع تخليصنا. يقول الآباء أيضاً أنه لو لم تتحد الطبيعتان أقنومياً في المسيح بغير اختلاط ولا امتزاج ولا انفصال ولا تغيير، ولو لم يتخذ المسيح كل الطبيعة البشرية، لبقينا بدون شفاء. كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي، ويكرر القديس يوحنا الدمشقي: “ما لا يُتَخَذ لا يُشفى“. ترتكز كل العقائد على الشفاء، وعلى مراحل الكمال الروحي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله. يدعم المجمع الذي انعقد في زمن القديس غريغوريوس بالاماس، والذي تكلم عن الهدوئية، كل المجامع المسكونية.

لقد وصف الآباء القديسون الطريق الذي ينبغي علينا إتباعه لكي نصل للقداسة، وأظهروه لنا. يقودنا هذا الطريق خلال المراحل الثلاثة للكمال الروحي: تطهير القلب، واستنارة النوس، واتحاد الإنسان بالله. إننا نرى هذه المراحل في الكتاب المقدس، وفي تعليم القديس ديونيسيوس الأريوباغي، والقديس مكسيموس المعترف، والقديس غريغوريوس النيصي، والقديس غريغوريوس بالاماس، والقديس سمعان اللاهوتي الجديد الحديث، وآباء آخرين؛ كما نراها أيضاً في تقليد الكنيسة الليتورجي. لقد طهر الموعوظون قلوبهم من خلال التعليم، خصوصاً عن طريق الوعظ. ثم من خلال المعمودية المقدسة والميرون وجدوا مركز الروح، الذي هو النوس. لقد تلقوا الروح القدس واستنار نوسهم، وهذا هو السبب الذي جعل المقتربين من العماد يوصفون بالمستعدين للاستنارة“. يستنير النوس من خلال المعمودية المقدسة والميرون، مما يعني أن القلب يبدأ الصلاة بطريقة نوسية. بعد ذلك، تقدموا للمذبح المقدس واشتركوا في جسد ودم المسيح.

النقطة الخامسة، والناتجة عن النقطة السابقة، هي أنني عندما درست الطوائف المسيحية المتنوعة رأيت أنه من المؤكد وجود اختلافات عقائدية، ولكنها مجرد الرأس المرئي من جبل الجليد. لقد اكتشفت أن الفرق الجوهري موجود في الطريقة التي يتحقق بها الشفاء. ليس لدى البروتستانت أي منهج علاجي بالمرة، لأنهم يظنون أنه عندما يؤمن شخص ما بالله فإنه يولد ثانية ويخلص بطريقة آلية. لدى الكاثوليك منهج علاجي، لكنه خارجي جداً. فعلى المرء أن يعمل أعمالاً، ويزور الأراضي المقدسة، ويعطي أموال للفقراء والكنيسة، ويمارس التأمل وما إلى ذلك. يمارس رهبان الكاثوليك الطاعة، ولكن هذه الطاعة تشبه كثيراً الانضباط، مثل طاعة الجنود لقائدهم في الجيش. لا يعرف لا الكاثوليك ولا البروتستانت تقليد الكنيسة النسكي اليقظ.

إلا أنه في الكنيسة الأرثوذكسية، يوجد منهج علاجي كامل. تعرف الكنيسة الأرثوذكسية بالضبط ما هي الصحة الجيدة؛ فالصحة تعني الوصول للاتحاد بالله. إنها تعرف بالضبط ما هو المرض الذي هو إظلام النوس. كما أنها أيضاً واعية جداً لكيفية قيادة الناس من المرض إلى الصحة، التي هي الاتحاد بالله. يتعجب اليوم الكثيرون عندما يدرسون التعليم الأرثوذكسي، لأنهم لم يتخيلوا قط أن مثل هذا التعليم موجود في كتابات الآباء القديسين. لقد سادت تعاليم فرويد ويونج وآخرين في الغرب، لأن منهج الآباء العلاجي الكامل ذلك لم يكن موجوداً هناك. إلا أنه في الشرق، يعرف الرهبان جيداً كيفية الشفاء داخليا، وكيفية شفاء الآخرين.

العامل السادس الذي قاد لهذا الاستنتاج هو اتصالي الحميم مع النساك القديسين في الجبل المقدس (آثوس)، وأيضاً مع آخرين من خارج الجبل المقدس الذين يجاهدون لكي يحيوا بحسب التقليد الأرثوذكسي. إنني أفكر على الأخص في الأرشمندريت صوفرونيوس ساخاروف الذي عاش في إنجلترا، والذي اختبر وعبّر عن الحياة السكونية الهدوئية التي هي أعمق جوهر لتقليدنا. لقد التقيت بالعديد من هؤلاء الناس، ورأيت معنى الأرثوذكسية في عمقها. هذا المنهج العلاجي الذي للآباء القديسين تمت المحافظة عليه في الجبل المقدس.

ينبغي عليّ أيضاً أن أضيف أن تعاليم البروفيسور الأب يزحنا رومانيدس ساعدتني كثيراً. لقد كنت عائشاً في هذا النوع من الأجواء، وعندما قرأت العديد من كتابات رومانيدس اكتشفت أنها تتماشى مع حياة الرهبان وأنها تعبر عن التقليد الأرثوذكسي. لقد أدركت أن رومانيدس التقط بطريقة ممتازة الرسالة الرئيسية للآباء القديسين، وفهم جيداً الكنيسة الأرثوذكسية. إنني مدين بالعرفان الكبير لهذا المعلّم الذي أُجِّله وأوقره بطريقة خاصة، وأعترف أنه كان له الأثر الكبير على تفكيري.

ينبغي أن أضيف لكل هذه العوامل دراستي لكتابات الآباء القديسين، خصوصاً ما يسمى آباء الكنيسة الصحويين (neptic). لقد ساعدني بالأكثر القديس غريغوريوس بالاماس الذي ابتهجت بتعليمه منذ أن كنت طالباً، والفضل في ذلك للبروفيسور بانايوتي خريستو، كما ابتهجت أيضاً بالقديس نيقوديموس الكاتب الذي جمع كل الحكمة الآبائية في كتبه. أستطيع أن أقول بدون تحفظ أني أعتبرها بركة خاصة من الله أنني وُجدت مستحقاً لمعرفة لاهوتي الكنيسة العظيم القديس غريغوريوس بالاماس، والمعلم الأرثوذكسي الأكثر لطفاً القديس نيقوديموس الكاتب. لقد رأيت في كتاباتهما أن الحياة الهدوئية تشكل أساس التقليد الأرثوذكسي. لو فحصنا الحياة الهدوئية بأكثر دقة لوجدنا أنها منهج علاجي، فهي المنهج الأرثوذكسي للشفاء، والطريق للتقدس. للأسف يتكلم كل واحد اليوم عن الآباء ويقرأ كتاباتهم دون أن يكون واعياً للطرق التي يتقدس من خلالها الإنسان ويصل للكلام عن الله. هذه الطرق هي الهدوئية، التي لا تنفصل عن منهج الكنيسة العلاجي والذي يُعبَر عنها من خلاله. أردت أن ألفت الانتباه لهذا المدخل المستعمل من قِبَل كل القديسين، مما يعني التقدم خلال مراحل الكمال الروحي: التطهير، والاستنارة، والاتحاد بالله.

كوكب الصبح

كوكب الصبح

الخورية سميرة عوض ملكي

بدأت الكنيسة مسيرة الصوم الميلادية، لكي يتهيأ المؤمنون لتقبّل الأحداث والمفاهيم اللاهوتية التي تتحدّث عن أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصية. من هنا فإن هذه المسيرة لا تحتاج إلى الصوم فقط وإنما إلى المشاركة أيضاً في الصلوات التي تُقام والتمعّن بمعانيها من أجل فهم أفضل وعيشٍ أعمق لكل أسرارها. فالله نفسه تكلّم مع كل إنسان باللغة التي يفهمها، فللرعاة أرسل ملائكة وللمجوس نجماً ولنا نحن كوكب الصبح.

يقول سفر الرؤيا في الإصحاح الثاني الآية 28 “وأعطيه كوكب الصبح“. كوكب الصبح المذكور هنا هو نجم داود الذي يشير إلى المسيح، كما قيل بوحي الله الآب للعرّاف بلعام بن بعور: “ويبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل” (عدد 17:24). وهذه الآية تُتلى في قراءات صلاة غروب عيد الميلاد تأكيداً على أن المسيح هو نجم إسرائيل وهذا ما يؤكّده هو بدوره عن نفسه في رؤيا 16:22: “أنا أصل وذريّة داود كوكب الصبح المنير“.

وهنا تظهر محبة الربّ إذ هو مستعدّ أن يعطي كوكب الصبح أي أن يعطي نفسه، لكن لمَن من الناس؟ على هذا السؤال يجيب الربّ بقوله: “ومَن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديدوأعطيه كوكب الصبح” (رؤيا 26:2-28). ثمّ يتابع في الإصحاح الثالث من السفر عينه مخاطباً ملاك الكنيسة التي في ساردس: “أنا عارف أعمالك إن لك اسماً أنك حي وأنت ميّت“. وهنا يشير الربّ إلى أنه يعرف ويراقب كل أعمال جماعة هذه الكنيسة غير المرضية له. لذا هم يبدون أمام الناس كنيسة حية بينما هم أمام الله أموات، لأن مقياس الحكم هو الناس وليس الله، وهذا حال جماعات كثيرة ومنها في كنيستنا. فقوله هذا يشير أيضاً إلى أنّ هذه الجماعة وإن تكُن مهتمّة بأمور كثيرة إلا أنها بعيدة كل البعد عن رسالة الكنيسة التي هي مؤتَمَنة عليها ألا وهي فرح أبنائها بالربّ يسوع.

ويغوص المسيح أكثر فأكثر في الآية التالية (رؤيا 2:3) رابطاً كلامه بحديثه عن السهر: “كًنْ ساهراً وشَدِّد ما بقي الذي هو عتيد أن يموت لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله“. يقصد الربّ بالسهر حفظَ الإيمان الذي يجعل الأعمال مقبولة أمام الله. وهو بهذا يطلب منهم أن يفيقوا ولا يكونوا نياماً، لأنّ النوم هو أصل خطيئتهم التي هي اهتمامهم بحكم الناس عليهم أكثر من حكم الله. فعدم الاهتمام بما يرضي الله جعلهم يهملون بقية شعب الكنيسة وينسوا القلّة التي بينهم. لأن مَن لا يكون ساهراً على نفسه، كيف له أن يشدد مَن في الكنيسة من المؤمنين الذين يحفظون أمانتهم للمسيح ولا يحتجّ عن إهماله لهم بحجّة قلة عددهم. فهذه البقية المقدّسة يمكن أن تخلّص الكنيسة كلّها مع أنها هي في الخطر بحسب وصف المسيح لحالِها بقوله: “الذي هو عتيد أن يموت“. وهذا الموت قد يكون معنوياً نتيجة الإهمال أو موتاً روحياً بالانسياق وراء الذين يشكّلون الأكثرية غير الأمينة بأفعالها، ويحسبوا مثلهم أحياءً وهم أموات.

أخيراً، هناك ارتباط بين الأعمال التي ترضي الله وتُقاس بحكم الله عليها لا البشر من جهة، والحصول من المسيح على كوكب الصبح أي عليه بذاته من جهة أخرى. إن الإفشين الذي يُقرأ في نهاية الساعة الأولى من خدمة السواعي الكبير لميلاد المسيح يجسّد هذا الارتباط: “أيها المسيح الضوء الحقيقي، الذي ينير كلّ إنسان وارِدٍ إلى العالم، ليرتسم علينا نور وجهك، لكي ننظر به النور الذي لا يُدنى منه، وسهّل خطواتنا إلى العمل بوصاياك“. أمّا اختبار هذا الارتباط فيعود لكل واحد منّا، إكليريكيين وعلمانيين، مؤمنين وغير مؤمنين.

فلنَدَع هذا الكوكب يسطع نورُه وليكن بهاؤه فينا فنهيء له مسكناً في مغارة قلوبنا، فنستحقّه بثباتنا على الكلمة بحسب قول الرسول بطرس: “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ” (2بطرس 19:1).

ما هو الحق؟

ما هو الحق؟

المتقدّم في الكهنة بانايوتيس باباجورجيو

في كثير من الأحيان، تتركنا مناقشة القضايا الأخلاقية على شاشة التلفزيون في حيرة. فالجميع يدّعي أنه يسعى حقاً إلى الحقيقة، وأنه يدعو إلى السلوك البشري اللائق.

بين الحين والآخر أشاهد مناقشات بين مثقفينوغيرهم من الخبراءحول القضايا المعاصرة كالزواج والطلاق، والسلاح والجريمة، وعقوبة الإعدام أو الإجهاض، قرارات الحياة والموت، المثلية أو الامتناع عن الجنس وكثيراً ما أبتعد شاعراً بالارتباك. يمكنني أن أتصوّر أن هذا يحدث لكم أيضاً.

إذا تسنّى للمرء أن يستمع بعناية لهؤلاء الخبراء فقد يستنتج أن الحقيقةهي مفهوم شخصي جداً وعابر. ومع ذلك، يبدو لي أننا فقدنا قدرتنا على تحديد الأشياء بشكل واضح بما فيه الكفاية من أجل مصلحتنا.

وبسرعة قد يسأل شخص مهتمٌّ: “لماذا؟ما الذي حدث فجعل اتخاذ القرارات حول القضايا الأخلاقية والمعنوية صعباً جداً بالنسبة لنا؟ ما الذي تغيّر في حياة الإنسان فجعلنا منقسمين إلى هذا الحدّ ومجزّئين في نظرتنا إلى العالم.

أود أن أقترح جوابين أساسيين على هذا السؤال.

أولاً، لقد أخرجْنا الله وإعلانَه للحكمة من المعادلة.

ثانيا، لقد جعلنا أنفسنا مركز كلّ شيء أصبحنا متمحورين حول ذواتنا. ينبغي بكلّ شيء أن يخدم الفرد. ونتيجة لذلك، فقد تبنيّنا فكرة التمكين الذاتي(self empowerment)، حيث يتمسّك كل فرد بالحقيقة التي عنده.

بعبارة أخرى، إذا كان أحد يعتقد بشيء، يكون هذا حقيقته طالما أنه يشعر بصدق أن هذا الشيء صحيح. ومع ذلك، هذا يخلق مشكلة كبيرة هي تعدد الحقائق، والتي بدورها تثير سؤالاً خطيراً: “ما هي الحقيقة؟وبالنسبة لشخص مثلي، وأظن أنه بالنسبة لكم أيضاً، هذا سؤال صعب جداً أن نتعايش معه.

يبلغ عدد سكان الأرض اليوم نحو ستة مليارات ونصف نسمة. إذا تمسّك كلّ واحد منّا بحقيقته، ففي الواقع لن يكون هناك أيّ حقيقة. خوفي هو أن هذا النوع من التفكير سوف يؤدي في النهاية بالإنسانية إلى حالة من الفوضى واليأس.

لقد استندت قوانيننا في الأصل، حتى منذ اليونان القديمة، على فكرة أن هناك بعض الحقائق الأساسية التي تؤمّن حسن سير المجتمع البشري، كواجب اﻹنسان نحو بلده، قدسية حياة الإنسان، احترام ممتلكات الآخرين، أهمية حرية الإنسان، مركزية البعد الروحي للشعب ورغبتهم في عبادة الله، أهمية مؤسسة الزواج والأسرة باعتبارها نواة المجتمع، وأخيرا تربية الأطفال كمسؤولية مقدسة.

من حين وضع أول القوانين دُعي البشر جميعاً لقبول هذه الحقائق، إذا كانوا يرغبون في عضوية المجتمع البشري. ولكن عندما ينظر المرء إلى عالمنا اليوم، وخاصة أوروبا وأمريكا الشمالية [فعلياً كل العالم: المترجم]، يجد أدلة على أن التأثير اﻷكبر على مجتمعنا هو للمقاربة الفردية الأنانية الحقيقة.

دعونا نبدأ بتربية الأطفال وهي آخر تلك الحقائق التي لا تزال القوانين تحميها. في الولايات المتحدة وحدها، يوجد اليوم أكثر من 60 مليون شخص ممن عانوا الاعتداء الجنسي كأطفال. بحسب مسح أجرَتْه وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، فإن الأطفال الذين أسيئت معاملتهم وإهمالهم في الولايات المتحدة تضاعف تقريباً خلال السنوات السبع بين 1986 و 1993. وقدّر التقرير أن عدد الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والإهمال ارتفع من 1.4 مليون في عام 1986، إلى أكثر من 2.8 مليون في عام 1993، في حين تضاعف أربع مرات عدد الأطفال الذين أصيبوا بجروح خطيرة من حوالي 143،000 إلى ما يقرب من 570،000. ومعظم هؤلاء الضحايا ينمون وهم يعانون من مجموعة متنوعة من الأمراض النفسية.

هذا أمر غير مسبوق في أي مجتمع متحضر. لقد فشلنا في خلق أشخاص أصحاء قادرين على نشر حضارتنا. ماذا يمكن أن تكون أسباب هذا الفشل العظيم؟ أعتقد ما يلي: (أ) تخفيض قيمة الزواج ووحدة الأسرة لصالح تحقيق المزيد من الممتلكات المادية. (ب) اﻷخذ بفكرة أنّ النجاح يُقاس بقيمة الممتلكات. في هذه الاستهلاكية لتحويل رياح النجاح إلى مصلحتنا، أصبحنا على استعداد، مثل أغاممنون القديم، للتضحية حتى ببناتنا وأبنائنا، لكن للأسف ما من إلهةتأتي لنجدتهم. (ج) في جهادنا من أجل الصعود الاجتماعي والإشباع الفردي نحن نضحّي أيضا بقيَم احترام النفس وكرامة الأسرة الأساسية فيما نصير مشبوكين في العلاقات الإنسانية التي تؤدي إلى الدمار. إن مطاردة الوجود الأناني القائم على المتعة يجعل البعض على استعداد حتّى لاستخدام المخدرات والكحول من أجل الهروب من الواقع المرير الذي يخلقونه لنفوسهم.

تغلق الحلقة المفرغة عندما يؤدي شرٌّ إلى آخر: زيجات متصدعة ودمار مالي. الضحايا اﻷكثر تضرراً هي أسرنا وأطفالنا. الزواج يتطلب الالتزام. الأطفال وتربيتهم يحتاجون التضحية. اعتبر الإغريق القدامى أنّ أعلى مراتب الشرف هي الموت عن معابدهم (أي إيمانهم) وعائلاتهم“. اليوم، معظمنا هم أنانيون غير مستعدين للموت حتى لأنفسهم، فكيف عن الآخرين.

السؤال الذي في ذهني هو: إذا انهارت مؤسسات الزواج والأسرة وتربية الأطفال في المجتمع المعاصر، حتى ولو كانت القوانين لا تزال في مكانها كمحاولة لتقديم الدعم لهذه المؤسسات، وحتى بالرغم من اتّفاق معظم الناس حول قيمتها، ماذا سوف ينتج عن طريقتنا في الحياة والتفكير في ما يتعلّق بالأشياء الأخرى حيث لا يوجد توافق آراء بيننا؟

فيما نحن نبحث عن حلول، يجب أن نأخذ أيضاً بالاعتبار تلك التي ورثناها من الأجيال السابقة. علينا أن ننظر إلى حكمة أولئك الذين سبقونا. ما من عالِم أو مهندس يبدأ ببناء أي شيء من دون دراسة ما فعل الآخرون من قبله في هذا المجال. لن يقف بناؤنا إن تجاهلنا خبرات الأجيال السابقة وحكمتها. إذا نظرنا إلى الوراء، إلى جذور الحضارة الغربية، فإن لدينا أكثر من ثلاثة آلاف سنة من حكمة أجدادنا للاستفادة منها. لدينا كل من الحكمة المعطاة للفلاسفة اليونان، كما لدينا تجربة شعب إسرائيل في علاقته مع الرب. لدينا الوصايا العشر وكتابات الأنبياء، ولكن قبل كل شيء لدينا ملء الوحي اﻹلهي في شخص يسوع المسيح، في تعليمه ومعجزاته، في حياته وموته، وأخيراً في قيامته. لدينا أيضاً ألفا سنة من التطبيق العملي لهذه التعاليم من قبل شعب الله، إسرائيل الجديد، الكنيسة المسيحية.

إذا كنّا نتلهف للعودة إلى الإغريق والرومان لمعرفة المزيد عن الفن والرياضيات والهندسة، ألا ينبغي أن نكون أيضاً حريصين على أن نتعلم منهم عن الحياة؟ إذا كان بإمكانهم أن يعلّمونا كيفية بناء جسر أو مبنى ليبقى عدة قرون، ألا يمكنهم ربما أن يعلّمونا أيضاً كيفية جعل عائلاتنا ومجتمعنا أكثر قوة؟ ففي النهاية، الإمبراطورية الرومانية المسيحية (أو كما هو تُعرَف عموماً بالإمبراطورية البيزنطية) استمرت وازدهرت لأكثر من ألف سنة. أيمكن أن عندهم صيغة النجاح أو مكوناته السرية التي نحتاج؟

إذا تعلّمنا بتواضع من ينبوع المعرفة والحكمة هذا لا يبقى أي احتمال للخطأ. إذا طلبنا إرشاد الله وعنايته فما من إمكانية للفشل. إذا توجهنا إليه وهو الذي خلقنا وشكّلنا فسوف نحصل على ملء التفاهم وملء الحق والحياة. فهو قد قال: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 6) إن الذين يتبعونه سوف يعرفون الحق، والحق سوف يحررهم (يوحنا 08:32) لأنه لا يوجد إلا حقيقة واحدة، وهو كلمة الله المتجسّد، ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح.

اﻷبوة الروحية وعلم النفس الحديث: أفكار للتأمّل

اﻷبوة الروحية وعلم النفس الحديث: أفكار للتأمّل

رئيس الدير غريغوريوس (زايانس)

نقلها إلى العربية اﻷب أنطوان ملكي

أكتب عن هذا الموضوع بخوف وشفقة: الخوف بسبب عدم أهليتي لإجراء تحليل معقّد، لكن معرفتي بتزايد الاعتماد على هذا الحقل ضمن الكنيسة تثير في نفسي القلق على المؤمنين الأرثوذكسيين. لست أقدم تحليلاً معقداً، بل أشارك ببعض اﻷفكار لتدقيق النظر في الموضوع، وأغلبها اقتباسات. يجب أن أشير في كل اﻷحوال، أن المقصود بالخلاصة النهائية هو كلام عام وليس مطلقاً لكل اﻷشخاص.

يعلّم اﻷرشمندريت صوفروني أن خلال ترتيل الشيروبيكون في القداس اﻹلهي، يصلّي الكاهن ليس أحدٌ… أهلاً ﻷن يتقدّم إليك أو يدنو منك أو يخدمك يا ملك المجد، أي ليس أحد مستحقاً أن يقيم القداس اﻹلهي، وعلى المنوال نفسه ما من أحد مستحقاً أن يكون أباً روحياً. من ثمّ يشرح أن سبب هذا هو أن اﻷب الروحي يشارك الله العمل على خلق آلهة غير قابلة للموت. هذا يعني، بالطبع، دعوتنا إلى التألّه. هو، وغيره ممَن كانت لي فرصة التحدث إليهم حول هذا الموضوع، يشددون على حقيقة وجوب أن يكون اﻷب الروحي رجل صلاة. بالرغم من ضرورة اﻹلفة مع تقليد الكنيسة النسكي، وكل ما يخطر ببال اﻹنسان مما قرأه، فوق كل شيء ينبغي أن يسعى اﻷب الروحي للحصول على المعونة اﻹلهية من خلال الصلاة. فاﻵن، اسمحوا لي أن أن أشارك بعض اﻷفكار للاعتبار:

***طرحتُ السؤال التالي على أبٍ من جبل أثوس رغب بأن يبقى مجهولاً (وهو كان طبيباً قبل أن صار راهباً): “لقد التقيت كهنةً في الكنيسة يتّكلون كثيراً على علم النفس الحديث في إرشادهم. أبإمكاننا اللجوء إلى علم النفس؟فكان جوابه: “تعود تعاليم آباؤنا القديسون إلى القرن الرابع، بينما لا تعود جذور علم النفس إلى ما قبل القرن السادس عشر أو السابع عشر في الغرب غير اﻷرثوذكسي. في علم النفس، يكتشفون بعض اﻷمور المفيدة التي عرفها آباؤنا قبل ما يزيد عن اﻷلف سنة. هناك مشكلة في الغرب: إنهم يؤمنون بأن اﻷفكار والفكر شيء واحد بينما، بحسب تعليم الكنيسة اﻷرثوذكسية، الفكر مختلف عن اﻷفكار، ليسا واحداً بل اثنين، وباستمرار ينبغي تنظيف الفكر من اﻷفكار الخاطئة التي تمرّ فيه“.

يمكن ردّ تطور علم النفس إلى مشاكل في المسيحية الغربية تتعلّق بالخلاص. في الكثلكة، الخلاص هو تقيّد نظامي بالقوانين وممارسة اﻷعمال الحسنة. هذا موجود لكي يأخذ كل إنسان ما يستحقه لخلاص نفسه. في البروتستانتية، الخلاص هو مجرد اعتراف باﻹيمان، حيث يصير اسمك مكتوباً في سفر الحياة. لكن في اﻷرثوذكسية، الخلاص هو منهج العمل لتطهير اﻹنسان الداخلي. في هذا المنهج هناك مراحل للنعمة: اﻷولى هذ التطهّر، الثانية هي الاستنارة والثالثة هي الكمال، وهي نادرة. علينا أن نتوب ونتطهر من أفكارنا الخاطئة وخطايانا، ومن ثمّ يصير الفكر مستنيراً بتلقيه أفكار الله.

تطوّر علم النفس في الغرب ﻷن المسيحيين هناك لا يفهمون الحاجة إلى تطهير اﻷفكار. فاﻷفكار الت تعبر في ذهن اﻹنسان يمكن أن تقوده إلى حالة من المرض العقلي، وهكذا يحاول علم النفس أن يحفظ الفكر مشغولاً بأمور أخرى لكي يتلافى هذه الحالة. لهذا، يمكن أن يكون علماء النفس نافعين أحياناً في حفظ اﻹنسان من التقدّم نحو المرض العقلي، لكن علم النفس يعجز فعلياً عن شفاء النفس.

في اﻹشارة إلى هذا، أورد قولاً ﻷحد المبتدئين في ديري السابق نقلاً عن أحد أقربائه الذي يعمل معالجاً نفسياً وله كتب في هذا المضمار: “نحن علماء النفس مثل اﻹسفنجة. نحن نمتصّ مشاكل الناس لكننا نعجز عن شفائهم“.

عندما كنت شمّاساً، حصل أحد الشبان الذين كانوا يترددون على ديرنا شهادة في علم النفس. سألته: “أهي فكرة جيدة أن أدرس شيئاً من علم النفس من أجل خدمتي كأب روحي؟، فأجاب: “لا، فأنتَ لن تتعلّم شيئاً جديداً لخدمتك الروحية، بل سوف يساعدك هذا الدرس في مساعدتهم على تصحيح أخطائهم“.

أخبرني أحد الكهنة عن صديق له اقترح عليه قراءة كتاب عن علم النفس، وقال له أنه على الرغم من عدم كون كل ما في الكتاب تعليماً صحيحاً، فهناك بعض النقاط الجيدة. قال الكاهن أن هذا الرجل كان متّسماً بالتبصّر في ما رأى. مع ذلك، لقد لاحظ تغيّراً في تفكير الرجل بعد قراءة اﻷخير للكتاب. لقد صار أكثر ارتياباً وصار يسعى إلى إيجاد براهين وشروحات منظومة ﻷمور اﻹيمان. لقد صار يطلب أن يحلل أسرار اﻹيمان ويعطيها تفسيرات عقلانية فيما هي لا تحتمل هذا. وكنتيجة لذلك تأذّى إيمانه البسيط.

أعرف كاهناً سابقاً كان في وقت ما متحمساً جداً نحو أحد أبناء رعيته الذي كان عالم نفس اختصاصه العلاج الجماعي. لقد أدخل هذه الممارسة إلى رعيته وراح يقرأ كتب علم النفس. لقد كان عنده شيء من النزاع في زواجه وبنتيجة قراءاته قرر أنه بحاجة إلى علاقة حقيقية مع امرأة طيّبة“. فانتهى متخلياً عن الكهنوت وعن زوجته، وتزوّج ثانيةً.

في محادثة مع اﻷسقف باسيل رودزيانكو، الذي يشغل فصلاً كبيراً من الكتاب الرائج قديسو كل يوم (Everyday Saints)، قال معلّقاً: “كِلا الكنيسة وعلم النفس توافقان بأن الشعور بالذنب يدفع اﻹنسان إلى الجنون. في الكنيسة نتعاطى مع هذا اﻷمر من خلال التوبة، لكن في علم النفس يجرّبون أو يستعملون طرقاً أخرى“.

أحد اﻷشخاص الذين أعرفهم وقد قضى بعض الوقت في دير التجلي اﻹلهي في آلوود سيتي بنسلفانيا، أخبرني ما يلي: “كنت أعاني بعض الصعوبة مع الغضب، وكان كاهننا اﻷب رومانوس مسافراً. فأخبرت الكاهن الزائر عن جهادي. فقال لي بأني بحاجة للعودة إلى الماضي ﻷشفي الطفل الداخلي. لقد اعتقد الكاهن أن العلاج يساعد. عندما عاد اﻷب رومانوس سألته إن كان عليّ أن أفعل ذلك فأجاب: “لا، وإلا سوف تقدّم أدوات للشياطين“. أظن أن ما أثار همّ اﻷب رومانوس هو عودة اﻷهواء القديمة ونتء الجراح التي ما زالت مفتوحة. لقد تعلّمت من أحد علماء النفس أن هدفهم في هذا هو إزالة عقبات الماضي التي قد تسبب سلوكاً غير طبيعي. هذا يطرح السؤال: “أي مقاربة هي اﻷفضل؟ما يلي هو بعض الخواطر ويُترَك للقارئ أن يقرر.

إن الكلام عن استرجاع الماضي يذكّر برسالة للأب يوحنا وهو شيخ من القرن العشرين في دير بلعام، حيث يكتب: “المخيّلة والذاكرة هما حاسة داخلية واحدة. في بعض اﻷحيان يضربنا تذكّر بعض اﻷحداث السابقة على رأسنا كالمطرقة. الحاجة في هذا الوقت هي للصلاة المركّزة، والصبر أيضاً. يجب أن تمتلئ ذاكرتنا من قراءة الكتاب المقدّس وكتابات اﻵباء القديسين. بتعبير آخر، لا ينبغي أن يكون الفكر عاطلاً عن العمل. ينبغي استبدال اﻷحداث السابقة بأفكار أخرى، وتدريجياً تُطرَد الذكريات السابقة وتعبر الكآبة. لا يمكن أن يعيش سيدان معاً في قلبٍ واحد“.

أحد المعارف اﻵخرين أخبرني شيئاً على علاقة بهذا: “عندما زرتُ دير القديس يوحنا المعمدان في بريطانيا، كانت لي بركة التحدّث إلى اﻷب صوفروني. لقد كان عندي أسئلة مكتوبة قرأها له رئيس الدير اﻷب كيرللس. عندما جلسنا لنتحدّث سألني اﻷب صوفروني: “أين درستَ علم النفس؟لقد انذهلت من سماعه يقول هذا، ﻷني كنت قد سبق ودرست علم النفس لمدة فصل في الكلية وقد كان اهتمامي بهذا العلم نهماً. لقد أحسّ بأني أفرِط في تفحص نفسي وتحليلها، فقال: “هناك البعض ممن قاموا بذلك وصاروا قديسين” (أظن أنه كان يفكّر بالقديس يوحنا السلّمي الذي تفحص اﻷهواء في السلم إلى الله وحكى عن عمل الفضيلة بالتفصيل)، ومن ثمّ تابع: “لم تكن هذه الطريق بالنسبة للقديس سلوان، ولا هي طريقنا. الطريق بالنسبة لي هي مباشرة إلى الأمام”.

اسمحوا لي أن أعلق على الكلمات: “الطريق بالنسبة لي هي مباشرة إلى الأمام”. قال القديس سارافيم أن هدف الحياة المسيحية هو اكتساب نعمة الروح القدس. نحن بحاجة ﻷن ندرك أخطاءنا ونعترف بها. وبدلاً من أن نحاول تفحص وإصلاح كل ما يبدو أنه خطأ معنا، علينا أن نتقدّم مباشرة ونطلب اكتساب نعمة الروح القدس. فيما ننمو في نعمة الله تتراخى قبضة اﻷهواء علينا. كل ضعفات نفسنا وأمراضها يصير حملها أيسر. كلمات الشيخ يوحنا البلعامي تنطبق هنا إذا استبدلنا كلمة ذاكرةبـ نفسوكآبةبـ أهواء“…

يجب أن تمتلئ ذاكرتنا (أو نفسنا) من قراءة الكتاب المقدس وكتابات اﻵباء القديسين. بتعبير آخر، لا ينبغي أن يكون الفكر عاطلاً عن العمل. ينبغي استبدال اﻷحداث السابقة بأفكار أخرى، وتدريجياً تُطرَد الذكريات السابقة وتعبر الكآبة (أو اﻷهواء). لا يمكن أن يعيش سيدان معاً في قلبٍ واحد“.

إن مقاربة علم النفس مختلفة. يعلّق أحد اﻵباء الرهبان الذين درسوا في معهد القديس تيخن قائلاً: “علم النفس هو شكل علماني من الديانة الشرقية. يحاول علماء النفس سحب كل اﻷجزاء في المكان الصحيح“. حتّى أنهم قد يظهرون وكأنهم يكمّلون ما هو على صورة الله في النفس. لكن اﻷب صوفروني يعلّق على الذين يختبرون حالة الكمال في الديانة الشرقية بأن إله الكلّ ليس في هذا“.

في الخلاصة، أختم بملاحظة للأرشمندريت صوفروني: “علم النفس ليس نافعاً للذين في الكنيسة. اﻷب الروحي يساعد الذين يأتون إليه ﻷنّه مرّ بجهادات مماثلة وتعلّم من معاناته“.

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس – الملوك الأوائل

دليل الأعلام في الكتاب المقدّس

إعداد ماريا قبارة

الملوك الأوائل

شاول: (سُئل من الله) أول ملوك بني اسرائيل حوالي 1030 ق.م. لاقاه النبي صموئيل ومسحه ملكاً. حاربَ الفلسطينيين والعمالقة ومات في معركة الجلبوع. 1صم2:9؛ 13:3؛ 10؛ 15؛ 18؛ 24؛ 26؛ 31. 2صم1.

يسّى: والد داود النبي، من بيت لحم، من سبط يهوذا، حفيد راعوث وبوعز، جدّ السيد المسيح. 1صم16-17.

يوناثان: (أعطى) الابن الأكبر لشاول، أقسم على ولائه لداود. 1صم13-14؛ 18-20؛ 16:23-18؛ 2:31.

جولياث: (المنفي أو المنجّم ) جبّار فلسطيني من جِت. بلغ طوله أكثر من 9 أقدام. بارزه من بني إسرائيل داود النبي وقتله بحجر من مقلاعه. 1صم17.

داود: (الصديق أو المحبوب) 1010-970 ق.م. ثاني ملوك اليهود. والد سليمان الحكيم وأحد أجداد السيّد المسيح. ابن يسّى من سبط يهوذا ومن بيت لحم اليهوديّة. اشتهر بمقتل جُلياث الجبّار الفلسطيني. خلف شاول في المُلك وهو لايزال في أول شبابه يرعى قطعان أبيه. أسسّ مملكة يهوذا ووطدَّ أركانها وأعطاها أورشليم عاصمة لها بعد أن أخذها من اليبّوسيين رغم ورعه وعدله. قتل أوريّا أحد أركان جيشه ليتزوج بتشابع امرأته ثم ندم ندامة يضرب بها المثل. إليه يُنسب سفر المزامير. يطلق عليه داود النبي مرنّم إسرائيل الحلو“. صموئيل الأول والثاني. 1 أخ:11-29.

أبشالوم: (أبو السلام) ثالث أبناء داود. ولد في حبرون واسم أمّه معكة بنت تلماي ملك جشور في آرام. قادَ تمرداً ضدّ والده، وقاتله وانهزم فقتله يؤاب خلافاً لأمر داود. 2 صم13-18.

ميكال: (من يشبه الله؟) ابنة شاول؛ زوجة داود، التي ساعدته في الهرب من أبيها، لكنّها استنكرت رقصه قدّام تابوت العهد. 1صم49:14؛ 20:18-27؛ 44:25. 2صم20:6-23.

هيمان: (أمين) ابن زارح من بني يهوذا. أحد قادة الموسيقى في الهيكل الذي عيّنهم داود. ناظم المزمزر الثامن والثمانين.

بتشبع: (الابنة السابعة) زوجة أوريّا الحثّي؛ اقترفَ معها داود خطيّة الزّنا ثم تزوّجها في ما بعد؛ أمّ سليمان. 2صم11-12؛ 1مل1-2.

نابال: (غبي) زوج أبيجايل. هو أحد أصحاب القطعان وكان يقيم في بلدة معون من بني كالب. كان غنياً جداً ولكنّه قاسياً وبخيلاً. رفض استضافة داود. 1صم25.

يؤآب: (يهوه أب) ملك اسرائيل 798-783 ق.م. ازدهرت في عهده مملكة الشمال. غلبَ أمصيا واحتلَّ أورشليم.

سليمان: (رجل سلام) ملك اسرائيل في عصرها الذهبي 970-935 ق.م. هو ابن داود من بتشبع. انصرف إلى تنظيم المملكة الإداري والاقتصادي فبلغت مملكته أوج مجدها. شيّد هيكل أورشليم. أنصف برجاحة عقله حتى أصبح اسمه مرادفاً للحكمة (سليمان الحكيم). 1مل1-11.

أوريّا: (يهوه نوري) محارب حثيّ في جيش داود، زوج بتشبع، أرسله داود ليلقى حتفه. 2صم11؛ 12. 1أخ41:11. 2صم39:23.

أبيجايل: (فرح أبيها) امرأة نابال. امرأة ذكية الفهم جميلة المنظر. تزوّجت داود فيمابعد. 1صم3:25؛ 14-44.

أتّاي: (الرب معي) فلسطيني من جتّ وقف إلى جانب داود، وقاد ثلث جيش داود في المعركة أثناء تمرّد أبشالوم. 2صم18-22؛ 2:18-5.

أدونيا: (يهوه هو السيّد) ابن داود الذي حاول أن يستولي على العرش المقرّر لسليمان. اسم أمّه حجّيث. كان محبوباً لدى أبيه بعد أبشالوم. 1مل1-2

حيرام: (الأخ يُرَفّع) 969-935ق.م. ملك صور. حليف داود وسليمان. أرسل خشب الأرز وعمالاً ماهرين إلى أورشليم لبناء قصر داود ثم الهيكل في أيام سليمان. عقد معه معاهدة صلح واشترك معه بادارة اسطول تجاري في البحر الأحمر. 1مل5؛ 9-10.

ايشبوشث: (رجل العار) ابن شاول الملك، جعله أبنير ملكاً. 2صم2-4

أمنون: (أمين) ابن داود. ولد في حبرون. اعتدى على ثامار وقتله أبشالوم. 2صم13. 1أخ1:3.

أبنير: (الأب نور) قائد جيش الملك شاول، قتل على يد يؤآب وأبيشاي. 1صم50:14؛ 2صم3؛ 8:2.

أخيشوفل: (أخو الجهل) مستشار داود الذي ساندَ أبشالوم. 2صم12:15، 23:17.

أبياثار: (أبو الفضل) ابن أخيمالك. كاهن نوب الذي انضم إلى داود، اشترك مع صادوق في رئاسة الكهنوت. 1صم20:22.

صادوق: (فاضل أو عادل) رئيس الكهنة في عهد داود الملك مع أبياثار، مؤسس سلالة الكهنة في اسرائيل، إليه انتسب الصدوقيون. 2صم15؛ 15:17؛ 11:19. 1مل1، 25:2.

ذكر الله وذكر الموت

ذكر الله وذكر الموت

من وحي القراءة اﻹنجيلية في اﻷحد التاسع من لوقا (لو 12: 16-21 )

اﻷب أنطوان ملكي

في تقليدنا الكنسي تعليم كثير عن ذِكرين: ذكر الله وذكر الموت. فذكر الله هو الصلاة واستدعاء الاسم اﻹلهي. ففي المزامير يظهر اسم الله كموضوع للصلاة: “ذكرت في الليل اسمك يا رب” (55:119) ولذلك أعترف لك يا رب بين الأمم ولاسمك أرتل” (50:17)، أو كتعبير عن البركة هكذا أباركك في حياتي.. وباسمك أرفع يدي” (4:63)، أو لتمجيد الله يحمدون اسمك العظيم والمهوب. قدوس هو” (3:99). وذكر الله كان المحرّك اﻷساسي لنشوء صلاة يسوع وانتشارها بين المؤمنين. فالقديس إفرام السرياني يربط بين ذكر اسم الله واليقظة: “لأنّ ذكر الله حاضر عند المتيقّظ، وحينما يتلو ذكر الله تكفّ عنه كلّ أفعال الخبيث“. أمّا القديس إسحق السرياني فيعلّم الصلاة بانتباه هي الصلاة التي تفضي إلى ذكر دائم لله في النفس“. القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي يشدّد على ذكر الله ذكراً داخلياً مستديماً. فالذكر المدعوم بالصمت يحفظ حرارة النفس وتجمّعَها وخشوعها ويأتي بالقلب إلى التوجع والوداعة. أمّا القديس يوحنا السلمي فيخبر عن أناس تلألأوا بطاعتهم، ولا يتوانون قدر طاقتهم عن ذكر الله في ذهنهم، حالما يقفون في الصلاة يضبطون عقلهم سريعاً“. من بعدهم القديس مكسيموس المعترف يعلّم أنّه طالما ذكر الله محفوظ فإن بذار الصلاح الإلهي محفوظة من التلفويتطرّق إلى ذكر الموت ليس هناك من عمل أكثر رهبة من ذكر الموت ولا أكثر جمالاً من ذكر الله“. القديس بطرس الدمشقي يعلّم عن ضرورة حفظ ذكر الله باستمرار للتغلّب على الشياطين الذين يهاجمون، حتّى الذين يكون فكرهم مركّزاً بالكليّة على ذكر الله، وعليه ينبغي حفظ ذكر الله، أي الصلاة المستمرّة، كما يحفظ المرء نفسه، لأنّ كلّ ما هو حولنا يذكّرنا بالله. [لمزيد من اﻷقوال والاقتباسات اﻵبائية عن ذكر الله العودة إلى كتاب حوار القلب ذكر الله في المسيحية الأرثوذكسية والتصوف الإسلاميتأليف سميرة عوض ملكي، منشورات تعاونية النور للطباعة والنشر].

أمّا ذكر الموت فهو شكلان. الشكل اﻷول يؤدّي إلى الضمير الحي ومن ثمّ إلى التوبة. مَن اكتسب هذا الشكل يرى نفسه واقفاً للدينونة أمام الله، وﻷنه لا توبة بعد الموت يصير الموت حافزاً للتوبة. هذ الذكر مع التقوى يكسِب ذكر الله ويشدد اﻹنسان للتمسّك بذكر الله والصلاة والرحمة. اﻹنسان الذي يذكر الموت كعبور إلى الحياة الفضلى يكون واقعياً، فلا يتحوّل عمله إلى طمع، ولا تتحوّل تقواه إلى توهّم القداسة. بالنسبة إليه لا يجوز أن يزيد اﻷخذ عن العطاء وهو لا يخاف أن يعطي لأنه يعرف أن كل العطايا هي من لدن الله. محبته لا تشترط المبادلة. علاقاته مع الآخرين تكمها صورة الله التي فيهم لا المصلحة التي يوفرونها.

أمّا الشكل الثاني فهو المرتكز إلى التفكير الدهري المادي الذي يرى أن في الموت انتهاء لمرحلة الحياة هذه والانتقال إلى العدم. هذا الفكر يحوّل اﻹنسان إلى كائن جشع تبرر غايته كل الوسائل ولا غاية عنده تعلو على تحقيق أكبر قدر ممكن من خيرات الدنيا ومباهجها قبل أن يدهمنا الموت. فالموت بالنسبة لهؤلاء هو نهاية بحد ذاته. إنهم لا يؤمنون بالقيامة. حتى شؤون اﻷرض صاروا يتعاطونها من خلال مصالحهم. الغني في القراءة الإنجيلية المذكورة أعلاه هو مثال صارخ على هذا. مَن تذكّر الموت بشكل مَرَضي، أي من دون ارتباطه بالتدبير اﻹلهي، يعاني من اتّزانه. لا يحتمل موت أحد، خاصةً أحبائه. الخوف يصير خبزاً يومياً له وحاكماً في الكثير من تصرفاته وقراراته. ليس سهلاً عليه احتمال المرض ﻷنّ فيه إمكانية التطور إلى الموت. اﻷلم، مهما كان بسيطاً، مرعب ما يجعل ألمه مضاعَفاً.

إن مَن يكتسب ذكر الله، لا بد أن يكتسب ذكر الموت الصحيح. طبعاً لا يعود الموت يخيفه كَحَدَث. مَن يذكر الله، يعرف أن الموت مرحلة ويتعاطى معه على هذا اﻷساس. همّه اﻷول يصير أن يكون تائباً عند وصول الموت ﻷنه يعرف أن لا توبة من بعده. كل الأمور اﻷخرى لا تعود موضوع تعلّق عنده لأنّ تعلّقه صار بما هو أبعد. كل أفعاله تصير من ضمن هذه الرؤية. هو لا يحتقر هذه الدنيا بمعنى التكبّر عليها، بل بمعنى عدم تعلّقه بها. حتّى أحباؤه، فتصير شهوته أن يراهم قدّيسين لا أن يراهم أغنياء وميسورين ومستقبلهم مؤمّن، ﻷنّه يعرف أن المستقبل الحقيقي هو في رضى الله. يؤلمه أن ينتقل أحدهم لكنه لا يرميه في اليأس ولا يحمله على إعادة النظر في نظرته إلى الدنيا، لا بلّ يثبّته في نظرته وينير له دربه. مَن اكتسب ذكر الله ومن ثمّ ذكر الموت يصير أعلى من المصالِح ﻷنّه يعرف أن مصلحته ليست عند أي إنسان مهما علا شأنه وازداد جبروته.

نقرأ في أكثر من مكان في تقليدنا أنّ الكنيسة أبيمارستان، أي مستشفى. وهذا صحيح بأنها مستشفى في تكامل عملها الروحي – الرعائي الذي يتحقق بانخراط أبنائها في حياتها النسكية وممارستها اﻷسرارية. يتحقق الشفاء عند المؤمن بتكامل أوجه حياته الواحدة. من أسوأ نتائج الحضارة أنها أقنعت إنسان اليوم أن له حيوات (اجتماعية وسياسية وعائلية ومهنية وغيرها). هذه القناعة هي بذور الانفصام الذي يعذّب البشرية إذ ينسى الناس أنهم على الصورة والمثال.

النسك بلا أسرار هو ديانة شرقية، واﻷسرار بلا نسك هو ديانة غربية. اﻷرثوذكسية هي الاثنان في تكامل يظهر فيه عمل النعمة وجهاد اﻹنسان. إذا ظنّ اﻹنسان أنّ ما هو عليه هو بسبب جهاده، يبطِل عمل النعمة ويكون مصيره كالغني في المثل. وإذا تراخى اﻹنسان عن جهاده تاركاً كل شيء للنعمة، يصير كالعبد الذي طمر الوزنات متوقعاً مكسباً لا يستحقه ﻷنه لم يعمل له. من هنا يُفهم كون التمييز من أعلى مظاهر النعمة.

إن كثافة اهتمامات الإنسان المعاصر، ضغط متطلبات الحياة، واﻷنظمة التربوية القائمة تنقل تركيز اﻹنسان. لم يعد الله مركز الجاذبية (center of gravity) في اﻹنسان. أرثوذكسي القرن الحادي والعشرين ليس لديه متّسع من الوقت للتأمّل، فصار يستورده بوصفات مُعَدّة. إنه لا يبحث عن شيء يقرؤه فيقرأ ما يضعونه أمامه، لذا متى قيل له أن التأمّل اﻵتي من الهند هو وصفة ناجحة يتهافت عليه لأنه لا يعرف التقليد الهدوئي الذي تختزنه الكنيسة. حتّى الأعشاب والتوابل صارت علاجات نفسية عند إنسان هذا العصر، الذي تمنعه كبرياؤه من الاعتراف. صار يتوقّع نظافة داخله من كبسولة، لأنه متعَب ومشوّش لا يستطيع أن يقف في الليل ولا أن يفتح يديه ولا أن يطلب الرحمة. وهذا انسحب على اﻷسرار. فصارت المعمودية طقساً للدخول في الجماعة، من دون الخوض بمتطلبات الانتماء إلى هذه الجماعة، والمناولة صارت كبسولة تُضاف إلى غيرها من الكبسولات. فإذا مرض إنسان وادّهن بالزيت أو تناول ولم يشفَ يفقد إيمانه ويبتعد عن الكنيسة.

لم تعد الكنيسة تصبغ العالم بل العكس صحيح. من هنا تأتي أهمية أن يعود ذكر الله والموت إلى حياة الناس فلا تكون تقواهم وهماً ولا صلاتهم هباء من الكلمات.